← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

لا يسمى حصرًا"، وقال البخاري: قال عطاء: "الإِحصار من كل شيء يحبسه" ولما ثبت أن اسم الإِحصار يختص بالمرض، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ وجب أن يكون اللفظ مستعملاً فيما هو حقيقة وهو المرض ويكون العدو داخلًا فيه بالمعنى فإن قيل: قد حكي عن الفراء فيهما لفظ الإِحصار قيل له: لو صح ذلك كانت دلالة الآية قائمة في إثباته بالمرض لأنه لم يدفع وقوع الاسم على المرض وإنما أجازه في العدو فلو وقع الاسم على الأمرين كان عمومًا فيهما موجبًا للحكم في المريض والمحصور جميعًا. فإن قيل: لم يختلف الرواة أن هذه الآية نزلت في شأن الحديبية وكان النبي ﵇ وأصحابه ﵃ ممنوعين بالعدو فأمرهم الله بهذه الآية بالإِحلال من الإِحرام فدل على أن المراد بالآية هو العدو. قيل له: لما كان سبب نزول الآية هو العدو ثم عدل عن ذكر الحصر وهو مختص بالعدو إلى الإِحصار الذي يختص بالمرض، دل على أنه أراد إفادة الحكم في المرض ليستعمل اللفظ على ظاهره، ولما أمر النبي ﵇[أصحابه] (١) بالإِحلال وحَلَّ هو، دل على أنه أراد حصر العدو من طريق المعنى لا من جهة اللفظ، فكان نزول الآية مقيدًا للحكم في الأمرين، ولو كان مراد الله تخصيص العدو بذلك دون المرض لذكر لفظًا يختص به دون غيره، ومع ذلك لو كان اسمًا للمعنيين لم يكن نزوله على سبب موجبًا للاقتصار بحكمه عليه، بل كان الواجب اعتبار عموم اللفظ دون السبب، ويدل عليه من جهة السنة حديث الحجاج بن عمرو -على ما ذكرناه- ومن جهة النظر والقياس على ما ذكره الطحاوي ﵀. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ (٢) بعد قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ (٢) يدل على أن المريض غير مراد بالإِحصار؛ لأنه لو كان كذلك لما استأنف له ذكرًا مع كونه أول الخطاب.

стр. 5077

قلت: لما قال: ﴿الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١) منعه الإِحلال مع وجود الإِحصار إلى وقت بلوغ الهدي محله وهو ذبحه في الحرم، فأبان عن حكم المريض قبل بلوغ الهدي محله وأباح له حلق الرأس مع إيجاب الفدية، وأيضًا ليس كل مرض يمنع الدخول إلى البيت، ألا ترى أنه ﵇ قال لكعب بن عجرة (٢): "أيؤذيك هوام رأسك؟ قال: نعم، فأنزل الله الآية". ولم يكن هوام رأسه مانعة من الدخول إلى البيت؛ فرخص الله له في الحلق، فأمر بالفدية، وكذلك المرض في الآية يجوز أن يكون المرض الذي لا يمنع الدخول إلى البيت، والله تعالى إنما جعل المرض إحصار إذا منع الوصول إلى البيت، فليس في ذكره حكم المريض بما وصف ما يمنع كون المرض إحصارًا؛ فافهم. ص: ثم اختلف الناس بعد هذا في المحرم بعمرة يحصر بعدو أو مرض؛ فقال قوم: يبعث بهدي ويواعدهم أن ينحروه عنه فإذا نحر يحل، وقال آخرون: بل يقيم على إحرامه أبدًا وليس لها وقت كوقت الحج. ش: أي ثم اختلفوا -بعد اختلافهم في الإِحصار هل يكون بالعدو وحده أو بالعدو والمرض وغيرهما- في المحرم بالعمرة إذا أحصر بعدو أو مرض، فقال قوم وأراد بهم جمهور العلماء منهم: أبو حنيفة ومالك -في رواية- والشافعي وأصحابه وأحمد وأبو يوسف ومحمد وزفر؛ فإنهم قالوا: إن المحرم بعمرة إذا أحصر فهو كالمحصر بالحج يبعث هديًا ويواعد ناسًا يذبحونه عنه، فإذا ذبح حل، ثم قال أبو حنيفة وأصحابه: عليه أن يقضيها بعد ذلك، وبه قال عكرمة والشعبي والنخعي ومجاهد. وقال الشافعي وأحمد: لا قضاء عليه؛ لأن تحلله مسقط لما وجب عليه بالدخول فيها.

стр. 5078

وفي "شرح الموطأ": وهكذا عند مالك وأكثر أصحابه، وأما ابن الماجشون فذلك عنده بمنزلة إتمامها فتجزئه عن حجة الإِسلام إن كان أرادها بها. قوله: "وقال آخرون" أي جماعة آخرون، وأراد بهم: محمد بن سيرين ومالكًا -في رواية- وبعض الظاهرية، فإنهم قالوا: لا يكون الإِحصار عن العمرة، بل يقيم على إحرامه أبدًا؛ لأنه ليس لها وقت معين يخاف فواتها. وقال أبو عمر: وقد اختلف فيمن أحصر بعمرة، فعلى قول الجمهور له أن يتحلل، وحكي عن مالك ألَّا يتحلل؛ لأنه لا يخاف الفوت. والله أعلم. ص: وكان من حجة الذين ذهبوا إلى أنه يحل منها بالهدي ما روينا عن رسول الله ﵇ في أول هذا الباب لما أحصر زمن الحديبية حصرته كفار قريش فنحر الهدي وحل ولم ينتظر أن يذهب عنه الإِحصار إذْ كان لا وقت لها كوقت الحج، ثم جعلوا العدو في الإِحصار بها كالعدو في الإِحصار بالحج، فثبت بذلك أن حكمها في الإِحصار فيهما سواء، وأنه يبعث بالهدي حتى يحل به مما أحصر به منهما، إلاَّ أن عليه في العمرة قضاء عمرة مكان عمرته، وعليه في الحجة حجة مكان حجته وعمرة لإِحلاله، وقد روينا في هذه العمرة أنه قد يكون المحرم محصرًا بها ما قد تقدم في هذا الباب عن عبد الله بن مسعود ﵁ فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار. ش: أي وكان من دليل أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه من أن المحرم بعمرة إذا أحصر يحل منها بالهدي ما روينا عن رسول الله ﵇، وهو ما رواه المسور بن مخرمة: "أن رسول الله نحر يوم الحديبية قبل أن يحلق، وأمر أصحابه بذلك". وقد تقدم ذكره في أول الباب، وقال الجصاص: وقد تواترت الأخبار بأن النبي ﵇ كان محرمًا بالعمرة عام الحديبية، وأنه أحل من عمرته بغير طواف، ثم قضاها في العام القابل في ذي القعدة وسميت عمرة القضاء، وقال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ ثم قال: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١) وذلك حكم عائد إليهما

стр. 5079

جميعًا، وغير جائز الاقتصار على أحدهما دون الآخر؛ لما فيه من تخصيص حكم اللفظ بغير دلالة. قوله: "إذ كان لا وقت لها يحله" إذْ: للتعليل، والضمير في لها للعمرة. قوله: "إلاَّ أن عليه في العمرة قضاء عمرة" وذلك لأجل العمرة التي دخل فيها ثم أحل عنها بالإِحصار، وإنما يجب عليه القضاء في ذلك لكون اعتمار النبي ﵇ من العام المقبل من عام الحديبية إنما كان قضاء لتلك العمرة، ولذلك لم يقل لأحد من الصحابة: عليكم قضاء هذه العمرة، ولا حفظ ذلك عنه بوجه من الوجوه، ولا قال في العام المقبل: إن عمرتي هذه قضاء عن العمرة التي أحصرت فيها، ولم ينقل ذلك عنه، فدل ذلك أن المحصر بالعمرة إذا أحل منها لا قضاء عليه. قلت: هذا الذي ذكرته كله لا يستلزم نفي وجوب القضاء، وثبت وجوب القضاء بما ذكرنا آنفًا ولقول ابن مسعود ﵁ لما استفتى في ذلك اللديغ: "يبعث بهدي ويواعد أصحابه موعدًا، فإذا نحر عنه حل ثم عليه عمرة بعد ذلك". وقد مر ذكره في هذا الباب، وكذلك قال ابن عباس؛ قال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا ابن علية، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "أمر الله بالقصاص، أفيأخذ منكم العدوان؟! حجة بحجة وعمرة بعمرة". قوله: "وعليه في الحجة حجه" أي وعلى المحصر بالحج حجة من قابل لمكان حجته، وعمرة لإِحلاله قبل أوانها. وقال الشافعي: عليه حجة لا غير، واستدل بما روي عن ابن عباس الذي ذكرناه آنفًا، ولأن القضاء يكون مثل الفائت والفائت هو الحجة لا غير فيقضي الحجة وحدها.

стр. 5080

وأصحابنا استدلوا بما روي عن ابن مسعود وابن عمر ﵃ قالا في المحصر بحجة: يلزمه حجة وعمرة، وروي ذلك عن عكرمة والحسن والنخعي ومحمد بن سيرين والقاسم وسالم. قال ابن أبي شيبة (١): ثنا أبو خالد الأحمر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عكرمة قال: "إذا أهلّ الرجل بالحج فأحصر فليبعث بهديه؛ فإن مضى جعلها عمرة وعليه الحج من قابل [ولا هدي] (٢) عليه، وإن هو أخر ذلك حتى يحج فعليه حجة وعمرة وما استيسر من الهدي، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج آخرها يوم عرفة". ثنا [هشيم] (٣)، عن يونس وحميد، عن الحسن قال: "عليه حجة وعمرة". ثئا هشيم عن مغيرة، عن إبراهيم مثله. ثنا (٤) ابن أبي عدي، عن ابن عون، عن محمد: "إذا افترض الرجل الحج فأصابه حصر فإنه يبعث بهديه، فإذا بلغ الهدي محله حل، فإذا كان عام قابل حل بالحج والعمرة". ثنا (٥) ابن أبي عدي، عن ابن عوف قال: "سألت القاسم وسالمًا عن المحصر، فقالا نحو قول محمد. وأما الجواب عن قول ابن عباس: فإنه تمسك بالسكوت وهو لا يصح؛ لأن قوله: "حجة بحجة وعمرة بعمرة" يقتضي وجوب الحجة بالحجة والعمرة بالعمرة ولا يقتضي نفي وجوب العمرة بالحجة، فكان مسكوتًا عنده، فيقف على قيام

стр. 5081

الدليل، وقد قام الدليل بما روي عن ابن مسعود وابن عمر، وهؤلاء الذين ذكرناهم، وعن عطاء في رواية في الذي يفوته الحج قال: "يحل بعمرة وليس عليه حج قابل". وعن طاوس مثله، وروى ابن الماجشون عن مالك في المحصر بعذر: "يحل بسنة الإِحصار ويجزئه عن حجة الإِسلام". وهو قول أبي مصعب صاحب مالك، ومحمد ابن سحنون، وابن شعبان. وفي "المدونة": لا قضاء على المحصر في حج التطوع ولا هدي؛ لأن النبي ﵇ لم يأمر أصحاب الحديبية بقضاء ولا هدي، إلَّا أن تكون حجة الإِسلام فعليه حج قابل وهدي، وبه قال أبو عبد الله الشافعي وأبو ثور. انتهى. وأما المحصر إذا كان قارنًا فعليه قضاء حجة وعمرتين، أما قضاء الحجة والعمرة فلوجوبهما بالشروع، وأما عمرة أخرى فلفوات الحج في عامه ذلك، وهذا على أصلنا، وأما على أصل الشافعي فليس عليه إلاَّ حجة بناء على أصله: أن القارن محرم بإحرام واحد ويدخل إحرام العمرة في الحجة، فكان حكمه حكم المفرد بالحج والمفرد بالحج إذا حصر لا يجب عليه إلَّا قضاء حجه عنده، وكذا القارن. ص: وأما النظر في ذلك فإنا قد رأينا أشياء قد فرضت على العباد مما جعل لها وقت خاص، وأشياء فرضت [عليهم] (١) مما جعل الدهر كله وقتًا لها، منها الصلوات فرضت عليهم في أوقات خاصة تؤدى في تلك الأوقات بأسباب متقدمة لها من التطهر بالماء وستر العورة. ومنها الصيام في كفارات الظهار وكفارات الصيام و [كفارات] (٢) القتل؛ جعل ذلك على المظاهر والقاتل لا في أيام بعينها بل جعل الدهر كله وقتًا لها، وكذلك كفارة اليمين جعلها الله على الحانث في يمينه، وهي إطعام عشرة مساكين أو

стр. 5082

كسوتهم، أو تحرير رقبة، ثم جعل الله لن فرض عليه الصلاة بالأسباب التي تتقدمها والأسباب المفعولة فيها في ذلك عذرًا لمن منع منه، فمن ذلك ما جعل له في عدم الماء من سقوط الطهارة بالماء والتيمم، ومن ذلك ما جعل لمن منع من ستر العورة أن يصلي بادي العورة، ومن ذلك ما جعل لمن منع من القبلة أن يصلي إلى غير قبلة، ومن ذلك ما جعل للذي منع من القيام أن يصلي قاعدًا يركع ويسجد فإن منع من ذلك أيضًا أومأ إيماءً، فجعل له ذلك وان كان بقي عليه من الوقت ما قد يجوز أن يذهب عنه ذلك العذر ويعود إلى حاله قبل العذر، وهو في الوقت لم يفته، وكذلك جعل لمن لا يقدر على الصوم في الكفارات التي أوجب الله عليه فيها صيام، لمرض حل به مما قد يجوز برؤه منه بعد ذلك ورجوعه إلى حال الطاقة لذلك الصوم، فجعل له ذلك عذرًا في إسقاط الصوم عنه به، ولم يمنع من ذلك إذا كان ما جعل عليه من الصوم لا وقت له، وكذلك فيما ذكرنا من الإِطعام في الكفارات والعتق فيها والكسوة إذا كان الذي فرض عليه معدمًا وقد يجوز أن يجد بعد ذلك، فيكون قادرًا على ما أوجب الله عليه من ذلك من غير فوات لوقت شيء مما كان أوجب عليه فعله فيه، فلما كانت هذه الأشياء يزول فرضها بالضرورة فيها، وإن كان لا يخاف فوت وقتها فجعل ذلك وما خيف فوت وقته سواء من الصلوات في أواخر أوقاتها وما أشبه ذلك؛ فالنظر على ما ذكرت أن تكون كذلك العمرة، وإن كان لا وقت لها أن يباح في الضرورة فيها له ما يباح بالضرورة في غيرها مما له وقت معلوم، فثبت بما ذكرنا قول من ذهب إلى أنه قد يكون الإِحصار بالعمرة كما يكون الإِحصار بالحج سواء، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ﵏. ش: لما ثبت أن المحرم بالعمرة يكون محصرًا كالمحرم بالحج وقد أشار إليه بقوله: وقد روينا في هذه العمرة أنه قد يكون المحرم محصرًا بها ما تقدم في هذا الباب عن عبد الله بن مسعود ﵁ شرع هَا هنا بذكر وجه القياس أيضًا بقوله: "وأما النظر في ذلك" أي وأما وجه النظر والقياس في تحقيق الإِحصار في حق المحرم بالعمرة والمساواة بين المحصر بالعمرة والمحصر بالحج في التحلل بالهدي

стр. 5083

ووجوب القضاء بعده، وملخص ما قاله: إنا وجدنا أشياء من الفرائض المؤقتة بوقت معين، وأشياء منها غير مؤقتة بوقت يزول فرضها بالضرورة، وإن كان لا يخاف فوت وقتها، وقد تساوى فيها ما يخاف فوت وقتها وما لم يخف، فالنظر على ذلك أن تكون العمرة كذلك، وإن كان لا يخاف فوت وقتها لعدم وقت معين لها؛ فيباح فيها في حالة الضرورة ما يباح في غيرها كذلك مما له وقت معلوم، وهذا حاصل وجه هذا النظر، والله أعلم. ص: ثم تكلم الناس بعد هذا في المحصر إذا نحر هديه، هل يحلق رأسه أم لا؟ فقال قوم: ليس عليه أن يحلق؛ لأنه قد ذهب عنه النسك كله، وممن قال ذلك: أبو حنيفة ومحمد ﵏. وقال آخرون: بل يحلق، فإن لم يحلق حل ولا شيء عليه، وممن قال ذلك: أبو يوسف. وقال أخرون: يحلق ويجب ذلك عليه كما يجب على الحاج والمعتمر. ش: أي ثم تكلم الناس بعد اختلافهم في المحرم بعمرة إذا أحصر مطلقًا هل يحل بنحر الهدي أم يقيم على إحرامه أبدًا كما مر؟ وهل يحلق رأسه أم لا بعد نحر هديه؟ فقال قوم وهم سفيان الثوري والنخعي والشافعي: ليس عليه أن يحلق؛ لأنه قد ذهب عنه النسك كله، وممن قال بذلك: أبو حنيفة ومحمد. وقال آخرون أي قوم آخرون وهم: عطاء بن أبي رباح وأبو ثور والشافعي -في قول-: بل يحلق؛ لأنه ﵇ حلق، فإن لم يحلق حل ولا شيء عليه؛ لأنه قد كان حل بنحر الهدي، فإذا حلق بعده صار حلقه وهو حلال فلا شيء عليه، وممن قال بذلك: أبو يوسف. وقال آخرون أي قوم آخرون، وهم: مالك وأحمد وإسحاق والشافعي -في قول-: يحلق، ويجب عليه الحلق كما يجب على الحاج والمعتمر.

стр. 5084

وقال أبو عمر (١): إنما منع المحصر من الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار، فسقط عنه ما قد حيل بينه وبينه، وأما الحلاق فلم يحل بينه وبينه وهو قادر على أن يفعله، وما كان قادرًا على أن يفعله فهو غير ساقط عنه، وإنما يسقط عنه ما قد حيل بينه وبين عمله، وقد روي عن النبي ﵇ ما يدل على أن الحلق باق على المحصر كما هو على من وصل إلى البيت وهو الدعاء للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين واحدة، وهو الحجة القاطعة والنظر الصحيح في هذه المسألة، وإلى هذا ذهب مالك وأصحابه، الحلاق عندهم نسك يجب على الحاج الذي قد أتم حجه، وعلى من فاته الحج، والمحصر بعدو والمحصر بمرض، وقد حكى ابن أبي عمران، عن ابن سماعة، عن أبي يوسف في "نوادره": أن عليه الحلاق أو التقصير، لا بد له منه، واختلف قول الشافعي في هذه المسألة على قولين: أحدهما: أن الحلاق للمحصر من النسك، وهو قول مالك. والآخر: ليس من النسك. ص: فكان من حجة أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله- في ذلك أنه قد سقط عنه بالإِحصار جميع مناسك الحج من الطواف والسعي بين الصفا والمروة، وذلك مما يحل به المحرم من إحرامه، ألا ترى أنه إذا طاف بالبيت يوم النحر حل له أن يحلق فيحل له بذلك الطيب واللباس والنساء قالوا: فلما كان ذلك مما يفعله حتى يحل فسقط ذلك عنه كله بالإِحصار، سقط عنه أيضًا سائر ما يحل به المحرم بسب الإِحصار، هذه حجة أبي حنيفة ومحمد. ش: هذا كلام ظاهر، ولكن الطحاوي لم يختر ذلك وإنما اختار دليل من يقول: لا بد من الحلق على المحصر على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى، والصواب معه؛ لأن الحلق من جملة النسك وهو قادر على فعله فلا يسقط عنه. والله أعلم.

стр. 5085

ص: وكان من حجة الآخرين عليهما في ذلك: أن تلك الأشياء من الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، قد صد عنه المحرم وحيل بينه وبينه فسقط عنه أن يفعله، والحلق لم يُحَلْ بينه وبينه وهو قادر على أن يفعله، فما كان يصل إلى أن يفعله فحكمه فيه في حال الإِحصار كحكمه في غير حال الإِحصار، وما لا يستطيع أن يفعله في حال الإِحصار فهو الذي يسقط عنه بالإِحصار، فهو النظر عندنا، فإذا كان حكمه في وقت الحلق عليه وهو محصر كحكمة في وجوبه عليه وهو غير محصر كان تركه إياه وهو محصر كتركه إياه وهو غير محصر. ش: أي وكان من حجة الآخرين على أبي حنيفة ومحمد: أن تلك الأشياء ... إلى آخره ظاهر غني عن زيادة البيان ولمح بهذه العبارة على أن اختياره هو حجة الآخرين؛ فلذلك قال: فهو النظر عندنا. قوله: "قد صد" أي منع الضمير في "عنه" يرجع إلى كل واحد من الأشياء المذكورة، وكذلك في قوله: "وبينه" وفي "أن يفعله". ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ ما قد دل على أن حكم الحلق باق على المحصرين كما هو على من وصل إلى البيت، وذلك أن ربيعًا المؤذن حدثنا، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، قال ثنا ابن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄ قال: "حلق رجال يوم الحديبية، وقصر آخرون، فقال رسول الله ﵇: يرحم الله المحلقين، قالوا: يا رسول الله، والمقصرين؟ قال: يرحم الله المحلقين، قالوا: يا رسول الله، والمقصرين؟ قال: يرحم الله المحلقين، قالوا: يا رسول الله [و]، (١) المقصرين؟ قال: والمقصرين، قالوا: فما بال المحلقين ظاهرت لهم بالترحم؟ قال: إنهم لم يَشُكُّوا". حدثنا فهد، قال: ثنا يوسف بن بهلول، قال: ثنا ابن إدريس، عن ابن إسحاق ... فذكر بإسناده مثله.

стр. 5086

حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم الأنصاري، قال: ثنا أبو سعيد الخدري قال: "سمعت النبي ﵇ يستغفر يوم الحديبية للمحلقين ثلاثًا, وللمقصرين مرة". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا هارون بن إسماعيل الخزاز، وقال: ثنا علي بن المبارك، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، أن أبا إبراهيم حدثه، عن أبي سعيد الخدري: "أن رسول الله ﵇ عام الحديبية استغفر للمحلقين مرة وللمقصرين مرة وحلق رسول الله ﵇ وأصحابه رءوسهم غير رجلين من الأنصار ورجل من قريش". قال أبو جعفر ﵀: فلما حلقوا جميعًا إلاَّ من قصر منهم، وفضل رسول الله ﵇ من حلق منهم على من قصر؛ ثبت بذلك أنهم قد كان لهم الحلق أو التقصير كما كان عليهم لو وصلوا إلى البيت، ولولا ذلك لما كانوا فيه إلاَّ سواء، ولا كان لبعضهم في ذلك فضيلة على بعض، ففي تفضيل النبي ﵇ في ذلك المحلقين على المقصرين دليل على أنهم كانوا في ذلك كغير المحصرين، فقد ثبت بما ذكرنا أن حكم الحلق أو التقصير لا يزيله الإِحصار. ش: لما بين أن حكم الحلق باق في حصر المحصر بالعمرة بالنظر والعقل؛ ذكر أحاديث تدل على ذلك وتقويه، وأخرجها عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري، وأخرج حديث ابن عباس من طريقين صحيحين: الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح يسار المكي، عن مجاهد، عن ابن عباس. وأخرجه ابن ماجه (١): نا عبد الله بن نمير، نا يونس بن بكير، ثنا ابن إسحاق، حدثني ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: "قيل: يا رسول الله، لم ظاهرت المحلقين ثلاثاً والمقصرين واحدة؟ قال: إنهم لم يشكوا".

стр. 5087

الثاني: عن فهد بن سليمان، عن يوسف بن بهلول التميمي الأنباري شيخ البخاري واحد أصحاب أبي حنيفة، عن عبد الله بن إدريس الأودي الزعافري، عن محمد بن إسحاق بن يسار، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا يزيد قال: نا محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﵇: "اللهم اغفر للمحلقين -قالها ثلاثًا- قال: فقالوا: يا رسول الله، ما بال المحلقين ظاهرت لهم الترحم؟ قال: إنهم لم يشكوا". وكذلك أخرج حديث أبي سعيد الخدري ﵁ من طريقين: الأول: عن محمد بن عبد الله بن ميمون الإِسكندراني اليشكري شيخ أبي داود والنسائي، عن الوليد بن مسلم القرشي الدمشقي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير الطائي، عن أبي إبراهيم الأشهلي الأنصاري المدني، لا يسمى، وذكره ابن أبي حاتم وقال: يروي عن أبيه، روى عنه يحيى ابن أبي كثير سمعت أبي يقول: أبو إبراهيم الأنصاري الذي روى عنه يحيى بن أبي كثير لا يدري من هو ولا أبوه وفي "التكميل": قال قوم: إن إبراهيم هذا هو عبد الله بن أبي قتادة، وقال شيخنا: ولا يصح ذلك وإن كان عبد الله بن أبي قتادة كنيته أبو إبراهيم؛ لأنه من بني سلمة، وهذا من عبد الأشهل. والله أعلم. روى له الترمذي والنسائي، وصحح الترمذي حديثه، وقد بسطنا الكلام فيه في أسماء رجال الكتاب. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): نا يزيد، نا هشام، عن يحيى، عن أبي إبراهيم، عن أبي سعيد الخدري: "أن النبي ﵇ أحرم وأصحابه عام الحديبية غير عثمان وأبي قتادة، فاستغفر للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة".

стр. 5088

الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن هارون بن إسماعيل الخزاز البصري، عن علي بن المبارك الهنائي البصري، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم، عن أبي سعيد الخدري ... إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) وقال: ثنا يزيد بن هارون، ثنا هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵇ نحوه. قوله: "رحم الله المحلقين" إنشاء في صورة الإِخبار، ومعناه: اللهم ارحم المحلقين. قوله: "والمقصرين" يعني: يا رسول الله، ويرحم الله المقصرين أيضًا؟ أو ادع الله أن يرحم المقصرين أيضًا، والمقصر هو الذي يقصر من شعر رأسه ويأخذ من أطرافه ولا يحلقه. قوله: "فما بال المحلقين"، أي ما شأنهم وما حالهم. قوله: "ظاهرت لهم بالترحم" أي قصرتهم وأعنتهم وساعدتهم. قوله: "إنهم"، أي إن المحلقين "لم يشكوا" قيل: معناه لم يشكوا في أن الحلق أفضل عن التقصير وقيل: معناه لم يتوقفوا فيما أمرهم به النبي ﵇ من الحلق، حيث بادروا بالامتثال وحلقوا واستجابوا له، بخلاف المقصرين فإنهم لم يكن معهم هدي، فلما أمرهم النبي ﵇ بالحلق وجدوا من ذلك وأحبوا أن يأذن لهم في المقام على إحرامهم حتى يكملوا الحج، وكانت طاعة رسول الله ﵇ أولى بهم، فلما لم يكن لهم بد من الإِحلال كان القصر في نفوسهم أخف من الحلق فمالوا إليه، فلما رأى رسول الله ﵇ ذلك منهم أخرهم في الدعاء، وقدم عليهم من حلق ثلاث مرات ودعا للمقصرين مرة، وجعل لهم أيضًا نصيبًا من دعوته حتى لا يجنب أحد من أمته من صالح دعوته.

стр. 5089

وقيل: إنما دعا للمحلقين ثلاثًا لأن الحلق أبلغ في العبادة وأدل على صدق النية في القلب بخلاف المقصر؛ لأنه مبق لنفسه من الزينة التي أراد الله ﵎ أن يأتيه المستجيبون لدعوته في الحج متبرئين منها مظهرين للمزلة والخشوع. قوله: "غير رجلين: رجل من الأنصار" وهو أبو قتادة الأنصاري الحارث بن ربعي، ورجل من قريش وهو عثمان بن عفان؛ فإنهم لم يحلقا رءوسهما ولم يقصرا، لأنهم لم يكونا محرمين كما صرح بذلك في رواية أحمد. ويستفاد منه: أن الحلق نسك لا إباحة، ولو كان إباحة لم يستحق الدعاء والثواب عليه. وأيضًا فيه دلالة على أن الحلق أفضل، والتفاضل لا يكون في الإِباحة. وفيه جواز التقصير وفيه أن المحصر لا ينبغي له أن يترك الحلق. فإذا تركه يصير كتركه وهو غير محصر. ثم اعلم أن أحاديث دعوة النبي ﵇ للمحلقين رواها جماعة من الصحابة ﵃، وقال الترمذي عقيب إخراجه حديث ابن عمر في هذا: وفي الباب عن ابن عباس وأم الحصين ومارب وأبي سعيد وأبي مريم وحبشي بن جنادة وأبي هريرة. قلت: وفي الباب عن جابر بن عبد الله أيضًا وقد أخرج الطحاوي حديث ابن عباس وأبي سعيد الخدري كما مرّ. وأما حديث عبد الله بن عمر فأخرجه البخاري (١): ثنا عبد الله بن يوسف، ثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﵇ قال: "اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين؟ قال: والمقصرين". وقال الليث: ثنا نافع: رحم الله المحلقين مرة أو مرتين، قال: وقال عُبيد الله: حدثني نافع، قال: وفي الرابعة قال: "والمقصرين".

стр. 5090

وأخرجه مسلم (١) وأبو داود (٢) والترمذي (٣). وأما حديث أم الحصين فأخرجه مسلم (٤): نا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا وكيع وأبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن يحيى بن الحصين، عن جدته: "أنها سمعت النبي ﵇ في حجة الوداع دعا للمحلقين ثلاثًا, وللمقصرين مرة واحدة" ولم يقل وكيع: "في حجة الوداع". وأما حديث مارب -بالميم- ويقال: قارب -بالقاف- بن الأسود بن مسعود الثقفي". وهو ابن أخي عروة بن مسعود فأخرجه الحميدي في "مسنده" (٥): عن ابن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن وهب بن عبد الله بن قارب أو مارب -على الشك- عن أبيه، عن جده: "أن النبي ﵇ قال: يرحم الله المحلقين". قال أبو عمر: لا أحفظ هذا الحديث من غير رواية ابن عيينة، وغير الحميدي يقول: "قارب" من غير شك، وهو الصواب وهو مشهور ومعروف من وجوه ثقيف. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٦): ثنا سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، بن وهب بن عبد الله -أراه عن أبيه- قال: "كنت مع أبي، فرأيت النبي ﵇ يقول بيده: يرحم الله المحلقين، فقال رجل: يا رسول الله، والمقصرين؟ قال في الثالثة: والمقصرين".

стр. 5091

وأما حديث أبي مريم فأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا في "مسنده" (١): ثنا يونس بن محمد، قال: ثنا أوس بن عبد الله السلولي، حدثني عمي يزيد بن أبي مريم، عن أبيه مالك بن ربيعة سمعت النبي ﵇ يقول: "اللهم اغفر للمحلقين، قال رجل: يا رسول الله، والمقصرين؟ قال: والمقصرين". وأما حديث حبشي بن جنادة فأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا (٢): نا عُبيد الله، نا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حبشي بن جنادة قال: قال رسول الله ﵇: "اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: يا رسول الله، والمقصرين؟ قال: اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: يا رسول الله، والمقصرين؟ قال: [اللهم] (٣) اغفر للمقصرين". وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري (٤): نا عياش بن الوليد، نا محمد بن الفضل، نا عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: والمقصرين؟ قال: اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: والمقصرين؟ -قالها ثلاثًا- قال: والمقصرين". وأخرجه مسلم أيضًا (٥). وأما حديث جابر فأخرجه أبو قرة في "سننه" من حديث زمعه بن صالح، عن زياد بن سعد، عن أبي الزبير، سمع جابر بن عبد الله ﵁ يقول: "حلق رسول الله ﵇ يوم الحديبية، فحلق ناس كثير من أصحابه حين رأوه حلق، وقال آخرون: والله ما طفنا بالبيت، فقصروا، فقال رسول الله ﵇: يرحم الله المحلقين، وقال في الرابعة وللمقصرين".

стр. 5092

ص: باب: حج الصغير ش: أي هذا باب في بيان حكم حج الصغير ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، قال: حدثني إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس: "أن امرأة سألت النبي ﵇ عن صبي، هل لهذا من حج؟ قال: نعم ولك أجرٌ". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن إبراهيم، عن عقبة ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا عبد العزيز بن عبد الله الماجشون، عن إبراهيم بن عقبة ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذه ثلاث طرق صحاح: الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح، وسفيان هو ابن عيينة. وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وابن أبي عمر جميعًا، عن ابن عيينة، قال أبو بكر: ثنا سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس، عن النبي ﵇: "لقي ركبًا بالروحاء، فقال: مَن القوم؟ قالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت؟ قال رسول الله، فرفعت إليه امرأة صبيًّا فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم، ولكِ أجر". وأخرجه أبو داود (٢): ثنا أحمد بن حنبل، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس قال: "كان النبي ﵇ بالروحاء، فلقي ركبًا فسلم عليهم، فقال: من القوم؟ [فقالوا]، (٣): المسلمون، فقالوا: فمن

стр. 5093

أنتم؟ قالوا: رسول الله ﷺ ، ففزعت امرأة فأخذت بعضد صبي فأخرجته من محفتها، فقالت: يا رسول الله، هل لهذا حج؟ قال: نعم، ولكِ أجر". الثاني: أيضًا رجاله كلهم رجال الصحيح. وأخرجه النسائي (١): أنا أحمد، قال: أنا سليمان بن داود والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع، عن ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس "أن رسول الله ﵇ مرَّ بامرأة وهي في خدرها معها صبي، فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم، ولكِ أجر". وأخرجه مالك في "موطإه" (٢): عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب مولى ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ مر بامرأة وهي في محفتها، فقيل لها: هذا رسول الله، فأخذت بضَبْعَي صبي كان معها، فقالت: ألهذا حج يا رسول الله؟ قال: نعم، ولكِ أجر". وهذا مرسل. وأخرجه مسلم (٣) أيضًا نحوه مرسلاً: حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب: "أن امرأة رفعت صبيًّا فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: نعم. ولكِ أجر". وقال أبو عمر: روى هذا الحديث يحيى وسحنون وآخرون، عن كريب، عن النبي ﵇ مرسلاً، ورواه ابن وهب وأبو مصعب والشافعي وغيرهم، عن كريب، عن ابن عباس موصولاً، وهو حديث مسند صحيح أسنده ثقات، ولا يضره تقصير من قصر به، والاختلاف فيه على مالك والثوري، ومن وصله فهو أولى؛ لأن الذين وصلوه وأسندوه ثقات.

стр. 5094

الثالث: عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال شيخ البخاري، عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب عن ابن عباس ﵄. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ قفل، فلما كان بالروحاء لقي ركبًا فسلم عليهم وقال: من القوم؟ قالوا: المسلمون، فمن القوم؟ فقال رسول الله ﵇: رسول الله، ففزعت امرأة صبيًّا لها من محفة، فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: نعم ولكِ أجر". ثم قال البيهقي: وكذلك رواه عبد العزيز بن أبي سلمة، عن إبراهيم. قلت: هذا الحديث روي عن جابر بن عبد الله أيضًا. أخرجه ابن ماجه (٢): ثنا علي بن محمد ومحمد بن طريف، قالا: نا أبو معاوية، حدثني محمد بن سوقة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: "رفعت امرأة صبيًّا لها إلى النبي ﵇ في حجته، فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: نعم ولكِ أجر". قوله: "هل لهذا من حج؟ " أي هل يجوز حج هذا أم لا؟ فقال ﵇: نعم يعني يجوز حجه، ويحصل لك أجر حيث تحججينه. قوله: "فلقي ركبًا بالروحاء"، الركب جمع راكب، قال يعقوب: هو العشرة فما فوقها من الإِبل، والمركبة أقل من الركب، والركاب، الإِبل. والروحاء من عمل الفرع على نحو من أربعين ميلاً من المدينة، وفي "مسلم": على ستة وثلاثين، وفي "كتاب ابن أبي شيبة": ثلاثين.

стр. 5095

قوله: "ففزعت امرأة" بالزاي المعجمة والعين المهملة يعني فأهبت وقامت. أخذ من فزع النائم إذا انتبه من نومه وتحول من مكانه. ويقال: بالراء والغين المعجمة، ومعناه: اهتمت، والأول أكثر، وهذا كما في حديث عائشة في فضل عثمان ﵁ (١): "ما لي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان؟ فقال: عثمان رجل حييّ". قوله: "من محفتها" المحفة بكسر الميم، مركب من مراكب النساء كالهودج إلاَّ أنها تقبب كما تقبب الهوادج، وقيل: المحفة التي لا غطاء لها. قوله: "وهي في خدرها" أي سترها، والمعنى هي في سترها، وسترها هي هودجها أو محفتها. وقال أبو عمر: الخدر أيضًا الهودج، وهو من مراكب النساء. قلت: هو بكسر الخاء. ويستفاد منه أحكام: الأول: فيه جواز الحج بالصبيان الصغار وعليه جماعة فقهاء الأمصار من أهل الحجاز والعراق والشام ومصر، وكلهم يستحب الحج بالصبيان ويأمر به ويستحبونه، وقال أبو عمرو: على هذا جمهور العلماء في كل قرن. وقالت طائفة: لا يحج بالصبيان، وهو قول لا يشتغل به ولا يعرج عليه؛ لأن رسول الله ﵇ بأغليمة بني عبد المطلب، وحج السلف بصبيانهم، وروي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه طاف بعبد الله بن الزبير ﵄ في خرقة، وقال النبي ﵇ في الصبي: له حج، وللذي يحججه أجر، يعني لمؤنته وقيامه به، فسقط كل ما خالف هذا. وقال مالك: يحج بالصبي ويرمى عنه، ويجتنب ما يجتنبه الكبير من الطيب وغيره، فإن قوي على الطواف والسعي ورمي الجمار وإلَّا طيف به محمولًا.

стр. 5096

وقال مالك: ما أصابه الصبي من صيد أو لباس أو طيب فدي عنه، وبذلك قال الشافعي. واختلف قول مالك وأصحابه في جزاء ما يقتله الصبي؛ فقال بعضهم: هو كجنايته يكون من ماله، وقال بعضهم هو من مال الوالي، وهو الأشهر عن مالك، وقال أبو حنيفة: لا جزاء عليه ولا فدية كما إذا أفسد الحج لم يكن عليه قضاؤه، وكذلك ما أصابه من صيد أو غيره لم يكن عليه فيه جزاء ولا فدية. وقال ابن القاسم: عن مالك: الصغير الذي لا يتكلم إذا جرد ينوى بتجريده الإِحرام، قال ابن القاسم: يغنيه تجريده عن التلبية عنه، فإن كان يتكلم لبى عن نفسه، فأما المراضيع ونحوهم فلا يجردون للإِحرام، وإنما يجرد غيرهم من المتحركين بأنفسهم، ويجردون من الميقات ولا بأس أن يؤخر إحرام الصبي عن الميقات. وقال أبو القاسم: قال مالك: لا يطوف به أحد ما لم يطف طواف الواجب؛ لأنه يدخل طوافين في طواف. وقال ابن وهب: عن مالك: أرى أن يطوف عن نفسه، ثم يطوف بالصبي، ولا يركع عنه، ولا شيء على الصبي في ركعتيه. الثانى: فيه دلالة على أن أحد الأبوين إذا حج بولده الصغير يحصل له أجر ذلك؛ لقيامه بمؤنته في ذلك، ومباشرته معه مناسك الحج. الثالث: فيه دلالة على أن من أرشد صغير إلى مباشرة نوع من أنواع البر والخير يثاب على ذلك ويؤجر عليه. الرابع: فيه إشارة إلى أن الصبي يثاب على الطاعة؛ لأنه إذا كان له حج، يكون له ثواب، قال عياض: قال كثير من العلماء: إن الصبي يثاب على طاعته، وتكتب له حسناته دون سيئاته، روي ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁. الخامس: هل حج الصبي يجزئ عن حجة الإِسلام أم لا؟ يأتي الآن.

стр. 5097

ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن الصبي إذا حج قبل بلوغه أجزأه ذلك من حجة الإِسلام، ولم يكن عليه أن يحج بعد بلوغه، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. ش: أراد بالقوم هؤلاء: داود من الظاهرية، وطائفة من أهل الحديث؛ فإنهم قالوا: الصبي إذا حج قبل بلوغه كفى ذلك عن حجة الإِسلام، وليس عليه أن يحج، واحتجوا في ذلك بظاهر هذا الحديث المذكور. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يجزئه من حجة الإِسلام، وعليه بعد بلوغه حجة أخرى. ش: أي وخالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح ومجاهدًا والنخعي والثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا والشافعي وأحمد، وأخرين من علماء الأمصار؛ فإنهم قالوا: لا يجزئ الصبي ما حجه عن حجة الإِسلام، وعليه بعد بلوغه حجة أخرى. وفي "أحكام ابن بزيزة": وأما الصبي فقد اختلف العلماء هل ينعقد حجة أم لا؟ والقائلون بأنه منعقد اختلفوا هل يجزئ عن حجة الفريضة إذا عقل أم لا؟ فذهب مالك والشافعي وداود إلى أن حجه ينعقد، وقال أبو حنيفة: لا ينعقد. واختلف هؤلاء القائلون بانعقاده، فقال داود وغيره يجزئه عن حجة الفريضة بعد البلوغ. وقال مالك والشافعي: لا يجزئه. وأما العبد فقد اختلف العلماء هل يلزمه الحج أم لا؟ والقائلون بأنه لا يلزمه الحج في حال العبودية اختلفوا إذا حج هل يجزئه عن فريضة إذا عتق أم لا؟ فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: لا حج عليه، فإن حج وهو عبد لم يجزئه ذلك عن حجة الإِسلام. وقال أحمد: إذا عتق بعرفة أجزأته تلك الحجة عن الفريضة.

стр. 5098

وذهبت طائفة من السلف، الصحابة فمن بعدهم إلى أن الحج لازم له وهو مخاطب بوجوبه كالحر، وهو قول جابر بن عبد الله وابن عمر وغيرهما، وبه قال داود، وروينا عن بكير بن عبد الله بن الأشج قال: سألت القاسم بن محمد وسليمان ابن يسار عن العبد إذا حج بإذن سيده، فقالا جميعًا: يجزئه عن حجة الإِسلام إن عتق، وإن حج بغير إذن سيده لم يجزئه، وروينا عن ابن عباس والحسن البصري والزهري وغيرهم: أن الصبي إذا احتلم، والعبد إذا أبق، والأعرابي إذا هاجر؛ فعليهم إعادة الحج. وقال عطاء: أما الأعرابي فيجزئه حجه، وأما العبد والصبي فعليهما حجة أخرى بعد البلوغ والعتق. ص: وكان من الحجة لهم عندنا على أهل المقالة الأولى: أن هذا الحديث إنما فيه أن رسول الله ﷺ أخبر أن للصبي حجًّا، وهذا مما قد أجمع الناس جميعًا عليه، ولم يختلفوا أن للصبي حجًّا كما أن له صلاة، وليست تلك الصلاة فريضة عليه، فكذلك أيضًا يجوز أن يكون له حج وليس ذلك الحج بفريضة عليه، وإنما هذا الحديث حجة على من زعم أنه لا حج للصبي، فاما من يقول: إن له حجًّا وهذا ابن عباس هو الذي روى هذا الحديث عن رسول الله ﵇ ثم قد صرف هو حج الصبي إلى غير الفريضة، وأنه لا يجزئه بعد بلوغه من حجة الإِسلام. حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي السفر قال: سمعت ابن عباس يقول: "يأيها الناس أَسْمِعُوني ما تقولون، ولا تخرجوا تقولون: (قال ابن عباس، قال ابن عباس) (١) أيما غلام حج به أهله فمات فقد قضى حجة الإِسلام، فإن أدرك فعليه الحج، وأيما عبد حج به أهله فمات فقد قضى حجة الإِسلام، فإن أعتق فعليه الحج".

стр. 5099

حدثنا محمد، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن يونس بن عُبيد، عن عُبيد صاحب الحلي قال: "سألت ابن عباس عن المملوك إذا حج ثم عتق بعد ذلك، قال: فعليه الحج أيضًا، وعن الصبي يحج ثم يحتلم، قال: يحج أيضًا". وقد زعمتم أن من روى حديثًا فهو أعلم بتأويله، فهذا ابن عباس قد روى عن النبي ﵇ ما قد ذكرنا في أول هذا الباب، ثم قال هو ما قد ذكرنا، فيجب على أصلكم أن يكون ذلك دليلًا على معنى ما روي عن النبي ﵇ من ذلك. ش: أي وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية على أهل المقالة الأولى، وأراد بها الجواب عما احتجت به أهل المقالة الأولى بحديث ابن عباس المذكور، وهو ظاهر، ولكن ملخصه: أنه لا يدل على مدَّعاهم؛ لأن فيه إخبارًا أن للصبي حجًّا ونحن أيضًا نقول به، ولا خلاف فيه لأحد غير طائفة من أهل البدعة والضلال، ولا يلزم من كون الحج له سقوطه عنه بعد البلوغ، فيحوز أن يكون له حج وهو غير فريضة، كما إذا صلى نقول أن له صلاة ولكنها ليست بفرض. قوله: "وإنما هذا الحديث" أي حديث ابن عباس المذكور حجة على من زعم أنه لا حج للصبي، وهو قول طائفة من أهل البدع ولا يشتغل به، أراد أنكم تحتجون بهذا الحديث علينا فيما ذهبنا إليه وليس ذلك بصحيح؛ فإنا لا ننكر أن يكون للصبي حج، وإنما نقول: إن له حجًّا ولكنه ليس بفريضة فلم نخالف نحن شيئًا من هذا الحديث وإنما خالفنا تأويلكم خاصة؛ لأنكم ادعيتم أنه حجة لسقوط حجة الإِسلام عنه، ونحن أنكرنا ذلك بدلالة أن راوي هذا الحديث الذي هو ابن عباس قد صرف معنى هذا الحديث إلى المعنى الذي صرفنا إليه، وأنتم قد زعمتم أن كل من روى حديثًا فهو أعلم بتأويله، فعلى أصلكم هذا كان يجب ألَّا تخالفوا المعنى الذي صرفه ابن عباس حيث قال: "فإن أدرك فعليه الحج".

стр. 5100

ثم إنه أخرج أثر ابن عباس من طريقين: الأول: عن محمد بن خزيمة، عن عبد الله بن رجاء الغداني البصري شيخ البخاري، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق الهمداني، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن أبي السفر -بفتح السنن المهملة والفاء- واسمه سعيد بن محمد الهمداني الثوري روى له الجماعة إلاَّ النسائي، عن عبد الله بن عباس. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه البيهقى في "سننه" (١): من حديث يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السفر، عن ابن عباس يقول: "أسمعوني ما تقولون وافهموا ما أقول لكم، ألا لا تخرجوا، فتقولوا: قال ابن عباس، أيما غلام حج به أهله فبلغ فعليه الحج، فإن مات فقد قضى حجته وأيما عبد مملوك حج به أهله فعتق فعليه الحج، وإن مات فقد قضى حجه". الثاني: عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن المنهال شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن يونس بن عُبيد بن دينار البصري روى الجماعة، عن عُبيد الحلى [...] (٢). وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي ظيبان، عن ابن عباس قال: "احفظوا عني ولا تقولوا: قال ابن عباس، أيُّما عبد حج به أهله، ثم أعتق فعليه الحج، وأيما صبي حج به أهله صبيًّا ثم أدرك فعليه حجة الرجل، وأيما أعرابي حج أعرابيًّا ثم هاجر فعليه حجة المهاجر".

стр. 5101

وأخرج البيهقي (١): من حديث ابن عيينة، عن مطرف، عن أبي السفر، سمع ابن عباس يقول: "يا أيها الناس اسمعوا مني ما أقول لكم، وأسْمِعُوني ما تقولون، ولا تذهبوا فتقولوا: قال ابن عباس، قال ابن عباس، من طاف بالبيت فليطف من وراء الحِجْر ولا تقولوا: الحطيم فإن الرجل في الجاهلية كان يحلف فيلقي سوطه أو نعله أو قوسه، وأيما صبي حج به أهله فقد قضيت حجته ما دام صغيرًا، فإذا بلغ فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج به أهله فقد قضيت حجته ما دام عبدًا، فإذا عتق فعليه حجة أخرى". وأخرجه البخاري مختصرًا (٢). ص: فإن قال قائل: فما الذي دلك على أن ذلك الحج لا يجزئه من حجة الإِسلام؟ قلت: قول رسول الله ﵇: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصغير حتى يكبر ... ". وقد ذكرت ذلك بأسانيده في غير هذا الموضع من هذا الكتاب، فلما ثبت أن القلم عن الصبي مرفوع، ثبت أن الحج عليه غير مكتوب، وقد أجمعوا أن صبيا لو دخل في وقت صلاة فصلاها، ثم بلغ بعد ذلك في وقتها أن عليه أن يعيدها وهو في حكم من لم يصلها، فلما ثبت ذلك من اتفاقهم ثبت أن الحج كذلك، وأنه إذا بلغ وقد حج قبل ذلك أنه في حكم من لم يحج، وعليه أن يحج بعد ذلك. ش: تقرير السؤال أن يقال: قد ثبت في الحديث أن الصبي له حج، وما الدليل على أن ذلك الحج لا يكفيه عن حجة الإِسلام؟ وتقرير الجواب: أن قوله ﵇: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصغير حتى يكبر ... " الحديث.

стр. 5102

وأخرج في [...] (١) يدل على أن الحج غير واجب عليه؛ لأنه غير مكلف لارتفاع القلم عنه، فإذا كان غير واجب عليه وقد حج حج ما ليس فرض عليه فإذا بلغ وجب عليه حجة الإِسلام عند وجود شرائطه، لتوجه الخطاب عليه. قوله: "وقد أجمعوا أن صييًّا ... إلى آخره" ذكره لأجل القياس عليه، وهو متفق عليه، فيكون حكمه حكم ذاك، والله أعلم. ص: فإن قال قائل: فقد رأينا في الحج حكمًا يخالف حكم الصلاة، وذلك أن الله إنما أوجب الحج على من وجد إليه سبيلًا, ولم يوجبه على غيره، فكان من لم يجد سبيلًا إلى الحج فلا حج عليه كالصبي الذي لم يبلغ، ثم قد أجمعوا أن من لم يجد سبيلًا إلى الحج فحمل على نفسه ومشى حتى حج أن ذلك يجزئه، وان وجد سبيلاً بعد ذلك لم يجب عليه أن يحج ثانية للحجة التي قد كان حجها قبل وجود السبيل، فكان النظر على ذلك أن يكون كذلك الصبي إذا حج قبل البلوغ ففعل ما لم يجب عليه أجزأه ذلك ولم يجب عليه أن يحج ثانية بعد البلوغ. قيل له: إن الذي لا يجد السبيل إنما سقط الفرض عنه لعدم الوصول إلى البيت، فإذا مشى فصار إلى البيت، فقد بلغ البيت وصار من الواجدين السبيل، فوجب الحج عليه لذلك، فلذلك أجزأه حجه لأنه صار بعد بلوغه كمن كان منزله هنالك فعليه الحج، وأما الصبي ففرض الحج غير واجب عليه قبل وصوله لي الييت وبعد وصوله إليه؛ لرفع القلم عنه، فإذا بلغ بعد ذلك فحينئذٍ وجب عليه فرض الحج، فلذلك قلنا: أن ما قد كان من حجه قبل بلوغه لا يجزئه وأن عليه أن يستأنف الحج بعد بلوغه كمن لم يكن حج قبل ذلك، فهذا هو النظر أيضًا في هذا، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: تقرير السؤال أن يقال: قياس الحج على الصلاة في حكم الصبي غير مطرد؛ لأن في الحج حكمًا يخالف حكم الصلاة، وهو أن الحج إنما وجب على واجد

стр. 5103

السبيل فمن لم يجد سبيلًا لا حج عليه كالصبي الغير بالغ، ثم أنه إذا حمل على نفسه وحج يقع ذلك عن حجة الإِسلام، حتى إذا وجد بعد ذلك سبيلًا لا تجب عليه حجة أخرى، فالقياس على ذلك أن يكون حكم الصبي كذلك إذا حج قبل البلوغ الذي ليس عليه، ولا تجب عليه حجة أخرى. وتقرير الجواب أن يقال: إنما سقط الفرض عن الذي لا يجد السبيل لعدم ما يوصله إلى البيت، فإذا تحمل ذلك بالمشي فقد وصل إلى البيت وصار من الواجدين السبيل، فوقع عن فرضه، فلا تجب عليه حجة أخرى، بخلاف الصبي فإن عدم الفرض عليه لارتفاع القلم عنه، وسواء في حقه الوصول إلى البيت وعدمه، فإذا بلغ توجه عليه الخطاب، ووجب عليه الحج ثانيًا والله أعلم. قوله: "وهذا قول أبي حنيفة" أي هذا الذي ذكر من وجوب الحج على الصبي الذي قد حج قبل البلوغ ثم بلغ قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وهو قول إبراهيم النخعي أيضًا والحسن البصري والزهري وطاوس. وأما العبد فقد ذكرنا حكمه عن قريب. وقال أبو عمر: اختلف العلماء في المراهق والعبد يحرمان بالحج ثم يحتلم هذا ويعتق هذا قبل الوقوف بعرفة، فقال مالك وأصحابه: لا سبيل إلى رفض الإِحرام لهذين ولا لأحد، متمسكين بقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١) ومن رفض إحرامه فلم يتم حجه ولا عمرته. وقال أبو حنيفة: جائزٌ للصبي إذا بلغ قبل الوقوف بعرفه أن يجدد إحرامًا، فإن تمادى على إحرامه ذلك لم يجزئه عن حجة الإِسلام. وقال أبو حنيفة: إن وصل العبد مع مولاه مكة فلم يحرم من الميقات ثم أذن له فأحرم من مكة بالحج فعليه الدم إذا عتق لتركه الميقات.

стр. 5104

قال أبو عمر: إنما أوجبوا الدم على العبد في تركه الميقات على مذهبهم لأنه لا يجوز للعبد أن يدخل مكة بغير إحرام وهو والحر في ذلك سواء، وليس الصبي والنصراني كذلك؛ لأنه لا يلزمهما الإِحرام لدخول مكة لسقوط الفرض عن كل واحد منهما، فإذا أسلم الكافر وبلغ الصبي مكة كان حكمهما حكم المكي ولا شيء عليهما في ترك الميقات، وقال مالك في النصراني يسلم عشية عرفة فيحرم بالحج: أجزأه من حجة الإِسلام ولا دم عليه وكذلك العبد يعتق والصبي يبلغ إذا لم يكونا محرمين. وقال الشافعي: إذا أحرم الصبي ثم بلغ قبل الوقوف بعرفة فوقف بها محرمًا أجزأه من حجة الإِسلام، وكذلك العبد ولم يحتج إلى تجديد إحرام واحد منهما، قال: ولو عتق العبد بمزدلفة وبلغ الصبي بها فرجعا إلى عرفة بعد العتق والبلوغ فأدركا الوقوف بها قبل طلوع الفجر أجزأه عنهما من حجة الإِسلام، ولم يكن عليهما دم. ***

стр. 5105

ص: باب: دخول الحرم هل يصلح بغير إحرام ش: أي هذا باب في بيان دخول حرم مكة هل يجوز بغير إحرام؟ وقد ذكرنا مقدار حدود الحرم فيما قبل. ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا معلى بن منصور (ح). وحدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: حدثنا على بن حكيم الأودي (ح). وحدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قالوا: ثنا شريك، عن عمار الدهني، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵁: "أن رسول الله ﵇ دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه عمامة سوداء". حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم (ح). وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قالا: ثنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﵇ مثله. ش: هذه خمسة طرق صحاح: الأول: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن معلى بن منصور الرازي شيخ البخاري في غير الصحيح وأحد أصحاب أبي حنيفة، عن شريك بن عبد الله النخعي، عن عمار بن معاوية الدهني الكوفي روى له الجماعة سوى البخاري، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي عن جابر ﵁. وأخرجه النسائي (١): أنا قتيبة، قال: نا معاوية بن عمار، قال: حدثني أبو الزبير المكي، عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﵇ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام".

стр. 5106

الثاني: عن علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة المصري، عن علي بن حكيم ابن ذبيان الأودي شيخ مسلم، عن شريك بن عبد الله، عن عمار ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (١): ثنا علي بن حكيم الأودي، قال: أنا شريك، عن عمار الدهني، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله: "أن النبي ﵇ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء". الثالث: عن فهد بن سليمان، عن محمد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، عن شريك ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي (٢): من حديث يحيى بن يحيى، عن معاوية بن عمار الدهني، عن أبي الزبير، عن جابر: "أن النبي ﵇ دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء بغير إحرام". وأخرجه مسلم (٣) أيضًا. الرابع: عن فهد أيضًا، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير ... إلى آخره. وأخرجه البزار في "مسنده": نا طالوت بن عباد، ثنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله: "أن النبي ﵇ دخل مكة وعليه عمامة سوداء". الخامس: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٤): من حديث يحيى بن حسان، ثنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر: "أن النبي ﵇ دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء".

стр. 5107

ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه (ح). وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا مالك بن أنس، عن الزهري، عن أنس ﵁: "أن النبي ﵇ دخل مكة وعلى رأسه مغفر، فلما كشف المغفر عن رأسه، قيل: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه". ش: هذان طريقان رجالهما كلهم رجال الصحيح ما خلا إبراهيم بن مرزوق، ويونس هو ابن عبد الأعلى شيخ مسلم، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك. وأخرجه البخاري (١): نا عبد الله بن يوسف، أنا مالك، عن ابن شهاب، عن أنس: "أن رسول الله ﵇ دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاءه رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال اقتلوه". وأخرجه مسلم (٢): نا عبد الله بن مسلمة ويحيى بن يحيى وقتيبة بن سعيد، أما القعنبي فقال: قرأت على مالك بن أنس، وأما قتيبة، فقال: نا مالك، وقال يحيى -واللفظ له-: قلت لمالك: أحدثك ابن شهاب، عن أنس بن مالك: "أن النبي ﵇ دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه مغفر، فلما نزعه جاءه رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه، فقال نعم". وقال أبو عمر: هذا حديث تفرد به مالك، ولا يحفظ عن غيره، ولم يروه عن ابن شهاب سواه من طريق صحيح، وقد روي عن ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، عن أنس، ولا يكاد يصح، وروي من غير هذا الوجه، ولا يثبت أهل العلم فيه إسنادًا غير حديث مالك، ورواه أيضًا أبو أُوَيْس والأوزاعي عن الزهري، وروى محمد بن سليم بن الوليد العسقلاني عن محمد بن أبي السري، عن عبد الرزاق، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أنس: "دخل رسول الله ﵇ يوم الفتح وعليه عمامة سوداء".

стр. 5108

ومحمد بن سليم لم يكن ممن يعتمد عليه، وتابعه على ذلك بهذا الإِسناد الوليد بن مسلم ويحيى الوحاظي، ومع هذا فإنه لا يحفظ عن مالك في هذا [الإِسناد] (١) إلاَّ المغفر، وروى جماعة منهم بشر بن عمر الزهراني ومنصور بن سلمة الخزاعي حديث المغفر فقالا: "مغفر من حديد". ومنصور وبشر ثقتان وتابعهما على ذلك جماعة ليسوا هناك، وكذا رواه أبو عُبيد بن سلام، عن ابن بكير، عن مالك، ورواه روح بن عبادة، عن مالك بإسناده هذا، وفيه زيادة: "وطاف وعليه المغفر". ولم يقله غيره، ورواه عبد الله بن جعفر المديني، عن مالك، عن الزهري، عن أنس، قال: "دخل رسول الله ﵇ يوم الفتح وعل رأسه مغفر، واستلم الحجر بمحجن". وهذا لم يقله عن مالك غير عبد الله بن جعفر، وروى داود بن الزبرقان، عن معمر ومالك جميعًا عن ابن شهاب، عن أنس: "أن رسول الله ﵇ دخل عام الفتح مكة في رمضان وليس بصائم". وهذا اللفظ ليس بمحفوظ بهذا الإِسناد لمالك إلاَّ من هذا الوجه، وقد روى سويد بن سعيد، عن مالك، عن ابن شهاب عن أنس: "أن رسول الله ﵇ دخل مكة عام الفتح غير محرم". وتابعه على ذلك عن مالك إبراهيم بن علي المغربي وهذا لا يعرف هكذا إلاَّ بهما وإنما هو في الموطأ عند جماعة الرواة من قول ابن شهاب لم يرفعه إلى أنس. قوله: "مغفر" بكسر الميم، قال أبو عمر: المغفر ما غطى الرأس من السلاح كالبيضة وشبهها، من حديد كان ذلك أو غيره. وقال في "الدستور": المغفر ما غطى الرأس من السلاح كالبيضة والخوذة. وقال ابن سيده: المغفر والمغفرة والغفارة زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس يلبس مثل

стр. 5109

القلنسوة، وقيل: هو رفرف البيضة، وقيل: هو حلق يتقنع به المتسلح، وقال ابن الأثير: المغفر هو ما يلبسه الدراع على رأسه من الزرد ونحوه، وفي "المطالع" المغفر ما يجعل من فضل درع الحديد على الرأس مثل القلنسوة أو الخمار. قلت: اشتقاقه من الغَفْر وهو التغطية، سمي به لأنه يغطي الرأس ويمنعها من وصول شيء إليها. فإن قيل: بين الروايتين تعارض، وما التوفيق بينهما؟ قلت: قال أبو عمر: ليس عندي هذا بمعارض؛ فإنه يمكن أن يكون على رأسه عمامة سوداء وعليها المغفر، فلا يتعارض الحديثان، وذكر أبو العباس أحمد بن طاهر الداني في كتابه "أطراف الموطأ": ولعل المغفر كان تحت العمامة. وقال القرطبي: قد يكون نزع المغفر عند انقياد أهل مكة، ولبس العمامة بعده، ومما يؤيد هذا خطبته وعليه العمامة، لأن الخطبة إنما كانت عند باب الكعبة بعد تمام الفتح، وقال الحاكم في "الإِكليل": اختلفت الروايات في لبس النبي ﵇ العمامة أو المغفر يوم الفتح، ولم يختلفوا أنه دخلها وهو حلال، قال: وقال بعض الناس: العمامة كالمغفر على الرأس، ويؤيد ذلك حديث جابر، وهذا فيه نظر؛ فإن رواية بشر بن عمر الزهراني ومنصور بن سلمة الخزاعي: "وعلى رأسه مغفر من حديد". تدل على أن المغفر غير العمامة، قال الحاكم: حديث أنس مجمع على صحته، وهو أثبت من حديث جابر الذي فيه العمامة السوداء، فهو وإن صححه مسلم وحده، ولكنه عن أبي الزبير عن جابر، فقد قال عمرو بن دينار، أبو الزبير يحتاج إلى دعامة. قلت: الحديثان صحيحان، ولا تعارض بينهما، فإن النبي ﵇ دخلها وعلى رأسه المغفر، وعلى المغفر عمامة سوداء، وهذا لا يشك فيه، والله أعلم. قوله: "قيل: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة" واسم ابن خطل هلال بق خطل، وقيل: عبد الله بن خطل، قال أبو عمر: وقيل: اسمه

стр. 5110

عبد العزى، وقيل: إن هلالًا أخوه، ويقال لهما الخطلان، وقيل: غالب بن عبد الله بن عبد مناف ويقال: اسمه هلال وخطل لقب جده عبد مناف، وقال الزبير بن بكَّار: اسمه هلال بن عبد الله بن عبد المناف بن أسعد بن جابر بن كثير بن تميم بن غالب ابن فهر، قال: وعبد الله هو الذي يقال له: الخطل ولأخيه عبد العزى بن عبد مناف أيضًا، هما جميعًا الخطلان، وهما من بني تيم الأدرم، وقيل له ذلك لأن أحد لحييه كان أنقص من الآخر، وقال ابن قتيبة: وبنو تيم الأدرم من أعراب قريش وليس بمكة منهم أحد وكان يقال الابن خطل ذا القلبين، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ﴾ (١) وكان الذي قتله أبو برزة نضلة بن عُبيد الأسلمي، وقيل: سعيد بن حريث المخزومي، وقيل: الزبير بن العوام، قال أبو عمر: وذكر أنه استبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر فسبق سعيد عمارًا، فقتل بين المقام وزمزم، وقال أبو عمر: أما قتل عبد الله بن خطل فلأنه ارتد بعد إسلامه وكفر بعد إيمانه وبعد قراءته القرآن، وقتل النفس التي حرمها الله، ثم لحق بدار الكفر واتخذ قينتين تغنيان بهجاء رسول الله ﵇، فعهد فيه رسول الله ﵇ بما عهد وفي ستة نفر معه قد ذكرهم ابن إسحاق وغيره، وامرأتين فيما قال ابن إسحاق، وقال الواقدي أربع نسوة. قلت: النفس التي قتلها هو رجل من الأنصار، وكان ﵇ لما أسلم ابن خطل بعثه متصدقًا وبعث معه هذا الأنصاري، وأمر عليه الأنصاري، فلما كان ببعض الطريق وثب على الأنصاري فقتله وذهب بماله. وعن ابن إسحاق: كان له مولى يخدمه وكان المولى أيضًا مسلمًا، فنزل ابن خطل منزلاً وأمر المولى أن يذبح له تيسًا ويصنع له طعامًا، وقام فاستيقظ ولم يصنع له شيئًا فعدا عليه فقتله ثم ارتد مشتركًا.

стр. 5111

ويستفاد منه أحكام: فيه دخول مكة بلا إحرام وبالسلاح، وهو منسوخ على ما يأتي بيانه إن شاء الله وأن الكعبة لا تعيذ عاصيًا ولا تمنع من إقامة حد واجب، وإليه ذهب مالك والشافعي وأبو يوسف، قاله البيهقي. قلت: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (١) ومتى تُعرض إلى من التجأ به يكون سلب الأمن عنه، وهذا لا يجوز، حتى إن من وجب عليه قصاص أو حدٌّ إذا هرب ودخل الحرم لم يقبض في الحرم من النفس عندنا، ويقام عليه فيما دون النفس مما سوى ذلك حتى يخرج من الحرم، وقتل ابن خطل في مكة إنما كان في الوقت الذي أحلت له ﵇ فيه ومذهب زفر: أنه إذا قتل في الحرم أو زنى فيه يقتل ويرجم، وعن أبي يوسف: يخرج من الحرم ويقتل، وكذا في الرجم واختلفوا في تغليظ الدية على من قَتَل في الحرم، فأكثرهم على أنه في الحل والحرم سواء، وعن سالم مَنْ قَتَل خَطَأً في الحرم زيد عليه في الدية ثلث الدية، وهو قول عثمان بن عفان ﵁، وخالفه في ذلك عليّ بن أبي طالب ﵁ وبه استدل جماعة من المالكيين على جواز قتل من سب النبي ﵇ وأنه يقتل ولا يستتاب. وقال أبو عمر: وقد زعم بعض أصحابنا المتأخرين أن رسول الله ﵇ إنما قتل ابن خطل لأنه كان يسبه، والذي ذكر ابن إسحاق في "المغازي" غير هذا، ولو كانت العلة ما ذكر هذا القائل ما ترك من كان يسبه، وما أظن أحدًا منهم امتنع في حين كفره ومحاربته من سبه، وجعل القائل هذا حجة لقتل الذمي إذا سب رسول الله ﵇ وهذا لا يجوز عند أحد من العلماء أن يقيس الذمي على الحربي؛ لأن ابن خطل كان في دار حرب ولا ذمة له، وقد حكم الله في الحربي إذا قدر عليه بتخيير الإِمام إن شاء قتله، وإن شاء مَنَّ عليه، وإن شاء افتدى به؛ فلهذا قتل رسول الله ﵇ ابن خطل وغيره، فمن أراد منهم قتله على أن

стр. 5112

ابن خطل كان قتل رجلاً من الأنصار مسلمًا ثم ارتد وهذا يبيح دمه عند الجميع. واختلف الفقهاء في الذمي يسب رسول الله ﵇، فقال مالك: من سب النبي ﵇[من أهل الذمة] (١) قتُل إلاَّ أن يسلم. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: يعزَّر ولا يقتل، وقال الليث: يقتل مكانه، وقال الشافعي: يؤخذ على [من صولح من] (١) الكفار متى ما ذكر أحدهم كتاب الله أو محمدًا ﵇ بما لا ينبغي فقد أحل دمه. وقال الطحاوي: فهذا يدل على أنه إن لم يشرط ذلك عليه لم يستحل دمه، قال أبو عمر: والقول عندي في هذا قول مالك والليث. قلت: وإلى هذا أذهب وأختار هذا المذهب في هذه المسألة. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أنه لا بأس بدخول الحرم بغير إحرام، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الزهري والحسن البصري والشافعي -في قول- ومالكًا -في رواية عبد الله بن وهب عنه- وداود بن علي وأصحابه من الظاهرية؛ فإنهم قالوا: لا بأس بدخول الحرم بغير إحرام، واستدلوا على ذلك بهذه الأحاديث، وإلى هذا ذهب البخاري أيضًا؛ قاله عياض. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يصلح لأحد كان منزله من وراء الميقات إلى الأمصار أن يدخل مكة إلاَّ بإحرام. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عطاء بن أبي رباح والليث بن سعد والثوري وأبا حنيفة وأصحابه ومالكًا -في رواية وهي قوله الصحيح- والشافعي -في المشهور عنه- وأحمد وأبا ثور والحسن بن حي ﵏ فإنهم قالوا: لا يصلح لأحد كان منزله من وراء الميقات إلى الأمصار أن يدخل

стр. 5113

مكة إلاَّ بإحرام، فإن لم يفعل أساء، ولا شيء عليه عند الشافعي وأبي ثور، وعند الثوري وأبي حنيفة عليه حجة أو عمرة، وقال أبو عمر: لا أعلم خلافًا بين فقهاء الأمصار في الحطابين ومن يدمن الاختلاف إلى مكة ويكثره في اليوم والليلة أنهم لا يؤمرون بذلك؛ لما عليهم فيه من المشقة، وقال ابن وهب عن مالك: لست آخذ بقول ابن شهاب في دخول الإِنسان مكة بغير إحرام، وقال: إنما يكون ذلك على مثل ما عمل عبد الله بن عمر من القرب، إلاَّ رجلاً يأتي بالفاكهة من الطائف، أو ينقل الحطب يبيعه، فلا أرى بذلك بأسًا، قيل له: فرجوع ابن عمر من قديد إلى مكة بغير إحرام؟ فقال: ذلك أنه جاءه خبر من جيوش المدينة. ص: واختلف هؤلاء فقال بعضهم: وكذلك الناس جميعًا من كان بعد الميقات وقبل الميقات غير أهل مكة خاصة. وقال آخرون: من كان منزله في بعض المواقيت أو فيما بعدها إلى مكة فله أن يدخل مكة بغير إحرام، ومن كان منزله قبل المواقيت لم يدخل مكة إلاَّ بإحرام، وممن قال هذا القول: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏. وقال آخرون: أهل المواقيت حكمهم حكم من كان قبل المواقيت، وجعل أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏ حكم أهل المواقيت كحكم من كان من ورائهم إلى مكة، وليس النظر في هذا عندنا ما قالوا؛ لأنا رأينا من يريد الإِحرام إذا جاوز الميقات حلالاً حين فرغ من حجته ولم يرجع إلى المواقيت كان عليه دم، ومن أحرم من المواقيت كان محسنًا، فكذلك من أحرم قبلها كان كذلك أيضًا، فلما كان الإِحرام من المواقيت في حكم الإِحرام مما قبله لا في حكم الإِحرام مما بعدها؛ ثبت أن حكم المواقيت كحكم ما قبلها لا كحكم ما بعدها؛ فلا يجوز لأهلها من دخول الحرم إلاَّ ما يجوز لأهل الأمصار التي قبل المواقيت فانتفى بهذا ما قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد في حكم [أهل] (١) المواقيت.

стр. 5114

ش: أي اختلف الآخرون فيما بينهم أيضًا، فقال بعضهم وهم عطاء بن أبي رباح والليث بن سعد وإبراهيم النخعي وطاوس وكذلك الناس جميعًا: لا يدخلون مكة بغير إحرام، سواء كان ممن كان بعد الميقات أو قبل الميقات إلاَّ أهل مكة خاصة. "وقال آخرون" أي جماعة آخرون، وهم الحسن بن حي والثوري والأوزاعي، من كان منزله في بعض المواقيت -مثلًا كان منزله في ذي الحليفة أو في الجحفة- أو كان فيما بعدها أي بعد المواقيت إلى مكة؛ فله أن يدخل مكة بغير إحرام، ومن كان منزله قبل المواقيت لا يدخلها إلاَّ بإحرام، وممن قال بهذا القول: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏. "وقال آخرون" أي جماعة آخرون، وهم أحمد وأبو ثور والشافعي -في قول-: إن حكم أهل المواقيت كحكم من كان قبل المواقيت، يعني لا يدخلها إلاَّ بإحرام، وإليه ذهب الطحاوي واختاره، على ما يدل عليه كلامه. قوله: "وليس النظر في هذا عندنا ما قالوا" أي ليس وجه النظر والقياس في هذا ما قاله أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، وجه النظر: أن من أراد الإِحرام إذا جاوز الميقات من غير إحرام حتى دخل مكة وحج وفرغ من حجته ولم يرجع إلى المواقيت كان عليه دم، ولو كان أحرم من المواقيت كان محسنًا، فكذلك من أحرم من قبل المواقيت كان كذلك أيضًا، فإذا كان الإِحرام من المواقيت في حكم الإِحرام مما قبل المواقيت لا في حكم الإِحرام مما بعد المواقيت؛ ثبت بذلك أن حكم المواقيت كحكم ما قبلها لا كحكم ما بعدها، فحينئذٍ لا يجوز لأحد من أهلها دخول الحرم إلاَّ بالإِحرام، فانتفى بذلك ما قاله أبو حنيفة وصاحباه في حكم المواقيت؛ فافهم. واعلم أنهم اختلفوا فيمن جاوز الميقات وهو يريد الحج أو العمرة، فقال مالك وابن المبارك وأبو حنيفة: عليه دم ولا ينفعه رجوعه إلى الميقات، وقال الشافعي والأوزاعي: إن رجع إلى الميقات سقط عنه الدم، لبى أو لم يلب، وروي عن أبي حنيفة: إن رجع فلبى سقط عنه الدم، وإن لم يلب لم يسقط عنه

стр. 5115

الدم، وقال عطاء والنخعي: لا شيء على من ترك الميقات، وقال سعيد بن جبير: إن ترك الرجوع إلى الميقات حتى قضى حجة فلا حج له، وقال الحسن البصري: إن لم يرجع إلى الميقات حتى تم حجه رجع إلى الميقات فأهل بعمرة. وهذه الأقوال الثلاثة شاذة ضعيفة لا أصل لها في أثر ولا نظر، وفي "شرح الموطأ" للإِشبيلي: اتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة والثوري وأبو ثور على أن من مر بالميقات لا يريد حجًّا ولا عمرة ثم بدا له أن يحرم أحرم من حيث بدا له ولا يرجع إلى الميقات ولا شيء عليه، وقال أحمد وإسحاق: يرجع إلى الميقات ويحرم منه. واختلف في العبد يجاوز الميقات من غير نية الإِحرام ثم يحرم، فقال مالك والثوري والأوزاعي: لا شيء عليه، قال مالك: وكذلك الصبي يجاوزه ثم يحتلم فيحرم، وقال الشافعي مرة: عليه دم، وقال أبو حنيفة: عليه دم لتركه الميقات أذن له السيد أو عتق، وقال الشافعي في الكافر يجاوز الميقات ثم يسلم: لا شيء عليه، وقال مرة: عليه الدم. ص: واحتجنا إلى النظر في الأخبار هل فيها ما يدفع دخول الحرم بغير إحرام؟ وهل فيها ما ينبئ عن معنى في هذين الحديثين المتقدمين يجب بذلك المعنى أن ذلك الدخول الذي كان من النبي ﵇ بغير إحرام خاص له. فاعتبرنا في ذلك، فإذا ابن أبي داود قد حدثنا، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله ﵇: "إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض والشمس والقمر، ووضعها بين هذين الأخشبين، لم تحل لأحد قبلي، ولم تحل لي إلاَّ ساعة من نهار، لا يختلى خلاها, ولا يعضد شجرها, ولا يرفع لقطتها إلاَّ منشد، فقال العباس: إلاَّ الأذخر، فإنه لا غنى لأهل مكة عنه لبيوتهم وقبورهم، فقال رسول الله ﵇ إلاَّ الأذخر".
следующие страницы →