حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: أنا حميد قال: سمعت أنسًا يقول مثل ذلك وزاد أنه قال: "ولو قلت: إنه رفع الحديث لصدقت، ولكنه قال: السُّنة كذلك".
حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا حميد، قال: ثنا أنس بن مالك: "أن رسول الله ﵇ لما أصاب صفية بنت حيي واتخذها أقام عندها ثلاثاً".
ش: هذه عشر طرق صحاح:
الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح، وسفيان هو ابن عُيينة، وأيوب هو السختياني، وأبو قلابة: عبد الله بن زيد الجرمي أحد الأئمة الأعلام.
وأخرجه مسلم (١): حدثني محمد بن رافع، قال: ثنا عبد الرزاق، عن سفيان، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: "من السُّنة أن يقيم عند البكر سبعاً". قال سفيان: ولو شئت قلت: رفعه إلى النبي ﵇.
وأخرجه البخاري معلقًا (٢) وقال الترمذي (٣): حديث أنس حديث حسن صحيح، وقد رفعه محمد بن إسحاق، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، ولم يرفعه بعضهم.
وأخرجه ابن ماجه في "سننه" (٤): عن هناد بن السري، ثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: قال رسول الله ﵇: "للثيب ثلاث وللبكر سبع".
стр. 5217
وأخرجه الإسماعيلي في "صحيحه" أيضًا مرفوعًا: ثنا عمران، ثنا عثمان، ثنا عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: "للبكر سبع وللثيب ثلاث".
ورواه ابن خزيمة وابن حبان (١) في "صحيحيهما": من حديث عبد الجبار، عن سفيان، ثنا أيوب ... فذكره مرفوعًا.
ورواه الدارقطني في "الغرائب والأفراد" وقال: تفرد به عبد الجبار بن العلاء، عن سفيان بن عُيينة، عن أيوب، عن أبي قلابة، وفيه: "ثم يعود إلى نسائه".
وأخرجه ابن حزم (٢) أيضًا مرفوعًا: ثنا أحمد بن قاسم، ثنا أبي: قاسم بن محمد بن قاسم، ثنا جدي: ابن قاسم بن أصبغ، ثنا أبو قلابة هو عبد الملك بن يزيد الرقاشي، ثنا أبو عاصم هو الضحاك بن مخلد، ثنا سفيان الثوري، عن أيوب السختياني وخالد الحذاء كلاهما، عن أبي قلابة هو عبد الله بن زيد الجرمي، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﵇ قال: "إذا تزوج البكر أقام عندها سبعًا، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثاً".
وقال أبو عمر بن عبد البر: لم يرفع حديث خالد، عن أبي خالد، عن أبي قلابة، عن أنس في هذا غير أبي عاصم فيما زعموا، وأخطأ فيه، وأما حديث أيوب عن أبي قلابة فمرفوع لم يختلفوا في رفعه.
الثاني: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن هشيم بن بشير، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد، عن أنس.
وأخرجه مسلم (٣): نا يحيى بن يحيى، قال: أنا هشيم، عن خالد، عن
стр. 5218
أبي قلابة، عن أنس بن مالك قال: "إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعًا، وإذا تزوج الثيب على البكر أقام عندها ثلاثًا".
قال خالد: ولو قلت: إنه رفعه لصدقت، ولكنه قال: "السُّنة كذلك".
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة بن الحجاج، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس.
وأخرجه البخاري (١): ثنا مسدد، نا بشير، قال: ثنا خالد، عن أبي قلابة، عن أنس: ولو شئت أن أقول: قال النبي ﵇، ولكن قال: "السُّنة إذا تزوج بالبكر أقام عندها سبعًا، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا".
وأخرجه الترمذي (٢): عن يحيى بن خلف، عن بشر، عن خالد ... إلى آخره نحوه.
الرابع: عن أبي أُميَّة محمد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان، عن أبي قلابة، عن أنس.
وأخرجه البخاري (٣): ثنا يوسف بن راشد، ثنا أبو أسامة، عن سفيان، ثنا أيوب وخالد، عن أبي قلابة، عن أنس قال: "من السُّنة إذا تزوج الرجل البكر على الثيب أقام عندها سبعًا، وقسم، وإذا تزوج الثيب على البكر أقام عندها ثلاثاً ثم قسم، قال أبو قلابة: ولو شئت لقلت: إن أنسًا رفعه إلى النبي ﵇".
الخامس: عن صالح بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي، عن مالك بن أنس، عن حميد الطويل، عن أنس.
وأخرجه مالك في "موطإه" (٤): عن حميد الطويل، عن أنس أنه كان يقول: "للبكر سبع، وللثيب ثلاث".
стр. 5219
السادس: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك وحميد الطويل، عن أنس.
وأخرجه ابن وهب في "مسنده" عن مالك نحوه.
السابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي عمر حفص بن عمر الحوضي شيخ البخاري وأبي داود، عن خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن الواسطي الطحان، عن حميد الطويل، عن أنس.
وأخرجه البيهقي (١): من حديث أبي قلابة وحميد، عن أنس قال: "للبكر سبعة أيام، وللثيب ثلاثة أيام".
الثامن: عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، عن زهير بن معاوية، عن حميد، عن أنس.
وأخرجه البيهقي (٢) أيضًا: من حديث حميد، عن أنس: "إذا تزوج بكرًا فلها سبع ثم يقسم، وإن كانت ثيبًا أقام عندها ثلاثًا ثم يقسم".
التاسع: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك.
وأخرجه النسائي نحوه.
العاشر: عن صالح بن عبد الرحمن أيضًا، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن حميد، عن أنس قال: "لما أصاب ... " إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (٣): ثنا وهب بن بقية وعثمان بن أبي شيبة، عن هشيم، عن حميد، عن أنس قال: "لما أخذ رسول الله ﵇ صفية أقام عندها ثلاثاً". زاد عثمان: وكانت ثيبًا.
стр. 5220
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن الرجل إذا تزوج الثيب أنه بالخيار إن شاء سبّع لها وسبّع لسائر نسائه، وإن شاء أقام عندها ثالثًا ودار على بقية نسائه يومًا وليلة ليلة.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: إبراهيم النخعي، وعامرًا الشعبي، ومالكًا، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبا ثور، وأبا عُبيد، فإنهم قالوا: إذا تزوج الرجل الثيب أنه بالخيار، إن شاء سبّع لها وسبّع لسائر نسائه، وإن شاء أقام عندها ثلاث ليالٍ ودار على بقية نسائه يومًا يومًا, وليلةً ليلة.
تحقيق مذاهب العلماء ها هنا ما ذكره ابن حزم فقال: إذا تزوج الرجل بكرًا حرة أو أَمَة أو كتابية وله امرأة أخرى حرة أو أمَة فعليه أن يخص البكر بمبيت سبع ليال عندها، ثم يقسم فيعدل ولا يحاسب بتلك السبع ولا بشيء منها، فإن تزوج ثيبًا حرة أو أَمة وعنده زوجة أخرى حرة أو أَمة مسلمة أو كتابية فله أن يخصها بمبيت ثلاث ليال ثم يقسم ويعدل ولا يحاسبها بتلك الثلاث، فإن زاد على الثلاث أقام عند غيرها كما أقام عندها سواء بسواء ويسقط حكمها في التفضيل، ثم استدل على ذلك بما روي عن أنس المذكور، ثم قال: وبه يقول أنس بن مالك، وإبراهيم النخعي، والشعبي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأبو سليمان، وذهبت طائفة إلى غير ذلك، وهو أن للبكر ثلاث ليال وللثيب ليلتان روينا ذلك عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، أنه سأل عطاء عن ذلك فقال عطاء: يؤثرون عن أنس بن مالك أنه قال: "للبكر ثلاث وللثيب ليلتان".
ومن طريق عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن يونس بن عُبيد، عن الحسن قال: "للبكر [ثلاث] (١) وللثيب ليلتان".
ومن طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: "يمكث عند البكر ثلاثًا ثم يقسم، وعند الثيب يومين ثم يقسم"، وهو قول خلاس بن عمرو، وسفيان الثوري، والأوزاعي.
стр. 5221
فقالت طائفة: لا يقيم عند الثيب والبكر إلاَّ ما يقيم عند غيرها ممن عنده، وهو قول الحكم بن عتيبة، وحماد بن أبي سليمان، وأبي حنيفة وأصحابه.
ص: واحتجوا فيما ذكروا بهذا الحديث وبحديث أم سلمة ﵂.
حدثنا يونس، قال: أنا سفيان، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال: "لما بني رسول الله ﵇ بأم سلمة قال لها: ليس [بك] (١) على أهلك هوان؛ إن شئت سبعت لك وإلَّا فثلثت ثم أدور".
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا مالك (ح).
وحدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الملك بن أبي بكر، عن أبي بكر بن عبد الرحمن هو ابن الحارث: "أن رسول الله ﵇ حين تزوج أم سلمة فأصبحت عنده قال: ليس بك هوان على [أهلك] (٢) إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن، وإن شئت ثلثت ثم درت [قالت] (٣): ثلث".
حدثنا أبو أُميَّة، قال: نا علي بن عبد الله بن جعفر، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا محمد بن أبي بكر، قال: حدثني عبد الملك بن أبي بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبيه، عن أم سلمة: "أن النبي ﵇ قال لأم سلمة حين تزوجها: ما بك [على أهلك] (٤) هوان، إن شئت سبعت لك، وإن سبعت لك سبعت لنسائي".
стр. 5222
قالوا: فلما قال رسول الله ﵇: إن شئت سبعت لك، وإلَّا فثلثت ثم أدور، دل ذلك أن الثلاث حق لها دون سائر النساء.
ش: أي أجمع هؤلاء القوم فيما ذكروا من الصورة بحديث أنس المذكور، واحتجوا أيضًا بحديث أم سلمة، وأخرجه من أربع طرق الثلاثة الأولى مرسلة منقطعة:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عُيينة، عن عبد الله بن أبي بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المدني، عن أبيه أبي بكر بن عبد الرحمن أحد الفقهاء السبعة قيل: اسمه محمد وقيل: اسمه كنيته، وهو الصحيح.
وهؤلاء كلهم رجال الصحيح.
وأخرجه مسلم (١) أيضًا منقطعًا: نا عبد الله بن مسلمة، قال: ثنا سليمان -يعني ابن بلال- عن عبد الرحمن بن حميد، عن عبد الملك بن أبي بكر، عن أبي بكر بن عبد الرحمن: "أن رسول الله ﵇ حين تزوج أم سلمة فدخل عليها فأراد أن يخرج أخذت بثوبه، فقال رسول الله ﵇: "إن شئت زدتك وحاسبتك به، البكر سبع وللثيب ثلاث".
قوله: "ليس بك على أهلك هوان" معناه ليس يلحقك هوان ولا يتعلق بك بل يوفي حقك من المقام والتأنيس به، وذلك لما أخذت بثوبه ﵇ حين أراد الخروج، فهم منها استقلال مقامه عندها والاستكثار منه، فبين لها ما لها وما عليها من ذلك، وأنه إن زادها على حقها وجب أن يزيد لنسائه فيطول عليها مغيبه، فآثرت القنوع بحقها من الثلاث ثم تعطي من بعدها أيامهن المعلومة ثم يرجع إليها فيقرب
стр. 5223
رجوعه إليها ونوبتها منه، والمراد بأهلك هنا نفسه ﵇، أي: لا أفعل فعلاً يظهر به هوانك عليّ أو تظنيه بيّ.
قوله: "إن شئت سبعت لك، وإلَّا فثلثت ثم أدور" وفي بعض طرقه: "إن شئت زدتك وحاسبتك به للبكر سبع وللثيب ثلاث"، وفي بعض طرقه: "إن شئت أن أسبع لك وأسبع لنسائي وإن سبعت لك سبعت لنسائي".
قوله: "سبعت لك" أي أقمت عندك سبعًا.
قوله: "فثلثت" أي أقمت عندك ثلاثًا، وقد اشتقوا فعل من الواحد إلى العشرة، يقال: وَحَّدَ وثنّى وثلّث وربّع وخمَّس وسدّس وسبّع وثمّن وتسّع وعشّر.
الثاني: عن صالح بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي، عن مالك بن أنس، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الملك بن أبي بكر، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث.
وأخرجه مالك في "موطإه" (١) عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، عن أبيه: "أن رسول الله ﵇ حين تزوج أم سلمة وأصبح عندها قال: ليس بك على أهلك هوان، "إن شئت سبّعت عندك وسبعت عندهن، وإن شئت ثلثت عندك ودرت؟ " فقالت: ثلث".
الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك ... إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٢): نا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن: "أن رسول الله ﵇ حين تزوج
стр. 5224
أم سلمة وأصبحت عنده فقال: ليس بك على أهلك هوان إن شئت سبعت عندك وإن شئت ثلثت ثم درت؟ قالت: ثلث".
قال أبو عمر ﵀: هذا حديث ظاهر الانقطاع، وهو متصل بسند صحيح قد سمعه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن أم سلمة: "أن رسول الله ﵇ قال لها: إن شئت سبعت لك وإن أسبع لك أسبع لنسائي".
قلت: هذا مما تتبعه الدارقطني على مسلم، وقال أبو عمر: من قال بحديث هذا الباب قال: إن أقام عند البكر أو الثيب سبعًا أقام عند سائر نسائه سبعًا، وإن أقام عندها ثلاثًا أقام عند كل واحدة منهن ثلاثًا ثلاثًا، وتأولوا في قوله: "وإن شئت ثلثت ودرت" أي درت بثلاث ثلاث على سائرهن، وهو قول فقهاء الكوفيين، وفي هذا الباب عجب لأنه صار فيه أهل الكوفة إلى ما رواه أهل المدينة، وصار فيه أهل المدينة إلى ما رواه أهل البصرة.
الرابع: مسند متصل، عن أبي أُميّة محمد بن مسلم بن إبراهيم الطرسوسي، عن علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي شيخ البخاري وأبي داود، عن يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان الثوري، عن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن أم سلمة زوج النبي ﵇.
وأخرجه مسلم (١): نا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن حاتم ويعقوب بن إبراهيم -واللفظ لأبي بكر- قالوا: نا يحيى بن سعيد، عن سفيان ... إلى آخره نحوه.
قوله: "وقالوا" أي القوم المذكورين إن قوله ﵇: و"إلَّا فثلثت ثم أدور" يدل أن الثلاث حق لها دون سائر النساء.
стр. 5225
وقال عياض في قوله: "أدور" أو "درت" حجة لمن ذهب أن القسم لا يكون إلاَّ يوما وإليه ذهب ابن المنذر، وهو قول مالك، وذهب الشافعي إلى جواز قسمه بينهن ثلاثًا ثلاثًا، ويومين يومين، ولم يختلفوا إذا كان القسم أكثر من يومين بتراضيهن أجمع أنه جائز.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: إن ثلث لها ثلث لسائر نسائه، كما إذا سبع لها سبع لسائر نسائه، واحتجوا في ذلك بحديث أم سلمة: "أن رسول الله ﵇ قال لها: إن سبعت عندك سبعت عندهن".
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا حماد بن سلمة (ح).
وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل المنقري، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت (ح).
وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا آدم بن أبي إياس، قال: ثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن ابن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أم سلمة: "أن رسول الله ﵇ قال لها لما بنى بها وأصبحت عنه: لئن شئت سبعت لك، وإن سبعت لك سبعت لنسائي".
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا أحمد بن صالح، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أنا ابن جريج، قال: أخبرني حبيب بن أبي ثابت، أن عبد الحميد بن عبد الله بن أبي عمرو والقاسم بن محمد بن عبد الرحمن. أخبراه، أنهما سمعا أبا بكر بن عبد الرحمن يخبر عن أم سلمة زوج النبي ﵇ أنها أخبرته فذكرت عن رسول الله ﵇ مثله.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: حماد بن أبي سليمان والحكم بن عتيبة وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا، فإنهم قالوا: إن ثلث للثيب التي تزوجها ثلث أيضًا لسائر نسائه كما إذا سبع للبكر سبع لسائر نسائه أيضًا، واحتجوا
стр. 5226
في ذلك بقوله ﵇ لأم سلمة: "إن سبعت عندك سبعت عندهن". وأخرجه من أربع طرق:
الأول: عن علي بن شيبة، عن يزيد بن هارون الواسطي شيخ أحمد، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن ابن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه عمر بن أبي سلمة، عن أم سلمة أن رسول الله ﵇.
قد ذكرنا في باب "النكاح بغير ولي" أن عمر بن أبي سلمة من الصحابة، وأبو سلمة اسمه عبد الله بن عبد الأسد، وهو أيضًا صحابي جليل، وهذه الطرق الثلاث قد مرت هناك بعينها بهؤلاء الرجال؛ لأن هذا الحديث الذي أخرجه ها هنا من بقية الحديث الذي أخرجه هناك.
وذكرنا هناك أن أحمد أخرجه في "مسنده" (١): بهذا الطريق مطولاً، وفي آخره قال: "ثم بني بأهله، ثم قال: إن شئت أن أسبع لك وسبَّعت للنساء".
وقد ذكرنا أن ابن عمر هذا يحتمل أن يكون محمدًا؛ لأن يعقوب بن محمد بن عيسى الزهري روى عن عبد الرحمن بن محمد بن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن جده أحاديث.
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي شيخ البخاري -عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن ابن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أم سلمة.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): ثنا أبو سلمة الكشي، قال: ثنا أبو عمر الضرير، نا حماد بن سلمة، عن ثابت، قال: أخبرني ابن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أم سلمة "أن رسول الله ﵇ قال لها حين تزوج بها: إن شئت أسبع لك سبعت لك ثم سبَّعت لسائر نسائي".
стр. 5227
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود أيضًا، عن آدم بن أبي إياس شيخ البخاري، عن سليمان بن المغيرة القيسي روى له الجماعة، عن ثابت، عن ابن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أم سلمة.
وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (١): ثنا إبراهيم بن الحجاج الشامي، ثنا حماد، عن ثابت، عن ابن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أم سلمة مطولاً، وفي آخره: "فقال [لها] (٢): إن شئت أن أسبع لك كما سبعت للنساء".
الرابع: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن أحمد بن صالح المعروف بابن الطبري شيخ البخاري، عن عبد الرزاق، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار روى له الجماعة، عن عبد الحميد بن عبد الله ابن أبي عمرو بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي المدني، وثقه ابن حبان، وروى له النسائي هذا الحديث فقط.
وأخرجه الطبراني مطولًا (٣): نا إسحاق بن إبراهيم، نا عبد الرزاق، أنا ابن جريج، أخبرني حبيب أن عبد الحميد بن عبد الله بن أبي عمرو والقاسم بن محمد بن عبد الرحمن، أخبراه أنهما سمعا أبا بكر بن عبد الرحمن يخبر أن أم سلمة زوج النبي ﵇ أخبرته: "أنها لما قدمت المدينة أخبرتهم أنها بنت أُميَّة بن المغيرة فكذبوها ويقولون: ما أكذب الغرائب؟! حتى أنشأ ناس منهم إلى الحج فقالوا: تكتبين إلى أهلك؟ فكتبت معهم، فرجعوا إلى المدينة فصدقوها وازدادت عليهم كرامة، قالت: فلما وضعت زينب جاءني النبي ﵇ فخطبني فقلت: ما مثلي تنكح، أما أنا فلا ولد فيَّ، وأنا غيور ذات عيال، قال: أنا أكبر منك، وأما المغيرة فيذهبها الله، وأما العيال فإلى الله ورسوله، فتزوجها فجعل يأتيها فيقول: كيف زناب، أين زناب؟ حتى جاء
стр. 5228
عمار بن ياسر يومًا فاختلجها وقال: هذه تمنع رسول الله ﵇ وكانت ترضعها، فجاء النبي ﵇ فقال: أين زناب؟ قالت قُرَيْبَة بنت أميَّة -ووافقها عندها-: أخذها عمار بن ياسر، فقال النبي ﵇: أنا آتيكم الليلة، قالت: فقمت فوضعت ثفالي، وأخرجت حبات من شعير كانت في جرٍّ وأخرجت شحمًا فعصدته له، قال: فبات النبي ﵇ ثم أصبح فقال: إن بك على أهلك كرامةً، وإن شئت سبَّعت وإن أسبِّع أسبع لنسائي".
وأخرجه البيهقي (١) أيضًا نحوه.
قوله: "حتى أنشأ ناس منهم إلى الحج". أي خرج ناس منهم إلى مكة لقصد الحج.
قوله: "كيف زناب؟ " أراد بها زينب بنت أم سلمة.
قوله: "فاختلجها". أي جذبها ونزعها.
قوله: "قُرَيْبَة بنت أبي أُميَّة". بالقاف والراء، وهي قُرَيْبَة بنت أبي أميَّة بن المغيرة ابن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشية المخزومية الصحابية.
قوله:"ثمالي" (٢).
ص: قالوا: فلما قال لها رسول الله ﵇: "إن سبعت لك سبعت لنسائي" أي أعدل بينك وبينهن فأجعل لكل واحدة منهن سبعًا كما أقمت عندك سبعًا؛ كان كذلك أيضًا إذا جعل لها ثلاثًا جعل لكل واحدة منهن كذلك أيضًا.
ش: أي قال هؤلاء الآخرون: لما قال النبي ﵇ لها -أي أم سلمة- "إن سبعت لك سبعت لنسائي" معناه: أعدل بينك وبينهن ... إلى آخره. وقال محمد بن
стр. 5229
الحسن: قوله: "وإن شئت ثلثت ثم درت" معناه بمثل ذلك أدور ثلاثًا ثلاثًا، فلم يعطها في السبع شيئًا إلاَّ أعلمها أنه يعطي غيرها مثلها، فدل ذلك على المساواة بينهن، ولو استحقت الثيب ثلاثة أيام قسمة لها لوجب إذا سبَّع عندها أن يربِّع لغيرها من نسائه.
وقال الخطابي: قوله: "إن شئت سبعت لك وسبعت لنسائي" لا حجة فيه لسقوط حقها إذا لم يسبِّع لها وهو الثلاث، ولو كان ذلك لم يكن للتخيير معنى؛ إذ لا يخير الإِنسان بين جميع الحق وبعضه، ولم يختلفوا أنه إذا سبع أنه يسبع لبقية نسائه، وبه قال الشافعي وأحمد.
قلت: معنى قوله: "إن سبعت لك" هو ما ذكره الطحاوي، وبه يدفع ما قاله الخطابي.
ص: فقال أصحاب المقالة الأول: فما معنى قوله: ثم أدور؟ قيل لهم: يحتمل ثم أدور بالثلاث عليهن جميعًا؛ لأنه لو كانت الثلاثة حقًّا لها دون سائر النساء لكان إذا أقام عندها سبعًا كان ثلاثة منهن غير محسوبة عليها, ولوجب أن يكون لسائر النساء أربع أربع، فلما كان الذي للنساء إذا أقام عندها سبعًا، سبعًا لكل واحدة منهن، كان كذلك إذا أقام عندها ثلاثًا فلكل واحدة منهن ثلاث، ثلاث. هذا هو النظر الصحيح مع استقامة تأويل هذه الآثار عليه.
ش: هذا السؤال على التفسير الذي ذكره بقوله: "أن أعدل بينكن ... إلى آخره" بيانه إذا كان المعنى على ما ذكرتم فما معنى: "ثم أدور"؛ لأنه لم يبق له حينئذٍ فائدة؛ لأن معناه: إن سبعت لك سبعت لغيرك أيضًا، وإن لم أسبع لك وثلثت أدور عليهن بيوم يوم.
والجواب أن المعنى: أعدل بينك وبينهن، فإذا سبعت لك سبعت لكل واحدة منهن غيرك، وإن ثلثت لك أدور بالثلاث عليهن جميعًا. فافهم. والله أعلم.
стр. 5230
ص: وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي النظر الصحيح هو قول أبي حنيفة وصاحبيه. واحتجت أصحابنا أيضًا فيما ذهبوا إليه بحديث أبي هريرة عن النبي ﵇ قال: "إذا كانت عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط".
أخرجه الترمذي (١) وأبو داود (٢) ولفظه: "مَنْ كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل".
والنسائي (٣)، ولفظه: "يميل لإحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة أحد شقيه مائل".
وبحديث عائشة أيضًا قالت: "كان رسول الله ﵇ يقسم فيعدل ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" يعني: القلب.
أخرجه الأربعة (٤)، وذكر الترمذي والنسائي أنه روي مرسلاً، وقال الترمذي: إن المرسل أصح، وجه الاستدلال بهذا: أن قوله: "إذا كانت عند الرجل امرأتان" لفظ عام يتناول البكر والثيِّب، والشابة والعجوز، والقديمة والحديثة، والمسلمة والكتابية فحينئذٍ يستوي هؤلاء كلهن في القسم.
وأما إذا كانت إحداهما حرَّةً والأخرى أمة فللحرة يومان وللأمَة يوم، روي ذلك عن علي ﵁ وقال ابن المنذر: وأجمع كل من نحفظ عنه العلم على أن القسم بين المسلمة والذمية سواء؛ لأنهن حرائر، فلا فرق بينهن في أحكام الأزواج، وروينا عن علي بن أبي طالب أنه قال: "إذا تزوج الحر الحرة على الأَمة قسم للحرة يومين وللأمة يومًا".
стр. 5231
وبه قال سعيد بن المسيب، ومسروق، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبُيد، وأبو ثور.
وذكر أبو عُبيد أن هذا قول الثوري، والأوزاعي، وأهل الرأي.
وقال مالك: إذا تزوج العبد حرةً وأمةً عدل بينهما بالسوية، وقال الكوفيون: يقسم بينهما كما يقسم الحر.
وبه قال أبو ثور.
وكان أبو حنيفة، والشافعي، وأبو ثور، يقولون: الصحيح والمريض والعنين والخصي والمجبوب في القسم سواء.
وكان الشافعي يقول في المرأة تثقل: لا بأس أن يقيم عندها حتى تخف أو تموت، ثم يوفي من بقي من نسائه مثل ما أقام عندها، وبه قال أبو ثور.
وقال الكوفيون: ما مضى هدرٌ، ويستقبل العدل فيما يستقبل.
وقال مالك: الصغيرة التي جومعت والبالغ سواء. وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشافعي وأبو حنيفة ومالك: الحائض والنفساء والمريضة والمجنونة لا يتمتع بها والصحيحة سواء في القسم. والله أعلم.
***
стр. 5232
ص: باب: العزل
ش: أي هذا باب في بيان عزل الرجل عن موطوءته وهو عزل الماء عنها حذر الحمل. يقال: عَزَل الشيء يعزله عزلا إذا نحَّاه وصرفه.
ص: حدثنا إبراهيم بن محمد بن يونس وصالح بن عبد الرحمن، قالا: ثنا عبد الله بن يزيد المقرىء، قال: ثنا سعيد بن أبي أيوب، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن عائشة قالت: حدثتني جدامة قالت: "ذكر عند رسول الله ﵇ العزل، فقال: ذاك الوأد الخفيّ".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: حدثني يحيى بن أيوب، قال: أخبرني أبو الأسود، قال: ثنا عروة، عن عائشة، عن جدامة بنت وهب الأسدية، عن رسول الله ﵇ مثله.
حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا أبو زرعة، قال: أنا حيوة، عن أبي الأسود، أنه سمع عروة يحدث، عن عائشة، عن جدامة عن رسول الله ﵇ مثله.
ش: هذه ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن محمد بن يونس بن مروان البصري، وصالح بن عبد الرحمن، كلاهما عن عبد الله بن يزيد المقرئ شيخ البخاري، عن سعيد بن أبي أيوب الخزاعي المصري، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل المدني يتيم عروة، عن عروة بن الزبير بن العوام، عن عائشة زوج النبي ﵇، عن جُدامة -بضم الجيم وبالدال المهملة- بنت وهب الأسدية الصحابية.
وأخرجه مسلم (١) بأتم منه: ثنا عُبيد الله بن سعيد ومحمد بن أبي عمر، قالا: نا المقرىء، قال: ثنا سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني أبو الأسود، عن عروة، عن عائشة، عن جدامة بنت وهب -أخت عكاشة- قالت: "حضرت رسول الله ﵇
стр. 5233
في أناسٍ وهو يقول: لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضر أولادهم ذلك شيئًا، ثم سألوه عن العزل، فقال رسول الله ﵇: ذاك الوأد الخفي -زاد عُبيد الله في حديثه عن المقرىء- وهي: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ (١) ".
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم شيخ البخاري، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن المدني، عن عروة، عن عائشة، عن جدامة.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): من حديث أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة، عن جدامة بنت وهب -أخت عكاشة- قالت: "حضرت رسول الله ﵇ في ناسٍ وهو يقول: لقد هممت أن أنهى عن الغيلة فنظرت في الروم وفارس، فإذا هم يغيلون أوالدهم ولا يضر أولادهم ذلك شيئًا، ثم سألوه عن العزل، فقال رسول الله ﵇: ذاك الوأد الخفي وهو ﴿الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ (١) ".
الثالث: عن ربيع بن سليمان الجيزي الأعرج، عن أبي زرعة وهب الله بن راشد الحجري المصري المؤذن، عن حيوة بن شريح بن صفوان التجيبي المصري الفقيه العابد، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن عائشة، عن جدامة.
وأخرجه الطبراني (٣): من حديث أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة، عن جدامة، عن النبي ﵇ نحوه.
قوله: "ذاك". إشارة إلى العزل. والوأد من وأَدَهَا يئدها وأدًا فهي موءودة.
وجعل رسول الله ﷺ العزل عن المرأة بمنزلة الوأد إلاَّ أنه خفيّ؛ لأن من يعزل عن
стр. 5234
امرأته إنما يعزل هربًا من الولد، ولذلك سمَّاه الموءودة الصغرى، والموءودة الكبرى هي التي تدفن وهي حيَّة، كان إذا ولد لأحدهم في الجاهلية بنت دفنها في التراب وهي حيَّة.
قوله: "فإذا هم يغيلون" من أغال الرجل وأغيل وأصله من الغَيْل بالفتح، وهو أن يجامع الرجل امرأته وهي موضع، وكذلك إذا حملت وهي مرضع، والغِيلة -بالكسر- الاسم من الغَيْل، ويقال: من الغِيلة والغَيْلهّ بالكسر والفتح، وقيل: الكسر للاسم والفتح للمرة، وقيل: لا يصح الفتح إلاَّ مع حذف الهاء.
وقال أبو عمر: قال مالك: الغيلة أن يمس الرجل امرأته وهي موضع حملت أو لم تحمل، وقال الأخفش: الغيلة والغيل سواء، وهو أن تلد المرأة فيغشاها زوجها وهي ترضع فتحمل، فإذا حملت فسد اللبن علي الصبي ويفسد به جسده وتضعف قوته.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فكره قومٌ العزل لهذا الأثر المرويّ في كراهة ذلك.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: إبراهيم النخعي وسالم بن عبد الله والأسود بن يزيد وطاوس بن كيسان؛ فإنهم قالوا: العزل مكروه.
وروي ذلك عن جماعة من الصحابة منهم: أبو بكر وعمر وعثمان وابن عمر وشدد فيه.
وقال ابن حزم (١): وصح المنع منه عن جماعة كما روينا عن حماد بن سلمة، عن عُبيد الله بن عمر، عن نافع: "أن ابن عمر كان لا يعزل، وقال: لو علمت أن أحدًا من ولدي يعزل لنكلته" قال علي: لا يجوز أن ينكل على شيء مباح عنده.
ومن طريق الحجاج بن المنهال: نا أبو عوانة، عن عاصم بن بهدلة، عن زِرّ بن حبيش: "أن علي بن أبي طالب كان يكره العزل".
стр. 5235
ورواه أيضًا (١) ابن حزم، عن ابن مسعود: "أنه قال في العزل: هي الموءودة الخفيَّة"، وعنه أيضًا: "أنه قال في العزل: هو الموءودة الصغرى".
وعن أبي أمامة الباهلي "ما كنت أرى مسلمًا يفعله".
وعن ابن عمر قال: "ضرب عمر ﵁ على العزل بعض بنيه".
وعن سعيد بن المسيب قال: "كان عمر بن الخطاب وعثمان يكرهان ذلك -أعني العزل" قال عليّ ﵀: سماع سعيد من عثمان صحيح.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فلم يروا به بأسًا إذا أذنت الحرة لزوجها فيه، وإن منعته من ذلك لم يَسَعْه أن يعزل عنها.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا والشافعي وأحمد، فإنهم قالوا: لا بأس بالعزل ولكن عن الحرة بإذنها؛ لأن لها حقًّا حتى إذا منعت لا يسع له العزل.
وقال الترمذي: وقد رخص قوم من أهل العلم من أصحاب النبي ﵇ وغيرهم في العزل. وقال مالك بن أنس: تستأمر الحُرة في العزل ولا تستأمر الأَمَة. وفي "سؤالات مهنَّى": سألت أحمد عن حديث هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن سوَّار الكوفي، عن ابن مسعود أنه قال: "يعزل الرجل عن أَمَته ولا يعزل عن الحُرة إلا بإذنها". فقال: كان يزيد يرويه عن هشام، قلت: من سوَّار هذا؟ قال: لا أدري، قلت: بلغني عن يحيى بن سعيد أنه كان يقول: هذا الحديث شبه لا شيء، فقال أحمد: كذاك هو.
وقال عبد الله بن أحمد: قرأت على أبي، عن وكيع، عن سفيان، عن عبد الله ابن محمد بن عقيل، عن جمانة -أو أن جمانة- سُريَّة علي بن أبي طالب قالت: "كان علي يعزل عنا، فقلنا له، فقال: أحيي شيئًا أماته الله ؟! "، وقال
стр. 5236
عياض: وبكراهة العزل قال بعض الصحابة، وبإجازته قال كثير منهم ومن التابعين وفقهاء الأمصار.
واختلفوا: هل للمرأة في ذلك حق؟ فرآه مالك والشافعي وأصحابهما حقًّا لها إذا كانت حرة ولا يعزل عنها إلا بإذنها، وكأنهم رأوا الإِنزال من تمام لذتها وحقها في الولد، ولم يروا ذلك لازمًا في الأَمَة.
ص: وقد خالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: له أن يعزل عنها إن شاءت أو أبت.
ش: أي وخالف القومين المذكورين جماعة آخرون في الحكم المذكور، وأراد بهم: الحسن البصري وسعيد بن المسيب وعكرمة، فإنهم قالوا: له أن يعزل عن امرأته إن شاءت أو أبتْ، وعن الحسن كراهته.
وروي الجواز مطلقًا عن زيد بن ثابت وسعد بن أبي وقاص، وعن رافع بن خديج أيضًا وخبَّاب بن الأرت وأبي أيوب الأنصاري وأُبيّ بن كعب وعلي بن الحسين وأنس بن مالك وابن معقل وابن عباس والحسن بن علي بن أبي طالب وعلقمة.
وسئل عنه ابن المسيب، فقال: هو حرثك، إن شئت أعطشته وإن شئت رويته.
وكذا قال عكرمة. وكل ذلك ذكره ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١).
ص: والقول الأول عندنا أصح القولين؛ وذلك أنا رأينا الزوج له أن يأخذ المرأة بأن يجامعها وإن كرهت ذلك، وله أن يأخذها بأن يفضي إليها ولا يعزل عنها، فكان له أن يأخذها بأن يفضي إليها في جماعه إياها كما يأخذها بأن يجامعها، وكان للمرأة أن تأخد زوجها بأن يجامعها، فكان لها أن تأخذه بأن يجامعها كما له أن يأخذها بأن يجامعها، وكان حق كل واحد منهما في ذلك على صاحبه سواء، وكان من حقه أن يفضي إليها في جماعه إن أحبت وإن
стр. 5237
كرهت هي ذلك، فالنظر على ما ذكرنا أن يكون كذلك من حقها عليه أن يفضي إليها في جماعه إياها إن أحب ذلك أو كره. هذا هو النظر في هذا الباب، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: إنما قال أصح القولين مع أن المذكور ثلاثة أقوال؛ لأن القول الثالث هو الذي يقابل القول الأول، والقول الثاني يقابل القول الأول من وجه ويقابل الثالث من وجه، ففي الحقيقة القول الأول والثاني سواء في كراهة العزل، غير أن في القول الثاني شرطًا زائدًا وهو إذن الحرة، وهو الذي نص عليه الطحاوي بالصحة، وحاصل كلامه يشير إلى أن الحق مشترك بينهما, ولها حق في الولد وبالعزل يفوت ذلك، فإذا أذنت كانت راضية بفوات حقها. وهذا هو النظر والقياس في هذا الباب.
ص: وللمولى في قولهم جميعًا عند من كره العزل أصلاً أن يجامع أمته ويعزل عنها في جماعه ولا يستأذنها في ذلك.
ش: أي للمولى في قول أصحاب المقالات المذكورة جميعًا عند من كره العزل مطلقًا أن يعزل عن أمته من غير استئذان منها؛ لأن الأمَة ليس لها حق، فلا ضرر لها في العزل، إلاَّ ما روي عن أهل الظاهر من منع ذلك مطلقًا عن الحرة والأمَة جميعًا.
فإن قيل: نفس النطفة من الرجل فيها روح، فبصرفها عن الرحم إتلاف لذلك الروح فتستوي فيه الحرة والأمَة لكونه يصير وأدًا.
قلت: لا نسلم ذلك؛ لأن الله أوضح في كتابه وقت إمكان الوأد، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (١) فأعلمنا الله بذلك الوقت الذي تكون فيه الحياة في المخلوق من النطفة، فيجوز أن يوأد حينئذٍ فأما قبل ذلك كسائر الأشياء التي لا حياة لها: ألا ترى إلى قول علي بن أبي طالب ﵁: "أنها لا تكون موءودة حتى
стр. 5238
تمر بالتارات السبع ثم تلا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ...﴾ إلى آخر الآية، على ما يجيء بيانه عن قريب، إن شاء الله تعالى.
ص: وإن كان للرجل زوجة مملوكة فأراد أن يعزل عنها، فإن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا قالوا في ذلك -فيما حدثني محمد بن العباس، عن علي بن معبد، عن محمد بن الحسن، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة-: الإذن في ذلك إلى مولى الأمَة، وقد روى أبو يوسف خلاف هذا القول.
حدثني ابن أبي عمران، قال: حدثني محمد بن شجاع، عن الحسن بن زياد، عن أبي يوسف قال: الإذن في ذلك إلى الأمَة لا إلى مولاها -قال ابن أبي عمران: هذا هو النظر على أصول ما بني عليه هذا الباب؛ لأنها لو أباحت زوجها ترك جماعها كان من ذلك في سَعَةٍ ولم يكن لمولاها أن ياخد زوجها بأن يجامعها، فلما كان الجماع الواجب على زوجها، إليها أخذ زوجها به لا إلى مولاها كان كذلك الإِفضاء في ذلك الجماع الأخد به إليها لا إلى مولاها؛ فهذا هو النظر في هذا.
ش: إذا تزوج الرجل أمَة فأراد أن يعزل عنها فالإذن في ذلك إلى مولاها عند أبي حنيفة، روى ذلك الطحاوي عن محمد بن العباس بن الربيع الغُبْري البصريّ، عن علي بن معبد بن شداد العبدي الرقيّ نزيل مصر، عن محمد بن الحسن الشيباني، عن أبي يوسف يعقوب، عن أبي حنيفة.
وروي عن أبي يوسف أن الإذن في ذلك إلى الأمَة لا إلى المولى.
رواها الطحاوي عن شيخه أحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي، عن محمد بن شجاع الثلجي -بالثاء المثلثة- عن الحسن بن زياد اللؤلؤي، عن أبي يوسف.
ثم نقل الطحاوي عن أحمد بن أبي عمران أنه قال: الذي ذهب إليه أبو يوسف هو النظر والقياس على أصول ما بني عليه هذا الباب، وبيَّن ذلك بقوله: لأنها لو أباحت ... إلى آخره، وهو ظاهر.
стр. 5239
ص: وأنكر هؤلاء جميعًا الذين أباحوا العزل ما في حديث جدامة مما روت عن رسول الله ﵇ من قوله: "إنه الوأد الخفيّ"، ورووا عن رسول الله ﵇ إنكار ذلك القول على من قاله، وذكروا في ذلك ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله. (ح).
وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبي رفاعة، عن أبي سعيد الخدري: "أن رسول الله ﵇ أتاه رجل فقال: يا رسول الله، إن عندي جارية وأنا أعزل عنها، وأنا أكره أن تحمل وأشتهي ما يشتهي الرجال، فإن اليهود يقولون: هي الموءودة الصغرى، فقال رسول الله ﵇: كذبت يهود، لو أن الله أراد أن يخلقه لم تستطع أن تصرفه".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا هارون بن إسماعيل، قال: ثنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبي مطيع بن رفاعة، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﵇ مثله.
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: حدثني عياش بن عقبة الحضرمي، عن موسى بن وردان، عن أبي سعيد الخدري قال: "بلغ رسول الله ﵇ أن اليهود يقولون: إن العزل هو الموءودة الصغرى، فقال رسول الله ﵇: كذبت يهود، وقال رسول الله ﵇ لو أفضيت لم يكن إلاَّ بقدر".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عياش الرَّقام، قال: ثنا عبد الأعلى، عن محمد ابن إسحاق، ثنا محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عبد الرحمن وأبي أمامة ابن سهل، عن أبي سعيد قال: "أقمتُ جارية لي بسوق بني قينقاع، فمرّ بي يهودي فقال: ما هذه الجارية؟ قلتُ: جارية لي، قال: أكنتَ تصيبها؟ قلت: نعم، قال: فلعل في بطنها منك سخلة؟ قال: قلت: إني كنتُ أعزل عنها، قال: تلك الموءودة الصغرى، قال: فأتيت النبي ﵇ فذكرت ذلك له، فقال: كذبت يهود كذبت يهود".
стр. 5240
فهذا أبو سعيد حكى عن النبي ﵇ إكذاب من زعم أن العزل موءودة.
ش: أشار بهؤلاء إلى أهل المقالة الثالثة الذين أباحوا العزل مطلقًا.
وقوله: "الذين أباحوا العزل" بدل من قوله: "هؤلاء".
وقوله: "ما في حديث جدامة" في محل النصب؛ لأنه مفعول لقوله: "أنكر هؤلاء"، والحاصل أنهم أنكروا خبر جدامة بنت وهب الذي يخبر أن العزل هو الوأد الخفي، وقالوا: يردّه خبر أبي سعيد الخدري، حيث يخبر في حديثه عن النبي ﵇ أنه أكذب مَنْ زعم أن العزل هو الوأد الخفي.
وقد قال ابن حزم ها هنا بعكس هذا، حيث يقول: لا يحل العزل عن حرة ولا عن أمَة، بُرْهان ذلك حديث جدامة، قال: وهو في غاية الصحة. قال: واحتج مَنْ أباحه بخبر أبي سعيد الذي فيه: "لا عليكم أن لا تفعلوا" قال: وهذا إلى النهي أقرب، وكذا قاله ابن سيرين. واحتجوا بتكذيب النبي ﵇ قول يهود، وبأخبار أُخَر لا تصح، ويعارضها كلها خبر جدامة، وقد علمنا بيقين أن كل شيء أصله الإباحة حتى ينزل التحريم، فصح أن خبر جدامة بالتحريم هو الناسخ لجميع الإباحات المتقدمة التي لا شك أنها قبل البعث، وبعد البعث وهذا أمر متيقن؛ لأنه إذا أخبر ﵇ أنه الوأد الخفيّ والوأد محرمٌ، فقد نسخ الإباحة المتقدمة، وبطل قول من ادَّعى غيره. انتهى.
قلت: قال الطحاوي في غير هذا الموضع: هذا جواب عما ذكره ابن حزم، وهو أنه يحتمل أن خبر جدامة لما كان عليه الناس من موافقة أهل الكتاب ما لم يحدث الله ناسخه، ثم إن الله أعلمه بكذبهم، وأن الأمر في الحقيقة بخلاف ذلك، فأعلم أمته ﵇ بكذبهم وأباح لهم العزل على ما في حديث أبي سعيد، وأن الله إذا أراد شيئًا لا يمكن وقوع غيره، وبمعناه قال أبو الوليد بن رشد.
وقال ابن العربي: خبر جدامة مضطرب، قال: وقد قال قومٌ: إن ذلك كان قبل أن يبيِّن الله له جواز ذلك، فكان يتبع اليهود فيما لم يتبيَّن له فيه شرع، وهذا
стр. 5241
سقط عظيم؛ فإنه إنما كان يحب موافقتهم فيما لم ينزل عليه فيه شيء مما لم يكن من كذبهم وتبديلهم، وقد صرَّح ها هنا ﵇ بقوله: "كذبت يهود" فكيف يصح أن يكون معهم على كذبهم ويخبر به ثم يكذبهم فيه؟! هذا محال عقلاً لا يجوز على الأنبياء ﵈.
فإن قيل: ذكروا أن جدامة أسلمت عام الفتح فحينئذٍ يكون حديثها متأخرًا، فيكون ناسخًا لحديث أبي سعيد وغيره.
قلت: ذكروا هذا، وذكروا أنها أسملت قبل الفتح، قال عبد الحق: هو الصحيح، ثم إنه أخرج حديث أبي سعيد من خمس طرق:
الأول: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير الطائي، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان العامري المدنيّ -وكلهم ثقات أئمة كبارٌ- وهو يروي عن أبي رفاعه، ويقال له: رفاعه أيضًا، ويقال له أيضًا: أبو مطيع بن عوف أحد بني رفاعة بن الحارث، وقد وقع الإِسمان في رواية الطحاوي كما ترى، وهما: أبو رفاعة وأبو مطيع بن عوف وهو أبو مطيع بن رفاعة.
وقال الحافظ المنذري: قد اختلف على يحيى بن أبي كثير في هذا الحديث، فقيل: عنه، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر بن عبد الله.
وأخرجه الترمذي (١) والنسائي (٢).
وقيل فيه: عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبي رفاعة، عن جابر.
وقيل فيه: عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن، عن رفاعة.
стр. 5242
وقيل فيه: عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبي مطيع بن رفاعة.
وقيل فيه: عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
قلت: المذكور في حديث أبي سعيد: عن رفاعة، وعن أبي رفاعة، وعن أبي مطيع، عن رفاعة.
أما عن رفاعة، فأخرجه أبو داود (١): ثنا موسى بن إسماعيل، قال: نا أبان، قال: نا يحيى، أن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان حدَّثه، أن رفاعة حدَّثه، عن أبي سعيد الخدريّ أن رجلاً قال: "يا رسول الله، إن لي جاريةً وأنا أعزل عنها، فأنا أكره أن تحمل، وأنا أريد ما يريد الرجال، وإن اليهود تُحَدِّثُ أن العزل موءودة صغرى، قال: كذبت يهود؛ لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه".
وأما عن أبي رفاعة فقد أخرجه الطحاوي من طريقين:
أحدهما: ما ذكر.
والثاني: أخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن ابن ثوبان، عن أبي رفاعة، عن أبي سعيد الخدري ... إلى آخره.
وأخرجه النسائي (٢): أيضًا نحوه فقال: عن أبي رفاعة.
وأما عن أبي مطيع بن رفاعة فأخرجه الطحاوي أيضًا وهو الطريق الثالث عن إبراهيم بن مرزوق، عن هارون بن إسماعيل الخزاز البصري، عن علي بن المبارك الهنائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبي مطيع بن رفاعة، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﵇ مثله.
стр. 5243
وأخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات أبيه: ثنا أبي (١) قال: ثنا وكيع، نا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبي مطيع ابن رفاعة، عن أبي سعيد الخدري قال: "قالت اليهود: العزل الموءودة الصغرى، -قال أبي: وكان في كتابنا: أبو رفاعة بن مطيع، فغيَّره وكيع وقال: عن أبي مطيع بن رفاعة- فقال النبي ﵇: "كذبت يهود، إن الله لو أراد أن يخلق شيئًا لم يستطع أحد أن يصرفه".
وأخرجه النسائي (٢) وفي روايته: أبو مطيع بن عوف الأنصاري، عن أبي سعيد.
الطريق الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عيَّاش -بتشديد الياء آخر الحروف وبالشين المعجمة- بن عقبة الحضرمي، عن موسى بن وردان القرشي العامري المصري- بن العاص مولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح، عن أبي سعيد.
وهذا إسناد مصري صحيح، ورواته كلهم ثقات مصريون.
وأخرجه البزَّار في "مسنده": نا عبدة بن عبد الله، أنا زيد بن الحباب، أنا عياش بن عقبة الحضرمي، حدثني موسى بن وردان، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: "يا رسول الله ﵇، إن اليهود يقولون: إن العزل: الموءودة الصغرى، فقال: كذبت يهود" ولا نعلم روى موسى بن وردان عن أبي سعيد إلاَّ هذا الحديث، وموسى بن وردان مدني صالح الحديث، وموسى بن وردان روى عن أبي هريرة وأبي سعيد وإنما روى عنه محمد بن أبي حميد أحاديث منكرة، فأما هو فلا بأس به.
стр. 5244
قلت: موسى بن وردان مصري ولكن أصله مدني، والبزار إنما قال: مدني باعتبار أصله، ولكن عِداده في المصريين.
الطريق الخامس: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عياش -بالياء آخر الحروف والشين المعجمة- بن الوليد الرَّقام شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق المدني، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث القرشي التيمي المدني، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، وعن أبي أمامة أسعد -أو سعيد- بن سهل بن حنيف الأنصاري، كلاهما عن أبي سعيد الخدري.
وأخرجه البزار أيضًا في "مسنده": نا يوسف بن موسى، نا سلمة بن الفضل، نا الحجاج بن أرطاة، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري قال: "أصبنا سبايا بني المصطلق، فأصابني شيء منها -أو شيء منهم- فكنت أعزل عنها لأبيعها، فلقيني رجل من اليهود فقال: ما هذا يا أبا سعيد، أتبيعها؟ قلت: نعم، قال: فلعلك تبيعها وفي بطنها نسمة منك؟
قلت: إني كنت أعزل عنها، فقال: تلك الموءودة الصغرى، فأتيت رسول الله ﵇-أحسبه قال-: فذكرت له ذلك، فقال ﵇: كذبتْ يهود، كذبت يهود".
وحدثنا يوسف بن موسى، ثنا سلمة بن الفضل، نا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵇ مثل ذلك.
وحديث أبي إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد أصح من حديث الحجاج؛ لأن الحجاج عندي لم يسمع من محمد بن إبراهيم.
وأخرجه ابن أي شيبة في "مصنفه" (١): نا ابن نمير، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي أمامة بن سهل عنهما
стр. 5245
جميعًا، عن أبي سعيد الخدري قال: "لمَّا أصبنا سبي بني المصطلق استمتعنا من النساء وعزلنا عنهن، ثم إني وقعت على جارية في سوق بني قينقاع، فمرَّ بي رجل من يهود فقال: ما هذه الجارية ... " إلى آخره نحو رواية الطحاوي.
قوله: "وأشتهي ما يشتهي الرجال" أي ما يشتهيه الرجال، وأراد به الجماع.
قوله: "هي الموءودة الصغرى" أي العزل هي الموءودة الصغرى، والموءودة الكبرى هي أن تدفن البنت وهي حيَّة، وإنما سمي العزل الموءودة الصغرى؛ لأنه بمنزلة الولد إلاَّ إنه خفي؛ لأن مَنْ يعزل عن امرأته إنما يعزل هربًا من الولد، وإنما أنَّث الضمير وإن كان يرجع إلى العزل باعتبار الموءودة.
قوله: "لو أفضيت لم يكن إلاَّ بقدر". معناه: لو باشرته وجامعته لم يكن الولد إلاَّ بقدر من الله تعالى، وهو من قولك: أفضى الرجل إلى امرأته إذا باشرها وجامعها.
قوله: "بسوق بني قينقاع". هو سوق مشهور من أسواق العرب، وفي "المطالع": بني قينُقاع بضم النون وكسرها وفتحها، وهم شِعب من يهود المدينة أضيفت إليهم السوق.
قوله: "سَخلة". بفتح السين وسكون الخاء المعجمة، وهي في الأصل ولد الغنم، ولكن أريد بها ها هنا النَّسَمَة كما جاء كذلك في رواية البزار.
ص: ثم قد روي عن علي ﵁ دفع ذلك والتنبيه على فساده بمعنى لطيف حسن:
حدثنا رَوْح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدثني الليث، قال: حدثني معمر بن أبي حُيَيَّة، عن عُبيد الله بن عدي بن الخيار قال: "تذاكر أصحاب رسول الله ﵇ عند عمر ﵁ العزل فاختلفوا فيه، فقال عمر: قد اختلفتم وأنتم أهل بدر الأخيار فكيف بالناس بعدكم؟! إذ تناجى رجلان، فقال عمر ﵁ ما هذه المناجاة؟ قالا: إن اليهود تزعم أنها الموءودة
стр. 5246
الصغرى، فقال علي ﵁: إنها لا تكون موءودة حتى تمر بالتارات السبع ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ...﴾ (١) إلى آخر الآية".
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، قال: ثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي حُيَيَّة قال: سمعت عُبيد بن رفاعة الأنصاري قال: "تذاكر أصحاب رسول الله ﵇ العزل ... " ثم ذكر مثله وزاد: "تعجب عمر من قوله، وقال: جزاك الله خيرًا".
فأخبر علي ﵁ أنه لا موءودة إلاَّ ما قد نُفخ فيه الروح قبل ذلك، وأما ما لم ينفخ فيه الروح فإنما هو مواتٌ غير موءودة.
وقد روي عن ابن عباس ﵄ أيضًا نظير ما قد ذكرنا عن علي ﵁:
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا الأعمش، عن أبي الودَّاك: "أن قومًا سألوا ابن عباس عن العزل، فذكر مثل كلام علي سواءً".
فهذا علي وابن عباس ﵃ قد اجتمعا في هذا على ما ذكرنا، وتابع عليًّا على ما قالَ عمرُ ﵁ ومن كان بحضرتهما من أصحاب رسول الله ﵇، ففي هذا دليل أن العزل غير مكروه من هذه الجهة.
ش: أي: ثم قد روي عن علي بن أبي طالب ﵁ دفع ما روي عن جدامة بنت وهب والتنبيه على فساده؛ وذلك لأن عليًّا ﵁ قد بيَّن في حديثه أن الموءودة لا تكون إلاَّ فيما نفخ فيه روحٌ، وأما ما لم تنفخ فيه الروح فإنه في حكم الجماد والموات فلا تكون موءودة، وكذلك قال ابن عباس لما سئل عن العزل وكفى بواحد منهما حجة، فكيف إذا اجتمعا على قضية واحدة فإنه لا يعدل عنها, ولا سيما وقد تابع عليًّا عمرُ بن الخطاب على ما قاله علي، وكذلك من كان بحضرتهما من الصحابة، فصار ذلك كالإجماع على أن العزل غير مكروه من هذه الجهة.
стр. 5247
ثم إنه أخرج حديث علي ﵁ من طريقين:
الأول: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن يحيى بن عبد الله بن بكير القرشي المخزومي روى له مسلم وابن ماجه، عن الليث بن سعد، عن معمر بن أبي حيَيَّة -بياء مكررة آخر الحروف على صورة التصغير، ويقال: معمر بن أبي حيَّة على صورة التكبير، وثقه يحيى وابن حبان، وروى له الترمذي حديثًا واحدًا عن سعيد بن المسيب، عن عمر في الصوم في السفر.
عن عُبيد الله بن عدي بن الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصيّ القرشي النوفلي المدني -وُلد في زمن النبي ﵇ وكان من فقهاء قريش، قال العجلي: مدني تابعي ثقة من كبار التابعين، روى له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
والثاني: عن صالح بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن يزيد المقرئ القصير شيخ البخاري، عن عبد الله بن لهيعة البصري فيه مقال، عن يزيد بن أبي حبيب سويد المصري روى له الجماعة، عن معمر بن أبي حيَيَّة، عن عُبيد الله بن رفاعة بن رافع الزرقي الأنصاري -ذكره في "الكمال" في الصحابة، وذكره ابن حبان في التابعين الثقات.
قوله: "وأنتم أهل بدر". جملة حاليَّة.
قوله: "الأخيار". بالرفع؛ لأنه صفة للأهل في قوله: "أهل بدر" وهو جمع خيِّر بتشديد الياء.
قوله: "إذ تناجى رجلان". أي تساررا في الكلام، أراد أنهما تكلما فيما بينهما خفية.
قوله: "حتى تمر بالتارات السبع" أراد بها الأحوال السبع، وهي أن تكون أولاً نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظمًا، ثم لحمًا، ثم تنفخ فيه الروح، ثم يظهر في
стр. 5248
الوجود ويستهلّ، فلا تكون موءودة إلاَّ بعد مرورها على هذه الأحوال السبع، ولقد بيَّن الله تعالى هذه الأحوال في قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ (١).
وأخرج حديث ابن عباس بإسناد صحيح: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري، عن سليمان الأعمش، عن أبي الودَّاك جبر بن نوف البكالي الكوفي.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث الحسين، عن سفيان، عن الأعمش، عن عبد الملك الزراد، عن مجاهد "سألنا ابن عباس [عن العزل] (٣) فقال: اذهبوا فسلوا الناس ثم ائتوني وأخبروني، فسألوا فأخبروه، فتلا هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ حتى [فرغ منها] (٤) ثم قال: كيف تكون من الموءودة حتى تمر على هذا الخلق".
ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ في العزل أيضًا ما حدثنا محمد بن عمرو بن يونس، قال: ثنا أسباط، عن مطرف، عن أبي إسحاق، عن أبي الودَّاك، عن أبي سعيد الخدري قال: "لما افتتح رسول الله ﵇ خيبر أصبنا نساءً، فكنا نطؤهنَّ فنعزل عنهن، فقال بعضنا لبعض: أتفعلون هذا ورسول الله ﵇ إلى جنبكم فلا تسألونه؟! فسألوه عن ذلك، فقال: ليس مِنْ كل الماء يكون الولد، إن الله إذا أراد أن يخلق شيئًا لم يمنعه شيء، فلا عليكم أن لا تعزلوا".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال: حدثني محمد بن يحيى بن حبَّان، أن ابن محيريز حدَّثه، أن أبا سعيد حدَّثه: "أن بعض الناس كلموا رسول الله ﵇ في شأن العزل، وذلك لشأن غزوة بني
стр. 5249
المصطلق فاصابوا سبايا وكرهوا أن يلِدْن منهم، فقال رسول الله ﵇: ما عليكم أن لا تعزلوا؛ فإن الله قدر ما هو خالق إلى يوم القيامة".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن محمد بن يحيى بن حبان ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا وهيب، عن موسى بن عقبة، عن محمد بن يحيى بن حبَّان، عن ابن محيريز، عن أبي سعيد الخدري: "أنهم أصابوا سبايا أوطاس، فأرادوا أن يستمتعوا منهن فلا يحملن، فسألوا النبي ﵇ عن ذلك، فقال: لا عليكم أن لا تفعلوا، فإن الله قد كتب (ما) (١) هو خالق إلى يوم القيامه".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: أخبرني عبد الله بن محيريز الجمحي، أن أبا سعيد الخدري أخبره: "أنه بينا هو جالس عند النبي ﵇ إذْ جاءه رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله، إنا نصيب سبيًا ونحب الأثمان، فكيف ترى في العزل؟ فقال النبي ﵇: أو إنكم لتفعلون ذلك؟! لا عليكم أن لا تفعلوا ذلكم، فإنها ليست نسمة كتب الله أن تخرج إلَّا خارجة".
حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا أبو داود، عن شعبة، عن أنس بن سيرين قال: سمعت معبد بن سيرين يحدث، عن أبي سعيد قال: "سألنا رسول الله ﵇ عن العزل، فقال: لا عليكم أن لا تفعلوا، فإنما هو القدر".
حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، عن شعبة، عن أبي إسحاق السبيعي، قال: سمعت أبا الودَّاك يحدث، عن أبي سعيد الخدري قال: "لمَّا أصبنا سبي حنين سألنا رسول الله ﵇ عن العزل، فقال: ليس من كل الماء يكون الولد، وإذا أراد الله أن يخلق شيئًا لم يمنعه شيء".
стр. 5250
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الودَّاك، عن أبي سعيد قال: "أصبنا نساءً يوم حنين، فكنا نعزل عنهن نريد الفداء، فقلنا: لو سألنا رسول الله ﵇ ... " ثم ذكر مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو ظفر، قال: ثنا جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين، عن أبي العالية، عن أبي سعيد قال: "تذاكرنا العزل، فخرج رسول الله ﵇ فقال: لا عليكم ألَّا تفعلوا، فإنما هو القدر".
ش: أي قد روي عن رسول الله ﵇ أيضًا في إباحة العزل، رواه أبو سعيد سعد بن مالك الخدري ﵁، وأخرجه من سبع طرق صحاح:
الأول: على شرط مسلم، عن محمد بن عمرو بن يونس التغلبي، عن أسباط بن محمد الكوفي روى له الجماعة، عن مطرف بن طريف الحارثي الكوفي روى له الجماعة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي روى له الجماعة، عن أبي الودَّاك جبر بن نوف البكالي، روى له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه.
وأخرجه مسلم (١): حدثني هارون بن سعيد الأيلي، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني معاوية -يعني ابن صالح- عن علي بن أبي طالب، عن أبي الودَّاك، عن أبي سعيد الخدري، سمعه يقول: "سئل رسول الله ﵇ عن العزل، فقال: ما مِنْ كل الماء يكون الولد، وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء".
قوله: "لما افتتح خيبر". كانت غزوة خيبر وفتحها سنة سبع من الهجرة.
قوله: "أتفعلون هذا". أي العزل، والألف فيه للاستفهام.
قوله: "ورسول الله ﵇ إلي جنبكم". كلمة "إلى" ها هنا بمعنى "عند" كما في قوله:
стр. 5251
وذِكره أشهى إلي من الرحيق السَّلسَلِ (١)
قوله: "فلا عليكم ألَّا تعزلوا" أي فلا عليكم ترك العزل. وهذا يفهم منه إباحة العزل، وفهم منه الحسن البصري وابن سيرين النهي، فقال الحسن: فكأن هذا زجرٌ، وقال ابن سيرين: هو أقرب إلى النهي، وقال القرطبي: فهمت طائفة من هذا التركيب النهي والزجر عن العزل، كما حكي عن الحسن وابن سيرين، فكأنهم فهموا من "لا" النهي عما سأل عنه، وحذف بعد قوله: "لا"، فكأنه قال: لا تعزلوا، وعليكم ألَّا تفعلوا، تأكيدًا لذلك النهي.
وفهمت طائفة أخرى منها الإِباحة، كأنها جعلت [جواب] (٢) السؤال: قوله: "لا عليكم ألَّا تعزلوا" أي ليس عليكم جناح في ألَّا تعزلوا. قال: وهذا التأويل أولى، بدليل قوله: "ما مِنْ نسمةٍ كائنة إلاَّ وستكون"، وبقوله: "افعلوا أو لا تفعلوا فإنما هو القدر"، وبقوله: "إذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء". وهذه الألفاظ كلها مصرِّحه بأن العزل لا يرد القدر، ولا يضر، فكأنه قال: لا بأس به.
قلت: الذي [قالته] (٣) الطائفة الأولى ليس معنى التركيب، بل فيه تعسف على ما [قالته] (٤) الطائفة الثانية، فلذلك وضعه الطحاوي ها هنا. فافهم.
الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد -بالنون- عن أبيه عبد الله بن ذكوان، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان -بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة- بن منقذ الأنصاري المدني، عن عبد الله بن محيريز بن جنادة المكي، عن أبي سعيد.
стр. 5252
وأخرجه مسلم (١): نا يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد وعلي بن حجر، قالوا: نا إسماعيل بن جعفر، قال: أخبرني ربيعة، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز أنه قال: "دخلت أنا وأبو الصرمة على أبي سعيد الخدري، فسأله أبو الصرمة فقال: يا أبا سعيد هل سمعت رسول الله ﵇ يذكر العزل؟ قال: نعم، غزونا مع رسول الله ﵇ غزوة بني المصطلق، فسبينا كرائم العرب، فطالت علينا العزبة ورغبنا في الفداء، فأردنا أن نستمتع ونعزل فقلنا: نفعل ورسول الله ﵇ بين أظهرنا لا نسأله؟! [فسألنا] (٢) رسول الله ﵇، فقال: لا عليكم ألَّا تفعلوا؛ ما كتب الله خلق نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة إلاَّ ستكون -وفي لفظ: فإن الله كتب من هو خالق إلى يوم القيامة".
قوله: "غزوة بني المصطلق". وهي غزوة المريسيع، قال أهل الحديث هذا أولى من رواية ابن عقبة أنه كان في غزوة أوطاس، ومعنى "بلمصطلق" أي بني المصطلق.
قوله: "سبايا". جمع سبيَّة وهي المأخوذة نهبًا.
قوله: "ما عليكم ألَّا تعزلوا". أي لا بأس عليكم بأن تتركوا العزل.
الثالث: رجاله كلهم رجال الصحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله ابن وهب، عن مالك بن أنس، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن المدني المعروف بربيعة الرأي ... إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (٣): ثنا القعنبي، عن مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز قال: "دخلت المسجد فرأيت أبا سعيد الخدري، فجلست إليه فسألته عن العزل، فقال أبو سعيد: خرجنا مع
стр. 5253
رسول الله ﵇ في غزوة بني المصطلق، فأصبنا سبيًا من سبي العرب، فاشتهينا النساء واشتدت علينا العزبة وأحببنا الفداء، فأردنا أن نعزل، ثم قلنا: نعزل ورسول الله ﵇ بين أظهرنا قبل أن نسأله عن ذلك؟! فسألناه عن ذلك، فقال: ما عليكم ألاَّ تفعلوا، ما مِنْ نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلاَّ وهي كائنة".
الرابع: عن نصر بن مرزوق، عن الخصيب بن ناصح الحارثي، عن وهيب بن خالد، عن موسى بن عقبة بن أبي عياش القرشي ... إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عفان، نا وهيب، نا موسى بن عقبة، حدثني محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز، عن أبي سعيد: "في غزوة بني المصطلق أنهم أصابوا سبايا، فأرادوا أن يستمتعوا بهن ولا يحملن، فسألوا رسول الله ﵇ فقال: ما عليكم ألَّا تفعلوا؛ فإن الله قد كتب من هو خالق إلى يوم القيامة" انتهى.
فهذا كما ترى قد وقع في روايته بني المصطلق. وفي رواية الطحاوي: أوطاس.
وقد قلنا: إن أهل الحديث قالوا: سبايا بني المصطلق أولى من سبايا أوطاس، وفي "المطالع": أوطاس وادٍ في ديار هوازن، وهو موضع حرب حنين.
الخامس: على شرط البخاري، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي اليمان الحكم بن نافع البهراني الحمصي شيخ البخاري، عن شعيب بن أبي حمزة دينار الأموي الحمصي، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عبد الله بن محيريز.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): نا أبو اليمان، أنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري ... إلى آخره نحوه سواء.
стр. 5254
وأخرجه البخاري (١): ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، نا جويرية، عن مالك، عن الزهري، عن ابن محيريز، عن أبي سعيد الخدري قال: "أصبنا سبيًا وكنا نعزل، فسألنا رسول الله ﵇ فقال: أو إنكم لتفعلون؟! -قالها ثلاثًا- ما من نسمةٍ كائنةٍ إلى يوم القيامة إلاَّ هي كائنة".
وأخرجه مسلم (٢) نحوه: عن عبد الله بن محمد بن أسماء ... إلى آخره.
قوله: "أو إنكم لتفعلون". ظاهره الإِنكار والزجر، غير أن قوله: "فإنها ليست نسمة كتب الله أن تخرج إلاَّ خارجة" يدفع ذلك؛ فإذن يكون معناه الاستبعاد لفعلهم له بدليل ما جاء في الرواية الأخرى: "وَلِمَ يفعل ذلك أحدكم" قال الراوي: ولم يقل: ولا يفعل ذلك أحدكم، فَعُلِمَ أنه ليس بنهي وهو أعلم بالمقال، وفي بعض الروايات: "ما من كل الماء يكون الولد" يعني أنه ينعقد الولد في الرحم من جزء من الماء لا يشعر العازل بخروجه، فيظن أنه قد عزل كل الماء، وإنما عزل بعضه، فيخلق الله تعالى الولد من ذلك الجزء اللطيف، وقال الأطباء: ذلك الجزء هو الشيء الثخين الذي يكون في الماء على هيئة نصف عَدْسَة.
قوله: "لا عليكم" أي لا بأس عليكم.
قوله: "نسمة" أبي روح ونفس.
السادس: على شرط مسلم: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن أنس بن سيرين، عن معبد بن سيرين الأنصاري مولى أنس بن مالك، عن أبي سعيد.
وأخرجه مسلم (٢): نا نصر بن علي الجهضمي، قال: نا بشر بن المفضل، قال: نا شعبة، عن أنس بن سيرين، عن معبد بن سيرين، عن أبي سعيد الخدري -قلت له: سمعته من أبي سعيد؟ قال: نعم- عن النبي ﵇ قال: "لا عليكم ألَّا تفعلوا، فإنما هو القدر".
стр. 5255
ومعناه: لا بأس عليكم ألَّا تفعلوا العزل، ولو فعلتم فإن أمرًا قدره الله لا بد من وقوعه، وعزلكم لا يرد القدر.
السابع: على شرط مسلم أيضًا: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان ابن داود الطيالسي، عن شعبة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السَّبيعي، عن أبي الودَّاك جبر بن نوف البكالي، عن أبي سعيد.
وأخرجه مسلم (١) نحوه، وقد ذكرناه في الطريق الأول.
الثامن: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله ... إلى آخره.
قوله: "نريد الفِداء" وأراد به أن يبيعوا السبايا من أهلهن ويأخذون منهم مالاً، وفيه حجة لما عليه الجمهور من الفقهاء من أن بيع أمهات الأولاد لا يجوز، إذ الفداء بيع، وقد تقرر عندهم منعه بسب الحمل، وقال بعضهم: إنما فيه حجة لمنع بيعهن حبالى فقط، لأجل استرقاق الولد، وهو الذي عليه إجماع المسلمين.
التاسع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي ظفر -بالظاء المعجمة- عبد السلام بن مطهر البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين، عن أبي العالية رفيع بن مهران الرياحي، عن أبي سعيد.
وهذا الحديث أخرجه بقيَّة الجماعة بطرق مختلفة:
فالترمذي (٢): عن ابن أبي عمر وقتيبة، قالا: ثنا سفيان بن عُيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن قزعة -هو ابن يحيى- عن أبي سعيد قال: "ذكر العزل عند رسول الله ﵇ فقال: لِمَ يفعل ذلك أحدكم؟ -زاد ابن أبي عمر في حديثه ولم يقل: لا يفعل ذلك أحدكم -قالا في حديثهما-: فإنها ليست نفسٌ مخلوقة إلاَّ الله خالقها".