← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

وروى مالك (١) عن عبد الله بن دينار: "سمعت ابن عمر قرأ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ لقبل عدتهن". وقال ابن جريج: "كان مجاهد يقرؤها هكذا". وقال الواحدي في "تفسيره": عن قتادة، عن أنس ﵁ قال: "طلق رسول الله ﵇ حفصة، فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ ...﴾ (٢) الآية وقيل له: راجعها فإنها صوَّامة قوَّامة، وهي من إحدى أزواجك ونسائك في الجنة". وقال السدي: "نزلت في عبد الله بن عمر؛ وذلك أنه طلق امرأته حائضًا، فأمره رسول الله ﵇ أن يراجعها". وقال مقاتل: "نزلت في عبد الله بن عمر وعقبة بن عمرو المازني وطفيل بن الحارث بن المطلب وعمرو بن سعيد بن العاص ﵃". وفي "تفسير ابن عباس" ﵄ قال عبد الله: "وذلك أن ابن عمر ونفرًا معه من المهاجرين كانوا يطلقون لغير عدة ويراجعون بغير شهود، فنزلت". وقال الزجاج في "تفسيره": هذا خطاب للنبي ﵇ والمؤمنون داخلون معه في الخطاب، ومعناه: إذا أردتم طلاق النساء كما قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ (٢) معناه: إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم. قوله: "فمه". استفهام، كأنه قال: فما يكون إن لم تحتسب بتلك التطليقة، قال القاضي عياض: "فمه" استفهام معناه التقرير، أي: فما يكون إن لم تحتسب بتلك التطليقة، أي هل يكون إلا ذلك، فأبدل من "الألف" "هاء" كما قالوا: مهما وإنما هي ما ما، أيْ: أيّ شيء.

стр. 5357

قوله: "أرأيت إن عجز أو استحمق". كلاهما على صيغة المعلوم، وتروى: "أو استُحْمِق" على صيغة المجهول، والأول أولى ليزاوج عجز؛ فافهم. وفيه حذف تقديره: أفيرتفع عنه الطلاق إن عجز أو استحمق، قال القاضي: معناه: إن عجز عن الرجعة وفَعَل فِعل الفجار أو فَعَل فِعْلَ الحمقى. وقيل: أرأيت إن عجز في المراجعة التي أُمر بها -يعني حين فاته وقتها بتمام عدتها، أو ذهب عقله فلم يمكنه بعد في الحالين مراجعة- أتبقى معلقة لا ذات زوج ولا مطلقة، فلا بد من احتسابه بذلك الطلاق الذي أوقعه على غير وجهه، كما لو عجز عن بعض فرائضه فلم يقضه، أو استحمق فضيعه، أكان يَسقُط عنه؟ فهذا إنكار كبير وحجة على مَنْ قال: لا يعتد به، وقائله راوي القصة وصاحب النازلة، وقد جاء مفسرًا في حديث آخر: "أرأيت إن كان ابن عمر عجز واستحمق، فما يمنعه أن يكون طلاقًا؟! ". قوله: "وما يمنعني". أي عن اعتداد تلك الطلقة. قوله: "واستحمقت". أي فعلت فعل الحمقى، وحقيقة الحمق: وضع الشيء في غير موضعه مع العلم بقبحه، يقال: استحمقته أي وجدته أحمق، فهو لازم ومتعدّ. ويستنبط منه أحكام: الأول: أن الطلاق في الحيض يحرم، ولكنه إن أُوقع لزم، وقد ذكر ابن عمر أنه اعتد بها. وقال عياض: ذهب بعض الناس ممن شذَّ أنه لا يقع الطلاق، وذكر في هذا الحديث أنه لم يعتد بها. ورواية مسلم وغيره ها هنا أصح، وذكر بعض الناس أنه طلقها ثلاثًا. وذكر مسلم (١) عن ابن سيرين "أنه أقام عشرين سنة يحدثه من لا يتهم أنه طلقها ثلاثاً حتى لقي الباهلي -وكان ذا ثبت- فحدثه عن ابن عمر أنه طلقها تطليقة".

стр. 5358

وقد نص مسلم (١) على أنها تطليقة واحدة من طريق الليث، عن نافع، عن ابن عمر. وقال ابن حزم في "المحلى" (١) كلامًا طويلًا في هذا الموضع، فملخصه أنه قال: من أراد طلاق امرأة له قد وطئها لم يحل له أن يطلقها في حيضها, ولا في طهر وطئها فيه، فإن طلقها طلقتين أو طلقة في طهر وطئها فيه أو في حيضها؛ لم ينفذ ذلك الطلاق، وهي امرأته كما كانت إلا أن يطلقها كذلك ثالثة أو ثلاث مجموعة فيلزم, فإن طلقها في طهر لم يطأها فيه فهو طلاق سُنَّة لازم كيف ما أوقعه، إن شاء طلقة واحدة، وإن شاء طلقتين مجموعتين، وإن شاء ثلاث مجموعة، وإن كانت حاملًا منه أو من غيره فله أن يطلقها حاملاً، وهو لازم، ولو إثر وطئه إياها، فإن كان لم يطأها قط فله أن يطلقها في حال طهرها وفي حال حيضها إن شاء واحدةً وإن شاء اثنتين وإن شاء ثلاثًا، فإن كانت لم تحض قط أو قد انقطع حيضها طلقها أيضًا -كما قلنا في الحامل- متى شاء، وفيما ذكرنا اختلاف في ثلاثة مواضع: أحدها: هل ينفذ الطلاق الذي هو بدعة مخالف لأمر الله تعالى أم لا ينفذ؟ والثاني: هل طلاق الثلاث بدعة أم لا؟ والثالث: صفة طلاق السُنَّة. أما الأول: فقد اختلف الناس في الطلاق في الحيض إن طلق الرجل كذلك أو في طهر وطئها فيه، هل يلزم ذلك الطلاق أم لا؟ قال علي: ادعى بعض القائلين بهذا أنه إجماع، وقد كذب مدعي ذلك، والخلاف في ذلك موجود، روينا من طريق عبد الرزاق (٢) عن وهب بن نافع أن عكرمة أخبره أنه سمع ابن عباس يقول: "الطلاق على أربعة وجوه: وجهان حلال، ووجهان حرام؛ فأما الحلال: فأن

стр. 5359

يطلقها من غير جماع أو حاملًا مستبينًا حملها، وأما الحرام: فأن يطلقها حائضًا أو حين يجامعها لا يدري أيشتمل الرحم على ولد أم لا؟ ". ومن طريق ابن وهب: أخبرني جرير بن حازم، عن الأعمش أن ابن مسعود قال: "من طلق كما أمره الله فقد بين الله له، ومَنْ خالف فإنا لا نطيق خلافه". وروى أيضًا بإسناده إلى ابن عمر أنه قال: في الرجل يطلق امرأته وهي حائض، قال ابن عمر: "لا تعتد بذلك". وبإسناده عن طاوس: "أنه كان لا يرى طلاقًا ما خالف وجه الطلاق ووجه العدة، وكان يقول: وجه الطلاق أن يطلقها طاهرًا عن غير جماع وإذا استبان حملها". وبإسناده (١) عن خلاس بن عمرو: أنه قال في الرجل يطلق امرأته وهي حائض، قال: "لا يعتد بها". قال علي: والعجب من جرأة من ادعى الإجماع على خلاف هذا، وهو لا يجد فيما يوافق قوله في إمضاء الطلاق في الحيض أو في طهر جامعها فيه كلمة عن أحد من الصحابة غير رواية عن ابن عمر، وقد عارضها ما هو أحسن منها عن ابن عمر، وروايتين ساقطتين عن عثمان، زيد بن ثابت ﵄: إحداهما: رويناها من طريق ابن وهب، عن ابن سمعان، عن رجل أخبره: "أن عثمان بن عفان ﵁ كان يقضي في المرأة التي يطلقها زوجها وهي حائض أنها لا تعتد بحيضتها تلك وتعتد بعدها ثلاثة قروء". والآخر: عن طريق عبد الرزاق، عن هشام بن حسان، عن قيس بن سعد مولى ابن علقمة، عن رجل سماه، عن زيد بن ثابت ﵁: أنه قال فيمن طلق امرأته وهي حائض: "يلزمه الطلاق، وتعتد ثلاث حيض سوى تلك الحيضة".

стр. 5360

قال علي: واحتجوا من الآثار بما روينا من طريق ابن وهب، نا ابن أبي ذئب، أن نافعًا أخبرهم، عن ابن عمر: "أنه طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر رسول الله ﵇ فقال: مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهير، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد ذلك، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء وهي واحدة". ومن طريق مسلم (١): عن سالم، عن أبيه: فذكر طلاقه لامرأته وهي حائض، وقال في آخره: "فراجعتها، وحسبت لها التطليقة التي طلقتها". وبدا في معرض تلك الآثار من قول ابن عمر: "ما يمنعني أن أعتد بها" وفي بعضها: "فمه؟! أرأيت إن عجز واستحمق". ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال: "أرسلنا إلى نافع وهو يترجل في دار الندوة ذاهبًا إلى المدينة ونحن مع عطاء: هل حسبت تطليقة عبد الله بن عمر امرأته حائضًا على عهد رسول الله ﵇ قال: نعم". وذكر بعضهم (٢) رواية من طريق عبد الباقي بن قانع، عن أبي يحيى الساجي نا إسماعيل بن أميّة الذارع، ثنا حماد بن زيد، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: قال رسول الله ﵇: "من طلق في بدعة ألزمناه بدعته". قال علي: كل هذا لا حجة لهم فيه: أما حديث أنس فموضوع بلا شك لم يروه أحد من أصحاب حماد بن زيد الثقات، إنما هو من طريق إسماعيل بن أميّة الذارع، فإن كان القرشي الصغير البصري وهو بلا شك، فهو ضعيف متروك، وإن كان غيره فهو مجهول لا يعرف من هو.

стр. 5361

ومن طريق عبد الباقي بن قانع راوي كل كذبة، المنفرد بكل طامةٍ، وليس بحجة, لأنه تغيَّر بأخرة، ثم لو صح -ولم يصح قط- لكان لا حجة فيه لأنه كان معنى قوله: ألزمناه بدعته أي إثمها. وأما خبر نافع فموقوف عليه وليس فيه أنه سمعه من ابن عمر؛ فبطل الاحتجاج به. وأما ما روي عن ابن عمر: "فمه! أرأيت إن عجز أو استحمق" فلا بيان فيه أن تلك الطلقة عُدَّت له طلقة، والشرائع لا تؤخذ بلفظ لا بيان فيه، بل قد يحتمل أن يكون أراد الزجر عن السؤال عن هذا، والإخبار بأنه عجز واستحمق في ذلك. وأما ما روي من قوله: "ما يمنعني أن أعتد بها"، وقوله: "وحسبت لها التطليقة التي طلقتها" فلم يقل فيه أن رسول الله ﵇ حسبها تطليقة ولا أنه ﵇ هو الذي اعتد بها طلقةً، إنما هو إخبار عن نفسه، ولا حجة في فعله ولا في فعل أحد دون رسول الله ﵇. وأما حديث ابن أبي ذئب الذي في آخره (١) "وهي واحدة" فهذه لفظة أتى بها ابن أبي ذئب وحده، ولا يقطع على أنها من كلام رسول الله ﵇، ويمكن أن تكون من قول مَنْ دونه ﵇ والشرائع لا تؤخذ بالظنون، ثم لو صح يقينًا أنها من كلام رسول الله ﵇ لكان معناه وهي واحدة أخطأ فيها ابن عمر، أو هي قضية واحدة لازمة لكل مطلق. وأما الثاني وهو الاختلاف في هل الطلاق الثلاث مجموعة بدعة أم لا؟ فزعم قومٌ أنها بدعة، ثم اختلفوا فقالت طائفة منهم: لا يقع البتة؛ لأن البدعة مردودة. وقالت طائفة: بل تُرد إلى حكم الواحدة المأمور بأن يكون حكم الطلاق كذلك. وقالت طائفة: بل تقع كما هي، ويؤدب المطلق كذلك.

стр. 5362

وقالت طائفة: ليست بدعة ولكنها سُنَّة لا كراهة فيها. واحتج من قال: إنها تبطل بحديثٍ أخرجه النسائي (١): عن محمود بن لَبِيد قال: "أُخْبر رسول الله ﵇ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبان ثم قال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ فقام رجل فقال: يا رسول الله، ألا أقتله؟ ". قال النسائي: لا أعلم أحدًا رواه غير مخرمة بن بكير بن الأشج، عن أبيه، عن محمود بن لبيد. وقال ابن حزم: خبر ابن لبيد مرسل ولا حجة في مرسل، ومخرمة لم يسمع من أبيه شيئًا. واحتج من قال: إن الثلاث تجعل طلقة واحدة بما رواه مسلم (٢) عن ابن عباس قال: "كان الطلاق على عهد رسول الله ﵇ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر ﵁ الثلاث بواحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمرٍ كان لهم فيه أناةٌ، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم". وبما رواه عبد الرزاق (٣) عن ابن جريج: أخبرني طاوس، عن أبيه: "أن أبا الصهباء قال لابن عباس: تعلم أنها كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله ﵇ وأبي بكر وثلاثًا من إمارة عمر ﵁؟ قال: نعم". وقال ابن حزم: ليس في شيء من هذا أنه ﵇ علم بذلك فأقره، ولا حجة إلا فيما صحَّ أنه ﵇ قاله أو فعله أو علمه فلم ينكره. واحتج من قال: إنها معصية وأنها تقع بما رواه عبد الرزاق (٤): عن يحيى بن

стр. 5363

العلاء، عن عبيد الله بن الوليد الوصافي العجلي، عن إبراهيم -هو ابن عبيد الله بن عبادة بن الصامت- عن داود، عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: "طلق جدي امرأة له ألف تطليقة، فانطلق أبي إلى رسول الله ﵇ فذكر ذلك له، فقال له النبي ﵇: أما أتقى الله جدُّك؛ أما ثلاث فله، وأما تسعمائة وسبعة وتسعون فعدوان وظلم، إن شاء الله عذَّبه وإن شاء غفر له". ورواه بعض الناس (١) عن صدقة بن أبي عمران، عن إبراهيم بن عبيد الله بن عبادة بن الصامت، عن أبيه، عن جده قال: "طلق بعض آبائي امرأته، فانطلق بنوه إلى رسول الله ﵇ فقالوا: يا رسول الله، إن أبانا طلق أمنا ألفًا، فهل له من مخرج؟ فقال: إن أباكم لم يتق الله فيجعل له مخرجًا، بانت منه بثلاث على غير السُنَّة، وتسعمائة وسبع وتسعون إثم في عنقه". وبما رواه محمد بن شاذان (٢)، عن معلى بن منصور، عن شعيب بن رزيق، أن عطاء الخراساني حدثهم، عن الحسن، قال: ثنا عبد الله بن عمر: "أنه طلق امرأته وهي حائض، ثم أراد أن يتبعها بطلقتين أُخريين عند القرئين الباقيين، فبلغ ذلك رسول الله ﵇ فقال: يا ابن عمر ما هكذا أمرك الله، إنك قد أخطأت السُنَّة ... " وذكر الخبر وفيه "فقلت: يا رسول الله، لو كنت طلقتها ثلاثاً كان لي أن أراجعها؟ قال: لا، كانت تبين وتكون معصية". وقال ابن حزم: أما حديث عبادة بن الصامت ففي غاية السقوط؛ لأنه من طريق يحيى بن العلاء -وليس بالقوي- عن عبيد الله بن الوليد الوصافي -وهو هالك- عن إبراهيم بن عبيد الله بن عبادة بن الصامت وهو مجهول لا يعرف. ثم هو منكر جدًّا؛ لأنه لم يوجد قط في شيء من الآثار أن والد عبادة ﵁ أدرك الإِسلام، فكيف جده؟! وهو محال بلا شك.

стр. 5364

وأما حديث ابن عمر ففي غاية السقوط؛ لأنه عن شعيب بن رزيق الشامي، وهو ضعيف. واحتج من قال: إن الثلاث مجموعة سُنَّة لا بدعة بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١)، فهذا يقع على الثلاث مجموعة ومفرقة، ولا يجوز أن يخص بهذه الآية بعض ذلك دون بعض. وبما رواه مالك (٢) عن ابن شهاب أن سهل بن سعد الساعدي أخبره عن حديث لعان عويمر العجلاني مع امرأته ... وفي آخره أنه قال: "كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﵇، قال: وأنا مع الناس عند رسول الله ﵇". وقال ابن حزم: لو كان الطلاق الثلاث مجموعة معصية لله تعالى لما سكت رسول الله ﵇ عن بيان ذلك، فصح يقينًا أنها سُنَّة مباحة، ثم إن ابن حزم ذكر حججًا أخرى في ذلك من الأحاديث والأخبار وقال في آخره: لا نعلم عن أحد من التابعين -أن الثلاث معصية- صرَّح بذلك إلا الحسن، والقول بأن الثلاث سُنَّة قول الشافعي وأبي ثور وأصحابهما. وأما الثالث وهو صفة طلاق السُنَّة: فقال ابن حزم: قد ذكرنا قول ابن مسعود (٣) من طريق الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود "إذا حاضت وطهرت طلقها أخرى، فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى"، ومثله عن قتادة وابن المسيب وإبراهيم النخعي، وهو قول الشافعي. وممن كره أن يطلقها أكثر من واحدة: الليث والأوزاعي ومالك وأبو حنيفة وعبد العزيز بن الماجشون والحسن بن حي وأبو سليمان وأصحابهم.

стр. 5365

قلت: ها هنا مناقشات: المناقشة الأولى: فيما ذكره من وجوه الرد فيما احتج به مَنْ يذهب إلى وقوع الطلاق في الحيض وفي الطهر الذي وطئها فيه بحديث ابن عمر الذي رواه عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر وغيره مما ذكرناه آنفًا. فنقول في ذلك: كل ما ذكره من وجوه الرد فهو مردود بما رواه الدارقطني (١) بسند صحيح: ثنا عثمان بن أحمد الدقاق، ثنا عبد الملك بن محمد أبو قلابة، ثنا بشر بن عمر، ثنا شعبة، عن أنس بن سيرين، سمعت ابن عمر ﵄ يقول: "طلقت امرأتي وهي حائض، فأتى عمر النبي ﵇ فسأله فقال: مره فليراجعها فإذا طهرت فليطلقها إن شاء، قال: فقال عمر: يا رسول الله، أفتحتسب بتلك التطليقة؟ قال: نعم". وبنحوه أخرجه الطحاوي والبخاري (٢)، وقد ذكرناه. وبما رواه النسائي (٣) بسند صحيح: عن سالم، أن عبد الله قال: "طلقت امرأتي الحديث ... " وفيه: "وكان عبد الله طلقها تطليقة، فحسبت من طلاقها، وراجعها عبد الله". وبما رواه الدارقطني (٤) بسند صحيح: "أن رجلاً قال لعمر: إني طلقت امرأتي البتة وهي حائض، فقال: عصيت ربك وفارقت امرأتك، فقال الرجل: فإن رسول الله ﵇ أمر ابن عمر حين فارق امرأته أن يراجعها، فقال له عمر: إن رسول الله ﵇ أمره أن يراجع امرأته بطلاق بقي له، وأنت لم تُبْق ما ترتجع به امرأتك".

стр. 5366

قال أبو الحسن: قال لنا البغوي: روى هذا الحديث غير واحد لم يذكروا فيه كلام عمر ﵁ ولا أعلم روى هذا الكلام غير سعيد بن عبد الرحمن الجمحي. وبما رواه أيضًا بسند صحيح (١): عن أبي غلاب قال: "قلت لابن عمر: أكنت اعتددت بتلك التطليقة؟ قال: وما لي لا أعتد بها! ". وبسند صحيح أيضًا (٢): عن جابر: "قلت لابن عمر: اعتددت بتلك التطليقة؟ قال: نعم". وبسند جيد أيضًا (٣): عن الشعبي "طلق ابن عمر امرأته واحدة وهي حائض، فانطلق عمر ﵁ إلى رسول الله ﵇ فأخبره، فأمره أن يراجعها، ثم يستقبل الطلاق في عدتها، ويحتسب بهذه التطليقة التي طلق أول مرة". وبما رواه البيهقي (٤) بسند صحيح: عن عبيد الله، عن نافع قال: "اعتد ابن عمر بالتطليقة، ولم تعتد امرأته بالحيضة". المناقشة الثانية: في قوله: "وأما حديث ابن أبي ذئب ... إلى آخره". فما ذكره ها هنا يرده ما رواه الدارقطني (٥) عن ابن عمر، عن النبي ﵇ "قال: هي واحدة". قال: فهذا نص في موضع الخلاف، وليس مما تقدم من الكلام شيء يصلح أن يعود عليه الضمير إلا الطلاق المتقدم. وكذلك يرده ما رواه ابن وهب في "مسنده": أبنا ابن أبي ذئب، عن نافع ... فذكر الحديث، وفيه قال ابن أبي ذئب في الحديث عن رسول الله ﵇: " وهي واحدة".

стр. 5367

قال: وحدثني حنظلة بن أبي سفيان، سمع سالمًا يحدث، عن أبيه، عن النبي ﵇ بذلك. وقال عبد الحق الخزرجي: وكيف يكون ما قاله ابن حزم مُوَجِّهًا وفي الحديث: فقال رسول الله ﵇، قال: وحديث الدارقطني (١) يدفع قوله أيضًا؛ لأنه لم يورد فيه غير قوله ﵇: "هي واحدة". وقوله: "ثم لو صح يقينًا ... إلى أخره" كلام ساقط وتأويل بعيد يرده الحديث وسياق الكلام. فافهم. المناقشة الثالثة: في قوله: "خبر ابن لبيد مرسل ولا حجة في مرسل". فنقول: لا نسلم ذلك؛ لأن شيخ المحدثين محمد بن إسماعيل لما ذكره في "تاريخه" جعله من جملة الصحابة وقال (٢): قال أبو نعيم: عن عبد الرحمن بن الغسِّيل، عن عاصم بن عمر، عن محمود بن لبيد قال: "أسرع النبي ﵇ حتى تقطعت نعالنا يوم مات سعد بن معاذ"، وقال ابن حبان البستي في كتاب "الصحابة": له صحبة. ولما ذكره الترمذي فيهم قال: رأى سيدنا رسول الله ﵇ وهو غلام. وقال عنه أبو عمر: "إن الشمس كسفت فخرج النبي ﵇ وخرجنا حتى أتينا في المسجد، فأطال القيام ... " الحديث. قال أبو عمر: قول البخاري أولى يعني كونه ذكره في الصحابة، وقد ذكرنا من الأحاديث ما يشهد له، وهو أولى بأن يذكر في الصحابة من محمود بن الربيع فإنه أسنّ منه، وذكره مسلم في التابعين فلم يصنع شيئًا, ولا عَلِمَ منه ما عَلِمَ غيره. وذكره في جملة الصحابة أيضًا جماعة منهم: أبو منصور الباوردي وأبو سليمان بن زبر وأبو يعلى الموصلي، وابن أبي خيثمة في "تاريخه" ويعقوب بن شيبة وأحمد بن حنبل وأبو أحمد العسكري وأبو القاسم البغوي وابن منده وأبو نعيم ﵏.

стр. 5368

المناقشة الرابعة: في قوله: "ومخرمة لم يسمع من أبيه شيئًا". فنقول: يرد ذلك قول مالك بن أنس: "قلتُ لمخرمة: ما حدثت به عن أبيك سمعته منه؟ فحلف بالله: لقد سمعته". وذكر ابن الطحان في كتابه "رجال مالك": قال محمد بن الحسن بن أنس: قال لي مالك: "لقيت مخرمة بالروضة، فقلت: أسألك برب هذه الروضة، أسمعت من أبيك شيئًا؟ قال: نعم". وقال معن بن عيسى القزاز: مخرمة سمع من أبيه. المناقشة الخامسة: في قوله: "ليس في شيء من هذا أنه ﵇ علم بذلك فأقره ... " إلى آخره. فنقول: قول الصحابي: كان الأمر كذا على عهد رسول الله ﵇، أو: كنا نفعل كذا، يدل على أن ذلك الأمر كان شرعًا، على ما ذكره المحققون، ولكن الجواب عن حديث ابن عباس هذا ما ذكره الشافعي: فقال: يشبه أن يكون ابن عباس قد علم شيئًا ثم نسخ. وسيجيء ذلك في بابه إن شاء الله تعالى. وقال ابن سريج: يمكن أن يكون ذلك إنما جاء في نوع خاص من الطلاق الثلاث وهو أن يفرق بين اللفظ كأنه يقول: أنت طالق أنت طالق كان في عهد النبي ﵇ وأبي بكر وعمر والناس على صدقهم وسلامتهم ولم يكن طريقهم الخداع، فكانوا يُصَدِّقُون بأنهم أرادوا الثالثة لا الثلاث، فلما رأى عمر ﵁ أمورًا ظهرت وأحوالًا تغيرت منع من حمل اللفظ على التكرار وألزمهم الثلاث. وقال بعضهم: إنما ذلك في غير المدخول بها. وإلى هذا ذهب جماعة من أصحاب ابن عباس رأوا أن الثلاث لا تقع على غير المدخول بها؛ لأنها بالواحدة تبين.

стр. 5369

وقوله: "ثلاثًا" كلام وقع بعد البينونة، فلا يعتد به، وقال بعضهم: المراد أنه كان المعتاد في زمن النبي ﵇ تطليقة واحدة، وقد اعتاد الناس التطليق بالثلاث والمعنى: كان الطلاق الموقع الآن ثلاثًا يوقع واحدة فيما قبل، إنكارًا لخروجهم عن السُنَّة. وقال الأثرم: سألت أحمد بن حنبل عن حديث ابن عباس -يعني هذا- بأي شيء ندفعه؟ قال: برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه، ثم ذكر عن عكرمة عن ابن عباس: "أنها ثلاث" قال: وإلى هذا نذهب. وقال الخلال عن أحمد: كل أصحاب عبد الله رووا خلاف ما قال طاوس، ولم يروه عنه غيره. وقال البيهقي: إنما ترك البخاري رواية هذا الحديث لمخالفته سائر الروايات عن ابن عباس أنه أجاز الطلاق الثلاث وأمضاه. وقال ابن المنذر: فغير جائز أن يُظَن بابن عباس أنه يحفظ عن رسول الله ﵇ ثم يفتي بخلافه. المناقشة السادسة: في قوله: "وأما حديث عبادة بن الصامت ففي غاية السقوط ... " إلى آخره. فيه نظر من وجوه: الأول: قوله في يحيى بن العلاء: ليس بالقوي. غير حسن؛ لأن أحمد قال فيه: كان كذابًا يضع الحديث. وقال عمرو الفلاس والفسوي والأزدي متروك الحديث. وقال ابن عدي: أحاديثه موضوعات. وقال ابن حبان: يتفرد عن الثقات بالمقلوبات، لا يجوز الاحتجاج به. وقال الساجي وصالح بن محمد: منكر الحديث.

стр. 5370

الثاني: في الإسناد من يصلح أن يكون علة وهو عبيد الله بن الوليد؛ لأن أبا عبد الرحمن وعمرو الفلاس قالا: هو متروك الحديث. وقال ابن حبان: يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات حتى بسبق إلى القلب أنه المتعمد لها، فاستحق الترك. وقال أبو عبد الله النيسابوري: والنقاش يروي عن محارب أحاديث موضوعة وقال أبو داود: ليس بشيء، وكذا قال ابن معين. الثالث: إذا قدرنا أن الوصافي ويحيى علة للحديث فقد وجدنا الدارقطني (١) لما روى هذا الحديث من طريق محمد بن عُيينة قال: ثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي وصدقة بن أبي عمران، عن إبراهيم. وصدقة هذا حديثه مخرج في "صحيح مسلم" فكأن الوصافي لم يكن، وكذلك يحيى (٢). الرابع: حديث الدارقطني هذا يفهم منه غير الذي يفهم من حديث ابن حزم؛ وذلك أنه قال: عن إبراهيم بن عبيد الله بن عبد الله بن عبادة بن الصامت، عن أبيه، عن جده قال: "طلق بعض آبائي امرأته ألفًا ... " الحديث. فإن جد إبراهيم عبد الله، وقوله: "بعض آبائي" يحتمل أن اسمه عبادة ويحتمل أن يكون أبا لأمه أو جدًا لها، أو أبا أو جدًّا من الرضاعة، وما أشبه ذلك، [.....] (٣) ابن حزم من دخول الصامت أو أبيه في الحديث. الخامس: سكوته عن حال إبراهيم بن عبيد الله [......] (٣) مشهورة عند غالب من ينظر في كتابه وليست كذلك؛ فإنا لم نجد من عرفها وكذلك أبوه وجده لم نر مَنْ [......] (٣) جملة. فافهم. المناقشة السابعة: في قوله: وأما حديث ابن عمر ففي غاية السقوط.

стр. 5371

فنقول: إنما أعل ابن حزم هذا الحديث بشعيب بن رزيق الشامي، وقال: هو ضعيف وليس كذلك؛ فإن الدارقطني قال فيه لما سأله عنه البرقاني: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وذكره ابن حبان في كتاب الثقات، وكذلك ابن خلفون، وأخرج له الحاكم في "مستدركه" حديثًا وصحح سنده. ثم إن هذا الحديث رواه الدارقطني (١) أيضًا ثم البيهقي (٢)، ثم قال البيهقي: أتى عطاء الخراساني في هذا الحديث بزيادات لم يتابَع عليها وهو ضعيف في الحديث لا يقبل منه ما ينفرد به. قلت: ليس هو كذلك؛ فإن عطاء هذا وثقه جماعة منهم: الطبراني ومحمد بن سعد وابن عبد البر والدارقطني ويحيى بن معين وأبو حاتم، وخرّج حديثه الجماعة كلهم. الثاني: من الأحكام أنهم اختلفوا في معنى قوله ﵇: "مُره فليراجعها" فقال مالك: هذا الأمر محمول على الوجوب، ومن طلق زوجته حائضًا أو نفساء، فإنه يجبر على رجعتها. فسوَّى دم النفاس بدم الحيض. وقال مالك: يجبر على الرجعة في الحيضة التي طلق فيها وفي الطهر بعده، وفي الحيض بعد الطهر، وفي الطهر بعد، ما لم تنقض العدة. وقال أشهب: يجبر على الرجعة في الحيضة الأولي، خاصةً، فإذا طهرت منها لم يجبر على رجعتها. وقال أبو حنيفة وابن أبي ليلى والشافعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: يؤمر بالرجعة ولا يجبر، وحملوا الأمر في ذلك على الندب ليقع الطلاق على السُنَّة، ولم يختلفوا أنها إذا انقضت عدتها لا يجبر على رجعتها. وأجمعوا أنه إذا

стр. 5372

طلقها في طهر قد مسها فيه أنه لا يجبر على رجعتها ولا يؤمر بذلك وإن كان قد أوقع الطلاق على غير سُنَّة. الثالث: يستفاد منه أنه طلاق السُنَّة أن يكون في طهر، وهذا باب اختلفوا فيه؛ فقال مالك: طلاق السُنَّة أن يطلق الرجل امرأته في طهر لم يمسها فيه تطليقة واحدة، ثم يتركها حتى تنقضي العدة برؤية أول الدم من الحيضة الثالثة. وهو قول الليث والأوزاعي. وقال أبو حنيفة: هذا حسنٌ من الطلاق. وله قول آخر، قال: إذا أراد أن يطلقها ثلاثًا طلقها عند كل طهر واحدةً من غير جماع، وهو قول الثوري وأشهب. وزعم المرغناني أن الطلاق على ثلاثة أوجه عند أصحاب أبي حنيفة: حسنٌ، وأحسن، وبدعي؛ فالأحسن: أن يطلقها تطليقة واحدة في طهر لم يجامعها فيه، ويتركها حتى تنقضي عدتها، والحسن: هو طلاق السُنَّة، وهو أن يطلق المدخول بها ثلاثًا في ثلاثة أطهار. والبدعي: أن يطلقها ثلاثًا بكلمة واحدة، أو ثلاثًا في طهر واحد، فإذا فعل ذلك وقع الطلاق وكان عاصيًا. وقال عياض: اختلف العلماء في صفة طلاق السُنَّة فقال مالك وعامَّة أصحابه: هو أن يطلق الرجل امرأته تطليقة واحدة في طهر لم يمسها فيه، ثم يتركها حتى تكمل عدتها. وقاله الليث والأوزاعي، وقال أبو حنيفة وأصحابه: هذا أحسن الطلاق. وله قول آخر: أنه إن شاء يطلقها ثلاثًا طلقها في كل طهر مرة، وكلاهما عند الكوفيين طلاق سُنَّه. وقاله ابن مسعود. واختلف فيه قول أشهب، فقال مثله مرة، وأجاز أيضًا ارتجاعها ثم يطلق ثم يرتجع ثم يطلق فيتم الثلاث.

стр. 5373

وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور: ليس في عدد الطلاق سُنَّة ولا بدعة وإنما ذلك في الوقت. الرابع: في قوله: "فليراجعها" دليل على أن الطلاق غير البائن لا يحتاج إلى رضى المرأة. الخامس: فيه دليل أن الرجعة تصح بالقول، ولا خلاف في ذلك، وأما الرجعة بالفعل فقد اختلفوا فيه، فقال عياض: وتصح عندنا أيضًا بالفعل الحال محل القول الدال في العبارة على الارتجاع كالوطء والتقبيل واللمس؛ بشرط القصد إلى الارتجاع به، وأنكر الشافعي صحة الارتجاع بالفعل أصلاً، وأثبته أبو حنيفة وإن وقع من غير قصد. وهو قول ابن وهب من أصحابنا في الواطيء بغير قصد. السادس: استدل به أبو حنيفة أن مَنْ طلق امرأته وهي حائض فقد أثم وينبغي له أن يراجعها، فإن تركها تمضي في العدة بانت منه بطلاق، على ما يجيء عن قريب مستقصى إن شاء الله تعالى. السابع: أن في قوله: ثم ليطلقها وهي طاهر أو حامل، أن طلاق الحامل طلاق سُنَّة أي وقت شاء من الحمل ما لم يقرب ويصير في حد المرض وهو قول كافة العلماء. وقال الشافعي: ويكرر الطلاق عليها فيه متى شاء حتى يتم الثلاث على أصله. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يجعل بين التطليقتين شهرًا. وقال مالك ومحمد بن الحسن وزفر: لا يوقع عليها أكثر من واحدة حتى تضع. وفي "البدائع": وأما الحامل إذا استبان حملها فالأحسن أن يطلقها واحدة رجعية وإن كان قد جامعها وطلقها عقيب الجماع؛ لأن الكراهة في ذات القرء؛ لاحتمال الندامة لاحتمال الحبل، فمتى طلقها مع علمه بالحبل فالظاهر أنه لا يندم، وكذلك في ذات الشهر في الآيسة والصغيرة؛ الأحسن أن يطلقها واحدة رجعية وإن كان عقيب طهر جامعها فيه، وهذا قول أصحابنا الثلاثة.

стр. 5374

وقال زفر: يَفْصِل بين طلاق الآيسة والصغيرة وبين جماعها بشهر. الثامن: أن الظاهرية استدلوا بما روى (١) سعيد بن جبير، عن ابن عمر قال: "طلقت امرأتي وهي حائض، فردَّها عليَّ رسول الله ﵇ حتى طلقتها وهي طاهر" أن الرجل إذا طلق امرأته في حيضها لم ينفذ ذلك الطلاق، ولا يحل له أن يطلقها في حيضها. وهو مذهب الخوارج والرافضة أيضًا، وحُكي عن ابن عُلية أيضًا. وأجمع أئمة الفتوى من التابعين وغيرهم على أن الطلاق في الحيض واقع ولكنه محرم؛ أمَّا وقوعه فلأمر رسول الله ﵇ لابن عمر بمراجعة امرأته إذْ طلقها حائضًا، والمراجعة لا تكون إلا بعد لزوم الطلاق؛ لأنه لو لم يكن لازمًا ما قال له: راجعها؛ لأن مَنْ لم تطلق ولم يقع عليها طلاق لا يقال فيه: راجعها؛ لأنه محال أن يقال لرجل امرأته في عصمته لم يفارقها: راجعها. وأما كونه محرمًا فلكون المطلق في الحيض مطلقًا لغير العدة؛ لأن الله يقول: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢) وقرئ: "فطلقوهن لقبل عدتهن" على ما مرَّ عن قريب، وكذا كان يقرأ ابن عمر وغيره. وقال أبو عمر: وعلى هذا جماعة فقهاء الأمصار وجمهور علماء المسلمين وإن كان عندهم بدعة غير سنَّة فهو لازم عند جميعهم ولا يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال والجهل؛ فإنهم يقولون: إن الطلاق لغير السُنَّة غير واقع ولا لازم. وروي مثل ذلك عن بعض التابعين، وهو شذوذ لم يعرِّج عليه أهل العلم. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قومٌ إلى هذه الآثار وقالوا: مَنْ طلق امرأته وهي حائض فقد أثِم وينبغي له أن يراجعها؛ لأن طلاقه ذلك طلاق خطأ، فإن تركها تمضي في العدة بانت منه بطلاقٍ خطأ, ولكن يؤمر أن يراجعها ليخرجها بذلك من أسباب الطلاق الخطأ ثم يتركها حتى تطهر من هذه الحيضة ثم يطلقها

стр. 5375

طلاقًا صوابًا، فتمضي في عدةٍ من طلاق صواب، فإن شاء راجعها فكانت امرأته وبطلت العدة، وإن شاء تركها حتى تبين منه بطلاق صواب. وهذا قول أبي حنيفة ﵀. ش: أراد بالقوم هؤلاء: شقيق بن سلمة وسعيد بن جبير وقتادة والنخعي والثوري والمزني من أصحاب الشافعي؛ فإنهم قالوا: "مَنْ طلق امرأته ... " إلى آخره. وهذا أيضًا قول أبي حنيفة. وقال الكاساني في "البدائع": ولو طلق امرأته في حالة الحيض ثم راجعها، ثم أراد طلاقها ذكر في الأصل أنها إذا طهرت ثم حاضت ثم طهرت طلقها إن شاء. وذكر الطحاوي أنه يطلقها في الطهر الذي يلي الحيضة. وذكر الكرخي أن ما ذكره الطحاوي قول أبي حنيفة، وما ذُكِرَ في الأصل قول أبي يوسف ومحمد. ص: وخالفهم في ذلك آخرون منهم: أبو يوسف، فزعموا أنه إذا طلقها حائضًا لم يكن له بعد ذلك أن يطلقها حتى تطهر من هذه الحيضة، ثم تحيض حيضة أخرى ثم تطهر منها. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: سالمًا والليث بن سعد وعبد الملك بن جريج والزهري وعطاء الخراساني والحسن البصري ومالكًا وأبا يوسف والشافعي؛ فإنهم قالوا: إذا طلقها حال كونها حائضًا ... إلى آخر ما قاله، والتحقيق فيما قال هؤلاء ما قاله أبو عمر: أن للحيضة الثانية والطهر الثاني وجودًا عندهم ها هنا؛ لأن المراجعة لا يكاد يُعلم صحتها إلا بالوطء؛ لأنه المبتغي من النكاح في الأغلب، فكان ذلك الطهر موضعًا للوطء الذي يستبقى به المراجعة، فإذا مسها لم يكن سبيل إلى طلاقها في طهر قد مس فيه؛ لإجماعهم على أن المطلق في طهر قد مس فيه ليس بمطلق للعدة كما أمر الله فقيل له: دعها حتى تحيض أخرى ثم تطهر، ثم طلِّق إن شئت قبل أن تمس.

стр. 5376

وقد جاء هذا منصوصًا في الحديث عن ابن عمر "أنه طلق امرأته وهي حائض، فأمره رسول الله ﵇ أن يراجعها، فإذا طهرت مسها، حتى إذا طهرت أخرى فإن شاء طلقها وإن شاء أمسكها". وبه قال مالك وأصحابه لا خلاف في ذلك عنهم، ولا يطلقها بعد طهرها من ذلك الدم الذي ارتجعها فيه بالقضاء، فإن فعل لزم، وقد قال بعض أصحابنا: إن الذي يمس في الطهر إنما نهي عن الطلاق فيه؛ لأنها لا تدري أعِدّة حامل تعتد أم عِدّة حائل؟ ص: وعارضوا الآثار التي رويناها في موافقة القول بما حدثنا نصر بن مرزوق وابن أبي داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر أخبره: "أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر ﵁ لرسول الله ﵇، فتغيظ عليه رسول الله ﵇، ثم قال رسول الله ﵇: ليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرًا قبل أن يمسها، فتلك العدة كما أمر الله. حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو صالح ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﵇، فسأل عمر عن ذلك رسول الله ﵇ فقال: مُره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء". حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا مالك ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: "ثم يتركها حتى تطهر ثم تحيض، ثم إن شاء طلق". حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن أيوب وعبيد الله (ح).

стр. 5377

وحدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخصيب قال: ثنا حماد، عن أيوب وعبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد، قال: أخبرني يحيى بن سعيد وموسى بن عقبة وعبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا فهد وحسين بن نصر قالا: ثنا أحمد بن يونس قال: ثنا زهير قال: ثنا موسى بن عقبة قال: حدثني نافع أن عبد الله بن عمر ... ثم ذكر مثله. حدثنا فهد وحسين بن نصر، قالا: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا زهير، قال: ثنا موسى بن عقبة، قال: حدثني نافع، أن عبد الله بن عمر، ثم ذكر مثله. فقد أخبر سالم ونافع، عن ابن عمر في هذه الآثار، أن رسول الله أمره أن يمسكها حتى تطهر ثم تحيض، فزاد على ما في الآثار الأُول، فهو أولى منها. فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار. ش: أي عارض هؤلاء الآخرون أحاديث ابن عمر التي رويناها في موافقة قول أهل المقالة الأولى بما روي عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر أنه أخبره "أنه طلق امرأته وهي حائض .. الحديث" فإنه أخبر في حديثه هذا مثل ما في الأحاديث المذكورة، وزاد عليها؛ فوجب الأخذ بهذه الزيادة. وكذلك رواه نافع عن ابن عمر بهذه الزيادة على ما يجيء، ولم تشتمل على هذه الزيادة رواية أبي الزبير وسعيد بن جبير ويونس بن جبير ومحمد بن سيرين وأنس ابن سيرين التي ذُكرت في الفصل الأول، والأخذ بها أولى؛ لكونها من الثقات، ومعلوم أن جميع ذلك إنما ورد في قضية واحدة، وإنما ساق بعضهم لفظ النبي ﵇ على وجهه، وحذف بعضهم ذكر الزيادة إغفالًا أو نسيانًا؛ فوجب استعماله بما فيه من زيادة ذكر الحيضة؛ إذ لم يثبت أن النبي ﵇ قال ذلك مرةً عاريًا من غير ذكر الزيادة، وذكره مرةً مقرونًا بها، إذ كان فيه إثبات القول منه في حالين، وهذا مما

стр. 5378

لا نعلمه، فغير جائز إثباته، وعلى تقدير أنه لو كان ﵇ قد قال ذلك في حالين لم يخل أن يكون المتقدم منهما هو الخبر الذي فيه الزيادة والآخر متأخر عنه، فيكون ناسخًا له، أو يكون الخبر الذي لا زيادة فيه هو المتقدم، ثم ورد بعده ذكر الزيادة فيكون ناسخًا للأول بإثبات الزيادة، ولا سبيل إلى العلم بتاريخ الخبرين لا سيما وقد أشار الجمع من الرواة إلى قصة واحدة، فإذا لم يعلم التاريخ وجب إثبات الزيادة من وجهين: أحدهما: أن كل شيئين لا يعلم تاريخهما فالواجب الحكم بهما معًا ولا يحكم بتقدم أحدهما على الآخر كالغرقى، والقوم يقع عليهم البيت، فكذلك هذان الخبران وجب الحكم بهما معًا؛ إذْ لم يثبت لهما تاريخ، فلم يثبت الحكم إلا مقرونًا بالزيادة المذكورة فيه. والوجه الثاني: أنه قد ثبت أنه ﵇ قد ذكر الزيادة وأثبتها وأمرنا باعتبارها بقوله مرةً: "فليدعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم يطلقها إن شاء"؛ لورودها من طرق صحيحة، فإذا كانت ثابتة في وقت، واحتمل أن تكون منسوخة بالخبر الذي فيه حذف الزيادة، واحتمل أن تكون غير منسوخة؛ لم يجز لنا إثبات النسخ بالاحتمال، ووجب بقاء حكم الزيادة. فافهم. وقال أبو داود: والأحاديث كلها على خلاف ما قال أبو الزبير. وقال أبو عمر: وأبو الزبير ليس بحجة فيما خالفه فيه مثله فكيف فيما خالفه مَنْ هو أثبت منه. وقال الشافعي: نافع أثبت في ابن عمر مِنْ أبي الزبير، والأثبت من الحديثين أولى أن يقال به إذا خالفه. وكذلك رواه عطاء الخراساني عن الحسن، عن ابن عمر بهذه الزيادة. وقال أبو عمر: وكذلك رواه علقمة عن ابن عمر. وقال البيهقي: وكذلك رواه عمرو بن دينار مثل رواية سالم ونافع.

стр. 5379

وقال البيهقي: وأكثر الروايات عن ابن عمر: "أن النبي ﵇ أمره أن يراجعها حتى تطهر، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك". فإن كانت الرواية عن سالم ونافع وابن دينار في أمره أن يراجعها حتل تطهر ثم تحيض ثم تطهر محفوظة؛ فقد قال الشافعي ﵀: يحتمل أن يكون إنما أراد بذلك الاستبراء أن يكون يستبرئها بعد الحيضة التي طلقها فيها بطهر تام، ثم حيض تام ليكون تطليقها وهي تعلم عدتها الحمل هي أم الحيض؟ أو ليكون تطليقها بعد علمه يحمل وهو غير جاهل ما صنع، أو يرغب فيمسك للحمل، أو ليكون إن كانت سألت الطلاق غير حامل أن تكف عنه حاملًا. وقال غيره: عاقبه بتأخير الطلاق جزاءً بما فعله في المحرم عليه، وفي هذا نظر؛ لأن ابن عمر لم يكن ليعلم الحكم ولا تحقق التحريم فتعمد ركوبه، وحاشاه من ذلك فلا وجه لعقوبته. وقيل: إن الطهر الذي بعد الحيض والحيضة قبله الموقع فيها الطلاق كالقرء الواحد، فلو طلق فيه لصار كموقع طلقتين في قرء واحد، وهذا ليس هو طلاق السُنَّة. وقيل: إنما أمره بالتأخير؛ لأن الطهر الذي يلي الحيضة الموقع الطلاق فيها ينبغي أن ينُهى عن الطلاق فيه حتى يطأ فيه فتتحقق الرجعة؛ لئلا يكون إذا طلق فيه قبل أن يمس كمن ارتجع الطلاق لا للنكاح، وفي هذا نظر؛ فإنه يوجب أن يُنهى عن الطلاق قبل الدخول؛ لئلا يكون نكح أيضًا للطلاق لا للنكاح. وقيل: إنما نُهي عن الطلاق في هذا الطهر ليطول مقامه معها، والظن من ابن عمر أنه لا يمنعها حقها من الوطء حينئذٍ وتفويت ما في نفسه من الكراهية وأمسكها، ويكون ذلك حرصًا على ارتفاع الطلاق وحضًّا على استقرار الزوجية.

стр. 5380

ثم إنه أخرج هذا الحديث بهذه الزيادة من ثمان طرق صحاح: الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح ما خلا نصرًا وإبراهيم بن أبي داود البرلسي. وعقيل -بضم العين- ابن خالد الآيلي. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن سالم أن أباه أخبره: "أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر ﵁ لرسول الله ﵇، فتغيظ منه رسول الله ﵇، ثم قال رسول الله ﵇: ليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرًا قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر الله . وأخرجه النسائي (٢): أخبرني كثير بن عُبيد، عن محمد بن حرب، ثنا الزبيدي قال: "سئل الزهري: كيف الطلاق للعدّة؟ فقال: أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر أن عبد الله بن عمر قال: طلقت امرأتي في حياة رسول الله ﵇ وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله ﵇، فتغيظ وجه رسول الله ﵇ في ذلك فقال: ليراجعها، ثم يمسكها حتى تحيض حيضة وتطهر، فإن بدا له أن يطلقها طاهرًا قبل أن يمسها فذلك الطلاق للعدة كما أنزل الله قال عبد الله بن عمر: فراجعتها وحسبت لها التطليقة التي طلقتها". الثاني: عن يزيد بن سنان الفراء، عن أبي صالح عبد الله بن صالح -شيخ البخاري- عن الليث بن سعد، عن عقيل بن خالد، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم، عن ابن عمر نحوه. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): ثنا روح، ثنا محمد بن أبي حفصة، ثنا ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه: "أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك لعمر، فانطلق

стр. 5381

عمر إلى رسول الله ﵇ فأخبره، فقال رسول الله ﵇: ليمسكها حتى تحيض غير هذه الحيضة ثم تطهر، فإن بدا له أن يطلقها طلقها كما أمره الله وإن بدا له أن يمسكها أمسكها". الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى ... إلى آخره. ورجاله كلهم رجال الصحيح. وأخرجه البخاري (١): ثنا إسماعيل بن عبد الله، قال: حدثني مالك، عن نافع، عن ابن عمر ... إلى آخره نحوه. ومسلم (٢): ثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك بن أنس، عن نافع ... إلى آخره نحوه. قوله: "أن تطلق لها النساء" احتجت به الشافعية والمالكية أن الأقراء التي تعتد بها المرأة هي الأطهار؛ لأنه قال: "فإن شاء طلق -يعني- عند طهرها" ثم قال: "فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء". ومعنى "لها" أي فيها، فثبت ﵇ الطهر عنده. قلت: لا نسلم أن "اللام" ها هنا بمعنى الظرف؛ لأن "اللام" تنصرف على معاني ليس من أقسامها ما يدل على كونها ظرفًا؛ لأن معانيها التي تستعمل على أوجه: "لام" الملك كقوله: له مال، و"لام" الفعل كقوله: له كلام وله حركة، و"لام" العلة كقولك: قام لأن زيدًا جاءه، وأعطاه لأنه سأله, و"لام" النسبة كقولك: له أخ وله أب، و"لام" الاختصاص كقولك: له علم وله إرادة، و"لام" الاستغاثة كقولك: يالَ بكر، ويالَ مضر و"لام" كي كقوله تعالى: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ (٣)، و"لام" العاقبة كقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (٤).

стр. 5382

بل اللام ها هنا للاستقبال كما في قولهم: لثلاث بقين من الشهر أي مستقبلاً لثلاث، وقال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١) يعني مستقبلات لعدتهن، وإنما قلنا ذلك؛ لأن اللام قد تكون لحال ماضية ولحال مستقبلة، ألا ترى إلى قوله -علية السلام-: "صوموا لرؤيته" يعني صوموا لرؤية ماضية، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ (٢)، يعني للآخرة، فاللام فيما نحن فيه للاستقبال كما ذكرنا، فإذا كان للاستقبال وليس في مقتضاه وجوده عقيب المذكور وإذا كان كذلك ووجدنا قوله ﵇ لابن عمر فيه ذكر حيضة ماضية، الحيضة المستقبلة مفقودة، وإذْ لم تكن مذكورة وذلك في قوله: "مُره فليراجعها، ثم ليدعها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهير، ثم ليطلقها إن شاء فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" فاحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى الحيضة الماضية، فيدل ذلك على أن العدة إنما هي الحيض. وجائز أن يريد حيضة مستقبلة إذ هي معلوم كونها على مجرى العادة، فليس الطهر حينئذٍ بأولى بالاعتبار من الحيض؛ لأن الحيض في المستقبل وإن لم يكن مذكورًا فجائز أن يراد به؛ إذ كان معلومًا كما أنه لم يذكر طهرًا لعدة الطلاق وإنما ذكر طهرًا قبله، ولكن الطهر لما كان معلومًا وجوده بعد الطلاق إذا طلقها فيه على مجرى العادة، جاز عندك رجوع الكلام فيه، وإرادته باللفظ، ومع ذلك فجائز أن تحيض عقيب الطلاق بلا فصل، فليس إذًا في اللفظ دلالة على أن المعتبر في الاعتداد به هو الطهر دون الحيض. فافهم. الرابع: عن صالح بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي شيخ البخاري وأبي داود، عن مالك ... إلى آخره.

стр. 5383

وأخرجه أبو داود (١): نا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: "أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﵇ فسأل عمر بن الخطاب رسول الله ﵇ عن ذلك، فقال رسول الله ﷺ : مُرْه فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهير، ثم تحيض ثم تطهير، ثم إن شاء أمسك بعد ذلك، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء". الخامس: عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال شيخ البخاري، عن حماد ابن سلمة، عن أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر ابن الخطاب، كلاهما عن نافع، عن ابن عمر. وأخرجه مسلم (٢): نا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: نا أبي، قال: نا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: "طلقت امرأتي على عهد رسول الله ﵇ وهي حائض، فذكر ذلك عمرُ لرسول الله ﵇ فقال: مُرْه فليراجعها، وليدعها حتى تطهر، ثم تحيض حيضة أخرى، فإذا ظهرت فليطلقها قبل أن يجامعها أو يمسكها؛ فإنها العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء. قال عبيد الله: قلت لنافع: ما صنعت التطليقة؟ قال: واحدة اعتدتها". وحدثني (٣) زهير بن حرب قال: نا إسماعيل، عن أيوب، عن نافع: "أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمرُ النبي ﵇ فأمره أن يرجعها، ثم يمهلها حتى تحيض حيضة أخرى، ثم يمهلها حتى تطهر، ثم يطلقها قبل أن يمسها؛ فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء". السادس: عن نصر بن مرزوق، عن الخصيب بن ناصح الحارثي، عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر.

стр. 5384

وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمد بن المثنى، نا يحيى، عن عُبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: "طلقت امرأتي وهي حائض على عهد رسول الله ﵇، فأتى عمر رسول الله ﵇ فقال: إن عبد الله طلق امرأته وهي حائض، قال: مُرْه فليراجعها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، فإن شاء طلقها قبل أن يجامعها وإن شاء أمسكها؛ فإنها العدة التي قال الله تعالى". السابع: عن أحمد البرقي، عن عمرو بن أبي سلمة التنيسي أبي حفص الدمشقي مولى بني هاشم نزيل تِنِّيس، روى له الجماعة. عن زهير بن محمد التميمي العنبري أبي المنذر الخراساني روى له الجماعة. عن يحيى بن سعيد الأنصاري وموسى بن عقبة بن أبي عياش القرشي الأسدي المدني، وعبيد الله بن عمر، ثلاثتهم عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ مثله. فحديث يحيى بن سعيد عن نافع أخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمد بن المثنى، ثنا يزيد بن هارون، نا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر ﵁ رسول الله ﵇ فأمره أن يراجعها ثم يمهلها حتى تحيض حيضة، ثم يمهلها حتى تطهر، ثم يطلقها قبل أن يمسها إن لم يُرْد إمساكها؛ فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء". وحديث عبيد الله بن عمر، عن نافع أخرجه مسلم (١) كما ذكرناه، وأخرجه النسائي (٢) وابن ماجه (٣) أيضًا. وحديث موسى بن عقبة عن نافع: أخرجه الدارقطني (٤): ثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا أحمد بن يوسف السلمي، ثنا أحمد بن يونس، ثنا زهير، ثنا

стр. 5385

موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه طلق امرأته في عهد رسول الله ﵇ تطليقة واحدة وهي حائض، فاستفتى عمر رسول الله ﵇ ... " ثم ذكر نحو الحديث المذكور. الثامن: عن فهد بن سليمان وحسين بن نصر، كلاهما عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ البخاري، عن زهير بن معاوية، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر. وأخرجه الدارقطني (١) نحوه، وقد ذكرناه الآن. ص: وأما وجهه من طريق النظر؛ فإنا وجدنا الأصل في ذلك أن الرجل نُهي أن يطلق امرأته حائضًا، ونُهي أن يطلقها في طهر قد طلقها فيه؛ فكان قد نهي عن الطلاق في الطهر الذي طلقها فيه كما نُهي عن الطلاق في الحيض. ثم رأيناهم لا يختلفون في رجل جامع امرأته حائضًا ثم أراد أن يطلقها للسُنَّة أنه ممنوع من ذلك حتى تطهر من هذه الحيضة التي كان الجماع فيها ومن حيضة أخرى بعدها، وجعل جماعه إياها في الحيضة كجماعه إياها في الطهر الذي يعقب تلك الحيضة، فلما كان حكم الطهر الذي بعد كل حيضة كحكم نفس الحيضة في وقوع الطلاق في الجماع، وكان مَن جامع امرأته وهي حائض فليس له أن يطلقها بعد ذلك حتى يكون بين ذلك الجماع وبين الطلاق الذي يوقعه حيضة كاملة مستقبلة؛ كان كذلك في النظر أنه إذا طلق امرأته وهي حائض، ثم أراد بعد ذلك أن يطلقها، لم يكن له ذلك حتى يكون بين طلاقه الأول الذي طلقها إياه وبين طلاقه إياها الثاني حيضة مستقبلة. فهذا وجه النظر عندنا في هذا الباب مع موافقة الآثار، وهو قول أبي يوسف ﵀. ش: أي: وأما وجه هذا الباب من طريق النظر والقياس، تقريره أن الأصل في هذا الباب أن الرجل منهي عن إيقاع الطلاق في الطهر الذي طلق امرأته فيه كما هو

стр. 5386

منهي عن إيقاعه في الحيض، ثم إنه إذا جامعها وهي حائض وأراد أن يطلقها للسُنَّة فإنه يمنع من الطلاق حتى تطهر من هذه الحيضة التي جامعها فيها ومن حيضة أخرى مستقبلة بعدها، فلم يعتبر الطهر الذي يعقب الحيضة التي كان فيها الجماع، فصار حكمه كحكم نفس الحيضة، فلما لم يكن لهذا المجامع في الحيض أن يطلقها للسُنَّة حتى يكون بين جماعه الذي وقع في الحيضة وبين الطلاق الذي يريد وقوعه حيضة كاملة مستقبلة؛ كان القياس على ذلك يقتضي للذي طلق امرأته وهي حائض ثم أراد بعد ذلك أن يطلقها أنْ لا يطلقها حتى يكون بين طلاقه الأول الذي قد أوقعه وبين طلاقه الذي يريد وقوعه حيضة مستقبلة. فافهم. فهذا وجه النظر في هذا الباب، وهو الذي ذهب إليه أبو يوسف ومَنْ ذكرناهم معه فيما مضى. ص: وفي منع النبي ﵇ ابنَ عمر أن يطلق امرأته بعد الطلاق الأول حتى يكون بعد ذلك حيضة مستقبلة فتكون بين التطليقتين حيضة مستقبلة دليلٌ أن حكم الطلاق في السُنَّة ألا يجمع منه تطليقتان في طهر واحد، فافهم ذلك فإنه قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: هذه إشارة وتنبيه على فائدة تستنبط من حديث ابن عمر ﵄ وهي خفيّة لا تظهر إلا لمن له بصيرة نَفَّاذَة وقريحة وقَّادة؛ فلذلك نبه على ذلك بقوله: "فافهم"، وهذه الفائدة هي التي تستفاد من منع النبي ﵇ عبد الله بن عمر أن يطلق امرأته بعد طلاقه الأول وهي حائض حتى يكون بعد الطلاق الأول حيضة مستقبلة، ففي هذا دليل على أن حكم الطلاق في السُنَّة ألا يجمع بين تطليقتين في طهر واحد. فإن قيل: كيف يفهم ذلك من هذا الحديث؟ قلت: لأن الحيضة التي وقع فيها الطلاق غير محسوبة من العدة، فكان إيقاع الطلاق فيها كإيقاعه في الطهر الذي يليها، ثم إنه ﵇ أمره ألا يطلق بعد ذلك حتى تكون حيضة مستقبلة، فظهر من هذا أنه لو طلقها قبل الحيضة المستقبلة يكون مُوقِعًا

стр. 5387

تطليقتين في طهر واحد، فلو لم يكن هذا مكروهًا لما منعه ﵇ أن يطلقها بعد الطلاق الأول قبل الحيضة المستقبلة فلما منع من ذلك علمنا أن إيقاع الطلقتين في طهر واحد مكروه بالمعنى الذي ذكرناه، فافهم؛ فإنه موضع يحتاج إلى دقة نظر. قوله: "فإنه قول أبي حنيفة" أي فإن ما ذكرنا من الطلاق في السُنَّة ألا يجمع منه تطليقتان في طهر واحد قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏ ثم اعلم أن الحيضة التي وقع فيها الطلاق لا تحتسب في العدة كما ذكرنا، وهو مذهب أبي قلابة والزهري وقتادة والليث وشريح والشعبي وطاوس وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح ومالك بن دينار وجابر بن زيد ومحمد بن سيرين ذكر ذلك كله ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) بأسانيد جياد، وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقول: تعتد بتلك الحيضة. والله أعلم. ...

стр. 5388

ص: باب: الرجل يطلق امرأته ثلاثًا معًا ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يطلق امرأته ثلاث تطليقات جملة واحدة. ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا أحمد بن صالح، قال: ثنا عبد الرزاق قال: أنا ابن جريج، قال: أخبرني ابن طاوس، عن أبيه أن أبا الصهباء قال لابن عباس: "أتعلم أن الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله ﵇ وأبي بكر وثلاثًا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: نعم". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم. وابن جريج هو عبد الملك بن جريج المكي. وابن طاوس هو عبد الله. وأبو الصهباء البصري مولى ابن عباس اسمه صهيب، وثقه أبو زرعة وابن حبان، وروى له مسلم وأبو داود والنسائي. وأخرجه مسلم (١): نا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا روح بن عبادة، قال: أنا ابن جريج، (ح). ونا ابن رافع واللفظ له، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أنا ابن جريج، قال: أنا ابن طاوس، عن أبيه أن أبا الصهباء قال لابن عباس: "أتعلم أنه كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي ﵇ وأبي بكر وثلاثًا من إمارة عمر؟ فقال ابن عباس: نعم". وأخرجه أبو داود (٢) والنسائي (٣).

стр. 5389

قوله: "أتعلم" استفهام على سبيل التقرير. قوله: "أن الثلاث" أي الطلقات الثلاث كانت تجعل واحدة أي طلقة واحدة. قوله: "على عهد رسول الله ﵇" أي في زمنه وأيامه. قوله: "وثلاثًا من إمارة عمر ﵁" أي وثلاث سنين من خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁. قوله: "نعم" أي نعم كان الأمر كذلك. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قومٌ إلى أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا معًا فقد وقعت عليها واحدة إذا كانت في وقت سنةٍ، وذلك أن تكون طاهرًا في غير جماع. واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وقالوا: لما كان الله إنما أمر عباده أن يطلقوا لوقت على صفة فطلقوا على غير ما أمرهم به؛ لم يقع طلاقهم. وقالوا: ألا ترون أن رجلاً لو أمر رجُلاً أن يطلق امرأته في وقت فطلقها في غيره، أو أمره أن يطلقها على شريطة فطلقها على غير تلك الشريطة أن طلاقه لا يقع؛ إذ كان قد خالف ما أُمِر به، قالوا: فكذلك الطلاق الذي أمر به العباد فإذا أوقعوه كما أمروا به وقع، وإذا [أوقعوه] (١) على خلاف ذلك لم يقع. ش: أراد بالقوم هؤلاء: طاوسًا ومحمد بن إسحاق والحجاج بن أرطاة والنخعي وابن مقاتل وبعض الظاهرية؛ فإنهم قالوا: إذا طلق الرجل امرأته ثلاث تطليقات فإنه يقع عليها واحدة والثنتان لغو، واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور. قوله: "وقالوا ... " إلى آخره. ظاهر. ص: وخالفهم في ذلك أكثر أهل العلم فقالوا: الذي أُمِر به العباد من إيقاع الطلاق فهو كما ذكرتم إذا كانت المرأة طاهرًا من غير جماع، أو حاملاً وأُمِروا بتفريق الثلاث إذا أرادوا إيقاعهن ولا يوقعهن معًا، فإذا خالفوا ذلك فطلقوا في الوقت

стр. 5390

الذي لا ينبغي لهم أن يطلقوا فيه وأوقعوا الطلاق أكثر مما أُمِروا بإيقاعه؛ لزمهم ما أوقعوا من ذلك، وهم آثمون في تعديهم ما أمرهم الله به، وليس ذلك كالوكالات؛ لأن الوكلاء إنما يفعلون ذلك للموكِّلين فيحلون في أفعالهم تلك محلهم، فإن فعلوا ذلك كما أُمِروا لزم، وإن فعلوا ذلك على غير ما أمروا لم يلزم، والعباد في طلاقهم إنما يفعلونه لأنفسهم لا لغيرهم، ولا يحلون في فعلهم ذلك محل غيرهم، فيراد منهم في ذلك إصابة ما أمرهم به الذين يحلون في فعلهم ذلك محله. فلما كان ذلك كذلك لزمهم ما فعلوا وإن كان ذلك مما قد نهوا عنه لأنا قد رأينا أشياء مما قد نهى الله العباد عن فعلها أوجبت عليهم إذا فعلوها أحكامًا، من ذلك: أنه نهاهم عن الظهار ووصفه بأنه منكر من القول وزور، ولم يمنع ما كان كذلك أن تحرم به المرأة على زوجها حتى يفعل ما أمره الله به من الكفارة. فلما رأينا الظهار قولاً منكرًا وزورًا ولقد لزمت به حرمة؛ كان كذلك الطلاق المنهيّ عنه هو منكر من القول وزورٌ، والحرمة به واجبة. وقد رأينا رسول الله ﵇ لما سأله عمر بن الخطاب ﵁ عن طلاق عبد الله امرأته وهي حائض، أمره بمراجعتها، وتواترت عنه بذلك الآثار، وقد ذكرناها في الباب الأول، ولا يجوز أن يؤمر بالمراجعة مَنْ لم يقع طلاقه، فلما كان النبي ﵇ قد ألزمه الطلاق في الحيض -وهو وقت لا يحل إيقاع الطلاق فيه- كان كذلك مَنْ طلق امرأته ثلاثًا، فأوقع كل الطلاق في وقت بعضه دون ما بقي منه؛ لزمه في ذلك ما ألزم نفسه وإن كان فعله على خلاف ما أُمِر به، فهذا هو النظر في هذا الباب. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم جماهير العلماء من التابعين ومن بعدهم، منهم: الأوزاعي والنخعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه ومالك وأصحابه والشافعي وأصحابه وأحمد وأصحابه وإسحاق وأبو ثور وأبو عُبيد وآخرون كثيرون، فإنهم قالوا: إذا طلق الرجل امرأته ثلاث طلقات وقعن ولكنه يأثم، أما وقوعه فلأن الطلاق في نفسه مشروع ما فيه حظر وإنما

стр. 5391

الحظر، في غيره وهو كون إيقاع الثلاث في طهر واحد بدعة لمخالفته السُنَّة، فوقع الطلاق وأثم لذلك، فصار كالبيع وقت أذان الجمعة، والصلاة في الأرض المغصوبة. والقياس على الوكالة فاسد؛ لأن الوكيل قائم مقام موكِّله فإن فعل كما أمر به لزم، وإن خالف لم يلزم للمخالفة. قوله: "وإن كان فعله على خلاف ما أمر به" وذلك لأن المأمور به أن يطلقها للسُنَّة وهو الذي أذن الله فيه للعدة كما قال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١) أي في قبل عدتهن كما ذكرنا. ثم اختلفوا في طلاق السُنَّة، فقال أبو حنيفة وسفيان الثوري وسائر أهل الكوفة: من أراد أن يطلق امرأته للسُنَّة طلقها حين تطهر من حيضها قبل أن يجامعها طلقة واحدة، ثم يدعها حتى تحيض ثم تطهر، فإذا طهرت طلقها أخرى، ثم يدعها حتى تحيض ثم تطهر، فإذا طهرت طلقها ثالثةً، فبالثالثة حرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره. وقال مالك وأصحابه: طلاق السُنَّة أن يطلق طلقة في طهر لم يمسها فيه -ولو كان في آخر ساعة منه- ثم يمهلها حتول تنقضي عدتها وذلك بظهور أول الحيضة الثالثة في الحرة، أو الحيضة الثانية في الأَمة، فيتم للحرة ثلاثة أقراء وللأَمة قرآن، فإن طلقها في كل طهر تطليقة، أو طلقها ثلاثًا مجتمعات في طهر لم يمسها فيه؛ فقد لزم، وليس بمطلق للسُنَّة. وهو قول الأوزاعي وأبي عُبيد القاسم بن سلام. وقال الشافعي وأحمد وداود: ليس في عدد الطلاق سُنَّة ولا بدعة، وإنما السُنَّة في وقت الطلاق، فإذا أراد أن يطلق امرأته للسُنَّة أمهلها حتى تحيض ثم تطهر، فإذا طهرت طلقها من قبل أن يجامعها كم شاء، إن شاء واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا، أيّ ذلك فعل فهو مطلق للسُنَّة.

стр. 5392

وأجمع العلماء أن طلاق السُنَّة إنما هو في المدخول بها، وأما غير المدخول بها فليس في طلاقها سُنَّة ولا بدعة؛ لأنه لا عدة عليهن. وقال أشهب: لا يطلقها وإن كانت غير مدخول بها حائضًا. وقال ابن القاسم: يطلقها متى شاء دان كانت حائضًا، وعليه الناس. ولا خلاف بينهم في الحامل أن طلاقها للسنَّة من أول الحمل إلى آخره؛ لأن عدتها أن تضع ما في بطنها. ص: وفي حديث ابن عباس ما لو اكتفينا به كان حجة قاطعة، وذلك أنه قال: "فلما كان زمن عمر ﵁ قال: يا أيها الناس قد كان لكم في الطلاق أناة، وإنه من تعجل أناة الله في الطلاق ألزمناه إياها". حدثنا بذلك ابن أبي عمران قال: ثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: أنا عبد الرزاق (ح). وحدثنا عبد الحميد بن عبد العزيز، قال: ثنا أحمد بن منصور الرمادي، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، مثل الذي ذكرناه في أول هذا الباب، غير أنهما لم يذكرا أبا الصهباء ولا سؤاله ابن عباس، وأنهما ذكرا مثل جواب ابن عباس الذي في ذلك الحديث، وذكرا من كلام عمر ﵁ ما قد ذكرناه قبل هذا الحديث، فخاطب عمر بذلك الناس جميعًا وفيهم أصحاب رسول الله ﵇ الذين قد علموا ما قد تقدم من ذلك في زمن رسول الله ﵇ فلم ينكره عليه منهم منكر ولم يدفعه دافع، فكان ذلك أكبر الحجة في نسخ ما تقدم من ذلك؛ لأنه لمَّا كان نقل أصحاب رسول الله ﵇ فعلاً تجب به الحجة، كان كذلك إجماعهم على القول إجماعًا تجب به الحجة، وكما كان إجماعهم على النقل بريء من الوهم والزلل، كان كذلك إجماعهم على الرأي بريء مِنَ الوهم والزلل، وقد رأينا أشياء قد كانت على عهد رسول الله ﵇ على معاني؛ فجعلها أصحابه من بعده على خلاف تلك المعاني لِمَا رأوا منه مما قد خفي على من بعدهم، فكان ذلك

стр. 5393

حجة ناسخًا لما قد تَقدَّمه، من ذلك تدوين الدواوين، ومنع بيع أمهات الأولاد، وقد كنَّ يُبعْن قبل ذلك، والتوقيت في حدّ الخمر ولم يكن فيه توقيت، فلما كان ما عملوا به من ذلك ووقفونا عليه لا يجوز لنا خلافه إلى ما رويناه مما تقدم فعلهم به، كان كذلك ما وقفونا عليه من الطلاق الثلاث الموقع معًا أنه يلزم، لا يجوز لنا خلافه إلى غيره مما قد روي أنه كان قبله على خلاف ذلك. ش: هذا جواب عن حديث ابن عباس الذي احتجت به أهل المقالة الأولى لما ذهبوا إليه، بيان ذلك أن يقال: روي عن ابن عباس في هذا الحديث مما لو اكتفينا به لقامت به حجة قاطعة فيما ندعيه من وقوع ثلاث طلقات عند التلفظ بها، وهو أنه قال في روايته: "فلما كان زمن عمر ﵁ قال: أيها الناس، قد كان لكم في الطلاق أناة، وأنه مَنْ تعجل أناة الله في الطلاق ألزمناه إياه". أخرجه مِنْ طريقين صحيحين: الأول: عن أحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي، عن إسحاق بن أبي إسرائيل إبراهيم المروزي شيخ البخاري في غير الصحيح، عن عبد الرزاق ابن همام، عن معمر بن راشد، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه طاوس، عن ابن عباس. وأخرجه مسلم (١): نا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع -واللفظ لابن رافع قال إسحاق: أنا، وقال [ابن] (٢) رافع-: نا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: "كان الطلاق على عهد رسول الله ﵇ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر؛ طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم".

стр. 5394

الثاني: عن عبد الحميد بن عبد العزيز أبي خازم -بالمعجمتين- القاضي، أحد فقهاء الدنيا واحد الأئمة الحنفيَّة الكبار، الثقة الثبت، عن أحمد بن منصور بن سيَّار الرمادي شيخ ابن ماجه وأبي عوانة الإِسفراييني، عن عبد الرزاق ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي (١) وغيره من حديث عبد الرزاق نحوه. قوله: "أناة" بفتح الهمزة أي مهلة وبقية استمتاع وانتظار للرجعة. وفي "المطالع": الأناة -بالفتح والقصر- وهو الثبت في الأمور وترك العجلة. والثاني هو المكث والإبطاء، يقال: أَنَيْتُ وأَنَّيْتُ -مشددًا- وتَأَنَّيت. قوله: "فخاطب عمر بذلك" أي بهذا القول الناس جميعًا، والحال أن فيهم أصحاب رسول الله ﵇. قوله: "فكان ذلك" أي رضاهم كلام عمر وعدم ردهم إياه أكبر الحجة؛ لأنه صار إجماعًا، والإجماع من أقوى الحجج؛ بدليل قوله ﵇: "لا تجتمع أمتي على الضلالة" (٢) ولا سيما هؤلاء السادات من الصحابة ﵃ ومثل عمر بينهم. قوله: "في نسخ ما تقدم من ذلك" أي من حديث ابن عباس. فإن قيل: ما وجه هذا النسخ وعمر ﵁ لا ينسخ؟! وكيف يكون النسخ بعد النبي ﵇؟! ولو كان عمر نسخ ذلك لبادرت الصحابة إلى إنكار ذلك عليه، وإن كان يراد أنه نسخ في حياة النبي ﵇ فهو إرادة صحيحة ولكنه يُلزم المحذور من وجه آخر؛ وهو أنه يخرج عن ظاهر الخبر في قوله: "كان على عهد النبي ﵇ وأبي بكر"؛ لأنه إذا نسخ في عهد النبي ﵇ لم يصدق الراوي فيما قال.

стр. 5395

قلت: قد ذكرنا لك أن هذا بخطاب عمر للصحابة قد كان إجماعًا، والنسخ بالإجماع جوّزه بعض مشايخنا بطريق أن الإجماع يوجب علم اليقين كالنص، فيجوز أن يثبت النسخ به، والإجماع في كونه حجة أقوى من الخبر المشهور، فإذا كان النسخ يجوز بالخبر المشهور في الزيادة على النص، فجوازه بالإجماع أولى، وقد اعترض بعضهم بأن إجماعهم على النسخ من تلقاء أنفسهم لا يجوز في حقهم؛ لأنه يكون إجماعًا على الخطأ وهم معصومون من ذلك. وأجيب عن ذلك بأنه قد يحتمل أن يكون ظهر لهم نص أوجب النسخ ولم ينقل إلينا ذلك. وقد أجاب الناس عن حديث ابن عباس بأجوبة غير ذلك منها: ما قال أحمد بن حنبل: إن رواية ابن عباس هذه مدفوعة برواية الناس عنه من وجوه بخلاف ذلك، وقال: كل أصحاب ابن عباس رووا عنه خلاف ما روى عنه طاوس. وقال البيهقي: فلذلك ترك البخاري رواية هذا الحديث؛ لمخالفته سائر الروايات عن ابن عباس، أنه أجاز الطلاق وأمضاه، وقال بعضهم: هذا الحديث في غير المدخول بها، وذهب إلى هذا جماعة من أصحاب ابن عباس ﵄، ورأوا أن الثلاث لا تقع على غير المدخول بها؛ لأنها بالواحدة تبين، فإذا قال: أنتِ طالق بانت، وقوله: ثلاثًا كلام وقع بعد البينونة فلا يُعتد به، وقال بعضهم: المراد به: أنه كان المعتاد في زمن النبي ﵇ تطليقة واحدة، وقد اعتاد الناس الآن التطليق بالثلاث. وقال أبو العباس أحمد بن سريج جوابًا آخر قد ذكرناه في باب الرجل يطلق امرأته وهي حائض؛ فليعاود هناك. وقال الجصاص: حديث ابن عباس هذا منكر على ما قيل. قلت: قاله الطحاوي هكذا في غير هذا الموضع.
следующие страницы →