← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

وأما الأخبار في ذلك فبعضها بإقامة واحدة من طريق ابن عمر وابن عباس ﵃ وبعضها بإقامتين من طريق ابن عمر وأسامة بن زيد، وبعضها بأذان واحد وإقامة واحدة من طريق ابن عمر، وبعضها بأذان واحد وإقامتين من طريق جابر. فاضطربت الروايات عن ابن عمر إلاَّ إحدى الروايات عنه وعن أسامة بن زيد وعن جابر بن عبد الله زادت على الأخرى وعلى رواية أسامة [إقامة، فوجب الأخذ بالزيادة. وإحدى الروايات عنه وعن جابر تزيد على الأخرى وعلى رواية أسامة] (١) أذانًا فوجب الأخذ بالزيادة؛ لأنها رواية قائمة بنفسها صحيحة فلا يجوز خلافها، فإذا جمعت رواية سالم وعلاج عن ابن عمر صح منها أذان وإقامتين كما جاء مبينًا في حديث جابر وهذا هو الذي لا يجوز خلافه، ولا حجة لمن خالف ذلك. والله أعلم. انتهى. قلت: الطحاوي ﵀: أيضًا اختار ما اختاره ابن حزم، وهو أن يكون الأذان واحدًا والإِقامة ثنتين على ما يجيء. وهو قول أحمد والشافعي في رواية أبي ثور. ص: وقد روي عن ابن عمر في هذا شيء بلفظ غير هذا اللفظ. حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: "أن رسول الله ﵇ صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعًا لم ينادِ في واحدة منهما إلاَّ بالإِقامة، ولم يسبح بينهما ولا على إثر واحدة منهما". حدثنا إسماعيل بن يحيى المزني، قال: ثنا محمد بن إدريس الشافعي، عن عبد الله ابن نافع، عن ابن أبي ذئب .. فذكر بإسناده مثله.

стр. 4867

غير أنه قال: "لم يناد بينهما ولا على إثر واحدة منهما إلاَّ بإقامة" وهكذا حفظي، عن يونس، عن ابن وهب، غير أني وجدته في كتابي كما نصصته في الحديث الذي قبل هذا. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه "أن النبي ﵇ جمع بين الصلاتين بجمع لم يناد في كل واحدة منهما إلاَّ بإقامة، لم يسبح بينهما". فقوله في هذا الحديث: "ولم يناد في كل واحدة منهما إلاَّ بإقامة ولم يسبح بينهما"، فذلك محتمل أن يكون أراد بذلك الإِقامة التي أقامها لكل واحدة منهما، ويحتمل الإِقامة التي أقامها لهما، غير أن أولى الأشياء بنا أن نحمل ذلك على الإِقامة التي أقامها؛ ليتفق معنى ذلك ومعنى ما رويناه قبل ذلك عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، عن النبي ﵇. ش: أي: قد روي عن عبد الله بن عمر ﵄ في الجمع بين الصلاتين بجمع شيء بلفظ غير اللفظ الذي روي به في الروايات السابقة. وأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عبد الله ... إلى أخره. وأخرجه البخاري (١): ثنا آدم، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: "جمع رسول الله ﵇ بين المغرب والعشاء بجمع كل واحدة منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما ولا على إثر واحدة منهما".

стр. 4868

وأخرجه النسائي (١) أيضًا: عن عمرو بن علي، عن يحيى، عن ابن أبي ذئب ... إلى آخره نحوه. قوله: "لم يناد". أي لم يؤذن في واحدة منهما ولكن أقام، وبه قال سفيان وأحمد في رواية، وهو أن يقيم مرة فقط ولا يؤذن أصلاً. قوله: "ولم يسبح بينهما". أي لم يتطوع بين الصلاتين بشيء. قوله: "ولا على إثر واحدة منهما". أي ولا تطوع أيضًا عقيب كل واحدة من الصلاتين، وإثر كل شيء عقيبه بكسر الهمزة وسكون الثاء المثلثة، ويجوز فتح الهمزة والثاء معًا، ويقال: جاء على أَثَره وإثره أي متبعًا له بعده. الثاني: عن المزني، عن الإِمام الشافعي، عن عبد الله بن نافع الصائغ المدني روى له الجماعة -والبخاري في غير الصحيح- عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر ... إلى آخره. قوله: "وهكذا حفظي ... إلى آخره". من كلام الطحاوي. الثالث: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن محمد بن مسلم الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر ﵄. وأخرجه الدارمي في "سننه" (٢): ثنا عُبيد الله بن عبد المجيد، ثنا ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه: "أن النبي ﵇ صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة لم يناد في واحدة منهما إلاَّ بالإِقامة، ولم يسبح بينهما ولا على إثر واحدة منهما". قوله: "فقوله في هذا الحديث ... إلى آخره". إشارة إلى وجه التوفيق بين هذه الرواية وبين رواية سعيد بن جبير، عن ابن عمر المذكورة فيما سبق؛ لأن في رواية

стр. 4869

سعيد بن جبير يخبر بأنه صلاهما بإقامة واحدة، وفي رواية سالم تجده يخبر بأنه صلاهما بإقامتين، فبينهما خلاف، فإذا حملنا قوله: "ولم يناد في كل واحدة منهما إلاَّ بإقامة" على الإِقامة التي أقامها اتفق معنى الحديثين، وقد قلنا: إن الروايات عن ابن عمر مضطربة، فلا نحتاج إلى هذا التكلف. ص: وقد روي عن أبي أيوب الأنصاري وعن البراء بن عازب ﵄ ما يوافق [ذلك] (١) أيضًا: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا محمد بن عمر بن الرومي، قال: ثنا قيس بن الربيع، قال: ثنا غيلان، عن عدي بن ثابت الأنصاري، عن عبد الله بن يزيد الأنصاري، عن أبي أيوب الأنصاري قال: "صليت مع رسول الله ﵇ المغرب والعشاء بإقامة واحدة". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا أبو يوسف، عن محمد ابن عبد الرحمن، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن البراء بن عازب، عن النبي ﵇ مثله. ش: أي قد روي عن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري، والبراء بن عازب ما يوافق ما روي عن عبد الله بن عمر في هذا الباب. أما حديث أبي أيوب فأخرجه عن محمد بن خزيمة، عن محمد بن عمر بن الرومي شيخ البخاري في غير الصحيح، قال أبو زرعة: فيه لين. وقال أبو داود: ضعيف. عن قيس بن الربيع الأسدي الكوفي فيه مقال، فعن يحيى: ضعيف، وعنه: ليس بشيء. وقال الجوزجاني: ساقط. وقال النسائي: ليس بثقة. عن غيلان بن جامع المحاربي الكوفي قاضيها أحد مشايخ أبي حنيفة، وثقه ابن حبان وغيره، وروى له مسلم [و] (٢) الأربعة غير الترمذي.

стр. 4870

عن عدي بن ثابت الأنصاري الكوفي روى له الجماعة. عن عبد الله بن يزيد الأنصاري الخطمي الصحابي، وهو جد عدي المذكور لأمه. وأخرجه الطبراني (١): نا فضيل بن محمد الملطي، ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان، عن جابر، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي أيوب قال: "صلى رسول الله ﵇ بجمع المغرب ثلاثًا والعشاء ركعتين بإقامة واحدة". فإن قيل: كلا الإِسنادين ضعيف: أما إسناد الطحاوي ففيه قيس بن الربيع. وأما إسناد الطبراني ففيه جابر الجعفي. قلت: أخرجه أبو حنيفة في "مسنده" (٢): ثنا أبو إسحاق السبيعي، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي أيوب الأنصاري: "أن رسول الله ﵇ صلى المغرب والعشاء بجمع بأذان وإقامة". وأخرجه النسائي (٣) وابن ماجه (٤) والدارمي (٥) في سننهم، وابن أبي شيبة (٦) في "مصنفه". وأما حديث البراء بن عازب فأخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن عون بن أوس الواسطي البزاز شيخ البخاري في كتاب الصلاة، عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي صاحب أبي حنيفة، عن محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى الفقيه المشهور فيه لين، عن عدي بن ثابت الأنصاري، عن عبد الله بن يزيد الأنصاري الصحابي، عن البراء بن عازب مثل الحديث المذكور.

стр. 4871

فهذا كما رأيت قد أخرج الطحاوي في احتجاج أهل المقالة الثانية وهم: أبو حنيفة وأصحابه أحاديث عبد الله بن عمر بعدة طرق، وأبي أيوب الأنصاري والبراء بن عازب. وذكر الطبري في تهذيب الآثار أنه ﵇ صلاها بإِقامة واحدة من حديث ابن مسعود وابن عمر وأُبي بن كعب وخزيمة بن ثابت وأسامة بن زيد ﵃. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بلى، يصلي الأولى منهما بأذان وإقامة، والثانية بإِقامة بلا أذان. ش: أي: خالف الفريقين المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري -في قول- والشافعي، وأحمد -في رواية- وأهل الظاهر، فإنهم قالوا: يجمع بين الصلاتين بأذان واحد وإقامتين، وهو اختيار الطحاوي أيضًا. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر ﵁: "أن رسول الله ﵇ لما أتى المزدلفة صلى المغرب بأذان وإقامة". ففي هذا الحديث أن رسول الله ﵇ لما أتى المزدلفة صلى المغرب بأذان وإقامة، وهذا خلاف ما روى مالك بن الحارث عن ابن عمر، وقد أجمعوا أن الأولى من الصلاتين اللتين تجمعان بعرفة يؤذن لها ويقام، فالنظر على ذلك: أن يكون كذلك حكم الأول من الصلاتين اللتين تجمعان بجمع. حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنا مالك، عن موسى بن عقبة، عن كريب مولى عبد الله بن عباس، عن أسامة بن زيد أنه سمعه يقول: "دفع رسول الله ﵇ من عرفة، حتى إذا كان بالشعب نزل فبال، ثم توضأ فلم يسبغ الوضوء، فقلت له: الصلاة، فقال: الصلاة أمامك، فركب حتى جاء المزدلفة، فنزل فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها، ولم يصل بينهما شيئًا".

стр. 4872

فقد اختلف عن النبي ﵇ في الصلاتين بمزدلفة: هل صلاهما معًا أو عمل بينهما عملاً؟ فروي في ذلك ما قد ذكرنا في حديث ابن عمر وأسامة. واختلف عنه: كيف صلاهما؟ فقال بعضهم: بأذان وإقامة، وقال بعضهم: بأذان وإقامتين، وقال بعضهم: بإقامة واحدة ليس معهما أذان. فلما اختلفوا في ذلك على ما ذكرنا، وكانت الصلاتان يجمع بينهما بمزدلفة وهما المغرب والعشاء، كما يجمع بين الصلاتين بعرفه وهما الظهر والعصر، فكان هذا الجمع في هذين الموطنين جميعًا لا يكون إلَّا لمحرم في حرمة الحج، فلا يكون لحلال، ولا لمعتمر غير حاج، وكانت الصلاتان بعرفة تصلى إحداهما في إثر صاحبتها، ولا يعمل بينهما عمل، وكانتا يؤذن لهما أذان واحد وتقام لهما إقامتان، كان النظر على ذلك أن تكون الصلاتان بمزدلفة كذلك، وأن تكون إحداهما تصلي في إثر صاحبتها ولا يعمل بينهما عمل، وأن يؤذن لهما أذان واحد ويقام لهما إقامتان كما يفعل بعرفة سواء، هذا هو النظر في هذا الباب. ش: أي: واحتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه من أن الصلاتين يجمع بينهما بمزدلفة بأذانين وإقامتين بحديث جابر بن عبد الله ﵁. أخرجه بإسناد صحيح، وقد تكرر ذكره في كتاب الحج. وجعفر بن محمد هو جعفر الصادق، وأبوه محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ المعروف بابن الحنفية (١). وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: "صلى رسول الله ﵇ المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامة ولم سبح بينهما".

стр. 4873

قوله: "وهذا خلاف ما روى مالك بن الحارث عن ابن عمر". لأن في حديثه يخبر أن رسول الله ﵇ صلى المغرب بالمزدلفة بإقامة ليس معها أذان، فبين الروايتين مخالفة. "وقد أجمعوا" أي: أهل المقالات المذكورة. "أن الأولى من الصلاتين اللتين تجمعان بعرفة" أراد بها الظهر، يؤذن لها ويقام، فالنظر والقياس على ذلك أن يكون كذلك حكم المغرب في مزدلفة. ثم ذكر حديث أسامة الذي بينه وبين حديث ابن عمر خلاف أيضًا؛ لكونه شاهدًا لما يذكره من وجه النظر، وتأييدًا لما يختاره من الأقوال. وأخرجه بإسناد صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح. وأخرجه الجماعة غير الترمذي. فقال البخاري (١): ثنا قتيبة، ثنا إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن حرملة، عن كريب مولى ابن عباس، عن أسامة بن زيد أنه قال: "ردفت رسول الله ﵇ من عرفات، فلما بلغ رسول الله ﵇ الشعب الأيسر الذي دون المزدلفة أناخ، فبال، ثم جاء فصببت عليه الوَضوء، فتوضأ وضوءًا خفيفًا، فقلت: الصلاة يا رسول الله، فقال: الصلاة أمامك، فركب رسول الله ﵇ حتى أتى المزدلفة فصلى، ثم ردف الفضل رسول الله غداة جمع، قال كريب: فأخبرني عبد الله بن عباس، عن الفضل أن رسول الله ﵇ لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة". وفي لفظ: "ثم أتى المزدلفة فجمع بين المغرب والعشاء". وقال مسلم (٢): ثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن موسى بن عقبة، عن كريب ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي.

стр. 4874

وقال أبو داود (١): ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: ثنا زهير. وثنا محمد بن كثير، قال: أنا سفيان -وهذا لفظ حديث زهير- قال: ثنا إبراهيم بن عقبة، قال: حدثني كريب: "أنه سأل أسامة بن زيد، قلت: أخبرني كيف فعلتم -أو صنعتم- عشية ردفت رسول الله ﵇؟ قال: جئنا الشِّعب الذي ينيخ فيه الناس للمعرس، فأناخ رسول الله ﵇ ناقته، ثم هراق ماءً -قال زهير: أهراق الماء- ثم دعا بالوضوء فتوضأ وضوءًا ليس بالبالغ جدًّا، فقلت: يا رسول الله، الصلاة، قال: الصلاة أمامك، قال: فركب حتى قدمنا المزدلفة، فأقام المغرب، ثم أناخ الناس في منازلهم ولم يحلوا حتى أقام العشاء فصلى -زاد ابن يونس في حديثه: ثم حل الناس- قال: قلت: كيف فعلتم حين أصبحتم؟ قال: ردفه الفضل بن عباس فانطلقت أنا في سُبَّاق قريش على رجلي". وأخرجه النسائي (٢) وابن ماجه (٣) مختصرًا. قوله: "حتى إذا كان بالشعب" بكسر الشين المعجمة وسكون العين، وهو الطريق في الجبل، ويقال: هو ما انفرج بين الجبلين. ونزوله ﵇ بالشعب كان نزول حاجة وليس هو من سنن الحج. قوله: "فبال" ولم يقل فأهراق الماء؛ إشعارًا بإِيراده للحديث كما سمعه بلفظ محدثه إياه، وأنه لم يورد بمعناه. قوله: "فلم يسبغ الوضوء" وفي حديث آخر: "فتوضأ وضوءًا خفيفًا" وفي حديث آخر: "ليس بالبالغ"، وجاء بعد هذا "فأسبغ الوضوء"، قال القاضي: يوهم لفظه: "لم يسبغ" أن الأول لم يكن وضوء الصلاة، وكذلك تأوله بعضهم، وقيل: بل وضأ بعض أعضاء وضوئه، وليس كذلك، بل كان وضوءه الأول

стр. 4875

للصلاة ثم توضأ آخر بالمزدلفة لعذر طرأ عليه، وليس يقال في الاستنجاء: وضوءًا خفيفًا، ولا: ليس [بالبالغ] (١) ومعني لم يسبغ: لم يكرره، وقد يكون وضوءه بالمزدلفة لتمام الفضيلة بتكراره وتمام عدده ثلاثًا، والله أعلم. ويدل على أن وضوءه للصلاة قوله: "ذهب إلى الغائط فلما رجع صببت عليه من الإِداوة فتوضأ" وخففه ليكون على طهارة، أو لاستعجاله، فلما أتى مزدلفة أتم فضيلته بالتكرار، أو ابتدأ فرضه لحدث اعتراه، ولا وجه لقول من قال: إنه توضأ وضوءين ليخص كل صلاة من الصلاتين التي تجمع بالمزدلفة بوضوء على عادته من الوضوء لكل صلاة؛ إذ تكرر الوضوء قبل أداء فريضة به ممنوع، ومن السرف المنهي عنه، إنما الفضيلة في تكراره بعد صلاة فرض به. وقال أبو عمر (٢): وأما قوله "نزل فبال فلم يسبغ الوضوء" فوجهه عندي -والله أعلم- أنه استنجى بالماء واغتسل به من بوله، وذلك يسمى وضوءًا في كلام العرب؛ لأنه من الوضاءة التي هي النظافة. ومعنى قوله: "لم يسبغ الوضوء" أي: لم يكمل وضوءًا للصلاة ولم يتوضأ للصلاة. والإِسباغ الإِكمال، فكأنه قال: لم يتوضأ بوضوء الصلاة ولكنه توضأ من البول، هذا وجه الحديث عندي، وهو الصحيح. وقيل: أنه توضأ وضوءًا خفيفًا ليس بالبالغ، وضوءًا بين الوضوءين، وهذا ظاهره غير الاستنجاء. وقيل: إنه توضأ على بعض أعضاء الوضوء ولم يكمل الوضوء للصلاة، وعل ما روي عن ابن عمر: "أنه كان إذا أجنب ليلاً وأراد النوم غسل وجهه ويديه إلى المرفقين وربما مسح برأسه ونام" وهذا وجه ضعيف لا معنى له، ولا يجوز أن

стр. 4876

يضاف مثله إلى رسول الله ﵇، ولعل الذي حكى عن ابن عمر لم يضبط، والوضوء على الجنب عند النوم غير واجب وإنما هو ندب؛ لأنه لا يرفع به حدثه، وفعله سُنَّة وخير، وليس من دفع من عرفة يجد من الفراغ ما يتوضأ به وضوءًا يشتغل به عن النهوض إلى مزدلفة، والنهوض إليها من أفضل أعمال البر فكيف يشتغل عنها بما لا معنى له؟! ألا ترى أنه لما جاءت تلك الصلاة في موضعها نزل فأسبغ الوضوء لها، أي توضأ لها كما يجب، فالوضوء عندي الاستنجاء بالماء لا غير؛ لأنه لم يحفظ عنه قط أنه توضأ لصلاة واحدة مرتين، وإن كان توضأ لكل صلاة. قوله: "فقلت له: الصلاة" بالنصب على الإِغراء؛ ويجوز الرفع على تقدير جانب الصلاة. قوله: "الصلاة أمامك" مرفوع بالابتداء، وقيل: معناه: المصلى الذي تصلي فيه المغرب والعشاء أمامك. ثم اختلف العلماء فيمن صلى تلك الليلة الصلاة في وقتها هل يعيد إذا أتى المزدلفة أم لا؟ فقيل: يعيد؛ لهذا الحديث، وقيل: لا يعيد؛ لأن الجمع سُنَّة. وقال أبو عمر: فيه دليل على أنه لا يجوز لأحد أن يصليها إلاَّ هناك، وذلك توقيف منه ﵇ فإن كان له عذر فعسى الله أن يعذره، وأما من لا عذر له فواجب أن لا تجزئه صلاته قبل ذلك الموضع، على ظاهر هذا الحديث. وروي عن عطاء وعروة وسالم والقاسم وسعيد بن جبير: "لا ينبغي لأحد أن يصليهما قبل جمع، فإن فعل أجزأه". وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور وإسحاق. انتهى. قلت: إذا صلى المغرب في الطريق بعد غروب الشمس قبل أن يأتي مزدلفة فإن كان يمكنه أن يأتي مزدلفة قبل طلوع الفجر لم تجزئه صلاته، وعليه إعادتها ما لم يطلع الفجر. وهو قول أبي حنيفة ومحمد وزفر والحسن. وقال أبو يوسف: تجزئه وقد أساء.

стр. 4877

وعلى هذا الخلاف إذا صلى العشاء في الطريق بعد دخول وقتها. قوله: "فقد اختلف عن النبي ﵇ في الصلاتين بمزدلفة هل صلاهما معًا؟ " يعني من غير فصل بينهما بنفل وغيره. "أو عمل بينهما عملاً، فروي في ذلك ما قد ذكرنا في حديث ابن عمر" والذي ذكره في حديث ابن عمر أنه لم يسبح بينهما ولا على إثر واحدة منهما، وقد ذكر عن قريب، فهذا يدل على أنه لم يفصل بينهما بشيء، وفي حديث أسامة المذكور ما يدل على أنه فصل بينهما بعمل، وهذا كما ترى اختلاف، وكذلك اختلف عنه في كيفية صلاته ﵇ إياهما هل كانتا بأذان واحد وإقامة واحدة، أو بأذان وإقامتين، أو بإقامة واحدة بدون أذان، وقد ذكرنا فيه ستة أقوال على ما ذكره ابن حزم. قوله: "فلما اختلفوا في ذلك على ما ذكرنا" أي فلما اختلفت الرواة في هذا الباب على ما ذكرنا من الأقوال، وأراد بهذا الكلام بيان وجه النظر والقياس، ملخصه: أن الظهر والعصر يجمعان بعرفة بلا فصل بينهما، بأذان واحد وإقامتين، فكذلك ينبغي أن يجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة بلا فصل بينهما بأذان وإقامتين قياسًا عليه، والجامع كون كل واحدة منهما فرضًا في حق محرم بحج في مكان مخصوص؛ لتدارك الوقوف بعرفة والنهوض إلى مزدلفة بعد الدفع عنها. ص: وهو خلاف قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏ وذلك أنهم يذهبون في الجمع بين الصلاتين بعرفة إلى ما ذكرنا، وقد يذهبون في الجمع بين الصلاتين بمزدلفة إلى أن يجعلوا ذلك بأذان وإقامة واحدة، ويحتجون في ذلك بما روي عن ابن عمر ﵄ وكان سفيان الثوري يذهب في ذلك إلى أن يصليهما بإقامة واحدة لا أذان معها، على ما روينا عن ابن عمر عن النبي ﵇ والذي رويناه عن جابر من هذا أحب إلينا؛ لما يشهد له من النظر. ش: أي: وجه النظر الذي ذكرناه وهو القياس الذي يقتضي أن يكون الجمع بمزدلفة أيضًا بأذان وإقامتين خلاف قول أبي حنيفة وأبي يوسف

стр. 4878

ومحمد ﵏ لأنهم ذهبوا إلى أنه يجمع بينهما بأذان واحد وإقامة واحدة، ويستدلون على ذلك بما روي عن عبد الله بن عمر، وهو ما رواه عنه سعيد بن جبير، عنه قال: "صلى رسول الله ﵇ المغرب والعشاء بجمع بإقامة واحدة". قوله: "وكان سفيان الثوري يذهب في ذلك إلى أنه يصليهما" أي المغرب والعشاء بجمع بإقامة واحدة لا أذان معها، واستدل في ذلك بما رواه سالم، عن ابن عمر "أن رسول الله ﵇ صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جمعًا لم يناد في واحدة منهما إلا بالإِقامة" (١) وقد مرَّ ذكره فيما مضى، وبه قال أحمد في رواية. قوله: "والذي رويناه عن جابر من هذا أحب إلينا" أشار بهذا إلى أنه اختار قول أهل المقالة الثالثة وهو قول الشافعي وأحمد في رواية كما ذكرنا، وإنما اختار هذا القول لأن النقل الصحيح يشهد له على ما قرره آنفًا. ص: ثم وجدنا بعد ذلك حديث ابن عمر قد عاد إلى معنى حديث جابر، وذلك أن هارون بن كامل وفهدًا حدثانا قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن سالم، عن عبد الله بن عمر قال: "جمع رسول الله ﵇ بين المغرب والعشاء بجمع وهي بالمزدلفة، صلى المغرب ثلاثًا ثم سلم، ثم أقام العشاء فصلاها ركعتين ثم سلم، ليس بينهما سُبحة". فهذا يخبر أنه صلاها بإقامتين. ش: ذكر هذا تأييدًا لما اختاره من رواية جابر، وذلك قد روى حديث عن ابن عمر أيضًا يرجع معناه إلى معنى حديث جابر الذي احتج به أهل المقالة الثالثة. وأخرجه بإسناد صحيح عن هارون بن كامل بن يزيد الفهري، وفهد بن سليمان الكوفي، كلاهما عن عبد الله بن صالح كاتب الليث وشيخ البخاري، عن الليث بن

стр. 4879

سعد، عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي أمير مصر لهشام بن عبد الملك بن مروان، روى له البخاري والترمذي والنسائي، واستشهد به مسلم. عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله ابن عمر بن الخطاب ﵃. وبنحوه أخرج عبد الله بن أحمد في "مسنده" (١): ثنا أبي، قال: قرأت على [حماد] (٢) بن خالد [الخياط] (٣) نا ابن أبي ذئب، عن الزهري عن سالم، عن أبيه: "أنه صلى مع رسول الله ﵇ بالمزدلفة المغرب والعشاء بإقامة إقامة، جمع بينهما". ص: وقد وجدنا عن ابن عمر نفسه مما لم يرفعه إلى النبي ﵇: "أنه أذن لهما". حدثنا يوسف بن يزيد، قال: ثنا حجاج بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر: "أنه جمع بين المغرب والعشاء بجمع بأذان وإقامة ولم يجعل بينهما شيئًا". فكان محالًا أن يكون أدخل في ذلك أذانًا إلاَّ وقد علمه من رسول الله ﵇. ش: أشار به إلى الجواب عما احتج به سفيان لما ذهب إليه من أن الجمع بين المغرب والعشاء بجمع بإقامة واحدة بلا أذان بما روي عن ابن عمر فيما سبق. وأخرجه بإسناد صحيح موقوف على ابن عمر، عن يوسف بن يزيد بن كامل القراطيسي المصري شيخ النسائي أيضًا والطبراني، قال ابن يونس: ثقة صدوق. عن حجاج بن إبراهيم الأزرق، وثقه أبو حاتم والعجلي وابن حبان، عن هشيم بن بشير روى له الجماعة، عن أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري روى له الجماعة، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عمر.

стр. 4880

قوله: "فكان محالاً ... إلى آخره" أراد به أن هذا أمر توقيفي، و [لو] (١) لم يكن لابن عمر علم في ذلك عن النبي ﵇ لما أدخل في ذلك أذانًا برأيه. وقوله: "محالًا" نصب على أنه خبر كان واسمه قوله: أن يكون، فافهم. والله أعلم. ...

стр. 4881

ص: باب: وقت رمي جمرة العقبة للضعفاء الذين يرخص لهم في ترك الوقوف بمزدلفة ش: أي هذا باب في بيان وقت رمي جمرة العقبة لمن لم يقف بمزدلفة من أصحاب الأعذار والضعفاء كالنسوان والصبيان، ويسبق الناس إلى الرمي. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر (ح). وحدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، عن ابن أبي ذئب، عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: "كنت فيمن بعث به النبي ﵇ يوم النحر، فرمينا الجمرة مع الفجر". حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا خلاد بن يحيى، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الملك ابن أبي الصفيراء، عن عطاء، قال: أخبرني ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ قال للعباس ليلة المزدلفة: اذهب بضعفائنا ونسائنا فليصلوا الصبح بمنى، وليرموا جمرة العقبة قبل أن تصيبهم دفعة الناس، قال: فكان عطاء يفعله بعدما كبُر وضعف". ش: هذه ثلاث طرق: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني، عن شعبة بن دينار المدني مولى ابن عباس فيه مقال، فعن مالك: ليس بثقة. وعن أبي زرعة: ضعيف الحديث. وقال ابن سعد: لا يحتج به. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا حسين، أنا ابن أبي ذئب، عن شعبة، عن ابن عباس "أن النبي ﵇ بعث به مع أهله إلى منى يوم النحر، فرموا الجمرة مع الفجر". الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن شعبة، عن ابن عباس نحوه".

стр. 4882

وأخرجه أحمد أيضًا في "مسنده" (١): عن هاشم، عن ابن أبي ذئب نحوه. الثالث: عن علي بن معبد بن نوح، عن خلاد بن يحيى بن صفوان السلمي الكوفي شيخ البخاري، عن إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفيراء المكي فيه مقال، فعن أبي حاتم: ليس بقوي في الحديث. وليس حدّه الترك، وفي "الميزان": وهاه ابن مهدي. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن للضعفة أن يرموا جمرة العقبة بعد طلوع الفجر، واحتجوا بهذا الحديث. ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح وطاوس بن كيسان ومجاهدًا والنخعي والشعبي وسعيد بن جبير والشافعي؛ فإنهم قالوا: يجوز رمي جمرة العقبة بعد طلوع الفجر للذين يتقدمون الناس. وقال عياض: مذهب الشافعي رمي الجمرة من نصف الليل، ويتعلق بأن أم سلمة قدمت قبل الفجر وكان ﵇ أمرها أن تفيض وتوافيه الصبح بمكة، وظاهر هذا عنده تعجيل الرمي قبل الفجر. ومذهب مالك: أن الرمي يحل بطلوع الفجر. ومذهب الثوري والنخعي أنها لا ترمى إلاَّ بعد طلوع الشمس. وقال الكاساني: قال الشافعي: إذا انتصفت ليلة النحر دخل وقت الجواز، كما قال في الوقوف بعرفة ومزدلفة، وإذا طلعت الشمس وجب. وقال الثوري: لا يجوز قبل طلوع الشمس. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا ينبغي لهم أن يرموها حتى تطلع الشمس، فإن رموها قبل ذلك أجزأتهم وأساءوا.

стр. 4883

ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا وأحمد وإسحاق، فإنهم قالوا: لا ينبغي أن ترمي جمرة العقبة إلاَّ بعد طلوع الشمس فإن رموها قبل طلوع الشمس أجزأتهم، وقد أساءوا، وعند الثوري والنخعي: لا يجزئهم قبل طلوع الشمس ويعيدون هذه، وقال الكاساني: أول وقته المستحب ما بعد طلوع الشمس، وآخر وقته آخر النهار، كذا قال أبو حنيفة: إن وقت الرمي يوم النحر يمتد إلى غروب الشمس، وقال أبو يوسف: يمتد إلى وقت الزوال، فإذا زالت الشمس يفوت الوقت ويكون فيما بعده قضاء، فإن لم يرم حتى غابت الشمس يرمي قبل الفجر من اليوم الثاني ولا شيء عليه في قول أصحابنا. وللشافعي قولان: في قول: إذا غربت الشمس فقد فات الوقت وعليه الفدية. وفي قول: لا يفوت إلاَّ في آخر أيام التشريق، فإن أخر الرمي حتى طلع الفجر من اليوم الثاني رمى وعليه دم للتأخير في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف ومحمد: لا شيء عليه، وبه قال الشافعي. وقال مالك في "الموطأ" (١): سمعت بعض أهل العلم يكره رمي الجمرة حتى يطلع الفجر من يوم النحر، ومن رمى فقد حلَّ له النحر. ص: وقالوا: لم يذكر ابن عباس في حديث شعبة مولاه أنهم رموا الجمرة عند طلوع الفجر بأمر النبي ﵇ أيَّاهم بذلك، وقد يجوز أن يكونوا فعلوا ذلك بالتوهم منهم أنه وقت الرمي لها، ووقته في الحقيقة غير ذلك، وأما ما رواه عطاء عنه فإنه لم يذكر وقت رمي جمرة العقبة هل هو بعد طلوع الشمس أو قبل ذلك؟ ش: أي قال هؤلاء الآخرون في الجواب عن الحديثين المذكورين، وهما ما رواه شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، وما رواه عطاء بن أبي رباح، عن

стр. 4884

ابن عباس، وهذا لجواب بطريق التنزيل والتسليم، وإلَّا لو قيل: إن هذين الحديثين ضعيفان فلا يحتاج إلى هذا الجواب، فافهم. ص: واحتج أهل المقالة الأولى لقولهم أيضًا بما حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم: "أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام والمزدلفة بليل فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يدفعون قبل أن يقف الإِمام وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر ﵄ يقول: "رخص لأولئك رسول الله ﵇". ش: إسناده صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح. فيونس الأول هو ابن عبد الأعلى شيخ مسلم أيضًا. ويونس الثاني هو ابن يزيد الأيلي. وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري. وأخرجه البخاري (١): نا يحيى بن بكير، نا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب قال: سالم: "كان عبد الله بن عمر يقدم ضعفة أهله ... إلى آخره". وأخرجه مسلم (٢) أيضًا: عن أبي الطاهر وحرملة بن يحيى كلاهما عن ابن وهب، عن يونس ... إلى آخره نحوه. قوله: "ضعفة أهله". هو جمع ضعيف، وأراد بهم النساء والصبيان. قوله: "والمزدلفة". بواو العطف في رواية الطحاوي، وفي روايتي البخاري ومسلم: "بالمزدلفة" بالباء الظرفية. فعلى الأول "الواو" تفسيرية، فيكون المشعر الحرام والمزدلفة شيئًا واحدًا.

стр. 4885

وعلى الثاني يكون المشعر الحرام اسمًا لموضع الوقوف في المزدلفة، فافهم. قوله: "ما بدا لهم" أي ما ظهر لهم، وأراد به: ما تيسر لهم. ص: فكان من الحجة عليهم لأهل المقالة الأخرى أنه لم يذكر في هذا الحديث عن ابن عمر أن رسول الله ﵇ رخص لهم في رمي جمرة العقبة حينئدٍ، وقد يجوز أن تكون تلك الرخصة التي كان رخصها لهم هي الدفع عن مزدلفة بليل خاصة. ش: أي فكان من الدليل والبرهان على أهل المقالة الأولى، وأراد به الجواب عن الحديث المذكور، وهو ظاهر. ص: واحتجوا أيضًا في ذلك بما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسدٌ، قال: ثنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله مولى أسماء، عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنها قالت: "أي بني، هل غاب القمر ليلة الجمع؟ قال: قلت: لا، فصلت ساعة، ثم قالت: أي بني هل غاب القمر -وقد غاب-؟ فقلت: نعم، قالت: فارتحلوا إذا، فارتحلنا، ثم مضينا بها حتى رمت الجمرة، ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها، فقلت لها: أي هنتاه، لقد غَلَّسْنَا، قالت: كلّا يا بني، إن النبي ﵇ أذن للظعن". فقد يحتمل أن يكون أراد بالتغليس في الدفع من مزدلفة، ويجوز أن يكون أراد بالتغليس في الرمي، فأخبرته أن نبي الله ﵇ أذن لهم في التغليس لمَّا سألها عن التغليس به من ذلك. ش: أي واحتج أهل المقالة الأولى أيضًا فيما ذهبوا إليه بحديث أسماء ﵂، وإسناده صحيح. وسعيد بن سالم القداح أبو عثمان الخراساني، قال ابن معين: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: محله الصدق. روى له أبو داود. وابن جريج: هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي.

стр. 4886

وأخرجه البخاري (١): نا مسدد، عن يحيى، عن ابن جريج، قال: حدثني عبد الله مولى أسماء، عن أسماء: "أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة، فقامت تصلي، فصلت ساعة ثم قالت: يا بني، هل غاب القمر؟ قلت: لا ... إلى آخره نحوه". وأخرجه مسلم (٢): عن محمد بن أبي بكر المقدمي، عن يحيى القطان، عن ابن جريج ... إلى آخره نحوه. قوله: "أي بني". يعني يا بني. قوله: "أي هنتاه". أصله من الهن، يكنى به عن الشيء، والأنثى هَنة، فإذا وصلتها بالهاء قلت: يا هَنتاه، ومن العرب من يقول: يا هَنتوه، وللرجل: يا هناه، ولا يستعمل كذا إلاَّ في النداء، ومعنى يا هَنْتَاه: يا هذه، وقال صاحب "العين": إذا أدخلوا التاء في هن فتحوا النون فقالوا: يا هَنَة، وإن زادوا التاء سكنوا النون فقالوا: يا هَنْتَاه ويا هَنْتَوه. وقال أبو حاتم: يقال للمرأة: يا هنة أقبلي استخفافًا، فإذا ألحقت الزوائد قلت: يا هنتاه للمرأة ويا هناه للرجل. وقال السفاقسي: ضبط بإسكان النون وبفتحها مثل قوله: يا هذه، من غير أن يراد به مدح ولا ذم. وقال ابن الأثير: بضم الهاء الأخيرة وتسكن، وفي التثنية هَنْتان، وفي الجمع: هنات، وفي المذكر هَنٌ وهنان وهنون، ولك أن تلحقها الهاء لبيان الحركة فتقول: يا هَنَّة، وأن تشبع الحركة فتصير ألفًا فتقول: يا هَنَاه، ولك ضم الهاء فتقول: يا هَنَاهُ أقبل، وقال أبو نصر: هذه اللفظة مختصة بالنداء، وقيل: معنى يا هَنْتَاَهُ: يا بلهاء كأنها نسبة إلى قلة المعرفة بمكائد الناس وشرورهم. وقال أبو زيد: تلغى الهاء في المدح فيقال: يا هنا، هلم.

стр. 4887

قوله: "لقد غَلَسْنَا". بتخفيف اللام وأراد به: رمينا بالغلس، والغلس آخر الليل حين يشتد سواده. قاله أبو زيد، ومنه غَلَّسْنَا أي فعلنا ذلك وأتيناه في ذلك الوقت. قوله: "أذن للظُّعُن". بضم الظاء والعين وبإسكانها: جمع ظعينة وهي المرأة في الهودج، سميت به على حد تسمية الشيء باسم الشيء لقربه منه، وقيل: سميت بذلك؛ لأنها تظعن مع زوجها، ولا تسمى ظعينة إلاَّ وهي في هودج، وعن ابن السكيت: كل امرأة ظعينة، كانت في هودج أو غيره. وقال ابن سيده: الجمع ظعائن وظُعُن وأَظْعَان وظَعُنَات الأخيرتان جمع الجمع، وفي "الجامع" قالوا: الظعن والأظعان: الهوادج كانت فيها نساء أو لم تكن، ولا يقال: ظُعُن إلاَّ للإِبل التي عليها الهوادج. وقيل: الظعن الجماعة من النساء والرجال، وفي "المحكم": الظُعُن جمع ظاعن، والظَّعَن اسم للجمع، والظعون من الإِبل الذي تركبه المرأة خاصة. وتقول: ظَعَنَ يَظْعن ظَعِينًا وظُعونًا ذهب، وأظعنه هو، والظعينة: الجمل يظعن عليه، والظعينة المرأة في الهودج. قوله: "فقد يحتمل ... إلى آخره" جواب عن احتجاجهم بالحديث المذكور، وهو ظاهر. ص: فكان من الحجة للذين ذهبوا إلى أن وقت رميهم بعد طلوع الشمس ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: ثنا فضيل بن سليمان، قال: ثنا موسى بن عقبة، قال: ثنا كريب، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ يأمر نساءه وثقله صبيحة جمع أن يفيضوا مع أول الفجر بسوادٍ، ولا يرموا الجمرة إلاَّ مصبحين". ففي هذا الحديث أن رسول الله ﵇ أمرهم بالإِفاضة مع أول الفجر بسواد، ولا يرموا حتى يصبحوا، فدل ذلك على أن الوقت الذي أمرهم بالرمي فيه ليس أول طلوع الفجر، ولكن أوله الإِصباح الذي بعد ذلك.

стр. 4888

حدثنا محمد بن خزيمة، ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، قال: ثنا الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس ﵄: "أن رسول الله ﵇ بعثه في الثقل، وقال: لا ترموا الجمار حتى تصبحوا". ش: من جملة ما احتجت به أهل المقالة الثانية حديث ابن عباس هذا. وأخرجه من طريقين: الأول: إسناده صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدَّمي -بفتح الدال- البصري شيخ البخاري ومسلم. والكل رجال الصحيح ما خلا شيخ الطحاوي. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث فضيل بن سليمان، عن موسى بن عقبة، عن كريب ... إلى آخره نحوه. الثاني: عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال الأنماطي شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن حجاج بن أرطاة النخعي متكلم فيه، ولكن احتجت به الأربعة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم بن بَجَرَة -بالباء والجيم والراء المفتوحات- مولى عبد الله بن الحارث، ويقال له: مولى عبد الله بن عباس؛ للزومه له، روى له الجماعة سوى مسلم. وأخرجه الطبراني (٢): من حديث الحجاج بن أرطأة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس ولفظه: "لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس". قوله: "وثقله" بفتح الثاء المثلثة والقاف، وهو متاع المسافر. قوله: "أن يفيضوا" أي بأن يفيضوا، أي بالإِفاضة؛ لأن "أن" مصدرية. قوله: "مصبحين" حال من الضمير الذي في: "ولا ترموا".

стр. 4889

قوله: "فدل ذلك" أي أمر النبي ﵇ إياهم بأن لا يرموا إلاَّ مصبحين على أن الوقت الذي أمرهم برمي الجمرة فيه ليس أول طلوع الفجر، ولكن أوله الإِصباح الذي يكون بعد ذلك. ص: فاحتمل أن يكون ذلك الإِصباح هو طلوع الشمس، واحتمل أن يكون قبل ذلك، فنظرنا في ذلك فإذا ابن أبي داود قد حدثنا، قال: ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﵇ لبني هاشم: "يا بني أخي، تعجلوا قبل زحام الناس، ولا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس". حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن، قال: ثنا المسعودي، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: "قدَّم رسول الله ﵇ ضعفة أهله ليلة الجمع قال: فأتى رسول الله ﵇ إنسانًا منهم، فحرك فخذه وقال: لا ترمين جمرة العقبة حتى تطلع الشمس". حدثنا محمد بن عمرو بن يونس قال: ثنا يحيى بن عيسى (ح). وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا محمد بن كثير (ح). وحدثنا الحسين بن نصر، قال: ثنا أبو نعيم، قالوا: ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن الحسن العرني، عن ابن عباس، قال: "قدمنا رسول الله ﵇ أغيلمة بني عبد المطلب من جمع بليل، فجعل يلطح أفخاذنا ويقول: أي بني، لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس". حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى، قال: ثنا أبي، قال: ثنا ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، عن رسول الله ﵇ مثله، غير أنه قال: "وكان يأخذ بعضد كل إنسان منا". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن الحسن العُرني، عن ابن عباس قال: "أفضنا من جمع، فلما أن صرنا بمنى قال رسول الله ﵇: لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس".

стр. 4890

فبين رسول الله ﵇ لهم في هذا الحديث وقت الإِصباح الذي أمرهم بالرمي فيه في الحديث الذي في الفصل الذي قبل هذا، وأنه بعد طلوع الشمس. ش: لما دل حديث كريب عن ابن عباس أن وقت الرمي ليس أول طلوع الفجر ولكن أوله الإِصباح الذي بعده؛ شرع يبين المراد من الإِصباح ما هو؟ فإنه يحتمل أن يكون طلوع الشمس، ويحتمل أن يكون قبل طلوعها، ولكن وجدت روايات عن ابن عباس أيضًا تدل صريحًا على أن المراد من ذلك الإِصباح هو طلوع الشمس، وهو ما رواه عن النبي ﵇: "لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس" فدل ذلك على أن معنى قوله ﵇ في حديث كريب: "حتى تصبحوا" أي حتى تطلع الشمس عليكم؛ وذلك لأن الإِصباح هو الدخول في الصباح، والصباح في اللغة نقيض المساء، وهو وإن كان يتناول ما قبل طلوع الشمس من حين طلوع الفجر ولكن الحديث بيَّن أن المراد منه طلوع الشمس. ثم إنه أخرج تلك الروايات عن ابن عباس من سبع طرق: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ البخاري، عن أبي بكر بن عياش بن سالم الكوفي الحناط -بالنون- المقرئ، قيل: اسمه محمد، وقيل: عبد الله، وقيل: سالم، وقيل: شعبة، وقيل غير ذلك، روى له الجماعة -مسلم في مقدمة كتابه- عن سليمان الأعمش، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم بن بجرة. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا أسود بن عامر، ثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: "قال رسول الله ﵇ ليلة المزدلفة: يا بني أخي -لبني هاشم- تعجلوا قبل زحام الناس، ولا يرمين أحد منكم العقبة حتى تطلع الشمس".

стр. 4891

الثاني: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن خالد بن عبد الرحمن الخراساني بي محمد المروذي، وثقه يحيى وروى عنه، وروى له أبو داود والنسائي. عن المسعودي، وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفي، وثقه ابن نمير وابن سعد، وقال النسائي: ليس به بأس. وروى له الأربعة، واستشهد به البخاري. وأخرجه الترمذي (١): عن أبي كريب، عن المسعودي ... إلى آخره نحوه، وقال: حديث حسن صحيح. الثالث: عن محمد بن عمرو بن يونس التغلبي السنوسي، عن يحيى بن عيسى ابن عبد الرحمن النهشلي الكوفي الجزار، روى له الجماعة سوى النسائي، لكن البخاري في الأدب، عن سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل بن حصين الحضرمي الكوفي أحد مشايخ أبي حنيفة، عن الحسن بن عبد الله العرني البجلي الكوفي، روى له الجماعة سوى الترمذي، لكن البخاري مقرونًا بغيره، وقال المنذري: الحسن العرني ثقة، احتج به مسلم غير أن حديثه عن ابن عباس منقطع. وقال الإِمام أحمد: الحسن العرني لم يسمع من ابن عباس شيئًا. وقال يحيى بن معين: يقال: إنه لم يسمع من ابن عباس. وأخرجه النسائي (٢): أنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرىء، ثنا سفيان، عن سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن الحسن العرني، عن ابن عباس قال: "بعثنا رسول الله ﵇ أغيلمة بني عبد المطلب على حمرات، يلطح أفخاذنا ويقول: أبينيَّ، لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس". الرابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن محمد بن كثير العبدي البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن سفيان الثوري، عن سلمة ... إلى آخره.

стр. 4892

وأخرجه أبو داود (١): نا محمد بن كثير، قال: أنا سفيان، قال: حدثني سملة ابن كهيل، عن الحسن العُرني، عن ابن عباس قال: "قدَّمنا رسول الله ﵇ ليلة المزدلفة أغيلمة بني عبد المطلب على حمرات، وجعل يلطح أفخاذنا، ويقول: أبَنيّ، لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس". الخامس: عن الحسين بن نصر بن المعارك، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن سفيان الثوري ... إلى آخره. وأخرجه ابن ماجه (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد، قالا: ثنا وكيع، نا مسعر وسفيان، عن سلمة بن كهيل، عن الحسن العرني، عن ابن عباس قال: "قدمنا رسول الله ﵇ أغيلمة بني عبد المطلب على حمرات لنا من جمع، فجعل يلطح أفخاذنا ويقول: أبنيّ، لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس". زاد سفيان فيه: "ولا إخال أحدًا يرميها حتى تطلع الشمس". السادس: عن فهد بن سليمان الكوفي، عن محمد بن عمران بن أبي ليلى، وهو محمد بن عمران بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي، عن أبيه عمران بن محمد، عن جده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه الكوفي قاضيها فيه مقال، روى له الأربعة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم بن بجرة، عن ابن عباس. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٣): ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى، حدثني أبي، ثنا ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: "بعثني النبي ﵇ من مزدلفة إلى منى في ضعفة أهل بيته، وأخذ بعضد كل إنسان منا فقال: لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس".

стр. 4893

السابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل ... إلى آخرة". قوله: "أغيلمةً". بالنصب على أنه بدل من الضمير المنصوب في قوله: "قدمنا" وقد عرف أن المظهر يبدل من المضمر الغائب دون المتكلم والمخاطب، وهو من أقسام بدل الكل من الكل، وقد عرف أيضًا أن المبدل هو الذي يعتمد بالحديث، وإنما يذكر الأول لنحو من التوطئة، ولمجموعها فضل تأكيد وتبيين لا يكون في الإِفراد. "والأغيلمة" تصغير أغلمة جمع غلام في القياس، ولم يرد في جمعه أغلمة وإنما قالوا: غلمة، ومثله: أصيبية تصغير صِبْيَة. وأراد بالأغيلمة: الصبيان، ولذلك صغرهم، قال الجوهري: الغلام معروف، وتصغيره غليم، والجمع غلمة وغلمان، واستغنوا بالغلمة عن الأغلمة، وتصغير الغلمة أغيلمة على غير مكبره، كأنهم صغروا أغلمة وإن كانوا لم يقولوه، وبعضهم يقول: غليمة على القياس. قوله: "من جمع". أي من مزدلفة. قوله: "بليل". أي في ليل. قوله: "فجعل يلطح" بالطاء والحاء المهملتين، قال أبو داود: اللطح: الضرب بالكف، وقال الجوهري: اللطح مثل الحَطْأ وهو الضرب اللين على الظهر ببطن الكف، وقد لطحه، ويقال أيضًا: لطح به إذا ضرب به الأرض. قوله: "أي بني" يعني: يا بني، وأصله يا بنون، فلما أضيف إلى "ياء" المتكلم سقطت النون، فصار يا بنوي اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، فصار يا بَنيُّ بضم النون، ثم أبدلت من الضمة كسرة لأجل الياء فصار يا بَني بفتح الياء وكسر النون، ثم دخلت عليه ها هنا حرف النداء وهو الهمزة فقيل: أبَنيَّ يعني: يا بَنيّ، وفي رواية

стр. 4894

النسائي وابن ماجه: "أُبَيْنِيَّ" بضم الهمزة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وكسر النون وتشديد الياء، قال الأزهري: تصغير بنين، قلت: تحقيقه أنه لما صُغِّرَ عادت الهمزة، فصار: أبنيون، ولما أضيف إلى ياء المتكلم صار: أبينوي؛ لأن النون سقطت للإِضافة، ففعل به ما ذكرنا الآن فصار: أبيني، والتقدير: يا أبيني حذف حرف النداء للعلم به، وقال الجوهري: الابن أصله بَنَوٌ والذاهب منه "واو" كما ذهب من أب وأخ، والتصغير بني وتصغير أبناء أبيناء وإن شئت أبينون على غير مكبره، قال الشاعر: مَنْ يَكُ لا ساءَ فقد ساءني ... تَركُ أُبَيْنِيكَ إلى غَيرِ راعِ كأن واحده ابن، مقطوع الألف، فصغره فقال: أبينون قوله: "على حُمُرات" بضم الحاء المهملة والميم جمع صحة لحمر الذي هو جمع حمار. ص: فهذا الحديث هو أولى من حديث شعبة مولى ابن عباس، لأن هذا قد تواتر عن ابن عباس بأمر رسول الله ﵇ إياهم على ما ذكرنا. ش: هذا جواب عما يقال: إن حديثي ابن عباس متعارضان ظاهرًا، فلا يتم الاستدلال بهما، فقال: هذا الحديث أولى؛ لأنه صحيح الإِسناد ورواته ثقات، وكثرت طرقه وهو معنى قوله: "تواتر عن ابن عباس بأمر رسول الله ﵇ إياهم" بخلاف حديث شعبة مولى ابن عباس المذكور في أول الباب، فإنه ضعيف على ما ذكرنا، وليس فيه أمرٌ من النبي ﵇ بذلك في طريقيه على ما مرَّ. ص: ولأن الإِفاضة من مزدلفة إنما رخص للضعفاء فيها ليلاً، لئلا تصيبهم حطمة الناس في وقت إفاضتهم، فإذا صاروا إلى منى أمكنهم من رمي جمرة العقبة بعد طلوع الشمس قبل مجيء الناس ما يمكن غير الضعفاء إذا جاءوا؛ لأن غير الضعفاء إنما يأتونهم في وقت ما يفيضون وذلك قبل طلوع الشمس، هكذا أمرهم رسول الله ﵇.

стр. 4895

ش: هذا دليل عقلي في ترجيح الحديث المذكور على الحديث الأول وهو ظاهر. "والحَطْمة" بفتح الحاء وسكون الطاء: الدفعة، ومنه حطمة السيل وهي دفعته. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق (ح). وحدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: "كنا وقوفًا مع عمر ﵁ بجمع، فقال: إن أهل الجاهلية كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون: أَشْرِق ثبير، وإن رسول الله ﵇ خالفهم فأفاض قبل طلوع الشمس". حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد (ح). وحدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قالا: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: "كنا وقوفًا مع عمر ﵁ بجمع فقال: إن أهل الجاهلية كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرِق ثبير كيما نُغِير، وإن رسول الله ﵇ خالفهم فأفاض قبل طلوع الشمس بقدر صلاة المسافر صلاة الصبح". فلما كان غير الضعفاء إنما يفيضون من مزدلفة قبل طلوع الشمس بهذه المدة اليسيرة؛ أمكن الضعفاء الذين تقدموهم إلى منى أن يرموا الجمرة بعد طلوع الشمس قبل مجيء الآخرين إليهم، فلم يكن للرخصة للضعفاء أن يرموا قبل طلوع الشمس معنى؛ لأن الرخصة إنما تكون في مثل هذا للضرورة، وهذا لا ضرورة فيه، فثبت بذلك ما ذكرنا من حديث ابن عباس الذي رويناه في تأخير جمرة العقبة إلى طلوع الشمس. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.

стр. 4896

ش: هذه أربع طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة بن الحجاج، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عمرو بن ميمون الأودي الكوفي. وأخرجه البخاري (١): ثنا حجاج بن منهال، نا شعبة، عن أبي إسحاق، سمعت عمرو بن ميمون يقول: "شهدت عمر ﵁ صلى بجمع الصبح، ثم وقف فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير، وإن النبي ﵇ خالفهم ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس". الثاني: عن يزيد بن سنان القزاز، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٢): نا ابن كثير، قال: أنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: قال عمر بن الخطاب: "كان أهل الجاهلية لا يفيضون حتى يروا الشمس على ثبير، فخالفهم النبي ﵇ فدفع قبل طلوع الشمس". الثالث: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله، عن عمرو بن ميمون ... إلى آخره. وأخرجه ابن ماجه (٣): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: "حججنا مع عمر بن الخطاب، فلما أردنا أن نفيض من المزدلفة قال: إن المشركين كانوا يقولون: أشرِق

стр. 4897

ثبير كيما نغير، وكانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، فخالفهم رسول الله ﵇ فأفاض قبل طلوع الشمس". الرابع: عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، عن إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون. وأخرجه الدارمي في "سننه" (١): نا أبو غسان مالك بن إسماعيل، نا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عمر بن الخطاب قال: "كان أهل الجاهلية يفيضون من جمع بعد طلوع الشمس، وكانوا يقولون: أشرِق ثبير، وإن رسول الله ﵇ خالفهم فدفع قبل طلوع الشمس بقدر صلاة [المسفرين] (٢). أو قال: المسفرين -بصلاة الغداة". وأخرجه الترمذي (٣) والنسائي (٤) وأحمد (٥) والبيهقي (٦) وأبو يعلى وغيرهم أيضًا. قوله: "أشرق ثبير" أي: يا ثبير، حذف حرف النداء منه، وأَشرِق بفتح الهمزة من أشرق يشرق إشراقًا، قال الهروي: معناه: ادخل أيها الجبل في الشروق، كما يقال: أجنب إذا دخل في الجنوب، وأشمل إذا دخل في الشمال، ويقال: إشرق بكسر الهمزة من شَرَق أو أضاء وفيه نظر؛ لأن شرق بفتح عين مضارعه يشُرق بالضم والأمر منه لا يجيء إلاَّ بضم الهمزة كما تقول في نصر ينصر انْصُر، فعلى هذا قول القائل ينبغي أن يقال: اشْرُق نحو انصر. و"ثبير" بفتح الثاء المثلثة وكسر الباء الموحدة بعدها الياء آخر الحروف وراء: هو

стр. 4898

جبل المزدلفة على يسار الذاهب إلى منى وقيل: هو أعظم جبال مكة، عُرف برجل من هذيل كان اسمه ثبيرًا دفن فيه، وذكر ياقوت أن بمكة سبعة جبال كل منها يسمى ثبيرًا: الأول: أعظمها وأكبرها بينها وبين عرفة وهو المراد من قولهم: أشرِق ثبير كيما نغير، قال الأصمعي: هو ثبير حراء. وقال البكري: ويقال له: ثبير الأبيرة. الثاني: ثبير الزنج؛ لأن الزنج كانوا يلعبون عنده. الثالث: ثبير الأعرج. الرابع: ثبير الخضراء. الخامس: ثبير النصع، وهو جبل المزدلفة على يسار الذاهب إلى منى. السادس: ثبير عينا. السابع: ثبير الأحدب، قال البكري: بالإِضافة، وحكى ابن الأنباري أنه على النعت، وقال الزمخشري: ثبيران جبلان يفترقان تصب بينهما أفاعيه وهي واد يصب من منى، يقال لأحدهما: ثبير عينا، وللآخر ثبير الأعرج. قوله: "كيما نغير" أي ندفع ونفيض للنحر وغيره، وذلك من قولهم: أغار الفرس إغارة الثعلب، وذلك إذا دفع وأسرع في دفعه، وقال ابن الأثير: أي نذهب سريعًا، يقال: أغار يغير إذا أسرع في العدو، وقيل: أراد نغير على لحوم الأضاحي من الإِغارة النهب، وقيل: ندخل في الغَوْر وهو المنخفض من الأرض على لغة من قال: أغار إذا أتى الغور. ثم هو بنصب الراء؛ لأن "أن" مقدرة بعد "كي"، ولا تظهر إلاَّ في الضرورة، قال: فقالت أَكُل الناس أصبحت مانحا ... لسانك كيما أن تفر وتخدعا

стр. 4899

وكي تستعمل على ثلاثة أوجه: أحدهما: أن يكون اسمًا مختصرًا من كيف، نحو قوله: كي تجنحون إلى سلم وما ثيرت (١) أراد: كيف تجنحون فحذف الفاء. الثاني: أن تكون بمنزلة لام التعليل. الثالث: أن تكون بمنزلة "أن" المصدرية، معنى وعملاً بخبر قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا﴾ (٢) وعن الأخفش: أن "كي" جَارَّة دائمًا، وأن النصب بعدها بـ "أن" ظاهرة أو مضمرة، وقد قال بعضهم: إن نُغير ها هنا بسكون الراء؛ لأجل المناسبة لثبير. قلت: ثبير أصله بضم الراء؛ لأنه منادى مفرد معرفة، فيبنى على الضم، ولكن كأنهم سكنوه لأجل الوقت، فلما سكنوه سكنوا نغير أيضاً إقامة للسجع في كلامهم؛ لأنه مطلوب عندهم. قوله: "فلما كان الضعفاء ... إلى آخره". من كلام الطحاوي. ...

стр. 4900

ص: باب: رمي جمرة العقبة ليلة النحر قبل طلوع الفجر ش: أي هذا باب في بيان رمي جمرة العقبة ليلة النحر قبل طلوع الفجر هل يجوز أم لا؟ ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبد الله بن محمد التيمي، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن عروة: "أن يوم أم سلمة ﵂ صار إلى يوم النحر، فأمرها رسول الله ﵇ ليلة جمع أن تفيض، فرمت جمرة العقبة وصلت الفجر بمكة". ش: رجاله ثقات، ذكروا غير مرة. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١) وكتاب "المعرفة" (٢): ثنا أبو بكر وأبو زكريا وأبو سعيد قالوا: ثنا أبو العباس، قال: أنا الربيع، قال: أنا الشافعي، عن داود بن عبد الرحمن العطار، وعبد العزيز محمد الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: "دار رسول الله ﵇ إلى أم سلمة يوم النحر، فأمرها أن تعجل الإِفاضة من جمع حتى تأتي مكة فتصلي، وكان يومها [فأحبَّ] (٣) أن توافقه". وفي رواية أبي سعيد "فأحب أن توافيه" انتهى. وهذا الحديث مضطرب سندًا ومتنًا، وقال ابن بطال: إن أحمد بن حنبل ضعفه وقال: لم يسنده غير أبي معاوية. وهو خطأ، وسيجيء الكلام فيه مستقصى. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن رمي جمرة العقبة ليلة النحر قبل طلوع الفجر جائز، واحتجوا بهذا الحديث، وقالوا: لا يجوز أن تكون صلت الصبح بمكة إلاَّ وقد كان رميها بجمرة العقبة قبل طلوع الفجر لبعد ما بين الموضعين.

стр. 4901

ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح وطاوسًا ومجاهدًا والشعبي والشافعي؛ فإنهم قالوا: يجوز رمي جمرة العقبة ليلة النحر قبل طلوع الفجر. وقال ابن أي شيبة في مصنفه (١): نا عبد العزيز بن عبد الصمد العمِّي، عن عطاء ابن السائب قال: "رأيت أبا جعفر يرمي قبل طلوع الشمس، وكان عطاء وطاوس ومجاهد والنخعي وعامر بن شراحيل وسعيد بن جبير يرمون حين يقدمون أي ساعة قدموا، لا يرون به بأسًا". قوله: "وقالوا". أي هؤلاء القوم. قوله: "لبعد ما بين الموضعين". لأن بينهما ثلاثة أميال. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يجوز لأحد أن يرميها قبل طلوع الفجر، ومن رماها قبل طلوع الفجر فهو في حكم من لم يرم، وعليه أن يعيد الرمي في وقت الرمي، فإن لم يفعل كان عليه لذلك دم. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري وأبا حنيفة ومحمدا ومالكًا وأحمد وإسحاق، فإنهم قالوا: لا يجوز رمي جمرة العقبة قبل طلوع الفجر، حتى قال الثوري: لا يجوز إلاَّ بعد طلوع الشمس، وبه قال النخعي في رواية، وقد مضى الكلام فيه في السابق. ص: وكان من الحجة لهم في ذلك: أن هذا الحديث قد اختلف فيه عن هشام بن عروة، فروي عنه على ما ذكرنا، وروي عنه على خلاف ذلك: حدثنا الربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا محمد بن خازم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة قالت: "أمرها رسول الله ﵇ يوم النحر أن توافي معه صلاة الصبح بمكة". ففي هذا الحديث أن رسول الله ﵇ أمرها بما أمرها به من هذا يوم النحر، فذلك

стр. 4902

على صلاة الصبح في اليوم الذي بعد يوم النحر، وهذا خلاف الحديث الأول، وقد عجَّل رسول الله ﵇ أيضًا من جمع أزواجه غير أم سلمة، وكان مضيهم إلى منى، وبها صلوا صلاة الصبح ولم يتوجهوا حينئذٍ إلى مكة، فمها روي في ذلك: ما حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد، عن عُبيد الله بن عمر، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: "أن سودة بنت زمعة استأذنت رسول الله ﵇ أن تصلي يوم النحر الصبح بمنى، فأذن لها -وكانت امرأة ثبطة، فوددت أني استَأذَنْتْه لما اسْتَأْذَنَتْهُ". حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سالم بن شوال، أنه سمع أم حبيبة تقول: "كنا نغلس على عهد النبي ﵇ من المزدلفة إلى منى". ففي هذا أنهم كانوا يفيضون [بعد طلوع] (١) الفجر، فهذا أبعد لهم مما في الحديث الأول. وقد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا الباب من حديث أسماء أنها رمت ثم رجعت إلى منزلها فصلت الفجر، فقلت لها: لقد غلسنا، فقالت: رخص رسول الله ﵇ للظعن". فأخبرت أن ما قد كان رخص رسول الله ﵇ في ذلك للظعن هو الإِفاضة من المزدلفة في وقت ما يصيرون إلي منى، في حال ما لهم أن يصلوا صلاة الصبح، ولما اضطرب حديث هشام بن عروة على ما ذكرنا لم يكن العمل بما رواه حماد بن سلمة أولى مما رواه محمد بن خازم، وقد ذكر حماد بن سلمة في حديثه أن رسول الله ﵇ إنما أراد بتعجيله أم سلمة إلى حيث عجلها؛ لأنه يومها ليصيب منها في يومها ذلك ما يصيب الرجل من أهله ورسول الله ﵇ في يوم النحر فلم يبرح منى ولم يطف طواف الزيارة إلى الليل.

стр. 4903

حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: ثنا سفيان الثوري، قال: حدثني محمد بن طارق، عن طاوس وأبو الزبير، عن عائشة وابن عباس ﵃: "أن رسول الله ﵇ أخَّر طواف الزيارة إلى الليل". حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا أحمد بن حميد، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنه قالت: "أفاض رسول الله ﵇ في آخر يومه". فلما كان رسول الله ﵇ لم يطف طواف الزيارة يوم النحر إلى الليل، استحال أن يكون به إلى حضور أم سلمة إلى مكة قبل ذلك حاجة؛ لأنه إنما يريدها لأنه في يومها وليصيب منها ما يصيب الرجل من أهله، وذلك لا يحل له منها إلاَّ بعد الطواف، فأشبه الأشياء عندنا -والله أعلم- أن يكون أمرها أن توافي صلاة الصبح بمكة في غد يوم النحر في وقت يكون فيه حلالًا بمكة. ش: أي: وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية، وأراد به الجواب عن حديث حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، وهو على وجهين: الأول: أنه مضطرب، أشار إليه بقوله: إن هذا الحديث قد اختلف فيه عن هشام بن عروة، فروي عنه على ما ذكرنا، وروي عنه على خلاف ذلك، أي على خلاف ما ذكرنا، وبينه بقوله: حدثنا الربيع ... على آخره. وأخرجه بإسناده عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، وعن أسد بن موسى، عن محمد بن خازم -بالمعجمتين- روى له الجماعة، عن هشام بن عروة ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا أبو معاوية، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة: "أن رسول الله ﵇ أمرها أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكة".

стр. 4904

ففي هذا يخبر أنه ﵇ أمرها بالموافاة لصلاة الصبح بمكة فذلك على صبح اليوم الثاني في يوم النحر؛ لأنه من المستحيل أن تكون هي توافي معه ﵇ صلاة الصبح بمكة من يوم النحر على ما يأتي وجه الاستحالة عن قريب. قوله: "عجل رسول الله ﵇ ... إلى آخره" ذكره تأييدًا لما ذكره من التأويل. قوله: "من جمع" أي من مزدلفة. قوله: "وكان مضيهم إلى منًى" يعني: كان ذهابهم من جمع إلى منى لا إلى مكة. "وبها" أي وبمنى "صلوا صلاة الصبح" أي في يوم النحر ولم يتوجهوا حينئذٍ إلى مكة، والدليل على ذلك حديث عائشة وأم حبيبة ﵄. أما حديث عائشة فأخرجه عن أحمد بن داود المكي، عن يعقوب بن حميد بن كاسب شيخ ابن ماجه، فيه مقال، عن عبد العزيز محمد الدراوردي، عن عُبيد الله ابن عمر بن حفص بن عمر بن الخطاب، عن عبد الرحمن بن القاسم بن أبي بكر الصديق، عن أبيه القاسم بن أبي بكر، عن عائشة. وأخرجه مسلم (١): نا ابن نمير، قال: ثنا أبي، قال: ثنا عُبيد الله بن عمر، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم، عن عائشة قالت: "وددت أني كنت استأذنت رسول الله ﵇ كما استأذنته سودة، فأصلي الصبح بمنى فأرمي الجمرة قبل أن يأتي الناس، فقيل لعائشة: فكانت سودة استأذنت؟ فقالت: نعم، إنها كانت امرأة ثقيلة ثبطة فاستأذنت رسول الله ﵇ فأذن لها". وقد أخرج أبو جعفر هذا الحديث في باب: حكم الوقوف بالمزدلفة، عن محمد ابن خزيمة، عن حجاج، عن حماد، عن عبد الرحمن بن القاسم ... إلى آخره. و"الثبطة" بفتح الثاء المثلثة وكسر الباء الموحدة: المرأة البطيئة الضخمة. وأما حديث أم حبيبة فأخرجه بإسناد صحيح، عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن

стр. 4905

أسد بن موسى، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن دينار المكي، عن سالم بن شوال المكي مولى أم حبيبة زوج النبي ﵇ وثقه النسائي وابن حبان، وروى له مسلم والنسائي هذا الحديث الواحد. عن أم حبيبة -واسمها رملة بنت أبي سفيان أخت معاوية ﵃. وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا سفيان بن عيينة، قال: ثنا عمرو بن دينار (ح). وعمرو الناقد، قال: نا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سالم بن شوال، عن أم حبيبة قالت: "كنا نفعله على عهد النبي ﵇ بغلس من جمع إلى منى". وفي رواية الناقد: "نغلس من مزدلفة". وأخرجه النسائي (٢): أنا عبد الجبار بن العلاء، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سالم بن شوال، عن أم حبيبة قالت:"كنا نغلس على عهد النبي ﵇ من المزدلفة إلى منى". قوله: "في هذا" أي ففي حديث عائشة وأم حبيبة أنهم كانوا يفيضون بعد طلوع الفجر يعني من مزدلفة. قوله: "وقد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا الباب ... إلى آخره" ذكره تأييدًا لقوله: "فهذا أبعد لهم مما في الحديث الأول"، بيانه أنه ﵇ رخص للظعن وكان ذلك للإِفاضة من المزدلفة إلى منًى في حال يكون لهم فيها أداء صلاة الصبح، وهو معنى قوله: "في وقت ما يصيرون إلى منى في حال ما لهم أن يصلوا صلاة الصبح"، فإذا كان كذلك فكيف يتصور أن يكون موافاة أم سلمة مع رسول الله ﵇ صلاة الصبح من يوم النحر بمكة، والحال أنها من الظعن؛ فدل أن المراد: موافاتها معه صلاة الصبح في اليوم الذي بعد يوم النحر".
следующие страницы →