← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

الثقات، ولئن سلمنا ما ذكره البيهقي وغيره، ولكن هؤلاء لا يساوون الذي رووه عن ابن عباس: أنه ﵇ تزوجها وهو محرم؛ لأن الذين رووه عن ابن عباس أهل علم وثبت وضبط وإتقان، وهم: سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وطاوس بن كيسان ومجاهد بن جبر وعكرمة مولى ابن عباس وجابر بن زيد أبو الشعثاء، فهؤلاء أئمة أجلاء أثبات وحجج يحتج بروايتهم، ويقتدي بآرائهم، وكذلك الذين رووا عنهم ونقلوا: منهم عمرو بن دينار وأيوب السختياني وعبد الله بن أبي نجيح يسار المكي، أئمة ثقات أثبات يحتج برواياتهم فلا يشك أحد ممن له بصيرة وتمييز بين الرجال أن هؤلاء لا يساويهم رواة الأحاديث التي فيها أنه ﵇ تزوج ميمونة وهو حلال، ولا يدانيهم ولا يقرب منهم، ومع هذا فحديث ابن عباس قد وافقه حديث عائشة وشيَّده وعضده برواة هم أئمة ثقات أجلاء لم يطعن فيهم أحد كأبي عوانة الوضاح الذي روى عن مغيرة بن مقسم، الذي يروي عن أبي الضحى مسلم بن صبيح، الذي يروي عن مسروق بن الأجدع، عن عائشة ﵂. وأما حديث عثمان بن عفان ﵁ فإن الذي رواه نبيه بن وهب، وليس هو كعمرو بن دينار ولا جابر بن زيد، ولا يداني واحدًا منهما ولا يقرب، ولا له موضع في العلم كموضع أحد منهم، وقال ابن العربي: ضعف البخاري حديث عثمان وصحح رواية ابن عباس. فهذا البخاري لو علم أن رواة حديث عثمان مساوون لرواة حديث ابن عباس لصحح كلا الحديثين، ولئن سلمنا أنهم متساوون فنقول: معنى قوله: لا ينكح المحرم: لا يطأ وهو محمول على الوطئ، والكراهة لكونه سببًا للوقوع في الرفث، لا إن عقده لنفسه أو لغيره بأمره ممتنع، ولهذا قرنه بالخطبة، ولا خلاف في جوازها وإن كانت مكروهة، فكذا النكاح والإِنكاح، وصار كالبيع وقت النداء. فإن قيل: اجتمع ها هنا نصَّان: أحدهما: مثبِت والآخر نافي؛ لأن قول من قال: تزوج ميمونة وهو حلال مثبت؛ لأن معناه أي خارج عن الإِحرام بعد دخوله فيه،

стр. 5182

وهذا مثبت, لأنه يثبت أمرًا عارضًا على الإِحرام، وقول من قال: إنه تزوجها وهو محرم نافي؛ لأنه ينفي الأمر العارض وهو الحل، فكان ينبغي أن يكون المثبت أولى لأنه أقرب إلى الصدق من النافي، ولهذا قبلت الشهادة على الإِثبات دون النفي، وهذا اختيار أبي الحسن الكوفي أيضًا. قلت: اتفقت الروايات على أن النكاح لم يكن في الحل الأصلي، وإنما الاختلاف في أنه كان في الحل المعترض على الإِحرام أو كان في الإِحرام؟ وأخذ أصحابنا في هذه الصورة بالنافي وهو أنه لم يكن في الحل الأصلي، وإنما اختاروا هذا وإن كانوا يأخذون في بعض المواضع بالمثبت، واختلاف أصحابنا في هذا يرجع إلى أصل، وهو أن النفي لا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يكون من جنس ما يعرف بدليله بأن يكون مبناه على دليل، أو من جنس ما لا يعرف بدليله بأن يكون مبناه على الاستصحاب دون الدليل، أو احتمل الوجهان، فإن كان الأول فهو مساوٍ للمثبت وتتحقق المعارضة بينهما ويعمل بالراجح منهما، وإن كان الثاثي فالأخذ بالمثبت أولى؛ لأن ما لا دليل عليه لا يعارض ما ثبت بالدليل، وإن كان الثالث يستقصى وينظر في ذلك النفي؛ فإن تبين أنه مما يعرف بالدليل يكون كالإِثبات فيتعارضان فيطلب الترجيح، وإن تبين أنه بناء على الاستصحاب فالإِثبات أولى كالقسم الثاني، ثم النفي في حديث ميمونة مما يعرف بدليله، وهو هيئة المحرم، فإن الإِحرام حالة مخصوصة يدرك عيانًا من لبس ما ليس بمخيط، وكشف الرأس، فيكون كالإِثبات فيقع بينهما المعارضة فيطلب الترجيح، فرجحناه بحال الراوي؛ لأنه تعذر الترجيح من نفس الحجة، فأخذنا برواية ابن عباس؛ لأنه روى القصة على وجهها وذلك دليل إتقانه، فكان الأخذ بروايته أولى؛ لأن راوي المثبت وهو يزيد بن الأصم لا يعادل ابن عباس في الضبط والإِتقان والتفقه التي هي من أسباب ترجيح الرواية, ولهذا أنكر عمرو بن دينار حديثه وقال للزهري: وما يدري يزيد بن الأصم؛ أعرابي بوال على عقبيه، أتجعله مثل ابن عباس؟! فسكت الزهري ولم ينكر عليه. فافهم.

стр. 5183

ص: وأما النظر في ذلك: فإن المحرم حرام عليه جماع النساء، فاحتمل أن يكون عقد نكاحهن كذلك، فنظرنا في ذلك فوجدناهم قد أجمعوا أنه لا بأس على المحرم بان يبتاع جارية ولكن لا يطأها حتى يحل، ولا بأس بأن يشتري طيبًا يتطيب به بعد ما يحل، ولا بأس بأن يشتري قميصًا ليلبسه بعدما يحل، وذلك الجماع والتطيب واللباس حرام عليه كله وهو محرم، فلم تكن حرمة ذلك عليه تمنعه عقد الملك عليه، ورأينا المحرم لا يشتري صيدًا، فاحتمل أن يكون حكم عقد النكاح كحكم عقد شراء الصيد، أو كحكم شراء ما وصفنا مما سوى ذلك؛ فنظرنا في ذلك فإذا من أحرم وفي يداه صيد أمر أن يطلقه، ومن أحرم وعليه قميص أو في يده طيب أمر أن يطرحه عنه ويرفعه، ولم يكن ذلك كالصيد الذي يؤمر بتخليته وترك حبسه، ورأيناه إذا أحرم ومعه امرأة لم يؤمر بإطلاقها بل يؤمر بحفظها وصونها، فكانت المرأة في ذلك كاللباس والطيب لا كالصيد، فالنظر على ذلك أن يكون في استقبال عقد النكاح عليها في حكم استقبال عقد الملك على الثياب والطيب الذي يحل له لبس ذلك واستعماله بعد الخروج من الإِحرام. ش: أي وأما وجه النظر والقياس في نكاح المحرم وإنكاحه: فإن المحرم حرام عليه ... إلى آخره ظاهر غني عن زيادة البيان، ولكن ملخصه: أن المحرم ممنوع من شراء الصيد وغير ممنوع من شراء الجارية والطيب والقميص مثلًا, ولكن لا يحل استعمالها في الوطئ والتطيب واللبس إلا بعد الخروج من الإِحرام، وعقد النكاح يحتمل أن يكون كالنوع الأول ويحتمل أن يكون كالنوع الثاني، فاعتبرنا ذلك فرأينا من أحرم وفي يده صيد يؤمر بإطلاقه، ومن أحرم ومعه قميص أو طيب يؤمر بطرحه، ومن أحرم ومعه امرأة لا يؤمر بإطلاقها، فكان حكمها كحكم القميص والطيب لا كحكم الصيد، فالقياس على ذلك يقتضي حكمها أن يكون في استقبال العقد عليها كحكم استقبال العقد على الثياب والطيب الذي يحل استعماله بعد الخروج من الإِحرام.

стр. 5184

ص: فقال قائل: فقد رأينا من تزوج أخته من الرضاعة كان نكاحه باطلاً, ولو اشتراها كان شراؤه جائزًا، فكان الشراء يجوز أن يعقد على ما لا يحل وطؤه والنكاح لا يجوز أن يعقد إلا على من يحل وطؤه، وكانت المرأة حرامًا على المحرم جماعها فالنظر على ذلك أن يحرم عليه نكاحها. فكان من الحجة للآخرين عليهم في ذلك: أنا رأينا الصائم والمعتكف حرام على واحد منهما الجماع، وكل قد أجمع أن حرمة الجماع عليهما لا يمنعهما من عقد النكاح لأنفسهما إذ كان ما حرم الجماع عليهما من ذلك إنما هو حرمة دين، كحرمة حيض المرأة الذي لا يمنعها من عقد النكاح على نفسها، فحرمة الإِحرام في النظر أيضًا كذلك، وقد رأينا الرضاع الذي لا يجوز تزويج المرأة لمكانه إذا طرأ على النكاح فسخ النكاح، فكذلك لا يجوز استقبال النكاح عليه، وكان الإِحرام إذا طرأ على النكاح لم يفسخه فالنظر على ذلك أيضًا أن يكون لا يمنع استقبال عقد النكاح، وحرمة الجماع بالإِحرام كحرمته بالصيام سواء، فإذا كانت حرمة الصيام لا تمنع عقد النكاح، فكذلك حرمة الإِحرام لا تمنع عقد النكاح فهذا هو النظر في هذا الباب، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: هذا اعتراض من جهة أهل المقالة الأولى بيانه: أن يقال: قياس عقد النكاح للمحرم مع حرمة الوطئ حالة الإِحرام على عقد الملك على الثياب والطيب مع حرمة استعمالهما حالة الإِحرام غير صحيح؛ لأنه لا يلزم جواز شراء ما لا يحل استعماله جواز عقد النكاح على ما لا يحل، ألا ترى أنه يجوز للرجل شراء أخته من الرضاع ولا يجوز عقده النكاح عليها؟ فكذلك المحرم لما كان جماع المرأة عليه حرامًا فكذلك يكون عقده عليها حرامًا قياسًا عليه، وأجاب عن ذلك بقوله: "فكان من الحجة للآخرين عليهم"، أي على أهل المقالة الأولى. "في ذلك" أي فيما أوردوه من الاعتراض، وأراد بالحجة، الجواب وهو ظاهر. قوله: "وكلٌ" أي كل طائفة من الفريقين قد أجمعوا إلى آخره.

стр. 5185

قوله: "إذا كان" أي حين كان. ص: وقد حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا جرير بن حازم، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم: "أن ابن مسعود ﵁ كان لا يرى بأسًا أن يتزوج المحرم". حدثنا محمد، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن حبيب المعلم وقيس وعبد الكريم، عن عطاء: "أن ابن عباس كان لا يرى بأسًا أن يتزوج المحرمان". حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا أحمد بن صالح، قال: ثنا ابن أبي فديك، قال: حدثني عبد الله بن محمد بن أبي بكر، قال: "سألت أنس بن مالك عن نكاح المحرم فقال وما بأس به؟ هل هو إلا كالبيع". ش: أخرج هذه الآثار عن هؤلاء الثلاثة من الصحابة ﵃ وهم عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك ﵃ تأكيدًا لما روى من الأحاديث المرفوعة عن ابن عباس وعائشة وأبي هريرة في جواز نكاح المحرم، وتأييدًا لما قاله من وجه النظر والقياس. أما أثر ابن مسعود فأخرجه بإسناد رجاله ثقات ولكنه مرسل؛ لأن إبراهيم لم يسمع من ابن مسعود، وقال عباس: سمعت يحيى يقول: مراسيل إبراهيم أحب إليّ من مراسيل الشعبي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا وكيع، عن جرير بن حازم، عن الأعمش، عن عبد الله: "أنه لم يكن يرى بتزويج المحرم بأسًا". وأما أثر ابن عباس، فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح، وحجاج هو ابن المنهال، وحماد هو ابن سلمة، وحبيب هو ابن أبي قريبة البصري المعلم روى له مسلم وأبو داود والترمذي (٢)، وقيس هو ابن سعد المكي، قال أحمد وأبو زرعة: ثقة.

стр. 5186

روى له مسلم ومن الأربعة غير الترمذي، وعبد الكريم هو ابن مالك الجزري أبو سعيد الحراني، روى له الجماعة. وأخرج بن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا عائذ بن حبيب وعبد الوهاب بن عطاء عن سعيد، عن قتادة ويعلى بن حكيم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "لا بأس به، يعني المحرم يتزوج". وأما أثر أنس بن مالك فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح، عن روح بن الفرج القطان المصري، عن أحمد بن صالح المصري المعروف بابن الطبري أحد الحفاظ المبرزين وشيخ البخاري وأبي داود، عن محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك دينار المدني روى له الجماعة، عن عبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق المعروف بابن أبي عتيق، قال العجلي: مدني تابعي ثقة، روى له البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه. فهذا كما رأيت قد روى جواز نكاح المحرم عن جماعة من الصحابة، وهم: عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وأنس بن مالك وأبو هريرة وعائشة، وقد ذكر ابن حزم معاذًا أيضًا، فصاروا ستة أنفس من كبار الصحابة وفقهائهم، وقال ابن حزم: أجاز ذلك طائفة، وصح عن ابن عباس، وروي عن ابن مسعود ومعاذ، وبه قال عطاء والقاسم بن محمد وعكرمة والنخعي وأبو حنيفة وسفيان ﵃. ...

стр. 5187

ص: كتاب النكاح ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام النكاح وأنواعه، ولما فرغ عن العبادات الأربعة: الصلاة والزكاة والصوم والحج، التي تعني أركان الإِسلام وأسس الدين؛ شرع في بيان النكاح الذي هو أيضًا من جملة العبادات، ولما كان مشتملًا على مصالح دنياوية أيضًا أخره عن العبادات المحضة، وقدمه على غيره لشدة اتصاله بالعبادات المحضة بخلاف غيره، ثم للنكاح تفسير لغة وشرعًا، وركن وشرط، وحُكم وحِكَم. أما تفسيره لغة: فهو الجمع، يقال: أنكحنا الفَرَا فسنرى، أي جمعنا بين الحمار الوحشي وبين أنثاه، سننظر ما يحدث بينهما، قال الجوهري: النكاح: الوطء، وقد يكون العقد، تقول: نكحتها، ونكحت هي: أي تزوجت، وقال الأزهري: أصل النكاح في كلام العرب: الوطء. وقيل للتزويج: نكاح؛ لأنه سبب الوطء. وقال الزجاجي: هو في كلام العرب بمعنى الوطء والعقد جميعًا، وفي "المعرب": وقولهم النكاح: الضم مجاز، وفي "المغيث": النكاح التزويج، وقال القرطبي: اشتهر إطلاقه على العقد. وحقيقته عند الفقهاء على ثلاثة أوجه، حكاها القاضي حسين: أصحها: أنه حقيقة في العقد مجاز في الوطء وهذا هو الذي صححه أبو الطيب وبه قطع المتولي وغيره. الثاني: أنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد، وبه قال أبو حنيفة. والثالث: أنه حقيقة فيهما بالاشتراك. وأما تفسيره شرعًا: فهو عقد يوجب حل البضع قصدًا. وأما ركنه: فهو الإِيجاب والقبول.

стр. 5188

وأما شرطه: فهو الرضا، وحضور الشاهدين، وحل المحل، وثبوت المال. وأما حكمه: فهو ثبوت الحل. وأما حِكمه: فكثيرة: منها تكثير عباد الله وأمة رسوله ﵇، ومنها: صيانة النفس عن الزنا المفضي إلى العذاب في الدنيا والآخرة، ومنها: حصول الولد الصالح ينفع في الدنيا والآخرة، ومنها: الأنس والتسكين والتحصين، ومنها: تفريغ القلب عن مصابرة الشهوة، وتدبير المنزل وما يحتاج إليه فيه من الخدمة وغيرها. ***

стр. 5189

ص: باب: بيان ما نهى عنه من سوم الرجل على سوم أخيه وخطبته على خطبة أخيه ش: أي هذا باب في بيان ما جاء في النهي عن سوم الرجل على سوم أخيه، والمساومة هي المجاذبة بين البائع والمشتري، وفصل ثمنها، يقال: سام يسوم سومًا وساوم واستام، والمنهي عنه أن يتساوم المتبايعان في السلعة ويتقارب الانعقاد، فيجيء رجل آخر يريد أن يشتري تلك السلعة ويخرجها من يد المشتري الأول بزيادة على ما استقر الأمر عليه بين المستاومين ورضيانه قبل الانعقاد، فذلك ممنوع عند المقاربة، لما فيه من الإِفساد، ومباح في أول العرض والمساومة. و"الخِطْبة" بكسر الخاء، والنهي في ذلك أن يخطب الرجل المرأة فتركن إليه ويتفقا على صداق معلوم ويتراضيا ولم يبق إلا العقد، فأما إذا لم يتفقا ويتراضيا ولم يركن أحدهما إلى الآخر فلا يمنع من خطبتها، وهو خارج عن النهي. ص: حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا مسدد بن مسرهد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر، قال: حدثني نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﵇ قال: "لا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﵇ نحوه. ش: هذان طريقان صحيحان، ورجالهما كلهم رجال الصحيح ما خلا إبراهيم. وأخرجه مسلم (١): حدثني زهير بن حرب وابن مثنى، جميعًا عن يحيى القطان -قال زهير: نا يحيى- عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ قال: "لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه إلا أن يأذن له".

стр. 5190

وأبو داود (١): ثنا الحسن بن علي، قال: ثنا عبد الله بن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵇: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه، ولا يبع على بيع أخيه إلا بإذنه". قوله: "لا يبيع الرجل" على صورة النفي، وفي رواية مسلم وأبي داود "لا يبع" على صورة النهي، ثم قيل معناه: لا يشتري، وأما بيعه سلعته على بيع أخيه فغير منهي عنه، قال عياض: والأولى أن يكون على ظاهره، وهو أن يعرض سلعته على المشتري برخص ليذهده في شراء تلك التي ركن إليها أولاً من عند الآخر، فيشتمل عليه النهي، ويكون على ظاهره، قيل في معنى هذا الكلام قولان: أحدهما: إذا كان المتعاقدان في مجلس العقد فطلب طالب السلعة بأكثر من الثمن ليرغب البائع في فسخ العقد، وهو محرم؛ لأنه إضرار بالغير، ولكنه منعقد؛ لأن نفس البيع غير مقصود بالنهي فإنه لا خلل فيه. الثاني: أن يرغب المشتري في الفسخ بعرض سلعة أجود منها بمثل ثمنها أو مثلها بدون ذلك الثمن، فإنه مثل الأول في النهي، وسواء كان المتعاقدان تعاقدا على البيع أو تساوما وقاربا الانعقاد ولم يبق إلا العقد، فعلى الأول يكون البيع بمعنى الشراء، تقول: ابتعت الشيء بمعنى اشتريته، وكذلك بعت الشيء يكون بمعنى اشتريته، وهو اختيار أبي عبيد في قوله ﵇: "لا يبع أحدكم على بيع أخيه"، وعلى الثاني يكون البيع على ظاهره. قوله: "ولا يخطبُ" بضم الباء لأنه عطف على "لا يبيع" المنفي، وأما في رواية مسلم وأبي داود فينبغي أن يكون مجزومًا؛ لأنه عطف على المجزوم، والمعنى فيه: أن الخاطب إذا ركن إليه وقرب أمره ومالت النفوس بعضها إلى بعض في ذلك، وذكر الصداق ونحو ذلك لم تجز حينئذ الخطبة لأحد على رجل قد تناهت حاله وبلغت ما وصفنا, ولم يختلف العلماء في أنه إذا لم يكن ركون ولا رضيً أن النكاح جائز،

стр. 5191

واختلفوا إذا وقع النكاح مع الثاني بعد الركون إلى الأول والرضا به، فقال مالك: يفسخ على كل حال، وبه قال داود، وروي عنه أنه قال: لا يفسخ أصلاً، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وبه قال الشافعي، وقال ابن القاسم: إذا تزوج الرجل المرأة بعد أن ركنت إلى غيره فدخل بها، فإنه يتحلل الذي خطب عليه، ويعرفه بما صنع، فإن حلله وإلا فليستغفر الله من ذلك وليس يلزمه طلاقها، وقد أثم فيما فعل. وقال ابن وهب: إن لم يجعله الأول في حل مما صنع فليطلقها، فإن رغب الأول فيها وتزوجها فقد برئ هذا من الإثم، وإن كره تزويجها فليراجعها الذي فارقها بنكاح جديد، وليس يقضى عليه بالفراق. وقال ابن القاسم: إنما معنى النهي: إذا خطب الرجل على خطبة أخيه في رجلين صالحين، وأما إذا كان الذي خطبها أولاً فركنت إليه رجلاً سوءًا، فإنه ينبغي للولي أن يحضها على تزويج الرجل الصالح الذي يعلمها الخير ويعينها عليه. وقال أبو عمر: تحصيل مذهب مالك في هذه المسألة: أنه إن لم يكن دخل بها فرق بينهما، فإن كان دخل مضى النكاح بئس ما صنع. ***

стр. 5192

ص: باب: نكاح المتعة ش: أي هذا باب في بيان نكاح المتعة، وهو النكاح إلى أجل معين، وهو من التمتع بالشيء: الانتفاع به، يقال: تمتعت به أتمتع تمتعًا، والاسم: المتعة؛ لأنه ينتفع بها إلى أمد معلوم، وقد كان مباحًا في الإِسلام ثم حرم، وهو الآن جائز عند الشيعة على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا الوليد بن القاسم بن الوليد، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "كنا نغزو مع رسول الله ﵇ وليس لنا نساء، فقلنا: يا رسول الله، ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ورخص لنا أن ننكح بالثوب إلى أجل، ثم قرأ هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (١). ش: الوليد بن القاسم بن الوليد الهمداني الكوفي، عن أحمد: ثقة قد كتبنا عنه بالكوفة، وعن يحيى: ضعيف الحديث، وقال ابن عدي: إذا روى عن ثقة وروى عنه ثقة فلا بأس به، روى له الترمذي وابن ماجه. وإسماعيل بن أبي خالد العجلي الأحمسي الكوفي، واسم أبي خالد: هرمز، وقيل: سعد، وقيل: كثير، روى له الجماعة. وقيس بن أبي حازم واسم أبي حازم: حصين بن عوف البجلي الأحمسي، أبو عبد الله الكوفي، أدرك الجاهلية، وهاجر إلى النبي ﵇ ليبايعه فقبض وهو في الطريق، وقيل: إنه رآه وهو يخطب، ولم يثبت ذلك، وأبو حازم له صحبة، روى له الجماعة.

стр. 5193

والحديث أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢): من حديث إسماعيل، عن قيس، عن ابن مسعود نحوه. قوله: "وليس لنا نساء" جملة حالية. قوله: "ألا نستخصي" من الاستخصاء وهو استفعال من الخصاء، وهو نزع البيضتين من الخصيتين، يقال: خصيت العجل خصاء -ممدود- إذا سللت خصيتيه، فالخصيتان هما البيضتان، والخصيتان هما الجلدتان اللتان فيهما البيضتان. قوله: "أن ينكح بالثوب إلى أجل" هو صورة المتعة، وهو أن يتزوج امرأة على ثوب ونحوه إلى أجل معين. ويستفاد منه: حرمة الخصاء والتبتل والانقطاع عن الأزواج، وترك النسل الذي حض ﵇ على تكثيره، وإبطال الحكمة في خلق الله تعالى ذلك العضو وتركيب الشهوة فيه لبقاء النسل وعمارة الأرض وذر عباد الله فيها ليبلوهم كيف يعملون وليعبدوه جل اسمه، وتغيير خلق الله وإفساد خاصة الذكورية، وفيه أيضًا من الدلالة على جواز نكاح المتعة لأنه كان جائزًا في الإِسلام، ولكنه انتسخ على ما يجيء عن قريب إن شاء الله تعالى. ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا يونس، عن سعيد بن جبير، قال: "سمعت عبد الله بن الزبير ﵄ يخطب وهو يعرض بابن عباس يعيب عليه قوله في المتعة، فقال ابن عباس: يسأل أمه إن كان صادقًا، فسألها فقالت: صدق ابن عباس، قد كان ذلك، فقال ابن عباس: لو شئت سميت رجالًا من قريش ولدوا فيها". ش: إسناده صحيح، ورجاله ثقات، ويونس هو ابن عُبيد بن دينار البصري.

стр. 5194

وأخرج البيهقي (١): من حديث عبد الله بن وهب، حدثني يونس، قال: قال ابن شهاب: أخبرني عروة: "أن ابن الزبير قام بمكة، فقال: إن أناسًا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة، ويعرض بالرجل، فناداه فقال: إنك جلف جافٍ، لعمري لقد كانت المتعة تفعل في عهد إمام المتقين -يريد رسول الله ﷺ - فقال ابن الزبير: فجرب بنفسك، فوالله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك". قال البيهقي: وفيه تعريض بابن عباس، وزاد في آخره: قال ابن شهاب: وأخبرني عُبيد الله: "أن ابن عباس كان يفتي بالمتعة ويغمص ذلك عليه أهل العلم، فأبى ابن عباس أن ينتكل عن ذلك، حتى طفق بعض الشعراء يقول فيه: يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس هل لك في ناعم خود مبتلة ... تكون مثواك حتى مصدر الناس قال: فازداد أهل العلم بها قدرًا ولها بغضًا حتى قيل فيها الأشعار". وأخرج البيهقي (٢) أيضًا: من حديث ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، عن الحسن بن عمارة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير: "قلت لابن عباس: ماذا صنعت؟! ذهبت الركائب بفتياك، وقالت فيها الشعراء، قال: وما قالوا؟ قال: قال الشاعر: أقول للشيخ لما طال مجلسه ... يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس ياصاح هل لك في بيضاء بَهْكَنةٍ ... تكون مثواك حتى مصدر الناس فقال ما هذا أردت؛ إن المتعة لا تحل إلاَّ لمضطر ألا إنما هي كالميتة والدم ولحم الخنزير".

стр. 5195

ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أُميَّة بن بسطام، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد، عن جابر بن عبد الله وسلمة بن الأكوع: "أن النبي ﵇ أتاهم فأذن لهم في المتعة". ش: إسناده صحيح وأمية بن بسطام بن المنتشر العيشي أبو بكر البصري شيخ البخاري ومسلم، والحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب ﵃ روى له الجماعة. وأخرجه مسلم (١): حدثني أُميَّة بن بسطام العيشي، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا روح بن القاسم، عن عمرو بن دينار، عن سلمة بن الأكوع، وجابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﵇ أتانا فأذن لنا في المتعة". وأخرجه البخاري (٢) أيضًا. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذه الآثار فقالوا: لا بأس أن يتمتع الرجل من المرأة أيامًا معلومة بشيء [معلوم] (٣) فإذا مضت تلك الأيام حرمت عليه لا بطلاق ولكن بانقضاء المدة التي كانا تعاقدا على المتعة فيها, ولا يتوارثان بذلك في قولهم. ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير وطاوس بن كيسان وسائر فقهاء مكة، فإنهم قالوا: لا بأس بالمتعة. وصورتها ما ذكره الطحاوي، وهو مذهب الشيعة، وقال زفر: يصح العقد ويبطل الشرط، وقال ابن حزم: وقد ثبت على تحليلها بعد رسول الله ﵇ جماعة من السلف منهم من الصحابة: أسماء بنت أبي بكر وجابر بن عبد الله وابن مسعود وابن عباس ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو ابن حريث وأبو سعيد الخدري وسلمة ومعبد ابنا أُميَّة بن خلف، ورواه جابر بن عبد الله عن جميع الصحابة مدة رسول الله ﵇ ومدة أبي بكر وعمر ﵄ إلى قريب

стр. 5196

آخر خلافة عمر ﵁ واختلف في إباحتها عن ابن الزبير، وعن علي فيها توقف، وعن عمر بن الخطاب ﵁ إنما أنكرها إذا لم يشهد عليها عدلان فقط، وأباحها بشهادة عدلين، وصح تحريمها عن ابن عمر وعن ابن أبي عمرة الأنصاري. قلت: أما ما ذهب إليه الشيعة من ذلك فعجب على قاعدتهم، وإن كانوا ليسوا على قاعدة صحيحة؛ لأن عمدتهم في مذهبهم الرجوع إلى قول علي وأولاده، وقد صح عن علي ﵁ على ما يجيء أنها منسوخة، وأنكر على ابن عباس اعتقاده أنها غير منسوخة، وكذا روي عن جعفر بن محمد الصادق ﵄. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يجوز هذا النكاح، واحتجوا بأن الآثار التي احتج بها عليهم أهل المقالة الأول قد كانت ثم نسخت بعد ذلك، وأن رسول الله ﵇ نهى عن المتعة. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الحسن البصري وإبراهيم النخعي والأوزاعي والثوري ومكحولاً والليث بن سعد وعبد الله بن المبارك وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور وأبا عُبيد وداود ومحمد بن جرير وجماهير العلماء من التابعين ومن بعدهم، فإنهم قالوا: المتعة حرام، قد كانت مباحة ثم نسخت. وقال الإِمام أبو عبد الله المازري: ثبت أن نكاح المتعة كان جائزا في أول الإِسلام، ثم ثبت نسخه بالأحاديث المتأخرة وتقرر الإِجماع على منعه ولم يخالف فيه إلاَّ طائفة من المبتدعة، وتعلقوا بالأحاديث الواردة في ذلك، وقد ذكرنا أنها منسوخة. وقال عبد الحق: في كلامه مسامحة لقوله: "لم يخالف فيه إلاَّ طائفة من المبتدعة" وقد حكينا من خالف فيه من الصحابة والتابعين، قال: واختلاف الأحاديث في زمن النسخ ليس بقادح.

стр. 5197

وقد ذكر عبد الرزاق (١): عن ابن جريج، عن عطاء قال: "أخبرني من شئت عن أبي سعيد الخدري قال: "لقد كان أحدنا يستمتع بملء القدح سويقًا". وذكر عن عطاء أيضًا (٢) قال: "أول من سمعت منه المتعة صفوان بن يعلي قال: أخبرني يعلي أن معاوية استمتع بامرأة بالطائف فأنكرت ذلك عليه، فدخلنا على ابن عباس فذكر بعضنا له ذلك، فقال: نعم، فلم يقر في نفسي حتى قدم جابر بن عبد الله قال: فجئناه في منزله فسألناه عن أشياء ثم ذكرنا له المتعة، فقال: نعم استمتعنا على عهد رسول الله ﵇ وأبي بكر وعمر حتى إذا كان في آخر خلافة عمر ﵁ استمتع عمرو بن حريث بامرأة سماها جابر ﵁ ونسيت اسمها فحملت المرأة، فبلغ ذلك عمر ﵁ فدعاها فسألها, فقالت له: نعم، قال: من أشهد، قال عطاء: فلا أدري أقالت: أمها، أم أخاها وأمها، قال: فهلا غيرهما، فنهى عن ذلك". قال عطاء: وكان ابن عباس يقرأ: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٣) ذكره أبو عمر في "التمهيد" قال أبو عمر: قد قرأها أيضًا ابن مسعود وعلي بن الحسين ﵃ وجعفر بن محمد وأبوه وابن جبير. وذكر أبو عمر (٤): عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن عثمان قال: "كانت بمكة امرأة عراقية جميلة لها ابن يقال له أبو أُميَّة، وكان سعيد بن جبير يكثر الدخول عليها، قال: فقلت له: يا أبا عبد الله، ما أكثر ما تدخل على هذه المرأة؟! قال: إنا قد نكحناها نكاح المتعة، قال ابن جريج: وقال لي سعيد بن المسيب: هو أحل من شرب الماء -يعني المتعة". ذكره أبو عمر في "التمهيد". وفي "الإِحكام لابن بزيزة" أجمع جمهور العلماء على أن نكاح المتعة يفسخ قبل الدخول وبعده، واختلف المذهب هل يحد فاعله أم لا؛ لشبهة العقد، والمشهور من

стр. 5198

المذهب أنه يعاقب ولا حد عليه، وقد اختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ (١) فقال بعضهم: هي منسوخة بآية الطلاق والصداق والعدة والميراث، قال علي بن أبي طالب ﵁: نسخ صوم رمضان كل صوم، ونسخت الزكاة كل صدقة، ونسخ الطلاق والصداق والعدة والميراث المتعة، ونسخت الأضحية كل ذبح. ص: وذكروا مما قد روي عن رسول الله ﵇ من نهيه عنها مما لم يذكر فيه النسخ ما قد حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، قال: ثنا جويرية، عن مالك، عن الزهري، أن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب والحسن بن محمد بن علي أخبراه: "أن أباهما كان أخبرهما أنه سمع علي بن أبي طالب يقول لابن عباس ﵃ إنك رجل تائه، إن رسول الله ﵇ نهى عن متعة النساء". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: حدثني يونس وأسامة ومالك، عن ابن شهاب ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه لم يقل: "إنك رجل تائه". حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا يحيى بن سعيد، عن الزهري، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية، عن أبيهما: "أن عليًا ﵁ مرّ بابن عباس وهو يفتي بالمتعة، متعة النساء أنه لا بأس بها، فقال علي: قد نهى عنها رسول الله ﵇ وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر". ش: أي وذكر هؤلاء الآخرون ما روي عن النبي ﵇ من نهيه عن المتعة من الأحاديث التي لم يذكر فيها صريح النسخ، وإنما قيد بهذا القيد لأن هذه الأحاديث التي يذكرها الآن يحتمل أن تكون متأخرة عن الأحاديث التي فيها الإِباحة، فتكون منسوخة بتلك الأحاديث، ويحتمل ألَّا تكون متأخرة فلا يثبت

стр. 5199

النسخ، فلذلك وقع الاختلاف في زمان وقوع النهي عن متعة النساء حتى قال بعضهم نكاح المتعة من أغرب ما وقع في الشريعة، وذلك أنه أبيح ثم نهي عنه، ثم أبيح ثم نهي عنه، ثم أبيح ثم نهي عنه، ولم يعهد ذلك في غيره، وسيأتي الكلام فيه مستقصى إن شاء الله تعالى، فمن تلك الأحاديث التي فيهن النهي. ما أخرجه عن علي ﵁ من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبد الله بن محمد بن أسماء، عن جويرية بن أسماء بن عُبيد البصري، وهو عم عبد الله بن محمد بن أسماء، عن مالك بن أنس، عن محمد بن مسلم الزهري، عن الأخوين الخليلين العالمين الثقتين عبد الله والحسن ابني محمد بن علي بن أبي طالب إلاَّ أن عبد الله هذا تنتحله الشيعة بأسرها والحسن أول من تكلم بالإِرجاء، وهما يرويان على أبيهما محمد بن علي وهو الذي يقال له: محمد ابن الحنفية. وأخرجه مسلم (١): نا عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي، قال: ثنا جويرية، عن مالك ... إلى آخره نحوه. الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي وأسامة بن زيد الليثي المدني ومالك بن أنس، ثلاثتهم، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي بن أبي طالب، عن أبيهما محمد بن علي، أنه سمع أباه علي بن أبي طالب. وأخرجه مسلم (٢): حدثني أبو الطاهر وحرملة، قالا: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن الحسن وعبد الله ابني محمد بن علي بن أبي طالب، عن أبيهما، أنه سمع علي بن أبي طالب يقول لابن عباس: "نهى رسول الله ﵇ عن متعة النساء".

стр. 5200

الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني شيخ مسلم، عن هشيم بن بشير، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن مسلم الزهري ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (١) أيضًا نحوه، والبزار (٢) وأبو يعلى (٣) في "مسنديهما". ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: حدثني عمر بن محمد العمري، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم بن عبد الله: "أن رجلاً سأل عبد الله بن عمر عن المتعة، فقال: حرام، قال. فإن فلانًا يقول فيها، قال: والله لقد علم أن رسول الله ﵇ حرمها يوم خيبر، وما كنا مسافحين". ش: إسناده صحيح، رجاله كلهم رجال الصحيح، وعمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي العمري المدني: نزيل عسقلان الشام، روى له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٤): من حديث ابن وهب، أخبرني عمر بن محمد بن زيد، عن ابن شهاب ... إلى آخره نحوه سواء. قوله: "فإن فلانًا" كنى به عن ابن عباس. قوله: "وما كنا مسافحين" أي وما كنا زناة، من السفاح وهو الزنا، مأخوذ من سفحت الماء إذا صببته. ص: ففي هذه الآثار النهي من رسول الله ﵇ عن المتعة، فاحتمل أن يكون ما ذكرنا عن رسول الله ﵇ من الإِذن فيها كان ذلك منه قبل النهي، ثم نهى عنها، فكان ذلك النهي ناسخًا لما كان من الإِباحة قبل ذلك، فنظرنا في ذلك

стр. 5201

فإذا يونس [قد] (١): حدثنا، قال: ثنا أنس بن عياض، عن عبد العزيز بن عمر ابن عبد العزيز، عن الربيع بن سبرة الجهني، عن أبيه قال: "خرجنا مع رسول الله ﵇ إلى مكة في حجة الوداع، فأذن لنا في المتعة، فانطلقت أنا وصاحب لي إلى امرأة من بني عامر كأنها بكرة عيطاء، فعرضنا عليها أنفسنا، فقالت: ما تعطيني؟ قلت: ردائي، وقال صاحبي: ردائي، وكان رداء صاحبي أجود من ردائي، وكنت أشب منه، فإذا نظرت إلى رداء صاحبي أعجبها، وإذا نظرت إليّ أعجبتها، ثم قالت: إنك ورداؤك تكفيني، فمكثت معها ثلاثة أيام، ثم إن رسول الله ﵇ قال: من كان عنده شيء من هذه النساء التي يتمتع بهن فليخل سبيلها". حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: أنا الليث، عن الربيع بن سبرة الجهني، عن أبيه مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن الزهري: "أن رسول الله ﵇ نهى عن متعة النساء يوم الفتح، فقلت: ممن سمعته؟ قال: حدثني رجل، عن أبيه، عن رسول الله ﵇ عند عمر بن عبد العزيز، وزعم معمر أنه الربيع بن سبرة". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا شعبة، عن عبد الله بن سعيد، عن عبد العزيز بن عمر -هو ابن عبد العزيز- عن الربيع بن سبرة، عن أبيه: "أن النبي ﵇ رخص في المتعة، فتزوج رجل امرأة، فلما كان بعد ذلك إذا هو يحرمها أشد التحريم، ويقول فيها أشد القول". حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يونس، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا أبو عميس، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه قال: "أذن رسول الله ﵇ في متعة النساء، ثم نهى عنها".

стр. 5202

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا عكرمة بن عمار، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: "خرجنا مع رسول الله ﵇ في غزوة تبوك، فنزل ثنية الوداع، فرأى مصابيح ونساء يبكين، فقال: ما هذا؟! فقيل: نساء تمتع بهن أزواجهن وفارقوهن، فقال: إن الله حرم أو هدر المتعة بالطلاق والنكاح والعدة والميراث". ففي هذه الآثار تحريم رسول الله ﵇ المتعة بعد إذنه فيها وإباحته إياها؛ فثبت بما ذكرنا نسخ ما في الآثار الأول التي ذكرناها في أول الباب. ش: أشار بهذه الآثار إلى الأحاديث التي رواها عن علي، وابن عمر ﵄ بطرقها، وقد ذكرنا أن هذه الأحاديث يحتمل أن تكون متأخرة، فتكون أحاديث الإِباحة منسوخة، فلما نظرنا في الآثار وجدنا أحاديث عن سبرة الجهني، وسلمة بن الأكوع، وأبي هريرة ﵃ تدل على أنها نسخت أحاديث الإِباحة وهو معني قوله: "ففي هذه الآثار تحريم رسول الله ﵇ المتعة بعد إذنه فيها وإباحته إياها" أي: المتعة، فثبت بما ذكرنا يعني من أحاديث هؤلاء الصحابة نسخ ما في الآثار الأُوَل، وهي أحاديث عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله وسلمة بن الأكوع المذكورة في أول الباب، التي احتج بها أهل المقالة الأولى، وإنما قال: إن هذه الأحاديث نسخت الأحاديث الأُول؛ لأن في حديث سبرة يصرح بأن النهي كان في حجة الوداع، فدل ذلك على النسخ قطعًا، وذكر في حديث أبي هريرة أنه كان في غزوة تبوك، وكانت سنة تسع من الهجرة، وفي "الإِحكام" لابن بزيزة: اختلفت الأحاديث والآثار في الوقت الذي وقع فيه تحريمه، ففي بعض الروايات أن النبي ﵇ حرم ذلك يوم خيبر، وفي بعضها يوم الفتح، وفي بعضها في غزوة تبوك، وفي بعضها في حجة الوداع، وفي بعضها في عمرة القضاء، وفي بعضها عام أوطاس. قلت: وكذا اختلفت الرواية في كتاب مسلم في النهي عن المتعة وإباحتها، ففيه أن النبي ﵇ نهى عن ذلك يوم فتح مكة، وفيه أنه نهى عن ذلك يوم خيبر، وفيه من

стр. 5203

رواية سلمة بن الأكوع إباحتها يوم أوطاس، ومن رواية سبرة الجهني إباحتها يوم الفتح وهما واحد، ثم تحريمها حينئذٍ، ومن رواية علي تحريمها يوم خيبر، وهو قبل الفتح، وذكر غير مسلم عن علي ﵁ نهيه ﵇ عنها في غزوة تبوك من رواية إسحاق بن راشد، عن الزهري، عن عبد الله بن محمد بن علي، عن أبيه، عن علي ﵁ ولم يتابعه أحد على هذا، وهو غلط منه. وهذا الحديث رواه مالك في "الموطإ" (١): وسفيان بن عُيينة، والعمري، ويونس وغيرهم عن الزهري، عن الحسن وعبد الله ابني علي وفيه: "يوم خيبر". وكذا ذكره مسلم (٢): عن جماعة عن الزهري، وهذا هو الصحيح، كذا قال القاضي عياض، وقال أيضًا: فإن تعلق بهذا الخلاف من أجاز المتعة وزعم أن هذا الخلاف يقدح في الأحاديث الناسخة لأنه يراه تناقضًا، قلنا: هذا خطأ وليس بتناقض؛ لأنه يصح أنه ينهى عن ذلك في زمن ثم ينهى عنه في زمن آخر تأكيدًا وإشهارًا، فيسمع بعض الرواة نهيه في زمن، ويسمع آخرون نهيه ولكن في زمن آخر، فينقل كل فريق منهم ما سمعه، ولا يكون في ذلك تكاذب ولا تناقض، وروى أحاديث الإِباحة جماعة من الصحابة، فذكر مسلم منهم ابن مسعود، وابن عباس، وسلمة بن الأكوع، وجابر بن عبد الله وسبرة بن معبد الجهني، وليس في هذه الآثار كلها أنها كانت في الإِقامة وإنما جاءت في مغازيهم، وعند ضروراتهم في أسفارهم وعدم النساء، وبلادهم حارة وصبرهم عنهن قليل، وقد ذكر في حديث ابن أبي عمرة أنها كانت رخصة في أول الإِسلام لمن اضطر إليها كالميتة والدم ولحم الخنزير، ونحوه عن ابن عباس، ولم يذكر مسلم في حديث سبرة تعيين وقت إلاَّ في حديث أحمد بن سعيد الدارمي، وحديث إسحاق بن إبراهيم، وحديث يحيى بن يحيى؛ فإنه ذكر فيه: "عام فتح

стр. 5204

مكة". قالوا: وذكر الرواية في إباحتها في حجة الوداع خطأ؛ لأنه لم يكن ثمة ضرورة ولا عزبة، وأكثرهم حجوا بنسائهم، والصحيح فيها تجرد النهي كما جاء في غير رواية ويكون تجديد النبي ﵇ النهي عنها يومئذ لاجتماع الناس، وتبليغ الشاهد الغائب، وإتمام الدين، وتقرير الشريعة كما قرر غير شيء وبين حله وحرامه، وتحريم المتعة حينئذٍ لقوله: "إلى يوم القيامة" وعلى هذا يحمل ما جاء في تحريم المتعة يوم خيبر وفي عمرة القضاء ويوم أطاس ويوم الفتح وهو بمعني يوم أوطاس إذ هي غزوة متصلة واحدة، وأنه جدد النهي عنها في هذه المواطن، إذ حديث تحريمها يوم خيبر صحيح لا مدفع فيه، من روايات الثقات الأثبات، عن ابن شهاب، لكن في رواية سفيان عنه: "نهى النبي ﵇ عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر". فتأول بعضهم أن الكلام منقطع، وأن يوم خيبر مختص بتحريم الحمر الأهلية، وأرسل تحريم المتعة على غيرها ليوافق بين الأحاديث، وقال هؤلاء: الأشبه في تحريم المتعة أنه كان بمكة، وأما لحوم الحمر الأهلية فبخيبر بغير خلاف، وهذا حسن لو ساعدته سائر الروايات عن غير سفيان، والأولى، ما قلنا من تكرير التحريم لكي يتقي بعد هذا ما جاء في ذكر إباحته في عمرة القضاء، ويوم أوطاس ويوم الفتح فيحتمل أن النبي ﵇ أباحه لهم للضرورة بعد التحريم، ثم أطلق تحريمه للأبد، بقوله: "من يومكم هذا إلى يوم القيامة" فيكون التحريم أولاً بعد الإِباحة للضرورة عند ارتفاعها بخيبر وعمرة القضاء، ثم تأبيد التحريم بمكة في الفتح وحجة الوداع، وترك الرواية بتحليلها في حجة الوداع إذ هي مرويَّة عن سبرة الجهني وروايات الجهني وروايات الأثبات عنه أنها في يوم الفتح، ومجرد النهي يوم حجة الوداع، فيؤخذ من حديثه ما اتفق عليه الجمهور ووافقه عليه عشرة من الصحابة في النهي عنها قبل الفتح، ويترك ما انفرد به من روى عنه تحليلها يوم حجة الوداع، وتصحيح رواية من روى عنه مجرد النهي في حجة الوداع تأكيدًا وإبلاغًا.

стр. 5205

وأما قول الحسن: إنها كانت في عمرة القضاء لا قبل ولا بعد، فيرده ثبات حديث خيبر وهي قبلها وما جاء في إباحتها في أحاديث يوم الفتح وأوطاس مع أن الرواية بهذا جاءت عن سبرة وهو راوي الروايات الأُخر وهي أصح، فيترك ما خالف الصحيح، وقد قال بعضهم: هذا مما تداوله التحريم والإِباحة والنسخ مرتين كما قيل في مسألة القبلة انتهى. قلت: هذا موضع قد استشكله الناس كثيراً، حتى استشكل بعضهم حديث علي: "أن رسول الله ﵇ نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر". وقال: هذا مشكل من جهتين: الأولى: أن يوم خيبر لم يكن ثمة نساء يتمتعون بهن؛ إذ قد حصل لهم الاستغناء بالسبايا عن نكاح المتعة. الثانية: أنه ثبت في "صحيح مسلم" أن رسول الله ﵇ أذن لهم في المتعة زمن الفتح ثم لم يخرج من مكة حتى نهى عنها، وقال: "إن الله حرمها إلى، يوم القيامة" فعلى هذا يكون قد نهى عنها ثم أذن فيها ثم حرمت، فيلزم النسخ مرتين، وهو بعيد. قلت: قد روي عن الشافعي أنه قال: لا نعلم شيئًا أبيح ثم حرم ثم أبيح ثم حرم غير نكاح المتعة، وحكى السهيلي وغيره عن بعضهم أنه ادعى أنها أبيحت ثلاث مرات وحرمت ثلاث مرات، وقال آخرون: أربع مرات، واختلفوا أي وقت أول ما حرمت؟ فقيل: في خيبر، وقيل: في عمرة القضاء، وقيل: في عام الفتح، وقيل: في أوطاس، وقيل: في تبوك، وقيل: في حجة الوداع، وقد روى أبو داود في حديث الربيع بن سبرة عن أبيه النهي عنها في حجة الوداع، وقال أبو داود: هذا أصح ما روي في ذلك، وروي عن الحسن: أنها ما حلت قط إلاَّ في عمرة القضاء والله أعلم.

стр. 5206

أما حديث سبرة الجهني. فأخرجه من أربع طرق صحاح: الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح على شرط مسلم، وأخرجه مسلم (١): نا يحيى بن يحيى، قال: أنا عبد العزيز بن ربيع بن سبرة بن معبد، قال: سمعت أبي: ربيع بن سبرة يحدث، عن أبيه سبرة بن معبد: "أن نبي الله ﵇ عام فتح مكة أمر أصحابه بالتمتع من النساء، قال: فخرجت أنا وصاحب لي من بني سليم حتى وجدنا جارية من بني عامر كأنها بكرة عيطاء، فخطبناها إلى نفسها وعرضنا عليها بُردينا، فجعلت تنظر فتراني أجمل من صاحبي وترى برد صاحبي أحسن من بردي، فآمرت نفسها ساعة ثم اختارتني على صاحبي، فكن معنا ثلاثًا، ثم أمرنا رسول الله ﵇ بفراقهن". الثاني: أيضًا رجاله رجال الصحيح ما خلا ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، وهو أيضًا ثقة. وأخرجه النسائي (٢): أنا قتيبة، نا الليث، عن الربيع بن سبرة الجهني، عن أبيه أنه قال: "أذن رسول الله ﵇ بالمتعة، فانطلقت أنا ورجل إلى امرأة من بني عامر، فعرضنا أنفسنا عليها، فقالت: ما تعطيني ... ". إلى آخره نحو رواية الطحاوي. الثالث: أيضًا رجاله رجال الصحيح ما خلا إبراهيم بن أبي داود البرلسي، وهو أيضًا ثقة ثبت. وأخرجه الطبراني (٣): ثنا معاذ بن المثنى، ثنا مسدد (ح). وثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، نا هدبة بن خالد، قالا: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، قال: "سمعت الزهري يقول: "نهى رسول الله ﵇ عن متعة النساء يوم الفتح، فقلت: من حدثك؟ قال: حدثني رجل عن أبيه".

стр. 5207

قوله: "وزعم معمر" هو معمر بن راشد أن الرجل في قول الزهري "حدثني رجل" هو الربيع بن سبرة، عن أبيه سبرة بن معبد الجهني، فإذن لا جهالة فيه، فافهم. الرابع: أيضًا رجاله رجال الصحيح ما خلا إبراهيم بن أبي داود البرلسي، وأبو عمر هو حفص بن عمر الحوضي البصري شيخ البخاري وأبي داود. وأخرجه الطبراني (١): نا علي بن عبد العزيز، نا مسلم بن إبراهيم، نا شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن الربيع بن سبرة، عن أبيه: "أن النبي ﵇ رخص في المتعة، فلما كان بعد ثلاث انتهيت به وهو محرمها وينهى عنها أشد النهي". قوله: "كأنها بكرة عيطاء" أي شابة طويلة العنق في اعتدال، والبَكْر -بفتح الباء- من الإِبل بمنزلة الغلام في الناس والأنثى: البكرة وتستعار للناس، قال الجوهري: العيط طول العنق، جمل أعيط وناقة عيطاء، والقصر الأعيط: المنيف. قوله: "وكنت أَشَبَّ منه" أي أحدث سنًّا منه، والشباب الحداثة، وكذلك الشبيبة، وهو خلاف الشيب، والشباب: جمع شاب أيضًا، وكذلك الشبان. وأما حديث سلمة بن الأكوع فأخرجه عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن يونس بن محمد بن مسلم البغدادي المؤدب روى له الجماعة، عن عبد الواحد بن زياد العبدي البصري روى له الجماعة، عن أبي عميس -بالسين المهملة- عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفي، أحد مشايخ أبي حنيفة روى له الجماعة، عن إياس بن سلمة روى له الجماعة. وأخرجه مسلم (٢): نا أبو بكر بن شيبة، قال: نا يونس بن محمد، قال: نا عبد الواحد بن زياد، قال: نا أبو عميس، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه قال: "رخص رسول الله ﵇ عام أوطاس في المتعة ثلاثًا، ثم نهى عنها".

стр. 5208

قوله: "ثم نهى عنها" بفتح النون وهو المحفوظ، ويقال: بضم النون وكسر الهاء، ويراد بالناهي على هذا عمر بن الخطاب ﵁. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه بإسناد صحيح، عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن عكرمة بن عمار، عن سعيد المقبري ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث مؤمل بن إسماعيل .... إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "فقال رسول الله ﵇: حرم -أو هدم- المتعة بالنكاح والطلاق والعدة والميراث". قوله: "ثنية الوداع" الثنية في الجبل كالعقبة فيه، وقيل: هو الطريق العالي فيه، وقيل: أعلى المسيل في رأسه. ص: ثم قد روي عن أصحاب رسول الله ﵇ النهي عنها: حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا سعيد بن عفير، قال: حدثنا يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: "ما كانت المتعة إلاَّ رحمة رحم الله بها هذه الأمة، ولولا نهي عمر بن الخطاب ﵁ ما زنى إلاَّ شقي قال عطاء: كأني أسمعها من ابن عباس إلاَّ شقي". حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا شجاع بن الوليد، عن ليث بن أبي سليم، عن طلحة بن مصرف، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن أبي ذر قال: "إنما كانت متعة النساء لنا خاصة". حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: أنا عبد الملك، عن عطاء، عن جابر: "أنهم كانوا يتمتعون من النساء حتى نهاهم عمر ﵁".

стр. 5209

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن أبي حمزة، قال: "سألت ابن عباس عن متعة النساء، فقال مولى له: إنما ذلك في الغزو والنساء قليل، قال ابن عباس: صدقت". ش: أي ثم قد روي عن الصحابة أيضًا النهي عن المتعة، وأخرج في ذلك عن ابن عباس، وأبي ذر، وجابر. أما عن ابن عباس فأخرجه من وجهين: الأول: عن ربيع بن سليمان الجيزي، عن سعيد بن عفير شيخ البخاري، وهو سعيد بن كثير بن عفير وقد ينسب إلى جده، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس. والكل رجال الصحيح ما خلا ربيعًا. وأخرجه أبو عمر (١): من حديث ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، نحوه. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن أبي جمرة -بالجيم والراء- اسمه نصر بن عمران الضبعي البصري، روى له الجماعة. وأخرجه البيهقي (٢): من حديث عمرو بن مرزوق، أنا شعبة، عن أبي جمرة، عن ابن عباس: "أنه سئل عن متعة النساء، فقال مولى له: إنما كان ذلك في الجهاد والنساء قليل، فقال ابن عباس: صدق". وأخرجه البخاري (٣): نا محمد بن بشار، ثنا غندر، ثنا شعبة، عن أبي جمرة، قال: "سمعت ابن عباس سئل عن متعة النساء، فرخص، فقال مولى له: إنما ذلك في الحال الشديد، وفي النساء قلة -أو نحوه- فقال ابن عباس: نعم"، قلت: هذا من أفراد البخاري.

стр. 5210

وقال الترمذي (١): نا محمود بن غيلان، قال: نا سفيان بن عقبة أخو قبيصة بن عقبة، قال: ثنا سفيان الثوري، عن موسى بن عُبيدة، عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن عباس قال: "إنما كانت المتعة في أول الإِسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة، فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم فتحفظ متاعه وتصلح له شأنه حتى نزلت هذه الآية: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ قال ابن عباس: "فكل فرج سوى هذين حرام". قال أبو عيسى: إنما رويت الرخصة عن ابن عباس ثم رجع عن قوله، حيث أخبر عن النبي ﵇. قال الحازمي: هذا إسناد صحيح لولا موسى بن عُبيدة، قال: وأما ما يحكى عن ابن عباس فإنه كان يتأول في إباحته للمضطرين إليه بطول العزبة وقلة اليسار، ثم توقف عنه، فيوشك أن يكون سبب رجوعه عنه قول علي ﵁ وإنكاره عليه. وقال أبو عمر (٢): أصحاب عبد الله بن عباس من أهل مكة واليمن كلهم يرونها حلالًا على مذهب ابن عباس وحرمها سائر الناس، وروى الليث بن سعد، عن بكير بن الأشج، عن عمار مولى الشريد: "سألت ابن عباس عن المتعة، أسفاح هي أم نكاح؟ قال: لا سفاح ولا نكاح، قلت: فما هي؟ قال: المتعة كما قال الله تعالى، قلت: هل عليها حيضة؟ قال: نعم حيضة، قلت: يتوارثان؟ قال: لا. وأما عن أبي ذر فأخرجه عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن شجاع بن الوليد بن قيس السكوني، روى له الجماعة، عن ليث بن أبي سليم بن زنيم القرشي الكوفي أحد مشايخ أبي حنيفة، وعن يحيى: لا بأس به، روى له الجماعة، البخاري

стр. 5211

مستشهدًا، ومسلم مقرونًا بأبي إسحاق الشيباني، عن طلحة بن مصرف بن عمرو الكوفي، روى له الجماعة، عن خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة الكوفي، لأبيه ولجده صحبة، روى له الجماعة، عن أبي ذر جندب بن جنادة. وأخرجه البيهقي (١): من طريق آخر من حديث عباس الدوري، ثنا خنيس بن بكر بن خنيس، ثنا مالك بن مغول، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبي ذرٍّ، قال: "إنما أحلت لنا أصحاب رسول الله ﵇ متعة النساء ثلاثة أيام ثم نهى عنها رسول الله ﵇". قلت: فيه انقطاع. وأخرج أيضًا من حديث يحيى بن أبي زائدة، عن ابن إسحاق، عن عبد الرحمن ابن الأسود، عن إبراهيم التيمي، عن سليم المحاربي، عن يزيد التيمي، عن أبي ذر قال: "إن كانت المتعة لخوفنا ولحربنا". وأما عن جابر بن عبد الله فأخرجه بإسناد صحيح رجاله رجال الصحيح ما خلا صالح بن عبد الرحمن، وسعيد هو ابن منصور الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، وهشيم هو ابن بشير، وعبد الملك هو ابن أبي سليمان العرزمي الكوفي، روى له الجماعة، البخاري مستشهدًا، وعطاء هو ابن أبي رباح. فإن قيل: قد ثبت النهي عن النبي ﵇ عن المتعة في حجة الوداع، فكيف كانوا يتمتعون بالنساء بعده ﵇ حتى نهاهم عمر ﵁؟ قلت: يمكن أن يكون النهي لم يبلغ الذين كانوا يتمتعون، فلما بلغ عمر ﵁ أنهم كانوا يتمتعون نهاهم عن ذلك. وقد أخرج البيهقي في "سننه" (٢): من حديث همام، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن جابر قال: "قلت: إن ابن الزبير ينهى عن المتعة، وابن عباس يأمر بها،

стр. 5212

قال: على يدي جرى الحديث، تمتعنا مع رسول الله ﵇ ومع أبي بكر ﵁ فلما ولي عمر ﵁ خطب الناس فقال: إن رسول الله ﵇ هذا الرسول، وإن هذا القرآن هذا القرآن، وأنهما كانتا متعتان على عهد رسول الله ﵇، وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: إحداهما: متعة النساء، ولا أقدر على رجل تزوج امرأة إلى أجل إلاَّ غيبته في الحجارة. والأخرى: متعة الحج، افْصِلُوا حجكم عن عمرتكم؛ فإنه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم". قال البيهقي: لا شك في كون المتعة على عهد رسول الله ﵇، لكنا وجدناه نهى عنها عام الفتح بعد الإذن فيه، ثم لم نجده أذن بعد، فكان نهي عمر ﵁ عن نكاح المتعة موافقًا لسُنَّة رسول الله ﵇ فأخذنا به، ولم نجده ﵇ نهى عن متعة الحج في رواية تصح عنه، ووجدنا في قول عمر ﵁ ما دل على أنه أحب أن يفصل بين الحج والعمرة ليكون أتم لهما، فحملنا نهيه عن متعة الحج على التنزيه لا على التحريم. وقد حدثنا (١) عبد الله بن يوسف الأصبهاني، أنا عبد الرحمن بن يحيى الزهري القاضي بمكة، ثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، ثنا أبو خالد الأموي، ثنا منصور بن دينار، ثنا عمر بن محمد، عن سالم، عن أبيه، عن عمر ﵁: "أنه صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بال [رجال] (٢) ينكحون هذه المتعة، وقد نهى رسول الله ﵇ عنها؟! [ألا وإني] (٢) لا أوتى بأحد نكحها إلَّا رجمته". فإن صح هذا فهو يبين أن عمر ﵁ إنما نهى عنها لنهي النبي ﵇.

стр. 5213

ص: فهذا عمر ﵁ قد نهى عن متعة النساء بحضرة أصحاب رسول الله ﵇ فلم ينكر ذلك عليه منكر، وفي هذا دليل على متابعتهم له على ما نهى عنه من ذلك، وفي إجماعهم على النهي في ذلك عنها دليل على نسخها، ثم هذا ابن عباس يقول: إنما أبيحت والنساء قليل، فلما كثرن ارتفع المعنى الذي من أجله أبيحت، وقال أبو ذرٍّ: "إنما كانت لنا خاصة"، فقد يحتمل أن تكون كانت لهم للمعنى الذي ذكره ابن عباس إنها أبيحت من أجله. وأما قول جابر: "كنا نتمتع حتى نهانا عنها عمر ﵁" فقد يجوز أن يكون لم يعلم بتحريم رسول الله ﵇ إياها حتى علمه من قول عمر ﵁ وفي تركه ما قد كان رسول الله ﵇ إباحَهُ لهم دليل على أن الحجة (عليه قد قامت له عنده) (١) على نسخ ذلك وتحريمه فوجب لما ذكرنا نسخ ما روينا في أول هذا الباب من إباحة متعة النساء. ش: أشار بقوله: "فهذا عمر ﵁" إلى وقوع الإِجماع على تحريم المتعة في أيامه، وإلى أن إجماعهم على ذلك دليل على أن ما روي من إباحتها قد نسخ ورفع حكمه. قوله: "ثم هذا ابن عباس" إشارة إلى أن ما روي عن ابن عباس من إباحة المتعة إنما كان لعلة ذكرها، وإن تلك العلة قد زالت، وزال الحكم المبني عليها بزوالها. قوله: "وقال أبو ذر إلى آخره" إشارة إلى أن معنى الخصوصية التي ذكرها أبو ذر في المتعة إنما كان للمعنى الذي ذكره ابن عباس، وقد ارتفع ذلك كما ذكرنا. قوله: "وأما قول جابر إلى آخره" إشارة إلى توجيه قوله: "كنا نتمتع حتى نهانا عمر" وهو أنه كان يحتمل أنه لم يبلغه خبر التحريم حتى وقف عليه من عمر ﵁ ثم إن تركه دليل على أن الحجة قد قامت بتحريمها عنده، فإذا كان كذلك فقد وقع الاتفاق عن كل من روى إباحة ذلك مع من كان يرى بحرمتها، فصار إجماعًا، فهذا الإِجماع قد دل على أن أحاديث الإِباحة التي احتجت بها أهل المقالة الأولى منسوخة لا يعمل بها، والله أعلم.

стр. 5214

ص: وقد قال بعض أهل العلم: إن النكاح إذا عقد على متعة أيام، فهو جائز على الأبد، والشرط باطل. ش: من بعض ما قال بهذا القول زفر بن الهذيل، فإنه قال: إذا تزوج امرأة عشرة أيام مثلًا أو شهرًا أو سَنة فالنكاح ثابت أبدًا والشرط باطل؛ لأنه أتى بالنكاح والشرط، والنكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة. وقال الأوزاعي: إذا نكح امرأة نكاحًا صحيحًا ولكنه يرى في حين العقد عليها ألَّا يمكث معها إلاَّ شهرًا أو نحوه ويطلقها فهي متعة، ولا خير فيه. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يضره ذلك إذا لم يشترط في نكاحه. ص: فمن الحجة على هذا القول: أن رسول الله ﵇ لما نهاهم عن المتعة قال لهم: من كان عنده من هذه النساء التي يتمتع بهن شيء فليفارقهن، فدل ذلك على أن ذلك العقد المتقدم لا يوجب دوام العقد للأبد؛ لأنه لو كان يوجب دوام العقد للأبد لكان يفسخ الشرط الذي كانا تعاقدا بينهما ولا يفسخ النكاح، إذا كان ثبت على صحة وجواز قبل النهي، ففي أمره إياهم بالمفارقة دليل على أن مثل ذلك العقد لا يوجب ملك بضع، وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد ﵏. ش: هذا بيان رد القول المذكور، وهو ظاهر جدًّا. قوله: "إذا كان" أي حين كان، ويجوز أن تكون إذ للتعليل أي لأجل كون ثبوت العقد على صحة. قوله: "وهذا قول أبي حنيفة" أشار به إلى أن ما ذكر من تحريم المتعة وانتساخها أنه قول أبي حنيفة وصاحبيه -رحمهم الله تعالى- وهو أيضًا قول مالك، والشافعي، وأحمد ﵏ كما ذكرناه. ***

стр. 5215

ص: باب: مقدار ما يقيم الرجل عند الثيب أو البكر إذا تزوجها ش: أي هذا باب في بيان القسم بين البكر والثيب، هل يقيم بينهما على السواء أو تخصص البكر بزيادة؟ ص: حدثنا يونس، قال: أنا سفيان، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: "للبكر سبع وللثيب ثلاث". حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: أنا خالد، عن أبي قلابة، عن أنس، قال: "إذا تزوج البكر أقام عندها سبعًا، ثم قسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا". قال خالد في حديثه: ولو قلت: إنه رفع الحديث لصدقت، ولكنه قال: "السنة كذلك". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن خالد الحذاء، قال: سمعت أبا قلابة يحدث، عن أنس قال: "السُّنَّة إذا تزوج الرجل البكر أقام عندها سبعًا، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا". حدثنا أبو أُمية، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس مثله. حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن مسلمة القعنبيّ، قال: ثنا مالك، عن حميد الطويل، عن أنس قال: "للبكر سبع، وللثيب ثلاث". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره ... فذكر بإسناد مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن حميد، عن أنس قال: "سنَّة البكر سبع والثيب ثلاث". حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا زهير، قال: ثنا حميد، عن أنس قال: "إذا تزوج الرجل البكر وعنده غيرها فلها سبع ثم يقسم، وإذا تزوج الثيب فثلاث ثم يقسم".

стр. 5216

حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: أنا حميد قال: سمعت أنسًا يقول مثل ذلك وزاد أنه قال: "ولو قلت: إنه رفع الحديث لصدقت، ولكنه قال: السُّنة كذلك". حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا حميد، قال: ثنا أنس بن مالك: "أن رسول الله ﵇ لما أصاب صفية بنت حيي واتخذها أقام عندها ثلاثاً". ش: هذه عشر طرق صحاح: الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح، وسفيان هو ابن عُيينة، وأيوب هو السختياني، وأبو قلابة: عبد الله بن زيد الجرمي أحد الأئمة الأعلام. وأخرجه مسلم (١): حدثني محمد بن رافع، قال: ثنا عبد الرزاق، عن سفيان، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: "من السُّنة أن يقيم عند البكر سبعاً". قال سفيان: ولو شئت قلت: رفعه إلى النبي ﵇. وأخرجه البخاري معلقًا (٢) وقال الترمذي (٣): حديث أنس حديث حسن صحيح، وقد رفعه محمد بن إسحاق، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، ولم يرفعه بعضهم. وأخرجه ابن ماجه في "سننه" (٤): عن هناد بن السري، ثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: قال رسول الله ﵇: "للثيب ثلاث وللبكر سبع".

стр. 5217

وأخرجه الإسماعيلي في "صحيحه" أيضًا مرفوعًا: ثنا عمران، ثنا عثمان، ثنا عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: "للبكر سبع وللثيب ثلاث". ورواه ابن خزيمة وابن حبان (١) في "صحيحيهما": من حديث عبد الجبار، عن سفيان، ثنا أيوب ... فذكره مرفوعًا. ورواه الدارقطني في "الغرائب والأفراد" وقال: تفرد به عبد الجبار بن العلاء، عن سفيان بن عُيينة، عن أيوب، عن أبي قلابة، وفيه: "ثم يعود إلى نسائه". وأخرجه ابن حزم (٢) أيضًا مرفوعًا: ثنا أحمد بن قاسم، ثنا أبي: قاسم بن محمد بن قاسم، ثنا جدي: ابن قاسم بن أصبغ، ثنا أبو قلابة هو عبد الملك بن يزيد الرقاشي، ثنا أبو عاصم هو الضحاك بن مخلد، ثنا سفيان الثوري، عن أيوب السختياني وخالد الحذاء كلاهما، عن أبي قلابة هو عبد الله بن زيد الجرمي، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﵇ قال: "إذا تزوج البكر أقام عندها سبعًا، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثاً". وقال أبو عمر بن عبد البر: لم يرفع حديث خالد، عن أبي خالد، عن أبي قلابة، عن أنس في هذا غير أبي عاصم فيما زعموا، وأخطأ فيه، وأما حديث أيوب عن أبي قلابة فمرفوع لم يختلفوا في رفعه. الثاني: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن هشيم بن بشير، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد، عن أنس. وأخرجه مسلم (٣): نا يحيى بن يحيى، قال: أنا هشيم، عن خالد، عن

стр. 5218

أبي قلابة، عن أنس بن مالك قال: "إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعًا، وإذا تزوج الثيب على البكر أقام عندها ثلاثًا". قال خالد: ولو قلت: إنه رفعه لصدقت، ولكنه قال: "السُّنة كذلك". الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة بن الحجاج، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس. وأخرجه البخاري (١): ثنا مسدد، نا بشير، قال: ثنا خالد، عن أبي قلابة، عن أنس: ولو شئت أن أقول: قال النبي ﵇، ولكن قال: "السُّنة إذا تزوج بالبكر أقام عندها سبعًا، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا". وأخرجه الترمذي (٢): عن يحيى بن خلف، عن بشر، عن خالد ... إلى آخره نحوه. الرابع: عن أبي أُميَّة محمد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان، عن أبي قلابة، عن أنس. وأخرجه البخاري (٣): ثنا يوسف بن راشد، ثنا أبو أسامة، عن سفيان، ثنا أيوب وخالد، عن أبي قلابة، عن أنس قال: "من السُّنة إذا تزوج الرجل البكر على الثيب أقام عندها سبعًا، وقسم، وإذا تزوج الثيب على البكر أقام عندها ثلاثاً ثم قسم، قال أبو قلابة: ولو شئت لقلت: إن أنسًا رفعه إلى النبي ﵇". الخامس: عن صالح بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي، عن مالك بن أنس، عن حميد الطويل، عن أنس. وأخرجه مالك في "موطإه" (٤): عن حميد الطويل، عن أنس أنه كان يقول: "للبكر سبع، وللثيب ثلاث".

стр. 5219

السادس: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك وحميد الطويل، عن أنس. وأخرجه ابن وهب في "مسنده" عن مالك نحوه. السابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي عمر حفص بن عمر الحوضي شيخ البخاري وأبي داود، عن خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن الواسطي الطحان، عن حميد الطويل، عن أنس. وأخرجه البيهقي (١): من حديث أبي قلابة وحميد، عن أنس قال: "للبكر سبعة أيام، وللثيب ثلاثة أيام". الثامن: عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، عن زهير بن معاوية، عن حميد، عن أنس. وأخرجه البيهقي (٢) أيضًا: من حديث حميد، عن أنس: "إذا تزوج بكرًا فلها سبع ثم يقسم، وإن كانت ثيبًا أقام عندها ثلاثًا ثم يقسم". التاسع: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك. وأخرجه النسائي نحوه. العاشر: عن صالح بن عبد الرحمن أيضًا، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن حميد، عن أنس قال: "لما أصاب ... " إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٣): ثنا وهب بن بقية وعثمان بن أبي شيبة، عن هشيم، عن حميد، عن أنس قال: "لما أخذ رسول الله ﵇ صفية أقام عندها ثلاثاً". زاد عثمان: وكانت ثيبًا.

стр. 5220

ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن الرجل إذا تزوج الثيب أنه بالخيار إن شاء سبّع لها وسبّع لسائر نسائه، وإن شاء أقام عندها ثالثًا ودار على بقية نسائه يومًا وليلة ليلة. ش: أراد بالقوم هؤلاء: إبراهيم النخعي، وعامرًا الشعبي، ومالكًا، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبا ثور، وأبا عُبيد، فإنهم قالوا: إذا تزوج الرجل الثيب أنه بالخيار، إن شاء سبّع لها وسبّع لسائر نسائه، وإن شاء أقام عندها ثلاث ليالٍ ودار على بقية نسائه يومًا يومًا, وليلةً ليلة. تحقيق مذاهب العلماء ها هنا ما ذكره ابن حزم فقال: إذا تزوج الرجل بكرًا حرة أو أَمَة أو كتابية وله امرأة أخرى حرة أو أمَة فعليه أن يخص البكر بمبيت سبع ليال عندها، ثم يقسم فيعدل ولا يحاسب بتلك السبع ولا بشيء منها، فإن تزوج ثيبًا حرة أو أَمة وعنده زوجة أخرى حرة أو أَمة مسلمة أو كتابية فله أن يخصها بمبيت ثلاث ليال ثم يقسم ويعدل ولا يحاسبها بتلك الثلاث، فإن زاد على الثلاث أقام عند غيرها كما أقام عندها سواء بسواء ويسقط حكمها في التفضيل، ثم استدل على ذلك بما روي عن أنس المذكور، ثم قال: وبه يقول أنس بن مالك، وإبراهيم النخعي، والشعبي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأبو سليمان، وذهبت طائفة إلى غير ذلك، وهو أن للبكر ثلاث ليال وللثيب ليلتان روينا ذلك عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، أنه سأل عطاء عن ذلك فقال عطاء: يؤثرون عن أنس بن مالك أنه قال: "للبكر ثلاث وللثيب ليلتان". ومن طريق عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن يونس بن عُبيد، عن الحسن قال: "للبكر [ثلاث] (١) وللثيب ليلتان". ومن طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: "يمكث عند البكر ثلاثًا ثم يقسم، وعند الثيب يومين ثم يقسم"، وهو قول خلاس بن عمرو، وسفيان الثوري، والأوزاعي.
следующие страницы →