← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

وذِكره أشهى إلي من الرحيق السَّلسَلِ (١) قوله: "فلا عليكم ألَّا تعزلوا" أي فلا عليكم ترك العزل. وهذا يفهم منه إباحة العزل، وفهم منه الحسن البصري وابن سيرين النهي، فقال الحسن: فكأن هذا زجرٌ، وقال ابن سيرين: هو أقرب إلى النهي، وقال القرطبي: فهمت طائفة من هذا التركيب النهي والزجر عن العزل، كما حكي عن الحسن وابن سيرين، فكأنهم فهموا من "لا" النهي عما سأل عنه، وحذف بعد قوله: "لا"، فكأنه قال: لا تعزلوا، وعليكم ألَّا تفعلوا، تأكيدًا لذلك النهي. وفهمت طائفة أخرى منها الإِباحة، كأنها جعلت [جواب] (٢) السؤال: قوله: "لا عليكم ألَّا تعزلوا" أي ليس عليكم جناح في ألَّا تعزلوا. قال: وهذا التأويل أولى، بدليل قوله: "ما مِنْ نسمةٍ كائنة إلاَّ وستكون"، وبقوله: "افعلوا أو لا تفعلوا فإنما هو القدر"، وبقوله: "إذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء". وهذه الألفاظ كلها مصرِّحه بأن العزل لا يرد القدر، ولا يضر، فكأنه قال: لا بأس به. قلت: الذي [قالته] (٣) الطائفة الأولى ليس معنى التركيب، بل فيه تعسف على ما [قالته] (٤) الطائفة الثانية، فلذلك وضعه الطحاوي ها هنا. فافهم. الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد -بالنون- عن أبيه عبد الله بن ذكوان، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان -بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة- بن منقذ الأنصاري المدني، عن عبد الله بن محيريز بن جنادة المكي، عن أبي سعيد.

стр. 5252

وأخرجه مسلم (١): نا يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد وعلي بن حجر، قالوا: نا إسماعيل بن جعفر، قال: أخبرني ربيعة، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز أنه قال: "دخلت أنا وأبو الصرمة على أبي سعيد الخدري، فسأله أبو الصرمة فقال: يا أبا سعيد هل سمعت رسول الله ﵇ يذكر العزل؟ قال: نعم، غزونا مع رسول الله ﵇ غزوة بني المصطلق، فسبينا كرائم العرب، فطالت علينا العزبة ورغبنا في الفداء، فأردنا أن نستمتع ونعزل فقلنا: نفعل ورسول الله ﵇ بين أظهرنا لا نسأله؟! [فسألنا] (٢) رسول الله ﵇، فقال: لا عليكم ألَّا تفعلوا؛ ما كتب الله خلق نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة إلاَّ ستكون -وفي لفظ: فإن الله كتب من هو خالق إلى يوم القيامة". قوله: "غزوة بني المصطلق". وهي غزوة المريسيع، قال أهل الحديث هذا أولى من رواية ابن عقبة أنه كان في غزوة أوطاس، ومعنى "بلمصطلق" أي بني المصطلق. قوله: "سبايا". جمع سبيَّة وهي المأخوذة نهبًا. قوله: "ما عليكم ألَّا تعزلوا". أي لا بأس عليكم بأن تتركوا العزل. الثالث: رجاله كلهم رجال الصحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله ابن وهب، عن مالك بن أنس، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن المدني المعروف بربيعة الرأي ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٣): ثنا القعنبي، عن مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز قال: "دخلت المسجد فرأيت أبا سعيد الخدري، فجلست إليه فسألته عن العزل، فقال أبو سعيد: خرجنا مع

стр. 5253

رسول الله ﵇ في غزوة بني المصطلق، فأصبنا سبيًا من سبي العرب، فاشتهينا النساء واشتدت علينا العزبة وأحببنا الفداء، فأردنا أن نعزل، ثم قلنا: نعزل ورسول الله ﵇ بين أظهرنا قبل أن نسأله عن ذلك؟! فسألناه عن ذلك، فقال: ما عليكم ألاَّ تفعلوا، ما مِنْ نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلاَّ وهي كائنة". الرابع: عن نصر بن مرزوق، عن الخصيب بن ناصح الحارثي، عن وهيب بن خالد، عن موسى بن عقبة بن أبي عياش القرشي ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عفان، نا وهيب، نا موسى بن عقبة، حدثني محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز، عن أبي سعيد: "في غزوة بني المصطلق أنهم أصابوا سبايا، فأرادوا أن يستمتعوا بهن ولا يحملن، فسألوا رسول الله ﵇ فقال: ما عليكم ألَّا تفعلوا؛ فإن الله قد كتب من هو خالق إلى يوم القيامة" انتهى. فهذا كما ترى قد وقع في روايته بني المصطلق. وفي رواية الطحاوي: أوطاس. وقد قلنا: إن أهل الحديث قالوا: سبايا بني المصطلق أولى من سبايا أوطاس، وفي "المطالع": أوطاس وادٍ في ديار هوازن، وهو موضع حرب حنين. الخامس: على شرط البخاري، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي اليمان الحكم بن نافع البهراني الحمصي شيخ البخاري، عن شعيب بن أبي حمزة دينار الأموي الحمصي، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عبد الله بن محيريز. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): نا أبو اليمان، أنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري ... إلى آخره نحوه سواء.

стр. 5254

وأخرجه البخاري (١): ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، نا جويرية، عن مالك، عن الزهري، عن ابن محيريز، عن أبي سعيد الخدري قال: "أصبنا سبيًا وكنا نعزل، فسألنا رسول الله ﵇ فقال: أو إنكم لتفعلون؟! -قالها ثلاثًا- ما من نسمةٍ كائنةٍ إلى يوم القيامة إلاَّ هي كائنة". وأخرجه مسلم (٢) نحوه: عن عبد الله بن محمد بن أسماء ... إلى آخره. قوله: "أو إنكم لتفعلون". ظاهره الإِنكار والزجر، غير أن قوله: "فإنها ليست نسمة كتب الله أن تخرج إلاَّ خارجة" يدفع ذلك؛ فإذن يكون معناه الاستبعاد لفعلهم له بدليل ما جاء في الرواية الأخرى: "وَلِمَ يفعل ذلك أحدكم" قال الراوي: ولم يقل: ولا يفعل ذلك أحدكم، فَعُلِمَ أنه ليس بنهي وهو أعلم بالمقال، وفي بعض الروايات: "ما من كل الماء يكون الولد" يعني أنه ينعقد الولد في الرحم من جزء من الماء لا يشعر العازل بخروجه، فيظن أنه قد عزل كل الماء، وإنما عزل بعضه، فيخلق الله تعالى الولد من ذلك الجزء اللطيف، وقال الأطباء: ذلك الجزء هو الشيء الثخين الذي يكون في الماء على هيئة نصف عَدْسَة. قوله: "لا عليكم" أي لا بأس عليكم. قوله: "نسمة" أبي روح ونفس. السادس: على شرط مسلم: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن أنس بن سيرين، عن معبد بن سيرين الأنصاري مولى أنس بن مالك، عن أبي سعيد. وأخرجه مسلم (٢): نا نصر بن علي الجهضمي، قال: نا بشر بن المفضل، قال: نا شعبة، عن أنس بن سيرين، عن معبد بن سيرين، عن أبي سعيد الخدري -قلت له: سمعته من أبي سعيد؟ قال: نعم- عن النبي ﵇ قال: "لا عليكم ألَّا تفعلوا، فإنما هو القدر".

стр. 5255

ومعناه: لا بأس عليكم ألَّا تفعلوا العزل، ولو فعلتم فإن أمرًا قدره الله لا بد من وقوعه، وعزلكم لا يرد القدر. السابع: على شرط مسلم أيضًا: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان ابن داود الطيالسي، عن شعبة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السَّبيعي، عن أبي الودَّاك جبر بن نوف البكالي، عن أبي سعيد. وأخرجه مسلم (١) نحوه، وقد ذكرناه في الطريق الأول. الثامن: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله ... إلى آخره. قوله: "نريد الفِداء" وأراد به أن يبيعوا السبايا من أهلهن ويأخذون منهم مالاً، وفيه حجة لما عليه الجمهور من الفقهاء من أن بيع أمهات الأولاد لا يجوز، إذ الفداء بيع، وقد تقرر عندهم منعه بسب الحمل، وقال بعضهم: إنما فيه حجة لمنع بيعهن حبالى فقط، لأجل استرقاق الولد، وهو الذي عليه إجماع المسلمين. التاسع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي ظفر -بالظاء المعجمة- عبد السلام بن مطهر البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين، عن أبي العالية رفيع بن مهران الرياحي، عن أبي سعيد. وهذا الحديث أخرجه بقيَّة الجماعة بطرق مختلفة: فالترمذي (٢): عن ابن أبي عمر وقتيبة، قالا: ثنا سفيان بن عُيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن قزعة -هو ابن يحيى- عن أبي سعيد قال: "ذكر العزل عند رسول الله ﵇ فقال: لِمَ يفعل ذلك أحدكم؟ -زاد ابن أبي عمر في حديثه ولم يقل: لا يفعل ذلك أحدكم -قالا في حديثهما-: فإنها ليست نفسٌ مخلوقة إلاَّ الله خالقها".

стр. 5256

والنسائي (١): عن إسماعيل بن مسعود وحميد بن مسعدة، قالا: ثنا يزيد بن زريع، ثنا ابن عون، عن محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن بشر بن مسعود، ردَّ الحديث حتى ردَّه إلى أبي سعيد الخدري قال: "ذكر ذلك عند رسول الله ﵇ قال: وما ذاكم؟ قلنا: الرجل يكون له المرأة فيصيبها ويكره الحمل، وتكون له الأمَة فيصيب منها ويكره أن تحمل منه، قال: لا عليكم ألَّا تفعلوا، فإنما هو القدر". وابن ماجه (٢): عن أبي مروان محمد بن عثمان العثماني، نا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، حدثني عُبيد الله بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري قال: "سأل رجل رسول الله ﵇ عن العزل، فقال: أو تفعلون؟! لا عليكم ألَّا تفعلوا؛ فإنه ليس من نسمة قضى الله لها أن تكون إلاَّ هي كائنة". ص: حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن أبي الفيض، قال: سمعت عبد الله بن مرة، عن أبي سعد الزرقي: "أن رجلاً من أشجع سأل رسول الله ﵇ عن العزل، فقال: ما يُقَدَّر في الرحم يكن". ش: أبو بكرة بكَّار القاضي، وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي وأبو الفيض: اسمه موسى بن أيوب -ويقال: ابن أبي أيوب- المهري الشامي الحمصي، قال العجلي: شامي ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. روى له أبو داود والترمذي والنسائي. وعبد الله بن مرة الزَوفي، روى له الجماعة. وأبو سعد -بفتح السين وسكون العين-، وقيل: أبو سعيد بزيادة الياء، قال أبو عُمَر: أبو سعد أشبه، وقال: ذكره خليفة بن خياط فيمن روى عن النبي ﵇ من الصحابة، وقال: لا يوقف له على اسم، وقال غيره: أبو سعيد الزرقي مشهور بكنيته، واختلف في اسمه؛ فقيل: سعد بن عمارة وقيل: عمارة بن سعد، وقيل: عامر بن مسعود وليس بشيء.

стр. 5257

وأخرجه النسائي (١): أنا محمد بن بشار، عن محمد، عن شعبة، عن أبي الفيض، سمعت عبد الله بن مرة الزَّوفي، عن أبي سعد الزوفي: "أن رجلاً سأل رسول الله ﵇ عن العزل، فقال: إن امرأتي ترضع وأنا أكره أن تحمل، فقال النبي ﵇: إن ما قد قُدَّر في الرحم سيكون". واعلم أنه وقع في رواية النسائي: أبو سعد الزوفي -بالزاي المفتوحة وسكون الواو وبالفاء- نسبة إلى زوف بن زاهر بن عامر بن عوبثان بن مراد وهو قَبيل من حمير، ووقع في رواية الطحاوي وغره: الزرقي -بضم الزاي وفتح الراء وبالقاف- نسبة إلى بني زريق قَبيل من الخزرج. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا جعفر بن أبي المغيرة، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن جرير قال: "أتى النبي ﵇ رجلٌ فقال: ما وصلت إليك من المشركين إلاَّ بغنية -أو بقينة- أعزل عنها أريد بها السوق، قال: جاءها ما قُدَّر". ش: أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، وجعفر بن أبي المغيرة القُمي، وثقه ابن حبان وروى له الأربعة، ابن ماجه في التفسير. وعبد الله بن أبي الهذيل العنزي الكوفي أبو المغيرة، روى له مسلم والترمذي والنسائي، وجرير بن عبد الله البجلي الصحابي ﵁. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا الفضل بن دكين، عن مندل بن علي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبي الهذيل، عن جرير قال: "جاء رجل إلى رسول الله ﵇ فقال: يا رسول الله، ما خَلُصْتُ إليك من المشركين إلاَّ بقينة وأنا أعزل عنها أريد بها السوق، فقال رسول الله ﵇: جاءها ما قُدَّر".

стр. 5258

قوله: "بقَيْنَة". بفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف وفتح النون، وهي الأمَة سواء كانت مغنية أو لا، وكثيرًا ما تطلق على المغنيات من الإِماء، وجمعها قيان وقينات. ص: ففي هذه الآثار أيضاً ما يدل على أن العزل غير مكروه؛ لأن رسول الله ﵇ لما أخبروه أنهم يفعلونه لم ينكر ذلك عليهم ولم ينههم عنه، وقال: "لا عليكم ألَّا تفعلوه، فإنما هو القدر" أي فإن الله إذا كان قد قدَّر أنه يكون له ولدٌ كان ذلك الولد ولم يمنعه عزل ولا غيره؛ لأنه قد يكون مع العزل إفضاء بقليل الماء الذي قد قدّر الله أن يكون منه ولد، فيكون منه ولد ويكون ما بقي من الماء الذي تمتنعون من الإِفضاء به بالعزل فضلاً، وقد يكون الله قد قدَّر ألَّا يكون من ماءِ ولدٌ فيكون الإِفضاء بذلك الماء والعزل سواء في ألَّا يكون منه ولد، فكان الإِفضاء بالماء لا يكون [منه] (١) ولد إلاَّ بأن يكون في تقدير الله تعالى أن يكون في ذلك الماء ولدٌ، فيكون كما قدَّر وكان العزل إذا كان قد تقدم في تقدير الله أن يكون من ذلك الماء الذي يُعزل ولدٌ أوصل الله إلى الرحم منه شيئًا وإن قلّ فيكون منه الولد، فأعلمهم رسول الله ﵇ أن الإِفضاء لا يكون منه ولدٌ إلاَّ أن يكون قد سبق في تقدير الله وأن العزل لا يمنع أن يكون ولدٌ إذا كان سبق في علم الله أنه كائن، ولم ينههم في جملة ذلك عن العزل. ش: أشار بهذه الآثار إلى الأحاديث التي رواها عن أبي سعيد الخدري بعدة طرق، وأبي سعد الزوفي، وجرير بن عبد الله البجلي ﵃. وباقي الكلام ظاهر. ص: ثم قد روي عن رسول الله ﵇ في إباحته أيضًا ما قد حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسدٌ، قال: ثنا محمد بن خازم، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر ﵁ قال: "أتى النبي ﵇ رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله إن لي جاريةً تستقي على ناضح لي، وأنا أصيب منها فأعزل؟ فقال له رسول الله ﵇: نعم

стр. 5259

فاعزل، فلم يلبث الرجل أن جاء فقال: يا رسول الله قد عزلت عنها فحملت، فقال رسول الله ﵇: ما قدَّر الله لنفس أن يخلقها إلاَّ وهي كائنة". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر، عن النبي ﵇ مثله. فهذا جابر قد حكى عن رسول الله ﵇ نظير ما حكى عنه أبو سعيد ومن ذكرنا معه في الفصل الذي قبل هذا، وأنه قد أذن له مع ذلك في العزل. ش: أي: ثم قد روي عن رسول الله ﵇ أيضًا في إباحة العزل، رواه جابر بن عبد الله فإنه حكى في حديثه نظير ما حكى أبو سعيد الخدري وأبو سعد الزوفي وجرير بن عبد الله، وزاد جابرٌ في روايته بصريح الإِذن من النبي ﵇ في العزل، فدلَّ ذلك على أن العزل مباح، وأن القدر لا يمنعه العزل. وأخرج حديث جابر من طريقين صحيحين: الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن محمد بن خازم -بالخاء والزاي المعجمتين- أبي معاوية الضرير، عن سليمان الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد رافع الأشجعي الكوفي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري. وأخرجه البزار في "مسنده": نا يوسف بن موسى، نا جرير، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله قال: "جاء رجل إلى النبي ﵇ فقال: يا رسول الله، لي جارية وأنا أعزل عنها، فقال رسول الله ﵇: ما قدِّر من نسمةٍ تخرج إلاَّ وهي كائنة". وهذا الحديث روي عن جابر من وجوه بألفاظ مختلفة قد ذكرنا كل حديث بلفظه في موضعه.

стр. 5260

قلت: حديث جابر في هذا الباب أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣) والترمذي (٤) وابن ماجه (٥) بألفاظ مختلفة وأسانيد متغايرة. الثاني: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر. وأخرجه أحمد (٦) من حديث سالم بن أبي الجعد نحوه. قوله: "تستقي على ناضح" "الناضح" الجمل الذي يستقى عليه، وجمعه نواضح، وفي رواية: تسنو على ناضح، ومعناه تستقي أيضًا، من سنى يسنو إذا استقى. قوله: "نعم فاعزل". صريح بالإِذن بالعزل، فدلَّ على أنه مباح. ص: ثم قد روي عن جابر ﵁ في إباحة العزل أيضًا ما قد حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن أبيه، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁: "أن رسول الله ﵇ أذن له في العزل". حدثنا يونس، قال: أنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن جابر قال: "كنا نعزل والقرآن ينزل". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال: "كنا نعزل والقرآن ينزل" قال شعبة: فقلت لعمرو: سمعت هذا من جابر؟ فقال: لا.

стр. 5261

حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا أبو داود، قال: ثنا هشام، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "كنا نعزل على عهد رسول الله ﵇ ولا ينهانا عن ذلك". ش: هذه أربع طرق صحاح: الأول: إسناده على شرط مسلم. وأبو بكر بن أبي شيبة اسمه عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، وهو شيخ البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه. وحميد بن عبد الرحمن روى له الجماعة، وأبوه عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي الكوفي، روى له مسلم وأبو داود والنسائي، ونسبته إلى رؤاس -بضم الراء بعدها همزة- بن كلاب من هوازن. وأبو الزبير هو محمد بن مسلم المكي، من رجال مسلم. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه". الثاني: على شرط الشيخين، ورجاله كلهم رجال الصحيح، وسفيان هو ابن عُيينة. وأخرجه البخاري (١): ثنا علي بن عبد الله، نا سفيان، قال عمرو: أخبرني عطاء، سمع جابرًا قال: "كنا نعزل والقرآن ينزل". وأراد بقوله: "والقرآن ينزل" أن العزل لو كان ممنوعًا لبَيَّنَهُ ﵇؛ لأن وقت نزول القرآن كان وقت بيان الحلال والحرام، وما يجوز فعله وما لا يجوز، وقد علم أن قول الصحابي: "كنا نفعل" ونحوه من الأمور المشروعة من جهة النبي ﵇. وقال الخطيب: قول الصحابي: "كنا نفعل كذا" و"نقول كذا" متى أضيف إلى زمن النبي ﵇ على وجه كان يعلم به رسول الله ﵇ فلا ينكره، وجب القضاء بكونه شرعًا، وقام إقراره له مقام نطقه بالأمر به.

стр. 5262

الثالث: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن عمرو بن دينار ... إلى آخره. وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (١): وإنما قال عمرو بن دينار: "لا" حين سأله شعبة: أسمعت هذا من جابر؟ لأنه قد كان سمعه عن عطاء عن جابر، ولم يسمعه من جابر، وإن كان هو ممن سمع جابرًا وروى عنه غير هذا. فافهم. الرابع: عن أبي بكرة أيضًا وإبراهيم بن مرزوق، كلاهما عن أبي داود سليمان الطيالسي، عن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي، عن جابر. وأخرجه مسلم (٢): حدثني أبو غسان المسمعي، قال: ثنا معاذ -يعني ابن هشام- قال: حدثني أبي، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "كنا نعزل على عهد نبي الله ﵇، فبلغ ذلك نبي الله فلم ينهنا". ص: فلما انتفى المعنى الذي به كُرَه العزل، وما ذَكَرَ مَنْ ذَكَرَ في ذلك أنه من الموءودة، وثبت عن رسول الله ﵇ ما ذكرنا عنه من إباحته ثبت أن لا بأس بالعزل لمن أراده على الشرائط التي ذكرناها، وقد فصلناها في أول هذا الباب، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أراد بالمعنى الذي كره به العزل: أي بسببه العزل أنه هو الوأد الخفي، يعني لما انتفى هذا المعنى بالأحاديث المذكورة، وكذلك لما انتفى ما ذكر مَنْ ذكر في ذلك أبي في حكم العزل أنه من الموءودة، وأراد بمن ذكر: أهل المقالة الأولى، وهم: النخعي وسالم وطاوس وآخرون، وثبت عن رسول الله ﵇ إباحة العزل بالأحاديث المذكورة، ثبت أن العزل لا بأس به، ولكن على الشرط الذي ذكره في أول الباب من وجه النظر، وهو أنه إذا كان العزل عن الحرة لا يباح إلاَّ

стр. 5263

برضاها، وإن كان عن الأمَة فله ذلك مطلقًا. فإن قيل: الأحاديث المذكورة ليس فيها هذا القيد. قلت: روعي هذا القيد بحديث أخرجه ابن ماجه (١): نا الحسن بن خلَّال، نا إسحاق بن عيسى، نا ابن لهيعة، حدثني جعفر بن ربيعة، عن الزهري، عن المحرَّر بن أبي هريرة، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "نهى رسول الله ﵇ أن يعزل عن الحرة إلاَّ بإذنها". فإن قيل: قال الدارقطني: تفرد به إسحاق بن عيسى الطباع، عن ابن لهيعة، عن جعفر، عن الزهري، عن المحرَّر، عن أبيه، عن عمر، ووهم فيه. وخالف عبد الله بن وهب فرواه عن ابن لهيعة، عن جعفر، عن الزهري، عن حمزة بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن عمر، قال: ووهم أيضًا، والصواب: مرسل، عن حمزة، عن عمر ليس فيه عن أبيه. وقال أبو حاتم: ثنا أبو صالح كاتب الليث، عن ابن لهيعة، عن جعفر، عن حمزة بن عبد الله، عن أبيه، عن عمر، قال: وهو أصحّ، وهذا من مخاليط ابن لهيعة. وأخرجه البيهقي (٢): من حديث إسحاق، عن ابن لهيعة، عن جعفر .. إلى آخره نحو رواية ابن ماجه. ورواه الفسوي في "تاريخه". وقال الذهبي: ولا أعرف إسحاق، والحديث ضعيف. وفي "سؤالات أبي داود": سمعت أبا عبد الله ... وذكر حديث ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن الزهري، عن المحرر بن أبي هريرة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "لا يعزل عن الحرة إلاَّ بإذنها". فقال: ما أنكره. قلت: روى البيهقي (٣): من حديث منصور، عن إبراهيم قال: "تستأمر الحرة في العزل ولا تستأمر الأمَة".

стр. 5264

وروى عن عبد الكريم الجزري، عن عطاء، عن ابن عباس مثله. وأخرج من حديث أبي معاوية (١)، عن أبي عرفجة الفائشي، عن عطية، عن ابن عمر قال: "يعزل عن الأمَة وتُستأمر الحرة". وروى جعفر بن برقان (٢) عن عطاء في العزل قال: "عن الحرة برضاها". وأخرج أبو قرة السكسكي قال: ذكر ابن الصباح، عن عطاء، عن جابر: "أنهم كانوا يعزلون على عهد رسول الله ﵇ إذا أُذنت الحرة، وأما الأمَة فيعزل عنها إن شاء" انتهى. وكفى في القيد المذكور حجة بما روي عن ابن عباس وابن عمر وجابر وعطاء وإبراهيم، ويقوى به الحديث المذكور أيضًا. وهذا جابر ﵁ ممن روي عنه إباحة العزل مطلقًا، ثم روي عنه أنه قيَّده بإذن الحرة، فدلَّ على أن كل ما روي من إباحة العزل فالمراد منه بالإذن في حق الحرة. ...

стр. 5265

ص: باب: الحائض ما يحل لزوجها منها ش: أي هذا باب في بيان الحائض كيف يستمتع بها زوجها؟ وكان المناسب أن يذكر هذا الباب في باب الحيض في كتاب الطهارة، ولكن لما كان متعلقًا بالنساء ومخصوصًا بهن ذكره في هذا الموضع؛ لأنه مشتمل على أحكام النساء. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵁ قالت: "كان النبي ﵇ يأمر إحدانا أن تتَّزر وهي حائض ثم يضاجعها" -قال شعبة: وقالت مرةً: "يباشرها". حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يعلى بن عُبيد، قال: ثنا حريث بن عمرو، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: "ربما يباشرني النبي ﵇ وأنا حائض فوق الإزار". ش: هذان طريقان: الأول: إسناده صحيح عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد. وأخرجه الجماعة مطولاً ومختصرًا: فالبخاري (١) عن قتيبة قال: نا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا والنبي ﵇ من إناء واحد كلانا جُنب، وكان يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض، وكان يخرج رأسَه إليَّ وهو معتكف فأغسله وأنا حائض".

стр. 5266

ومسلم (١): عن أبي بكر بن أبي شبة وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم -قال إسحاق: أنا وقال الآخران: ثنا- جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كانت إحدانا إذا كانت حائضًا أمرها رسول الله ﵇ فتأتزر بإزار ثم يباشرها". وأبو داود (٢): عن مسلم، قال: أنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ يأمر إحدانا إذا كانت حائضًا أن تَتَّزر ثم يضاجعها زوجها -وقال مرة: يباشرها-". والترمذي (٣): عن محمد بن بشار، قال: نا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ إذا حِضْت يأمرني أن أتَّزر ثم يباشرني". والنسائي (٤): عن إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا جرير، عن منصور ... إلى آخره نحو رواية أبي داود. وابن ماجه (٥): عن ابن أبي شيبة، نا جرير ... إلى آخره نحو رواية مسلم. قوله: "أن تتَّزر". أي تشد إزارًا، والمعنى: تستر سرتها وما تحتها إلى الركبة. قوله: "يضاجعها": أي ينام معها. قوله: "يباشرها": يعني يستمتع بها من وجوه الملامسة والتقبيل ونحو ذلك. الثاني: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن يعلى بن عُبيد بن أبي أميَّة الطنافسي الكوفي، وعن يحيى: ضعيف في سفيان، وعنه: ثقة في غيره، روى له

стр. 5267

الجماعة، عن حريث بن عمرو وهو حريث بن أبي مطر الفزاري أبو عمرو الحناط -بالنون- الكوفي، قال ابن معين: لا شيء. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، وقال البخاري: فيه نظر. روى له الترمذي وابن ماجه، عن عامر بن شراحيل الشعبي، عن مسروق بن الأجدع، عن عائشة. ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسدٌ، قال: ثنا أسباط (ح). وحدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أسباط، عن أبي إسحاق الشيباني، عن عبد الله بن شداد، عن ميمونة قالت: "كان رسول الله ﵇ يباشر نساءه فوق الإزار وهن حيَّض". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرنى يونس والليث، عن ابن شهاب، عن حبيب مولى عروة بن الزبير، عن نَدَبة مولاة ميمونة زوج النبي ﵇ قالت: "كان رسول الله ﵇ يباشر المرأة من نسائه وهي حائض إذا كان عليها إزار يبلغ أنصاف الفخذين أو الركبتين -في حديث الليث:- محتجرةً به". ش: هذه أربع طرق صحاح: الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن أسباط بن محمد الكوفي، عن أبي إسحاق سليمان بن أبي سليمان الشيباني الكوفي، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن خالته ميمونة زوج النبي ﵇. وأخرجه مسلم (١): نا يحيى بن يحيى، قال: أنا خالد بن عبد الله، عن الشيباني، عن عبد الله بن شداد، عن ميمونة قالت: "كان رسول الله ﵇ يباشر نساءه فوق الإزار وهن حيَّض". الثاني: عن محمد بن عمرو بن يونس التغلبي، عن أسباط بن محمد، عن الشيباني ... إلى آخره.

стр. 5268

وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا سفيان بن عيينة، عن الشيباني، عن عبد الله بن شداد، عن ميمونة قالت: "كان رسول الله ﵇ يباشر نساءه فوق الإزار وهنّ حيَّض". الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي والليث بن سعد، كلاهما عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن حبيب الأعور القرشي الحجازي مولى عروة بن الزبير، وثقه ابن حبان، وروى له أبو داود والترمذي والنسائي. عن نَدْبة، بفتح النون وسكون الدال المهملة وفتح الباء الموحدة، وقال معمر: بضم النون، وقال يونس: بضم الباء الموحدة في أولها وسكون الياء آخر الحروف، ووقع في كتاب عبد الله بن الربيع التميمي: نَدَبة بفتح النون وفتح الدال وفتح الباء الموحدة، وفي الأصل من "سنن النَّسائي" -بفتح النون-: بَذِيَّة بفتح الباء الموحدة وكسرالذال المعجمة وتشديد الياء آخر الحروف، ويقال: بُذَيَّة بضم الباء الموحدة وفتح الذال المعجمة وتشديد الياء آخر الحروف، وقال الدارقطني: نَدَبة هكذا يقول المحدثون: نَدَبة بفتح الدال، ومثله الحسن بن حبيب بن نَدَبة، وخفاف بن ندبة. وقال أهل اللغة: هو نَدْبة الدال ساكنة، وهي مولاة ميمونة زوج النبي ﵇، وثقها ابن حبان. وأخرجه النسائي (٢): أنا الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، عن ابن وهب، عن يونس والليث، عن ابن شهاب، عن حبيب مولى عروة، عن بَذيَّة -وكان الليث يقول: بُذيَّة- مولاة ميمونة، عن ميمونة قالت: "كان رسول الله ﵇ يباشر المرأة من نسائه وهي حائض إذا كان عليها إزار يبلغ أنصاف الفخذين والركبتين -في حديث الليث-: محتجرةً به".

стр. 5269

قوله: "كان يباشر". من المباشرة التي بمعنى الملامسة، وأصله من لمس بشرة الرجل بشرة المرأة، وقد ترد بمعنى الوطء في الفرج، والمراد ها هنا المعنى الأول بالإجماع. قوله: "وهي حائض". جملة اسمية حاليَّة. قوله: "أنصاف الفخدين". الأنصاف جمع نصف، وإنما جمعه باعتبار أن التثنية يطلق عليها الجمع، ووقع في رواية أبي داود: "إلى أنصاف الفخذ" وجمع ها هنا باعتبار وقوع الفخذ معرفًا باللام. قوله: "محتجرة" بالراء المهملة، من الاحتجار وهو الامتناع، والمعنى: ممتنعة بالإزار، والأصح أنه بالزاي المعجمة، ومعناه: شادَّة مئزرها على العورة وما لا يحل مباشرته، والحاجز الحائل بين الشيئين وأصله من حجزه يحجزه حجزًا أي منعه، من باب: نَصَرَ يَنْصُرُ، وحجزة الإزار: معقده، وحجزة السراويل: التي فيها التكة، ثم إنه وقع في بعض النسخ بالرفع، وكذا وقع في نسخة النسائي، ووجهه -إن صحّ-: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي هي محتجزة به، والمشهور أنه منصوب على الحال من الحائض. الرابع: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن حبيب، عن نَدْبَة، عن ميمونة ﵂. وأخرجه أبو داود (١): ثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب، قال: حدثني الليث، عن ابن شهاب، عن حبيب مولى عروة، عن نُدْبَة مولاة ميمونة، عن ميمونة: "أن النبي ﵇ كان يباشر المرأة من نسائه وهي حائض إذا كان عليها إزار إلى أنصاف الفخذ والركبتين، تحتجز به".

стр. 5270

ص: فذهب قومٌ إلى أن الحائض لا ينبغي لزوجها أن يجامعها إلاَّ كذلك، ولا يطلع منها على عورة، واحتجوا في ذلك بفعل رسول الله ﵇ الذي ذكرنا، وممن قال ذلك أبو حنيفة ﵀. ش: أراد بالقوم هؤلاء: سعيد بن المسيب وشريحًا وطاوسًا وعطاء بن أبي رباح وسليمان بن يسار وقتادة ومالكًا والشافعي -في قول- فإنهم قالوا: لزوج الحائض أن يباشرها فيما فوق الإزار ويحرم عليه مباشرة ما تحت الإزار وهو ما بين السرة والركبة، واحتجوا في ذلك بفعل رسول الله ﵇ الذي ذكر في حديث ميمونة. وممن قال بهذا القول: الإِمام أبو حنيفة وأبو يوسف -في رواية-. ص: واحتجوا في ذلك أيضًا بما روي من قول رسول الله ﵇ فإنه حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا علي بن الجعد، قال: أنا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن عمرو الشامي، عن أحد النفر الذين أتوا عمر بن الخطاب -﵁ وكانوا ثلاثة- فسألوه: "ما للرجل من أمرأته إذا أحدثت -يعنون الحيض؟ - فقال: سألتموني عن شيء ما سألني عنه أحدٌ منذ سألت عنه رسول الله ﵇، فقال: له منها ما فوق الإزار من التقبيل والضم، ولا يطلع على ما تحته". حدثنا فهدٌ، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن عمرو البجلي: "أن قومًا [أتوا] (١) عمر بن الخطاب فسألوه ... " ثم ذكر مثله. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا المسعودي، قال: ثنا عاصم بن عمرو البجلي: "أن قومًا أتوا عمر بن الخطاب ... " ثم ذكر مثله. حدثنا فهدٌ، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن عمرو، عن عمير مولى لعمر، عن عمر مثله.

стр. 5271

ش: أي احتج هؤلاء القوم أيضًا بقول رسول الله ﵇ الذي رواه عنه عمر ﵁. وأخرجه من أربع طرق: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن علي بن الجعد بن عُبيد الجوهري البغدادي، شيخ البخاري وأبي داود، عن زهير بن معاوية بن حديج، أحد أصحاب أبي حنيفة، روى له الجماعة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عاصم بن عمرو البجلي، من أهل الشام، قال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في الثقات، وهو يروي عن أحد النفر الذين أتوا عمر ابن الخطاب ﵁ وهو مجهول. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا محمد بن جعفر، نا شعبة، سمعت عاصم ابن عمرو البجلي يحدث، عن رجل، عن القوم الذين سألوا عمر بن الخطاب فقالوا: "إنما أتينا نسألك عن ثلاث: عن صلاة الرجل في بيته تطوعًا، وعن الغسل من الجنابة، وعن الرجل ما يصلح له من امرأته إذا كانت حائضًا؟ فقال: أَسُحَّارٌ أَنْتم؟! لقد سألتموني عن شيء ما سألني عنه أحدٌ منذ سألت عنه رسول الله ﵇، فقال: صلاة الرجل في بيته تطوعًا نور فمن شاء نوَّر بيته، وقال في الغسل من الجنابة: يغسل فرجه ثم يتوضأ ثم يفيض على رأسه ثلاثًا، وقال في الحائض: له ما فوق الإزار". قوله: "إذا أحدثت" أي حاضت، وقد فسره هكذا في الحديث بقوله: "يعنون الحيض". قوله: "له منها" أي للرجل من امرأته الحائض ما فوق الإزار، وهو مما فوق السرة ومما تحت الركبة.

стр. 5272

الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي عثمان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، عن إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق عمرو السبيعي، عن عاصم بن عمرو البجلي ... إلى آخره. وأخرجه ابن حزم (١): من حديث أبي إسحاق، عن عاصم بن عمرو البجلي: "أن نفرًا سألوا عمر بن الخطاب فقال: سألت رسول الله ﵇: ما يحل للرجل من امرأته حائضًا؟ قال رسول الله ﵇: لك ما فوق الإزار لا تطلعن إلى ما تحته حتى تطهر". قال: ورواه عاصم بن عمرو عن مجهول. الثالث: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي، عن عاصم بن عمرو البجلي. وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (٢). الرابع: عن فهد بن سليمان، عن علي بن معبد بن شداد العبدي، عن عُبيد الله ابن عمرو بن أبي الوليد الجزري، عن زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عاصم بن عمرو البجلي، عن عمير مولى عمر بن الخطاب، ذكره ابن حبان في الثقات، عن عمر بن الخطاب ﵁. وأخرجه ابن حزم (٣): من حديث زهير بن حرب، نا عبد الله بن جعفر المخرمي، نا عُبيد الله بن عمرو الجزري، عن زيد بن أبي أُنَيسة، عن أبي إسحاق، عن عاصم ابن عمرو، عن عمير مولى عمر بن الخطاب ... فذكر نحوه. وأخرجه أيضًا (٢): من حديث أبي إسحاق، عن عمير، عن عمر.

стр. 5273

وهذا منقطع؛ لأن أبا إسحاق لم يسمعه من عمير، وإنما رواه عن عاصم عن عمرو البجلي. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا بأس بما تحت الإزار منها إذا اجتنبت مواضع الدم. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عكرمة ومجاهدًا والشعبي، والنخعي والثوري والأوزاعي والحكم بن عتيبة ومسروقًا والشافعي -في الأصح- وأحمد بن حنبل وأصبغ بن الفرج وإسحاق وأبا ثور وداود، فإنهم قالوا: لا بأس أن يستمتع الرجل بما تحت الإزار من الحائض إذا اجتنب موضع الدم. وممن قال بهذا القول: محمد بن الحسن وأبو يوسف -في رواية- قالوا: وهذا أقوى دليلاً؛ لحديث أنس: "اصنعوا كل شيء إلا الجماع" واقتصار النبي ﵇ في مباشرته على ما فوق الإزار محمول على الاستحباب. واعلم أن مباشرة الحائض أقسام: إحداهما: حرام بالإجماع، ولو اعتقد حلَّه يكفر، وهو أن يباشرها في الفرج عامدًا، فإن فعله غير مستحل يستغفر إلله تعالى ولا يعود إليه. وهل تجب عليه الكفارة؟ فيه خلاف للعلماء. الثاني: المباشرة فيما فوق السرة وتحت الركبة بالذكر أو بالقبلة أو بالمعانقة أو اللمس أو غير ذلك، فهذا حلال بالإجماع، إلاَّ ما حكي عن عَبيدة السلماني وغيره: "أنه لا يباشر شيئاً" فهو شاذ منكر مردود بالأحاديث الصحيحة. والثالث: المباشرة فيما بين السرة والركبة في غير القبل والدبر، فعند أبي حنيفة ومن ذكرنا معه: حرام. وعند محمد ومَن ذكرنا معه: يجتنب شعار الدم فقط. ص: وقالوا: أما ما ذكرتم مِنْ فعل النبي ﵇ فلا حجة لكم في ذلك؛ لأنا نحن لا ننكر أن لزوج الحائض منها ما فوق الإزار فيكون هذا الحديث حجةً علينا، بل نحن نقول: له منها ما فوق الإزار وما تحته إذا اجتنب مواضع الدم كما له أن يفعل

стр. 5274

ذلك قبل حدوث الحيض، وإنما هذا الحديث حجةٌ على مَنْ أنكر أن لزوج الحائض منها ما فوق الإزار، فاما مَنْ أباح ذلك له فإن هذا الحديث ليس بحجة عليه، وعليكم البُرهان بعدُ، لقولكم: إنه ليس له منها إلاَّ ذلك. وقد روي عن عائشة في هذا عن النبي ﵇ ما يوافق ما ذهبنا نحن إليه ويخالف ما ذهبتم أنتم إليه، وهي أحدُ مَنْ رويتم عنها ما كان رسول الله ﵇ يفعل بنسائه إذا حضن ما ذكرتم من ذلك. حدثنا فهدٌ، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا زهير، قال: ثنا أبو إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عائشة ﵁ قالت: "كان رسول الله ﵇ يباشرني في شعار واحد وأنا حائض، ولكنه كان أملككم -أو أملك- لإرْبه". فهذا على أنه كان يباشرها في إزار واحد، ففي ذلك إباحة ما تحت الإزار، فلما جاء هذا عنها، وقد جاء عنها أنه كان يأمرها أن تأتزر ثم يباشرها، كان هذا عندنا على أنه كان يفعل هكذا مرةً وهكذا مرة، وفي ذلك إباحة المعنيين جميعًا. ش: هذا جواب عما قاله أهل المقالة الأولى من استدلالهم فيما ذهبوا إليه بفعل النبي ﵇، أي قال أهل المقالة الثانية: أما ما ذكرتم من فعل النبي ﵇ وهو أنه كان يباشر نساءه فوق الإزار وهنَّ حيَّض فلا حجة لكم في ذلك؛ لأنه لا يتم به الاستدلال, لأنا لا ننكر أن لزوج الحائض أن يباشر منها ما فوق الإزار حتى يكون هذا الحديث حجةً علينا، وهو معنى قوله: "فيكون هذا الحديث حجَّهً علينا" بنصب "فيكونَ"؛ لأنه جواب النفي، و"أن" الناصبة مُقدَّرة فيه، بل نحن نقول: له أن يباشرها ما فوق الإزار وما تحته أيضًا إذا اجتنب مواضع الدم، كما جاز له أن يفعل ذلك قبل حدوث الحيض، وهذا الحديث إنما هو حجة على من أنكر أن يباشرها فيما فوق الإزار وهي حائض، كما ذهب إليه عَبيدة السلماني وغيره؛ فإنهم منعوا زوج الحائض عن المباشرة مطلقًا، فأما الذين أباحوا ذلك له، فإن هذا الحديث ليس بحجة عليهم، فإذا كان كذلك فقد دلَّ هذا الحديث على إباحة المباشرة فيما

стр. 5275

فوق الإزار، ولا يستلزم ذلك نفي المباشرة فيما تحت الإزار فحينئذٍ يجب عليكم أن تأتوا ببرهان يدل على مُدَّعاكم أنه ليس له منها إلاَّ ما فوق الإزار. ومع هذا روي عن عائشة ﵂ عن النبي ﵇ في هذا الباب ما يوافق ما ذهبنا إليه، ويخالف ما ذهبتم أنتم إليه، والحال أنها أحد مَنْ رويتم عنها ما كان رسول الله ﵇ يفعل بنسائه إذا حضن، وهي أنها قالت: "كان رسول الله ﵇ يباشرني في شعار واحد". فهذا يدل على إباحة المباشرة فيما تحت الإزار، وبقي الكلام في التوفيق بين روايتي عائشة-﵂، وقد أشار إليه بقوله: "فلما جاء هذا عنها ... " إلى آخره، أي فلما جاءه هذا الحديث عن عائشة وهو قولها: "كان رسول الله ﵇ يباشرني في شعار واحد" وقد جاء عنها أيضًا: "أنه كان يأمرها أن تأتزر ثم يباشرها" كان هذا محمولًا على أنه كان يفعل هكذا مرَّةً وهكذا مرةً، وفي ذلك إباحة المعنيين جميعًا فيرتفع بذلك التناقض بين الروايتين ويحصل التوفيق بينهما، ففي هذا الإِعمال بالروايتين، وفيما ذكر هؤلاء الإِعمال بإحداهما والإِهمال بالأخرى ,فالإِعمال أولى مِنَ الإِهمال. ثم إنه أخرج حديث عائشة ﵂ بإسناد صحيح، عن فهد ابن سليمان، عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل الهمداني الكوفي روى له الجماعة سوى ابن ماجه , عن عائشة ﵂. وأخرجه الجماعة بوجوه مختلفة، ولكن البيهقي أخرجه في "سننه" (١): نحوه من حديث زهير، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عائشة: "كان رسول الله ﵇ يباشرني في شعار واحد وأنا حائض، ولكنه كان أملككم لإرْبه -أو يملك إرْبَه-".

стр. 5276

فقال البخاري (١): نا إسماعيل بن خليل، قال: أنا علي بن مسهر، قال: أنا أبو إسحاق -هو الشيباني- عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كانت إحدانا إذا كانت حائضًا فأراد رسول الله ﵇ أن يباشرها أمرها أن تتَّزر في فور حيضها ثم يباشرها، قالت: وأيكم يملك إِرْبه كما كان النبي ﵇ يملك إرْبَه؟! ". وقال مسلم (٢): نا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا علي بن مسهر، عن الشيباني. وحدثني علي بن حجر السعدي -واللفظ له- قال: أنا علي بن مسهر، قال: أنا أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة نحوه. وقال أبو داود (٣): ثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا جرير، عن الشيباني، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ يأمرنا في فوح حيضتنا أن تتزر ثم يباشرها، وأيكم كان يملك إِرْبه؟ كان رسول الله ﵇ يملك إرْبَه؟ ". وأما رواية البقية الثلاثة فقد ذكرناها في أول الباب. قوله: "في شعار واحدٍ". الشعار -بكسر السين-: الثوب الذي يلي الجسد؛ لأنه يلي شعره. قوله:"لإِرْبه" أكثر الروايات فيه بكسر الهمزة وسكون الراء، ومعناه: عضوه الذي يستمتع به، الفرج. ورواه جماعة بفتح الهمزة والراء ومعناه: حاجته، وهي شهوة الجماع، واختار الخطابي هذه الرواية وأنكر الأولي وعابها على المحدثين، وفي رواية: "أيكم أملك لنفسه"، والمقصود أنه ﵇ أملككم لنفسه، فيأمن مع هذه المباشرة الوقوع في المحرم وهو مباشرة فرج الحائض.

стр. 5277

قوله: "في فور حَيضتنا". بفتح الفاء وإسكان الواو أي في معظم حيضتنا ووقت كثرتها، والحيضة ها هنا بفتح الحاء أراد بها الحيض وذلك معنى قوله: "في فوح حيضتنا" وهو بالحاء المهملة. ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ من غير هذا الوجه أيضًا ما يوافق هذا القول الذي صححنا عليه حديثي عائشة ﵂ اللذين ذكرنا. حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا أبو الوليد الطيالسي، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس ﵁: "أن اليهود كانوا لا يأكلون ولا يشربون ولا يقعدون مع الحيَّض في بيت، فذكر ذلك للنبي ﵇، فأنزل الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (١) فقال رسول الله ﵇: اصنعوا كل شيء ما خلا الجماع". ففي هذا الحديث أنهم قد أبيحوا من الحائض كل شيء منها غير جماعها خاصّةً، وذلك على الجماع في الفرج دون الجماع فيما دونه. ش: ذكر هذا تأييدًا لما صحَّح عليه حديثي عائشة اللذين أحدهما قد ذكره في أول الباب في معرض الاحتجاج لأهل المقالة الأولى، والآخر الذي ذكره أهل المقالة الثانية، وذلك أن أنسًا قد صرَّح في حديثه أنهم أبيح لهم من الحائض كل شيء منها غير جماعها خاصّةً، وذلك الجماع هو جماع الفرج دون جماع غيره، والفرج يتناول القُبل والدُّبر. وأخرج حديثه بإسناد صحيح، عن محمد بن خزيمة، عن أبي الوليد هشام ابن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس.

стр. 5278

وأخرجه النسائي (١): أنا إسحاق بن إبراهيم، قال: نا سليمان بن حرب، قال: نا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: "كانت اليهود إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوهنّ ولم يجامعوهنّ في البيوت، فسألوا نبي الله عن ذلك، فأنزل الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى ...﴾ (٢) الآية، فأمرهم رسول الله ﵇ أن يؤاكلوهنّ ويشاربوهنّ ويجامعوهنّ في البيوت، وأن يصنعوا كل شيء ما خلا الجماع". وأخرجه مسلم (٣) مطولاً: حدثني زهير بن حرب، قال: نا عبد الرحمن بن مهدي، قال: نا حماد بن سلمة، قال: نا ثابت، عن أنس: "أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها, ولم يجامعوهنَّ في البيوت، فسأل أصحاب النبيِّ ﵇ النبيَّ ﵇، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ...﴾ (٢) إلى آخر الآية، فقال رسول الله ﵇: اصنعوا كل شيء إلاَّ النكاح، فبلغ ذلك اليهود وقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلاَّ خالفنا فيه، فجاء أسَيد بن حضير وعبَّاد بن بشر فقالا: يا رسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهنَّ؟ فتغير وجه رسول الله ﵇ حتى ظننا أن قد وجد [عليهما] (٤)، فخرجا، فاستقبلهما هدية من لبن إلى رسول الله ﵇، فأرسل في آثارهما فسقاهما، فعرفنا أن لم يجد علينا". ص: وقد روي هذا القول بعينه عن عائشة ﵂: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا عُبيد الله بن عمرو، عن أيوب، عن أبي قلابة: "أن رجلاً سأل عائشة: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟ قالت: كل شيء إلاَّ فرجها".

стр. 5279

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عُبيد الله، عن أيوب، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن مسروق، عن عائشة، مثل ذلك. حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، عن بكير، عن أبي مرة مولى عقيل، عن حكيم بن عقال قال: "سألت عائشة عمَّا يحرم عليَّ من امرأتي إذا حاضت، قالت: فرجها". فهذا وجه هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار. ش: أي قد روي هذا القول الذي روي عن أنس، عن النبي ﵇: "اصنعوا كل شيء إلَّا الجماع" بعينه عن عائشة ﵂. وأخرجه من ثلاث طرق: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن خالد بن فروخ الجزري الحرارني نزيل مصر وشيخ البخاري، عن عُبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الرقي، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي. وهؤلاء كلهم رجال الصحيح ما خلا إبراهيم، ولكن هذا مرسل؛ لأن أبا قلابة لم يدرك عائشة، وفي "التكميل": حدَّث أبو قلابة عن جماعة من الصحابة ولم يدركهم؛ منهم: حذيفة وابن عباس وابن عمر وعمر بن الخطاب ومعاوية والنعمان بن بشير وأبو ثعلبة وأبو هريرة وعائشة ﵃ وروى عن أنس بن مالك الأنصاري وأنس بن مالك الكعبي وسمرة بن جندب. الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي أيضًا، عن عمرو بن خالد أيضًا، عن عُبيد الله الرِّقِّي أيضًا، عن أيوب السختياني أيضًا، عن أبي معشر زياد بن كليب، عن إبراهيم النخعي، عن مسروق، عن عائشة ﵂. وهذا إسناد صحيح متصل.

стр. 5280

وأخرجه ابن حزم (١): من حديث أيوب، عن أبي معشر، عن إبراهيم النخعي، عن مسروق قال: "سألت عائشة: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قالت: كل شيء إلَّا الفرج". الثالث: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن شعيب بن الليث، عن أبيه الليث بن سعد، عن بكير بن عبد الله الأشج، عن أبي مرة يزيد مولى عقيل بن أبي طالب روى له الجماعة، عن حكيم بن عقال العجلي البصري، ذكره ابن حبَّان في الثقات التابعين. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث الليث، عن بكير، عن أبي مرة مولى عقيل، عن حكيم بن عقال أنه قال: "سألت عائشة: ما يحرم عليَّ من امرأتي وأنا صائم؟ قالت: فرجها، قلت: ما يحرم عليَّ من امرأتي إذا حاضت؟ قالت: فرجها". ص: وأما وجهه من طريق النظر: فإنا رأينا المرأة قبل أن تحيض لزوجها أن يجامعها في فرجها وله منها ما فوق الإزار وما تحت الإزار أيضًا، ثم إذا حاضت حرم عليه الجماع في فرجها وحلَّ له منها ما فوق الإزار باتفاقهم، واختلفوا فيما تحت الإزار على ما ذكرنا، فأباحه بعضهم فجعل حكمه حكم ما فوق الإزار، ومنع منه بعضهم وجعل حكمه في حكم الجماع في الفرج. فلما اختلفوا في ذلك وجب النظر لنعلم أي الوجهين هو به أشبه فنحكم له بحكمه، فرأينا الجماع في الفرج يوجب الحدَّ والمهر والغسل، ورأينا الجماع في ما سوى الفرج لا يوجب من ذلك شيئًا، ويساوي في ذلك حكم ما فوق الإزار وما تحت الإزار، فثبت بما ذكرنا أن حكم ما تحت الإزار أشبه بما فوق الإزار منه بالجماع في الفرج، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك هو في حكم الحائض، فيكون حكمه حكم الجماع فوق الإزار لا حكم الجماع في الفرج. وهذا قول محمد بن الحسن ﵀. وبه نأخذ.

стр. 5281

ش: أي وأما وجه هذا الباب من طريق النظر والقياس: أن للرجل الاستمتاع بامرأته طاهرةً مطلقًا، بالجماع في فرجها والمباشرة فيما فوق الإزار وتحتها بلا خلاف، فإذا حاضت حرم عليه الجماع ولكن حلَّ له الاستمتاع بما فوق الإزار بلا خلاف، واختلافهم فيما تحت الإزار؛ فأباحه بعضهم -وهم أهل المقالة الثانية- فجعلوا حكمه حكم ما فوق الإزار، ومنعه بعضهم -وهم أهل المقالة الأولى- وجعلوا حكمه كحكم الجماع في الفرج، فلما اختلفوا هذا الاختلاف نظرنا فيه، فوجدنا المختلف فيه أشبه بحكم ما فوق الإزار فألحقناه به في أن حكمه حكم الجماع فوق الإزار لا حكم الجماع في الفرج، ووجه المشابهة الذي هو الجامع: ما ذكره. قوله: "وبه نأخذ". أي: وبِقَوْل محمدٍ نأخذ، نبَّه به على أنه اختار قول محمد في هذا الباب. ص: قال أبو جعفر ﵀: ثم نظرت بعد ذلك في هذا الباب وفي تصحيح الآثار فيه، فإذا هي تدل على ما ذهب إليه أبو حنيفة لا على ما ذهب إليه محمد بن الحسن، وذلك أنَّا وجدناها على ثلاثة أنواع: فنوعٌ منها ما روي عن رسول الله ﵇: "أنه كان يباشر نساءه وهنّ حُيَّض فوق الإزار" فلم يكن في ذلك دليل على منع الحيض من المباشرة تحت الإزار لما قد ذكرناه في موضعه من هذا الباب. ونوعٌ منها وهو ما روى عُمير مولى عمر، عن عمر ﵁ عن رسول الله ﵇[على] (١) ما قد ذكرناه في موضعه، فكان في ذلك منعٌ من جماع الحيَّض تحت الإزار؛ لأن ما فيه من كلام رسول الله ﵇، وذِكْره ما فوق الإزار فإنما هو جوابٌ لسؤال عمر ﵁ إياه "ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟ فقال له: ما فوق الإزار" فكان ذلك جواب سؤاله لا نقصان فيه ولا تقصير.

стр. 5282

ونوعٌ آخر: وهو ما روي عن أنس ﵁ على ما قد ذكرناه عنه، فذلك نصٌّ على أنه مبيحٌ لإتيان الحيُّض دون الفرج وان كانت تحت الإزار، فأردنا أن ننظر أي هذين النوعين تأخر عن صاحبه فنجعله ناسخًا له، فنظرنا في ذلك فإذا حديث أنس ﵁ فيه إخبارٌ عما كانت اليهود عليه، وقد كان رسول الله ﵇ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بخلافهم، قد روينا ذلك عن ابن عباس ﵄ في كتاب الجنائز، وقد أمره الله في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١)، فكان عليه اتباع مَنْ تقدَّمه من الأنبياء ﵇ حتى تُحْدَث له شريعة تنسخ شريعته، فكان الذي نُسخ ما كان اليهود عليه من اجتناب كلام الحائض ومؤاكلتها والاجتماع معها في بيتٍ هو ما في حديث أنس ﵁ لا واسطة بينهما، وفي حديث أنسٍ هذا إباحة جماعها فيما دون الفرج، وكان الذي في حديث عمر ﵁ الإباحة لما فوق الإزار والمنع مما تحت الإزار، فاستحال أن يكون ذلك متقدمًا لحديث أنسٍ إذ كان حديث أنس هو الناسخ لاجتناب الاجتماع مع الحائض ومؤاكلتها ومشاربتها، وثبت أنه متأخر عنه وناسخٌ لبعض الذي أبيح فيه، فثبت ما ذهب إليه أبو حنيفة من هذا بتصحيح الآثار، وانتفى ما ذهب إليه محمد بن الحسن ﵀. ش: لما ذكر أن وجه النظر والقياس في هذا الباب اقتضى أن يكون الممنوع من الاستمتاع بالحائض موضع الدم فقط، وأشار إليه أنه اختياره، ثم لما نظر في تصحيح الأحاديث الواردة في هذا الباب تبيَّن له أن الأمر ما ذهب إليه أبو حنيفة ومن معه لا ما ذهب إليه محمد بن الحسن ومَنْ معه، وأشار إلى، بيان [ذلك] (٢) بقوله: "وذلك أنَّا وجدنا ... " إلى آخره، تقريره: أن الأحاديث الواردة في هذا الباب على ثلاثة أنواع:

стр. 5283

الأول: ما روي عن عائشة وميمونة ﵄: "أنه كان يباشر نساءه وهنَّ حيَّض فوق الإزار" فهذا لا دليل فيه على منع الحيَّض من المباشرة تحت الإزار؛ لما قد ذكرنا أن فعله ﵇ هذا لا يستلزم عدم جواز المباشرة تحت الإزار. النوع الثاني: ما رواه عمير مولى عمر بن الخطاب، عن عمر ﵁ وفيه المنع من المباشرة تحت الإزار؛ لأن فيه أن عمر سأل رسول الله ﵇: ما للرجل من امرأته إذا حاضت؟ وأجاب رسول الله ﵇ بقوله: "له منها ما فوق الإزار" فدل على منع ما تحت الإزار؛ إذ لو لم يدل على ذلك لم يكن الجواب مطابقًا للسؤال، وأشار إلى ذلك بقوله: "فكان ذلك جواب سؤاله لا نقصان فيه ولا تقصير". أي فكان قوله ﵇: "له منها ما فوق الإزار" جواب سؤال -عمر ﵁- حين سأله: ما للرجل من امرأته إذا حاضت؟ جوابًا مطابقًا لسؤاله مقنعًا، لا نقصان فيه للإقناع ولا تقصير فيه للتطابق. النوع الثالث: ما رواه أنس بن مالك ﵁ عنه ﵇: "اصنعوا كل شيء ما خلا الجماع " ففيه إباحة المباشرة ما فوق الإزار وما تحتها دون الفرج، وهو معنى قوله: "فذلك نص على أنه مبيح لإتيان الحيَّض دون الفرج وإن كان تحت الإزار". والحُيَّض -بضم الحاء وتشديد الياء- جمع حائض. فهذه ثلاثة أقسام يجب تصحيح معانيها على وجه يقع التطابق فيها ويرتفع الخلاف، وأشار إلى ذلك بقوله: "فأردنا أن ننظر أيَّ هذين النوعين تأخر عن صاحبه" وأراد بهما حديث عمر وحديث أنس، وإنما عيَّن النوعين الأخيرين؛ لأن النوع الأول داخل في النوع الثالث في الحقيقة، ثم بيان ذلك أن يقال: إن بين حديثي عمر وأنس تعارضًا ظاهرًا على ما لا يخفى، ودفعه بأن يقال: إن حديث عمر ﵁ ناسخ لحديث أنس ﵁ بيان ذلك: أن حديث أنس فيه إخبار عما كانت اليهود تفعل مع الحيَّض، وقد كان ﵇ يحبُّ موافقة أهل الكتاب في الذي لم يؤمر فيه بخلافهم. روى ذلك ابن عباس ﵄ وقد ذكر ذلك في كتاب الجنائز، وأيضًا فالله تعالى أمر نبينا ﵇ أن يتبع من تقدَّمَه من الأنبياء ﵈-

стр. 5284

والقرآن نطق به، وهو قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١) فأمره باتباعه لهم إلى أن يحدث له شريعة تنسخ ما أمر به من اتباعه، وقد نسخ ما في حديث أنس [ما] (٢) كانت اليهود تفعله مع الحيَّض بقوله ﵇: "اصنعوا كل شيء ما خلا الجماع" فهذا فيه إباحة جماعها فيما دون الفرج. وفي حديث عمر الإباحة لما فوق الإزار، والمنع مما تحت الإزار، فمن المحال أن يكون حديثه متقدمًا على حديث أنس؛ لأن في حديث عمر حظرًا لبعض ما في حديث أنس ومحرمًا له، فلا شك أن المُحرِّم متأخر عن المبيح، فهذا نسخ بدلالة التاريخ لا بعين التاريخ إذْ التاريخ لم يعلم، ولكن القاعدة: أن الإباحة والحظر إذا اجتمعا فالحظر أولى، ومن أبين الدلالة على تأخر حديث عمر ﵁ أن في حديث أنس ﵁ نزول قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (٣) الآية. ولو كان سؤال عمر ﵁ حَالَ نزول الآية لاكتفى بما ذكر أنس من قوله ﵇: "اصنعوا كل شيء ما خلا الجماع" فحيث لم يكتف وسأل عما للرجل من امرأته إذا حاضت، فدلَّ ذلك على أن سؤاله كان بعد ذلك. والله أعلم وأيضًا يعضد ظاهر قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٣) خبر عمر ﵁، وخبر أنس يوجب تخصيصه، وما يوافق القرآن من الأخبار فهو أولى مما يخصّه. وأيضًا إن خبر أنس مجمل تام، ليس فيه إباحة موضع بعينه، وخبر عمر ﵁ مفسَّر فيه بيان لحكم الموضعين فيما تحت الإزار وما فوقه. والله أعلم. ...

стр. 5285

ص: باب: وطء النساء في أدبارهنَّ ش: أي هذا باب في بيان حكم وطء النساء في أدبارهنَّ، وهو جمع دُبُر، خلاف القُبُل. ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد، قال: ثنا عبد الله بن نافع، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد ﵁: "أن رجلاً أصاب امرأة في دبرها، فأنكر الناس ذلك عليه وقالوا: أثغَرَها، فأنزل الله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (١) ". ش: يعقوب بن حميد بن كاسب الذي قد قلنا غير مرة: إنه ضعفه بعضهم، ووثقه آخرون. وعبد الله بن نافع الصائغ المقرىء، روى له الجماعة؛ البخاري في غير الصحيح، والباقي من رجال الجماعة. قوله: "أثغرها". من أثغرت الدابة إذا شددت عليها الثغر، وإثغار المرأة كناية عن الوطء في دُبُرها. قوله: ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ (١). الحرث: المزدرع، وجعل في هذا الموضع كناية عن الجماع؛ وسمى النساء حرثًا لأنهن مزدرع الأولاد، وقال الزمخشري: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ (١) مواضع حرث لكم، وهذا مجاز، شبههنَّ بالمحارث تشبيهًا لما يلقى في أرحامهن من النطف التي منها النسل بالبذور. قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (١) تمثيل أي: فائتوهنَّ كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم لا يُحظَر عليكم جهة دون جهة، والمعنى: جامعوهن من أي شقٍ أردتم بعد أن يكون المأتى واحدًا وهو موضع الحرث، ولكن طائفة استدلوا على إباحة إتيان النساء في أدبارهن، وتأوَّلوا هذه الآية على وفق ما

стр. 5286

ذهبوا إليه، وقالوا: معناه حيث شئتم من القبل والدبر، وهذا تأويل فاسد على ما نذكره إن شاء الله تعالى". واعلم أن "أنَّى" يستفهم بها عن الحال نحو: أنَّى لقيت زيدًا أو مكافحًا؟ وقد يستفهم بها عن المكان فيقال: أنَّى كنت أي: أين كنت، وعن الزمان كقولك: أنَّى سرتَ أي: متى سرت، ويجزم بهما الشرط والجزاء نحو: أنَّى تذهب اذهبْ، وأصل وضعها للاستفهام ككيف، والمعنى في الآية: فائتوا حرثكم كيف شئتم مستقبلين أو مستدبرين غير أن يكون المأتى واحدًا وهو موضع الحرث. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن وطء المرأة في دبرها جائز، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وتأولوا هذه الآية على إباحة ذلك. ش: أراد بالقوم هؤلاء: محمد بن كعب القرظي وسعيد بن سيار المدني ومالكًا وبعض الشافعية فإنهم قالوا: وطء المرأة في دُبُرها جائز، واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور، وتأولوا هذه الآية -يعني قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (١). وقالوا: معناه حيث شئتم من القبل والدبر. وقال عياض ﵀: اختلف الناس في وطء النساء في أدبارهن، هل ذلك حرام أم لا؟ وقد تعلَّق من قال بالتحليل بظاهر الآية، ولا يفصل عنها من يحرّم بأن المراد بها ما نزلت عليه من السبب والرد على اليهود فيما قالت، والعموم إذا خرج على سبب قَصُر عليه عند بعض أهل الأصول، ومن قال بتعدِّيه وحمله على مقتضى اللفظ من التفهم كانت الآية حجة له في نفي التحريم، لكن وردت أحاديث كثيرة بالمنع منه فيكون ذلك تخصيصًا لعموم الآية بأخبار الآحاد وفي ذلك خلافٌ بين الأصوليين. وقال الحافظ أبو بكر ابن العربي في كتابه "أحكام القرآن": اختلف العلماء في جواز نكاح المرأة في دبرها. فجوزته طائفة كبيرة، وقد جمع ذلك ابن شعبان في

стр. 5287

كتابه "جماع النسوان وأحكام القرآن" وأسند جوازه إلى زمرة كريمة من الصحابة والتابعين، وإلى مالك من روايات كثيرة. وقال أبو بكر الجصاص في كتابه "أحكام القرآن": المشهور عن مالك إباحة ذلك، وأصحابه ينفون عنه هذه المقالة لقبحها وشناعتها، وهي عنه أشهر من أن تندفع بنفيهم عنه. وقد روى محمد بن سعد، عن أبي سليمان الجوزجاني قال: "كنت عند مالك بن أنس فسئل عن النكاح في الدبر، فضرب بيده إلى رأسه وقال: الساعة اغتسلتُ منه". وقد رواه عنه ابن القاسم على ما يجيء، وقال: قال الطحاوي: وحكى لنا محمد ابن عبد الله بن عبد الحكم أنه سمع الشافعي يقول: "ما صحَّ عن رسول الله ﵇ في تحريمه ولا تحليله شيء، والقياس أنه حلال". وروى أصبغ بن الفرج عن ابن القاسم، عن مالك: "ما أدركت أحدًا أقتدي به في ديني يشك فيه أنه حلال -يعني وطء المرأة في دُبُرها- ثم قرأ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (١). قال: فأي شيء أبين من هذا، وما أشك فيه، قال ابن القاسم: فقلت لمالك بن أنس: إن عندنا بمصر الليث بن سعد يحدثنا عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار أبي الحباب، قال: قلت لابن عمر ﵄: "ما تقول في الجواري، أنُخَمِّض لهنّ؟ فقال: وما التخميض؟ فذكرت الدبر، قال: أو يفعل ذلك أحدٌ من المسلمين؟! " فقال مالك: فأشهد على ربيعة بن أبي عبد الرحمن، يحدثني عن أبي الحباب سعيد بن يسار، أنه سأل ابن عمر عنه فقال: "لا بأس به". قال ابن القاسم: فقال رجل في المجلس: يا أبا عبد الله، فإنك تذكر عن سالم أنه قال: "كذب العلج على أبي -يعني نافعًا- كما كذب عكرمة على ابن عباس"، فقال مالك: وأشهد على يزيد بن رومان يحدثني، عن سالم، عن أبيه "أنه كان يفعله".

стр. 5288

ص: وخالفهم في ذلك آخرون فكرهوا وطء النساء في أدبارهن ومنعوا من ذلك. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عطاء بن أبي رباح ومجاهدًا والنخعي والثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا والشافعي -في الصحيح- وأحمد وإسحاق وآخرين كثيرين؛ فإنهم كرهوا وطء النساء في أدبارهن ومنعوا من ذلك، ويروى ذلك عن جماعة من الصحابة منهم: علي بن طلق وابن عباس وأبو الدرداء وابن مسعود وأبو هريرة وخزيمة بن ثابت وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمرو بن العاص وعلي بن أبي طالب وأم سلمة ﵃. وقد اختلف فيه عن عبد الله بن عمر، والأصح عنه المنع. ص: وتأولوا هذه الآية على غير هذا التأويل: فحدثنا يونس، قال: أنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جاب ﵁: "أن اليهود قالوا: من أتى امرأةً في فرجها من دبرها خرج ولدُها أحول، فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (١). حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: ثنا سفيان الثوري، أن محمد بن المنكدر حدثه، عن جابر بن عبد الله، مثله. حدثنا محمد بن زكريا أبو شريح، قال: ثنا الفريابي، قال: ثنا سفيان الثوري، فذكر بإسناده مثله. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهبٌ، قال: ثنا شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: "قالت اليهود: إذا أتى الرجل امرأته باركةً جاء الولد أحول، فذكر ذلك النبي ﵇ ثم ذكر مثله. قالوا: فإنما كان من قول اليهود ما ذكرنا، فأنزل الله دفعًا لقولهم واباحة للوطء في الفرج من الدبر والقبل جميعًا.

стр. 5289

ش: أي وتأول هؤلاء الآخرون قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (١). على غير التأويل الذي تأوله أهل المقالة الأولى والمعنى: أولوه ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (١). مستقبلين أو مستدبرين ولكن في موضع الحرث وهو الفرج خاصّة؛ وذلك لأن اليهود لما قالوا: مَنْ أتى امرأته باركةً جاء الولد أحول، أنزل الله ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (١) دفعًا لقولهم وإنكارًا عليهم، فبيَّن الله تعالى في ذلك كذبهم، وإباحة الوطء في الفرج سواء كان من جهة الدبر أو من جهة القبل، فحينئذٍ تقتصر إباحة الوطء في الفرج، ويبقى الوطء في الدبر حرامًا كما كان قبل. ولقائل أن يقول: إن القاعدة عندكم أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. قلنا: نعم، هذه هي القاعدة، ولكن وردت أحاديث كثيرة، فأخرجت الآية عن عمومها واقتصرتها على إباحة الوطء في الفرج، ولكن على أي وجه كان، من أي شيء كان، وفيه مناقشة، وهي أن يقال: نقل عن الشافعي ثم عن النسائي أيضًا أنه لم يصح عن النبي ﵇ شيء في تحريم إتيان النساء في أدبارهن ولا في إباحته. قلت: عدم الصحة عندهما لا ينافي الصحة عند غيرهما. والله أعلم. ثم إنه أخرج حديث جابر من أربع طرق صحاح: الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة ... إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): نا سفيان بن عيينة، عن ابن المنكدر، سمع جابرًا يقول: "كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته في قبلها من دبرها كان الولد أحول، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ (١) ". الثاني: أيضًا رجاله كلهم رجال الصحيح.

стр. 5290

وأخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) كلاهما من حديث سفيان، عن ابن المنكدر، سمعت جابرًا يقول: "إن اليهود يقولون: إذا جامع الرجل أهله في فرجها من ورائها كان ولده أحول، فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٣) " وفي لفظ للبخاري "يقولون: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول". الثالث: عن أبي شريح محمد بن زكريا بن يحيى القضاعي، عن محمد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٤): نا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: نا سفيان، عن محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابرًا يقول: "إن اليهود تقول: إذا جامع الرجل امرأته في فرجها من ورائها كان الولد أحول، فأنزل الله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٣) ". الرابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (٥): نا محمد بن مثنى، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر ﵁: "أن يهود كانت تقول: إذا أُتيت المرأة من دبرها ثم حملت كان ولدها أحول قال: فأنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٣) ". ص: وقد روى آخرون: هذا الحديث عن ابن المنكدر -على ما ذكرنا- وزادوا فيه: "إذا كان من الفرج".
следующие страницы →