جنايته، وكذلك المحرم بالعمرة، وهذا لا خلاف فيه، والقارن يجمع بين الحرمتين: حرمة حج وحرمة عمرة، فإذا وجب لحرمة واحدة طواف واحد وسعي واحد، فالقياس عليه أن يكون على من يجمع حرمتين: طوافان وسعيان، وكذلك في الجناية كفارتان.
قوله: "وكلٌّ قد أجمع". أي كل الخصوم قد أجمعوا أنه أي أن الذي يجمع بين الحج والعمرة، وهو القارن.
قوله: "في انتهاك الحُرَم". بضم الحاء وفتح الراء، جمع حرمة.
ص: فأدخِل على هذا القول، فقيل: قد رأينا الحلال يصيب الصيد في الحرم فيجب عليه الجزاء لحرمة الحرم، ورأينا المحرم يصيب صيدًا في الحل فيجب عليه الجزاء لحرمة الإِحرام، ورأينا المحرم إذا أصاب صيدًا في الحرم وجب عليه جزاء واحد لحرمة الإِحرام ودخل [فيه] (١) حرمة الجزاء لحرمة الحرم، وهو في وقت ما أصاب ذلك الصيد في حرمتين: في حرمة إحرام، وحرمة حرم، فلم يجب عليه لكل واحدة من الحرمتين ما كان يجب عليه لها لو أفردها، قالوا: فكذلك القارن فيما كان يجب عليه لكل واحدة من عمرته وحجته لو أفردها لا يجب عليه في ذلك لما جمعهما إلاَّ مثل ما يجب عليه في إحداهما ويدخل ما كان يجب للأخرى لو كانت مفردة في ذلك.
قيل لهم: إنكم لِمَ تقولون أن ما يجب على المحرم في قتله الصيد في الحرم جزاء واحد وقد قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏: إن القياس كان عندهم في ذلك أنه يجب عليه جزاءان: جزاء لحرمة الإِحرام، وجزاء لحرمة الحرم، وأنهم إنما خالفوا ذلك استحسانًا ولكنا لا نقول في ذلك كما قالوا، بل القياس عندنا في ذلك ما ذكروا أنهم استحسنوه، وذلك أنا رأينا الأصل المجتمع عليه: أنه يجوز للرجل أن يجمع بين حجة وعمرة ولا يجمع بين حجتين ولا بين عمرتين، فكان له
стр. 4832
أن يجمع بإحرام واحد بين شكلين مختلفين، فيدخل بذلك فيهما ولا يجمع بين شيئين من صنف واحد، فلما كان ما ذكرنا كذلك؛ كان له أن يجمع أيضًا بأدائه جزاء واحدًا ما يجب عليه بحرمتين مختلفتين وهما: حرمة الحرم التي لا يجزىء فيها الصوم، وحرمة الإِحرام التي يجزىء فيها الصوم، ويكون بذلك الجزاء الواحد مؤديًا عما يجب عليه فيهما، فلم يكن له أن يجمع بأدائه جزاء واحدًا عما يجب عليه في انتهاك حرمتين مؤتلفتين من شكل واحد وهما: حرمة العمرة وحرمة الحج، كما لم يكن له أن يدخل بإحرام واحد في حرمة شيئين مؤتلفين.
ولما كان ما ذكرنا أيضًا كذلك وكان الطواف للحجة والطواف للعمرة من شكل واحد لم يكن بطواف واحد داخلًا فيهما، ولم يكن ذلك الطواف مجزئًا عنهما، واحتاج أن يدخل في كل واحد منهما دخولًا على حدة، قياسًا ونظرًا على ما ذكرنا مما يجمعه بإحرام واحد من الحجة والعمرة المختلفتين، ومما ذكرنا مما لا يجمعه من الحجتين المؤتلفتين ومن العمرتين المؤتلفتين.
ش: أراد به: [اعتراض] (١) على ما ذكر من وجه النظر والقياس من جهة الخصم، تقرير الاعتراض أن يقال: لا يلزم من دخول القارن في حرمتين أن يجب عليه طوافان قياسًا على وجوب الكفارتين إذا جنى لأجل الحرمتين؛ لأنا رأينا المحرم إذا أصاب صيدًا فإنه يجب عليه جزاء واحد، مع أن فيه حرمتين: حرمة الإِحرام وحرمة الحرم.
وتقرير الجواب أن يقال: إنكم قلتم بوجوب جزاء واحد على المحرم المذكور استحسانًا لا قياسًا؛ لأن القَياس عندكم يقتضي جزاءين لتعدد الجناية على الإِحرام والحرم، فلا يلزم من ترك القياس ها هنا عدم صحة القياس عليه، على أنّا نقول: القياس عندنا في مسألة المحرم المذكور هو ما قالوا أنه استحسان، وبَيَّنَ ذلك بقوله: "وذلك أنا رأينا الأصل ... إلى آخره"، وهو ظاهر لا يحتاج إلى كثرة كلام.
стр. 4833
ص: فإن قال قائل: فقد رأيناه يحل من حجته وعمرته بحلق واحد ولا يكون عليه غير ذلك، فكذلك أيضًا يطوف لهما طوافًا واحدًا ويسعى لهما سعيًا واحدًا ليس عليه غير ذلك.
قيل له: قد رأيناه يحل بحلق واحد من إحرامين مختلفين لا يجزئه فيهما إلاَّ طوافان مختلفان، وذلك أن رجلاً لو أحرم بعمرة فطاف لها وسعى وساق الهدي ثم حج من عامه فصار بذلك متمتعًا أن حكمه في يوم النحر أن يحلق حلقًا واحدًا فيحل بذلك الحلق منهما جميعًا، وكان يحل بحلق واحد من أحرامين مختلفين قد كان دخل فيهما دخولاً متفرقًا، ولم يكن ما وجب من ذلك من حكم الحلق موجبًا أن حكم الطواف لهما كان كذلك، وأن طوافه واحد، بل هو طوافان، فكذلك ما ذكرنا من حلق القارن لعمرته وحجته حلقًا واحدًا لا يجب به أن يكون كذلك حكم طوافه لهما طوافًا واحدًا، ولما كان قد يحل في الإِحرامين اللذين قد دخل فيهما دخولًا متفرقًا بحلق واحد، كان في الإِحرمين اللذين قد دخل فيهما دخولًا واحدًا أحرى أن يحل منهما كذلك.
ش: تقرير السؤال أن يقال: لمَّا كان القارن يحل من حجته وعمرته جميعًا إذا حلق رأسه، ولا يجب عليه شيء غير ذلك، فبالحلق الواحد يحصل الإِحلال، فكذلك ينبغي أن يكتفي بطواف واحد، وسعي واحد، ولا يحتاج إلى طوافين وسعيين.
وملخص الجواب أن يقال: لا يلزم من حصول الإِحلال من الحجة والعمرة بحلق واحد أن يكون الطواف واحدًا والسعي واحدًا، ألا ترى أن من أحرم بعمرة ثم طاف لها وسعى وكان سائق الهدي، ثم أحرم بحج من عامه ذلك كان متمتعًا، ثم إنه يحل عن الإِحرامين جميعًا بحلق واحد يوم النحر، ومع هذا لا بد له من طوافين بلا خلاف، ولم يكن ذلك موجبًا أن يكون الطواف كذلك واحدًا، فكذلك حلال القارن بحلق واحد لا يستلزم أن يكون طوافه كذلك، فإذا كان الإِحلال عن الإِحرامين اللذين كان فيهما الدخول متفرقًا يحصل بحلق واحد، فبالطريق الأولى أن يحصل عن الإِحرامين اللذين كان فيهما الدخول واحدًا.
стр. 4834
ص: فهذا هو النظر في هذا الباب على ما روي عن علي وعبد الله ﵄ من وجوب الطواف لكل واحدة من العمرة والحجة، وعك ما ذكرنا من النظر على ذلك في وجوب الجزاء لكل واحدة منهما في انتهاك حرمتهما.
وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي هذا الذي ذكرنا من الطوافين والسعيان على القارن هو النظر والقياس، على ما روي عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود من وجوب الطواف على القارن لأجل كل واحدة من عمرته وحجته على ما مرّ بيانه فيما مضى، وعلى ما ذكرنا من القياس على تعدد الجزاء في جناية القارن، والله أعلم.
***
стр. 4835
ص: باب: حكم الوقوف بمزدلفة
ش: أي هذا باب في بيان حكم الوقوف بمزدلفة، هل هو واجب أم سُنَّة؟
والمزدلفة على وزن منفْتَعِلَة بكسر اللام من الازدلاف وهو الاجتماع، سميت بذلك لاجتماع الناس فيها، وقيل: لاقتراب الناس فيها من منى، والازدلاف: الاقتراب، وقيل: للنزول بها بالليل في زلفة منه، وقال الكلبي: سميت بذلك لأن الناس يدفعون منها زلفة جميعًا، يزدلفون منها إلى موضع آخر، وحدّ المزدلفة ما بين مأزمي عرفة وقرن محسر يمينًا وشمالًا من الشعاب والجبال، وقال أبو علي: آخر مزدلفة محسر، وأول منى بطن محسر.
قلت: المأزم: المضيق من الجبال حيث يلتقي بعضها ببعض، ويتسع ما ورآءه، والميم زائدة وكأنه من الأزم وهو القوة والشدة.
والمزدلفة لها اسمان آخران: جمع، والمشعر الحرام، وعن ابن عمر ﵄: "المشعر الحرام هو المزدلفة كلها" (١)؛ وسمي جمعًا لأن آدم وحواء صلوات الله عليهما وسلامه اجتمعا بها.
والمشعر الحرام بفتح الميم، وقيل: إن أكثر العرب تقول: بكسر الميم، وقال القتبي: لم يقرأ به أحد، وذكر الهذلي أن أبا السمال أقرأه بالكسر، قال الأزهري: سمي مشعرًا لأنه معلم للعبادة، وقال الكرماني: الأصح أن المشعر الحرام هي المزدلفة لا غير المزدلفة.
قلت: كلامه يشعر أن ثمة من يقول أن المشعر الحرام غير المزدلفة.
وفي "المطالع": مزدلفة هي المشعر الحرام وتفتح ميم المشعر وتكسر أيضًا في اللغة لا في الرواية. انتهى.
стр. 4836
وعن قطرب: قالوا: مَشْعَر بفتح الميم والعين، ومِشْعَر بكسر الميم وفتح العين، ومَشعِر بالعكس ثلاث لغات.
وأما مُحَسّر فهو بضم الميم وفتح الحاء وكسر السين المشددة المهملة، وهو وادي بجمع، وهو بين يدي موقف المزدلفة مما يلي منى وهو مسيل قدر رمية بحجر من المزدلفة ومنى. ذكره أبو عُبيد.
وقال الطبري: مُحسّر اسم فاعل من حَسَّر بتشديد السين سمي بذلك؛ لأن قيل أصحاب الفيل حُسِّر فيه أي أعيى وذل عن السير.
قلت: هذا لا يصح؛ لأن الفيل لم يدخل الحرم؛ وقيل: لأنه يحسّر سالكيه ويتعبهم؛ ويسمى وادي النار لأن رجلاً اصطاد فيه فنزلت نارٌ فأحرقته، واستحب الإِسراع فيه لأنه كان موقفًا للنصارى، فاستحب رسول الله ﵇ الإِسراع فيه.
قلت: أبو السمال بفتح السين المهملة وتشديد الميم وفي آخره لام- العدوي واسمه قعنب، روى عنه أبو زيد النحوي حروفًا في القراءات.
ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عروة بن مضرس، قال: "أتيت النبي ﵇ بجمع، فقلت: يا رسول الله، هل لي من حج وقد أنضيت راحلتي؟ فقال: من صلى معنا هذه الصلاة وقد وقف معنا قبل ذلك [و] (١) أفاض من عرفة ليلاً أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه".
حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن ابن أبي السفر وإسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي وزكرياء، عن الشعبي وداود بن أبي هند، عن الشعبي، عن عروة بن مضرس، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا روح بن الفرج قال: ثنا حامد بن يحيى قال: ثنا سفيان، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، وابن أبي هند، عن الشعبي، وزكرياء عن
стр. 4837
الشعبي، قال: سمعت عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لأم الطائي يقول: "أتيت رسول الله ﵇ بمزدلفة، فقلت: يا رسول الله جئت من جبلي طيء، ووالله ما جئت حتى أتعبت نفسي وأنضيت راحلتي، وما تركت حبلًا رملًا من هذه الحبال إلاَّ وقد وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﵇: مَنْ شهد معنا هذه الصلاة صلاة الفجر بالمزدلفة وقد كان وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه".
قال سفيان، وزاد زكرياء فيه -وكان أحفظ الثلاثة لهذا الحديث- قال: "قلت: يا رسول الله، أتيت هذه الساعة من جبلي طيء، أكللت راحلتي وأتعبت نفسي فهل لي من حج؟ فقال: مَن شهد معنا هذه الصلاة، ووقف معنا حتى نفيض، وقد كان وقف قبل ذلك بعرفة من ليل أو نهار فقد تم حجه وقضى تفثه".
قال سفيان: وزاد داود بن أبي هند: "قال: أتيت رسول الله ﵇ حين برق الفجر ... " ثم ذكر الحديث.
ش: هله ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن يزيد بن سنان القزاز شيخ النسائي أيضًا، عن يزيد بن هارون الواسطي شيخ أحمد، روى له الجماعة.
عن إسماعيل بن أبي خالد هرمز أو سعد البجلي الكوفي أحد مشايخ أبي حنيفة، روى له الجماعة.
عن عامر الشعبي روى له الجماعة.
عن عروة بن مُضرِّس -بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وكسر الراء المشددة وفي آخره سين مهملة- بن أوس بن حارثة بن لأم الطائي الصحابي، شهد مع النبي ﵇ حجة الوداع، قال ابن المديني: لم يرو عنه غير الشعبي.
وأخرجه الأئمة الأربعة على ما نذكره.
стр. 4838
وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عروة بن مضرس الطائي: "أنه حج على عهد النبي ﵇ فلم يدرك الناس إلاَّ وهم بجمع، قال: فأتيت النبي ﵇، فقلت: يا رسول الله، أتعبت نفسي وأنضيت راحلتي، والله ما نزلت حبلاً من الحبال إلاَّ وقد وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﵇: من صلى معنا هذه الصلاة وقد أفاض قبل ذلك من عرفات ليلاً أو نهارًا، فقد قضى تفثه وتم حجه".
الثاني: عن ابن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة بن الحجاج، عن عبد الله بن أبي السفر -بفتح السين المهملة وفتح الفاء- واسمه سعيد بن محمد الثوري الكوفي، روى له الجماعة، وعن إسماعيل بن أبي خالد، كلاهما عن عامر الشعبي، عن عروة بن مضرس، وعن زكرياء بن أبي زائدة ميمون الكوفي -أحد أصحاب أبي حنيفة، روى له الجماعة، عن الشعبي، وعن داود بن أبي هند عن الشعبي.
والحاصل أن شعبة روى هذا الحديث عن هؤلاء الأربعة: عبد الله بن أبي السفر، وإسماعيل بن أبي خالد، وزكرياء بن أبي زائدة، وداود بن أبي هند، وهؤلاء الأربعة قد رووه عن الشعبي، عن عروة بن مضرس.
أما رواية عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي فقد أخرجها النسائي (٢): أنا إسماعيل ابن مسعود، نا خالد، عن شعبة، عن عبد الله بن أبي السفر، قال: سمعت الشعبي يقول: حدثني عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لأم قال: "أتيت النبي ﵇ بجمع؛ فقلت: هل لي من حج؟ فقال: من صل هذه الصلاة معنا، ووقف هذا الموقف حتى نفيض، وأفاض قبل ذلك من عرفات ليلاً أو نهارًا؛ فقد تم حجه وقضى تفثه".
стр. 4839
وأما رواية إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي فقد أخرجها الطحاوي كما ذكر، وابن أبي شيبة (١) أيضًا.
وأما رواية زكرياء بن أبي زائدة، عن الشعبي فقد أخرجها الترمذي (٢): ثنا ابن أبي عمر، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن داود بن أبي هند وإسماعيل بن أبي خالد وزكرياء بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن عروة بن مضرس ابن أوس بن حارثة بن لأم الطائي قال: "أتيت رسول الله ﵇ بالمزدلفة، حتى خرج إلى الصلاة فقلت: يا رسول الله، ما تركت من حبل إلاَّ وقفت عليه، هل لي من حج؟ فقال رسول الله ﵇: من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهارًا؛ فقد تم حجة وقضي تفثه".
وأما رواية داود بن أبي هند عن الشعبي فقد أخرجها الطبراني في "الكبير" (٣): نا زكرياء بن يحيى الساجي، ثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، ثنا سفيان بن عيينة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن عروة بن مضرس قال: " [رأيت] (٤) رسول الله ﵇ واقفًا بالمزدلفة، فقال: من صلى صلاتنا هذه، ثم أفاض معنا، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهارًا؛ فقد تم حجه".
الثالث: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن حامد بن يحيى بن هانىء البلخي نزيل طرسوس وشيخ أبي داود عن سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر الشعبي.
ورواه سفيان بن عيينة أيضًا عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، وعن زكرياء بن أبي زائدة عن الشعبي.
стр. 4840
والحاصل أن ابن عيينة روى هذا الحديث عن هؤلاء الثلاثة، وهؤلاء الثلاثة عن الشعبي.
وأخرجه الترمذي (١) نحوه، وقد ذكرنا آنفًا.
قوله: "وابن أبي هندٍ" بالرفع عطف على قوله: "إسماعيل بن أبي خالد"، وكذلك قوله: "وزكرياء" بالرفع عطف عليه.
والحديث أخرجه أبو داود (٢) أيضًا: عن مسدد، قال: نا يحيى، عن إسماعيل، قال: نا عامر، قال: أنا عروة بن مضرس الطائي، قال: "أتيت النبي ﵇ بالموقف -يعني بجمع- فقلت: يا رسول الله، جئت من جبلي طيّ، أكللت مطيتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من حبل إلاَّ وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﵇: من أدرك معنا هذه الصلاة، وأتى عرفات قبل ذلك ليلاً أو نهارًا، فقد تم حجه وقضى تفثه".
وأخرجه ابن ماجه (٣): عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد، كلاهما عن وكيع، عن إسماعيل، عن عامر الشعبي ... إلى آخره نحوه.
ولما أخرجه الترمذي (٤) قال: هذا حديث حسن صحيح.
ويقال: إن الشيخين لم يخرجاه؛ لأنه ليس على شرطهما؛ لأن عروة بن مضرس لم يرو عنه غير الشعبي كما قاله ابن المديني.
قلت: فيه نظر، فقد قال ابن الأثير: روى عنه ابنه أبو بكر والشعبي.
وقد قال الحكم (٥): وقد أمسك عن إخراجه الشيخان محمد بن إسماعيل ومسلم
стр. 4841
ابن الحجاج عل أصلهما أن عروة بن مضرس لم يحدث عنه غير عامر الشعبي، وقد وجدنا عروة بن الزبير بن العوام، حدث عنه، حدثنا عبد الصمد بن علي بن مكرم البزار ببغداد، ثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الله بن أحمد بن حسان التستري بتستر، ثنا عبد الوهاب بن فليح المكي، ثنا يوسف بن خالد السمتي البصري، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عروة بن مضرس الطائي قال: "جئت رسول الله ﵇ وهو بالموقف، فقلت: يا رسول الله، أتيت من جبل طيء، أكللت مطيتي وأتعبت نفسي، والله ما بقي حبل من تلك الحبال إلاَّ وقفت عليه، فقال: من أدرك معنا هذه الصلاة -يعني: صلاة الغداة- وقد أتى عرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه".
قوله: "بجمع". في محل النصب على الحال، والباء فيه ظرفية، أي أتيت النبي ﵇ والحال أنه في جمع أي في المزدلفة.
قوله: "أنضيت راحلتي". أي أهزلتها، يقال: أنضى بعيره وينضيها إنضاء إذا أهزلها وجعلها نضوًا، والنضو: الدابة التي أهزلتها الأسفار وأذهبت لحمها، ومادة هذه الكلمة نون وضاد معجمة وواو، ويجوز فيه: أنضبت من النضب وهو التعب، ولكن لا أدري هل هي رواية أم لا؟
قوله: "أكللت راحلتلي" أي أتعبتها وأعييتها، من الإِكلال، من كَلَّ يَكِلُّ كلالاً، يقال: كل السيف فهو كلل إذا لم يقطع.
قوله: "حبلًا". بالحاء المهملة وسكون الباء الموحدة وهو المستطيل من الرمل، وقيل: الضخم منه، وجمعه: حبال، وقيل: الحبال في الرمل كالجبال في غير الرمل.
قوله: "رملًا". بالنصب تصير لقوله: "حبلًا".
قوله: "من جبلي طيء". وهما أجأ وسلمى.
قوله: "حين برق الفجر". أي: أضاء وانتشر نوره.
стр. 4842
قوله: "من صلى معنا هذه الصلاة". أراد بها صلاة الغداة بالمزدلفة.
قوله: "وقد وقف معنا". جملة حالية، أي: والحال أنه قد وقف معنا بعرفات قبل ذلك.
قوله: "أفاض قبل ذلك". جملة حالية أيضًا بتقدير "قد" كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ (١) أي قد حصرت، والتقدير: قد أفاض قبل وقوفه بالمزدلفة من عرفة ليلاً أو نهارًا.
قوله: "وقضى تفثه". قال الترمذي: يعني نسكه، والتفث بالتاء المثناة من فوق والفاء المفتوحتين، والثاء المثلثة ما يفعله المحرم بالحج إذا حل كقص الشارب والأظفار ونتف الإِبط وحلق العانة، وقيل: هو إذهاب الشعث والدرن والوسخ مطلقًا. ويستفاد منه أحكام:
فرضية الوقوف بعرفة؛ لأنه علق تمام الحج [بالوقوف] (٢) بها وجواز الوقوف بها ليلاً ونهارًا؛ لأن وقته من زوال شمس يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر.
ووجوب الوقوف بالمزدلفة على ما يأتي بيان الخلاف فيه إن شاء الله تعالى.
واستدلت به الظاهرية على أن صلاة الغداة بالمزدلفة مع الإِمام من فروض الحج كالوقوف بعرفة.
وقال ابن حزم في "المحلى": ومن لم يدرك مع الإِمام بمزدلفة صلاة الغداة فقد بطل حجه إن كان رجلاً، ثم استدل عل ذلك بحديث عروة بن مضرس هذا.
قلنا: ظاهر الحديث متروك بالإِجماع، ألا ترى أنهم أجمعوا على أن من وقف بالمزدلفة ليلاً إذا دفع منها قبل الصبح أن حجه تام؟ فلو كان حضور الصلاة مع الإِمام فرضًا من فرائض الحج ما أجزأه، فلم يبق إلاَّ أنه من سنن الحج.
стр. 4843
وأجمعوا أيضًا أن قوله: "نهارًا" أن الوقوف بالنهار لا يضره إن فاته؛ لأن السائل يعلم أنه إذا وقف بالنهار فقد أدرك الوقوف بالليل، فأعلمه ﵇ أنه إذا وقف بالليل وقد فاته الوقوف بالنهار أن ذلك لا يضره، لا أنه أراد بهذا القول أن يقف بالنهار دون الليل، وقال أبو الفتح: معناه: ليلاً، أو نهارًا وليلاً، فسكت عن أن يقول: وليلًا لعلمه بما قدم من فعله، فكأنه أراد بذكر النهار إيصال الليل، قال: ويحتمل أن تكون "أو" بمعنى "الواو"، فكأنه قال: ليلاً ونهارًا.
قلت: فيه نظر؛ لأن "أو" لو كان بمعنى "الواو" لكان الوقوف واجبًا ليلاً ونهارًا لم يغن أحدهما عن صاحبه وهذا لا يقوله أحد، وجماعة العلماء يقولون: من وقف بعرفة ليلاً أو نهارًا بعد الزوال من يوم عرفة أجزأه إلاَّ مالك بن أنس فإنه انفرد بقوله: لا بد من الوقوف بجزء من الليل مع النهار، حتى قال مالك: مَن دفع من عرفة قبل الغروب فعليه الحج قابلا [إلا] (١) أن يعود إليها قبل الفجر، فإن عاد فلا دم عليه.
وقال سائر العلماء: من وقف بعرفة بعد الزوال فحجه تام وإن دفع قبل الغروب.
وقال الشافعي: فإن عاد حتى يدفع بعد مغيب الشمس فلا شيء عليه وإن لم يرجع حتى طلع الفجر أجزأه وأهراق دمًا.
وقاله أحمد وإسحاق والطبريّ وداود وعامة العلماء إلاَّ الحسن البصري وابن جريج قالا: لا يجزئه إلاَّ بدنة، وقال الثوري وأبو حنيفة: إذا أفاض من عرفة قبل الغروب أجزأه وعليه دم، وإن رجع بعد الغروب لم يسقط عنه الدم.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن الوقوف بالمزدلفة فرض لا يجوز الحج إلاَّ بإصابته، واحتجوا في ذلك بقوله الله : ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (٢) وبهذا الحديث الذي رويناه، وقالوا:
стр. 4844
ذكر الله في كتابه المشعر الحرام كما ذكر عرفات وذكر ذلك رسول الله ﷺ في سنته، فحكمهما واحد، لا يجزىء الحج إلاَّ بإصابتهما.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: علقمة والشعبي والنخعي والحسن البصري والأوزاعي وحماد بن أبي سليمان؛ فإنهم قالوا: الوقوف بالمزدلفة فرض كالوقوف بعرفة، وإليه ذهب ابن بنت الشافعي وابن خزيمة الشافعي، وأبو عُبيد القاسم بن سلام، وهو مذهب الظاهرية أيضًا.
قوله: "واحتجوا في ذلك". أي احتج هؤلاء القوم فيما ذهبوا إليه من فرضية الوقوف بمزدلفة بالكتاب والسُنَّة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (١)، وقالوا: ذكر الله المشعر الحرام كما ذكر عرفات، فيصير الوقوف به فرضًا كالوقوف بعرفة.
وأما السُنَّة فهي حديث عروة بن مضرس المذكور.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: أما الوقوف بعرفة فهو من صلب الحج الذي لا يجزي الحج إلاَّ بإصابته، وأما الوقوف بمزدلفة فليس كذلك.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم الزهري وقتادة ومجاهدًا والثوري وأبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور، فإنهم قالوا: الوقوف بمزدلفة ليس كالوقوف بعرفة من صلب الحج الذي لا يجري الحج أصلاً إلاَّ به. وأما الوقوف بمزدلفة فهو من سنن الحج المؤكدة لا من فروضها.
ثم تفصيل أقوالهم: أن مالكًا قال: من لم ينزل بها وتقدم إلى منى فعليه دم، وإن نزل بها في أول الليل أو آخره وترك الوقوف مع الإِمام فلا شيء عليه.
وقال نحوه الزهري والثوري وأحمد وإسحاق: إذا لم يقف بها ولم ينزل بها.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن لم يقف بها ولم يمر بها ولم يبت فيها فعليه دم، وكذلك إن بات بها وتعجل من غير عذر ليلاً ولم يرجع حتى يقف مع
стр. 4845
الإِمام أو يصبح بها فعليه دم، وإن كان مريضًا أو ضعيفًا أو صغيرًا فتقدموا ليلاً فلا شيء عليهم.
وقال الشافعي: إن نزل بها وخرج منها بعد نصف الليل فلا شيء عليه، وإن خرج قبل نصف الليل ولم يعد إليها ليقف مع الإِمام ويصبح فعليه شاة.
ويقال عن الشافعي قولان:
في قول: المبيت بالمزدلفة واجب.
وفي قول: سنة.
وهو قول مالك، وعن مالك: النزول بها واجب والمبيت بها سُنَّة، وكذا الوقوف مع الإِمام سُنة.
ص: وكان من الحجة لهم في ذلك أن قول الله : ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (١) ليس فيه دليل على أن ذلك على الوجوب؛ لأن الله إنما ذكر الذكر ولم يذكر الوقوف، وكلٌّ قد أجمع أنه لو وقف بمزدلفة ولم يذكر الله إن حجة تام، فإن كان الذكر المذكور في الكتاب ليس من صلب الحج فالموطن الذي يكون ذلك الذكر فيه الذي لم يذكر في الكتاب أحرى ألَّا يكون فرضًا، وقد ذكر الله إشياء في كتابه في الحج لم يرد بذكرها إيجابها حتى لا يجزىء الحج إلاَّ بإصابتها في قول أحد من المسلمين، من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (٢). وكلّ قد أجمع أنه لو حج ولم يطف بين الصفا والمروة أن حجه قد قد تم وعليه دم؛ مكان ترك من ذلك، فكذلك ذكر الله المشعر الحرام في كتابه ليس في ذلك دليل على إيجابه حتى لا يجزىء الحج إلا بإصابته.
стр. 4846
وأما [ما] (١) في حديث عروة بن مضرس فليس فيه دليل أيضًا على ما ذكروا؛ لأن رسول الله ﵇ إنما قال فيه: "من صلى معنا صلاتنا هذه وقد كان أتى عرفة قبل ذلك من ليل أو نهار فقد تم حجه وقضى تفثه" فذكر الصلاة وكلٌّ قد أجمع أنه لو بات بها ووقف ونام عن الصلاة فلم يصلها مع الإِمام حتى فاتته أن حجه تام، فلما كان حضور الصلاة مع الإِمام المذكور في هذا الحديث ليس من صلب الحج الذي لا يجزيء الحج إلاَّ بإصابته كان الموطن الذي تكون فيه تلك الصلاة الذي لم يذكر في الحديث أحرى ألَّا يكون كذلك، فلم يتحقق بهذا الحديث ذكر الفرض إلا بعرفه خاصة.
ش: أي وكان من الدليل والبرهان للآخرين وأراد به الجواب عما قال أهل المقالة الأولى من فرضية الوقوف بالمزدلفة مستدلين بالكتاب وحديث عروة بن مضرس.
أما الجواب عن استدلالهم بالكتاب فهو قوله -أي قول الله ... إلى آخره، وهو ظاهر ونوقش في قوله: "وكلٌ قد أجمع أنه لو وقف بمزدلفة ولم يذكر الله أن حجه تام" فإن الظاهرية أوجبوا صلاة الغداة مع الإِمام في المزدلفة، فلا يتم حجهم إلاَّ بها، ولا شك أن الصلاة ذكر الله تعالى.
والجواب أن خلافهم لا يعتبر به، فلا يكون قادحًا للإِجماع، وكذلك نوقش في قوله: "وكلٌ قد أجمع أنه لو حج ولم يطف بين الصفا والمروة أن حجه قد تم" بأنه ليس كذلك؛ لأنه روي عن عائشة ﵂ فرضية الطواف بين الصفا والمروة، وقالت في هذه الآية: إنما نزلت في أناس كانوا لا يطوفون بينهما، فلما كان الإِسلام طاف رسول الله ﵇.
وأجيب عن ذلك بأن مراد عائشة ﵂ من ذلك هو فرضية الطواف بين الصفا والمروة في العمرة دون الحج؛ وذلك لأن العمرة عبارة عن الطواف بالبيت والطواف بين الصفا والمروة، بخلاف الحج فإنه عبارة عن الوقوف بعرفة وطواف الزيارة بشرط الإِحرام مع التلبية.
стр. 4847
قوله: "وكذلك ذكر الله المشعر الحرام ... إلى آخره"، أراد أن ذكر الله المشعر الحرام لا يستلزم وجوب الذكر عند الجميع، فإذا لم يكن الذكر المذكور في الآية فرضًا، فالوقوف فيه الذي ليس بمذكور أولى وأحرى ألَّا يكون فرضًا.
ومن الناس من يقول: إن هذا الذكر هو صلاة المغرب والعشاء اللتين يجمع بينهما بالمزدلفة، والذكر الثاني في قوله: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ (١) هو الذكر المفعول عند الوقوف بالمزدلفة غداة جمع، فيكون الذكر الأول غير الثاني، والصلاة تسمى ذكرًا، قال ﵇ (٢): "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، وتلا عند ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٣) فسمى الصلاة ذكرًا، فعلى هذا اقتضت الآية تأخير صلاة المغرب إلى أن تجمع مع العشاء بالمزدلفة.
وأما الجواب عن استدلالهم بحديث عروة بن مضرس فهو قوله: "وأما في حديث عروة بن مضرس ... إلى آخره" حاصله أنهم اتفقوا على أن ترك الصلاة هناك لا يفسد الحج، وقد ذكرها النبي ﵇ فكذلك الوقوف.
فإن قيل: روى مطرف بن طريف، عن الشعبي، عن عروة بن مضرس، عن النبي ﵇ قال: "من أدرك جمعًا والإِمام واقف فوقف مع الإِمام ثم أفاض مع الناس فقد أدرك الحج، ومن لم يدرك فلا حج له".
قلت: قد روى هذا الحديث جماعة حفاظ عن الشعبي مثل زكرياء وداود بن أبي هند وإسماعيل بن أبي خالد وعبد الله بن أبي السفر وسيار وغيرهم ولم يذكر فيه أحد منهم: "فلا حج له"، ولئن سلمنا أن هذا صحيح، فمعناه أنه محمول على نفي
стр. 4848
الفضيلة والكمال لا نفي الأصل، كما في قوله ﵇: "لا وضوء لم يذكر اسم الله عليه" (١)، وكما روي عن عمر ﵁: "من قدَّم ثقله فلا حج له" (٢).
ص: وقد روى عبد الرحمن بن يعمر الديلي، عن النبي ﵇ ما يدل على ذلك:
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يعلى بن عُبيد، قال: ثنا سفيان، عن بكير ابن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: "رأيت رسول الله ﵇ واقفًا بعرفات، فأقبل أناس من أهل نجد فسألوه عن الحج، فقال: الحج يوم عرفة، ومن أدرك جمعًا قبل صلاة الصبح فقد أدرك الحج، أيام منى ثلاثة أيام التشريق، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه، ثم أردف خلفه رجلاً ينادي بذلك".
حدثنا علي، قال: ثنا شبابة بن سوار، قال: ثنا شعبة، عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر، قال: قال رسول الله ﵇ ... ثم ذكر مثله، ولم يذكر سؤال أهل نجدٍ ولا إردافه الرجل.
ففي هذا الحديث أن أهل نجد سألوا رسول الله ﵇ عن الحج فكان جوابه لهم: "الحج يوم عرفة".
وقد علمنا أن جواب رسول الله ﵇ هو الجواب التام الذي لا نقص فيه ولا فضل؛ لأن الله تعالى قد آتاه جوامع الكلم وخواتمه، فلو كان عندما سألوه عن الحج أرادوا بذلك ما لا بد منه في الحج لكان يلكر عرفة والطواف ومزدلفة، وما يفعل في الحج سوى ذلك، فلما ترك ذكر ذلك في جوابه إياهم، علمنا أن ما أرادوا [بسؤالهم] (٣) إياه عن الحج وهو ما إذا فات الحج، فأجاجهم بأن قال: "الحج يوم عرفة"، فلو كانت مزدلفة كعرفة لذكر لهم مزدلفة مع ذكره عرفة،
стр. 4849
ولكنه ذكر عرفة خاصة؛ لأنها صلب الحج الذي إذا فات فات الحج، ثم قال كلامًا مستأنفًا، ليعلم الناس [أن] (١) من أدرك جمعًا قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج، ليس على معنى أنه أدرك جميع الحج؛ لأنه قد ثبت في أول كلامه: الحج عرفة، فأوجب بذلك أن فوت عرفة فوت للحج، ثم قال: ومن أدرك جمعًا قبل صلاة الصبح فقد أدرك الحج، ليس على معنى أنه لم يبق عليه شيء من الحج؛ لأن بعد ذلك طواف الزيارة وهو واجب لا بد منه، ولكن فقد أدرك بما تقدم له من الوقوف بعرفة.
فهذا أحسن ما خرِّج من معاني هذه الآثار وصحت عليه ولم تتضاد.
ش: أي قد روى عبد الرحمن بن يَعْمُر -بفتح الياء آخر الحروف وسكون العين المهملة وضم الميم وفي آخره راء- الديلي -بكسر الدال وسكون الياء آخر الحروف- نسبة إلى الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة.
وأيضًا في عبد قيس: الديل بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصي بن عبد القيس.
وفي الأزد: الديل بن هذاذ بن زيد مناة بن الحجر.
وقال يونس: هم ثلاثة: الدُوْل بضم الدال وسكون الواو في حنيفة، والدِيل بالكسر وسكون الياء في عبد القيس، والدُئل بضم الدال وكسر الهمزة في كنانة رهط أبي الأسود، وعداده في أهل الكوفة، روي عن النبي ﵇ ما يدل على أن الذي يتحقق من حديث عروة بن مضرس هو فرض الوقوف بعرفة خاصة لا غير.
وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن يعلى بن عُبيد بن أبي أميَّة الكوفي، روى له الجماعة، عن سفيان الثوري، عن بكير بن عطاء الليثي الكوفي -وثقه يحيى والنسائي، وقال أبو حاتم: شيخ صالح لا بأس به. روى له الأربعة، عن عبد الرحمن بن يعمر.
стр. 4850
وأخرجه أبو داود (١): نا محمد بن كثير، قال: أنا سفيان، قال: حدثني بكير، عن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: "أتيت النبي ﵇ وهو بعرفة، فجاء أناس أو نفر من أهل نجد، فأمروا رجلاً فنادى رسول الله ﵇: كيف الحج؟ فأمر رجلاً فنادى: الحج الحج يوم عرفة، ومن جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جمعٍ فتم حجه، أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه. قال: ثم أردف رجلاً خلفه فجعل ينادي بذلك".
قال أبو داود: كذلك رواه مهران، عن سفيان: قال: "الحج الحج" مرتين.
ورواه يحيى القطان عن سفيان قال: "الحج" مرة.
وأخرجه الترمذي (٢): نا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن ابن مهدي، قالا: ثنا سفيان، عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر: "أن ناسًا من أهل نجد أتوا رسول الله ﵇ وهو بعرفة فسألوه، فأمر مناديًا فنادى: الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج، أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه".
قال محمد: وزاد يحيى: "فأردف رجلاً فنادى" ثم قال: وهذا أجود حديث رواه سفيان الثوري.
وأخرجه النسائي (٣): عن عمرو بن علي، عن يحيى، عن سفيان .. إلى آخره نحوه.
وابن ماجه (٤): أيضًا عن ابن أبي شيبة وعلي بن محمد، كلاهما عن وكيع، عن سفيان ... إلى آخره نحوه.
стр. 4851
الثاني: عن علي بن معبد أيضًا، عن شبابة بن سوَّار الفزاري، عن شعبة بن الحجاج، عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر.
وأخرجه الطبراني في "الكبير": ثنا علي بن عبد العزيز ومحمد بن يحيى القزاز البصري، قال: ثنا حفص بن عمر الحوضي، نا شعبة، عن بكير بن عطاء، قال: سمعت عبد الرحمن بن يعمر الديلي: "أن النبي ﵇ سئل عن الحج، فقال: يوم عرفة أو عرفات. وقال: من أدرك ليلة جمع قبل أن يصلي فقد أدرك، أيام منى ثلاث فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه".
قوله: "ففي هذا الحديث". أي حديث عبد الرحمن بن يعمر: أن أهل نجد سألوا رسول الله ﵇ عن الحج فأجاب ﵇ لهم بقوله: "الحج يوم عرفة"، وجوابه ﵇ تام لا يأتي إلاَّ على طِبْق السؤال، فدل أن الوقوف بعرفة فرض، ولو كان سؤالهم عن جميع ما لا بد منه في الحج لكان رسول الله ﵇ يذكر مع عرفة الطواف والسعي والوقوف بمزدلفة ورمي الجمار وغير ذلك، فلما اقتصر في كلامه على قوله: "الحج يوم عرفه" علمنا أن سؤالهم لم يكن إلاَّ عن شيء إذا فات فات الحج بفواته، فلو كان الوقوف بمزدلفة كالوقوف بعرفة لذكرها مع عرفة؛ ولم يذكر إلاَّ عرفة لأنها صلب الحج الذي إذا فات الوقوف بها فات الحج.
قوله: "ثم قال كلامًا مستأنفًا". أي: ثم قال النبي ﵇ كلامًا مبتدأ غير متعلق بالكلام الذي قبله وهو قوله: "ومن أدرك جمعًا ... إلى آخره" وإنما استأنف هذا ليُعْلِم الناس -من الإِعلام- من أدرك جمعًا -أي المزدلفة- قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج معناه: فقد أدرك الحج بما تقدم له من الوقوف بعرفة، وليس معناه أنه أدرك جميع الحج عل معنى لم يبق عليه شيء من الحج؛ لأن بعد ذلك طواف الزيارة وهو من فروض الحج. والتحقيق في هذا الموضع أن في قوله: "فقد أدرك الحج"، إضمار شيء، تقديره: فقد أدرك معظم الحج وهو الوقوف بعرفة وإدراك الجمع إذْ لو لم يقدر هذا لفسد المعنى؛ لأنه بقي عليه طواف الزيارة وهو من الفروض،
стр. 4852
وكذلك في قوله: "الحج عرفة" إظهار شيء تقديره: معظم الحج الوقوف يوم عرفة، ولا بد من هذا التقدير ليصح وقوع الخبر عن الحج؛ لأن الحج فعل وعرفة مكان ويوم عرفة زمان، فلا يصح أن يكون خبرًا عنه، فكان فيه مضمر في الموضعين وهو قولنا: معظم الحج الوقوف يوم عرفة، والمجمل إذا التحق به التفسير يصير معتبرًا من الأصل، فكأنه قال: الحج الوقوف بعرفة وظاهره يقتضي أن يكون هو الركن لا غير، إلاَّ أنه زيد عليه طواف الزيارة بدليل آخر قوله: "أيام التشريق" بالرفع بدل من قوله: "أيام منى ثلاثة"، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: هي أيام التشريق، وتكون الجملة في موضع البيان والتفسير عن الجملة الأولى.
وقال الجصاص في "أحكامه": اتفق أهل العلم على أن هذا بيان لمراد الآية في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (١) ولا خلاف بين أهل العلم أن المعدودات أيام التشريق، وقد روي ذلك عن علي وعمر وابن عباس وابن عمر وغيرهم، إلاَّ شيئًا رواه ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن زر، عن علي ﵁ قال: "المعدودات: يوم النحر، ويومان بعده، اذبح في أيها شئت" (٢).
وقد قيل: إن هذا وهم، والصحيح عن علي أنه قال ذلك في المعلومات، وظاهر الآية ينفي ذلك أيضًا؛ لأنه قال: فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، وذلك لا يتعلق بالنحر وإنما يتعلق برمي الجمار المفعول في أيام التشريق.
قوله: "فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه". يعني إذا نفر في اليومين ولم يصبر إلى اليوم الثالث للرمي فلا إثم عليه في تعجيله.
روي هذا المعنى عن الحسن وغيره، وقد قيل: معناه: فلا إثم عليه لتكفير سيئاته وذنوبه بالحج المبرور.
وروي ذلك عن عبد الله بن مسعود وغيره.
стр. 4853
قوله: "ومن تأخر فلا إثم عليه". أي: ومن لم ينفر في اليومين وتأخر إلى اليوم الثالث فلا إثم عليه؛ لأنه يباح له التأخير.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: فرضية الوقوف بعرفة؛ لما ذكرنا.
والثاني: استدل بقوله: "ومن أدرك جمعًا قبل صلاة الصبح فقد أدرك الحج" جماعة من الظاهرية عل فرضية الوقوف بمزدلفة، وقال الجصاص: وهو مذهب الأصم وابن عُليَّة أيضًا، وقال: إن رواية من روى: "من أدرك جمعًا قبل الصبح" وهمٌ، وكيف لا يكون وهمًا وقد نقلت الأمة عن النبي ﵇ وقوفه بعد طلوع الفجر ولم يرو عنه أنه أمر أحدًا بالوقوف بها ليلاً؟! ومع ذلك فقد عارضته الأخبار الصحيحة التي رويت من قوله: "من صلى معنا هذه الصلاة ثم وقف معنا هذا الموقف"، وسائر أخبار عبد الرحمن بن يعمر أنه قال: "من أدرك عرفة فقد أدرك الحج وقد تم حجه، ومن فاته عرفة فقد فاته الحج. وذلك ينفي رواية من شرط معه الوقوف بعرفة.
قلت: وقع مثل ما ذكره الجصاص في رواية الترمذي حيث قال: "من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج"، وفي رواية أبي داود: "من جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جمع فتم حجه"، وبين الروايتين فرق؛ لأن رواية الترمذي تقتضي -ظاهرًا- أن من لم يدرك ليلة جمع قبل طلوع الفجر أنه لا يكون مدركًا للحج، ورواية أبي داود تقتضي -ظاهرًا- أن من لم يدرك ليلة جمع قبل صلاة الصبح أن حجه لا يكون تامًّا.
قلنا: ولكنه يكون مدركًا؛ لأن عدم التمام لا يستلزم عدم الإِدراك، فيكون مدركًا، ولكن لا يكون حجه تامًّا، وليس المخلص من هذا الإِشكال إلاَّ بأحد شيئين:
أحدهما: أن نقول بما قاله الجصاص.
стр. 4854
والثاني: أن نأوله بما أوله الطحاوي، وهو الأشبه؛ لأن الحديث صحيح ليس فيه كلام من جهة الإِسناد ولا غيره، وقد أحسن الطحاوي في تأويله، ولهذا قال: وهذا أحسن ما خرج من معاني هذه الآثار وصحت عليه ولم تتضاد. والله أعلم.
الثالث: فيه بيان أيام الرمي وهي أيام منى التي ترمي فيها الجمار وهي ثلاثة، ولم يختلف أهل العلم أن أيام منى ثلاثة بعد يوم النحر، وأن للحاج أن يتعجل في اليوم الثاني منها إذا رمى الجمار، وينفر، وأن له أن يتأخر إلى اليوم الثالث حتى يرمي الجمار فيه ثم ينفر.
واختلف فيمن لم ينفر حتى غابت الشمس من اليوم الثاني، فروي عن عمر وابن عمر وجابر بن زيد والحسن وإبراهيم: "أنه إذا غابت الشمس من اليوم الثاني قبل أن ينفر فلا ينفر حتى يرمي الجمار من الغد.
وقد روي عن الحسن أن له أن ينفر في اليوم الثاني إذا رمى وقت الظهر كله، فإن أدركته صلاة العصر بمنى فليس له أن ينفر إلى اليوم الثالث.
وقال أصحابنا: إذا لم ينفر حترل غابت الشمس فلا ينبغي له أن ينفر حتى يرمي جمرة اليوم الثالث، ولا يلزمه ذلك إلاَّ أن يصبح بمنى، فحينئذٍ يلزمه في اليوم الثالث ولا يجوز له تركه.
ص: وأما وجه ذلك من طريق النظر: فإنا قد رأينا الأصل المجتمع عليه: أن للضعفة أن يتعجلوا من جمع بليل، وكذلك أمر رسول الله ﵇ أغيلمة بني المطلب، وسنذكر ذلك في موضعه من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى.
وقد رخص لسودة ترك الوقوف بها.
حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، قال: ثنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: "كانت سودة امرأة ثبطة ثقيلة، فاستأذنت النبي ﵇ أن تفيض من جمع قبل أن تقف، فأذن لها، ولوددت أني كنت استأذنته فأذن لي".
стр. 4855
قال أبو جعفر ﵀: فسقط عنهم الوقوف بمزدلفة للعذر، ورأينا عرفة لا بد من الوقوف بها لا يسقط ذلك لعذر، فما سقط بالعذر فهو الذي ليس من صلب الحج، وما لا بد منه فلا يسقط بعذر ولا بغيره؛ فهو الذي من صلب الحج، ألا ترى أن طواف الزيارة هو من صلب الحج وأنه لا يسقط عن الحائض بالعذر، وأن طواف الصدر ليس من صلب الحج وهو يسقط عن الحائض بالعذر -وهو الحيض- فلما كان الوقوف بمزدلفة مما يسقط بالعذر كان من شكل ما ليس بفرض، فثبت بذلك ما وصفناه، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي: وأما وجه الوقوف بمزدلفة من طريق النظر والقياس فهو: أن الخصوم كلهم اتفقوا على أن الضعفة لهم التعجل من مزدلفة من الليل بدون الوقوف لأجل العذر.
واتفقوا أن الوقوف بعرفة لا يسقط بعذر ولا بغير عذر، فالذي يسقط بعذر لا يكون من صلب الحج، فالنظر على ذلك يقتضي أن يكون الوقوف بمزدلفة من أشكال ما ليس بفرض، فإذا كان من هذا القبيل يكون غير فرض.
قوله: "للضعفة" جمع ضعيف، كالنساء والصبيان وأصحاب الأعذار.
قوله: "وكذلك أمر رسول الله ﵇ أغيلمة بني عبد المطلب". أراد أنه ﵇ أمرهم بالتعجيل من جمع، على ما يأتي في الباب الذي بعد الباب الذي يليه.
والأغيلمة تصغير أغلمة، والأغلمة جمع غلام على ما نبينه مستقصى إن شاء الله تعالى.
وأخرجه بإسناد صحيح، عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن المنهال شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁ عن عائشة.
стр. 4856
وأخرجه البخاري (١): ثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، نا عبد الرحمن -هو ابن القاسم- عن القاسم، عن عائشة قالت: "استأذنت سودة النبي ﵇ ليلة جمع وكانت ثقيلة ثبطة فأذن لها".
وفي رواية قالت (٢): "نزلنا المزدلفة، فاستأذنت النبي ﵇ سودة أن تدفع قبل حطمة الناس، وأقمنا حتى أصبحنا نحن، ثم دفعنا بدفعه، فلأن أكون استأذنت رسول الله ﵇ كما استأذنت سودة رسول الله ﵇ أحب إليَّ من مفروح به".
وأخرجه مسلم (٣): نا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، قال: أنا أفلح بن حميد، عن القاسم، عن عائشة أنها قالت: "استأذنت سودة رسول الله ﵇ ليلة المزدلفة تدفع قبله وقبل حطمة الناس، وكانت ثبطة -يقول القاسم: والثبطة: الثقيلة- قال: فأذن لها، فخرجت قبل دفعة الناس، وحُبْسَنا حتى أصبحنا ودفعنا بدفعه، ولأن أكون استأذنت رسول الله ﵇ كما استأذنت سودة فأكون أدفع بإذنه أحب إليّ من مفروح به".
وأخرجه النسائي (٤) أيضًا.
وسودة: هي بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس القرشية العامرية أم المؤمنين، تزوجها رسول الله ﵇ بعد موت خديجة ﵂ وكانت قبله عند السكران بن عمرو أخي سهل بن عمرو، توفيت في آخر خلافة عمر بن الخطاب ﵁.
قوله: "ثَبطة". بفتح الثاء المثلثة وكسر الباء الموحدة، يعني بطيئة، قال ابن قرقول: كذا ضبطناه، وضبطه الحياني عن ابن سراج بالكسر والإِسكان.
وقال عياض: حقيقة الثبطة المتأنية لثقلها وضخامتها.
стр. 4857
قوله: "قبل حطمة الناس". أي زحمتهم، ومنه سمي الحطيم لانحطام الناس عليه أي ازدحامهم.
قوله: "من مفروح به". أي مما يسر به المرء، ولا يقال دون "به"، ويقال: "من منُفْرح" بضم الميم وكسر الراء من قولهم: أفرحني الشيء إذا سرني، فهو مفرح.
ويستفاد منه أن الوقوف بمزدلفة ليس بفرض، إذ لو كان فرضًا لما أذن ﵇ لسودة أن تترك الوقوف بها.
وأن ضعفة الناس يجوز لهم أن يتركوا الوقوف بها لأجل عذرهم.
واحتجت الشافعية بهذا الحديث على مذهبهم في جواز الرمي بعد نصف الليل قبل الفجر.
قلنا: هذا كان رخصة لأولي الأعذار في الدفع من جمع، والإِفاضة بليل، ولكن السُنَّة المبيت بها وصلاة الفجر بها غلسًا والوقوف بالمشعر الحرام حتى يسفر جدًّا، ثم الدفع قبل طلوع الشمس كما فعل النبي ﵇ في حديث جابر وعدة من الأحاديث.
***
стр. 4858
ص: باب: الجمع بين الصلاتين كيف هو ؟
ش: أي هذا باب في بيان كيفية الجمع بين صلاتي الظهر والعصر بعرفة، والمغرب والعشاء بمزدلفة.
ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا عُبيد الله بن موسى، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "خرجت مع عبد الله بن مسعود ﵁ إلى مكة، فلما أتى جمعًا صلى الصلاتين كل واحدة منهما بأذان وإقامة، ولم يصل بينهما".
ش: إسناده صحيح.
وعُبيد الله بن موسى بن أبي المختار الكوفي شيخ البخاري، وإسرائيل بن يونس ابن أبي إسحاق.
وأبو إسحاق اسمه عمرو بن عبد الله السَّبِيعي.
وأخرجه البخاري (١) بأتم منه: ثنا عبد الله بن رجاء، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "خرجت مع عبد الله إلى مكة ثم قدمنا جمعًا، فصلى الصلاتين كل صلاة وحدها بآذان وإقامة والعشاء بينهما، ثم صلى الفجر حين طلع الفجر، وقائل يقول: طلع الفجر. وقائل يقول: لم يطلع الفجر.
ثم قال: إن رسول الله ﵇ قال: إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما في هذا المكان المغرب والعشاء، فلا يقدم الناس جمعًا حتى يعتموا، وصلاة الفجر هذه الساعة، ثم وقف حتى أسفر به، ثم قال: [لو] (٢) أن أمير المؤمنين [أفاض] (٣) الآن أصاب السُنَّة، فما أدري أقوله كان أسرع أم دفع عثمان ﵁؟ فلم نَزْل نلبي حتى رمى جمرة العقبة يوم النحر".
стр. 4859
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود: "أنه صلى مع عمر بن الخطاب ﵁ صلاتين مرتين بجمع كل صلاة بأذان وإقامة، والعشاء بينهما".
ش: إسناده صحيح. وتكرر ذكر رجاله.
وأحمد بن يونس هو: أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ البخاري ومسلم وأبي داود.
وأخرجه ابن حزم (١): من طريق هشيم، عن المغيرة، عن إبراهيم، عن الأسود قال: "كنت مع عمر بن الخطاب ﵁ فأتى المزدلفة، فصلى المغرب والعشاء كل صلاة بأذان وإقامة".
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذين الحديثين، فزعموا أن المغرب والعشاء يجمع بينهما بمزدلفة بأذانين وإقامتين.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عبد الرحمن بن يزيد والأسود ومالكًا، فإنهم ذهبوا إلى هذين الحديثين، وقالوا: يجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة بأذانين وإقامتين.
قال عياض: وهو مذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود، وقال ابن القاسم عن مالك: كل صلاة إلى الأئمة فلكل صلاة آذان وإقامة.
وقال أحمد بن خالد: أعجب من مالك أخذ في هذا بحديث ابن مسعود ولم يروه، وترك ما روى.
قال أبو عمر: لا أعلم مالكًا روى في ذلك حديثًا، وأعجب مما عجب منه أحمد أن أبا حنيفة لا يعدل بابن مسعود أحدًا، وخالفه وأخذ بحديث جابر، وهو حديث مدني لم يروه.
стр. 4860
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: أما الأولى منهما فتصلى بأذان وإقامة، وأما الثانية فتصلى بلا أذان ولا إقامة.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وهم: سعيد بن جبير والثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد؛ فإنهم قالوا: يجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان واحد وإقامة واحدة لهما، وهو المروي عن جابر وعبد الله بن عمر وأبي أيوب الأنصاري.
ص: وقالوا: ما كان من فعل عمر ﵁ ومن تأذينه للثانية، فإنما فعل ذلك لأن الناس كانوا تفرقوا لعشائهم فأذن ليجمعهم، وكذلك نقول نحن: إذا تفرق الناس عن الإِمام لعشاء أو لغيره أمر المؤذن فأذن ليجتمعوا لأذانه، فهذا معنى ما روي في هذا عن عمر ﵁، والذي روي عن عبد الله فهو مثل هذا أيضًا.
حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن أبو إسحاق الهمداني، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "كان ابن مسعود ﵁ يجعل العشاء بالمزدلفة بين الصلاتين" فقد عاد -يعني ما روي عن عبد الله في هذا- إلى معنى ما روي عن عمر أيضًا.
ش: أي قال الآخرون، وأشار به إلى الجواب فيما احتج به أهل المقالة الأولى بخبري عبد الله بن مسعود وعمر بن الخطاب، بيان ذلك أن يقال: إن ما فعله عمر ﵁ من تأذينه الثاني للصلاة الثانية إنما كان لأجل أن الناس قد تفرقوا لأجل عشائهم فأذن إعلامًا لهم بأن يجتمعوا، ولم يفعل ذلك لكونه سنة. فنحن نقول أيضًا: إذا تفرق الناس عن الإِمام لأجل عشائهم أو لغير ذلك من الأمور الداعية إلى التفريق أنه يأمر المؤذن فيؤذن؛ إعلامًا لهم بأن يجتمعوا، وعلى هذا المعنى أيضًا ما روي عن عبد الله بن مسعود، والدليل على ذلك ما قاله عبد الرحمن بن يزيد: "إن ابن مسعود كان يجعل العشاء بالمزدلفة بين الصلاتين".
وأخرجه بإسناد صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي عن عبد الرحمن بن يزيد.
стр. 4861
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو بكر بن عياش وأبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "صليت مع عبد الله المغرب بأذان وإقامة، ثم أتينا بعشاء فتعشينا، ثم صلى بنا العشاء بأذان وإقامة".
قلت: الأذان والإِقامة للعشاء ها هنا لأجل الفصل بين الصلاتين.
"والعشاء" بفتح العين وبالمد هو الطعام بعينه وهو خلاف الغداء.
ص: ثم نظرنا فيما روي في ذلك إذا صليتا معًا، كيف نفعل فيهما؟ فإذا ابن مرزوق قد حدثنا، قال: حدثني أبو عامر العقدي، قال: ثنا شعبة، عن الحكم: "أنه صلى مع سعيد بن جبير بجمع، المغرب ثلاثًا والعشاء ركعتين بإِقامة واحدة.
ثم حدث أن ابن عمر صنع مثل ذلك، وحدَّث ابن عمر ﵄ أن النبي ﵇ صنع مثل ذلك في ذلك المكان".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا الحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل، قالا: "صلى بنا سعيد بن جبير بإقامة المغرب ثلاثًا، فلما سلم قام يصلي ركعتي العشاء، ثم حدث عن ابن عمر أنه صنع بهم في ذلك المكان مثل ذلك، وحدث ابن عمر أن رسول الله ﵇ صنع بهم في ذلك المكان مثل ذلك".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن الحكم قال: "شهدت سعيد بن جبير أقام بجمع الصلاة -وأحسبه قال: أذن- فصلى المغرب ثلاثًا، ثم قام فصلى العشاء ركعتين بالإِقامة الأولى، وحدث أن ابن عمر صنع في هذا المكان هذا، وحدَّث أن رسول الله ﵇ صنع مثل ذلك".
حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان الثوري، عن سلمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر قال: "صلى رسول الله ﵇ المغرب والعشاء بجمع بإقامة واحدة".
стр. 4862
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مالك، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان (ح).
وحدثنا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: ثنا سفيان بن سعيد الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مالك قال: "صليت مع ابن عمر المغرب ثلاثًا والعشاء ركعتين بإِقامة واحدة، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، ما هذا؟ فقال: صليتهما مع رسول الله ﵇ في هذا المكان بإقامة واحدة".
حدثنا رَوْح بن الفرج، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا أبو إسحاق، عن مالك بن الحارث، قال: "صلى عبد الله بن عمر بالمزدلفة صلاة المغرب بإقامة ليس معها أذان ثلاث ركعات ثم سلم، ثم قال: الصلاة، ثم قام فصلى العشاء ركعتين ثم سلم، فقال له خالد بن مالك الحارثي: ما هذه الصلاة يا أبا عبد الرحمن؟ قال: صليت هاتين الصلاتين مع النبي ﵇ في هذا المكان ليس معهما أذان".
حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: حدثني أربعة كلهم ثقة منهم: سعيد بن جبير وعلي الأزدي، عن ابن عمر: "أنه صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة بإقامة واحدة".
فهذا ابن عمر يخبر عن رسول الله ﵇ أنه صلاهما ولم يؤذن بينهما ولم يُقم.
ش: لما ذكر حكم الجمع بين المغرب والعشاء بجمع فيما إذا فصل بينهما بشيء؛ شرع يبين حكم الجمع بينهما فيما إذا صليتا معًا بلا فاصل بينهما.
وأخرج في ذلك عن ابن عمر من تسع طرق صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو القيسي العقدي، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة ... إلى آخره.
стр. 4863
وأخرجه مسلم (١): ثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا شعبة، عن الحكم وسلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير: "أنه صلى المغرب بجمع والعشاء بإقامة، ثم حدث عن ابن عمر أنه صلى مثل ذلك، وحدث ابن عمر أن النبي ﷺ صنع مثل ذلك".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق أيضًا، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن شعبة ... إلى آخره نحوه.
الثالث: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن وهب بن جرير ... إلى آخره.
الرابع: عن حسين بن نصر، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري عن الثوري، عن سلمة بن كهيل ... إلى آخره.
وأخرجه النسائي (٢): عن عمرو بن منصور، عن أبي نعيم، عن سفيان الثوري ... إلى آخره نحوه.
الخامس: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عبد الله بن مالك بن الحارث الهمداني الكوفي وثقه ابن حبان، عن عبد الله بن عمر ﵄.
السادس: عن إبراهيم بن مرزوق أيضًا، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عبد الله بن مالك بن الحارث.
وأخرجه أبو داود (٣): ثنا محمد بن كثير، قال: أنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مالك قال: "صليت مع ابن عمر المغرب ثلاثًا، والعشاء ركعتين، فقال
стр. 4864
له مالك بن الحارث: ما هذه الصلاة؟ فقال: صليتهما مع رسول الله ﵇ في هذا المكان بإقامة واحدة".
السابع: عن حسين بن نصر، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن سفيان الثوري ... إلى آخره.
وأخرجه الترمذي (١): ثنا محمد بن بشار، قال: نا يحيى بن سعيد القطان، قال: ثنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مالك: "أن ابن عمر صلى بجمع، فجمع بين الصلاتين بإقامة، وقال: رأيت رسول الله ﵇ فعل مثل هذا في هذا المكان".
الثامن: عن روح بن الفرج القطان شيخ الطبراني أيضًا، عن عمرو بن خالد الحراني نزيل مصر وشيخ البخاري، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق عمرو ابن عبد الله السبيعي، عن مالك بن الحارث ... إلى آخره.
وهكذا وقع في هذا الطريق: "مالك بن الحارث"، قال البخاري في "تاريخه": لا يصح مالك بن الحارث، يشير إلى رواية زهير هذه.
والصحيح ما قاله شعبة: عبد الله بن مالك بن الحارث الهمداني كما هو في الطرق الثلاثة المذكورة.
التاسع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي نجيح يسار المكي، عن مجاهد بن جبر المكي ... إلى آخره.
وعلي الأزدي: هو علي بن عبد الله الأزدي البارقي، روى له الجماعة سوى البخاري.
قوله: "فصلى المغرب ثلاثًا". أي ثلاث ركعات على حالها، قال القاضي: وفيه أصل السُّنَّة في تقصير الحاج بمنى وعرفة ومكة الصلاة الرباعية، مكيًّا كان أو غير
стр. 4865
مكي، إلاَّ أهل منى وأهل عرفة بعرفة وأهل مكة بمكة. هذا قول الأوزاعي ومالك، إلاَّ الإِمام فإنه يقصر وإن كان عندهم من سكان هذه المواضع.
وذهب جمهور العلماء إلى أن هؤلاء يتمون، وإنما يقصر من كان في سفر مما تقصر فيه الصلاة على سُنة القصر ولا يختص الحاج بشيء من غيره.
وذهب بعض السلف إلى مثل قول مالك إلاَّ أنه سوَّى الإِمام وغيره، وأنه يقصر إن كان من أهل الموضع، وهو مذهب إسحاق.
قوله: "فهذا ابن عمر يخبر عن رسول الله ﵇ أنه صلاهما". أي المغرب والعشاء ولم يؤذن بينهما ولم يقم.
وقال: ابن حزم (١): روايات ابن عمر مضطربة، وهي ستة أقوال:
أحدها: الجمع بينهما بلا آذان ولا إقامة، صح عن ابن عمر.
والثاني: يجمع بينهما بإقامة واحدة فقط، صح أيضًا عن ابن عمر، وهو قول سفيان وأحمد وأبي بكر بن داود، وصح به خبر عن رسول الله ﵇.
والثالث: الجمع بينهما بإقامتين فقط، روي عن عمر وعلي ﵄، وصح عن سالم بن عبد الله، وهو أحد قولي سفيان وأحمد والشافعي، وصح به خبر عن رسول الله ﵇.
والرابع: الجمع بينهما بأذان واحد وإقامة واحدة، روي عن عمر، وصح عن ابنه عبد الله، وهو قول أبي حنيفة، وصح به خبر عن رسول الله ﵇.
والخامس: الجمع بينهما بأذان واحد وإقامتين، وصح عن ابن عمر وسالم ابنه وعطاء، وهو أحد قولي الشافعي وبه نأخذ، وصح بذلك خبر عن النبي ﵇.
والسادس: الجمع بينهما بأذانين وإقامتين، صح عن عمر وابن مسعود، وروي عن علي وعن محمد بن علي بن الحسن وأهل بيته، وهو قول مالك.
стр. 4866
وأما الأخبار في ذلك فبعضها بإقامة واحدة من طريق ابن عمر وابن عباس ﵃ وبعضها بإقامتين من طريق ابن عمر وأسامة بن زيد، وبعضها بأذان واحد وإقامة واحدة من طريق ابن عمر، وبعضها بأذان واحد وإقامتين من طريق جابر.
فاضطربت الروايات عن ابن عمر إلاَّ إحدى الروايات عنه وعن أسامة بن زيد وعن جابر بن عبد الله زادت على الأخرى وعلى رواية أسامة [إقامة، فوجب الأخذ بالزيادة.
وإحدى الروايات عنه وعن جابر تزيد على الأخرى وعلى رواية أسامة] (١) أذانًا فوجب الأخذ بالزيادة؛ لأنها رواية قائمة بنفسها صحيحة فلا يجوز خلافها، فإذا جمعت رواية سالم وعلاج عن ابن عمر صح منها أذان وإقامتين كما جاء مبينًا في حديث جابر وهذا هو الذي لا يجوز خلافه، ولا حجة لمن خالف ذلك. والله أعلم. انتهى.
قلت: الطحاوي ﵀: أيضًا اختار ما اختاره ابن حزم، وهو أن يكون الأذان واحدًا والإِقامة ثنتين على ما يجيء.
وهو قول أحمد والشافعي في رواية أبي ثور.
ص: وقد روي عن ابن عمر في هذا شيء بلفظ غير هذا اللفظ.
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: "أن رسول الله ﵇ صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعًا لم ينادِ في واحدة منهما إلاَّ بالإِقامة، ولم يسبح بينهما ولا على إثر واحدة منهما".
حدثنا إسماعيل بن يحيى المزني، قال: ثنا محمد بن إدريس الشافعي، عن عبد الله ابن نافع، عن ابن أبي ذئب .. فذكر بإسناده مثله.
стр. 4867
غير أنه قال: "لم يناد بينهما ولا على إثر واحدة منهما إلاَّ بإقامة" وهكذا حفظي، عن يونس، عن ابن وهب، غير أني وجدته في كتابي كما نصصته في الحديث الذي قبل هذا.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه "أن النبي ﵇ جمع بين الصلاتين بجمع لم يناد في كل واحدة منهما إلاَّ بإقامة، لم يسبح بينهما".
فقوله في هذا الحديث: "ولم يناد في كل واحدة منهما إلاَّ بإقامة ولم يسبح بينهما"، فذلك محتمل أن يكون أراد بذلك الإِقامة التي أقامها لكل واحدة منهما، ويحتمل الإِقامة التي أقامها لهما، غير أن أولى الأشياء بنا أن نحمل ذلك على الإِقامة التي أقامها؛ ليتفق معنى ذلك ومعنى ما رويناه قبل ذلك عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، عن النبي ﵇.
ش: أي: قد روي عن عبد الله بن عمر ﵄ في الجمع بين الصلاتين بجمع شيء بلفظ غير اللفظ الذي روي به في الروايات السابقة.
وأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عبد الله ... إلى أخره.
وأخرجه البخاري (١): ثنا آدم، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: "جمع رسول الله ﵇ بين المغرب والعشاء بجمع كل واحدة منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما ولا على إثر واحدة منهما".
стр. 4868
وأخرجه النسائي (١) أيضًا: عن عمرو بن علي، عن يحيى، عن ابن أبي ذئب ... إلى آخره نحوه.
قوله: "لم يناد". أي لم يؤذن في واحدة منهما ولكن أقام، وبه قال سفيان وأحمد في رواية، وهو أن يقيم مرة فقط ولا يؤذن أصلاً.
قوله: "ولم يسبح بينهما". أي لم يتطوع بين الصلاتين بشيء.
قوله: "ولا على إثر واحدة منهما". أي ولا تطوع أيضًا عقيب كل واحدة من الصلاتين، وإثر كل شيء عقيبه بكسر الهمزة وسكون الثاء المثلثة، ويجوز فتح الهمزة والثاء معًا، ويقال: جاء على أَثَره وإثره أي متبعًا له بعده.
الثاني: عن المزني، عن الإِمام الشافعي، عن عبد الله بن نافع الصائغ المدني روى له الجماعة -والبخاري في غير الصحيح- عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر ... إلى آخره.
قوله: "وهكذا حفظي ... إلى آخره". من كلام الطحاوي.
الثالث: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن محمد بن مسلم الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر ﵄.
وأخرجه الدارمي في "سننه" (٢): ثنا عُبيد الله بن عبد المجيد، ثنا ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه: "أن النبي ﵇ صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة لم يناد في واحدة منهما إلاَّ بالإِقامة، ولم يسبح بينهما ولا على إثر واحدة منهما".
قوله: "فقوله في هذا الحديث ... إلى آخره". إشارة إلى وجه التوفيق بين هذه الرواية وبين رواية سعيد بن جبير، عن ابن عمر المذكورة فيما سبق؛ لأن في رواية
стр. 4869
سعيد بن جبير يخبر بأنه صلاهما بإقامة واحدة، وفي رواية سالم تجده يخبر بأنه صلاهما بإقامتين، فبينهما خلاف، فإذا حملنا قوله: "ولم يناد في كل واحدة منهما إلاَّ بإقامة" على الإِقامة التي أقامها اتفق معنى الحديثين، وقد قلنا: إن الروايات عن ابن عمر مضطربة، فلا نحتاج إلى هذا التكلف.
ص: وقد روي عن أبي أيوب الأنصاري وعن البراء بن عازب ﵄ ما يوافق [ذلك] (١) أيضًا:
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا محمد بن عمر بن الرومي، قال: ثنا قيس بن الربيع، قال: ثنا غيلان، عن عدي بن ثابت الأنصاري، عن عبد الله بن يزيد الأنصاري، عن أبي أيوب الأنصاري قال: "صليت مع رسول الله ﵇ المغرب والعشاء بإقامة واحدة".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا أبو يوسف، عن محمد ابن عبد الرحمن، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن البراء بن عازب، عن النبي ﵇ مثله.
ش: أي قد روي عن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري، والبراء بن عازب ما يوافق ما روي عن عبد الله بن عمر في هذا الباب.
أما حديث أبي أيوب فأخرجه عن محمد بن خزيمة، عن محمد بن عمر بن الرومي شيخ البخاري في غير الصحيح، قال أبو زرعة: فيه لين. وقال أبو داود: ضعيف.
عن قيس بن الربيع الأسدي الكوفي فيه مقال، فعن يحيى: ضعيف، وعنه: ليس بشيء. وقال الجوزجاني: ساقط. وقال النسائي: ليس بثقة.
عن غيلان بن جامع المحاربي الكوفي قاضيها أحد مشايخ أبي حنيفة، وثقه ابن حبان وغيره، وروى له مسلم [و] (٢) الأربعة غير الترمذي.
стр. 4870
عن عدي بن ثابت الأنصاري الكوفي روى له الجماعة.
عن عبد الله بن يزيد الأنصاري الخطمي الصحابي، وهو جد عدي المذكور لأمه.
وأخرجه الطبراني (١): نا فضيل بن محمد الملطي، ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان، عن جابر، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي أيوب قال: "صلى رسول الله ﵇ بجمع المغرب ثلاثًا والعشاء ركعتين بإقامة واحدة".
فإن قيل: كلا الإِسنادين ضعيف: أما إسناد الطحاوي ففيه قيس بن الربيع. وأما إسناد الطبراني ففيه جابر الجعفي.
قلت: أخرجه أبو حنيفة في "مسنده" (٢): ثنا أبو إسحاق السبيعي، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي أيوب الأنصاري: "أن رسول الله ﵇ صلى المغرب والعشاء بجمع بأذان وإقامة".
وأخرجه النسائي (٣) وابن ماجه (٤) والدارمي (٥) في سننهم، وابن أبي شيبة (٦) في "مصنفه".
وأما حديث البراء بن عازب فأخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن عون بن أوس الواسطي البزاز شيخ البخاري في كتاب الصلاة، عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي صاحب أبي حنيفة، عن محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى الفقيه المشهور فيه لين، عن عدي بن ثابت الأنصاري، عن عبد الله بن يزيد الأنصاري الصحابي، عن البراء بن عازب مثل الحديث المذكور.