ويستفاد منه أحكام:
فيه دخول مكة بلا إحرام وبالسلاح، وهو منسوخ على ما يأتي بيانه إن شاء الله وأن الكعبة لا تعيذ عاصيًا ولا تمنع من إقامة حد واجب، وإليه ذهب مالك والشافعي وأبو يوسف، قاله البيهقي.
قلت: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (١) ومتى تُعرض إلى من التجأ به يكون سلب الأمن عنه، وهذا لا يجوز، حتى إن من وجب عليه قصاص أو حدٌّ إذا هرب ودخل الحرم لم يقبض في الحرم من النفس عندنا، ويقام عليه فيما دون النفس مما سوى ذلك حتى يخرج من الحرم، وقتل ابن خطل في مكة إنما كان في الوقت الذي أحلت له ﵇ فيه ومذهب زفر: أنه إذا قتل في الحرم أو زنى فيه يقتل ويرجم، وعن أبي يوسف: يخرج من الحرم ويقتل، وكذا في الرجم واختلفوا في تغليظ الدية على من قَتَل في الحرم، فأكثرهم على أنه في الحل والحرم سواء، وعن سالم مَنْ قَتَل خَطَأً في الحرم زيد عليه في الدية ثلث الدية، وهو قول عثمان بن عفان ﵁، وخالفه في ذلك عليّ بن أبي طالب ﵁ وبه استدل جماعة من المالكيين على جواز قتل من سب النبي ﵇ وأنه يقتل ولا يستتاب.
وقال أبو عمر: وقد زعم بعض أصحابنا المتأخرين أن رسول الله ﵇ إنما قتل ابن خطل لأنه كان يسبه، والذي ذكر ابن إسحاق في "المغازي" غير هذا، ولو كانت العلة ما ذكر هذا القائل ما ترك من كان يسبه، وما أظن أحدًا منهم امتنع في حين كفره ومحاربته من سبه، وجعل القائل هذا حجة لقتل الذمي إذا سب رسول الله ﵇ وهذا لا يجوز عند أحد من العلماء أن يقيس الذمي على الحربي؛ لأن ابن خطل كان في دار حرب ولا ذمة له، وقد حكم الله في الحربي إذا قدر عليه بتخيير الإِمام إن شاء قتله، وإن شاء مَنَّ عليه، وإن شاء افتدى به؛ فلهذا قتل رسول الله ﵇ ابن خطل وغيره، فمن أراد منهم قتله على أن
стр. 5112
ابن خطل كان قتل رجلاً من الأنصار مسلمًا ثم ارتد وهذا يبيح دمه عند الجميع.
واختلف الفقهاء في الذمي يسب رسول الله ﵇، فقال مالك: من سب النبي ﵇[من أهل الذمة] (١) قتُل إلاَّ أن يسلم.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: يعزَّر ولا يقتل، وقال الليث: يقتل مكانه، وقال الشافعي: يؤخذ على [من صولح من] (١) الكفار متى ما ذكر أحدهم كتاب الله أو محمدًا ﵇ بما لا ينبغي فقد أحل دمه.
وقال الطحاوي: فهذا يدل على أنه إن لم يشرط ذلك عليه لم يستحل دمه، قال أبو عمر: والقول عندي في هذا قول مالك والليث.
قلت: وإلى هذا أذهب وأختار هذا المذهب في هذه المسألة.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أنه لا بأس بدخول الحرم بغير إحرام، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الزهري والحسن البصري والشافعي -في قول- ومالكًا -في رواية عبد الله بن وهب عنه- وداود بن علي وأصحابه من الظاهرية؛ فإنهم قالوا: لا بأس بدخول الحرم بغير إحرام، واستدلوا على ذلك بهذه الأحاديث، وإلى هذا ذهب البخاري أيضًا؛ قاله عياض.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يصلح لأحد كان منزله من وراء الميقات إلى الأمصار أن يدخل مكة إلاَّ بإحرام.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عطاء بن أبي رباح والليث بن سعد والثوري وأبا حنيفة وأصحابه ومالكًا -في رواية وهي قوله الصحيح- والشافعي -في المشهور عنه- وأحمد وأبا ثور والحسن بن حي ﵏ فإنهم قالوا: لا يصلح لأحد كان منزله من وراء الميقات إلى الأمصار أن يدخل
стр. 5113
مكة إلاَّ بإحرام، فإن لم يفعل أساء، ولا شيء عليه عند الشافعي وأبي ثور، وعند الثوري وأبي حنيفة عليه حجة أو عمرة، وقال أبو عمر: لا أعلم خلافًا بين فقهاء الأمصار في الحطابين ومن يدمن الاختلاف إلى مكة ويكثره في اليوم والليلة أنهم لا يؤمرون بذلك؛ لما عليهم فيه من المشقة، وقال ابن وهب عن مالك: لست آخذ بقول ابن شهاب في دخول الإِنسان مكة بغير إحرام، وقال: إنما يكون ذلك على مثل ما عمل عبد الله بن عمر من القرب، إلاَّ رجلاً يأتي بالفاكهة من الطائف، أو ينقل الحطب يبيعه، فلا أرى بذلك بأسًا، قيل له: فرجوع ابن عمر من قديد إلى مكة بغير إحرام؟ فقال: ذلك أنه جاءه خبر من جيوش المدينة.
ص: واختلف هؤلاء فقال بعضهم: وكذلك الناس جميعًا من كان بعد الميقات وقبل الميقات غير أهل مكة خاصة.
وقال آخرون: من كان منزله في بعض المواقيت أو فيما بعدها إلى مكة فله أن يدخل مكة بغير إحرام، ومن كان منزله قبل المواقيت لم يدخل مكة إلاَّ بإحرام، وممن قال هذا القول: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏.
وقال آخرون: أهل المواقيت حكمهم حكم من كان قبل المواقيت، وجعل أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏ حكم أهل المواقيت كحكم من كان من ورائهم إلى مكة، وليس النظر في هذا عندنا ما قالوا؛ لأنا رأينا من يريد الإِحرام إذا جاوز الميقات حلالاً حين فرغ من حجته ولم يرجع إلى المواقيت كان عليه دم، ومن أحرم من المواقيت كان محسنًا، فكذلك من أحرم قبلها كان كذلك أيضًا، فلما كان الإِحرام من المواقيت في حكم الإِحرام مما قبله لا في حكم الإِحرام مما بعدها؛ ثبت أن حكم المواقيت كحكم ما قبلها لا كحكم ما بعدها؛ فلا يجوز لأهلها من دخول الحرم إلاَّ ما يجوز لأهل الأمصار التي قبل المواقيت فانتفى بهذا ما قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد في حكم [أهل] (١) المواقيت.
стр. 5114
ش: أي اختلف الآخرون فيما بينهم أيضًا، فقال بعضهم وهم عطاء بن أبي رباح والليث بن سعد وإبراهيم النخعي وطاوس وكذلك الناس جميعًا: لا يدخلون مكة بغير إحرام، سواء كان ممن كان بعد الميقات أو قبل الميقات إلاَّ أهل مكة خاصة.
"وقال آخرون" أي جماعة آخرون، وهم الحسن بن حي والثوري والأوزاعي، من كان منزله في بعض المواقيت -مثلًا كان منزله في ذي الحليفة أو في الجحفة- أو كان فيما بعدها أي بعد المواقيت إلى مكة؛ فله أن يدخل مكة بغير إحرام، ومن كان منزله قبل المواقيت لا يدخلها إلاَّ بإحرام، وممن قال بهذا القول: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏.
"وقال آخرون" أي جماعة آخرون، وهم أحمد وأبو ثور والشافعي -في قول-: إن حكم أهل المواقيت كحكم من كان قبل المواقيت، يعني لا يدخلها إلاَّ بإحرام، وإليه ذهب الطحاوي واختاره، على ما يدل عليه كلامه.
قوله: "وليس النظر في هذا عندنا ما قالوا" أي ليس وجه النظر والقياس في هذا ما قاله أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، وجه النظر: أن من أراد الإِحرام إذا جاوز الميقات من غير إحرام حتى دخل مكة وحج وفرغ من حجته ولم يرجع إلى المواقيت كان عليه دم، ولو كان أحرم من المواقيت كان محسنًا، فكذلك من أحرم من قبل المواقيت كان كذلك أيضًا، فإذا كان الإِحرام من المواقيت في حكم الإِحرام مما قبل المواقيت لا في حكم الإِحرام مما بعد المواقيت؛ ثبت بذلك أن حكم المواقيت كحكم ما قبلها لا كحكم ما بعدها، فحينئذٍ لا يجوز لأحد من أهلها دخول الحرم إلاَّ بالإِحرام، فانتفى بذلك ما قاله أبو حنيفة وصاحباه في حكم المواقيت؛ فافهم.
واعلم أنهم اختلفوا فيمن جاوز الميقات وهو يريد الحج أو العمرة، فقال مالك وابن المبارك وأبو حنيفة: عليه دم ولا ينفعه رجوعه إلى الميقات، وقال الشافعي والأوزاعي: إن رجع إلى الميقات سقط عنه الدم، لبى أو لم يلب، وروي عن أبي حنيفة: إن رجع فلبى سقط عنه الدم، وإن لم يلب لم يسقط عنه
стр. 5115
الدم، وقال عطاء والنخعي: لا شيء على من ترك الميقات، وقال سعيد بن جبير: إن ترك الرجوع إلى الميقات حتى قضى حجة فلا حج له، وقال الحسن البصري: إن لم يرجع إلى الميقات حتى تم حجه رجع إلى الميقات فأهل بعمرة.
وهذه الأقوال الثلاثة شاذة ضعيفة لا أصل لها في أثر ولا نظر، وفي "شرح الموطأ" للإِشبيلي: اتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة والثوري وأبو ثور على أن من مر بالميقات لا يريد حجًّا ولا عمرة ثم بدا له أن يحرم أحرم من حيث بدا له ولا يرجع إلى الميقات ولا شيء عليه، وقال أحمد وإسحاق: يرجع إلى الميقات ويحرم منه.
واختلف في العبد يجاوز الميقات من غير نية الإِحرام ثم يحرم، فقال مالك والثوري والأوزاعي: لا شيء عليه، قال مالك: وكذلك الصبي يجاوزه ثم يحتلم فيحرم، وقال الشافعي مرة: عليه دم، وقال أبو حنيفة: عليه دم لتركه الميقات أذن له السيد أو عتق، وقال الشافعي في الكافر يجاوز الميقات ثم يسلم: لا شيء عليه، وقال مرة: عليه الدم.
ص: واحتجنا إلى النظر في الأخبار هل فيها ما يدفع دخول الحرم بغير إحرام؟ وهل فيها ما ينبئ عن معنى في هذين الحديثين المتقدمين يجب بذلك المعنى أن ذلك الدخول الذي كان من النبي ﵇ بغير إحرام خاص له.
فاعتبرنا في ذلك، فإذا ابن أبي داود قد حدثنا، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله ﵇: "إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض والشمس والقمر، ووضعها بين هذين الأخشبين، لم تحل لأحد قبلي، ولم تحل لي إلاَّ ساعة من نهار، لا يختلى خلاها, ولا يعضد شجرها, ولا يرفع لقطتها إلاَّ منشد، فقال العباس: إلاَّ الأذخر، فإنه لا غنى لأهل مكة عنه لبيوتهم وقبورهم، فقال رسول الله ﵇ إلاَّ الأذخر".
стр. 5116
ش: لما استدل أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه من جواز دخول مكة بغير إحرام بحديثي جابر وأنس ﵄ أراد أن يبين وجه حديثهما، وأورد أحاديث عن ابن عباس وغيره تدل على أن دخوله ﵇ مكة كان وهي حلال ساعتئذ؛ فلذلك دخلها غير محرم، وأن ذلك كان خاصًّا للنبي ﵇ ثم عادت حرامًا إلى يوم القيامة، فلا يجوز دخولها لأحد بغير إحرام.
وأخرج حديث ابن عباس عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن عون بن أوس الواسطي البزاز شيخ البخاري في كتاب الصلاة، قال أبو زرعة وأبو حاتم: ثقة حجة، عن أبي يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة، عن يزيد ابن أبي زياد القرشي الكوفي فيه مقال، فعن أحمد: حديثه ليس بذاك. وعن يحيى: لا يحتج بحديثه، وعنه ضعيف الحديث. وقال العجلي: جائز الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي. روى له مسلم مقرونًا بغيره واحتج به الأربعة. عن مجاهد بن جبر عن ابن عباس.
وأخرجه البزار في "مسنده": نا يوسف بن موسى، نا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﵇: "إن مكة حرام حرمها الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض والشمس والقمر، ولم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلاَّ ساعة من نهار ثم عادت، لا يختلي خلاها ولا يعضد شجرها ولا يخاف صيدها ولا ترفع لقطتها إلاَّ لمنشد، فقال العباس: إلاَّ الأذخر يا رسول الله فإنه لا غنى بأهل مكة عنه، قال: إلاَّ الأذخر".
قال البزار: وهذا الحديث قد روي عن ابن عباس من غير وجه وعن غير ابن عباس بألفاظ مختلفة ومعانيها قريبة، وفي هذا الحديث ألفاظ ليست في حديث غيره، فذكرناه من أجل ذلك، ويزيد بن أبي زياد قد ذكرناه في غير هذا الحديث، فإنه ليس بالقوي ولا نعلم أحدًا ترك حديثه من المحدثين لا شعبة ولا الثوري ولا أحد من أهل العلم، وإنما كان يؤتي لأنه كان في حفظه سوء.
стр. 5117
قلت: بهذا حصل الجواب عما قيل: إن الطحاوي أخرج حديث ابن عباس بإسناد فيه كلام؛ لأنه قصد بذلك ما قصده البزار، على أن أهل العلم الكبار ما تركوا حديث يزيد بن أبي زياد على ما قاله البزار وأبو داود -رحمهما الله-.
وأخرجه البخاري (١) مختصرًا في كتاب الحج: ثنا على بن عبد الله، نا جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﵇ يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله، لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلاَّ من عرفها".
وأخرجه في باب غزوة الفتح (٢): نا إسحاق، نا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: أخبرني حسن بن مسلم، عن مجاهد: "أن رسول الله ﵇ قام يوم الفتح فقال: إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرام الله إلى يوم القيامة، لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحلل لي قط إلاَّ ساعة من الدهر، لا ينفر صيدها, ولا يعضد شوكها, ولا يختلى خلاها, ولا تحل لقطتها إلاَّ لمنشد، فقال العباس بن عبد المطلب: إلاَّ الأذخر يا رسول الله، فإنه لا بد منه للقين والبيوت، فسكت ثم قال: إلاَّ الأذخر فإنه حلال".
وعن ابن جريج، أخبرني عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس بمثل هذا أو نحو هذا.
وأخرجه مسلم (٣): نا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: أنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﵇ يوم الفتح فتح مكة: "لا هجرة ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا، وقال يوم
стр. 5118
الفتح: إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات [والأرض] (١) فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلاَّ ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط إلاَّ من عرفها ولا يختلى خلاها، فقال العباس: يا رسول الله، إلاَّ الأذخر".
قوله: "حرم مكة" أي جعلها حرامًا، وقد فسر ذلك بقوله: "لم تحل لأحد قبلي ... " إلى آخره.
قوله: "بين هذين الأخشبين" وأراد بهما الجبلين المطيفين بمكة، وهما أبو قبيس والأحمر، وهو جبل مشرف وجهه على قعيقعان، والأخشب كل جبل خشن غليظ، وفي الحديث: "لا تزول مكة حتى يزول أخشباها".
قوله: "إلَّا ساعة في نهار" لم يرد بها الساعة من الاثنتي عشرة ساعة، والمراد بها القليل من الوقت والزمان، وأنه كان بعض النهار ولم يكن يومًا تامًّا، ودليله: "وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس".
قوله: "لا تختلي خلاها" أي لا يقطع كلاؤها، وقال ابن مالك في كتابه "تحفة المودود": والخلا هو الرطب من الكلأ، الواحدة خلاة، ولامة ياء، لقولهم خليت البقل قطعته وفي "المخصص" تقول: خليت الخلا خليًا: جززته، في "المحكم" وقيل: الخلا: كل بقلة قلعتها، وقد يجمع الخلا على أخلاء، حكاه أبو حنيفة، وأخلت الأرض: كثر خلاها واختلاه: جزه، وقال اللحياني: نزعه وفي كتاب "النبات" للدينوري: الخلا: العشب ما دام رطبًا، فإذا يبس فهو حشيش، وقال القاضي: ومعنى لا يختلى خلاها: لا يحصد كلاؤها، والخلا مقصور: الكلاء الرطب، فإذا يبس فهو حشيش وهشيم، وفي "المطالع" لا يختلى خلاها مقصور، ومده بعض الرواة وهو خطأ، وهو العشب الرطب، والاختلاء القطع، فعل مشتق من الخلا، والمخلا مقصورة حديدة يختلى بها الخلا، والمخلاة وعاء يختلى فيه للدابة،
стр. 5119
ثم يسمى كل ما يعتلف فيه مما يعلق في رأسها: مخلاة والخلاء بالمد الموضع الخالي، وأيضًا مصدر من خلا يخلو، وقيل: القولان في قول عائشة ﵂ " [حبب] (١) إليه الخلاء" (٢) أي الموضع الخالي، وقيل: أن يخلو.
قوله: "لا يعضد شجرها" أي لا يقطع، يقال: عضد واستعضد بمعنى، كما يقال: علا واستعلى، قال القاضي: وقع في الرواية الأخرى: "شجراؤها" وهو الشجر، وقال الطبري: معنى لا يعضد: لا يفسد ويقطع، وأصله من عضد الرجلُ الرجلَ: أصاب عضده بسوء، وفي "الموعب" عضدت الشجر أعضده عضدًا مثال: ضرب، إذا قطعته، والعضَد يقال لكل ما تكسر من الشجر أو قطع وفي "المحكم" الشجر معضود وعضيد.
قوله: "ولا يرفع لقطتها إلاَّ منشد" أي معرف، وأما الطالب فيقال له ناشد، يقال: نشدت الضالة إذا طلبتها، فإذا عرفتها قلت: أنشدتها، وأصل الإِنشاد رفع الصوت، ومنه إنشاد الشعر، وفي رواية البزار وغيره: "ولا يرفع لقطتها إلاَّ لمنشد" أي لأجل منشد أي معرف يعرفها حتى يجيء صاحبها.
قوله: "إلاَّ الإِذخر" بكسر الهمزة والخاء المعجمة وبسكون الذال المعجمة، وهو نبت معلوم، وله أصل مندفن وقضبان دقاق ذفر الريح، وهو مثل الأسل أسل الكولان إلاَّ أنه أعرض وأصغر كعوبًا, وله ثمرة كأنها مكاميع القصب إلاَّ أنها أرق وأصغر، وقال أبو زياد: الإِذخر يشبه في نباته الغرز، والغرز نباته نبات الأسل الذي يعمل منه الحصر، والإِذخر أدق منه وله كعوب كثيرة وهو يطحن فيدخل في الطيب، قال أبو نصر: هو من الذكور، وإنما الذكور من البقل، وليس الإِذخر من البقل، وله أرومة فينبت فيها فهو بالحلبة أشبه، قال أبو عمر: هو من الحلبة، وقلما
стр. 5120
ينبت الإِذخر منفردًا، وهو ينبت في السهول والحزون، ويقال: أعذق الإِذخر إذا خرج عذقه وكذلك الكبس كأنه مأخوذ من الكباسة وهي العذق واحجب إذا نبت في نواحيه وإذا حف الأذخر أبيض، وفي "شرح ألفاظ المنصوري": الإِذخر خشب يجلب من الحجاز وبالمغرب صنف منه، قيل: هذا أصح ما قيل في الإِذخر ويدل عليه قول عباس ﵁: "لبيوتهم وقبورهم" فإن البيوت لا تسقف إلاَّ بالخشب، ولا يجعل على اللحود إلاَّ الخشب ولا يمكن أن تسقف البيوت أو يجعل على اللحود حشيش فإنه غير متماسك لا رطبًا ولا يابسًا.
قلت: المراد به أنه يسد به الفرج التي تتخلل من لبنات القبر لا أنه يسوى على القبر موضع اللبنات، وكذلك تسد به الفرج التي بين جذوع السقف ولا يسقف به وكذلك الحشيش، فافهم.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: فيه دليل على أن مكة حرام فلا يجوز لأحد أن يدخلها إلاَّ بإحرام، وأن دخول النبي ﵇ حلالًا كان في الوقت الذي أحلت له مكة.
الثاني: فيه أنه لا يجوز قطع حشيش الحرم مما ينبت بنفسه وعلى هذا الإِجماع، فأما الذي يزرعه الناس نحو البقول والخضراوات والقصيل؛ فإن هذا يجوز قطعه واختلاؤه، واختلف في الرعي فيما أنبته الله من خلاها فمنع ذلك أبو حنيفة ومحمد، وأجازه أبو يوسف والشافعي ومالك وأحمد.
الثالث: فيه جواز قطع إذخر الحرم لكونه مستثنى.
الرابع: فيه أنه لا يجوز قطع شجر الحرم، قال ابن المنذر: أجمع العلماء على تحريم قطع شجر الحرم.
وقال في الإِمام: اختلف الناس في قطع شجر الحرم هل فيه جزاء أم لا، فعند مالك: لا جزاء فيه، وعند أبي حنيفة والشافعي: فيه الجزاء.
стр. 5121
قلت: هذا فيما لم يغرسه الآدمي من الشجر، وأما ما غرسه الآدمي فلا شيء عليه فيه، وحكى الخطابي أن مذهب الشافعي منع قطع ما غرسه الآدمي من شجر البوادي ونماه، وأنه وغيره مما أنبته الله سواء، واختلف قوله في جزاء الشجر على اختلاف مالك وأبي حنيفة، وعند الشافعي في الدوحة بقرة وما دونها شاة وعند أبي حنيفة يؤخذ من قيمة ما قطع فيشتري به هدي، فإن لم يبلغ ثمنه تصدق به بنصف صاع لكل مسكين، وفي بعض شروح البخاري: قد اختلفوا فيما يجب على من قطع شجرة من شجر الحرم، فقال مالك وأبو ثور: لا يجب عليه إلاَّ الاستغفار. وقال الشافعي: عليه الجزاء حلالًا كان أو حرامًا، في الشجرة الكبيرة: بقرة، وقال في الخشب وما أشبهه: فيه قيمته بالغة ما بلغت، وقال الكوفيون: فيها قيمتها والمحرم في ذلك والحلال سواء، وأجمع كل من نحفظ عنه العلم على إباحة أخذ كل ما ينتبه الناس في الحرم من البقول والزروع والرياحين، واختلفوا في أخذ السواك من شجر الحرم فعن مجاهد وعطاء وعمرو بن دينار أنهم رخصوا في ذلك، وحكى أبو ثور ذلك عن الشافعي، وكان عطاء يرخص في أخذ ورق السَّنا يستمشي به ولا ينزع من أصله، ورخص فيه عمرو بن دينار.
الخامس: لا يجوز رفع لقطتها إلاَّ لمنشد، قال القاضي عياض: حكم اللقطة في سائر البلاد واحد، وعند الشافعي أن لقطة مكة بخلاف غيرها من البلاد، وأنها لا تحل إلاَّ لمن يعرفها؛ تعلقًا بهذا الحديث، ويحمل اللفظ على أصلنا على المبالغة للتعريف؛ لأن الحاج يرجع إلي بلده وقد لا يعود إلاَّ بعد أعوام، فتدعو الضرورة لإِطالة التعريف بها بخلاف غير مكة.
قلت: مذهب أصحابنا أيضًا كمذهب مالك؛ لعموم قوله ﵇: "اعرف وقاصها ووكاءها ثم عرفها سنة". من غير فصل.
стр. 5122
ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى , عن ابن أبي ذئب، قال: حدثني سعيد المقبري، قال: سمعت أبا شريح الكعبي يقول: قال رسول الله ﵇: "إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسفكنَّ فيها دمًا ولا يعضدن فيها شجرًا؛ فإن ترخص مترخص، فقال: قد حلت لرسول الله ﵇ فإن الله أحلها لي ولم يحلها للناس، وإنما أحلها لي ساعة".
حدثنا فهد، قال: ثنا يوسف بن بهلول، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح الخزاعي قال: "لما بعث عمرو بن سعيد البعث إلى مكة لغزو ابن الزبير ﵄ أتاه أبو شريح فكلمه بما سمع من رسول الله ﵇ ثم خرج إلى نادي قومه فجلس، فقمت إليه فجلست معه، قال فحدث عما حدث عمرًا عن رسول الله ﵇ وعما جاوبه عمرو، قال: قلت له: إنا كنا مع رسول الله ﵇ حين فتح مكة، فلما كان الغد من يوم الفتح خطبنا فقال: يا أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام من حرام الله إلى يوم القيامة، لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دمًا ولا يعضد بها شجرًا، لم تحل لأحد كان قبلي ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل [لي] (١) إلاَّ هذه الساعة غضبًا على أهلها أَلا ثُم قد عادت كحرمتها بالأمس، فمن قال لكم: إن رسول الله ﵇ قد أحلها، فقولوا له إن الله قد أحلها لرسوله ولم يحلها لك.
فقال لي: انصرف أيها الشيخ فنحن أعرف بحرمتها منك، إنها لا تمنع سافك دم، ولا مانع خربة ولا خالع طاعة، قلت: قد كنتُ شاهدًا وكنتَ غائبًا، وقد أمر رسول الله ﵇ أن يُبلِّغ شاهدنا غائبنا، وقد أبلغتك".
стр. 5123
حدثنا بحر -هو ابن نصر- عن شعيب بن الليث، عن أبيه، عن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح الخزاعي، عن النبي ﵇ ... نحوه.
ش: هذه ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن محمد بن خزيمة، عن مسدد شيخ البخاري وأبي داود، عن يحيى بن سعيد القطان عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني، عن سعيد بن أبي سعيد كيسان المدني، عن أبي شريح الكعبي الخزاعي العدوي الصحابي، قيل: اسمه خويلد بن عمرو وقيل: عبد الرحمن بن عمرو وقيل: هانئ بن عمرو، وقيل: كعب بن عمرو، وقيل: عمرو بن خويلد، والمشهور: خويلد بن عمرو.
وأخرجه الطبراني (١): نا مصعب بن إبراهيم بن حمزة الزبيري، حدثني أبي، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح، أن النبي ﵇ قال: "إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس، فلا يحل لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا وأن يعضد بها شجرًا، فإن ارتخص بها أحد فقال: أحلت للنبي ﵇ فإن الله أحلها لي ساعة من نهار ولم يحلها لأحد غيري، ثم هي حرام كحرمتها بالأمس".
وأخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣) والترمذي (٤) والنسائي (٥).
فإن قيل: قوله ﵇: "إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس" يعارضه قوله الآخر: "إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم ما بين لابتيها".
стр. 5124
قلت: ليس الأمر كذلك؛ لأن معنى قوله: "إن إبراهيم حرم مكة" إن إبراهيم أعلن بتحريم مكة، وعَرَّف الناس بأنها حرام بتحريم الله إياها، فلما لم يعرف تحريمها إلاَّ في زمانه على لسانه أضيف التحريم إليه، وذلك كما أضاف الله تعالى توفي النفوس مرة إليه بقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ (١) ومرة إلى ملك الموت بقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ (٢) ومرة إلى الملائكة أعوان ملك الموت بقوله: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (٣) ويجوز أن يضاف الشيء إلى من له فيه سبب.
وقد يقال: يحتمل أن يكون إبراهيم ﵇ منع من الصيد بمكة والقتال فيها وشبهها، وأني أمنع مثل ذلك في المدينة لأن التحريم في كلام العرب المنع، قال تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ (٤) أراد منعنا قبول المراضع.
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن يوسف بن بهلول التميمي شيخ البخاري، عن عبد الله بن إدريس بن يزيد الزعافري، عن محمد بن إسحاق المدني، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٥): ثنا يعقوب، نا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح الخزاعي قال: "لما بعث عمرو بن سعيد إلى مكة بعثه لغزو ابن الزبير ﵄ أتاه أبو شريح فكلمه، وأخبره بما سمع من رسول الله ﵇ ثم خرج إلى نادي قومه فجلس إليه، فقمت إليه فجلست معه، فحدث قومه كما حدث عمرو بن سعيد ما سمع من رسول الله ﵇ وعما قال له عمرو بن سعيد، قال: قلت: يا هذا، إنا كنا مع رسول الله ﵇ حين افتتح مكة، فلما كان الغد من يوم الفتح عدت خزاعة على رجل من هذيل فقتلوه وهو مشرك،
стр. 5125
فقام رسول الله ﵇ فينا خطيبًا فقال: أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام من حرام الله إلى يوم القيامة، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دمًا ولا يعضد بها شجرًا، لم تحلل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد يكون بعدي، ولم تحلل لي إلاَّ هذه الساعة غضبًا على أهلها، أَلَا ثُم قد رجعت كحرمتها بالأمس، أَلَا فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فمن قال لكم: إن رسول الله ﵇ قد قاتل بها، فقولوا: إن الله قد أحلها لرسوله ولم يحللها لكم يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل فقد كثر أن يقع، [لئن] (١) قتلتم قتيلًا لأدينَّه، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين: إن شاءوا أخذوا بقتاله، وإن شاءوا بِعَقْله ثم ودَّي رسول الله ﵇ الرجل الذي قتلته خزاعة.
فقال عمرو بن سعيد لأبي شريح: انصرف أيها الشيخ، فنحن أعلم بحرمتها منك، إنها لا تمنع سافك دم ولا خالع طاعة ولا مانع خربة، قال: فقلت: قد كنتُ شاهدًا وكنتَ غائبًا، فقد بلغت وقد أمرنا رسول الله ﵇، أن يبلغ شاهدنا غائبنا وقد بلغتك، فأنت وشأنك".
وأخرجه الطبراني (٢): من طريق محمد بن إسحاق أيضًا نحوه.
قوله: "لما بعث عمرو بن سعيد" هو عمرو بن سعيد بن العاص بن أميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف أبو أميَّة المعروف بالأشدق قال الهيثم بن عدي: كان أفقم وذكر المرزباني أنه عُرف بالأشدق لأنه صعد المنبر فبالغ في شتم علي ﵁ فأصيب بلقوة، وقال المبرد: كان عبد الله بن الزبير يلقبه لطيم الشيطان، وقال ابن سعد: ولاه يزيد بن معاوية المدينة، وكان أحب الناس إلى أهل الشام، وكانوا يسمعون له ويطيعون، قال: وكتب إليه يزيد أن يوجه إلى عبد الله بن الزبير بن العوام جيشًا، فوجه إليه جيشًا واستعمل عليهم عمرو بن الزبير بن
стр. 5126
العوام، ويقال: إنه رأى النبي ﵇، وروى عنه أنه قال: "ما نحل والد ولدًا أحسن من أدب حسن"، وحديث آخر في العتق، وروى عن عمر وعثمان وعلي وعائشة ﵃ وحدث عنه نبوه أمية وسعيد وموسى وغيرهم، وكان معاوية استنابه على المدينة، وكذلك ابنه يزيد بن معاوية بعد أبيه، وكان يبعث البعوث إلى مكة بعد وقعة الحرة أيام يزيد -عليه ما يستحق- لقتال ابن الزبير، وكان جرى له أمور كثيرة وآخر الأمر قتله عبد الملك بن مروان في سنة تسع وستين من الهجرة.
قوله: "إلى نادي قومه" أي مجلس قومه، النادي والنَّدِيّ: مجلس القوم ومتحدثهم، وكذلك النُّدوة والنَّدوة والمنتدى والمتندى فإن تفرق القوم فليس بِنَدِيِّ ومنه سميت دار النَّدوة بمكة التي بناها قصي، لأنهم كانوا يندون فيها: أي يجتمعون فيها للمشاورة.
قوله: "ولا تحل لأحد بعدي" أي القتال الذي حل لي ومحاربة أهلها؛ لأنهم لا يكفرون فيقاتلون، وهذا على طريق النهي لا على طريق الخبر أنها لا تقاتل، إذ قد قاتلها الحجاج وغيره، وأخبر ﵇ عن غلبة ذي السويقتين عليها وتخزيبه لها، وإنما أخبر عن حكم قتال أهلها أنه لا يحل لأحد بعده.
قوله: "ولا مانع خربة" الخربة أصلها العيب، والمراد به ها هنا الذي ينفرد بشيء ويغلب عليه مما لا تجيزه الشريعة، وقد جاء في سياق الحديث في كتاب البخاري: أن الخربة: الجناية، فعلى هذا يكون المعنى ولا من يمنع الجناية، وفي بعض المواضع الخربة: الزلة يقال: "ما لفلان خربة" أي زلة، قال أبو المعالي: الخارب اللص والخرابة: اللصوصية، قال الأصمعي: الخارب سارق الإِبل خاصة، والجمع خُرَّاب وخَرَب فلان بإبل فلان يَخْربُ خَرَابَةً: مثل كَتَبَ يَكْتِبُ كتابة، والخربة الفعلة منه، وفي "المحكم": الخَربة بالفتح، والخُربة بالضم، والخرَب والخُرب كذلك: الفساد في الدين، وقال اللحياني: خرب فلان بإبل فلان يخرب بها خربا وخروبا وخِرابة أي سرقها، كذا حكاه متعديًا بالباء، وقال مرة: خرب فلان أي
стр. 5127
صار لصًّا، وقال عياض في قوله: "ولا فارًا بخربة" كذا رويناه هنا بفتح الخاء وبالراء والباء الموحدة، وضبطه الأصيلي في "صحيح البخاري" بضم الخاء، ورواه الترمذي في بعض الطرق بِخِزْيَة، وأراه وهما، قال ابن الأثير: قال الترمذي: وقد روى بِخِزْيَة فيجوز أن يكون بكسر الخاء وهو الشيء الذي يستحيى منه أو من الهوان والفضيحة، ويجوز أن يكون بالفتح، وهو الفعلة الواحدة منها.
الثالث: عن بَحرْ بن نصر بن سابق الخولاني شيخ أبي عوانة الإِسفرائيني، ومحمد بن خزيمة، عن شعيب بن الليث، عن أبيه الليث بن سعد، عن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح الخزاعي، عن النبي ﵇.
وأخرجه البخاري (١): ثنا قتيبة، ثنا الليث، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح العدوي: "أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة شرفها الله تعالى: اتئذن لي أيها الأمير أحدثك قولاً قام به رسول الله ﵇ الغد يوم الفتح، فسمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به: إنه حمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا ولا يعضد بها شجرة، فأي أحد ترخص بقتال رسول الله ﵇ فقولوا له: أن الله تعالى قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألَّا ليبلغ الشاهد الغائب. فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: قال: أنا أعلم بذاك منك يا أبا شريح: إن الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًّا بعدم ولا فارًّا بخربة".
وأخرجه مسلم (٢) نحوه: عن قتيبة، عن ليث ... إلى آخره.
ص: حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا ابن أبي مريم , قال: أنا ابن الدراوردي، قال: ثنا محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،
стр. 5128
عن أبي هريرة قال: "وقف رسول الله ﵇ على الحجون، ثم قال: والله إنك بخير أرض الله وأحب أرضٍ إلى الله، لم تحل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وما أحلت لي إلاَّ ساعة من النهار، وهم بعد ساعتها هذه حرام إلى يوم القيامة".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا الحجاج بن منهال، وأبو سلمة موسى بن إسماعيل التبوذكي، قالا: ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، فذكر بإسناده مثله.
حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى، قال: ثنا أبو سلمة، قال: حدثني أبو هريرة قال: "لما فتح الله على رسوله ﵇ مكة قتلت هذيل رجلاً من بني ليث بقتيل كان لهم في الجاهلية، فقام إليه النبي ﵇ فقال: إن الله حبس عن أهل مكة الفيل وسلط عليهم رسوله والمؤمنين، وإنها لا تحل لأحد كان قبلي ولا تحل بعدي وإنما أحلت لي ساعتين من نهار، وإنها ساعتي هذه حرام، لا يعضد شجرها, ولا يختلي شوكها, ولا يلتقط ساقطها إلاَّ لمنشد".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: "إن الله حبس عن أهل مكة الفيل، قال: فلا يلتقط ضالتها إلاَّ منشد".
ش: هذه أربع طرق صحاح:
الأول: عن علي بن عبد الرحمن، عن سعيد بن الحكم المصري المعروف بابن أبي مريم شيخ البخاري، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن محمد بن عمرو ابن علقمة، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمد بن بشار، نا عبد الوهاب، نا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ وقف عام الفتح بالحجون، فقال: والله إنك لأخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني
стр. 5129
أخرجت منك ما خرجت، وإنها لم تحل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، ثم هي حرام ساعتي هذه، لا يعضد شجرها, ولا يحتش كلاؤها, ولا تلتقط ضالتها إلاَّ لمنشد، قال: فقال رجل -قال: وزعم الناس أنه عباس ﵁ يا رسول الله، إلاَّ الإِذخر، فإنه لبيوتنا ولقبورنا ولقيوننا، فقال رسول الله ﵇: إلاَّ الإِذخر".
وأخرجه الجماعة (١) غير ابن ماجه.
و"الحَجُون" بفتح الحاء وضم الجيم، قد فسرناها مرة أنها مقبرة أهل مكة.
و"القيون" جمع قين وهو الحداد.
الثاني: عن محمد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال شيخ البخاري، وأبي سلمة موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي -بفتح التاء المثناة من فوق وضم الباء الموحدة وفتح الذال المعجمة- نسبة إلى تبوذك محلة بالبصرة، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
الثالث: عن محمد بن عبد الله بن ميمون الإِسكندراني السكري، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير الطائي، عن أبي سلمة عبد الله، عن أبي هريرة.
وأخرجه مسلم (٢): حدثني إسحاق بن منصور، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن يحيى، قال: أخبرني أبو سلمة، أنه سمع أبا هريرة يقول: "إن خزاعة قتلوا رجلاً من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه، فأخبر بذلك رسول الله ﵇، فركب راحلته فخطب فقال: إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، إلاَّ إنها لم تحل لأحد قبلي ولن تحل لأحد بعدي ألا وإنها
стр. 5130
أحلت لي ساعة من النهار ألا وإنها ساعتي هذه حرام، لا يخبط شوكها ولا يعضد شجراؤها ولا تلتقط ساقطتها إلاَّ منشد".
وأخرجه أيضًا (١): عن زهير، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
قوله: "بقتيل كان لهم" أي بسبب قتيل كان لهم، أو بمقابلة قتيل كان لهم. قوله: "شجراؤها" قال صاحب "المطالع": شجراؤها كذا في حديث إسحاق بن منصور، وعند "الطبري" شجرها كسائر الأحاديث، والشجراء: جمع شجرة، والشجراء: الأرض الكثيرة الشجر، والشجر كل نبات يقوم على ساق ويبقي إلى المصيف حتى أغصان تورق.
الرابع: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن حرب بن شداد اليشكري البصري العطار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن أبي هريرة.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا حرب بن شداد، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "لما فتح الله على رسول الله ﵇ مكة قام رسول الله ﵇ فيهم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنما أحلت لي ساعة من النهار، ثم هي حرام إلى يوم القيامة، لا يعضد شجرها, ولا ينفر صيدها, ولا تحل لقطتها إلاَّ لمنشد".
ص: فأخبر رسول الله ﵇ في هذه الآثار أن مكة لم تحل لأحد كان قبله ولا تحل لأحد بعده، وأنها إنما أحلت له ساعة من نهار، ثم عادت حرامًا كما كانت إلى يوم القيامة، فدل ذلك أن النبي ﵇ كان دخلها وهي له حلال، فكان له بذلك دخولها بغير إحرام، وهي بعدُ حرام، فلا يدخلها أحد إلاَّ بإحرام.
стр. 5131
ش: أراد بهذه الآثار الأحاديث التي أخرجها عن ابن عباس وأبي شريح وأبي هريرة ﵃.
قوله: "فذكر ذلك" أي قوله: "أحلت لي ساعة من نهار" والباقي ظاهر.
ص: فإن قال قائل: إن معنى ما أحل للنبي ﵇ ها هنا هو شهر السلاح فيها للقتال وسفك الدماء لا غير ذلك، قيل له: هذا محال، لو كان الذي أبيح للنبي ﵇ منها هو ما ذكرت خاصة إذاً لم يقل: "ولا تحل لأحد بعدي" وقد رأيناهم أجمعوا أن المشركين لو غلبوا على مكة فمنعوا المسلمين منها أنه حلال للمسلمين قتالهم وشهر السلاح بها وسفك الدماء، وإن حكم من بعد النبي ﵇ في ذلك في إباحتها في حكم النبي ﵇، فدل ذلك أن المعنى الذي كان النبي ﵇ خُصُّ به فيها وأحلت له من أجله ليس هو القتال، وإذا انتفى أن يكون هو القتال ثبت أنه الإِحرام، ألا ترى إلى قول عمرو بن سعيد لأبي شريح: "إن الحرم لا يمنع سافك دم ولا مانع خربة ولا خالع طاعة". جوابًا لما حدث به أبو شريح عن النبي ﵇ فلم ينكر ذلك عليه أبو شريح، ولم يقل له: إن النبي ﵇ إنما أراد بما حدثتك عنه أن الحرم قد يجير كل الناس، ولكن عرف ذلك فلم ينكره.
وهذا عبد الله بن عباس فقد روى ذلك عن النبي ﵇ ثم قال في رواية: "لا يدخل أحد الحرم إلاَّ بإحرام" وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله، فدل قوله: هذا أن ما روى عن النبي ﵇ فيما أحلت له ليس هو على إظهار السلاح بها، وإنما هو على المعنى الآخر؛ لأنه لما انتفى هذا القول ولو لم يكن غيره ثبت القول الآخر.
ش: تقرير السؤال أن يقال: كيف تقول: فدل ذلك أن النبي ﵇ كان دخلها وهي له حلال فلذلك كان له دخولها بغير إحرام وإنما الذي حل للنبي ﵇ منها هو شهر السلاح فيها للقتال وسفك الدماء لا غير؟ وهذا السؤال من جهة أهل المقالة الأولى قصدوا به تقرير مذهبهم، وهو جواز دخول الحرم بغير إحرام؛ لأنه ﵇ دخل عام الفتح بغير إحرام، ونحن لما قلنا: لا يجوز دخولها بغير إحرام،
стр. 5132
وقلنا: دخول النبي ﵇ كان ومكة حلال له حينئذٍ، وهو من خصائصه فلا يجوز لغيره ذلك، قالوا لم يكن ما حل له من ذلك إلا شهر السلاح وسفك الدماء لا غير.
وتقرير الجواب أن يقال: هذه الدعوى ممنوعة؛ إذ لو صحت لما كان لقوله: "ولا تحل لأحد بعدي" فائدة؛ لأنكم مجمعون معنا في أن أهل الشرك لو غلبوا على مكة -والعياذ بالله- ومنعوا المسلمين منها جاز حينئذٍ قتال المسلمين فيها وشهر السلاح وسفك الدماء فيستوي في ذلك حينئذٍ حكم النبي ﵇ وحكم غيره في إباحتها، فعلم من ذلك أن ما كان حل منها للنبي ﵇ لم يكن لأجل القتال وإنما كان خاصًّا له، ثم أوضح ذلك بقوله: "ألا ترى ... " إلى آخره، وبقوله: "وهذا عبد الله بن عباس ... " إلى آخره.
قوله: "وإنما هو على المعنى الآخر" وهو كون دخول النبي ﵇ مكة بغير إحرام من خصائصه وهو المراد أيضًا من قوله: "ثبت القول الآخر".
ص: ثم احتجنا بعد هذا إلى النظر في حكم من بعد المواقيت إلى مكة هل لهم دخول الحرم بغير إحرام أم لا؟ فرأينا الرجل إذا أراد دخول الحرم لم يدخله إلاَّ بإحرام، وسواء أراد دخول الحرم لإِحرام أو لحاجة غير الإِحرام، ورأينا من أراد دخول المواضع التي بين المواقيت وبين الحرم لحاجة أن له دخولها بغير إحرام، فثبت بذلك أن حكم هذه المواضع إذا كانت تُدْخَل للحوائج بغير إحرام، كحكم ما قبل المواقيت، وأن أهلها لا يدخلون الحرم إلاَّ كما يدخله من كان أهله وراء الميقات إلى الآفاق، فهذا هو النظر عندي في هذا [الباب] (١) وهو خلاف قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏ وذلك أنهم قلدوا فيما ذهبوا إليه من هذا ما حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: "أنه خرج من مكة يريد المدينة، فلما بلغ قديدًا بلغه عن جيش قدم المدينة، فرجع فدخل مكة بغير إحرام".
стр. 5133
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، قال: أنا أيوب، عن نافع: "أن ابن عمر خرج من مكة وهو يريد المدينة، فلما كان قريبًا لقيه جيش ابن دلجة، فرجع فدخل مكة حلالًا".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن نافع: "أن عبد الله بن عمر أقبل من مكة حتى إذا كان بقديد بلغه خبر من المدينة، فرجع فدخل مكة حلالاً".
فقلدوا ذلك واتبعوه.
وكان النظر عندنا في ذلك خلاف ما ذهبوا إليه.
ش: لما ذكر فيما مضى أن مذهب أبي حنيفة وصاحبيه: أن من كان منزله في بعض المواقيت أو فيما بعدها إلى مكة فله أن يدخلها بغير إحرام، وذكر أن هذا الذي ذكروه ليس هو النظر عنده، وأن النظر عنده خلاف ذلك، شرع ها هنا يبين ما ذهب إليه واختاره، وما احتج به أبو حنيفة وصاحباه فيما ذهبوا إليه، وهو أثر ابن عمر ﵄.
وأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم، عن هشيم بن بشير، عن عُبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن نافع، عن عبد الله بن عمر.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا علي بن مسهر، عن عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه أقام بمكة، ثم خرج يريد المدينة حتى إذا كان بقديد بلغه أن جيشًا من جيوش الفتنة دخلوا المدينة، فكره أن يدخل عليهم، فرجع إلى مكة فدخل بغير إحرام".
стр. 5134
الثاني: عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن نافع.
الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى ... إلى آخره، والكل رجال الصحيح.
وأخرجه مالك في "موطإه" (١).
وجه استدلالهم بهذا: أن ابن عمر رجع من قديد وهو موضع فيما وراء الميقات ودخل مكة بغير إحرام، فدل ذلك على أن لأهل ما وراء المواقيت أن يدخلوا مكة بغير إحرام، وقال الكاساني: ويجوز لمن كان من أهل مكة ومن أهل الميقات وما بعده دخول مكة لغير إحرام الحج والعمرة من غير إحرام عندنا, ولا يجوز ذلك في أحد قولي الشافعي، وفي قوله الثاني: إذا تكرر دخولهم يجب عليه الإِحرام في كل سَنة مرة، والصحيح قولنا؛ لما روي عن النبي ﵇ أنه رخص للحطابين أن يدخلوا مكة بغير إحرام، وعادة الحطابين أنهم لا يتجاوزون الميقات وروي عن ابن عمر أنه خرج من مكة إلى قديد فبلغه خبر فتنة بالمدينة، فرجع ودخل مكة بغير إحرام، وفي "شرح الموطأ" للإِشبيلي: وقال الشافعي: من دخل مكة خائفًا من سلطان أو من لا يقدر على دفعه جاز له دخولها بغير إحرام وهو في معنى المحصر، واحتج برجوع ابن عمر من قديد، ومشهور مذهبه أنه لا يدخلها أحد إلاَّ محرمًا، إلاَّ الحطابين وأصحاب الفاكهة، لكنه لا يرى على من دخلها غير محرم شيئًا.
ص: وقد روي عن غير ابن عمر في ذلك ما يخالف هذا:
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عثمان المؤذن، قال: ثنا ابن جريج، قال: قال عطاء: قال ابن عباس: "لا عمرة على المكي إلاَّ أن يخرج من الحرم، ولا يدخله إلاَّ حرامًا، فقيل لابن عباس: فإن خرج الرجل من مكة قريبًا؟ قال: نعم يقضي حاجته ويجعل مع قضائها عمرة".
стр. 5135
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن زيد، عن علي بن الحكم، عن عطاء قال: "لا يدخل أحد الحرم إلاَّ بإحرام، فقيل: ولا الحطابون؟ قال: ولا الحطابون، قال: ثم بلغني بعد أنه رخص للحطابين".
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: أنا عبد الملك، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، أنه كان يقول: "لا يدخل مكة تاجر ولا طالب حاجة إلا وهو محرم".
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا يونس، عن الحسن أنه كان يقول ذلك.
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن قيس، عن عطاء، عن ابن عباس قال: "لا يدخل أحد مكة إلا محرمًا".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا أفلح بن حميد، عن القاسم بن محمد قال: "لا يدخل أحد مكة إلاَّ محرمًا".
ش: أي قد روي عن غير عبد الله بن عمر من الصحابة والتابعين في دخول مكة بغير إحرام ما يخالف ما روي عن ابن عمر ﵄ وأشار بهذا إلى تصحيح ما ذكره من وجه النظر الذي يخالف قول أبي حنيفة وصاحبيه، وإلى الجواب عما احتجوا بأثر ابن عمر، وأخرج في ذلك ستة وجوه:
الأول: عن محمد بن خزيمة، عن عثمان بن الهيثم البصري، مؤذن الجامع بالبصرة وشيخ البخاري، عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس وهذا سند صحيح على شرط البخاري.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن إدريس، عن ابن جريج، عن عطاء قال: "ليس على أهل مكة عمرة؛ قال ابن عباس: أنتم يا أهل مكة لا عمرة لكم،
стр. 5136
إنما عمرتكم الطواف بالبيت، فمن جعل بينه وبين الحرم بطن وادي فلا يدخل مكة إلاَّ بإحرام، قال: فقلت لعطاء: يريد ابن عباس وادي في الحل؟ قال: بطن وادي من الحل".
واستفيد منه حكمان:
أحدهما: أن المكي لا عمرة عليه، وهو مذهب عطاء وسالم وطاوس.
والآخر: أن مكة لا يدخلها أحد إلاَّ محرمًا، سواء كان من أهل مكة وخرج إلى الحل أو من أهل الميقات أو من أهل الآفاق.
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سليمان بن حرب الواشحي شيخ البخاري وأبي داود، عن حماد بن زيد، عن علي بن الحكم البناني روى له الجماعة سوى مسلم، عن عطاء بن أبي رباح ... إلى آخره، وهذا أيضًا سند كالذي قبله.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا حفص، عن عبد الملك، عن عطاء قال: "ليس [لأحد أن] (٢) يدخل مكة إلاَّ بإحرام، وكان عبد الملك رخص للحطابين".
الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم، عن هشيم بن بشير، عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، عن عطاء، عن ابن عباس. وهذا أيضًا صحيح.
وأخرج البيهقي في "سننه" (٣): أنا عبد الله بن يوسف، أنا ابن الأعرابي، ثنا سعدان، ثنا إسحاق الأزرق وعبد الملك، عن عطاء، عن ابن عباس: "أنه قال: ما يدخل مكة أحد من أهلها ولا من غير أهلها إلاَّ بإحرام".
стр. 5137
الرابع: عن صالح أيضًا، عن سعيد بن منصور أيضًا، عن هشيم بن بشير أيضًا، عن يونس بن عبيد بن دينار البصري، عن الحسن البصري.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا علي بن هاشم ووكيع، عن طلحة، عن عطاء، عن ابن عباس قال: "لا يدخل أحد مكة إلا بإحرام إلا الحطابين والعجانين وأصحاب منافعها".
السادس: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن أفلح بن حميد، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵃.
وهذا أيضًا سند صحيح.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا أبو عامر العقدي، عن أفلح، عن القاسم قال: "لا يدخل مكة إلا محرمًا".
وروي أيضًا نحو ذلك عن علي بن أبي طالب ومجاهد، قال ابن أبي شيبة (٣): نا وكيع، عن إسرائيل، عن ثوير، عن أبي جعفر، عن علي ﵁ قال: "لا يدخلها إلاَّ بإحرام يعني مكة".
نا أبو بكر بن عياش (٤): عن ليث، عن مجاهد قال: "لا يدخل مكة إلاَّ محرمًا".
ص: فإن قال قائل: أفيجوز لمن كان بعد المواقيت إلى مكة أن يتمتع؟ قيل له: نعم وهو أيضًا في ذلك خلاف أهل مكة، وهذا خلاف قول أصحابنا, ولكنه النظر عندنا على ما قد ذكرنا وبيّنا، وحاضروا المسجد الحرام عندنا هم أهل مكة خاصة، وقد قال بهذا القول الدي ذهبنا إليه في هذا: نافع مولى ابن عمر، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج.
стр. 5138
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني مخرمة بن بكير، عن أبيه قال: "سمعت نافعًا مولى ابن عمر يُسأل عن قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١) أجوف مكة أم حولها؟ قال: جوف مكة".
وقال ذلك عبد الرحمن الأعرج.
ش: لما أثبت أن حكم أهل المواقيت حكم ما قبلها لا كحكم ما بعدها حتى لم يجوِّز لهم دخول مكة إلاَّ بالإِحرام كما لأهل الآفاق، وأثبت أيضًا أن أهل المواضع التي بين المواقيت وبين مكة لا يدخلون مكة إلاَّ بإحرام، ورد عليه سؤال، بيانه: أن يقال: إن التمتع عند أبي حنيفة وأصحابه ليس إلاَّ لأهل الآفاق، وليس لأهل مكة ولا لأهل الحل الذين منازلهم داخل المواقيت الخمسة تمتع، وأنت حملت حكم أهل المواضع التي بين المواقيت وبين مكة كحكم ما قبل المواقيت، فعلى هذا ينبغي أن يجوز لهم أن يتمتعوا، ومع هذا لا يجوز عند أصحابك، فأجاب بقوله: نعم يجوز ذلك لهم عندي؛ لأني أخالف قول أصحابنا في هذا، وأقول: إنهم عندي خلاف أهل مكة، فإن عاد السائل وقال: كيف تقول هم خلاف أهل مكة وهم من أهل حاضري المسجد الحرام عند أصحابك؟ فالجواب أن حاضري المسجد الحرام عندي هم أهل مكة خاصة؛ لأني أختار في هذا قول نافع مولى ابن عمر وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، فإنهما قالا: حاضروا المسجد الحرام هم أهل مكة خاصة.
وأخرجه عنهما بإسناد صحيح على شرط مسلم، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه بكير بن عبد الله بن الأشج، عن نافع ... إلى آخره.
ثم اعلم أنهم اختلفوا في حاضري المسجد الحرام، فقال الجصاص: اختلف الناس في ذلك على أربعة أوجه، فقال عطاء ومكحول: من دون المواقيت إلى مكة، وهو قول أصحابنا إلا أن أصحابنا يقولون: أهل المواقيت بمنزلة من
стр. 5139
دونها، وقال ابن عباس ومجاهد: هم أهل الحرم، وقال الحسن وطاوس ونافع وعبد الرحمن الأعرج: أهل مكة، وهو قول مالك بن أنس، وقال الشافعي: هم من كان أهله دون ليلتين، وهو حينئذ أقرب المواقيت، وما كان وراءهم فعليهم المتعة، قال الجصاص: لما كان أهل المواقيت فمن دونها إلى مكة لهم أن يدخلوها بغير إحرام وجب أن يكونوا بمنزلة أهل مكة ألا ترى أن من خرج من مكة مما لم يجاوز الميقات فله الرجوع ودخولها بغير إحرام وكان تصرفهم في الميقات فما دونه بمنزلة تصرفهم من مكة؟ فوجب أن يكونوا بمنزلة أهل مكة في حكم المتعة، ويدل على أن الحرم وما قرب منه أهله من حاضري المسجد الحرام وليس أهل مكة منهم؛ لأنهم قد كانوا أسلموا حين فتحت وإنما نزلت الآية بعد الفتح في حجة أبي بكر ﵁ وهم بنو مدلج وبنو الديل، وكانت منازلهم خارص مكة في الحرم وما قرب منه.
فإن قيل: كيف يكون أهل ذي الحليفة من حاضري المسجد الحرام وبينهم وبين مكة مسيرة عشر ليال؟
قيل له: وإن لم يكونوا من حاضري المسجد الحرام فهم في حكمهم من باب جواز دخولهم مكة بغير إحرام، ومن باب أنهم متى أرادوا الإِحرام أحرموا من منازلهم، كما أن أهل مكة إذا أرادوا الإِحرام أحرموا من منازلهم، فيدل ذلك على أن المعنى: حاضروا المسجد الحرام ومن في حكمهم انتهى.
ثم إن المكي لا يكره له التمتع ولا القران عند الشافعي ومالك وأحمد وداود، وإن تمتع لم يلزمه دم، وقال أبو حنيفة: يكره له التمتع والقران، فإن تمتع أو قرن فعليه دم جبرًا، وهما في حق الآفاقي مستحبان، ويلزمه الدم شكرًا.
قوله: "وقد قال بهذا القول" أراد به القول بأن حاضري المسجد الحرام هم أهل مكة خاصة "نافع وعبد الرحمن الأعرج" وهو قول عطاء والحسن البصري وطاوس وسفيان وداود ومالك -في رواية-.
стр. 5140
وفي "المحلى" قال الشافعي: هم من كان من مكة على أربعة برد بحيث لا يقصروا الصلاة إلى مكة، وصح هذا عن عطاء، وقال مالك: هم أهل مكة وذي طوى، وقال سفيان وداود: هم أهل دور مكة فقط، وصح عن نافع مولى ابن عمر وعن الأعرج، وروينا عن طاوس وعطاء والحسن: أنهم أهل مكة، إلاَّ أن طاوساً قال: إذا اعتمر المكي من أحد المواقيت ثم حج من عامه فعليه ما على المتمتع، وروينا من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري: حاضروا المسجد الحرام كل من كان أهله من مكة على يوم أو نحوه، وقال آخرون: هم أهل الحرم.
***
стр. 5141
ص: باب: الرجل يوجه بالهدي إلى مكة ويقيم في أهله هل يتجرد إذا قلد الهدي
ش: أي هذا باب في بيان من يبعث هديه إلى مكة ويقيم هو في أهله، هل يجب عليه أن يتجرد كما يتجرد المحرم إذا قلد هديه أم لا؟.
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة، عن عبد الملك بن جابر، عن جابر بن عبد الله قال: "كنت عند النبي ﵇ جالسًا فقدَّ قميصه [من جيبه] (١) حتى أخرجه من رجليه، فنظر القوم إلى النبي ﵇ فقال: إني أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد اليوم، وتشعر على مكان كذا وكذا فلبست قميصي ونسيت، فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي، وكان بعث ببدنه وأقام بالمدينة".
ش: إسناده حسن ورجاله ثقات.
وأخرجه أبو عمر (٢): من طريق أسد نحوه، ثم قال: قال مالك وغيره: لم يلتفتوا إلى حديث عبد الرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة، عن جابر وردوه بحديث عائشة لتواتر طرقه وصحة مجيئه على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى.
قوله: "قد قميصه" من القدِّ وهو القطع طولاً كالشق.
قوله: "ببدني" -البُدْن بضم الباء وسكون الدال- جمع بدنة وهي من الإِبل والبقر، وأراد بها ها هنا الإِبل.
قوله: "أن تقلد اليوم" من التقليد وهو يكون بنعل أو جلد وما أشبهه ليكون علامة للهدي، وقالت الحنفية: لو قلده بعروة مزادة أو لحاء شجرة أو شبه ذلك جاز، لحصول العلامة، وقال الشافعي: ينبغي أن يقلد بنعلين، وقال مالك:
стр. 5142
تجزئ واحدة، وعن الثوري يجزئ فم القربة، وأجمعوا أن تقليد الهدي سُنَّة ولكن اختلفوا في أي هدي يقلد، فعن سعيد بن جبير الإِبل تقلد وتشعر والغنم لا تشعر ولا تقلد، والبقر تقلد ولا تشعر، وقال أبو حنيفة ومالك: لا يقلد الغنم، وقال أبو حنيفة أيضًا: لا يقلد إلا هدي المتعة والقران والتطوع في الإِبل والبقر، ولا يقلد هدي الإِحصار ولا الجماع ولا جزاء الصيد، وقال مالك والشافعي: يقلد كل هدي ويشعر.
قوله: "وتشعر" من الإِشعار وهو أن يشق أحد جانبي سنام البدنة حتى يسيل دمها، ويجعل ذلك لها علامة يعرف أنها هدي، وفي "الجامع" للقزاز: أشعرها إشعارًا، وإشعارها أن يوجأ أصل سنامها بسكين، سميت بما حل فيها وذلك لأن الذي فعل بها علامة تعرف بها.
وفي "المحكم": هو أن يشق جلدها أو يطعنها حتى يظهر الدم، وقال ابن حبيب: تشعر طولاً، وقال السفاقسي عرضًا، والعرض عرض السنام من العنق إلى الذنب، وهو سنة عند عامة العلماء إلا أن أبا حنيفة لم يره سنة، وقد شنع ابن حزم على أبي حنيفة في كتابه "المحلى" وقال: قال أبو حنيفة: أكره الأشعار وهو مثلة، وقال: هذه طامة من طوام العَالَم أن يكون مثلة شيء فعله رسول الله ﵇ أُفٍّ لكل عقل يتعقب حكم رسول الله ﵇، ويلزمه أن تكون الحجامة وفتح العرق مثلة، فيمنع من ذلك وهذه قولة لا نعلم لأبي حنيفة فيها متقدمًا من السلف، ولا موافقًا من فقهاء عصره إلا من ابتلاه الله بتقليده.
قلت: هذه سفاهة وقلة حياء, لأن الطحاوي الذي هو أعلم الناس بمذاهب الفقهاء ولا سيما بمذهب أبي حنيفة ذكر أن أبا حنيفة لم يكره أصل الإِشعار ولا كونه سنة وإنما كره ما يفعل على وجه يخاف منه هلاكها لسراية الجرح، لا سيما في حرِّ الحجاز مع الطعن بالسنان أو الشفرة، فأراد سد الباب على العامة لأنهم لا يراعون الحد في ذلك، وأما من وقف على الحد فقطع الجلد دون اللحم فلا يكرهه، وذكر
стр. 5143
الكرماني عنه استحسانه قال: وهو الأصح لا سيما أنه كان بمبضع ونحوه فيصير كالفصد أو الحجامة، وأما قوله: "وهذه قولة لا نعلم لأبي حنيفة فيها متقدم من السلف" قول فاسد؛ لأن ابن بطال ذكر أن إبراهيم النخعي أيضًا لا يرى الإِشعار.
ثم كيفية الإِشعار على ما ذكره أبو يوسف ومحمد: هو أن يطعنها في سنامها من الجانب الأيسر حتى يسيل الدم، وعند الشافعي وأحمد -في رواية-: الأيمن، وهما استدلا بما رواه عن ابن عمر أنه كان يشعرها مرة في الأيمن ومرة في الأيسر، ذكره ابن بطال، وقال السفاقسي: إذا كانت البدنة ذللًا أشعرها من الأيسر، وإن كانت صعبة قرن بدنتين ثم قام بينهما واشعر أحديهما من الأيمن والأخرى من الأيسر، وقال ابن قدامة: وعن أحمد: من الجانب الأيسر؛ لأن ابن عمر فعله، وبه قال مالك، وحكاه ابن حزم عن مجاهد، وفي "شرح الموطأ" للإِشبيلي: وجائز الإِشعار في الجانب الأيمن وفي الجانب الأيسر، وكان ابن عمر ربما فعل هذا وربما فعل هذا، وأكثر أهل العلم يستحبونه في الجانب الأيمن، منهم الشافعي وأبو يوسف ومحمد وإسحاق؛ لحديث ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا ببدنة فأشعرها من صفحة سنامها اليمنى، ثم سلت الدم منها، وقلدها بنعليه".
وقال مالك: تشعر من الجانب الأيسر كما روى نافع عن ابن عمر وكذلك رواه عبيد الله، وقال مجاهد: أشعر من حيث شئت، قال: والإِشعار طولاً في شق البعير
أخذًا من جهة مقدم البعير إلى جهة عجزه فيكون مجرى الدم عريضًا فيتبين الإَشعار، ولو كان مع عرض البعير كان مجرى الدم يسيرًا خفيفًا لا يقع به مقصود الإَعلان بالهدي، فإن لم يكن للإِبل أو البقر أسنمة قلدت ولم تشعر واختار ابن حبيب أن تشعر الإِبل والبقر، وإن لم يكن لها أسنمة، وأما الغنم فلا تشعر جملة، وقال ابن بطال: اختلفوا في إشعار البقر، فكان ابن عمر يقول تشعر في أسنمتها، وحكاه ابن حزم عن أبي بن كعب، وقال عطاء والشعبي: تقلد وتشعر، وهو قول أبي ثور، وقال مالك: تشعر التي لها سنام وتقلد، ولا تشعر التي لا سنام لها وتقلد، وقال سعيد بن جبير: تقلد ولا تشعر.
стр. 5144
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن الرجل إذا بعث بالهدي وأقام في أهله فقلد الهدي وأشعر، أنه يتجرد فيقيم كذلك حتى يحل الناس من حجهم، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الشعبي والنخعي والحسن البصري ومحمد بن سيرين ومجاهدًا وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير وأبا الشعثاء جابر بن زيد، فإنهم قالوا: إن الرجل إذا بعث بهدي إلى الكعبة وأقام هو في بلده فقلد هديه وأشعر، فإنه يلزمه أن يتجرد عن ثيابه ويجتنب كل ما يجتنب الحاج حتى ينحر هديه ويحل الناس من حجهم، واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور، وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر على خلاف عنه، وعن عمر وعلي أيضًا، ذكره ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١).
ص: ورووا [ذلك] (٢) أيضًا عن ابن عباس وابن عمر ﵃.
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن، أنها أخبرته: "أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة ﵂ أن عبد الله بن عباس قال: من أهدى هديًا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه، وقد بعثت بهدي فاكتبي إلي بأمرك أو مري صاحب الهدي، فقالت عائشة: ليس كما قال ابن عباس: أنا فتلت قلائد هدي رسول الله ﵇ بيدي، ثم قلدها رسول الله ﵇ بيده، ثم بعث بها مع أبي، فلم يحرم على رسول الله ﵇ شيء أحله الله له حتى نحر الهدي".
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: أنا عبيد الله، عن نافع قال: "كان ابن عمر إذا بعث بهديه وهو معتمر أمسك عما يمسك عنه المحرم حتى ينحر هديه".
стр. 5145
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان إذا بعث بهديه أمسك عن النساء".
ش: أي روى هؤلاء القوم أيضًا فيما ذهبوا إليه عن ابن عباس وابن عمر ﵃, وأما الذي روي عن ابن عباس فأخرجه بإسناد رجاله كلهم رجال الصحيح.
وأخرجه البخاري (١): ثنا عبد الله بن يوسف، ثنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمن ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه مسلم (٢) وأبو داود (٣) والنسائي (٤) وابن ماجه (٥) أيضًا.
وزياد بن أبي سفيان، ويقال له: زياد بن أبيه، وزياد بن سمية وهي أمه.
قال ابن الأثير: قيل هو زياد بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، استلحقه معاوية بن أبي سفيان، وكان يقال له قبل أن يستلحق: زياد بن عبيد النخعي، وأمه سمية جارية الحارث بن كلدة، ولد عام الهجرة، وقيل ولد قبل الهجرة، وقيل: ولد يوم بدر، وليست له صحبة ولا رواية.
وقال ابن عساكر: لم ير النبي ﵇، وأسلم في عهد أبي بكر ﵁، وولي العراق لمعاوية، وكان من دهاة العرب، والخطباء الفصحاء، ومات في سنة ثلاث وخمسين، ودفن بالبونة خارج الكوفة.
قوله: "ثم بعث بها مع أبي" أي ثم بعث رسول الله ﵇ بهديه، وإنما أثبت الضمير باعتبار البدن، وأرادت عائشة ﵂ أنه ﵇ بعث ببدنه مع أبي بكر
стр. 5146
الصديق، وذلك في سَنة تسع، وفي "شرح الموطأ" للإِشبيلي: يحتمل أن تريد أنه من آخر هدي بعث به؛ لأنه ﵇ حج في العام الذي يليه حجة الوداع، لئلا يظن ظان أن هذا كان في أول الأمر ثم نسخ، فذهبت إلى رفع الأشكال.
وفيه من الفوائد: أن أصحاب النبي ﵇ كانوا يختلفون في مسائل الفقه وعلوم الديانة فلا يعيب بعضهم بعضًا بأكثر من رد قوله ومخالفيه إلى ما عنده من السنة في ذلك، وهكذا يجب على كل مسلم.
وفيه ما كان عليه الأمراء من الامتثال بأمر الدين والكتاب فيه إلى البلدان.
وفيه عمل أزواج النبي ﵇ بأيديهن وامتهانهن أنفسهن، وكذلك كان رسول الله ﵇ يمتهن نفسه في عمل بيته، فربما خاط ثوبه وخصف نعله، وقد قلد هديه المذكور في هذا الباب بيده الكريمة.
وفيه أن عبد الله بن عباس كان يرى أن من بعث هديه إلى الكعبة لزمه إذا قلده أن يحرم ويجتنب ما يجتنبه الحاج حتى ينحر هديه، وقد تابعه على ذلك القوم الذين ذكرناهم.
وفيه ما ذكرته عائشة من أن تقليد الهدي لا يوجب على صاحبه الإِحرام، وهذا هو المعنى الذي ذهب إليه أهل المقالة الثانية.
وفيه ما يرد الحديث الذي رواه شعبة (١): عن مالك، عن عمر بن مسلم بن أكيمة، عن سعيد بن المسيب، عن أم سلمة ﵂: "أن رسول الله ﵇ قال إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره ولا من أظفاره شيئًا".
ففي هذا الحديث أنه لا يجوز لمن أراد أن يضحي أن يحلق شعره ولا يقص ظفره، وفي حديث عائشة ﵂ أنه ﵇ لم يجتنب شيئًا [مما] (٢) يجتنبه
стр. 5147
المحرم حتى قلد هديه، وبعث به وهو يرد حديث أم سلمة ويدفعه، ومما يؤيد وهنه وضعفه أن مالكًا روى عن عمارة بن عبد الله، عن سعيد بن المسيب قال: "لا بأس بالإِطلاء بالنورة في عشر ذي الحجة". فترك سعيد [لاستعماله] (١) هذا الحديث وهو روايه دليل على أنه عنده غير ثابت [أو] (٢) منسوخ، وقد أجمع العلماء على أن الجماع مباح في أيام العشر لمن أراد أن يضحي، فما دونه أحرى أن يكون مباحًا، ومذهب سائر الفقهاء بالمدينة والكوفة أنه لا بأس بحلق الرأس وتقليم الأظفار وقص الشارب في عشر ذي الحجة، وقال الليث بن سعد وذكر له حديث أم سلمة، فقال: قد روي هذا الحديث والناس على خلافه، قال الأثرم: وبحديث أم سلمة، قال أحمد بن حنبل ﵀.
وأما حديث ابن عمر فأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن صالح، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير ... إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): نا ابن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: "من قلد فقد أحرم".
الثاني: عن ابن خزيمة، عن حجاج بن منهال شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني ... إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤): نا ابن علية، عن أيوب، عن نافع: "أن ابن عمر كان إذا بعث بالهدي يمسك [عما] (٥) يمسك عنه المحرم غير أنه لا يلبي".
стр. 5148
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يجب على أحد تجريد ولا ترك شيء مما يتركه المحرم إلاَّ بدخوله في الإِحرام إما بالحج وإما بالعمرة.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الأوزاعي والثوري والحسن بن حي وعُبيد الله بن الحسن والليث وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا عبيد وأبا ثور والطبري وأبا سليمان وداود ﵏ فإنهم قالوا: لا يجب على من بعث بهدي أن يتجرد عن ثيابه ولا ترك شيء مما يتركه المحرم إلا بدخوله في الإِحرام إما بالحج وإما بالعمرة، هذا جملة قولهم: وإما تفصيل ذلك: فقال الثوري: إذا قلد فقد أحرم إن كان يريد الحج، وإن لم يرده فليبعث به ويقيم حلالًا. وقال الشافعي وأبو ثور وداود: لا يجب عليه إحرام حتى ينويه ويريده.
وقال أبو حنيفة: إن قلده وهو يؤم البيت فقد وجب عليه الإِحرام، وإن جلله أو أشعره لم يكن محرمًا، وإنما يكون محرمًا بالتقليد، قال: وإن كان معه شاة فقلدها لم يجب عليه الإِحرام؛ لأن الغنم لا تقلد، وإن بعث بهديه فقلده وأقام حلالاً، ثم بدا له فخرج واتبع هديه، فلا يكون محرمًا حتى يدرك هديه ويأخذه ويسوقه معه.
ص: وكان مما احتجوا به في ذلك ما قد رويناه عن عائشة فيما أجابت به زيادًا، وبما حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا إسماعيل ابن أبي خالد، عن مسروق قال: "قلت لعائشة: إن رجالًا ها هنا يبعثون بالهدي إلى البيت ويأمرون الذين يبعثون معه بمعلم لهم يقلدونها ذلك اليوم، فلا يزالون محرمين حتى يحل الناس، فصفقت بيديها، فسمعت ذلك من وراء الحجاب، فقالت: سبحان الله، لقد كنت أفتل قلائد هدى رسول الله ﵇ بيدي، فيبعث بها إلى الكعبة ويقيم فينا، فلا يترك شيئًا مما يصنع الحلال حتى يرجع الناس".
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يعلى بن عبيد، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد ... فذكر بإسناده مثله.
стр. 5149
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: أنا داود بن أبي هند، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة قالت: "كنت أفتل بيدي لبدن رسول الله ﵇، فيبعث بالهدي، وهو مقيم بالمدينة، ويفعل ما يفعل المحل قبل أن يصل إلى البيت".
حدثنا فهد، قال: ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "لربما فتلت القلائد لهدي رسول الله ﵇ فيقلده ثم يبعث به، ثم يقيم لا يجتنب شيئًا مما يجتنب المحرم".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو معمر، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا محمد بن جُحَادة، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة قالت: "كنا نقلد الشاة فنرسل -أو قالت: فترسل- بها ورسول الله ﵇ حلال لم يحرم منه شيء".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "ربما فتلت القلائد لهدي رسول الله ﵇ فيقلده ثم يبعث به، ثم يقيم لا يجتنب شيئًا مما يجتنب المحرم".
حدثنا محمد، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد بن زيد، عن منصور، عن إبراهيم ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخصيب بن ناصح، قال: ثنا وهيب، عن منصور ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حماد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة مثله.
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا ابن وهب، عن الليث، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة، عن عائشة مثله.
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، عن ابن شهاب، حدثه عروة، عن عائشة مثله.
стр. 5150
حدثنا ربيع، قال: ثنا شعيب، قال: ثنا الليث، عن هشام، عن عروة، عن عائشة مثله.
حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة مثله.
حدثنا صالح بن عبد الرحمن وربيع الجيزي، قالا: ثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، قال: ثنا أفلح، عن القاسم، عن عائشة مثله.
حدثنا يونس، قال: أنا سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة مثله.
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: أنا الليث، عن عبد الرحمن ابن القاسم ... فذكر بإسناد مثله.
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا بشر بن بكر، قال: حدثني الأوزاعي، قال: حدثني عبد الرحمن بن القاسم ... فذكر بإسناده مثله، وزاد: "ولا نعلم المحرم يحله إلا الطواف بالبيت".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة مثله، غير أنه لم يذكر الزيادة التي فيه على ما قبله.
ش: أي وكان مما احتج به هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث عائشة، وهو جوابها لزياد بن أبي سفيان بما أجابت في الحديث السابق وبأحاديثها الأُخر التي رويت عنها في هذا الباب.
وأخرجها من ثمانية عشر طريقًا كلها صحاح:
الأول: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن يزيد بن هارون شيخ أحمد، عن إسماعيل بن أبي خالد هرمز البجلي الكوفي أحد مشايخ أبي حنيفة، عن عامر الشعبي، عن مسروق بن الأجدع، عن عائشة.