البخاري، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري روى له الجماعة، عن عياش -بالياء آخر الحروف المشددة، وبالشين المعجمة- بن عبَّاس -بالباء الموحدة والسين المهملة القتباني المصري، روى له الجماعة البخاري في غير الصحيح.
عن أبي النضر -بالنون والضاد المعجمة- سالم بن أبي أميَّة المدني روى له الجماعة، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري المدني روى له الجماعة، أن أسامة ابن زيد بن حارثة الصحابي ﵁ أخبر والده سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرين بالجنة قال: "إن رجلاً ... إلى آخره".
وأخرجه مسلم (١): حدثني محمد بن عبد الله بن نمير وزهير بن حرب -واللفظ لابن نمير- قالا: ثنا عبد الله بن يزيد، قال: ثنا حيوة، قال: حدثني عياش بن عباس، أن أبا النضر أخبره، عن عامر بن سعد، أن أسامة بن زيد أخبر والده سعد بن أبي وقاص: "أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﵇ فقال: إني أعزل عن امرأتي، فقال له رسول الله ﵇: لِمَ تفعل ذلك؟ فقال الرجل: أشفق على ولدها -أو على أولادها-، فقال رسول الله ﵇: لو كان ذلك ضارًّا؛ ضرَّ فارس والروم -وقال زهيرٌ في رواية: إن كان لِذلك فلا، ما كان ضارَّ ذلك فارس والروم".
وأخرجه الكجِّي في "سننه": من حديث حيوة، عن عياش، عن أبي النضر، عن عامر، سمعت أسامة بن زيد يحدث عن والده -أو قال: يحدث والده شك عياش بن عباس: "أن رجلاً سأل ... الحديث".
قوله: "لِمَ" أي: لِمَ تعزل.
قوله: "شفقًا على الولد" أي خوفًا عليه من فساد اللبن.
قوله: "ما كان ضار" أي ما كان ضرَّ، وضار -بالتخفيف- من الضير، يقال: ضاره يضيره ضيرًا أي ضرَّه -لغة فيه-، ويروى: "ما ضارر فارس والروم" من ضَارَّه يضارّه مضاررة مثل ضره يضره، وفي "المطالع": الضرر والضير والضَرّ
стр. 5322
والضُرُّ والضرار كل ذلك بمعنى، ومنه في الحديث: "لا ضير -أو لا يضير- ولا ضرر ولا ضرار" قيل: هما بمعنى على التأكيد، وقيل: الضرر ما تضر به صاحبك مما تنتفع به أنت، والضرار أن تضره من غير أن تنفع نفسك، ومتى قرن بالنفع لم يكن فيه إلاَّ الضُر أو الضَر لا غير. انتهى.
وفارس والروم جيلان مشهوران.
واستفيد منه: وطء الحبالى من نسائه أو إمائه من غير كراهة، وإباحة العزل أيضًا إذ لم ينه ﵇ عن ذلك.
وفيه: أنه ﵇ كان يجتهد في الأحكام برأيه، وهي مسألة اختلف فيها أرباب الأصول. والله أعلم.
قوله: "فخالف هذا الحديث" أي حديث أسامة "حديث أسماء بنت يزيد بن السكن"، أراد أن بينهما تعارضًا، وقد علم أنه إذا وقع تعارض بين الحديثين يحتاج إلى دفعه بوجه من الوجوه المذكورة في بابه، وقد أشار إلى بيان ذلك بقوله:
ص: فأردنا أن نعلم أيهما الناسخ للآخر، فنظرنا في ذلك، فوجدنا محمد بن خزيمة قد حدثنا، قال: ثنا أبو مسهر، قال: ثنا مالك بن أنس (ح).
وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن أبي الوزير، قال: ثنا مالك بن أنس، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن عائشة، عن جدامة بنت وهب، أن رسول الله ﷺ قال: "لقد هممت أن أنهى عن الغَيْلة، حتى ذكرت أن فارس والروم يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم".
حدثني ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن أبي مريم، قال: أخبرني يحيى بن أيوب، قال: حدثني أبو الأسود، محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، قال: ثنا عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ﵇، عن جدامة بنت وهب الأسديَّة، عن رسول الله ﵇ "أنه همَّ أن ينهى عن الغيال، قال: فنظرتُ فإذا فارس والروم يغيلون فلا يضر ذلك أولادهم".
стр. 5323
حدثنا إبراهيم بن محمد بن يونس وصالح بن عبد الرحمن، قالا: ثنا المقرىء -يعني أبا عبد الرحمن- قال: ثنا سعيد بن أبي أيوب، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة، أنها قالت: "حدثتني جدامة ... " فذكر نحوه.
حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا أبو زرعة، قال: أنا حيوة، عن أبي الأسود، أنه سمع عروة يحدث، عن عائشة، عن جدامة، عن رسول الله ﵇ مثله.
ففي هذا الحديث أن رسول الله ﵇ همَّ بالنهي عن ذلك، حتى بلغه أن فارس والروم يفعلونه فلا يضرّ أولادهم، ففي ذلك إباحة ما قد حظر الحديث الأول، فاحتمل أن يكون أحد الأمرين ناسخًا للآخر، فنظرنا في ذلك، فإذا روح بن الفرج قد حدثنا، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: ثنا سفيان بن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄: "أن النبي ﵇ كان ينهى عن الاغتيال، ثم قال: لو ضرَّ أحدًا لضرَّ فارس والروم".
فثبت بهذا الحديث الإباحة بعد النهي، فهو أولى من غيره، ودلَّ نهي رسول الله ﵇ عن ذلك من جهة خوف الضرر من أجله، ثم أباحه لما تحقق عنده أنه لا يضر؛ أنه لم يكن منع منه في وقت ما منع منه من طريق ما يحل ويحرم، ولكنه على طريق ما وقع في قلبه منه شيء، فأمر به على الشفقة منه على أمته لا غير ذلك.
ش: أشار بهذا إلى بيان دفع المعارضة بين الحديثين المذكورين وهما حديث أسماء بنت يزيد، وحديث أسامة بن زيد، أي: فأردنا أن نعلم أي الحديثين ناسخ للآخر؛ فحديث أسماء ناسخ أم حديث أسامة؟ وإنما عيَّن صورة النسخ من بين وجوه ما تدفع به المعارضة؛ لأن فيهما التحريم والإِباحة، ودفع أحدهما بالآخر من باب النسخ على ما عرف في موضعه؛ بيان ذلك: أن حديث أسماء فيه حظرٌ لأجل النهي فيه، وحديث أسامة فيه الإباحة، فوقع التعارض بينهما، فاحتمل أن يكون [أي] (١) منهما ناسخًا للآخر، ولم يتحقق
стр. 5324
أيهما الناسخ لعدم التاريخ, ووجدنا حديث جدامة بنت وهب أيضًا يدل على إباحة ما حظره حديث أسماء بنت يزيد، ولكن الاحتمال المذكور لم يُدْفع بعد، فنظرنا في هذا الباب فوجدنا حديث ابن عباس ﵄ يدل على أن الإباحة بعد النهي؛ لأنه صريح في حديثه أن النبي ﵇ كان ينهي عن الاغتيال ثم قال: لو ضرَّ أحدًا لضر فارس والروم، فتحقق من ذلك أن الإباحة بعد النهي، فثبت نسخ ما كان من الحظر في حيدث أسماء بنت يزيد، وهو معنى قوله: "فثبت بهذا الحديث" أي حديث ابن عباس "الإباحة بعد النهي فهو أولى، من غيره" أي فحديث ابن عباس أولى بالعمل من غيره؛ لأن فيه صريح الإباحة بعد الحظر بدون الاحتمال المذكور.
وأشار الطحاوي إلى أن حديث ابن عباس دلَّ على شيء آخر، وهو أن نهيه ﵇ في حديث أسماء بنت يزيد لم يكن من طريق الوحي ولا من طريق التشريع لأمته، وهو معنى قوله: "ولا من طريق ما يحل ويحرم، وإنما كان على طريق ما وقع في قلبه من ذلك شيء فأمر به" -أي بترك وطء الحبالى على سبيل الشفقة منه على أمته لا غير ذلك، كما قد كان أمر بترك تأبير النحل فإن ذلك أيضًا لم يكن منه على طريق الوحي، وإنما كان ذلك على طريق الظن، ولهذا قال: "إنما هو ظن ظننته" على ما يجيء بيانه إن شاء الله.
قوله: "إنه لا يضر". فاعل لقوله: لما تحقق.
وقوله: "أنه لم يكن" متعلق بقوله: "ودلَّ نهي رسول الله ﵇" والتقدير: ودلَّ نهي رسول الله ﵇ بأنه لم يكن منع منه، أي بأن رسول الله ﵇ لم يكن منع من وطء الحبالى في وقت ما منع منه أي في وقت منعه إياه.
وكلمة "ما" مصدرية.
وقوله: "من طريق الوحي". متعلق بقوله: "لم يكن منع" فافهم.
стр. 5325
ثم إنه أخرج حديث جدامة بنت وهب الأسديَّة من خمس طرق صحاح:
الأول: عن محمد بن خزيمة، عن أبي مُسْهِر -بضم الميم- عبد الأعلى بن مسهر الغساني الدمشقي، عن مالك بن أنس، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن عائشة، عن جدامة بنت وهب: "أن رسول الله ﵇ .... ".
وأخرجه مالك في "موطإه" (١): عن محمد بن عبد الرحمن ... إلى آخره نحوه.
وقد استوفينا ترجمة جدامة بنت وهب في باب: اللباس والطيب متى يحلَّان للمحرم.
الثاني: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن إبراهيم بن أبي الوزير، وهو إبراهيم بن عمر بن مطرف الهاشمي المكي أبو عمرو، عن مالك بن أنس ... إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا خلف بن هشام، قال: نا مالك بن أنس.
ونا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل ... إلى آخره.
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن أبي مريم المصري -شيخ البخاري- عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل.
وأخرجه مسلم (٣): نا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا يحيى بن إسحاق، قال: أنا يحيى بن أيوب، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل القرشي، عن عروة، عن عائشة، عن جدامة بنت وهب الأسديَّة، أنها قالت: سمعت رسول الله ﵇ ... فذكر مثل حديث سعيد بن أبي أيوب الآتي ذكره الآن.
стр. 5326
الرابع: عن إبراهيم بن محمد بن يونس، وصالح بن عبد الرحمن، كلاهما عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرىء شيخ البخاري ومسلم، عن سعيد ابن أبي أيوب مقلاص الخزاعي المصري، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن ابن نوفل، عن عروة، عن عائشة، عن جدامة.
وأخرجه مسلم (١): ثنا عُبيد الله بن سعيد ومحمد بن أبي عمرة، قالا: نا المقرىء، قال: نا سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني أبو الأسود، عن عروة، عن عائشة، عن جدامة بنت وهب أخت عكاشة قالت: "حضرت رسول الله ﵇ في أناسٍ وهو يقول: لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضر أولادهم ذلك شيئًا".
الحديث الخامس: عن ربيع بن سليمان الجيزي، عن أبي زرعة وهب الله بن راشد الحجري المصري، عن حيوة بن شريح بن صفوان التجيبي، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن عائشة، عن جدامة.
وأخرجه البيهقي (٢): من حديث أبي الأسود، عن عروة ... إلى آخره نحوه.
قوله: "عن الغيلة" بكسر الغين المعجمة وسكون الياء. قال أبو عمر: اختلف العلماء وأهل الثقة في معنى الغيلة؛ فقال منهم قائلون كما قال مالك: الغيلة أن يمسّ الرجل امرأته وهي مرضع حملت أو لم تحمل.
وقال الأخفش: الغيلة والغيل سواء، وهو أن تلد المرأة فيغشاها زوجها وهي ترضع فتحمل، فإذا حملت فسد اللبن علي الصبي، ويفسد به جسده وتضعف قوته، حتى ربما كان ذلك في عقله.
وقال بعض أهل العلم وأهل اللغة: المغيال أن ترضع المرأة ولدها وهي حامل.
وقال الأصمعي: الغِيْل لبن الحامل.
стр. 5327
وفي "المطالع": ونهيه عن الغَيلة بفتح الغين وكسرها، وقال بعضهم: لا يصح الفتح إلاَّ مع حذف الهاء.
وحكى أبو مروان وغيره من أهل اللغة: الغيله بالهاء والفتح والكسر معًا هذا في الرضاع، وأما في القتل فبالكسر لا غير.
وقال بعضهم: هو بالفتح من الرضاع المرة الواحدة، وفي بعض روايات مسلم: "عن الغيال" وكله وطء المرضع، يقال: أغال الرجل ولده. والاسم: الغيل والاغتيال والإغالة، وقوله: "ما سقي بالغَيْل ففيه العشر". الغَيْل بالفتح الماء الجاري على وجه الأرض من أو غيره، وكذلك الغال. قاله أبو عُبيد. والغَيلة أن يقتل في خفية ومخادعة وحيلة.
وقوله: "ولا غائلة" أي لا خديعة ولا حيلة.
وأخرج حديث ابن عباس بإسناد صحيح على شرط الشيخين: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن يحيى بن عبد الله بن بكير القرشي المخزومي المصري شيخ البخاري، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار عن عطاء بن أبي رباح المكي، عن ابن عباس ﵁.
ص: كما قد كان أَمَرَ في ترك تأبير النخل، فإنه حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا سماك، عن موسى بن طلحة، عن أبيه قال: "مررت مع النبي ﵇ في نخل المدينة، فإذا ناسٌ في رءوس النخل يلقحون النخل، فقال النبي ﵇: ما يصنع هؤلاء؟ فقيل: يأخذون الذكر ويجعلونه في الأنثى، فقال: ما أظن ذلك يغني شيئًا، فبلغهم فتركوه ونزعوا عنها، فلم تحمل تلك السنة شيئًا، فبلغ ذلك النبي ﵇ فقال: إنما هو ظنٌ ظننته، إن كان يغني شيئًا فلتصنعوه؛ فإنما أنا بشر مثلكم، وإنما هو ظن ظننته، والظن يخطيء ويصيب، ولكن ما قلت لكم: قال الله، فلن أكذب على الله".
حدثنا يزيد، قال: ثنا أحمد بن عَبْدة، قال: أنا حفص بن جميع، قال: ثنا سماك أنه سمع موسى بن طلحة يحدث عن أبيه، عن النبي ﵇ نحوه.
стр. 5328
حدثنا يزيد، قال: ثنا أبو الوليد ويحيى بن حماد، قالا: ثنا أبو عوانة، عن سماك ابن حرب، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، عن النبي ﵇ ... نحوه.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا أبو عوانة، عن سماك ... فذكر بإسناده مثله.
فأخبر رسول الله ﷺ في هذا الحديث أن ما قاله من جهة الظن فهو فيه كسائر البشر في ظنونهم، وأن الذي يقوله مما لا يكون على خلاف ما يقوله، هو ما يقوله عن الله فلما كان نهيُه عن الغيلة لما كان خاف منها على أولاد الحوامل، ثم أباحها لما علم أنها لا تضرهم؛ دلَّ ذلك على أن ما كان نهى عنه لم يكن من قبل الله ولو كان من قِبَل الله لكان يقف به على حقيقة ذلك، ولكنه من قبل ظنه الذي وقف بعده على أن ما في الحقيقة مما نهى عما نهى عنه من ذلك من أجله بخلاف ما وقع في قلبه من ذلك.
فثبت بما ذكرنا أن وطء الرجل امرأته أو أمَته حاملًا حلال لم يحرّم عليه قط.
وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: مَثَّل نهيه ﵇ عن الغيلة بنهيه عن تأبير النخل في كون كل منهما عن ظن ظنه ولم يكن ذلك من طريق الوحي، إذ الذي يقوله من طريق الوحي لا يكون على خلاف ما يقوله، وقد صرَّح في حديث التأبير بقوله: إنما هو ظن ظننته، وصرَّح بأن الظن يخطيء ويصيب، فدلَّ ذلك أن ما قاله من جهة الظن فهو فيه كسائر الناس في ظنونهم، وأما الذي يقوله ولا يخالف فيه فهو الذي يقوله عن الله تعالى؛ لأن ما كان عن الله لا خلاف فيه ولا يقع ما هو خلافه، وبهذا يحصل الجواب عما يقال: كيف يجوز على النبي ﵇ أن يقول شيئًا ويقع خلافه؟ والتحقيق فيه: أن النبي ﵇ له حالتان:
حالة مطلق البشرية؛ فهو وسائر الناس فيه سواء، والدليل عليه قوله: "أنا بشرٌ مثلكم"؛ لأنه من جنسهم وليس من جنس غيرهم، بالنظر إلى هذه الحالة ربما يظن أمرًا وقد كان الواقع خلافه؛ لأن الظن يخطىء ويصيب كما في سائر الخلق.
стр. 5329
والحالة الأخرى -التي هي زائدة على تلك الحالة-: وهي كونه نبيًّا رسولاً من عند الله معصومًا في قوله وفعله، بحيث أنه إذا قال قولاً أو فعل فعلاً فهو الحق عند الله تعالى ولا يقع خلافه أصلًا؛ لأنه من الله تعالى وعليه قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١) غير أن الوحي قسمان:
أحدهما: متلوّ، وهو القرآن.
والآخر: غير متلوّ، وهو أقواله وأفعاله التي في أبواب التشريع.
ثم وجه التمثيل المذكور هو صدور ذلك القول عن ظن ظنه، ألا ترى أنه لمَّا قال في تأبير النخل: ما أظن ذلك يغني شيئًا، وبلغهم ذلك فتركوه، فلم تحمل نخلهم تلك السنة شيئًا، قال: إنما هو ظن ظننته والظن يخطىء ويصيب، ولكن ما قلت لكم: قال الله، فلن أكذب على الله. ولو كان ذلك القول من الله لحملت نخلهم تلك السنة بدون التأبير، فكذلك نهيه عن الاغتيال إنما كان ظنًّا منه لأجل خوفه على أولاد الحوامل، فلما علم من الله تعالى أن ذلك لا يضرهم، قال: لو ضرَّ أحدًا لضرَّ فارس والروم، فدلَّ ذلك أن ما كان من نهيه صار منسوخًا، وثبت أن وطء الرجل امرأته أو أمته حاملاً حلال لا يحرم عليه قط. والله أعلم.
ثم إنه أخرج حديث طلحة من أربع طرق:
الأول: إسناده صحيح، عن يزيد بن سنان القزاز، عن أبي عامر عبد الملك ابن عمرو العقدي، عن إسرائيل بن يونس، عن سماك بن حرب، عن موسى ابن طلحة، عن أبيه: طلحة بن عُبيد الله بن عثمان التيمي -أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، واحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإِسلام، واحد الخمسة الذين أسلموا على يدي أبي بكر الصديق ﵁ وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله ﵇ وهو عنهم راضٍ.
стр. 5330
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عبد الرزاق، أنا إسرائيل، عن سماك، أنه سمع موسى بن طلحة يحدث، عن أبيه قال: "مررت مع رسول الله ﵇ في نخل المدينة، فرأى أقوامًا في رءوس النخل يلقحون، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قال: يأخذون من الذكر فيجعلونه في الأنثى يلقحون به، فقال: ما أظن ذلك يغني شيئًا، فبلغهم، فتركوه ونزلوا عنها، فلم تحمل تلك السنة شيئًا، فبلغ رسول الله ﵇ فقال: إنما هو ظن ظننته، إن كان يغني شيئًا فاصنعوا، فإنما أنا بشر مثلكم والظن يخطىء ويصيب، ولكن ما قلت لكم: قال الله؛ فلن أكذب على الله ".
وأخرجه ابن ماجه (٢) أيضًا: عن علي بن محمد، عن عُبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن موسى بن طلحة، عن أبيه نحوه.
الثاني: عن يزيد بن سنان أيضًا، عن أحمد بن عبدة بن موسى الضبي شيخ الجماعة غير البخاري، عن حفص بن جميع الكوفي ضعفه أبو حاتم الرازي.
وقال أبو زرعة: ليس بالقوي. وقال ابن حبان: كان يخطىء حتى خرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد، وهو يروي عن سماك بن حرب، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، عن، النبي ﵇.
وأخرجه البزار في "مسنده" (٣): ثنا أحمد بن عبدة، نا حفص بن جميع، عن سماك بن حرب، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، عن النبي ﵇ نحوه.
الثالث: عن يزيد أيضًا، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، ويحيى بن حماد بن أبي زياد السيباني البصري ختن أبي عوانة، كلاهما عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن سماك بن حرب، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، عن النبي ﵇.
стр. 5331
وأخرجه البزار أيضًا في "مسنده" (١): نا أبو كامل الجحدري، نا أبو عوانة، عن سماك بن حرب، عن موسى بن طلحة، عن أبيه قال: "مررتُ مع رسول الله ﵇ في نخل، فرأى قومًا في رءوس النخل يلقحون، فقال: ما يصنعون -أو ما يصنع هؤلاء- قال: يأخذون من الذكر ويجعلون في الأنثى، فقال: ما أظن هذا يغني شيئًا، فبلغهم ذلك فتركوه، فصار شِيصًا، فقال: أنتم أعلم بما يصلحكم في دنياكم، وإني قلت لكم ظنًّا ظننته، فما قلت لكم: قال الله فلن أكذب على الله ﵎".
وقال البزار: وقد روي هذا الحديث عن سماك بن حرب إسرائيل وأسباط بن نصر وغير واحد، ولا نعلم يروى عن طلحة إلاَّ من هذا الوجه بهذا الإسناد ورواه عن النبي ﵇ جماعة منهم: أنس وعائشة ورافع بن خديج وجابر بن عبد الله ويُسَير بن عمرو ﵃.
الرابع: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن أبي عوانة الوضاح، عن سماك بن حرب، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، عن النبي ﵇ نحوه.
وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (٢).
قوله: "يلقحون" من ألقحت النخل إذا وضعت طلع الذكر في طلع الأنثى أول ما ينشق.
"والتأبير" مصدر من قولك: أبَّرت النخل -بالتشديد وأبرتها- بالتخفيف -أي لقحتها، والنخلة مؤبرة ومأبورة أي ملقحة.
و"الشيص" بكسر الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره صاد مهملة، وهو: فاسد التمر ورَدِيُّه الذي لم يتم ويبس قبل تمام نضجه ولم ينعقد نواه.
стр. 5332
ص: باب: انتهاب ما ينثر على القوم مما يفعله الناس في النكاح
ش: أي هذا باب في بيان حكم انتهاب النثار الذي ينثر على الناس عند عقد النكاح أو ليلة الزفاف أو نحو ذلك، هل يجوز أم لا؟
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن الصُنَابحي، عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: "بايعنا رسول الله ﵇ على ألَّا ننتهب".
ش: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا ربيعًا.
وأبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني المصري. روى له الجماعة.
والصنابحي هو عبد الرحمن بن عُسَيلة -بضم العين- أبي عِسْل -بكسر العين وسكون السِّين- بن عسَّال -بالتشديد- المرادي.
والصنابح بطن من مراد من اليمن، رحل إلى النبي ﵇ فقُبَض النبي ﵇ وهو بالجحفة قبل أن يصل بخمسٍ أو ستٍّ أو دون ذلك، روى له الجماعة.
وأخرجه البخاري (١) بأتم منه: ثنا قتيبة، ثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن الصنابحي، عن عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال: "إني من النقباء الذين بايعوا رسول الله ﵇، وقال: بايعناه على ألَّا نشرك بالله شيئًا, ولا نزني، ولا نسرق، ولا نقتل النفس التي حرَّم الله إلاَّ بالحق، ولا ننتهب، ولا نعصي بالجنة إن فعلنا ذلك، فإن غَشِينا مِنْ ذلك شيئًا كان قضاء ذلك إلى الله".
وأخرجه مسلم أيضًا (٢).
قوله: "على ألَّا ننتهب"، من الانتهاب وهو من النهب، وهو الغارة والسلب، أي: على ألَّا نسلب شيئًا لأحد له قيمة.
стр. 5333
ص: حدثنا فهدٌ، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: أنا زهيرٌ، قال: ثنا حميد الطويل، عن الحسن، عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: "مَنْ انتهب فليس منَّا".
ش: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا فهدًا.
وأحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس، شيخ البخاري ومسلم وأبي داود.
وزهير هو أبي معاوية.
والحسن هو البصري.
وأخرجه ابن ماجه (١): نا حميد بن مسعدة، ثنا يزيد بن زريع، ثنا حميد، عن الحسن، عن عمران بن حصين، أن رسول الله ﵇ قال: "من انتهب نهبةً فليس منا" معناه: فليس هو على شريعتنا وسنتنا".
ص: حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا علي بن الجعْد، قال: ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس وحميد، عن أنس قال: "نهى رسول الله ﵇ عن النهب، وقال: مَنْ انتهب فليس منا".
ش: علي بن الجعد بن عُبيد الجوهري -أحد أصحاب أبي يوسف وشيخ البخاري وأبي داود.
وأبو جعفر الرازي مولى بني تيم. قيل: اسمه عيسى بن أبي عيسى. واسم أبي عيسى: ماهان، وقيل: اسمه عيسى بن عبد الله بن ماهان، وعن يحيى: ثقة. وروى له الأربعة.
والربيع بن أنس البكري الحنفي البصري ثم الخراساني، قال العجلي: صدوق. وقال النسائي: لا بأس به. وروى له الأربعة.
стр. 5334
وأخرجه الترمذي (١): نا محمود بن غيلان، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ثابت، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﵇ "من انتهب فليس منا".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث أنس.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، عن ابن أبي ذئب، عن مولى لجهينة، عن عبد الرحمن بن زيد بن خالد الجهني، عن أبيه: "أن النبي ﵇ نهى عن الخُلَيْسة والنهبة".
ش: أبو عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، روى له الجماعة.
وابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن بن ثابت بن المغيرة بن أبي ذئب المدني، روى له الجماعة.
ومولى جهينة مجهول.
وعبد الرحمن بن زيد بن خالد، روى له أحمد في "مسنده", ولم أرَ أحدًا تكلم فيه بشيء.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): عن يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): نا يزيد بن هارون، أنا ابن أبي ذئب، عن مولى، جهينة، عن عبد الرحمن بن زيد بن خالد، عن أبيه، عن النبي ﵇ أنه نهى عن النهبة والمثلة".
وأخرجه الطبراني (٤) -وليس فيه ذِكر مولى جهينة- قال: نا أحمد بن داود المكي، ثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة، نا معن بن عيسى، نا ابن أبي ذئب، عن
стр. 5335
عبد الرحمن بن زيد بن خالد الجهني، عن أبيه: "أن رسول الله ﵇ نهى عن الخُلسة والنُّهبة".
قوله: "الخُلسة": -بضم الخاء المعجمة- من خلست الشيء واختلسته إذا سلبته.
وفي الحديث: "ليس في النُّهبة ولا في الخُلْسة قطع" (١) أي ما يؤخذ سَلْبًا ومكابرةً.
و"النُّهبةً" بضم النون اسم للانتهاب، وكذلك النُّهبى، قال في "المطالع": وهي أخذ الجماعة الشيء اختطافًا على غير سويَّة لكي يجتنب السبق إليه.
"والمُثلة" بضم الميم وهي التشويه بالخلق مِنْ قطع الأنوف والآذان، وجمعها مثلات ومُثَل، وأما المثلات في قوله: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ (٢) فهي العقوبات.
ص: حدثنا فهدٌ، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا زهيرٌ، قال: ثنا سماك بن حرب، قال: أنبأنا ثعلبة بن الحكم أخو بني ليث: "أنه [أتى رسول الله ﵇] (٣) بقدور فيها لحم غَنَم انتهبوها، فأمر بها رسول الله فألقيت، وقال: إن النهبة لا تحل".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن سماك، عن ثعلبة بن الحكم قال: "أصاب الناس على عهد رسول الله ﵇ غنمًا فانتهبوها، فقال النبي ﵇: لا تصلح النهبة، ثم أمَرَ بالقدور فأكفئت".
حدثنا حسين بن نصر، قال ثنا الفريابي، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا سماك ... فذكر بإسناد مثله.
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسدٌ، قال: ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، قال: ثنا أبي وغيره، عن سماك ... فذكر بإسناده مثله.
стр. 5336
ش: هذه أربع طرق صحاح:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، عن زهير بن معاوية، عن سماك بن حرب، عن ثعلبة بن الحكم الليثي الصحابي عداده في الكوفيين.
وأخرجه الطبراني (١): نا أبو مسلم الكشي، نا أبو الوليد.
وثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا أحمد بن يونس،
وثنا محمد بن عمرو بن خالد الحراني، نا أبي، قالوا: نا زهير، ثنا سماك بن حرب، أنبأني ثعلبة بن الحكم أخو بني ليث: "أنه رأى رسول الله ﵇ مرَّ على قدور فيها لحم غنم انتهبوها، فأمر بها فأكفئت، وقال: إن النهبة لا تحل".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن سماك بن حرب، عن ثعلبة بن الحكم.
وأخرجه ابن ماجه (٢): نا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن ثعلبة بن الحكم قال: "أصبنا غنمًا للعدو فانتهبناها، فنصبنا قدورًا فمرَّ النبي ﵇ بالقدور فأمر بها فألقيت، ثم قال: النهبة لا تحل".
قوله: "فأكفئت". أي أقلبت، من كفأت القدر إذا كببتها لأفرغ ما فيها، يقال: كفأت الإناء وأكفأته إذا كببته وأَمَلْتُه.
الثالث: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن محمد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن إسرائيل بن يونس، عن سماك بن حرب، عن ثعلبة بن الحكم.
وأخرجه أبو يعلى في "مسنده": ثنا روح بن عبد المؤمن، ثنا أبو عوانة، عن سماك ابن حرب، عن ثعلبة بن الحكم، عن رسول الله ﵇ قال: "انتهبوا يوم خيبر غنمًا فنصبوا القدور، فأمر بها رسول الله ﵇ فأكفئت، وقال: إن النهبة لا تصلح".
стр. 5337
الرابع: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن يحيى بن زكريا، عن أبيه زكريا بن أبي زائدة، وغيره، عن سماك بن حرب، عن ثعلبة بن الحكم.
وأخرجه أسد السنة في "مسنده".
قلت: هذا كما قد رأيت قد أخرج الطحاوي في هذا الباب عن عبادة بن الصامت وعمران بن حصين وأنس بن مالك وزيد بن خالد الجهني وثعلبة بن الحكم.
وفي الباب أيضًا عن رافع بن خديج وأبي ريحانة وأبي الدرداء وعبد الرحمن ابن سمرة وجابر بن عبد الله وأبي هريرة وأبي أيوب.
أما حديث رافع فأخرجه الترمذي (١): ثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن عباية بن رفاعة، عن أبيه، عن جده رافع قال: "كنا مع رسول الله ﵇ في سفر فتقدم سرعان الناس، فتعجلوا من القيام فاطبخوا ورسول الله ﵇ في أخرى الناس، فمرَّ بالقدور فأمر بها فأكفئت، ثم قسم بينهم، فعدل بعيرًا بعشر شياه".
وأما حديث أبي ريحانة فأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا زيد بن الحباب، نا يحيى بن أيوب، عن عياش بن عباس الحميري، عن أبي الحصين الحجري، [عن عامر الحجري] (٣) عن أبي ريحانة، عن النبي ﵇ "أنه كَرِه عشر خصال: الوشر والنتف، والوشم، [ومكامعة] (٤) الرجل الرجل والمرأة المرأة ليس بينهما ثوب، والنهبة، وركوب [النمور] (٥)، واتخاذ الديباج ها هنا وها هنا أسفل من الثياب وفي المناكب والخاتم إلاَّ لذي سلطان".
стр. 5338
وأمَّا حديث أبي الدرداء فأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (١): بإسناده إليه، أنه قال: "نهى رسول الله ﵇ عن كلِّ خطفة، وعن كل نهبة، وعن كل مجثمة، وعن كلِّ ذي ناب من السباع".
وأما حديث عبد الرحمن بن سمرة فأخرجه الطبراني (٢): ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا عفان.
ونا أبو مسلم الكشي، نا سليمان بن حرب قالا: ثنا جرير بن حازم، عن يعلى ابن حكيم، عن أبي لبيد قال: "غزوت مع عبد الرحمن بن سمرة كابل، فأصاب الناس غنيمة فانتهبوها، فقام خطيبًا فقال: إني سمعت رسول الله ﵇ ينهى عن النهُّبى، فردوا ما أخذوا، فقسمه بينهم" واللفظ لحديث سليمان بن حرب.
وأما حديث جابر بن عبد الله فأخرجه ابن ماجه (٣): ثنا محمد بن بشار ومحمد ابن المثنى، قالا: ثنا أبو عاصم، ثنا ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﵇: "مَنْ انتهب نهبةً مشهورةً فليس منا".
وأما حديث أبي هريرة فأخرجه ابن ماجه (٤) أيضًا: نا عيسى بن حماد، أنا الليث بن سعد، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي هريرة أن رسول الله ﵇ قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن".
стр. 5339
وأما حديث أبي أيوب ﵁ فأخرجه الطبراني (١): نا محمد بن محمد الجذوعي القاضي، نا عقبة بن مكرم، ثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، ثنا شعبة، عن عدي ابن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي أيوب قال: "نهى رسول الله ﵇ عن النهبة والمثلة".
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قومٌ إلى أن الرجل إذا نثر على قوم شيئًا وأباحهم أخذه أن أخذه مكروه لهم حرام عليهم؛ وذهبوا في ذلك إلى أنه من النهبة التي نهى عنها رسول الله ﵇ في هذه الآثار.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح وعكرمة وإبراهيم النخعي والشافعي في قول؛ فإنهم قالوا: لا يجوز الأخذ من النثار على القوم من الذهب والفضة وإن كان الناثر أباح ذلك لمن أخذه؛ لأنه في معنى النهبة التي نهى عنها النبي ﵇ في الأحاديث المذكورة.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: النهبة التي نهى عنها النبي ﵇ في هذه الآثار هي نهبة ما لم يؤذن في انتهابه، أما ما نثره رجل على قومه وأباحهم انتهابه وأخذه فليس كذلك؛ لأنه مأذون فيه، والأول ممنوع منه.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عامرًا الشعبي والحسن البصري ومحمد بن سيرين والثرري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا والشافعي في قول؛ فإنهم قالوا: النهبة ... إلى آخره. فالحاصل أن النهبة على نوعين:
الأول: حرام بالإجماع، وهي التي لا إذن فيها من صاحب المتاع ولا إباحة وهو المراد من الأحاديث المذكورة.
والثاني: مباح، وهي التي فيها إذن وإباحة، وسواء في ذلك الدراهم والدنانير والثياب وسائر الأمتعة والأطعمة.
стр. 5340
ص: وقد وجدنا مثل هذا قد أباحه رسول الله ﵇:
حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد، عن عبد الله بن لُحَيًّ، عن عبد الله بن قُرْط، قال: قال رسول الله ﵇: "أحب الأيام إلى الله يوم النحر ثم يوم القرِّ، فقربت إلى رسول الله ﵇ بدنات خمس أو ست، فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ، فلما وجبت جنوبها قال كلمة خفية لم أفقهها، فقلت للذي كان إلى جنبي: ما قال رسول الله ﵇؟ فقال: قال رسول الله ﵇: مَنْ شاء اقتطع".
فلما قال رسول الله ﵇ في هذا الحديث: "من شاء اقتطع"، وأباح ذلك دلَّ هذا أن ما أباحه [ربه للناس] (١) من طعام أو غيره فلهم أن يأخذوا من ذلك ما أحبوا، وذلك خلاف النهبة التي نهي عنها في الآثار الأُوَل، فثبت بما ذكرنا أن النهبة التي هي في الآثار الأُول هي نهبة ما لم يؤذن فيه، وإن أبيح ذلك وأُذن فيه فعلى ما في هذا الأثر الثاني.
ش: أي قد وجدنا مثل الانتهاب الذي نثر فيه رجل متاعه وأباحه لهم أخذه ونهبه ما قد أباحه رسول الله ﵇ في حديث عبد الله بن قُرْط الأزدي الثمالي الصحابي، وكان اسمه شيطان بن قرط فلما أسلم سمَّاه رسول الله ﵇ عبد الله، عِداده في الشاميين، وكان أميرًا على حمص من قبل أبي عُبيدة بن الجراح ﵁ وإنما قال مثل هذا؛ لأنه يماثل النثار الذي فيه الإذن والإباحة، وليس هو حقيقة النهبة؛ لأن قوله ﵇: "من شاء اقتطع" ليس بنثار حقيقة وإنما هو مجرد إباحة.
وأخرجه بإسناد صحيح: عن أبي بكرة بكَّار القاضي وإبراهيم بن مرزوق، كلاهما عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن ثور بن يزيد بن زياد الرحبي أبي خالد الشامي الحمصي، روى له الجماعة سوى مسلم، عن راشد بن سعد المقرائي، ويقال: الخبراني الحمصي، قال يحيى وأبو حاتم والعجلي والنسائي: ثقة.
стр. 5341
وروى له الأربعة، عن عبد الله بن لحي الهوزاني الشامي، قال العجلي: شامي تابعي ثقة من كبار التابعين. روى له من الأربعة غير الترمذي.
وأخرجه أبو داود (١): نا إبراهيم بن موسى الرازي [أخبرنا عيسى] (٢) ونا مسدد، قال: ثنا عيسى -وهذا لفظ إبراهيم- عن ثور، عن راشد بن سعد، عن عبد الله بن عامر بن لحي، عن عبد الله بن قرط، عن النبي ﵇ قال: "إن أعظم الأيام عند الله ﵎ يوم النحر ويوم القرّ -قال عيسى: قال ثور: وهو اليوم الثاني- قال: وقرب لرسول الله ﵇ بدنات خمس أو ست فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ قال: فلما وجبت جنوبها قال: فتكلم كلمة خفيَّة لم أفهمها، فقلت: ما قال؟ قال: من شاء اقتطع".
وأخرجه النسائي أيضًا (٣):
قوله: "يوم القَر" بفتح القاف، وهو اليوم الذي يلي يوم النحر، سمِّي به لأن الناس يقرون فيه بمنى؛ لأنهم قد فرغوا من طواف الإفاضة والنحر.
قوله: "فطفقن يزدلفن" أي يقتربن من الازدلاف، يقال: ازدلف إذا اقترب، أصله من زلف، فنقل إلى باب الافتعال فصار ازتلف ثم أبدلت التاء دالاً فصار ازدلف.
وقوله: "طفق" من أفعال المقاربة، يقال: طفق يفعل كذا: أي جعل يفعل كذا، وهو بفتح الطاء وكسر الفاء، ويقال فيه: طفَق بفتح الفاء أيضًا، وإنما تقوله العرب في الإيجاب.
قوله: "فلما وجبت جنوبها" أي سقطت أنفسها فسقطت على جنوبها.
стр. 5342
ويستفاد منه أحكام:
فضيلة يوم النحر وأنه أعظم الأيام عند الله ثم من بعده يوم القر وهو اليوم الثاني منه.
وفيه دليل على جواز هبة المشاع وفيه خلاف يأتي في موضعه إن شاء الله.
وفيه دليل على جواز أخذ النثار الذي فيه الإذن والإباحة والله أعلم.
ص: وقد روي عن رسول الله ﵇.
حديث منقطع قد فسر حكم النهبة المنهي عنها والنهبة المباحة وإنما أردنا بذكره ها هنا تفسيره لمعنى هذا المتصل.
حدثنا عبد العزيز بن معاوية العنَّابي، قال: ثنا عون بن عمارة، قال: ثنا لمازة بن المغيرة، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: "شهد رسول الله ﵇ إملاك شاب من الأنصار، فلما زوجوه قال: على الألفة والطير الميمون والسعة في الرزق، بارك الله لكم، دفِّفُوا على رأس صاحبكم، فلم يلبث أن جاءت الجواري معهن الأطباق عليها اللوز والسكر، فأمسك القوم أيديهم، فقال رسول الله ﵇: ألا تنتهبون، فقالوا: يا رسول الله إنك كنت نهيت عن النهبة! قال: تلك نهبة العساكر، فأمَّا العرسات فلا. قال: فرأيت رسول الله ﵇ يجاذبهم ويجاذبونه".
ش: حديث معاذ بن جبل ﵁ هذا يفسر حكم النهبة الحرام والنهبة المباحة، ويبن الفرق بينهما، وهو الفيصل بين الأحاديث المذكورة في هذا الباب، فهذا وإن كان منقطعًا ولكنه يصلح للتفسير لما ذكرنا؛ فلذلك اعتذر الطحاوي بقوله: "وإنما أرادنا بذكره ... " إلى آخره.
وأما انقطاعه فلأنه [من] (١) رواية خالد بن معدان، عن معاذ، وخالد هذا من
стр. 5343
تابعي أهل الشام الثقات، ولم يسمع من معاذ. وعون بن عثمان منكر الحديث، قاله أبو زرعة، وقال أبو داود: ضعيف، روى له ابن ماجه.
ولمازة بن المغيرة مجهول، قاله البيهقي، وقال أبو حاتم: لا أعرفه.
وثور بن زيد قد مرَّ ذكره الآن.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): أنا إسماعيل بن إبراهيم بن عروة البندار ببغداد، أنا أبو سهل القطان، نا صالح بن محمد الرازي، حدثني عصمة بن سليمان، ثنا لمازة بن المغيرة، عن ثور بن يزيد، عن خالد، عن معاذ قال: "شهد النبي ﵇ إملاك رجلٍ فقال: على الألفة والطير الميمون والسعة في الرزق، بارك الله لكم، دفِّفُوا على رأسه، فجيء بالدف وجيء بأطباق عليها فاكهة وسكر، فقال النبي ﵇: انتهبوا، فقالوا: يا رسول الله، أو لم تنهنا عن النهبة؟! قال: إنما نهيتكم عن نهبة العساكر، أما العرسات فلا".
وقال البيهقي: في إسناده مجاهيل وانقطاع.
وقال الذهبي في "مختصر السنن": صالح ثقة، وعصمة قال أبو حاتم: ما كان به بأس. فالآفة من لمازة ولا أعرفه بحال.
وقال البيهقي: ويروى نحوه بإسناد مجهول، عن عروة، عن عائشة، عن معاذ ﵄.
قوله: "إملاك شاب". بكسر الهمزة، أي تزويجه وعقد نكاحه، قال ابن الأثير: الملاك والإملاك: التزويج وعقد النكاح. قال الجوهري: لا يقال مِلاك.
قوله: "على الألفة". أي ليكن زواجك على الألفة.
"والطير الميمون" أي الحظ المبارك.
قوله: "دفِّفُوا" من دففت أي ضربت بالدف.
стр. 5344
قوله: "نهبة العساكر" أراد بها نهبة الغنائم التي تنتهبها العسكر.
قوله: "فأما العُرسات". بضم العين والراء، جمع عرس وهو طعام الوليمة، قال الجوهري: العُرس طعام الوليمة يذكر ويؤنث، والجمع: الأعراس والعرسات، وقد أعرس فلان إذا اتخذ عُرسًا.
ويستفاد منه فوائد:
استحباب الحضور لإملاك شخص ونكاحه.
واستحباب الدعاء للزوجين بقوله: على الألفة والطير الميمون والسعة في الرزق، بارك الله لكم.
واستحباب ضرب الدف في العرس.
واستحباب النثار فيه.
وجواز أخذ النثار المباح، وجواز التجاذب عليه.
وحرمة النهبة في الغنائم. والله أعلم.
ص: وقد روي عن جماعة من المتقدمين في ذلك اختلاف أيضًا.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن عبد الله بن سنان أنه قال: "كان لأبي مسعود صبيان في الكُتَّاب، فأرادوا أن ينهبوا عليهم، فاشترى لهم جوزًا بدرهمين وكره أن ينهبوا مع الصبيان".
فقد يجوز أن يكون ذلك كان على الخوف [منه] (١) عليهم من النهبة لا لغير ذلك.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المسعودي، عن القاسم: "أنه كان يستحب أن يوضع السكر في الإملاك، ويكره أن ينثر".
حدثنا ابن أبي دود قال: ثنا ابن أبي الجعد، قال: ثنا شعبة، عن حصين، عن عكرمة: "أنه كرهه".
стр. 5345
ش: أي قد روي عن جماعة من الصحابة ومَنْ بعدهم من التابعين أيضًا اختلاف في إباحة أخذ النثار؛ فممن كره ذلك من الصحابة: أبو مسعود البدري واسمه عقبة بن عمرو.
أخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن عثمان بن فارس البصري، عن إسرائيل بن يونس، عن أبي حصين -بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين- واسمه عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي، روى له الجماعة.
عن عبد الله بن سنان الأسدي الكوفي، وثقه ابن معين وابن سعد.
وأخرج البيهقي (١) من حديث نصر بن حماد، ثنا شعبة، عن قيس بن الربيع، عن أبي حصين، عن خالد بن سعد: "أن غلامًا من الكتاب حذق، فأمر أبو مسعود فاشترى لصبيانه بدرهم جوزًا، وكره النهب".
وأخرج أيضًا (٢): من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث، نا شعبة، عن قيس، عن أبي حصين، عن خالد: "أن أبا مسعود كره نهاب الغلمان" وفي لفظ: "كره نهاب العرس".
قوله: "حَذِق" بفتح الحاء المهملة وكسر الذال المعجمة وفي آخره قاف، ويقال: حَذَقَ أيضًا بفتح الذال، قال الجوهري: حَذَقَ الصبي القرآن والعمل، يحذق حَذَقًا وحِذقًا وحِذاقة إذا مهر فيه، وحذِق بالكسر لغة فيه، ويقال لليوم الذي يختم فيه القرآن: هذا يوم حذاقه، وفلان في صنعته حاذق باذق وهو اتباع له.
قوله: "فقد يجوز أن يكون ... " إلى آخره. جواب عمَّا ذهب إليه أبو مسعود من كراهة ذلك، وهو ظاهر.
وممن كره ذلك من التابعين: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وعكرمة.
стр. 5346
أما ما روي عن القاسم: فأخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن خالد الكندي شيخ البخاري في غير الصحيح، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي عنه.
قوله: "في الإملاك" بكسر الهمزة وهو التزويج.
وأما ما روي عن عكرمة: فأخرجه عن إبراهيم بن أبي داود أيضًا، عن علي بن الجعد بن عُبيد الجوهري شيخ البخاري، وأبي داود، عن حَصِين -بضم الحاء- بن عبد الرحمن السلمي الكوفي روى له الجماعة، عن عكرمة.
وأخرجه البيهقي (١): من حديث شعبة، عن حصين، عن عكرمة: "أنه كرهه -أي كره نثار العُرس".
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا علي بن الجعد، قال: أنا شعبة، عن الحكم قال: "كنت أمشي بين إبراهيم والشعبي فتذاكرا نثار العرس، فكرهه إبراهيم ولم يكرهه الشعبي".
فقد يجوز أن يكون إبراهيم كره ذلك من أجل ما ذكرنا من خوف العطب على المنتهبين، فنظرنا في ذلك فإذا صالح عبد الرحمن قد حدثنا، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم: "في النهاب في العُرس، قال: كانوا يأخذونه للصبيان".
فدلَّ ما روي عن إبراهيم في هذا مع ذكره عمن كان قبله ممن يُقتدى به أنهم كانوا يأخذونه للصبيان في هذا الحديث أن كراهته في الباب الأول ليس من جهة تحريمه، ولكن من جهة ما ذكرنا.
ش: الحكم هو ابن عتيبة، وإبراهيم هو النخعي، والشعبي هو عامر بن شراحيل.
قوله: "فقد يجوز ... " إلى آخره. إشارة إلى تأويل ما ذهب إليه إبراهيم من كراهة النهبة. والباقي ظاهر.
стр. 5347
وهذا الأثر أخرجه البيهقي (١) أيضًا: من حديث شعبة، عن الحكم قال: "كنت أمشي بين إبراهيم والشعبي ... " إلى آخره نحوه.
ص: حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن: "أنه كان لا يرى بذلك بأسًا".
ش: صالح هو ابن عبد الرحمن، وسعيد هو ابن منصور الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، وهشيم هو ابن بشير، ويونس هو ابن عُبيد بن دينار البصري، والحسن هو البصري.
قوله: "لا يرى بذلك بأسًا" أي بنهب النثار في العرس.
ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يحيى القطان، عن أشعث، عن الحسن قال: "لا بأس بانتهاب الجوز. وقال محمد بن سيرين: يعطون في أيديهم".
ش: أشعث هو ابن عبد الملك الحمراني البصري، روى له البخاري تعليقًا، وروى له الأربعة.
قوله: "يعطون في أيديهم" إشارة إلى أن ابن سيرين كان يكره الانتهاب، وإنما عنده يوضع النثار، ثم يعطى كل واحد بيده، وذلك خوفًا من العطب عليهم عند التجاذب.
وأخرج البيهقي (٢): عن محمد بن سيرين أنه قال: "أدركت رجالًا صالحين إذا أتوا بالسكر وضعوه، وكرهوا أن ينثر".
ص: وما فيه الإباحة من هذه الآثار عندنا أوجه في النظر مما فيه الكراهية، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
стр. 5348
ش: وجه كون ذلك أوجه في النظر: هو أن وجود الإذن من صاحب النثارة يستدعي الإباحة لمن أخذه، فلا وجه حينئذٍ لكراهة ذلك، ولا سيَّما وردت أحاديث وأخبار كثيرة في إباحة ذلك.
وأخرج البيهقي (١): من حديث الحسن بن عمرو بن سيف، عن القاسم بن عطية، عن منصور، عن صفية، عن أمه، عن عائشة ﵂ "أن رسول الله ﵇ تزوج بعض نساءه فَنُثِرِ عليه التمر".
وأخرج أيضًا (٢): عن عاصم بن سليمان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: "كان النبي ﵇ إذا زوَّج أو تزوج نثر تمرًا".
قلت: كلاهما ضعيف؛ قال الذهبي: الحسن بن عمرو بن سيف هالك، وعاصم ابن سليمان كذبوه. والله أعلم.
قد فرغت يُمْنَى مؤلفه عن تنقيح هذا الجزء يوم الخميس المبارك الثالث من شوال المبارك عام (٨١٩ هـ) بحارة كتامة بالقاهرة المحروسة بمدرسته التي أنشأها فيها -عمَّرها الله تعالى بذكره، والمسئول من فضله ولطفه الخفي البلوغ إلى آخره، إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
يتلوه الجزء السادس إن شاء الله تعالى، وأوله: كتاب الطلاق.
...
стр. 5349
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه ثقتي
ص: كتاب الطلاق
ش: [أي هذا كتاب في بيان] (١) أحكام الطلاق وأنواعه. وجه المناسبة بين الكتابين ظاهر؛ إذ الطلاق يعقب [النكاح في الوجود، فكذلك في] (١) وضع الأحكام فيهما.
والطلاق اسم للتطليق كالسلام اسم للتسليم، يقال: طلق [يطلق تطليقًا وطلَّقت] (١) هي بالفتح تَطْلُق طلاقًا فهي طالق وطالقة أيضًا، قال الأخفش: لا يقال: طَلُقت بالضم] ومعناه في اللغة: رفع القيد مطلقًا مأخوذ من إطلاق البعير وهو إرساله من عقاله، وفي [الشرع] (١) رفع قيد النكاح.
...
стр. 5350
ص: باب: الرجل يُطلِّق امرأته وهي حائض ثم يريد أن يطلقها للسُنَّة متى يكون له ذلك ؟
ش: أي هذا باب في بيان حكم من يطلق امرأته في حالة الحيض ثم يريد أن يطلقها طلاق السُنَّة، متى يكون له ذلك؟
ص: حدثنا أبو بكرة وإبراهيم بن مرزوق، قالا: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير قال: "سمعت عبد الرحمن بن أيمن يسأل عبد الله بن عمر عن الرجل يطلق امرأته وهي حائض، فقال: فعل ذلك عبد الله بن عمر، فسأل عمر عن ذلك رسول الله فقال: مُرْهُ فليراجعها حتى تطهر ثم يطلقها، قال: ثم تلا: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١) في قُبُلِ عدتهن".
حدثنا فهدٌ، قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد الحمَّاني، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن سالم، عن ابن عمر: "أنه طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر ﵁ النبي ﵇، فقال: مُرْه فليراجعها، ثم ليطلقها وهي طاهر أو حامل".
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم قال: أنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر ﵁ قال: "طلقت امرأتي وهي حائض، فردَّها عليَّ رسول الله ﵇ حتى طلقتها وهي طاهر".
حدثنا فهد، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا هشيم، عن أبي بشر ... ثم ذكر بإسناده مثله.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن يونس بن جبير قال: "سألت ابن عمر عن رجل طلَّق امرأته وهي حائض، فقال: هل تعرف عبد الله بن عمر؟ قلتُ: نعم، قال:
стр. 5351
فإنه طلق امرأته وهي حائض فأتى عمر ﵁ النبي ﵇ فذكر ذلك له، فقال: مُرْه فليراجعها. قلت: ويعتد بتلك التطليقة؟ قال: فمه! أرأيت إن عجز واستحمق". ولم يذكر أبو بكرة في حديثه هذا غير ما ذكرنا.
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: أنا شعبة، قال: أخبرني أنس بن سيرين، قال: سمعت ابن عمر يقول: "طلق ابن عمر امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر ﵁ للنبي ﵇، فقال النبي ﵇: مُرْه فليراجعها، فإذا طهرت فليطلقها. فقيل: أحتسِب بها؟ قال: فمه! ".
حدثنا فهد، قال: ثنا النفيلي، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا عبد الملك ابن أبي سليمان، عن أنس بن سيرين قال: "سألت ابن عمر: كيف صنعت في امرأتك التي طلقت؟ فقال: طلقتها وهي حائض، فذكرت ذلك لعمر ﵁، فأتى رسول الله ﵇ فسأله فقال: مُرْه فليراجعها، ثم ليطلقها عند طهرٍ. قال: فقلت: جُعلتُ فداك، اعتدت بالطلاق الأول؟ قال: وما يمنعني، وإن كنت أسأت واستحمقت؟! ".
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخَصيب، قال: ثنا يزيد بن إبراهيم، عن محمد بن سيرين، قال: حدثني يونس -هو ابن جبير- قال: "سألت عبد الله بن عمر، قلت: رجل طلق امرأته وهي حائض؟ قال: أتعرف عبد الله بن عمر؟ فقلت: نعم، قال: فإن عبد الله بن عمر طلق أمرأته وهي حائض، فأتى عمر النبي ﵇ فسأله, فأمره النبي ﵇ أن يراجعها ثم يطلقها في عدتها".
ش: هذه ثمان طرق صحاح:
الأول: عن أبي بكرة بكّار القاضي، وإبراهيم بن مرزوق، كلاهما عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن عبد الملك بن جريج المكي روى له الجماعة، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي روى له
стр. 5352
الجماعة؛ البخاري مستشهدًا، عن عبد الرحمن بن أيمن -ويقال: مولى أيمن- القرشي المخزومي المكي، وثقه ابن حبان، وروى له مسلم وأبو داود والنسائي.
وأخرجه مسلم (١): حدثني هارون بن عبد الله، قال: ثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عروة يسأل ابن عمر وأبو الزبير يسمع: "كيف قال في رجل طلق امرأته حائضًا؟ فقال: طلق ابن عمر امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﵇، فسأل عمر ﵁ رسول الله ﷺ فقال: إن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض، فقال له النبي ﵇: ليراجعها، فردها، وقال: إذا طهرت فليطلق أو ليمسك، فقال ابن عمر: وقرأ النبي ﵇: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢) لقبل عدتهن".
حدثني (٣) هارون بن عبد الله، قال: نا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن ابن عمر نحو هذه القصة.
وأخرجه أبو داود (٤) والنسائي (٥) أيضًا.
الثاني: عن فهد بن سليمان ... إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٦): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وابن نمير -واللفظ لأبي بكر- قالوا: نا وكيع، عن سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن سالم، عن ابن عمر "أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر ﵁ للنبي ﵇ فقال: مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا".
стр. 5353
وأخرجه أبو داود (١): عن عثمان بن أبي شيبة ثنا عن وكيع، عن سفيان ... إلى آخره.
والترمذي (٢): عن هناد، عن وكيع.
والنسائي (٣): عن محمود بن غيلان، عن وكيع.
وابن ماجه (٤): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع ... إلى آخره.
الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشر، عن أبي بشر جعفر بن إياس بن أبي وحشية اليشكري روى له الجماعة عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر ﵄.
وأخرجه النسائي (٥): أخبرني زياد بن أيوب، ثنا هشيم، أنا أبو بشر، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عمر: "أنه طلق امرأته وهي حائض، فردَّ عليه رسول الله ﵇ حتى طلقها وهي طاهر".
الرابع: عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن هشيم بن بشير، عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر.
وأخرجه أحمد (٦) في "مسنده" نحوه.
الخامس: عن أبي بكرة بكّار ... إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٧): حدثني يعقوب بن إبراهيم الدورقي، عن ابن عُلية، عن يونس، عن محمد بن سيرين، عن يونس بن جبير قال: "قلت لابن عمر: رجل
стр. 5354
طلق امرأته وهي حائض؟ فقال: أتعرف عبد الله بن عمر؟ فإنه طلق امرأته وهي حائض، فأتى عمر النبي ﵇ فسأله, فأمره أن يرجعها، ثم تستقبل عدتها، قال: فقلت له: إذا طلق الرجل امرأته وهي حائض أتعتد بتلك التطليقة؟ قال: فمه؟! أو إن عجز واستحمق".
وأخرجه أبو داود (١) عن القعنبي، عن يزيد بن إبراهيم، عن محمد بن سيرين، عن يونس بن جبير ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه الترمذي (٢) والنسائي (٣) وابن ماجه (٤).
السادس: عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال شيخ البخاري ... إلى آخره.
وأخرجه البخاري (٥): حدثنا سليمان بن حرب، ثنا شعبة، عن أنس بن سيرين قال: "سمعت ابن عمر قال: طلق ابن عمر امرأته وهي حائض، فذكر عمر ﵁ للنبي ﵇ فقال: فليراجعها، قلت: تحتسب؟ قال: فمه؟! ".
وعن قتادة، عن يونس بن جبير، عن ابن عمر قال: "مره فليراجعها، قلت: تحتسب؟ قال: أرأيت إن عجز واستحمق".
السابع: عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل النفيلي الحراني شيخ البخاري وأبي داود، عن زهير بن معاوية، عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي الكوفي، عن أنس بن سيرين.
وأخرجه مسلم (٦): نا يحيى بن يحيى، قال: أنا خالد بن عبد الله، عن عبد الملك،
стр. 5355
عن أنس بن سيرين قال: "سألت ابن عمر ﵄ عن امرأته التي طلق، قال: طلقتها وهي حائض، فَذُكِرَ ذلك لعمر، فذكره للنبي ﵇، فقال: فمره فليراجعها، فإذا طهرت فليطلقها لطهرها، قال: فراجعتها ثم طلقتها لطهرها. قلت: فاعتددت بتلك التي طلقت وهي حائض؟ قال: ما لي لا أعتد بها، أو إن كنت عجزت واستحمقت؟! ".
الثامن: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن الخصيب بن ناصح الحارثي، عن يزيد بن إبراهيم العنبري، عن محمد بن سيرين عن يونس بن جبير ... إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا وكيع، عن يزيد بن إبراهيم، عن ابن سيرين، عن يونس بن جبير، عن ابن عمر: "أنه طلق امرأته وهي حائض، فقيل له: احتسبت بها -يعني التطليقة؟ قال: فقال: فما يمنعني إن كنت عجزت واستحمقت؟! ".
وأخرجه البخاري (٢): عن حجاج، عن يزيد بن إبراهيم، عن محمد بن سيرين، عن يونس بن جبير، عن ابن عمر نحوه.
قوله: "يسأل عبد الله" جملة فعلية موضعها النصب على الحال.
وقوله: "يطلق امرأته" أيضًا جملة حالية.
وكذلك قوله: "وهي حائض".
قوله: "فعل ذلك" أي الطلاق في الحيض.
قوله: "في قبل عدتهن" تفسير لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٣)، وقرئت: "لقبل عدتهن". وهما لا تختلفان في المعنى.
стр. 5356
وروى مالك (١) عن عبد الله بن دينار: "سمعت ابن عمر قرأ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ لقبل عدتهن".
وقال ابن جريج: "كان مجاهد يقرؤها هكذا".
وقال الواحدي في "تفسيره": عن قتادة، عن أنس ﵁ قال: "طلق رسول الله ﵇ حفصة، فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ ...﴾ (٢) الآية وقيل له: راجعها فإنها صوَّامة قوَّامة، وهي من إحدى أزواجك ونسائك في الجنة".
وقال السدي: "نزلت في عبد الله بن عمر؛ وذلك أنه طلق امرأته حائضًا، فأمره رسول الله ﵇ أن يراجعها".
وقال مقاتل: "نزلت في عبد الله بن عمر وعقبة بن عمرو المازني وطفيل بن الحارث بن المطلب وعمرو بن سعيد بن العاص ﵃".
وفي "تفسير ابن عباس" ﵄ قال عبد الله: "وذلك أن ابن عمر ونفرًا معه من المهاجرين كانوا يطلقون لغير عدة ويراجعون بغير شهود، فنزلت".
وقال الزجاج في "تفسيره": هذا خطاب للنبي ﵇ والمؤمنون داخلون معه في الخطاب، ومعناه: إذا أردتم طلاق النساء كما قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ (٢) معناه: إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم.
قوله: "فمه". استفهام، كأنه قال: فما يكون إن لم تحتسب بتلك التطليقة، قال القاضي عياض: "فمه" استفهام معناه التقرير، أي: فما يكون إن لم تحتسب بتلك التطليقة، أي هل يكون إلا ذلك، فأبدل من "الألف" "هاء" كما قالوا: مهما وإنما هي ما ما، أيْ: أيّ شيء.
стр. 5357
قوله: "أرأيت إن عجز أو استحمق". كلاهما على صيغة المعلوم، وتروى: "أو استُحْمِق" على صيغة المجهول، والأول أولى ليزاوج عجز؛ فافهم.
وفيه حذف تقديره: أفيرتفع عنه الطلاق إن عجز أو استحمق، قال القاضي: معناه: إن عجز عن الرجعة وفَعَل فِعل الفجار أو فَعَل فِعْلَ الحمقى. وقيل: أرأيت إن عجز في المراجعة التي أُمر بها -يعني حين فاته وقتها بتمام عدتها، أو ذهب عقله فلم يمكنه بعد في الحالين مراجعة- أتبقى معلقة لا ذات زوج ولا مطلقة، فلا بد من احتسابه بذلك الطلاق الذي أوقعه على غير وجهه، كما لو عجز عن بعض فرائضه فلم يقضه، أو استحمق فضيعه، أكان يَسقُط عنه؟ فهذا إنكار كبير وحجة على مَنْ قال: لا يعتد به، وقائله راوي القصة وصاحب النازلة، وقد جاء مفسرًا في حديث آخر: "أرأيت إن كان ابن عمر عجز واستحمق، فما يمنعه أن يكون طلاقًا؟! ".
قوله: "وما يمنعني". أي عن اعتداد تلك الطلقة.
قوله: "واستحمقت". أي فعلت فعل الحمقى، وحقيقة الحمق: وضع الشيء في غير موضعه مع العلم بقبحه، يقال: استحمقته أي وجدته أحمق، فهو لازم ومتعدّ.
ويستنبط منه أحكام:
الأول: أن الطلاق في الحيض يحرم، ولكنه إن أُوقع لزم، وقد ذكر ابن عمر أنه اعتد بها. وقال عياض: ذهب بعض الناس ممن شذَّ أنه لا يقع الطلاق، وذكر في هذا الحديث أنه لم يعتد بها.
ورواية مسلم وغيره ها هنا أصح، وذكر بعض الناس أنه طلقها ثلاثًا.
وذكر مسلم (١) عن ابن سيرين "أنه أقام عشرين سنة يحدثه من لا يتهم أنه طلقها ثلاثاً حتى لقي الباهلي -وكان ذا ثبت- فحدثه عن ابن عمر أنه طلقها تطليقة".
стр. 5358
وقد نص مسلم (١) على أنها تطليقة واحدة من طريق الليث، عن نافع، عن ابن عمر.
وقال ابن حزم في "المحلى" (١) كلامًا طويلًا في هذا الموضع، فملخصه أنه قال: من أراد طلاق امرأة له قد وطئها لم يحل له أن يطلقها في حيضها, ولا في طهر وطئها فيه، فإن طلقها طلقتين أو طلقة في طهر وطئها فيه أو في حيضها؛ لم ينفذ ذلك الطلاق، وهي امرأته كما كانت إلا أن يطلقها كذلك ثالثة أو ثلاث مجموعة فيلزم, فإن طلقها في طهر لم يطأها فيه فهو طلاق سُنَّة لازم كيف ما أوقعه، إن شاء طلقة واحدة، وإن شاء طلقتين مجموعتين، وإن شاء ثلاث مجموعة، وإن كانت حاملًا منه أو من غيره فله أن يطلقها حاملاً، وهو لازم، ولو إثر وطئه إياها، فإن كان لم يطأها قط فله أن يطلقها في حال طهرها وفي حال حيضها إن شاء واحدةً وإن شاء اثنتين وإن شاء ثلاثًا، فإن كانت لم تحض قط أو قد انقطع حيضها طلقها أيضًا -كما قلنا في الحامل- متى شاء، وفيما ذكرنا اختلاف في ثلاثة مواضع:
أحدها: هل ينفذ الطلاق الذي هو بدعة مخالف لأمر الله تعالى أم لا ينفذ؟
والثاني: هل طلاق الثلاث بدعة أم لا؟
والثالث: صفة طلاق السُنَّة.
أما الأول: فقد اختلف الناس في الطلاق في الحيض إن طلق الرجل كذلك أو في طهر وطئها فيه، هل يلزم ذلك الطلاق أم لا؟ قال علي: ادعى بعض القائلين بهذا أنه إجماع، وقد كذب مدعي ذلك، والخلاف في ذلك موجود، روينا من طريق عبد الرزاق (٢) عن وهب بن نافع أن عكرمة أخبره أنه سمع ابن عباس يقول: "الطلاق على أربعة وجوه: وجهان حلال، ووجهان حرام؛ فأما الحلال: فأن
стр. 5359
يطلقها من غير جماع أو حاملًا مستبينًا حملها، وأما الحرام: فأن يطلقها حائضًا أو حين يجامعها لا يدري أيشتمل الرحم على ولد أم لا؟ ".
ومن طريق ابن وهب: أخبرني جرير بن حازم، عن الأعمش أن ابن مسعود قال: "من طلق كما أمره الله فقد بين الله له، ومَنْ خالف فإنا لا نطيق خلافه".
وروى أيضًا بإسناده إلى ابن عمر أنه قال: في الرجل يطلق امرأته وهي حائض، قال ابن عمر: "لا تعتد بذلك".
وبإسناده عن طاوس: "أنه كان لا يرى طلاقًا ما خالف وجه الطلاق ووجه العدة، وكان يقول: وجه الطلاق أن يطلقها طاهرًا عن غير جماع وإذا استبان حملها".
وبإسناده (١) عن خلاس بن عمرو: أنه قال في الرجل يطلق امرأته وهي حائض، قال: "لا يعتد بها".
قال علي: والعجب من جرأة من ادعى الإجماع على خلاف هذا، وهو لا يجد فيما يوافق قوله في إمضاء الطلاق في الحيض أو في طهر جامعها فيه كلمة عن أحد من الصحابة غير رواية عن ابن عمر، وقد عارضها ما هو أحسن منها عن ابن عمر، وروايتين ساقطتين عن عثمان، زيد بن ثابت ﵄:
إحداهما: رويناها من طريق ابن وهب، عن ابن سمعان، عن رجل أخبره: "أن عثمان بن عفان ﵁ كان يقضي في المرأة التي يطلقها زوجها وهي حائض أنها لا تعتد بحيضتها تلك وتعتد بعدها ثلاثة قروء".
والآخر: عن طريق عبد الرزاق، عن هشام بن حسان، عن قيس بن سعد مولى ابن علقمة، عن رجل سماه، عن زيد بن ثابت ﵁: أنه قال فيمن طلق امرأته وهي حائض: "يلزمه الطلاق، وتعتد ثلاث حيض سوى تلك الحيضة".
стр. 5360
قال علي: واحتجوا من الآثار بما روينا من طريق ابن وهب، نا ابن أبي ذئب، أن نافعًا أخبرهم، عن ابن عمر: "أنه طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر رسول الله ﵇ فقال: مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهير، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد ذلك، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء وهي واحدة".
ومن طريق مسلم (١): عن سالم، عن أبيه: فذكر طلاقه لامرأته وهي حائض، وقال في آخره: "فراجعتها، وحسبت لها التطليقة التي طلقتها".
وبدا في معرض تلك الآثار من قول ابن عمر: "ما يمنعني أن أعتد بها" وفي بعضها: "فمه؟! أرأيت إن عجز واستحمق".
ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال: "أرسلنا إلى نافع وهو يترجل في دار الندوة ذاهبًا إلى المدينة ونحن مع عطاء: هل حسبت تطليقة عبد الله بن عمر امرأته حائضًا على عهد رسول الله ﵇ قال: نعم".
وذكر بعضهم (٢) رواية من طريق عبد الباقي بن قانع، عن أبي يحيى الساجي نا إسماعيل بن أميّة الذارع، ثنا حماد بن زيد، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: قال رسول الله ﵇: "من طلق في بدعة ألزمناه بدعته".
قال علي: كل هذا لا حجة لهم فيه:
أما حديث أنس فموضوع بلا شك لم يروه أحد من أصحاب حماد بن زيد الثقات، إنما هو من طريق إسماعيل بن أميّة الذارع، فإن كان القرشي الصغير البصري وهو بلا شك، فهو ضعيف متروك، وإن كان غيره فهو مجهول لا يعرف من هو.