عمر ﵁ أُخْبِر بقولها، فقال: "لسنا بتاركي آية من كتاب الله وقول رسول الله ﵇ لقول امرأة لعلها أوهمت، سمعت النبي ﵇ يقول: لها السكنى والنفقة".
وأخرجه القاضي إسماعيل: ثنا حجاج بن منهال، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن الشعبي: "أن فاطمة بنت قيس طلقها زوجها بائنًا، فقال رسول الله ﵇: لا نفقة لك ولا سكنى. قال: فأخبرت بذلك النخعي فقال: إن عمر ﵁ أخبر بقولها فقال: لسنا بتاركي آيةً من كتاب الله وقول رسول الله ﵇ لقول امرأة لعلها أوهمت، سمعتُ رسول الله ﵇ يقول: لها السكنى والنفقة". انتهى.
وقضية يكون مثل عمر بن الخطاب يقول فيها: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "لها السكنى والنفقة"، لا يجوز ترك قوله لقول امرأة من آحاد الصحابيات يخالف قول عمر بن الخطاب مع موافقة مثل عبد الله بن مسعود إياه فيما قاله، ولو لم يكن لابن مسعود أيضًا علم من رسول الله ﵇ يوافق ما رواه عمر لما وافقه ولما ذهب إلى مذهبه؛ لأن هذا الباب لا مجال للرأي فيه. وألله أعلم.
ص: حدثنا نصر، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن الأسود: "أن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود قالا في المطلقة ثلاثًا: "لها السكنى والنفقة".
قالوا: فهذا عمر ﵁ قد أنكر حديث فاطمة هذا ولم يقبله.
ش: إسناده صحيح.
والخصيب هو ابن ناصح الحارثي، وأبو عوانة: الوضاح اليشكري، والأعمش هو سليمان.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن حفص بن غياث ومحمد بن فضيل، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر: "المطلقة ثلاثًا لها السكنى والنفقة".
стр. 5462
قوله: "قالوا" أي الذين ذهبوا إلى أن المطلقة -أي مطلقة كانت- لها السكنى والنفقة.
ص: وقد أنكره أيضًا عليها أسامة بن زيد ﵄، حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن قال: "كانت فاطمة بنت قيس تحدث عن رسول الله ﵇ أنه قال لها: اعتدي في بيت ابن أم مكتوم".
وكان محمد بن أسامة بن زيد قد أنكر من ذلك، يقول: "كان أسامة إذا ذكرت فاطمة ﵄ من ذلك شيئًا رماها بما كان في يده".
فهذا أسامة بن زيد قد أنكر من ذلك أيضًا ما أنكره عمر بن الخطاب.
ش: أي وقد أنكر الحديث المذكور أيضًا على فاطمة أسامة بن زيد بن حارثة؛ وذلك لأنه كان إذا ذكرت فاطمة من ذلك شيئًا رماها بما كان في يده، فلو لم يكن عنده علم من النبي ﵇ يخالف ما ذكرته فاطمة لما كان ينكر عليها، ولا رماها بما كان في يده حين تذكر من ذلك شيئًا.
وأخرج ما روي عن أسامة بإسناد صحيح.
عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، وشيخ أبي داود والنسائي وابن ماجه، وثقه الخطيب وابن حبان.
عن شعيب بن الليث، روى له مسلم وأبو داود والنسائي.
عن الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة الكندي المصري روى له الجماعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج روى له المجاعة، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، روى له الجماعة ... إلى آخره.
ومحمد بن أسامة بن زيد بن حارثة الضبي المدني، وثقه ابن سعد وابن حبان، وروى له الترمذي.
стр. 5463
وأخرجه ابن حزم في "المحلى" (١): ثنا حُمام بن أحمد، نا عباس بن أصبغ، نا محمد بن عبد الملك بن أيمن، نا مطلب، نا أبو صالح -هو عبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد- نا جعفر، عن ابن هرمز، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: "كان محمد بن أسامة بن زيد يقول: كان أسامة إذا ذكرت فاطمة عن ذلك [شيئًا] (٢) من ذلك -يعني عن انتقالها في عدتها- رماها بما في يده". ثم قال ابن حزم: وهذا ساقط؛ لأن روايه عبد الله بن صالح كاتب الليث وهو ضعيف جدًّا.
قلت: لا نسلِّم ذلك؛ لأن يحيى بن معين كان يوثقه، وروى عنه البخاري في الصحيح على الصحيح ولكنه يدلسه فيقول: حدثنا عبد الله. وقال أبو زرعة: لم يكن عندي ممن يتعمد الكذب وكان حسن الحديث، وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه.
ولئن سلَّمنا ما قاله فهذا شعيب بن الليث في طريق الطحاوي تابعه في ذلك. والله أعلم.
ص: وقد أنكرت ذلك أيضًا عائشة ﵂: حدثنا يونس، قال: ثنا أنس بن عياض، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت القاسم بن محمد وسليمان بن يسار تذاكرا، أن يحيى بن سعيد بن العاص طلَّق ابنة عبد الرحمن بن الحكم فانتقلها عبد الرحمن، فأرسلت عائشة إلى مروان وهو أمير المدينة: أن اتق الله واردد المرأة إلى بيتها، فقال مروان -في حديث سليمان-: إن عبد الرحمن غلبني، وقال -في حديث القاسم-: أما بلغك حديث فاطمة بنت قيس؟ فقالت عائشة: لا يضرك ألا تذكر حديث فاطمة بنت قيس: فقال مروان: إن كان بك الشر فحسبك ما بين هذين من الشر".
стр. 5464
ش: أي وقد أنكرت حديث فاطمة بنت قيس عائشة أيضًا كما أنكره عمر وأسامه ﵃.
وأخرجه بإسناد صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن أنس بن عياض بن ضمرة المدني روى له الجماعة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري قاضي المدينة روى له الجماعة ... إلى آخره.
وأخرجه رزين في كتابه من حديث القاسم بن محمد وسليمان بن يسار: "أن يحيى بن سعيد [بن] (١) العاص طلق امرأته ابنة عبد الرحمن بن الحكم ثلاثاً، فانتقلها أبوها، فأرسلت عائشة إلى أخيه مروان -وكان واليًا على المدينة- تقول له: اتق الله وارددها إلى بيتها تعتد فيه؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٢). قال مروان للرسول: قل لها: يقول لكِ: إن عبد الرحمن بن الحكم غلبني -أو قال: إن أباها قد غلبني- وقال: أَوَمَا بلغك شأن فاطمة بنت قيس؟! فقالت عائشة ﵄: لا يضرك ألا تذكر حديثها، فبلغ ذلك مروان فقال: إن كان بك شر فحسب ما بين هذين من الشر، أما لفاطمة ألا تتقي الله في قولها: لا سكنى ولا نفقة؟ ".
قوله: "إن يحيى بن سعيد بن العاص" هو يحيى بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أميَّة القرشي الأموي أبو أيوب -ويقال: أبو الحارث- المدني أخو عمرو بن سعيد الأشدق ذكره محمد بن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة.
قوله: "ابنة عبد الرحمن بن الحكم" هو أخو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، كما جاء في رواية رزين: "فأرسلت عائشة إلى أخيه مروان وكان واليًا على المدينة" وكان عبد الرحمن بن الحكم شاعرًا مجيدًا.
стр. 5465
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن يحيى بن سعيد ... فذكر بإسناده مثله.
ش: أخرجه مالك في "موطإه" (١): عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد وسليمان بن يسار أنه سمعهما يذكران: "أن يحيى بن سعيد بن العاص طلَّق بنت عبد الرحمن بن الحكم البتة، فانتقلها عبد الرحمن بن الحكم، فأرسلت عائشة أم المؤمنين إلى مروان بن الحكم -وهو يومئذٍ أمير المدينة- فقالت: اتق الله واردد المرأة إلى بيتها، فقال مروان -في حديث سليمان-: إن عبد الرحمن غلبني، وقال مروان -في حديث القاسم-: أو ما بلغكِ شأن فاطمة بنت قيس؟ فقالت عائشة ﵂: لا يضرك ألا تذكر حديث فاطمة، فقال مروان: إن كان بك الشر فحسبك ما بين هذين من الشر".
وأخرجه أبو داود (٢) عن القعنبي، عن مالك ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه البخاري (٣) ومسلم (٤) عنه مختصرًا.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه قال: قالت عائشة ﵂: "ما لفاطمة من خير حين تذكر هذا الحديث -تعني قولها: لا نفقة ولا سكنى".
فهذه عائشة ﵂ أيضًا لم تر العمل بحديث فاطمة أيضًا.
ش: إسناده صحيح.
وأخرجه البخاري (٥): [ثنا محمد بن بشار] (٦)، نا غندر، ثنا شعبة، عن
стр. 5466
عبد الرحمن بن القاسم بن محمد، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: "ما لفاطمة، ألا تتقي الله -تعني في قولها: لا سكنى ولا نفقة".
قوله: "فهذه عائشة ... " إلى آخره أراد أن عائشة ﵂ أيضًا لم تر العمل بحديث فاطمة بنت قيس؛ لأن قولها هذا على سبيل الإنكار عليها كما كان عمر وأسامة ﵂ لم يريا العمل به.
وقال القاضي إسماعيل: وإذا كان هذا الإنكار كله وقع في حديث فاطمة بنت قيس، فكيف يجعل أصلاً؟!
ص: وقد صرف ذلك سعيد بن المسيب إلى خلاف المعنى الذي صرفه إليه أهل المقالة الأولى:
حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا أبو معاوية الضرير، عن عمرو بن ميمون، عن أبيه قال: "قلت لسعيد بن المسيب: أين تعتد المطلقة ثلاثًا؟ فقال: في بيتها، فقلت له: أليس قد أمر رسول الله ﵇ فاطمة بنت قيس أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، فقال: تلك امرأة أفتنت الناس واستطالت على أحمائها بلسانها، فأمرها رسول الله ﵇ أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، وكان رجلاً مكفوف البصر".
فكان ما روت فاطمة بنت قيس عن رسول الله ﵇ من قولها: "لا سكنى لك ولانفقة" لا دليل فيه عند سعيد بن المسيب أن لا نفقة للمطلقة ثلاثًا ولا سكنى؛ إذ كان قد صرف ذلك إلى المعنى الذي ذكرناه عنه.
ش: أي قد صرف معنى حديث فاطمة بنت قيس سعيدُ بن المسيب إلى خلاف المعنى الذي صرفه إليه أهل المقالة الأولى الذين قالوا: لا نفقة ولا سكنى للمطلقة ثلاثًا. حاصل ذلك: أن سعيد بن المسيب أيضًا لم يعمل بحديث فاطمة، ألا ترى أنه قال: تعتد في بيتها حين سأله ميمون بن مهران الجزري؟
стр. 5467
أخرجه عن أبي بشر: عبد الملك بن مروان الرقي، عن أبي معاوية محمد بن خازم الضرير روى له الجماعة، عن عمرو بن ميمون أبي عبد الرحمن الرقي روى له الجماعة، عن أبيه ميمون بن مهران أبي أيوب الجزري وثقه النسائي، وقال أحمد: أوثق من عكرمة. وروى له الأربعة.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: ثنا زهير، قال: ثنا جعفر بن برقان، قال: ثنا ميمون بن مهران قال: "قدمت المدينة فدفعت إلى سعيد بن المسيب، فقلت: لفاطمة بنت قيس طلقت فخرجت من بيتها، قال سعيد: تلك امرأة فتنت الناس؛ لأنها كانت لَسِنَة، فوضعت على يدي ابن أم مكتوم الأعمى".
قوله: "أفتنت الناس" وفي رواية أبي داود: "فتنت" بدون الهمزة، وكلاهما لغة، والأكثر بدون الهمزة.
قوله: "على أحمائها" جمع "حم" وهم أقارب الزوج، وأصله حمو، وفي الحديث: "ألا حموها الموت" وفي رواية "ألا إن الحمو الموت" كذا بضم الميم وسكون الواو، وهذا كما قال: الأسد: الموت، أي في لقائه الموت، أو لقاؤه مثل الموت لما فيه من الغرر المؤدي إلى الموت، وكذلك الخلوة بالحمو وقيل: معناه: فليمت ولا يفعله، وقيل: لعله إنما قال: "الحمو الموت" لما فيه من أحرف الموت؛ فإن فيه الحاء والميم، وهما من الحِمَام الذي هو الموت، وهو ضعيف، والآخال: أقارب المرأة، والصهر تجمع الأصهار والأختان.
قوله: "فكان مما روت فاطمة ... " بلى آخره تفسير لقوله: "وقد صرف ذلك سعيد بن المسيب ... " إلى آخره.
وقوله: "لا دليل فيه" خبر كان.
стр. 5468
قوله: "إذا كان قد صرف" أي حين كان سعيد بن المسيب صرف ذلك أي معنى حديث فاطمة إلى المعنى الذي ذكرناه عنه، وهو قوله: "تلك امرأة أفتنت الناس" وإنما قال: هذا حين عارضه ميمون بن مهران بحديث فاطمة بنت قيس حين قال له سعيد بن المسيب: "تعتد في بيتها" وأراد أن السبب في أمر رسول الله ﵇ فاطمة بالانتقال إلى بيت ابن أم مكتوم إنما كان لكونها قد استطالت بلسانها على أحمائها، فأمرها بالانتقال؛ فأمرها بالنقلة لأنها كانت لَسِنة أي طويلة اللسان، وقال الله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (١). وقد روي عن ابن عباس ﵁ في تأويله: أن تستطيل على أهلها فيخرجوها، ولما كان سبب النقلة من جهتها؛ كانت بمنزله الناشزة، فسقطت نفقتها وسكناها جميعًا، فكانت العلة الموجبة لإسقاط النفقة هي الموجبة لإسقاط السكنى.
فإن قيل: ليست النفقة كالسكنى، لأن السكنى حق الله تعالى لا يجوز تراضيهما على إسقاطها، والنفقة حق لها ولو رضيت بإسقاطها لسقطت.
قلت: لا فرق بينهما من الوجه الذي وجب قياسًا عليها، وذلك أن السكنى فيها معنيان:
أحدهما: حق الله تعالى؛ وهو كونها في بيت الزوج.
والآخر: حق لها وهو ما يلزم في المال من أجرة البيت إن لم يكن له، ولو رضيت بأن تعطي هي الأجرة من مالها وتسقطها عن الزوج جاز فمن حيث نفي حق في المال قد استويا.
فإن قيل: قال ابن حزم: هذا مرسل، لا ندري مَنْ أخبر سعيد بن المسيب فهو ساقط.
قلت: اعتراض ابن حزم ساقط؛ لأن مراسيل سعيد بن المسيب كلها صحاح ومراسيله مسانيد، وقال شمس الأئمة: والحسن وسعيد بن المسيب وغيرها من أئمة
стр. 5469
التابعين كان كثيرًا ما يروون مرسلاً، حتى قال: أكثر ما رواه سعيد بن المسيب مرسلاً إنما سمعه من عمر بن الخطاب ﵁؛ ولهذا قال عيسى بن أبان: المرسل أقوى من المسند؛ لأن من اشتهر عنده حديث فإن سمعه بطرق طوى الإسناد؛ لوضوح الطريق عنده وقطع الشهادة بقوله: قال رسول الله ﷺ ، وإذا سمعه بطريق واحد لا يتضح الأمر عنده على وجه لا يبقى له فيه شبهة، فيذكره مسندًا على قصد أن يحمله ما تحمل عنه.
وقال الشافعي: لا أقبل من المراسيل إلا مراسيل سعيد بن المسيب فإني تتبعتها ووجدتها مسانيد.
فإن قيل: فعلى ما ذكرت ينبغي أن يجوز النسخ بالمراسيل كما يجوز من الإخبار بالمشهور عندكم.
قلت: إنما لم نجوِّز ذلك؛ لأن قوة المرسل من هذا الوجه بنوع من الاجتهاد، فيكون نظير قوة ما ثبت بطريق القياس، والنسخ بمثله لا يجوز.
ص: وقد حدثنا نصر بن مرزوق وابن أبي داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن: أن فاطمة بنت قيس أخبرته، أن رسول الله ﵇ قال: "اعتدي في بيت ابن أم مكتوم، فأنكر الناس عليها ما كانت تحدث به من خروجها قبل أن تحل".
فهذا أبو سلمة يخبر أيضًا أن الناس قد أنكروا ذلك على فاطمة، وفيهم أصحاب رسول الله ﵇ ومن لحق بها من التابعين؛ فقد أنكر عمر وأسامة وسعيد بن المسيب مع من سمَّينا معهم حديث فاطمة بنت قيس هذا، ولم يعملوا به، وذلك من عمر بن الخطاب ﵁ بحضرة أصحاب رسول الله ﵇ فلم ينكر ذلك عليه منكِرٌ، فدلَّ تركهم النكير في ذلك عليه؛ أن مذهبهم فيه كمذهبه.
стр. 5470
ش: أشار بهذا إلى أن أبا سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف المدني الذي هو أيضًا من كبار التابعين، قد أخبر إنكار الناس على فاطمة ما قالت، وقولها ذلك، والحال أن فيهم جماعة من الصحابة والتابعين.
أخرجه عن نصر بن مرزوق وإبراهيم بن أبي داود البرلسي، كلاهما عن عبد الله ابن صالح شيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن عُقيل -بضم العين- بن خالد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي سلمة.
وأخرجه البيهقي (١) من حديث الليث، عن عقيل ... إلى آخره نحوه.
وقد ذكرنا فيما مضى قوله: "فقد أنكر عمر وأسامة وسعيد بن المسيب ﵃ ... " إلى آخره. يعني إذا كان الأمر كذلك فقد أنكر مثل عمر بن الخطاب وأسامة بن زيد من الصحابة ومثل سعيد بن المسيب من التابعين حديث فاطمة بنت قيس المذكور ولم يعملوا به.
والحال أن إنكار عمر ﵁ كان بحضرة الصحابة ﵃ فلم ينكر عليه أحد منهم ذلك، فدلَّ ذلك أن مذهبهم في هذا الحكم كمذهب عمر ﵁؛ فصار كالإجماع بينهم على ذلك.
ص: فقال الذين ذهبوا إلى حديث فاطمة وعملوا به: إن عمر ﵁ إنما أنكر ذلك عليها؛ لأنها خالفت عنده كتاب الله، يريد قول الله : ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٢)؛ فهذا إنما هو في المطلقة طلاقًا لزوجها عليها فيه الرجعة، وفاطمة كانت مبتوتة لا رجعة لزوجها عليها، وقد قالت: إن رسول الله ﵇ قال لها: "إن النفقة والسكنى لمن كانت عليه الرجعه" فما ذكر الله في كتابه من ذلك إنما هو في المطلقة التي لزوجها عليها الرجعة، وفاطمة فلم تكن عليها رجعة، فما روي من
стр. 5471
ذلك فلا يدفعه كتاب الله ولا سنة نبيه ﵇، وقد تابعها على ذلك منهم عبد الله بن عباس والحسن.
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس (ح).
وحدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: أنا يونس، عن الحسن: "أنهما كانا يقولان في المطلقة ثلاثًا والمتوفى عنها: لا نفقة لهما، وتعتدان حيث شاءتا".
قالوا: وإن كان عمر وعائشة وأسامة قد أنكروا على فاطمة ما روت عن النبي ﵇ وقالوا بخلافه؛ فهذا ابن عباس قد وافقها على ما روت في ذلك، فعمل به، وتابعه على ذلك الحسن ﵀.
ش: هذا إيراد ومعارضة بالمثل:
بيان الأول: أن إنكار عمر ﵁ على فاطمة، لكونها خالفت عنده كتاب الله وهو قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (١) فهذا في حق المطلقة الرجعية، وفاطمة لم تكن كذلك، إنما كانت مبانة، فلا يدفع كتاب الله ما روته في ذلك ولا سنة النبي ﵇.
وبيان الثاني: أن يقال: إنكم إذا ادعيتم مخالفة عمر وعائشة وأسامة ﵃ لفاطمة بنت قيس، فيما روته عن النبي ﵇ وعملهم بخلافه، فنحن أيضًا ندعي موافقة عبد الله بن عباس والحسن البصري إياها فيما روته عن النبي ﵇ وعملهما به، وهو معنى قوله: "قالوا: وإن كان عمر ... " إلى آخره.
وأخرج ذلك عن ابن عباس، من طريق صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن الحجاج بن أرطاة النخعي، فيه مقال؛ فقال الدارقطني: لا يحتج به.
стр. 5472
عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس.
وأخرج عن الحسن من طريق عن صالح أيضًا، عن سعيد بن منصور أيضًا، عن هشيم بن بشير أيضًا، عن يونس بن عبيد بن دينار البصري، روى له الجماعة، عن الحسن البصري.
وأخرجهما البيهقي في "سننه" (١).
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): نا ابن علية، عن أيوب، عن عكرمة والحسن، قال: سمعتهما يقولان في المطلقة ثلاثًا والمتوفى عنها زوجها: "ليس لهما سكنى ولا نفقة".
ص: فكان من حجتنا على أهل هذه المقالة أن ما أخذ به عمر ﵁ في دفع حديث فاطمة حجة صحيحة؛ وذلك أن الله ؛ قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٣) ثم قال: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٣). وأجمعوا أن ذلك الأمر هو المراجعة، ثم قال: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ (٤)، ثم قال: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ (٣)، يريد في العدة، فكانت المرأة إذا طلقها زوجها اثنتين للسنة على ما أمره الله ثم راجعها ثم طلقها أخرى للسنة حرمت عليه ووجبت عليها العدة التي جعل الله لها فيها السكنى وأمرها فيها أن لا تخرج، وأمر الزوج أن لا يخرجها، ولم يفرق الله دين هذه المطلقة للسنة التي لا رجعة عليها وبين المطلقة للسنة التي عليها الرجعة، فلما جاءت فاطمة بنت قيس فروت عن النبي ﵇ أنه قال لها: "إنما السكنى والنفقة لمن كانت عليها الرجعة؛ خالفت بذلك كتاب الله نصًّا؛ لأن كتاب الله تعالى قد جعل السكنى لمن لا رجعة عليها، وخالفت سنة رسول الله ﵇؛ لأن عمر ﵁
стр. 5473
قد روى عن رسول الله ﵇ خلاف ما روت فخرج المعنى الذي منه أنكر عليها عمر ما أنكر؛ خروجًا صحيحًا؛ وبطل حديث فاطمة، فلم يجب العمل به أصلاً لما ذكرنا وبيَّنا.
ش: هذا جواب عن الإيراد والمعارضة المذكورين، تقريره: أن الله تعالى قال: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٢) بعد قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١)، وأجمعوا أن المراد من ذلك الأمر هو المراجعة، والمعنى أنه يحدث له ندم فلا ينفعه؛ لأنه قد طلق ثلاثًا، وفي غير الثلاث يبدو له فيراجعها، ثم قال: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ (١) وهو يشتمل البائن والرجعي؛ لأن قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١) قد تضمن البائن، ثم قال: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٢) وجب ذلك للجميع من البائن والرجعي، ثم قال: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ (٢) فيه نهي للزوج عن إخراجها، ونهي لها عن الخروج، وفيه دليل على وجوب السكنى لها ما دامت في العدة؛ لأن بيوتهن التي نهى الله عن إخراجهن منها هي البيوت التي كانت تسكنها قبل الطلاق، فأمر بتبقيتها في بيتها ونسبها إليها بالسكنى كما قال: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ وإنما كانت البيوت للنبي ﵇، ولهذه الآية قال أصحابنا: لا يجوز له أن يسافر بها حتى يشُهد على رجعتها، ومنعوها من السفر في العدة، ثم إن الله تعالى لم يفرق في ذلك بين المطلقة التي لا رجعة عليها وبين المطلقة التي عليها الرجعة، وقد تضمنت الآية الدلالة على وجوب نفقة المبتوتة من ثلاثة أوجه:
أحدها: السكنى لما كانت حقًّا في مال قد أوجبها الله بنص الكتاب، إذ كانت الآية قد تناولت المبتوتة والرجعية، فقد اقتضى ذلك وجوب النفقة إذ كانت السكنى حقًّا في مال وهي بعض النفقة.
стр. 5474
والثاني: قوله: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾ (١) والمضارة تقع في النفقة كهي في السكنى.
والثالث: قوله: ﴿لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ (١) والتضييق قد يكون في النفقة أيضًا، فعليه أن ينفق عليها ولا يضيق عليها فيها، فإذا كان الأمر كذلك، فقد جاءت فاطمة بنت قيس فروت عن النبي ﵇ أنه قال لها: "إنما السكنى والنفقة لمن كانت عليها الرجعة، فقد خالفت بذلك الكتاب والسنة، أما الكتاب فقد قلنا: إنه جعل السكنى لمن لا رجعة عليها، وأما السنة فلأن عمر ﵁ قد روى عن النبي ﵇ خلاف ما روت هي، حيث قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "لها السكنى والنفقة" أي للمبتوتة، وقد مرَّ ذكره فيما مضى، وكذلك روى جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﵇ قال: "المطلقة ثلاثًا لها السكنى والنفقة".
رواه الدارقطني من حديث حرب بن أبي العالية، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﵇، وحرب بن أبي العالية حديثه في صحيح مسلم.
وأخرج له أيضًا الحاكم في "مستدركه" ويكفيه توثيقًا رواية مسلم له، فإذا ثبت هذا؛ ظهر أن ما أنكر عليها عمر ﵁ هو إنكار صحيح وبطل بذلك حديث فاطمة، فلم يجب العمل به أصلاً، ولا يعمل به إلا مَنْ خالف الكتاب والسنة، والله أعلم.
ص: فقال قائل: لم يجيء تخليط حديث فاطمة إلا مما رواه الشعبي عنها، وذلك أنه هو الذي روى عنها: "أن رسول الله ﵇ لم يجعل لها السكنى ولا النفقة".
قال: وليس ذلك في حديث أصحابنا الحجازيين، فأغفل في ذلك أو ذهل عنه؛ لأنه لم يرو ما في هذا الباب بكماله كما رواه غيره، فتوهم هو أنه جمع كل ما روي في هذا الباب فتكلم على ذلك فقال: ما حكينا عنه مما وصفنا، وليس كما توهم؛ لأن الشعبي أضبط مما يظن وأوثق وأتقن، وقد وافقه على ما روى من قد ذكرنا في أول هذا الباب ما يغنينا ذلك عن إعادته في هذا الموضع، ويقال: إن حديث مالك عن عبد الله بن يزيد الذي لم يذكر فيه "لا سكنى لك" قد رواه الليث بن سعد، عن
стр. 5475
عبد الله بن يزيد، عن أبي سلمة، عن فاطمة، بمثل ما رواه الشعبي عنها، فما جاء عن الشعبي في هذا تخليط، وإنما جاء التخليط ممن روى عن أبي سلمة عن فاطمة فحذف بعض ما فيه وجاء ببعض، فأما أصل الحديث فكما رواه الشعبيي ﵀.
ش: أراد بهذا القائل الشافعي: فإن عنده المبتوتة لها السكنى وليست لها النفقة إلا إذا كانت حاملاً، فلأجل هذا قال: لم يجئ تخليط حديث فاطمة بنت قيس من رواية الشعبي؛ انما قال كذلك لأن رواية الشعبي عن فاطمة تخبر بأن المبتوتة ليس لها السكنى ولا النفقة فهي في الظاهر حجة عليه لكونه يرى لها السكنى دون النفقة، ويرى لها النفقة أيضًا إذا كانت حاملاً، وقد سرد الطحاوي هذا الكلام مفسرًا في كتابه "الأحكام" حيث قال: وذكر الشافعي فيما ذكره لنا الربيع عنه هذا، وأن معنى حديث فاطمة الذي ذكرنا يرجع إلى المعنى الذي كان يذهب إليه في المطلقات المبتوتات غير الحوامل؛ لا نفقة لهن في عددهن على من طلقهن، وأن لهن السكنى عليهم إلى انقضاء عددهن، وقال: قول رسول الله ﵇ لفاطمة في حديثها الذي ذكرناه يعني حديث مالك، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي سلمة، عن فاطمة: "لا نفقة لك" أي لأنك غير حامل، وانتقلي إلى بيت ابن أم مكتوم لبذائك الذي صرت به من أهل الفاحشة التي أباح الله بها إخراج المطلقات اللاتي تكون منهن، فقال: وإنما جاء تخليط هذا الحديث عن فاطمة غير ما رواه عنها الشعبي، لأنه روى عنها أن رسول الله ﵇ قال: "لا نفقة لك ولا سكنى"، وأما ما روى عنها الحجازيون فموافق لقولنا وغير خارج عن مذهبنا الذي ذكرناه، يعني أن لها السكنى دون النفقة.
قال الطحاوي: ولم يكن القول في ذلك كما ذكر، ولا كان أصل حديث فاطمة إلا كما رواه الشعبي عنها؛ لإتقانه وضبطه ولفضل حفظه، ولتقدمه في العلم وعلو مرتبته فيه، ولأنه قد وافقه على ذلك غير واحد من أهل الحجاز منهم: عبد الله بن عبد الله وقبيصة ومحمد بن عبد الرحمن وأبو سلمة فقد وافقه
стр. 5476
على ذلك إلا أن مالكًا وإن كان لم يرو ذلك إلا عن عبد الله عن أبي سلمة إلا كما أشرنا إليه وكما ذكرناه عنه، فإن الليث قد رواه عنه عن عبد الله عن أبي سلمة كما رواه الشعبي عن فاطمة سواء، ووافقه على ذلك يحيى بن أبي كثير مع جلالته وعلمه وفضل حفظه وإتقانه وعلو مرتبته، حتى لقد قال أيوب السختياني فيه ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المنقري، قال: ثنا وهيب بن خالد، قال: سمعت أيوب السختياني فيه يقول: "ما بقي على وجه الأرض مثل يحيى بن أبي كثير" فقدمه على الناس جميعًا.
ووافق يحيى على ذلك الحارث بن عبد الرحمن خال: ابن أبي ذئب -وهو رجل من أهل العلم صحيح الرواية- فروى عن أم سلمة عن فاطمة عن رسول الله ﵇ في هذا الباب مثل الذي رواه الشعبي، عن فاطمة، عن رسول الله ﵇ فيه.
قوله: "وليس كما توهم". أي هذا القائل، والباقي ظاهر.
ص: وكان من قول هذا المخالف أيضًا أن قال: ولو كان أصل حديث فاطمة كما رواه الشعبي لكان موافقًا لمذهبنا أيضًا؛ لأن معنى قوله: "لا نفقة لك" لأنك غير حامل، "ولا سكنى لك" لأنك بذية، والبذاء هو الفاحشة التي قال الله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (١) وذكر في ذلك ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا سليمان بن بلال، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أنه سئل عن قوله: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (١) فقال: الفاحشة المبينة أن تفحش على أهل الرجل وتؤذيهم".
قال: ففاطمة حرمت السكنى ببذائها، والنفقة لأنها غير حامل. قال: وهذا حجة لنا في قولنا: إن المبتوتة لا تجب لها النفقة إلا أن تكون حاملاً.
стр. 5477
ش: أراد من المخالف هذا هو الشافعي؛ لأنه أشار به إلى القائل في قوله: "فقال قائل" وكان المراد من هذا القائل هو الشافعي.
وتحقيق هذا الكلام أن الشافعي أجاب في كتبه حين اعترض عليه بأن استدلالك بحديث فاطمة بنت قيس على ما ذهبت إليه من وجوب السكنى دون النفقة للمبتوتة؛ ليس بحجة لك وإنما هو حجة عليك؛ لأن فيه عدم وجوب السكنى والنفقة جميعًا، وأنت أوجبت السكن دون النفقة، وفيه عدم النفقة للمبتوتة مطلقًا وأنت قلت: إذا كانت حاملًا فلها النفقة بجوابين:
أحدهما: بطريق المنع، وهو قوله: لم يجئ تخليط حديث فاطمة إلا مما رواه الشعبي، وقد ردَّه الطحاوي كما ذكرناه.
والآخر: بطريق التسليم، وهو أنه قال: ولئن سلَّمنا أن أصل الحديث مثل ما رواه الشعبي فهو أيضًا موأفق لمذهبنا؛ لأن معنى قوله: "لا نفقة لك" إلى آخره. فهذا جواب بعد التسليم بهذا التأويل الذي ذكره، وهو ظاهر.
وقوله: "بذية" أي في لسانها فحش، يقال فلان بذئ اللسان إذا كان في قوله فحش، والبذاء -بفتح الباء وبالمد- مصدر، من قولك: بذوت على القوم وأبذيت بذاءً.
وقال الشافعي: والبذاء هو الفاحشة التي قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (١) واستدل على ذلك بما روي عن ابن عباس: "الفاحشة المبينة أن تفحش على أهل الرجل وتؤذيهم" رواه الشافعي في كتبه (٢).
وأخرجه الطحاوي عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن سليمان بن بلال القرشي المدني، عن عمرو بن أبي عمرو ميسرة المخزومي المدني مولى المطلب، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس.
стр. 5478
وأخرجه البيهقي (١) من حديث سليمان بن بلال ... إلى آخره.
وقال: قال الشافعي: سنة رسول الله ﵇ في حديث فاطمة يدل على ما تأول ابن عباس، وهو البذاء.
ص: قيل له: لو خُرِّج معنى حديث فاطمة من حيث ذكرت لوقع الوهم على عمر وعائشة وأسامة ﵃، ومن أنكر ذلك على فاطمة معهم، وقد كان ينبغي أن يُنزل أمرهم على الصواب حتى يعلم يقينًا ما سوى ذلك، فكيف ولو صَحَّ حديث فاطمة لكان قد يجوز أن يكون معناه على غير ما حملته أنت عليه؛ وذلك أنه قد يجوز أن يكون النبي ﵇ حرمها السكنى لبذائها كما ذكرت ورأى أن ذلك هو الفاحشة التي قال الله .
وحرمها النفقة لنشوزها ببذائها التي خرجت به من بيت زوجها؛ لأن المطلقة لو خرجت من بيت زوجها في عدتها لم تجب لها نفقة حتى ترجع إلي منزله، فكذلك فاطمة منعت من النفقة لنشوزها الذي به خرجت من منزل زوجها، فهذا معنىً قد يجوز أن يكون النبي ﵇ أراده إن كان حديث فاطمة صحيحًا، وقد يجوز أن يكون أراد ما وصفت أنت، وقد يجوز أن يكون أراد معنىً غير هذين مما لا يبلغه علمنا، ولا نحكم على رسول الله ﵇ أنه أراد في ذلك معنى بعينه دون معنى، كما حكمت أنت عليه؛ لأن القول عليه بالظن حرام كما القول بالظن على الله حرام، وقد روي عن ابن عمر ﵄ في الفاحشة المبينة غير ما قال ابن عباس:
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: "قال في قول الله ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٢) قال: خروجها من بيتها فاحشة مبينة".
стр. 5479
وقد قال آخرون: إن الفاحشة المبينة أن تزني فتخرج ليقام عليها الحد، فمن جعل لك أن تثبت ما روي عن ابن عباس في تأويل هذه الآية، وتحتج به على مخالفك وتدع ما قال ابن عمر؟!
ش: أي قيل لهذا المخالف، وأراد به الجواب عن ما قاله الشافعي وهو ظاهر.
وأبين من ذلك ما قال الطحاوي في كتابه "الأحكام": فأما ما ذهب إليه الشافعي من إبطال النفقة على فاطمة؛ لأنها كانت غير ذات حمل فإنما تأول ذلك في حديثها ولم نجده منصوصًا وقد تأوله غيره على غير ما تأوله عليه، فتأوله على أنها إنما منعت بالبذاء الذي كان فيها الواجب به عليها الخروج من منزلها، وصار ذلك بالخروج الذي لزمها بالعمل الذي كان منها نشوزًا، فحرمت النفقة بذلك النشوز، كما نقول في المطلقة المستحقة للنفقة إذا نشزت بالخروج من منزل زوجها: لم يكن لها عليه نفقة ما كانت كذلك.
فلم يكن أحد التأويلن اللذين ذكرناهما في حديث فاطمة أولى من الآخر به.
ثم عدنا إلى النفقة على المطلقات الحوامل اللاتي لا رجعة عليهن لمن طلقهن فقال: قائلون من أهل العلم: أمره إلى أولات الأحمال بالإنفاق عليهن إذ كُنَّ كذلك؛ دليل على أنهن إذا لم يَكُنَّ كذلك فلا نفقة لهن.
فإن قيل: قول الطحاوي: فإنما ذلك تأويل في حديثها ولم نجده منصوصًا؛ فيه نظر؛ لأن عبد الرازق روى في "مصنفه " (١): عن معمر، عن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: لا أرسل مروان قبيصة بن ذؤيب إلى فاطمة بنت قيس يسألها، فأخبرته أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص المخزومي ... " فذكر الحديث، "وأنه طلقها ثلاث تطليقات إذ خرج إلى اليمن مع علي بن أبي طالب ﵁، وأن عياش بن أبي ربيعة والحارث بن هشام قالا: والله ما
стр. 5480
لها نفقة إلا أن تكون حاملاً، فذكرت ذلك لرسول الله ﵇ فقال: لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملاً، واستأذنته في الانتقال فأذن لها".
قلت: قال ابن حزم: هذه اللفظة: "إلا أن تكوني حاملًا" لم تأت إلا من هذه الطريق، ولم يذكرها أحد ممن روى هذا الخبر عن فاطمة غير قبيصة، وعلة هذا الخبر أنه منقطع، لم يسمعه عبيد الله بن عبد الله لا من قبيصة ولا من مروان، فلا ندري ممن سمعه، ولا حجة في منقطع.
قوله: "فهذا معنىً قد يجوز" أشار به إلى ما ذكره من قوله: فكذلك فاطمة منعت من النفقة لنشوزها الذي خرجت به من منزل زوجها.
قوله: "ما وصفت أنت" خطاب للشافعي، وحاصله أن هذا الحديث يحتمل معاني كثيرة، وتعيين الشافعي المعنى الذي أوله تَحَكُّم؛ لأنه ترجيح بلا مرجح.
فإن قيل: حديث ابن عباس الذي ذكره هو الذي يرجح ما ذكره.
قلت: منع الطحاوي ذلك بقوله: "وقد روي عن ابن عمر في الفاحشة المبينة غير ما قال" أي غير ما قال هذا المخالف وهو الشافعي ﵀، يعني إذا رجحت تأويلك بما رويته عن ابن عباس من تفسير الفاحشة المبينة، نعارضك بما روي عن عبد الله بن عمر أنه قال: "الفاحشة المبينة هي خروجها من بيتها".
أخرجه بإسناد صحيح عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال الأنماطي شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن موسى بن عقبة بن أبي عياش القرشي المدني، روى له الجماعة -عن نافع، عن ابن عمر ﵄.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة،
عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر في قول الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ
стр. 5481
بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (١) قال: "خروجها من بيتها فاحشة".
قوله: "فمن جعل لك ... " إلى آخره. إشارة إلى أن ترجيح الشافعي ما تأوله بما روي عن ابن عباس، وترك ما روي عن ابن عمر أيضًا تحكم؛ لأن ترجيح أحد المتعارضين على الآخر بلا مرجح لا يسمع على أنه قد روي عن [غيرهما] (٢) أيضًا في تفسير الفاحشة غير ما ذكراه، أشار إليه بقوله: "قال آخرون" أي جماعة آخرون وهم: الحسن البصري وزيد بن أسلم وحماد بن أبي سليمان؛ فإنهم قالوا: إن الفاحشة المبينة: أن تزني المعتدة فتخرج ليقام عليها الحدّ.
وقتادة؛ فإنه قال: هي النشوز، فإذا فعلت حلَّ إخراجها.
والضحاك فإنه قال: هي عصيان الزوج.
والطبري فإنه قال: هي كل معصية.
ص: وقد روي عن فاطمة بنت قيس في حديثها معنىً غير ما ذكرنا؛ وذلك أن أبا شعيب البصري صالح بن شعيب حدثنا، قال: ثنا محمد بن المثنى الزَّمن، قال: ثنا حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن فاطمة بنت قيس قالت: "قلت: يا رسول الله، إن زوجي طلقني وهو يريد أن يقتحم عليَّ، فقال: انتقلي عنه".
فهذه فاطمة تخبر في هذا الحديث أن رسول الله ﵇ إنما أمرها أن تنتقل حين خافت زوجها.
ش: أشار بهذا إلى أنه قد روي في سبب انتقال فاطمة بنت قيس من بيتها في عدتها، وفي قوله ﵇: "لا سكنى لك" معنىً غير المعاني المذكورة، وهو أن زوجها كان يريد أن يقتحم عليها، فأعلمت بذلك رسول الله ﵇ فأمرها بالانتقال خوفًا عليها من اقتحام زوجها عليها، أي من دخوله عليها.
стр. 5482
يقال: اقتحم النهر أي دخله، ويقال: اقتحم الإنسان الأمر العظيم وتقحمه إذا رمى بنفسه فيه من غير رَوِيَّة وتثبت.
وأخرج الحديث المذكور بإسناد صحيح، عن صالح بن شعيب بن أبان الزاهد البصري نزيل مصر، عن محمد بن المثنى بن عبيد الحافظ المعروف بالزَّمِن شيخ الجماعة، عن حفص بن غياث ... إلى آخره.
وأخرجه مسلم (١) عن محمد بن مثنى، قال: ثنا حفص بن غياث، قال: ثنا هشام، عن أبيه، عن فاطمة بنت قيس قالت: "قلت: يا رسول الله، زوجي طلقني ثلاثًا وأخاف أن يقتحم عليَّ، قال: فأمرها فتحولت".
قال ابن حزم (٢): قوله: "فأمرها فتحولت" ليس من كلام النبي ﵇ ولا من كلام فاطمة؛ لأن نصّه: "قال: فأمرها فتحولت" يصح أنه من كلام عروة، ولا يخلو هذا الخبر من أن يكون لم يسمعه عروة عن فاطمة فيكون مرسلاً، ويوضح ذلك أنه حدثنا به يونس بن عبد الله بن مغيث، قال: ثنا محمد بن أحمد بن خالد، ثنا أبي، نا محمد بن وضاح، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، عن حفص بن غياث، عن هشام ابن عروة، عن أبيه قال: "قالت فاطمة بنت قيس: يا رسول الله، إني أخاف أن يقتحم عليَّ، فأمرها أن تتحول".
فإن كان هذا هو أصل هذا الخبر فهو منقطع، ولا حجة في منقطع.
أو يكون عروة سمعه من فاطمة فلا حجة فيه أيضًا؛ لأنه ليس فيه أن رسول الله ﵇ قال: إنما آمرك بالتحول من أجل خوفك أن يقتحم عليك، وإذا لم يقل ﵇ هذا فليس يحل لمسلم يخاف النار أن يقول أنه ﵇ إنما أمرها بالتحول من أجل ذلك؛ لأنه إخبار عن النبي ﵇ بما لم يخبر به عن نفسه.
стр. 5483
قلت: كل ما ذكره تنقضه رواية الطحاوي؛ لأنه صرَّح فيها بأنه ﵇ قال لها: "انتقلي" فافهم.
ص: فقال قائل: وكيف يجوز هذا وفي بعض ما قد رويت في هذ الباب أنه طلقها وهو غائب -أو طلقها ثم غاب- فخاصمت ابن عمه في نفقتها، وفي هذا أنها كانت تخافه، فأحد الخبرين يخبر أنه كان غائبًا، والخبر الآخر يخبر أنه كان حاضرًا فقد تضاد هذان الخبران؟
قيل له: ما تضادَّا؛ لأنه قد يجوز أن تكون فاطمة لمَّا طلقها زوجها خافته على الهجوم عليها، فسالت النبي ﵇ فأفتاها بالنقلى، ثم غاب بعد ذلك ووكل ابن عمِّه بنفقتها، فخاصمت حينئذٍ في النفقة وهو غائب، فقال لها رسول الله ﵇: "لا سكنى لكِ ولا نفقة" فاتفق معنى حديث عروة هذا ومعنى حديث الشعبي وأبي سلمة ومَنْ وافقهما على ذلك عن فاطمة.
فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إن حديث هشام بن عروة يخبر أن زوج فاطمة بنت قيس قد طلقها وهو حاضر، وفي حديث الشعبي وأبي سلمة وغيرهما أنه طلقها وهو غائب، وبين الخبرين تضاد.
والجواب ظاهر، وحاصله أنه طلقها وهو حاضر ثم غاب، والدليل عليه رواية أبي الزبير المكي "أنه سأل عبد الحميد بن عبد الله بن أبي عمرو بن حفص عن طلاق جده أبي عمرو فاطمة بنت قيس، فقال له عبد الحميد: طلقها البتة ثم خرج إلى اليمن"، فهذا صريح في أنه طلقها وهو حاضر ثم سافر بعد الطلاق، بل رواية داود بن أبي هند وسيار ومجالد عن الشعبي تنوه بأنه إنما سافر بعد الطلاق، وبعد مخاصمة فاطمة إياه إلى رسول الله ﵇ حيث صرح الشعبي في روايته وقال: "دخلت على فاطمة بنت قيس بالمدينة فسألتها عن قضاء رسول الله ﵇ عليها فقالت: طلقني زوجي البتة، فخاصمته إلى رسول الله ﵇ في السكنى والنفقة".
стр. 5484
فإن قيل: قد صرح بذلك في رواية بأنه طلقها وهو غائب، حيث قال مالك عن عبد الله بن يزيد، عن أبي سلمة، عن فاطمة بنت قيس: "أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب فأرسل إليها وكيله بشعير ... " الحديث.
قلت: قوله: "وهو غائب" جملة اسمية وقعت حالًا، ولكنها من الأحوال المنتظرة، تقديره: طلقها البتة والحال أنه يريد الغياب في السفر لا أنه طلقها وهو غائب حقيقة، ونظير هذه الحال نظير قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ في قوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ (١) ما يريد الدخول ما كانوا محلقين، وإنما معناه: مقدرين التحليق، فكذلك ها هنا معناه: طلقها وهو مقدر السفر والغياب، ولولا هذا التقدير لم يندفع التعارض. فافهم.
قوله: "ووكل ابن عمه" أي وكل زوج فاطمة وهو أبو عمرو بن حفص بن عمر ابن عمه وهو عياش بن أبي ربيعة المخزومي ﵁.
ص: وأما وجه ذلك من طريق النظر: فإنا قد رأيناهم أجمعوا أن المطلقة طلاقًا بائنًا وهي حامل من زوجها أن لها النفقة على زوجها، وبذلك حكم الله لها في كتابه فقال: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢)، فاحتمل أن تكون تلك النفقة جعلت على المطلق؛ لأنه يكون عنها ما يغذي الصبي في بطن أمه، فيجب ذلك عليه لولده كما يجب عليه أن يغذيه في حال رضاعه بالنفقة على من ترضعه وتوصل الغذاء إليه، ثم يغذيه بعد ذلك بما يغذى به مثله من الطعام والشراب، فيحتمل أيضًا إذا كان حملا في بطن أمه أن يجب على أبيه غذاؤه بما يغذى به مثله في حاله تلك من النفقة على أمه؛ لأن ذلك يوصل الغذاء إليه.
ويحتمل أن تكون تلك النفقة إنما جعلت للمطلقة خاصة لعلة العدة لا لعلة الولد الذي في بطنها، فإن كانت النفقة على الحامل إنما جعلت لها لمعنى العدة؛ ثبت قول الذين قالوا: للمبتوتة النفقة والسكنى حاملاً كانت أو غير حامل.
стр. 5485
وإن كانت العلة التي لها وجبت النفقة هي الولد فإن ذلك لا يدل على أن النفقة واجبة لغير الحامل، فاعتبرنا ذلك لنعلم كيف الوجه فيما أشكل من ذلك، فرأينا الرجل يجب عليه أن ينفق على ابنه الصغير في رضاعه حتى يستغنى عن ذلك، وينفق عليه بعد ذلك ما ينفق على مثله ما كان الصبي محتاجًا إلى ذلك، فإن كان غنيًّا بمال له قد ورثه من أمه أو قد ملكه بوجه سوى ذلك من هبة أو غيرها لم يجب على أبيه أن ينفق عليه من ماله، وأنفق عليه مما ورث أو مما وهب له، فكان إنما ينفق عليه من ماله لحاجته إلى ذلك، فإذا ارتفع ذلك لم يجب عليه الإنفاق عليه من ماله، ولو أنفق عليه الأب من ماله على أنه فقير إلى ذلك بحكم القاضي له عليه، ثم علم أن الصبي قد كان وجه له مال قبل ذلك بميراث أو غيره، كان للأب أن يرجع بذلك المال الذي أنفقه في مال الصبي الذي وجب له بالوجه الذي ذكرنا.
وكان الرجل إذا طلق امرأته وهي حامل، فحكم القاضي لها عليه بالنفقة فأنفق عليها حتى وضعت ولدًا حيًّا وقد كان له أخ من أمه مات قبل ذلك فورثه الولد وأمه حامل به لم يكن للأب -في قولهم جيعًا- أن يرجع على ابنه بما كان أنفق على أمه بحكم القاضي لها عليه بذلك إذا كانت حاملًا به، فثبت بذلك أن النفقة على المطلقة الحامل هي لعلة العدة التي هي فيها من الذي طلقها، لا لعلة ما هي به حامل منه.
فلما كان ما ذكرناه ثبت أن كل معتدة من طلاق فلها من النفقة مثل ما للمعتدة من الطلاق إذا كانت حاملًا قياسًا ونظرًا على ما ذكرناه مما وصفنا وبيَّنا، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي: وأما وجه هذا الباب من طريق النظر والقياس، وهو ظاهر حاصله: أن المطلقة إذا كانت حاملاً تجب لها عليه النفقة بنص القرآن ولكن لا يخلو من أن تكون مستحقة للحمل أو لأنها محبوسة عليه في بيته؛ فلو كانت مستحقة للحمل لوجب أنه إذا كان للحمل مال أن ينفق عليها من ماله كما أن نفقة الصغير في مال نفسه.
стр. 5486
فلما اتفق الجميع على أن الحمل لو كان له مال كانت نفقة أمه على الزوج لا في مال الحمل؛ دل على أن وجوب النفقة متعلق بكونها محبوسة في بيته؛ فإذا كانت العلة ذلك ثبت أن كل معتدة من طلاق لها النفقة مثل ما للمعتدة من الطلاق إذا كانت حاملاً؛ قياسًا ونظرًا.
وأيضًا كان يجب أن يكون في الطلاق الرجعي نفقة الحامل في مال الحمل إذا كان له مال كما أن نفقته بعد الولادة في ماله، فلما اتفق الجميع على أن نفقتها في الطلاق الرجعي لم تجب في مال الحمل وجب مثله في البائن.
فإن قيل: إذا كان الأمر كذلك فما فائدة تخصيص الحامل بالذكر في إيجاب النفقة؟
قلت: لأن مدة الحمل قد تطول وقد تقصر فأراد بذلك إعلامنا وجوب النفقة.
فإن قيل: ما حكم المتوفى عنها زوجها في هذا الباب؟
قلت: لا يخلو إما أن تكون حاملاً أو لم تكن، فإن لم تكن فاتفق العلماء كلهم على أن لا نفقة لها ولا سكنى، وإن كانت حاملاً ففيه اختلاف بين الصحابة ومَنْ بعدهم؛ فقال عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وشريح وأبو العالية والشعبي وإبراهيم: نفقتها في جميع المال.
وقال ابن عباس وعبد الله بن الزبير والحسن البصري وسعيد بن المسيب: لا نفقة لها في مال الزوج بل هي على نفسها.
واختلف فقهاء الأمصار أيضًا، فقال أبو حنيفة، وأبو يوسف ومحمد وزفر: لا سكنى لها ولا نفقة لها في مال الميت، وإن كانت حاملاً فلها السكنى إن كانت الدار للزوج، وإن كان عليه دين فالمرأة أحق بنفسها حتى تنقضي عدتها، وإن كانت في بيت بكرى فأخرجوها لم يكن لها سكنى في مال الزوج.
هذه رواية ابن وهب أيضًا، وقال ابن القاسم عن مالك: لا نفقة لها في مال الزوج الميت ولها السكنى إن كانت الدار للميت، وان كان على الميت دين فهي أحق بالسكنى من الغرماء، وتباع للغرماء بشرط السكنى على المشترى.
стр. 5487
وقال الثوري: إن كانت حاملاً؛ أنفق عليها من جميع المال حتى تضع، فإذا وضعت أنفق على الصبي من نصيبه.
وروى المعافى عن الثوري: إن نفقتها من حصتها.
وقال الأوزاعي في المرأة يموت زوجها وهي حامل: لا نفقة لها، وإن كانت أم ولد فلها النفقة من جميع المال، فإذا ولدت كان ذلك في حظ ولدها، وإن لم تلد كان ذلك دينًا يُتبع به.
وقال الحسن بن صالح: للمتوفى عنها زوجها النفقة من جميع المال.
وقال الشافعي: لها السكنى والنفقة. وعنه: لا سكنى ولا نفقة.
وقال ابن حزم (١): وأما المتوفى عنها الحامل، فطائفة قالت: إن كانت وارثةً فمن نصيبها حاملاً كانت أو غير حامل، وإن لم تكن وارثة فمن نصيب ذي بطنها إن كان وارثًا، فإن لم يكونا وارثين فمن مال نفسها إن كان لها مال وإلا فهي أحد فقراء المسلمين، فإن مات ذو بطنها قبل أن يخرج حيًّا ردَّت ما أنفق عليها من نصيبه إلى الورثة.
وتفسير قولنا: إن لم يكن وارثًا أن تكون أسلمت بعد موت زوجها وهو كافر فيكون هو مسلمًا بإسلام أمه ولا يرث كافرًا مسلم. وهذا قولنا.
وقالت طائفة: إن كان المال كثيرًا أنفق عليها من نصيبها، فإن كان قليلاً فمن جميع المال.
وقالت طائفة: نفقتها من جميع المال.
وقالت طائفة: إن كانت وارثة أو لم تكن نفقتها عليها من مالها إن كان لها مال، ومن سؤلها إن كان لا مال لها من ميراثها ولا من ميراث ذي بطنها ولا من جميع المال.
стр. 5488
فالقول الأول كما روينا من طريق وكيع عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: "نفقة المتوفى عنها الحامل من نصيبها".
وكذا روي عن ابن عباس وعطاء والحكم بن عتيبة وعبد الملك بن يعلى قاضي البصرة وعامر الشعبي، ثم قال: وبه يقول أبو حنيفة وأحمد وأبو سليمان وجميع أصحابهم، وهو أحد قولي الشافعي وأحد قولي سفيان.
والقول الثاني: كما روينا من طريق سعيد بن منصور، نا أبو عوانة، عن منصور، عن إبراهيم النخعي، قال في المتوفى عنها زوجها "كان أصحابنا يقولون: إن كان المال كثيرًا أنفق عليها من نصيبها، وإن كان قليلًا أنفق عليها من جميع المال.
والقول الثالث: انقسم القائلون به أقسامًا؛ فقالت طائفة: إن ورثت فمن نصيب ذي بطنها، وإن لم ترث فمن جميع المال.
وطائفة قالت: نفقة الحامل المتوفى عنها من جميع المال.
وقالت طائفة: لها النفقة من رأس المال حاملاً كانت أو غير حامل ما كانت في العدة.
والقول الرابع: كما روينا [من] (١) طريق عبد الرازق، عن ابن جريج، قال: سئل ابن شهاب عن المتوفى عنها على مَنْ نفقتها؟ فقال: "كان ابن عمر يرى نفقتها حاملاً كانت أو غير حامل من جميع المال الذي ترك زوجها".
وكذا روي عن علي وابن مسعود وشريح وقتادة وحماد بن أبي سليمان والمغيرة وإبراهيم والحسن وعطاء بن أبي رباح.
ثم قال: وهو قول أيوب السختياني وابن أبي ليلى والحسن بن حي وأبي عبيد، وأحد قولي سفيان، وأحد قولي الشافعي.
стр. 5489
وقال مالك: لا ينفق عليها من نصيبها ولا من نصيب ذي بطنها ولا من جميع المال حتى تضع ولا ينصف الغرماء من ديونهم حتى تضع.
ص: وقد روي ذلك عن عمر وعبد الله ﵄. وقد ذكرنا فيما تقدم من كتابنا هذا وروي ذلك عن سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي:
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم الجزري، عن سعيد بن المسيب قال: "المطلقة ثلاثًا لها النفقة والسكنى".
حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا شجاع بن الوليد، عن المغيرة، عن إبراهيم مثله.
ش: أي قد روي وجوب النفقة والسكنى للمطلقة ثلاثًا عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود، وقد مرَّت روايتهما فيما مضى في هذا الباب، وكذا روي عن سعيد بن المسيب وإبراهيم بن يزيد النخعي.
أما ما روي عن سعيد، فأخرجه بإسناد صحيح، عن روح بن الفرج القطان، عن عمرو بن خالد بن فروخ الحراني شيخ البخاري، عن عبيد الله بن عمرو الأسدي الجزري، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عنه.
وأما ما روي عن إبراهيم، فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح عن أبي بشر عبد الملك ابن مروان الرقي، عن شجاع بن الوليد بن قيس السكوني، عن المغيرة بن مقسم الضبي، عن إبراهيم.
وأخرج أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن شبابة، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن شريح قال: "المطلقة ثلاثًا لها السكنى والنفقة".
стр. 5490
وأخرج أيضًا (١) عن وكيع، عن المسعودي، عن الحكم أن شريحًا قال: "المطلقة ثلاثًا لها النفقة والسكنى".
وعن وكيع أيضًا (٢) عن شعبة، عن الحكم وحماد، عن إبراهيم قال: "المطلقة ئلاثًا لها السكنى والنفقة".
وأخرج عبد الرزاق (٣) عن الثوري، عن حماد بن أبي سليمان قال: "للمطلقة ثلاثًا السكنى والنفقة".
وأخرج ابن حزم (٤) من طريق إسماعيل بن إسحاق، نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا حميد، عن الحسن بن صالح بن حيي، عن السدي، عن الشعبي في المطلقة ثلاثًا قال: "لها النفقة والسكنى". والله أعلم.
...
стр. 5491
ص: باب: المتوفى عنها زوجها هل لها أن تسافر في عدتها؟ وما دخل في ذلك من حكم المطلقة في وجوب الإحداد عليها .
ش: أي هذا الباب في بيان حكم المرأة التي توفي عنها زوجها، هل يجوز لها أن تسافر في عدتها؟ وهل يجوز لها أن تخرج من بيتها؟ وفي بيان ما يجب على المطلقة من الإحداد.
وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: تقول: حدَّت المرأة على زوجها تحِدُ وتَحَدُّ إذا تركت الزينة فهي حادّ، ويقال أيضًا: أحَدّت فهي مُحِدٌّ، وقال القزاز إنما كانت بغير هاء؛ لأنه لا يكون للذكر.
وعن الفراء: حدّت المرأة حدادًا وقال ابن درستويه: المعنى أنها منعت الزينة نفسها والطيب بدنها ومنعت بذلك الخطاب خطبتها والطمع فيها، كما منع حدّ السكين وحدّ الدار ما منعا.
وفي "نوادر اللحياني" بأحدّ جاء الحديث لا تُحدُّ، قال: وحكى الكسائي عن عُقَيْل: حدَّت بغير ألف.
وقال الفراء: كان الأولون من النحويين يؤثرون أحدَّت فهي مُحِدّ، والأخرى أكثر في كلام العرب، وسُمِّي الحديد حديدًا للامتناع به، ومنه تحديد النظر بمعنى امتناع تقلبه في الجهات، وفي "شرح التدميري": يروى بالحاء والجيم، وبالحاء أشهر، والجيم مأخوذة من جددت الشيء إذا قطعته، فكأن المرأة انقطعت عن الزينة وما كانت عليه قبل ذلك، وفي "تقويم المفسد" لأبي حاتم: أَبَى الأصمعي إلا أحدَّت ولم يعرف حدَّت.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم (ح).
وحدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، قالا جميعًا: عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، عن جابر ﵁ قال: "طلقت خالة لي، فأرادت
стр. 5492
أن تخرج في عدتها إلى نخل لها، فقال لها رجل: ليس لكِ ذلك، فأتت النبي ﵇ فقال: اخرجي إلى نخلك وجدِّيه؛ فعسى أن تصدَّقي أو تفعلي معروفًا".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا أبو الزبير، قال: سمعت جابرًا يقول: "أخبرتني خالتي أنها طلقت البتة، فأرادت أن تجدَّ نخلها، فزجرها رجال أن تخرج، فأتت النبي ﵇ فقال: بل تجدِّي نخلك، فإنك عسى أن تصَّدقي وتفعلي معروفًا".
ش: هذه ثلاث طرق:
الأول: إسناده على شرط مسلم: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي، عن جابر.
وأخرجه مسلم (١): حدثني محمد بن حاتم بن ميمون، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج.
ونا محمد بن رافع، قال: ثنا عبد الرازق، قال: ثنا ابن جريج.
وحدثني هارون بن عبد الله -واللفظ له- قال: نا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "طلِّقت خالتي، فأرادت أن تجدّ نخلها، فزجرها رجل أن تخرج، فأتت النبي ﵇ فقال: بلى، فجدِّي نخلك فإنك عسى أن تصَّدَّقي أو تفعلي معروفًا".
الثاني: عن أحمد بن داود المكي، عن مسدد شيخ البخاري وأبي داود، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الملك بن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر. وهذا أيضًا صحيح.
стр. 5493
وأخرجه أبو داود (١): ثنا أحمد بن حنبل، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، قال: حدثني أبو الزبير، عن جابر قال: "طلِّقت خالتي ثلاثًا، فخرجت تجدّ نخلها، فلقيها رجل فنهاها، فأتت النبي ﵇ فذكرت ذلك له، فقال لها النبي ﵇: اخرجي فجدِّي نخلك؛ لعلك أن تصَّدَّقي منه أو تفعلي خيرًا".
وأخرجه النسائي (٢) وابن ماجه (٣) أيضًا.
الثالث: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن عبد الله بن لهيعة -فيه مقال- عن أبي الزبير محمد بن مسلم، عن جابر.
وفيه رواية صحابي عن صحابية وهي خالة جابر ﵁.
قوله: "طلِّقت خالة لي" على صيغة المجهول. و"خالة" مرفوع بإسناد "طلقت" إليها.
قوله: "وجدِّيه" أمر من جدَّ الثمرة يجدها جدًّا، وهو من باب نَصَرَ يَنْصُرُ.
والِجدَاد -بالفتح والكسر- صرام النخل، وهو قطع ثمرتها.
قوله: "أن تَصَّدقي" بفتح التاء، وأصله تتصدقي حذفت منه إحدى التاءين للتخفيف.
قولى: "أو معروفًا". وهو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات وهو من الصفات الغالبة.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قومٌ إلى أن للمطلقة وللمتوقى عنها زوجها أن تسافرا في عدتهما إلى حيث ما شاءتا، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
стр. 5494
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح وابن جريج وجابر بن زيد والحسن البصري وطاوسًا وعمرو بن دينار وعكرمة؛ فإنهم قالوا: للمطلقة وللمتوفى عنها زوجها أن تسافرا في عدتهما إلى حيث ما شاءتا.
وروي ذلك عن ابن عباس وجابر بن عبد الله وعلي بن أبي طالب وأم المؤمنين عائشة ﵃. وهو مذهب الظاهرية أيضًا.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: أما المتوفى عنها زوجها فإن لها أن تخرج في عدتها من بيتها نهارًا ولا تبيت إلا في بيتها، وأما المطلقة فلا تخرج من بيتها في عدتها لا ليلاً ولا نهارًا؛ وفرقوا بينهما لأن المطلقة في قولهم لها النفقة والسكنى في عدتها على زوجها الذي طلقها، فذلك يغنيها عن الخروج من بيتها، والمتوفى عنها زوجها لا نفقة لها فلها أن تخرج في بياض نهارها تبتغي من فضل ربها.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري والليث وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا والشافعي وأحمد، ولكن في مذاهبهم تفصيل؛ فعند الليث ومالك والثوري: تخرج المعتدة من النهار سواء كانت رجعية أو مبتوتة، ولا تخرج بالليل.
وعند الشافعي: الرجعية لا تخرج ليلاً ولا نهارًا، وإنما تخرج نهارًا المبتوتة.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: أما المتوفى عنها زوجها تخرج نهارًا ولا تبيت إلا في بيتها، وأما المطلقة فلا تخرج لا ليلاً ولا نهارًا.
وحكى القاضي عياض عن محمد بن الحسن: أن الجميع لا يخرج، لا ليلاً ولا نهارًا.
وقال الكاساني (١): المعتدة لا تخلو إما أن تكون معتدة عن نكاح صحيح أو نكاح فاسد، ولا تخلو إما أن تكون حرة أو أمة، بالغة أو صغيرة، عاقلة أو مجنونة، مسلمة أو كتابية، مطلقة أو متوفى عنها زوجها، والحال حال الاختيار، وحال الاضطرار.
стр. 5495
فإن كانت معتدة من نكاح صحيح وهي حرة بالغة عاقلة مسلمة والحال حال الاختيار فإنها لا تخرج لا ليلاً ولا نهارًا، سواء كان الطلاق ثلاثًا أو بائنًا أو رجعيًّا.
وأما المتوفى عنها زوجها فلا تخرج ليلًا، ولا بأس أن تخرج بالنهار في حوائجها، وروي عن محمد: أنه لا بأس أن تنام عن بيتها أقل من نصف الليل، هذا في حال الاختيار، فأما في حال الضرورة فإن اضطرت إلى الخروج من بيتها، فإن خافت سقوط منزلها أو خافت على متاعها أو كان المنزل بأجرة ولا تجد ما تؤديه في أجرته في عدة الوفاة، فلا بأس عند ذلك أن تنتقل، وإن كانت تقدر على الأجرة لا تنتقل، وإن كان المنزل لزوجها وقد مات عنها فلها أن تسكن في نصيبها إن كان ما يصيبها من ذلك مما يكفى به في السكنى وتستتر عن سائر الورثة ممن ليس بمحرم لها، وإن كان نصيبها لا يكفيها أو خافت على متاعها منهم فلا بأس أن تنتقل.
وكذا ليس للمعتدة من طلاق ثلاث أو بائن أن تخرج من منزلها الذي تعتد فيه إلى سفر، إذا كانت معتدة من نكاح صحيح وهي على الصفات التي ذكرناها.
ولا يجوز للزوج أن يسافر بها أيضًا.
وكذا المعتدة من طلاق رجعي ليس لها أن تخرج إلى سفر سواء كان سفر حج فريضة أو غير ذلك، لا مع زوجها ولا مع غيره، حتى تنقضي عدتها أو يراجعها. وأما المعتدة في النكاح الفاسد فلها أن تخرج.
وأما الأمة والمدبرة وأم الولد والمكاتبة والمستسعاة على أصل أبي حنيفة فيخرجن في ذلك كله في الطلاق والوفاة، وكذا المجنونة لها أن تخرج من منزلها؛ لأنها غير مخاطبة كالصغيرة إلا أن لزوجها أن يمنعها من الخروج لتحصين مائه بخلاف الصغيرة فإن الزوج لا يملك منعها، وأما الكتابية فلها أن تخرج؛ لأن السكنى في العدة حق الله من وجه فتكون عبادة من هذا الوجه، والكفار لا يخاطبون بشرائع هي عبادات، إلا إذا منعها الزوج لتحصين مائه، وإن أسلمت في العدة لزمها فيما بقي من عدتها ما لزم المسلمة. والله أعلم.
стр. 5496
ص: وكان من الحجة لهم في حديث جابر الذي احتج به عليهم أهل المقالة الأولى: أنه قد يجوز أن [يكون] (١) ما ذكرنا فيه [كان] (١) في وقت ما لم يكن الإحداد يجب في كل العدة، فإنه قد كان ذلك كذلك.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا حبان بن هلال (ح).
وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا حبان (ح).
وحدثنا فهد، قال: ثنا أحمد بن يونس (ح).
وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا جبارة بن المغلس (ح).
وحدثنا ربيع المؤذن وسليمان بن شعيب قالا: ثنا أسد، قالوا: ثنا محمد بن طلحة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الله بن شداد، عن أسماء بنت عميس قالت: "لما أصيب جعفر ﵁ أمرني رسول الله ﵇ فقال: تسلبي ثلاثًا، ثم اصنعي ما شئت".
ففي هذا الحديث أن الإحداد لم يكن على المعتدة في كل عدتها، وإنما كان في وقت منها خاص، ثم نسخ ذلك وأمرت أن تحد عليه أربعة أشهر وعشرًا.
ش: أي وكان من الدليل والبرهان لهؤلاء الآخرين، وأراد بها الجواب عن حديث جابر الذي احتج به أهل المقالة الأولى، بيان ذلك أن يقال: إن أذن النبي ﵇ لخالة جابر بالخروج في عدتها يحتمل أن يكون إنما كان في وقت لم يكن فيه الإحداد واجبًا في كل العدة بل في أيام مخصوصة كما يدل عليه حديث أسماء بنت عميس؛ فإنه لما أصيب زوجها جعفر بن أبي طالب ﵁ في غزوة مؤتة في سنة ثمان من الهجرة أمرها رسول الله ﵇ بالتسلب وهو لبس ثوب الحداد ثلاثة أيام، ثم قال لها: "اصنعي ما شئت" فهذا يدل على أن الإحداد لم يكن على المعتدة في جميع عدتها، بل كان في وقت منها معين، ثم نسخ ذلك بأحاديث زينب بنت جحش وعائشة
стр. 5497
وأم سلمة وأم حبيبة وغيرهن على ما يجيء إن شاء الله، وأمرت المعتدة بالإحداد عليه أربعة أشهر وعشرًا، وكلهم أجمعوا على هذا النسخ لتركهم حديث أسماء بنت عميس واستعمالهم أحاديث هؤلاء المذكورات، فإن كان كذلك؛ يُحتمل أن يكون ما أمرت به خالة جابر كان والإحداد إنما هو في ثلاثة أيام من العدة ثم نسخ ذلك وجعل الإحداد في كل العدة؛ فكذلك نسخ الآخر بذلك أيضًا؛ فإن جابرًا ﵁ قد روى عن النبي ﵇ في إذنه لخالته في الخروج، ثم قال هو بخلافه على ما يأتي، فهذا أيضًا دليل على ثبوت نسخ ذلك عنده؛ إذ لو لم يكن عنده علم من النبي ﵇ بأن ذاك منسوخ لم يكن يقدم إلى القول بخلاف ما روى؛ وذلك لأن الراوي إذا ظهر منه المخالفة قولاً أو فعلاً لما رواه، لا يخلو عن حالات: إما أن تكون روايته تلك تَقَوّلًا منه لا عن سماع، أو تكون فتواه وعمله بخلاف روايته على وجه قلة المبالاة والتهاون بالحديث، أو عن غفلة ونسيان، أو يكون ذلك منه على أنه علم انتساخ حكم روايته. فكل هذا يستحيل في حق الصحابي إلا الوجه الأخير وهو أن يكون قد علم انتساخ حكم روايته فأفتى بخلافها أو عمل بخلافها؛ وإنما قلنا: إن هذه الأشياء تستحيل في حق الصحابي إلا الوجه الأخير؛ لأن في الوجه الأول يكون الراوي كذابًا، وفي الوجه الثاني يكون فاسقًا، وفي الوجه الثالث يكون مغفلاً، وكل هذه تسقط الرواية، والصحابة ﵃ منزهون عن هذه الأشياء؛ فتعين الوجه الأخير، فافهم.
ثم إنه أخرج حديث أسماء بنت عميس من خمس طرق:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن حَبَّان -بفتح الحاء، وتشديد الباء الموحدة- ابن هلال الباهلي البصري، عن محمد بن طلحة بن مصرِّف اليامي، عن الحكم بن عتيبة -بضم العين المهملة وفتح التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة- عن عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي المدني، عن خالته أسماء بنت عميس الخثعمية أخت ميمونة بنت الحارث -زوج النبي ﵇ لأمها.
стр. 5498
وهذا إسناد صحيح، وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث محمد بن طلحة بن مصرِّف، عن الحكم، عن عبد الله بن شداد ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي سواء.
ثم قال البيهقي: لم يثبت سماع ابن شداد منها، ومحمد ليس بالقوي، وقد قيل فيه: "أنَّ أسماء" مرسل.
قلت: عبد الله بن شداد لم يذكر من المدلسين، والعنعنة من غير المدلس محمول على الاتصال إذا ثبت اللقاء أو أمكن على الاختلاف المعروف بين البخاري ومسلم، ولا يشترط ثبوت السماع. وحكى ابن عبد البر عن جمهور أهل العلم: أنَّ "عن" و"أنَّ" سواء. قال: وأجمعوا على أن قول الصحابي: عن رسول الله ﵇، أو: أن رسول الله ﵇ قال، أو: سمعت؛ سواء.
ومحمد بن طلحة بن مصرِّف اتفق الشيخان عليه. فكيف يقول البيهقي: ومحمد ليس بالقوي؟ (٢) وقد جاء لحديثه هذا متابعة وشاهد. أخرجه قاسم بن أصبغ من طريق شعبة: ثنا الحكم، عن عبد الله بن شداد: "أنه ﵇ قال لامرأة جعفر: إذا كان ثلاثة أيام أو بعد ثلاثة أيام البسي ما شئت".
وروي أيضًا من طريق الحجاج بن أرطاة، عن الحسن بن سعد، عن عبد الله بن شداد: "أن أسماء استأذنت النبي ﵇ أن تبكي على جعفر، فأذن لها ثلاثة أيام ثم بعث لها: أن تطهري واكتحلي" ذكره ابن حزم في "المحلى" (٣)، وذكر الحافظ ابن منده أيضًا رواية ابن سعد في "معرفة الصحابة".
وأخرج أحمد في "مسنده" (٤): ثنا يزيد، نا محمد بن طلحة، ثنا الحكم بن عتيبة،
стр. 5499
عن عبد الله بن شداد، عن أسماء بنت عميس قالت: "دخل عليَّ رسول الله ﵇ اليوم الثالث من قتل جعفر، فقال: لا تحدِّي بعد يومك هذا".
الثاني: عن أبي بكرة بكّار القاضي، عن حبان بن هلال أيضًا، عن محمد بن طلحة ... إلى آخره.
وهذا أيضًا صحيح.
الثالث: عن فهد بن سليمان، عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ البخاري ومسلم، عن محمد بن طلحة ... إلى آخره.
وأخرجه الطبراني (١): ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا حجاج بن منهال وعاصم بن علي وأحمد بن يونس، قالوا: نا محمد بن طلحة بن مصرف، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن أسماء بنت عميس قالت: "لما أصيب جعفر أمرني رسول الله ﵇ فقال: تسلبي ثلاثًا، ثم اصنعي ما شئت".
الرابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن جبارة بن مغلس الحماني الكوفي شيخ ابن ماجه، فيه مقال، عن محمد بن طلحة ... إلى آخره.
الخامس: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، وسليمان بن شعيب الكيساني، كلاهما عن أسد بن موسى، عن محمد بن طلحة ... إلى آخره.
قوله: "لما أصيب جعفر" وهو جعفر بن أبي طالب أخو علي بن أبي طالب ﵄، وابن عم النبي ﵇ وكان قد أصيب في غزوة مؤتة كما ذكرناه عن قريب.
قوله: "تسلبي" أمر من سلَّب تتسلب، ومعناه: البسي ثوب الحداد، وهو السلاب، والجمع سُلُبٌ وتسلبت المرأة إذا لبِسَتْه، وقيل: هو ثوب أسود تغطي به المحد رأسها، ومنه حديث بنت أم سلمة: "أنها بكت على حمزة ثلاثة أيام فتسلبت"
стр. 5500
وقد احتج الحكم بن عتيبة بهذا الحديث أن المتوفى عنها زوجها لا حداد عليها، وقد ذكرنا أنه منسوخ فلا يعمل به. والله أعلم.
ص: فمها روي في ذلك ما حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂، عن النبى ﵇ قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله وياليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على زوج؛ فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرًا".
ش: أي: فمها روي في الأمر بالإحداد على الزوج أربعة أشهر وعشرًا: حديث عائشة.
أخرجه بإسناد رجاله كلهم رجال الصحيح.
وسفيان هو ابن عيينة، والزهري هو محمد بن مسلم.
وأخرجه مسلم (١): نا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير ابن حرب -واللفظ ليحيى- قال يحيى: أنا: وقال الآخرون: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﵇: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوجها".
وأخرجه النسائي (٢): عن إسحاق بن إبراهيم، عن سفيان، عن الزهري ... إلى آخره.
قوله: "أن تُحِدَّ" في محل الرفع، و"أن" مصدرية، والتقدير: لا يحل الإحداد وهو الامتناع عن الزينة والطيب، وقد مر تفسيره مستقصًى عن قريب وهو بضم التاء وكسر الحاء؛ لأنه من أحدت تُحِدُّ إحدادًا، ويجوز بفتح التاء وضم الحاء من حدَّت تَحُدُّ حدادًا، والأول أكثر.