وأخرجه مالك في "موطإه" (١).
وهذا اشتمل على أحكام:
الأول: أن العبد لا يملك من الطلقات إلا ثنتين سواء كانت امرأته حرة أو أمَة، فإذا طلق امرأته طلقتين حرمت عليه فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، وفي هذا خلاف بيننا وبين الشافعي؛ فعنده عدد الطلاق معتبر بحال الرجل، وعندنا بحال المرأة حتى إن العبد إذا كانت تحته حرة يملك عليها ثلاث طلقات عندنا، وعنده لا يملك عليها إلا طلقتين، والحر إذا كانت تحته أمَة لا يملك عليها إلا طلقتين عنده، وعندنا تلك عليها ثلاث طلقات، والمسألة مختلفة بين الصحابة؛ فروي عن علي وعبد الله بن مسعود مثل قولنا، وعن عثمان وزيد بن ثابت مثل قوله، وسيجيء الكلام فيه مستقصي.
الثاني: أن عدة الحرة ثلاث حيض.
الثالث: أن عدة الأَمَة حيضتان.
الرابع: أن هذا يدل على أن الأقراء هي الحيض؛ وذلك لأن عبد الله بن عمر هو الذي كان روى عن رسول الله ﵇ قوله لعمر بن الخطاب ﵁: "فتلك العدة هي التي أمر أن تطلق لها النساء"، ثم إنه جعل العدة الحيض، فدلَّ ذلك أن الأقراء هي الحيض لا الأطهار.
وأما عن معاذ وأبي الدرداء فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن أحمد بن خالد الكندي الوهبي، شيخ البخاري في غير الصحيح، عن محمد بن راشد الخزاعي أبي يحيى الشامي الدمشقي المعروف بالمكحولي، وعن أحمد: ثقة ثقة. وعن يحيى: ثقة صدوق. وعن شعبة: إنه لصدوق ولكنه شيعي أو قدري. روى له الأربعة، وهو يروي عن مكحول الشامي الدمشقي الفقيه.
стр. 5427
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا إسماعيل بن عياش عن عبيد الله الكلاعي، عن مكحول: "أن أبا بكر وعمر وعليًّا وابن مسعود وأبا الدرداء وعبادة بن الصامت وعبد الله بن قيس الأشعري ﵃ كانوا يقولون في الرجل يطلق امرأته تطليقة أو تطليقتين: إنه أحق بها ما لم تغتسل من حيضتها الثالثة، ويرثها وترثه ما دامت في العدة".
وأما عن زيد بن ثابت فأخرجه بإسناد رجاله كلهم رجال الصحيح.
ويونس الأول هو ابن عبد الأعلى، ويونس الثاني هو ابن يزيد الأيلي، وابن وهب هو عبد الله بن وهب، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري.
وقبيصة بن ذؤيب بن حلحلة الخزاعي أبو إسحاق المدني، ولُد عام الفتح وسكن الشام، وعن الشعبي: قبيصة بن ذؤيب أعلم الناس بقضاء زيد بن ثابت. روى له الجماعة.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): نا إسماعيل بن عُلية، عن أيوب، عن سليمان بن يسار: "أن نُفَيعًا فتى أم سلمة طلق امرأته -وهي حرة- تطليقتين فحرصوا على أن يردوها عليه، وأبي عثمان وزيد. وقال سليمان: ويقول أحدٌ غير هذا؟! فلما قدمت المدينة كتبت إلى أبي قلابة، فكتب إليَّ: أنه حدثني مَنْ أطمئن إلى حديثه أن زيد بن ثابت وقبيصة بن ذؤيب قالا: إذا كان زوجها حرًّا وهي أَمَة فطلاقه طلاق حرة وعدتها عدة أَمَة، وإن كان زوجها عبدًا وهي حرة فطلاقه طلاق عبد وعدتها عدة حرة".
فهذا مشتمل على حكمين:
الأول: أن الطلاق إلى الرجال. وإليه ذهب الشافعي ومالك وأحمد، وقد قلنا: إنه مختلف فيه بين الصحابة.
стр. 5428
الثاني: أنه يدل على أن الأقراء هي الحيض وهذا ظاهر لا يخفى.
ص: وكان من حجة مَنْ جعل الأقراء الحيض على مخالفه: أن قال: فإذا كانت الأقراء الأطهار، فإذا طلق المرأةَ زوجُها وهي طاهر فحاضت بعد ذلك بساعة فحسب ذلك لها قرءًا مع قرءين متتابعين كانت عدتها قرءين وبعض قرءٍ، وإنما قال الله ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١).
ش: هذا محذور يلزم مَن قال: إن الأقراء هي الأطهار، بيانه: أن الأقراء إذا كانت أطهارًا يلزم من ذلك أن تكون عدتها قرءين وبعض قُرء، وهذا خلاف النص؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١) توضيحه: أن الله تعالى خص الأقراء بعدد يقتضي استيفاؤه العدة، وهو ثلاثة قروء، واعتبار الطهر فيه يمنع استيفاؤها بكمالها فيمن طلقها للسُنَّة؛ لأن طلاق السنة أوقعه في طهر قد جامعها فيه؛ فلا أبدًا إذا كان كذلك من أن يصادف طلاقه طهرًا قد مضى بعضه، ثم تعتد بعده بطهرين آخرين فهذان طهران وبعض الثالث، فلما تعذر استيفاء الثالث إذا أراد طلاق السُنَّة، علمنا أن الأقراء الحيض الذي يمكن استيفاء العدد المذكور في الآية بكماله. فافهم.
ويلزم محذور آخر إذا قلنا: إن الأقراء هي الأطهار؛ وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١) والثلاثة اسم خاص وضع لعدد معلوم، والخاص بمنزلة العلم قطعًا؛ لكونه بيِّنًا في نفسه، فلو حملت الأقراء على الأطهار لانتقص العدد عن الثلاثة بالطريق الذي ذكرنا فيلزم حينئذٍ ترك العمل بالخاص.
فإن قيل: لِمَ قلتم: إنه إذا احتسب الطهر الذي وقع فيه الطلاق فيكون الواجب طهرين وبعض طهر، بل الواجب ثلاثة؛ لأن بعض الطهر طهر؛ إذ المراد بالطهر أدنى ما يطلق عليه طهر وهو طهرين عندنا.
стр. 5429
قلت: لا نسلم أن بعض الطهر طهر، بل هو ليس بطهر؛ لأن بعض الطهر لو كان طهرًا لا يكون بين الأول والثالث قرءين، فينبغي أن يكتفي في الثالث ببعضه، فإذا مضى منه شيء شرع أن يحل لها التزوج وهو خلاف الإجماع؛ ولأنه لو كان كذلك لانقضت العدة في طهر واحد، حيث إن المراد من الطهر هو الشرعي.
فإن قيل: لا يحسب الطهر الذي وقع فيه الطلاق كما هو مذهب بعض المالكية فحينئذٍ تكون باقي الأطهار كاملة، وهي أن الأقراء هي الأطهار.
قلت: الخصم لا يقول بذلك، بل هو يحسب ذلك الطهر، فحينئذٍ يجب طهران وبعض، فيجب الانتقاص عن الثلاثة، وإن قلنا على مذهب من لا يحتسب هذا الطهر الذي وقع فيه الطلاق يجب ثلاثة أطهار وبعض، فهذا أيضًا لا يجوز؛ لأنها تزيد على الثلاثة، وقد قلنا: إن الثلاث عدد خاص بمنزلة العلم بعدد معلوم لا يحتمل غيره، سواء كان أقل منه أو أكثر. فافهم.
ص: فكان حجة مَنْ ذهب إلى أن الأقراء الأطهار في ذلك: أن قال: فقد قال الله : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (١) فكان ذلك على شهرين وبعض الشهر، فكذلك جعلنا الأقراء الثلاثة على قرءين وبعض قرء.
ش: هذا جواب من جهة الخصم عن المحذور المذكور، بيانه أن يقال: لم لا يجوز أن يذكر الثلاثة ويراد بها الاثنان وبعض الثالث كما في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (١) حيث أريد به شهران وبعض الثالث؟ فكذلك نجعل الأقراء الثلاثة على قرءين وبعض قرء.
ص: فكان من حجتنا عليهم في ذلك أن الله قال في الأقراء: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٢) ولم يقل في الحج: ثلاثة أشهر، ولو قال في ذلك: ثلاثة أشهر، فاجمعوا أن ذلك على شهرين وبعض شهر؛ ثبت بذلك ما قال المخالف لنا، ولكنه إنما قال: ﴿أشهُر﴾ (١)
стр. 5430
ولم يقل: ثلاثة، فاما ما حصره بالثلاثة فقد حصره بعدد معلوم، فلا يكون أقل من ذلك العدد، كما أنه لما قال: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (١)، فحصر ذلك بالعدد، فلم يكن ذلك على أقل من ذلك العدد، فكذلك لما خص الأقراء بالعدد فقال: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٢) لم يكن ذلك على أقل من ذلك العدد.
ش: هذا تزييف للجواب المذكور وردُّ إياه، تقريره: أن "الأشهر" اسم عام لا عَلَم فيقبل المجاز بإرادة النقص، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ (٣) فإن المراد بالملائكة جبريل ﵇ فقط، فأما أسماء الأعداد فلا يجوز فيه ذلك لكونها أعلامًا، والأعلام لا يجزئ عنها المجاز.
قوله: "لو قال في ذلك" أي لو قال الله عن الحج: الحج ثلاثة أشهر بالتنصيص على هذا العدد، ثم أجمع العلماء على أن المراد منها شهران وبعض شهر؛ كان قد ثبت بذلك ما يقوله الخصم، ولكنه إنما قال: ﴿أَشْهُر﴾ (٤) والأشهر اسم عام يقبل المجاز كما ذكرنا.
فإذا قيل: لو أريد بالقروء الحيض على ما ذكرتم، لزمكم ما ألزمتمونا به وهو الازدياد على الثلاثة؛ وذلك أنه إذا طلقها في الحيض لا يحتسب بتلك الحيضة إجماعًا، فيجب ثلاثة أقراء وبعض، واسم الثلاثة لا يحتمل ذلك، فهذا معارضة بالمثل.
قلت: إن ذلك الازدياد ثبت ضرورة وجوب التكميل فلا يعبأ به، إذ الحيضة الواحدة إجماعًا لا تقبل التجزئة فوجب التكميل، والثابت لضرورة العمل بالنصوص لا يعد زيادةً لتخلل الأطهار والحيض بين الثلاثة على اختلاف المذهبين.
стр. 5431
وقد اعترض بأن الثلاثة اسم خاص لا يحتمل الزيادة والنقصان بأي طريق كان.
وأجيب بعد التسليم بذلك أن أحوال المسلمين محمولة على الصلاح ما أمكن، فالظاهر من حاله الإتيان بالمشروع وهو الطلاق في حالة الطهر، والاحتراز عن محظور دينه وهو الطلاق في الحيض، والله أعلم.
ص: وكان من حجة من ذهب إلى أن الأقراء الأطهار أيضًا أن قال: لما كانت الهاء تثبت في عدد المذكر؛ فيقال: ثلاثة رجال. وتنتفي من عدد المؤنث فيقال: ثلاث نسوة. فقال الله : ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١) فأثبت الهاء ثبت أنه أراد بذلك مذكرًا وهو الطهر لا الحيض.
ش: احتج من ذهب إلى أن الأقراء هي الأطهار أيضًا بدخول الهاء في ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١)؛ لأن الهاء لا تدخل إلا فيما يكون معدوده مذكرًا كما في قولك: ثلاثة رجال. وأما إذا كان معدوده مؤنثًا لا تدخل فيه الهاء كما في قولك: ثلاث نسوة.
فلما دخلت الهاء في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١) علمنا أن معدودها مذكر وهو الطهر لا الحيض.
ص: فكان من الحجة عليهم في ذلك أن الشيء إذا كان له اسمان أحدهما مؤنث والآخر مذكر، فإن جُمع بالمذكر أثبتت الهاء، وإن جُمع بالمؤنث أسقطت الهاء، من ذلك أنك تقول: هذا ثوب، وهذه ملحفة، فإن جمعت بالثوب قلت: ثلاثة أثواب. وإن جمعت بالملحفة قلتَ: ثلاث ملاحف. وكذلك: هذه دار وهذا منزل لشيء واحدٍ، فكأن الشيء قد يكون واحدًا مسمَّى باسمين أحدهما مذكر والآخر مؤنث، فإذا جمع بالمذكر فُعِل فيه كما يفعل في جمع المذكر فأُثبت الهاء، وإن جُمع بالمؤنث فُعِل فيه كما يُفعل في جمع المؤنث فاُسقطت الهاء فقيل: ثلاث حيض، وإن جُمع بالقروء أثبت الهاء فقيل: ثلاثة قروء، وذلك كله اسمان لشيء واحد، فانتفى بذلك ما ذكرنا مما احتج به المخالف لنا.
стр. 5432
ش: هذا جواب عن الاحتجاج المذكور، تقريره أن يقال: إن الحيضة وإن كانت مؤنثًا ولكن لفظ القرء مذكر فروعي فيه جانب اللفظ مع جواز الأمر الآخر؛ لأن عادة العرب شاعت في أن المعدود إذا كان مؤنثًا واللفظ مذكرًا أو بالعكس فوجهان، لكن اعتبار اللفظ عندهم أولى من اعتبار المعنى.
قال القاضي عياض: تعلق بعض أصحابنا بدخول الهاء في الثلاث في قوله : ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١) على أن المراد بالأقراء: الأطهار، ولو أراد الحيض لقال: ثلاث قروء؛ لأن العرب تدخل الهاء في عدد المذكر من الثلاثة إلى العشرة، وتحذفها من المؤنث.
فإتيانها في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١) يدل على أن المراد الأطهار. وهذا غلط؛ لأن العرب قد تراعي في التذكير والتأنيث اللفظ المقرون به العدد، فتقول: ثلاث منازل. وهي تريد: ثلاث ديار إذ كانت الدار مؤنثة؛ لأن لفظ المنزل مذكر وقد يعتبر المعنى أحيانًا، قال ابن أبي ربيعة:
وكان مجني دون من كنتُ أتقي ثلاث شخوص كاعبان ومعصرُ.
فأنث على معنى الشخوص لا على اللفظ.
وحكى أبو عمرو بن العلاء: أنه سمع أعرابيًّا يقول: فلان لغوب جاءته كتابي فاحتقرها، قال: فقلت له: أفتقول: جاءته كتابي؟ فقال: أليس بصحيفة؟
فأخبر أنه أنَّث مراعاة للفظة الصحيفة الذي لم يذكره لما كانت في المعنى؛ ففي الكتاب المذكور.
ص: فأما وجه هذا الباب من طريق النظر؛ فإنا قد رأينا الأمة جُعل عليها في العدة نصف ما جُعل على الحرَّة فكانت الأمة إذا كانت ممن لا تحيض كان عليها نصف عدة الحرة إذا كانت ممن لا تحيض وذلك شهر ونصف، فإذا كانت ممن تحيض جُعل عليها -باتفاقهم- حيضتان وأريد بذلك نصف ما على الحرة.
стр. 5433
ولقد قال عمر ﵁ بحضرة أصحاب رسول الله ﵇: "لو قدرت أن أجعلها حيضةً ونصف لفعلت" فلما كان ما على الأمة هو الحيض لا الأطهار وذلك نصف ما على الحرة ثبت أن ما على الحرة أيضًا هو من جنس ما على الأمة وهو الحيض لا الأطهار، فثبت بذلك قول الذين ذهبوا في الأقراء إلى أنها الحيض، وانتفى قول مخالفيهم، وهذا قول في حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: وجه النظر والقياس الذي ذكره قوي؛ لأن العدة على الأمة نصف عدة الحرة بلا نزاع فإذا كانت الأمة آيسة تجعل عدتها شهرًا ونصف، وإذا كانت حائضًا تجعل عدتها حيضتان، فإذا كان ما عليها من العدة هو الحيض وذلك نصف ما على الحرة، ثبت بالضرورة أن ما على الحرة هو من جنس ما على الأمة وهو الحيض لا الأطهار.
قوله: "ولقد قال عمر ﵁: ... " ذكر هذا تاكيدًا لما قاله من وجوب العمل على الأمة على نصف ما يجب على [أطراف الحديث] الحرة، وبيانًا للواجب على الأمة الاعتداد بالحيض لا بالطهر.
ألا ترى كيف قال: "لو قدرت أن أجعلها حيضةً ونصفًا" أي أن أجعل عدة الأمة حيضة ونصف حيضة تحقيقًا للتنصيف، ولكن لما لم تتجزأ الحيضة جعلت كاملة فصارت حيضتان، ألا ترى أنه لما أمكن التنصيف الحقيقي في الأشهر جعلت عدتها شهرًا ونصفًا لإمكان التجزيء فيه.
ثم إن الطحاوي ذكر ما روي عن عمر ﵁ معلقًا ها هنا.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) مسندًا: نا ابن عيينة، عن عمرو [سمع عمرو بن أَوْس يقول]: أخبرني رجل من ثقيف يقول: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "لو استطعت أن أجعل عدة الأمة حيضةً ونصفًا فعلت".
стр. 5434
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس، أن عمر ﵁ قال: "لو استطعت أن أجعل عدة الأمة حيضةً ونصفًا لفعلتُ. فقال رجل: يا أمير المؤمنين فاجعلها شهرًا ونصفًا. فسكت".
قلت: هذا الإسناد أصح من الأول؛ لأن في الأول مجهولاً، فافهم.
ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ في عدة الأمة ما حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن مظاهر بن أسلم، عن القاسم، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﵇: "تعتد الأمة حَيْضَتَيْن، وتطلق تطليقتين".
حدثنا يزيد بن سنان قال: ثنا الصلت بن مسعود الجحدري، عن عمر بن شبيب المسلي، عن عبد الله بن عيسى، عن عطية، عن ابن عمر ﵄، عن رسول الله ﵇ مثله.
فدل ذلك أيضًا على ما ذكرنا والله أعلم.
ش: ذكر حديثين في عدة الأمة لدلالتهما على ما ذكره من اعتداد الأمة بحيضتين.
أحدهما: أخرجه عن عائشة ﵂ رواه عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، عن مظاهر -بضم الميم وبالظاء المعجمة وكسر الهاء- بن أسلم، ويقال: مظاهر بن محمد بن أسلم القرشي المخزومي المدني وثقه ابن حبان، وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، عن عائشة أم المؤمنين ﵂.
وأخرجه أبو داود (٢): نا محمد بن مسعود قال: نا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن مظاهر، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، عن النبي ﵇: ... مثله. إلا أنه قال: "وعدتها حيضتان".
стр. 5435
وأخرجه الترمذي (١): نا محمد بن يحيى النيسابوري قال: نا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: حدثني مظاهر بن أسلم قال: حدثني القاسم بن محمد، عن عائشة أن رسول الله ﵇ قال: "طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان".
وأخرجه ابن ماجه (٢): نا محمد بن بشار، نا أبو عاصم ... إلى آخره نحوه.
وقال الترمذي: حديث عائشة حديث غريب لا يعرف مرفوعًا إلا من حديث مظاهر بن أسلم، ومظاهر بن أسلم لا يعرف له في العلم غير هذا الحديث.
وقال أبو داود: وهو حديث مجهول.
وقال الخطابي: هو حديث ضعيف.
وقال البيهقي: مظاهر بن أسلم مجهول.
قلت: أما قول الترمذي: لا يعرف له في العلم غير هذا الحديث. يَرُدُّه ما رواه أبو أحمد بن عدي (٣)، وإسناده: عن مظاهر بن أسلم، عن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ كان يقرأ عشر آيات من آخر آل عمران كل ليلة".
وأما قول أبي داود: وهو حديث مجهول. يعني: لجهالة مظاهر فغير مُسَلَم؛ لأنه كيف يكون مجهولاً وقد روى عن الأئمة الكبار مثل ابن جريج والثوري وأبي عاصم النبيل.
وأما قول الخطابي: إن الحديث ضعيف. غير مسلَّم أيضًا؛ لأن مظاهرًا وثقه ابن حبان على ما ذكرنا، وقال الحاكم (٤) في "المستدرك": لم يذكره أحد من متقدمي مشايخنا بجَرْح فالحديث إذًا صحيح.
стр. 5436
ويشده أيضًا الحديث الثاني، وهو حديث عبد الله بن عمر الذي رواه من أصحاب السنن ابن ماجه (١).
وقال: ثنا محمد بن طريف وإبراهيم بن سعيد الجوهري قالا: ثنا عمر بن شبيب المُسْلي، عن عبد الله بن عيسى، عن عطية، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵇: "طلاق الأمة اثنتان، وعدتها حيضتان".
وأخرجه الطحاوي: عن يزيد بن سنان، عن الصلت بن مسعود بن طريف الجحدري شيخ مسلم، عن عمر بن شبيب بن عمر المُسْلِي المذحجي الكوفي فيه مقال؛ فعن يحيى: ليس بثقة. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن حبان: كان شيخًا صدوقًا، ولكنه كان يخطئ كثيرًا.
والمُسْلي -بضم الميم وسكون السين المهملة- نسبة إلى بني مسلية.
وهو يروي عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي روى له الجماعة، عن عطية بن سَعْد بن جنادة العوفي الجدلي القيسي الكوفي، فيه مقال؛ فعن أحمد: ضعيف الحديث. وعن أبي زرعة: لين. وعن يحيى بن معين: صالح. روى له الأربعة غير الترمذي.
فهذان الحديثان يشدُّ بعضهما بعضًا ولا سيما وافقهما ما روي عمن نذكرهم من الصحابة والتابعين ممن قولهم: "طلاق الأمة ثنتان، وعدتها حَيْضتان".
ويستفاد منهما أحكام:
الأول: فيه دلالة صريحة أن عدة الأمة حيضتان وقال ابن حزم في "المحلى": مذهب جمهور السلف من الصحابة والتابعين أن عدة الأمة حيضتان، وصح عن عمر وابنه وزيد بن ثابت ﵃.
стр. 5437
وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا علي بن مُسْهر، عن سعيد، عن حبيب المعلم، عن الحسن، عن علي ﵁: "عدة الأمة حيضتان، فإن لم تكن تحيض فشهر ونصف".
وكذا روي عن سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وسالم بن عبد الله والحسن البصري والزهري وعطاء بن أبي رباح والشعبي، وهذا كله حجة على الشافعي ومن تبعه من أن عدة الأمة طهران.
الثاني: فيه دلالة على أن المراد من الأقراء الحيض لا الأطهار؛ لأنه إذا ثبت أن عدة الأمة حيضتان كانت عدة الحرة ثلاث حيض، وثبت أن الأقراء هي الحيض مع ما تأيد بحديث: "المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها"، وقوله ﵇ في سبايا أوطاس: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة" (٢).
الثالث: فيه دلالة صريحة أن عدد الطلاق يعتبر بحال المرأة؛ لأن النبي ﵇ جعل طلاق جنس الإماء ثنتين؛ لأنه أدخل لام الجنس على الأمة في رواية أبي داود (٣): "طلاق الأمة تطليقتان" كأنه قال: طلاق كل أمة ثنتان من غير فصل بين ما إذا كان زوجها عبدًا أو حرًا، وهذا أيضًا حجة على الشافعي ومن تبعه في قولهم: عدد الطلاق يعتبر بالرجال.
...
стр. 5438
ص: باب: المطلقة طلاقًا بائنًا ماذا لها على زوجها في عدتها ؟
ش: أي هذا باب في بيان ما يجب على الرجل لامرأته إذا طلقها طلاقًا بائنًا.
ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن الأنصاري، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا المغيرة وحصين وأشعث وإسماعيل بن أبي خالد وداود وسيار ومجالد، عن الشعبي قال: "دخلت على فاطمة بنت قيس بالمدينة، فسألتها عن قضاء رسول الله ﵇، فقالت: طلقني زوجي البتة، فخاصمته إلى رسول الله ﵇ في السكنى والنفقة، فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة، وأمرني أن أعتد في بيت ابن أم مكتوم".
وقال مجالد في حديثه: "يا بنت قيس، إنما النفقة والسكنى على من كانت له الرجعى".
حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى، قال: حدثني أبو سلمة، قال: حدثتني فاطمة بنت قيس: "أن أبا عمرو ابن حفص المخزومي طلقها ثلاثًا، فأمر لها بنفقة، فاستعملتها وكان النبي ﵇ بعثه نحو اليمن، فانطلق خالد بن الوليد ﵁ في نفرٍ من بني مخزوم إلى النبي ﵇ وهو في بيت ميمونة، فقال: يا رسول الله، إن أبا عمرو بن حفص طلق فاطمة ثلاثًا، فهل لها نفقة؟ فقال النبي ﵇: ليس لها نفقة ولا سكنى. وأرسل إليها أن تنتقل إلى أم شريك، ثم أرسل إليها أن أم شريك يأتيها المهاجرون الأولون، فانتقلي إلى ابن أم مكتوم، فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا بشر بن بكر، قال: حدثني الأوزاعي ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا بحر بن نصر، قال: قُرئ على شعيب بن الليث: أخبرك أبوك، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة أنه قال: "سألت فاطمة بنت قيس فأخبرتني:
стр. 5439
أن زوجها المخزومي طلقها، وأنه أبى أن ينفق عليها، فجاءت إلى رسول الله ﵇، فأخبرته، فقال رسول الله ﵇: لا نفقة لك، انتقلي إلى ابن أم مكتوم فكوني عنده، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده".
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا الليث ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا روح بن الفرج، قال: حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدثني الليث، عن أبي الزبير المكي: "أنه سأل عبد الحميد بن عبد الله بن أبي عمرو بن حفص عن طلاق جده أبي عمرو؛ فاطمة بنت قيس، فقال له عبد الحميد: طلقها البتة، ثم خرج إلى اليمن، ووكل عياش بن أبي ربيعة، فأرسل إليها عياش بعض النفقة فسخطتها، فقال لها عياش: ما لك علينا من حق ولا مسكن، فهذا رسول الله ﵇ فسليه، فسألت رسول الله ﵇ عن ما قاله، فقال: ليس لك نفقة ولا مسكن ولكن متاع بالمعروف، اخرجي عنهم. فقالت: أخرج إلى بيت أم شريك؟ فقال لها النبي ﵇: إن بيتها يوطأ، انتقلي إلى بيت عبد الله بن أم مكتوم، فهو أقل أعمى".
حدثنا روح، قال: ثنا يحيى قال: حدثني الليث، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس نفسها ... بمثل حديث الليث عن الزبير حرفًا بحرف.
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة: "أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائبٌ، فأرسل إليها وكيله بشعير، فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء، فجاءت إلى رسول الله ﵇، فذكرت ذلك له، فقال: ليس لك عليه نفقة، واعتدي في بيت أم شريك".
стр. 5440
حدثنا نصر بن مرزوق وابن أبي داود قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: حدثني أبو سلمة: أن فاطمة بنت قيس حدثته، عن رسول الله ﵇، مثله سواء.
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن عبد الله، قال: حدثني الليث ... فذكر بإسناده مثله وزاد: "فأنكر الناس عليها ما كانت تُحدِث من خروجها قبل أن تحل".
حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن أبي كثير، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن فاطمة بنت قيس: "أنها كانت تحت رجل من بني مخزوم، فطلقها البتة، فأرسلت إلى أهله تبتغي النفقة، فقالوا: ليس لك علينا نفقة، فبلغ ذلك رسول الله ﵇، فقال: ليس لك عليهم النفقة وعليك العدة، فانتقلي إلي أم شريك، ثم قال: إن أم شريك يدخل عليها إخوتها من المهاجرين فانتقلي إلى ابن أم مكتوم".
حدثنا ربيع المؤذن وسليمان بن شعيب، قالا: ثنا أسد، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن فاطمة بنت قيس: "أنها استفتت النبي ﵇ حين طلقها زوجها، فقال لها النبي ﵇: لا نفقة لك عنده ولا سكنى، وكان يأتيها أصحابه، فقال: اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه أعمى".
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا أحمد بن صالح، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عاصم بن ثابت أن فاطمة بنت قيس أخبرته -وكانت عند رجل من بني مخزوم فأخبرته-: "أنه طلقها ثلاثًا، وخرج إلى بعض المغازي وأمر وكيلاً له أن يعطيها بعض النفقة، فاستقلتها، فانطلقت إلى إحدى نساء النبي ﵇، فدخل النبي ﵇ وهي عندها، فقال: يا رسول الله هذه فاطمة بنت قيس، طلقها فلانٌ، فأرسل إليها ببعض النفقة فردتها، وزعم أنه شيء تطوَّل به، قال: صدق،
стр. 5441
وقال النبي ﵇: انتقلي إلى أم شريك فاعتدي عندها، ثم قال: إن أم شريك يكثر روادها ولكن انتقلي إلى عبد الله بن أم مكتوم؛ فإنه أعمى، فانتقلت إلى عبد الله، فاعتدت عنده حتى انقضت عدتها".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن أبي بكر بن أي الجهم، قال: "دخلت أنا وأم سلمة على فاطمة بنت قيس، فحدثت أن زوجها طلقها طلاقًا بائنًا وأمر أبا حفص بن عمر أن يرسل إليها بنفقتها خمسة أوساق، فأتت النبي ﵇، فقالت: إن زوجي طلقني ولم يجعل لي السكنى ولا النفقة. فقال: صدق، فاعتدي في بيت ابن أم مكتوم. ثم قال: إن ابن أم مكتوم رجل يغشى، فاعتدي في بيت ابن فلان".
حدثنا فهد قال: حدثني محمد بن سعيد قال: أنا شريك، عن أبي بكر بن صُخَيْرة، قال: "دخلت أنا وأبو سلمة على فاطمة بنت قيس، وكان زوجها قد طلقها ثلاثًا، فقالت: أتيت النبي ﵇ فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة".
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن فاطمة بنت قيس، عن رسول الله ﵇ ... نحوه.
ش: هذه ستة عشر طريقًا كلهم صحاح:
الأول: عن صالح بن عبد الرحمن الأنصاري، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن هُشَيْم بن بشير بن مغيرة، عن مقسم الضَّبِّي الكوفي الفقيه الأعمى روى له الجماعة.
وحُصَين -بضم الحاء- بن عبد الرحمن السُّلَمي الكوفي روى له الجماعة.
وأشعث بن سوَّار الكندي الكوفي روى له مسلم متابعةً والأربعة.
وإسماعيل بن أبي خالد هرمز البجلي الكوفي روى له الجماعة.
وداود بن أبي هند روى له الجماعة.
стр. 5442
وسيَّار -بالياء آخر الحروف المشددة- أبو الحكم العنزي الواسطي روى له الجماعة.
ومُجَالد -بضم الميم والجيم- بن سعيد الكوفي، فيه مقال، فعن يحيى: لا يحتج بحديثه. وعنه: ضعيف واهي الحديث. وقال النسائي: ثقة. وعنه: ليس بالقوي.
روى له الأربعة ومسلم مقرونًا بغيره.
سبعتهم عن عامر الشعبي قال: دخلت على فاطمة بنت قيس بن خالد القرشية الفهرية الصحابية أخت الضحاك بن قيس.
وأخرجه مسلم (١): حدثني زهير بن حرب، قال: ثنا هشيم، قال: أنا سيَّار وحُصين والمغيرة وأشعث ومجالد وإسماعيل بن أبي خالد وداود كلهم، عن الشعبي قال: "دخلت على فاطمة بنت قيس، فسألتها عن قضاء رسول الله ﵇ عليها، فقالت: طلقها زوجها البتة، قالت: فخاصمته إلى رسول الله ﵇ في السكنى والنفقة، قالت: فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة، وأمرني أن أعتد في بيت أم مكتوم".
قوله: "فقالت: طلقني زوجي البته". وفي رواية مسلم: "طلقها زوجها" قالوا: هذا هو الصحيح الذي جاءت به الرواية من الحفاظ، واسم زوجها أبو عمرو بن حفص على ما يأتي في الطريق الثاني.
وقوله: "البتة" وتفسرها رواية أخرى: "يا رسول الله، طلقني ثلاثًا".
قوله: "في بيت ابن أم مكتوم" واسمه عمرو بن قيس، وقيل: زياد بن الأحمر، وقيل: عبد الله، وهو مؤذن النبي ﵇، واسم أم مكتوم: عاتكة.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: أن المبانة ليس لها النفقة والسكنى، وفيه الخلاف على ما يأتي.
الثاني: أن المرأة غير واجب عليها أن تحتجب من الأعمى.
стр. 5443
فإن قيل: قد روى نبهان، عن أم سلمة قالت: "دخل عليَّ رسول الله ﵇، وأنا وميمونة جالستان، فاستأذن عليه ابن أم مكتوم الأعمى، فقال: احتجبا منه. فقلنا: يا رسول الله، أليس بأعمى؟ قال: أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟ " (١).
ففي هذا دليل على أنه واجب على المرء أن يحجب امرأته عن الأعمى، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ (٢).
قلت: نبهان مجهول، لم يرو عنه غير ابن شهاب، روى عنه حديثين، أحدهما هذا، والآخر حديث "المكاتب إذا كان معه ما يؤدي وجب الاحتجاب منه" (٣).
وهذان الحديثان لا أصل لهما، وحديث فاطمة بنت قيس حديث صحيح الإسناد، والحجة به لازمة، وحديث نبهان لا تقوم به حجة.
وقال أبو داود بعد أن ذكر حديث نبهان عن أم سلمة: وهذا لأزواج النبي ﵇ خاصة.
الثالث: فيه إشارة إلى جواز إخراج المعتدة من بيتها الذي طلقت فيه إذا آذت وفحشت على أهل الدار، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٤) قال ابن عباس: هو النشوز وسوء الخلق.
وقيل: هو أن تأتي فاحشةً فتخرج لإقامة الحد.
стр. 5444
وقيل: الفاحشة: بذاؤها على أهل زوجها.
الرابع: فيه جواز استفتاء المرأة وسماع المفتي كلامها.
الثاني: عن محمد بن عبد الله بن ميمون الإسكندراني شيخ أبي داود والنسائي، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى ابن أبي كثير، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن فاطمة بنت قيس.
وأخرجه أبو داود (١): عن محمود بن خالد، عن الوليد، عن أبي عمرو -هو الأوزاعي- عن يحيى، عن أبي سلمة، عن فاطمة بنت قيس إلى آخره نحوه.
قوله: "أن أبا عمرو بن حفص" هكذا قال الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة.
وكذا قال مالك، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي سلمة.
وكذا الزهري، عن أبي سلمة.
وعن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي سلمة.
وقال شيبان وأبان العطار، عن يحيى: أن أبا حفص بن عمرو، فقلَبَ، والمحفوظ ما قالت الجماعة. وذكر الدولابي، عن النسائي: أن اسم أبي عمرو هذا: أحمد.
وقال القاضي: الأشهر في اسمه: عبد الحميد.
وقيل: اسمه كنيته.
قوله: "فانطلق خالد بن الوليد ﵁" إنما مشى خالد بن الوليد في هذا الأمر؛ لأن أبا عمرو بن حفص كان ابن عم خالد بن الوليد ﵄.
стр. 5445
قوله: "إلى أم شريك" هي أم شريك بنت دودان العامرية ويقال: الأنصارية، ويقال: الدوسية، يقال: اسمها غزية، ويقال: غزيلة، ويقال: هي التي وهبت نفسها للنبي ﵇.
قوله: "إن أم شريك يأتيها المهاجرون" فيه دلالة على جواز زيارة الرجال للمرأة إذا أمنوا عليها. فإن قيل: كيف أجاز رسول الله ﵇ لأم شريك أن تجتمع بالرجال؛ ولم يجز ذلك لفاطمة بنت قيس حتى قال لها: "فانتقلي إلى ابن أم مكتوم" مع أن كلاً منهما عورة؟
قلت: لأنه ﵇ علم أن أم شريك من الستر والاحتجاب بحال ليست عليه فاطمة بنت قيس، ولعل فاطمة من شأنها أن تقعد فضلاً لا تحترز كاحتراز أم شريك، ويحتمل أن تكون فاطمة ليست من القواعد وأم شريك من القواعد فليس عليها جناح ما لم تتزين بزينة، فهذا كله فرق بين أم شريك وفاطمة، ولاختلاف الحالتين أمر فاطمة أن تصير إلى ابن أم مكتوم الأعمى حيث لا يراها هو ولا غيره من الرجال في بيته.
الثالث: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن بشر بن بكر التنيسي، عن عبد الرحمن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن فاطمة بنت قيس.
وأخرجه مسلم (١): حدثني محمد بن رافع، قال: ثنا حسين بن محمد، قال: ثنا شيبان، عن يحيى -وهو ابن أبي كثير- قال: أخبرني أبو سلمة: "أن فاطمة بنت قيس -أخت الضحاك بن قيس- أخبرته أن أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثًا، ثم انطلق إلى اليمن، فقال لها أهله: ليس لك علينا نفقة. فانطلق خالد بن الوليد ﵁ في نفرٍ، فأتوا رسول الله ﵇ في بيت ميمونة، فقالوا: إن أبا حفص
стр. 5446
طلق امرأته ثلاثًا، فهل لها من نفقة؟ فقال رسول الله ﵇: ليست لها نفقة، وعليها العدة. وأرسل إليها: أن لا تسبقيني بنفسك. فأمرها أن تنتقل إلى أم شريك، ثم أرسل إليها: إن أم شريك يأتيها المهاجرون الأولون، فانطلقي إلى ابن أم مكتوم؛ فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك. فانطلقت إليه، فلما مضت عدتها أنكحها رسول الله ﵇ أسامة بن زيد بن حارثة".
الرابع: عن بحر بن نصر بن سابق الخولاني، عن شعيب بن الليث، عن أبيه الليث بن سعد، عن عمران بن أبي أنس المصري العامري، عن أبي سلمة عبد الله، عن فاطمة بنت قيس.
وأخرجه مسلم: نا قتيبة بن سعيد، قال: نا ليث، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة قال: "سألت فاطمة بنت قيس ... " إلى آخره نحوه سواء.
الخامس: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن عمرو بن خالد بن فروخ الحراني نزيل مصر وشيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عن فاطمة بنت قيس.
وأخرجه البيهقي (١): من حديث الليث، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة: "سألت فاطمة فأخبرتني أن زوجها المخزومي طلقها، فأبى أن ينفق عليها، فجاءت إلى رسول الله ﵇ فأخبرته، فقال: لا نفقة لكِ، واذهبي إلى ابن أم مكتوم فكوني عنده؛ فإنه أعمى، تضعين ثيابك عنده".
السادس: عن روح بن الفرج القطان أيضًا، عن يحيى بن عبد الله بن بكر القرشي المصري شيخ البخاري، عن الليث بن سعد المصري، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي، عن عبد الحميد بن عبد الله بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم، عن طلاق جده أبي عمرو، فاطمة بنت قيس ... إلى آخره.
стр. 5447
وعبد الحميد هذا ذكره ابن حبان في الثقات. وجده هو أبو عمرو زوج فاطمة بنت قيس، وقد ذكرناه عن قريب.
قوله: "فاطمةَ بنت قيس" نصب؛ لأنه مفعول لمصدر المضاف إلى فاعله، أعني قوله: "عن طلاق جده".
قوله: "ووكل عياش بن أبي ربيعه" أي: وكّل أبو عمرو لما خرج إلى اليمن عياش بن أبي ربيعة عمرو القرشي المخزومي الصحابي.
قوله: "فسخطتها" أي: فسخطت فاطمة بعض النفقة الذي أرسله عياش، وتأنيث الضمير باعتبار النفقة؛ لأن المضاف يكتسب من المضاف إليه حكمه من التسخط وهو الكراهية للشيء وعدم الرضا به، وجاء سَخَطَ مثل سَقَمَ، وسُخْط مثل سُقْم.
قوله: "فسليه" أصله: اسأليه فخفف بحذف الهمزتين.
قوله: "إن بيتها يوطأ" من وطئ برجله على، كذا وأراد أن بيتها يدخله ناس كثير.
وقوله: "أقل واطئةً" أي أقل من حيث الأرجل الواطئة، ويجوز أن تكون الواطئة هنا مصدر مثل الكاذبة أي أقل وطئًا، وأراد به قلة دخول الناس فيه.
واعلم أن أبا القاسم البغوي روى في "معجمه" في ترجمة ابن أبي حفص: ثنا وهب بن بقية، أبنا خالد بن عبد الله الواسطي، عن ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن عبد الحميد، عن أبي عمرو وكانت تحته فاطمة بنت قيس فطلقها، فأتت النبي ﵇ فقال: "لا نفقة لك" انتهى.
فهذا يدل ظاهرًا أن عبد الحميد روى هذا الحديث عن جدِّه أبي عمرو بن حفص المذكور.
وطريق الطحاوي المذكور ساكت عن هذا، وإنما فيه سؤال أبي الزبير عنه عبد الحميد وإخبار عبد الحميد إياه بالقضية فقط.
стр. 5448
السابع: عن روح بن الفرج أيضًا، عن يحيى بن عبد الله بن بكير أيضًا، عن الليث بن سعد أيضًا، عن عبد الله بن يزيد القرشي المخزومي المدني المقرئ الأعور مولى الأسود بن سفيان روى له الجماعة، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن فاطمة بنت قيس نفسها ... إلى آخره.
إنما قال: "نفسها" بالتأكيد ليدل على أن أبا سلمة روى هذا الحديث عن فاطمة بدون واسطة بينهما، بخلاف الطريق الذي قبله؛ فإن عبد الحميد المذكور فيه لم يرو عن نفس فاطمة، وأخبر بالقضية لأبي الزبير المكي حين سأله.
قوله: "حرفًا بحرف" يعني: من غير اختلاف كلمة ولا تغيير لفظ من حديث الليث عن أبي الزبير المذكور في الطريق السابق.
الثامن: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب .... إلي آخره.
وأخرجه مسلم (١): نا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس: "أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير، فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء. فجاءت رسول الله ﵇، فذكرت ذلك له، فقال: ليس لك عليه نفقة. فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم؛ فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك، فإذا حللتِ فآذنيني، قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا يهم خطباني. فقال رسول الله ﵇: أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد. فكرهته، ثم قال: انكحي أسامة. فنكحته، فجعل الله فيه خيرًا واغتبطت".
التاسع: عن نصر بن مرزوق وإبراهيم بن أبي داود البرلسي، كلاهما عن عبد الله ابن صالح شيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن عُقَيل -بضم العين- ابن خالد
стр. 5449
الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن أبي سلمة عبد الله ابن عبد الرحمن بن عوف، عن فاطمة بنت قيس.
وأخرجه الطبراني مختصرًا (١): ثنا محمد بن عبد الرحيم بن نمير المصري، ثنا سعيد بن نفير، نا الليث، عن عُقَيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس: "أنها كانت عند أبي عمرو بن حفص بن المغيرة، فطلقها ثلاث تطليقات، فجاءت رسول ﵇، فاستفتته في خروجها من بيتها، فأمرها أن تنتقل إلى ابن أم مكتوم".
وأخرجه مسلم (٢): حدثني محمد بن رافع، قال: ثنا حجين قال: ثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة ... إلي آخره نحوه.
العاشر: عن روح بن الفرج القطان، عن يحيى بن عبد الله بن بكير شيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن عقيل بن خالد، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن فاطمة بنت قيس.
وأخرجه البيهقي (٣): من حديث عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة، أن فاطمة بنت قيس -وهي أخت الضحاك بن قيس- أخبرته: "أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص، فطلقها ثلاثًا، فأمر وكيله لها بنفقة، فرغبت عنها، فقال: مالك علينا من نفقة. فجاءت رسول الله ﵇، فسألته عن ذلك، فقال لها: صدق. وجعلها إلى ابن أم مكتوم، فأنكر الناس عليها ما كانت تحدث من خروجها قبل أن تحل".
وأخرجه أبو داود (٤): ثنا يزيد بن خالد الرملي، قال: ثنا الليث، عن عقيل،
стр. 5450
عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن فاطمة بنت قيس أنها أخبرته: "أنها كانت عند أبي حفص بن المغيرة، وأن أبا حفص بن المغيرة طلقها ثلاث تطليقات، فزعمت أنها جاءت رسول الله ﵇، فاستفتته في خروجها من بيتها، فأمرها أن تنتقل إلى ابن أم مكتوم الأعمى، فأبى مروان أن يصدق حديث فاطمة في خروج المطلقة من بيتها قال عروة: وأنكرت عائشة على فاطمة بنت قيس".
قال أبو داود: وكذلك رواه صالح بن كيسان وابن جريج وشعيب بن أبي حمزة، كلهم عن الزهري.
الحادي عشر: عن فهد بن سليمان، عن علي بن معبد بن شداد، عن إسماعيل بن أبي كثير الأنصاري المدني، عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، عن أبي سلمة، عن فاطمة.
وأخرجه مسلم (١): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن بشر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن فاطمة بنت قيس ... إلي آخره نحوه.
الثاني عشر: عن ربيع المؤذن صاحب الشافعي، وسليمان بن شعيب الكيساني، كلاهما عن أسد بن موسى، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن القرشي المدني خال ابن أبي ذئب، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن ابن عوف، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان القرشي العامري المدني، كلاهما عن فاطمة بنت قيس.
وأخرجه الطبراني (٢): نا حفص بن عمرو السدوسي، ثنا عاصم بن علي، نا ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن ويزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن، وعن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن فاطمة بنت قيس قالت: "طلقني زوجي، وكان يرزقني طعامًا فيه سيء، وكنت امرأة ليس لي أحد؛
стр. 5451
فقلت: والله لئن كانت لي نفقة فلأطلبنها، فأتيت النبي ﵇، فقال: لا نفقة لك ولا سكنى، اعتدي عند ابن أم مكتوم؛ فإنه أعمى".
الثالث عشر: عن روح بن الفرج القطان، عن أحمد بن صالح المصري المعروف بابن الطبري الحافظ المبرز وشيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الرزاق بن همام -صاحب المصنف- عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبد الرحمن بن عاصم بن ثابت الحجازي، عن فاطمة بنت قيس.
وأخرجه النسائي (١): أنا عبد الحميد بن محمد، ثنا مخلد، قال: ثنا ابن جريج، عن عطاء، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عاصم: "أن فاطمة بنت قيس أخبرته -وكانت عند رجل من بني مخزوم- أنه طلقها ثلاثًا، وخرج عنها إلى بعض المغازي، وأمرَ وكيلَه أن يعطيها بعض النفقة، فتقالَّتها، فانطلقت إلى بعض نساء النبي ﵇، فدخل رسول الله ﵇ وهي عندها، فقالت: يا رسول الله هذه فاطمة بنت قيس، طلقها فلان، فأرسل إليها ببعض النفقة، فردتها، وزعم أنه شيء تطوَّل به. قال: صدق. قال النبي ﵇: فانتقلي إلى أم كلثوم فاعتدي عندها. ثم قال: إن أم كلثوم امرأة يكثر عوادها، فانتقلي إلي عبد الله بن أم مكتوم فإنه أعمى. فانتقلت إلى عبد الله، فاعتدت عنده، حتى انقضت عدتها، ثم خطبها أبو الجهم ومعاوية بن أبي سفيان، فجاءت رسول الله ﵇ تستأمره فيهما، فقال: أما أبو الجهم فرجل أخاف عليك قسقاسته العصا وأما معاوية فرجلٌ أملق من المال، فتزوجت أسامة بن زيد بعد ذلك".
قوله: "تطوَّل به" أي: تفضل به وتبرع من غير وجوب شيء عليه.
قوله: "قسقاسته" وقع في أصل الحافظ المنذري بخطه بالقافين والشينين المعجمتين.
وقال صاحب "النهاية" والهَرَوي: بالقافين والسينين المهملتين وهو الصواب، ومعناه: تحريكه العصا عند الضرب، يقال: قسقس الرجل في مَشْيه إذا أسرع.
стр. 5452
الرابع عشر: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن أبي بكر بن أبي الجهم، وهو أبو بكر بن عبد الله بن أبي الجهم القرشي العدوي وقد ينسب إلى جده، واسم أبي الجهم صُخَيْر، ويقال: عبيد بن حذيفة بن غانم، وثقه يحيى، وابن حبان وروى له مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
وأخرجه ابن ماجه (١) مختصرًا: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد، قالا: ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي بكر بن أبي الجهم صُخَيْر العدوي، قال: سمعت فاطمة بنت قيس تقول: "إن زوجها طلقها ثلاثًا، فلم يجعل لها رسول الله ﵇ سكنى ولا نفقة".
قوله: "رجل يُغشَى" بضم الياء آخر الحروف وسكون الغين وفتح الشين المعجمتين -أي يُقْرَب، وأراد أنه يأتي إليه ناس كثير، وهذه الرواية تخالف سائر الروايات، فإن في سائر الروايات المأمور لها بالسكنى للاعتداد عنده: ابن أم مكتوم، وعلله بأنه أعمى، وفي هذه الرواية المأمور لها عدم السكنى عنده، والانتقال إلى ابن فلان وهو مجهول، والله أعلم.
الخامس عشر: عن فهد بن سليمان، عن محمد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله النخعي، عن أبي بكر بن أبي الجهم صُخَيْر ... إلي آخره.
وأخرجه الطبراني (٢): نا علي بن عبد العزيز، ثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، أنا شريك، عن أبي بكر بن صخير قال: "دخلت أنا وأبو سلمة ... " إلي آخره نحوه سواء.
السادس عشر: عن فهد أيضًا، عن أبي اليمان الحكم بن نافع شيخ البخاري، عن شعيب بن أبي حمزة دينار البصري، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عبيد الله -بالتصغير- بن عبد الله -بالتكبير- بن عتبة بن مسعود المدني الفقيه الأعمى أحد الفقهاء السبعة، عن فاطمة بنت قيس.
стр. 5453
وذكر أبو مسعود الدمشقي أن حديث عبيد الله هذا مرسل. والله أعلم.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قومٌ إلى هذه الآثار فقلدوها، وقالوا: لا تجب النفقة ولا السكنى إلا لمن كانت عليها الرجعة.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري، وعمرو بن دينار وطاوس بن كيسان وعطاء بن أبي رباح وعكرمة والشعبي وأحمد بن حنبل وإسحاق وإبراهيم -في رواية- وأهل الظاهر، فإنهم قلدوا هذه الأحاديث المذكورة، وقالوا: لا نفقة ولا سكنى إلا للمطلقة طلاقًا رجعيًا، والمبتاتة لا نفقة لها ولا سكنى.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: كل مطلقة فلها في عدتها السكنى حتى تنقضي عدتها، وسواء كان الطلاق بائنًا أو غير بائن، فأما إذا كان بائنًا فإنهم يختلفون في ذلك.
فقال بعضهم: لها النفقة أيضًا مع السكنى، حاملاً كانت أو غير حامل.
وممن قال ذلك: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏.
وقال بعضهم: لا نفقة لها إلا أن تكون حاملاً.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: حماد بن أبي سليمان وشريحًا القاضي وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة والحسن بن صالح وعثمان وعبد الله بن الحسن وعبد الرحمن بن مهدي والشافعي ومالكًا وأبا عبيد.
ولكنهم اختلفوا أيضًا، فقال حماد وشريح والنخعي والثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة والحسن بن صالح: كل مطلقة لها السكنى والنفقة، حاملاً كانت أو غير حامل.
وهو معنى قوله: "فقال بعضهم: لها النفقة أيضًا مع السكنى ... " إلي آخره، وهو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏، وهو مذهب عمر بن الخطاب
стр. 5454
وعبد الله بن مسعود ﵄. وقال عبد الرحمن بن مهدي ومالك والشافعي وأبو عبيد: المطلقة لها السكنى بكل حال، والنفقة إن كانت حاملاً.
وهو معنى قوله: "وقال بعضهم: لا نفقة لها إلا أن تكون حاملاً".
وعن عطاء وقتادة: المبتوتة إذا كانت حبل لها النفقة حتى تضع حملها.
وكذا عن عروة وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن المسيب، وربيعة بن أبي عبد الرحمن.
وعن ربيعة: إذا قض لها بالنفقة لحملها ثم ظهر أنها غير حامل ردت ما أخذت من النفقة.
ص: واحتجوا في دفع حديث فاطمة بما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير، قال: ثنا عمار بن رزيق، عن أبي إسحاق قال: "كنت عند الأسود بن يزيد في المسجد الأعظم، ومعنا الشعبي، فذكروا المطلقة ثلاثًا، فقال الشعبي: حدثتني فاطمة بنت قيس أن رسول الله ﵇ قال لها: لا سكنى لك ولا نفقة. قال: فرماه الأسود بحصاةٍ، فقال: ويلك، أتحدث بمثل هذا؟! قد رُفِعَ ذلك إلى عمر بن الخطاب ﵁، فقال: لسنا بتاركي كتاب ربنا وسنة نبينا ﵇ بقول امرأةٍ لا ندري لعلها كذبت، قال الله تعالى: ﴿تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا ...﴾ (١) الآية".
ش: أي احتج الذين قالوا: المطلقة -أي مطلقة كانت- لها النفقة والسكنى في دفع حديث فاطمة بنت قيس بحديث الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، عن عمر بن الخطاب ﵁.
وأخرجه بإسناد صحيح على شرط مسلم: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم الأسدي الزبيري الكوفي، قال
стр. 5455
العجلي: كوفي ثقة. وقال أبو زرعة وابن خراش: صدوق، روى له الجماعة، عن عمار بن رزيق -بتقديم الراء على الزاي المعجمة- الضبي التميمي أبي الأحوص الكوفي، قال يحيى وأبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم والنسائي: لا بأس به. روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي روى له الجماعة، عن الأسود بن يزيد روى له الجماعة.
والشعبي اسمه عامر بن شراحيل.
وأخرجه مسلم (١): نا محمد بن عمرو بن جبلة، قال: نا أبو أحمد، قال: نا عمار بن رُزيق، عن أبي إسحاق قال: "كنت مع الأسود بن يزيد جالسًا في المسجد الأعظم ومعنا الشعبي، فحدث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس: أن رسول الله ﵇ لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، ثم أخذ الأسود كفًّا من حصى فحصبه به، فقال: ويلك، تحدث بمثل هذا؟! قال عمر: لا نترك كتاب الله تعالى وسنة نبينا ﵇ لقول امرأة لا ندري حَفِظَتْ أم نَسِيَتْ، لها السكنى والنفقة، قال الله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. (٢) ".
وأخرجه أبو داود (٣): نا نصر بن علي، قال: أنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا عمار بن رزيق، عن أبي إسحاق قال: "كنت في المسجد الجامع مع الأسود، فقال: أتت فاطمة بنت قيس عمر بن الخطاب ﵁، فقال: ما كنا لندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأةٍ لا ندري أحفظت أم لا؟ ".
وأخرجه النسائي (٤): أنا أبو بكر بن إسحاق، نا أبو الجواب الأحوص بن جواب، نا عمار -هو ابن رزيق- عن الشعبي، عن فاطمة بن قيس ... فذكر
стр. 5456
الحديث: "فحصبه الأسود، وقال: ويلك، لِمَ تفتي بمثل هذا؟! قال عمر بن الخطاب ﵁ لها: إن جئت بشاهدين يَشْهدان أنهما سمعاه من رسول الله ﷺ وإلا لم نترك كتاب الله لقول امرأة، ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٢) " انتهى.
وهذا صريح إنكار من عمر بن الخطاب بحضرة من أصحاب رسول ﵇ فلم ينكر ذلك عليه مُنْكِر؛ فدل ذلك أن مذهبهم في ذلك كمذهبه، وكذلك أنكره من الصحابة أسامة بن زيد، وأم المؤمنين عائشة ﵃ وكذا أنكره من التابعين سعيد بن المسيب والأسود بن عبد الرحمن وغيرهم -على ما يجيء مفصلاً إن شاء الله تعالى.
فقد ظهر من هؤلاء السلف النكير على فاطمة في روايتها لهذا الحديث، ومعلوم أنهم كانوا لا ينكرون روايات الأفراد بالنظر والقياس، فلولا أنهم قد علموا خلافه من سنة النبي ﵇ ومن ظاهر الكتاب لما أنكروه عليها، وقد استفاض خبر فاطمة في الصحابة، فلم يعمل به أحدٌ منهم إلا شيئًا روي عن ابن عباس؛ رواه الحجاج بن أرطاة، عن عطاء، عن ابن عباس: "أنه كان يقول في المطلقة ثلاثًا والمتوفى عنها زوجها: لا نفقة لهما وتعتدان حيث شاءتا" (١).
فإن قيل: قال البيهقي (٢): روى هذا الحديث يحيى بن آدم عن عمار بن رزيق، ولم يقل فيه: "وسنة نبينا" ثم حكى عن الدارقطني أن يحيى بن آدم أحفظ من الزبيري وأثبت منه، ثم قال: قال الشافعي ﵀: ما نعلم في كتاب الله ذكر نفقة، إنما في كتاب الله ذكر السكنى.
قلت: لا معارضة بين رواية يحيى بن آدم وبين رواية الزبيري حتى يرجح يحيى عليه؛ لأن الزبيري ما خالفه بل وافقه وزاد عليه قوله: "وسنة نبينا" وهو إمام
стр. 5457
حافظ، قال محمد بن بشار: ما رأيت رجلاً أحفظ من الزبيري. فهذه زيادة مِنْ ثقة فوجب أن تقبل.
وقال مسلم (١) عقيب حديث الزبيري: ثنا أحمد بن عبدة، ثنا أبو داود، ثنا سليمان بن معاذ، عن أبي إسحاق بهذا الإِسناد نحو حديث أبي أحمد عن عمار بن رزيق بقصته.
فهذا شاهد لحديث الزبيري.
وأيضًا فالحديث رواه أشعث، عن الحكم، وحماد عن إبراهيم عن الأسود، عن عمر نحوه.
فرواية أشعث هذا تشهد له أيضًا وهو يصلح للمتابعة؛ لأن العجلي وثقه، ووثقه ابن معين في رواية، وروى له مسلم في المتابعات. وأخرج له ابن خزيمة في "صحيحه" والحاكم في "مستدركه".
وتشهد له أيضًا ثلاثة أوجه: وجهان أخرجهما ابن أبي شيبة (٢): ثنا وكيع، نا جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران قال: قال عمر ﵁: "لا ندع كتاب ربنا وسنة رسوله لقولة امرأة". وقال أيضًا (٣): ثنا جرير، عن مغيرة: ذكرت لإبراهيم حديث فاطمة، فقال: قال عمر ﵁ "لا ندع كتاب ربنا وسنة رسوله لقول امرأة، لا ندري حفظت أو نسيت، وكان عمر ﵁ يجعل لها السكنى والنفقة".
والوجه الثالث: أخرجه عبد الرازق في "مصنفه" (٤): عن الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس قالت: "طلقني زوجي ثلاثًا، فجئت إلى
стр. 5458
النبي ﵇ فسألته، فقال: لا نفقة لك ولا سكنى، قال: فذكرت ذلك لإبراهيم، فقال: قال عمر بن الخطاب ﵁ لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا، لها النفقة والسكنى. قال فذكرت ذلك لإبراهيم".
وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (١): أنا أبو خليفة، نا محمد بن كثير العبدي، أنا الثوري ... فذكره.
وإذا ثبت هذه الزيادة وهي قوله: "وسنة نبينا". وهي حديث مرفوع عندهم فالظاهر إنما أراد بسنة نبينا: النفقة، وأراد بالكتاب: السكنى، وأما نقله عن الشافعي: "ما نعلم في كتاب الله ذكر نفقة" غير مسلَّم؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ (٢) إيجاب للنفقة؛ لأنها إذا حبست لحقه ولم ينفق عليها فقد ضارَّها وضيق عليها.
فإن قيل: المراد إيجاب السكنى؛ إذ التضييق إنما هو في المكان.
قلت: هذا حمل الكلام على التكرار إذ السكنى مذكورة أولاً بقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ (٢). وفيما قلنا إثبات فائدة أخرى؛ ولأن منع النفقة تضييق، ومنع السكنى ليس بتضييق؛ إذ الواجب أن تقيم في مكان واحد، فإذا منعها منه تقيم حيث شاءت وذلك توسعة. ذكره القدوري في "التجريد"، وقد تكلم ابن حزم ها هنا كلامًا ساقطًا ليس فيه شيء حتى يجاب عنه.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا محمد بن كثير، قال: ثنا سفيان، عن سلمة، عن الشعبي، عن فاطمة، عن النبي ﵇: "أنه لم يجعل لها حين طلقها زوجها سكنى ولا نفقة. فذكرت ذلك لإبراهيم، فقال: قد رفع ذلك إلى عمر ﵁ فقال: لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا ﵇ لقول امرأة، لها السكنى والنفقة".
стр. 5459
ش: هذا طريق آخر وهو أيضًا صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا ابن مرزوق.
ومحمد بن كثير العبدي البصري شيخ البخاري وأبي داود، وسفيان هو الثوري، وسلمة بن كهيل الكوفي، والشعبي هو عامر بن شراحيل.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن الثوري، نحوه.
وأخرجه ابن حبان أيضًا في "صحيحه" (٢) عن أبي خليفة، عن محمد بن كثير، عن الثوري ... إلي آخره نحوه.
فإن قيل: قد قال ابن حزم: هذا مرسل؛ لأن إبراهيم لم يولد إلا بعد موت عمر بسنتين.
قلت: مراسيل النخعي صحيحة إلا حديثين كذا قال ابن معين، وليس هذا الحديث منهما.
وقال صاحب "التمهيد": مراسيل النخعي صحيحة، ثم ذكر بسنده عن الأعمش. قلت للنخعي: "إذا حدثتني حديثًا فأسنده، فقال: إذا قلت: عن عبد الله فاعلم أنه عن غير واحد، وإذا سميت لك أحدًا فهو الذي سميت".
قال أبو عمر: في هذا ما يدل على أن مراسيله أقوى من مسانيده، وقال في موضع آخر: مراسيله عن ابن مسعود وعمر ﵁ صحاح كلها، وأما ما أرسل منهما أقوى من الذي أسند. حكاه يحيى القطان وغيره (٣).
стр. 5460
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن عمر وعبد الله أنهما كانا يقولان: "المطلقة ثلاثًا لها السكنى والنفقة".
وكان الشعبي يذكر عن فاطمة بنت قيس عن النبي ﵇: "أنه ليس لها نفقة ولا سكنى".
ش: هذا مرسل صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا فهدًا.
والأعمش هو سليمان.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا أبو معاوية، عن الأعمش عن إبراهيم، عن عمر وعبد الله ﵄ قالا: "لها السكنى والنفقة".
ص: حدثنا نصر بن مرزوق وسليمان بن شعيب، قالا: ثنا الخصيب بن ناصح، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن حماد، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس: "أن زوجها طلقها ثلاثًا، فأتت النبي ﵇ فقال: لا نفقة لك ولا سكنى، قال: فأخبرت بذلك النخعي فقال: قال عمر ﵁ وأخبر بذلك فقال: لسنا بتاركي آية من كتاب الله وقول رسول الله ﵇ لقول امرأة لعلها وهمتْ؛ سمِعتُ رسول الله ﵇ يقول: لها السكنى والنفقة".
ش: إسناده صحيح، ورجاله ثقات قد تكرر ذكرهم.
وحماد الثاني هو ابن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة ﵁.
وأخرجه ابن حزم (٢) من حديث حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان، أنه أخبر إبراهيم النخعي بحديث الشعبي، عن فاطمة بنت قيس، فقال إبراهيم: إن
стр. 5461
عمر ﵁ أُخْبِر بقولها، فقال: "لسنا بتاركي آية من كتاب الله وقول رسول الله ﵇ لقول امرأة لعلها أوهمت، سمعت النبي ﵇ يقول: لها السكنى والنفقة".
وأخرجه القاضي إسماعيل: ثنا حجاج بن منهال، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن الشعبي: "أن فاطمة بنت قيس طلقها زوجها بائنًا، فقال رسول الله ﵇: لا نفقة لك ولا سكنى. قال: فأخبرت بذلك النخعي فقال: إن عمر ﵁ أخبر بقولها فقال: لسنا بتاركي آيةً من كتاب الله وقول رسول الله ﵇ لقول امرأة لعلها أوهمت، سمعتُ رسول الله ﵇ يقول: لها السكنى والنفقة". انتهى.
وقضية يكون مثل عمر بن الخطاب يقول فيها: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "لها السكنى والنفقة"، لا يجوز ترك قوله لقول امرأة من آحاد الصحابيات يخالف قول عمر بن الخطاب مع موافقة مثل عبد الله بن مسعود إياه فيما قاله، ولو لم يكن لابن مسعود أيضًا علم من رسول الله ﵇ يوافق ما رواه عمر لما وافقه ولما ذهب إلى مذهبه؛ لأن هذا الباب لا مجال للرأي فيه. وألله أعلم.
ص: حدثنا نصر، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن الأسود: "أن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود قالا في المطلقة ثلاثًا: "لها السكنى والنفقة".
قالوا: فهذا عمر ﵁ قد أنكر حديث فاطمة هذا ولم يقبله.
ش: إسناده صحيح.
والخصيب هو ابن ناصح الحارثي، وأبو عوانة: الوضاح اليشكري، والأعمش هو سليمان.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن حفص بن غياث ومحمد بن فضيل، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر: "المطلقة ثلاثًا لها السكنى والنفقة".
стр. 5462
قوله: "قالوا" أي الذين ذهبوا إلى أن المطلقة -أي مطلقة كانت- لها السكنى والنفقة.
ص: وقد أنكره أيضًا عليها أسامة بن زيد ﵄، حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن قال: "كانت فاطمة بنت قيس تحدث عن رسول الله ﵇ أنه قال لها: اعتدي في بيت ابن أم مكتوم".
وكان محمد بن أسامة بن زيد قد أنكر من ذلك، يقول: "كان أسامة إذا ذكرت فاطمة ﵄ من ذلك شيئًا رماها بما كان في يده".
فهذا أسامة بن زيد قد أنكر من ذلك أيضًا ما أنكره عمر بن الخطاب.
ش: أي وقد أنكر الحديث المذكور أيضًا على فاطمة أسامة بن زيد بن حارثة؛ وذلك لأنه كان إذا ذكرت فاطمة من ذلك شيئًا رماها بما كان في يده، فلو لم يكن عنده علم من النبي ﵇ يخالف ما ذكرته فاطمة لما كان ينكر عليها، ولا رماها بما كان في يده حين تذكر من ذلك شيئًا.
وأخرج ما روي عن أسامة بإسناد صحيح.
عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، وشيخ أبي داود والنسائي وابن ماجه، وثقه الخطيب وابن حبان.
عن شعيب بن الليث، روى له مسلم وأبو داود والنسائي.
عن الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة الكندي المصري روى له الجماعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج روى له المجاعة، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، روى له الجماعة ... إلى آخره.
ومحمد بن أسامة بن زيد بن حارثة الضبي المدني، وثقه ابن سعد وابن حبان، وروى له الترمذي.
стр. 5463
وأخرجه ابن حزم في "المحلى" (١): ثنا حُمام بن أحمد، نا عباس بن أصبغ، نا محمد بن عبد الملك بن أيمن، نا مطلب، نا أبو صالح -هو عبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد- نا جعفر، عن ابن هرمز، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: "كان محمد بن أسامة بن زيد يقول: كان أسامة إذا ذكرت فاطمة عن ذلك [شيئًا] (٢) من ذلك -يعني عن انتقالها في عدتها- رماها بما في يده". ثم قال ابن حزم: وهذا ساقط؛ لأن روايه عبد الله بن صالح كاتب الليث وهو ضعيف جدًّا.
قلت: لا نسلِّم ذلك؛ لأن يحيى بن معين كان يوثقه، وروى عنه البخاري في الصحيح على الصحيح ولكنه يدلسه فيقول: حدثنا عبد الله. وقال أبو زرعة: لم يكن عندي ممن يتعمد الكذب وكان حسن الحديث، وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه.
ولئن سلَّمنا ما قاله فهذا شعيب بن الليث في طريق الطحاوي تابعه في ذلك. والله أعلم.
ص: وقد أنكرت ذلك أيضًا عائشة ﵂: حدثنا يونس، قال: ثنا أنس بن عياض، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت القاسم بن محمد وسليمان بن يسار تذاكرا، أن يحيى بن سعيد بن العاص طلَّق ابنة عبد الرحمن بن الحكم فانتقلها عبد الرحمن، فأرسلت عائشة إلى مروان وهو أمير المدينة: أن اتق الله واردد المرأة إلى بيتها، فقال مروان -في حديث سليمان-: إن عبد الرحمن غلبني، وقال -في حديث القاسم-: أما بلغك حديث فاطمة بنت قيس؟ فقالت عائشة: لا يضرك ألا تذكر حديث فاطمة بنت قيس: فقال مروان: إن كان بك الشر فحسبك ما بين هذين من الشر".
стр. 5464
ش: أي وقد أنكرت حديث فاطمة بنت قيس عائشة أيضًا كما أنكره عمر وأسامه ﵃.
وأخرجه بإسناد صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن أنس بن عياض بن ضمرة المدني روى له الجماعة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري قاضي المدينة روى له الجماعة ... إلى آخره.
وأخرجه رزين في كتابه من حديث القاسم بن محمد وسليمان بن يسار: "أن يحيى بن سعيد [بن] (١) العاص طلق امرأته ابنة عبد الرحمن بن الحكم ثلاثاً، فانتقلها أبوها، فأرسلت عائشة إلى أخيه مروان -وكان واليًا على المدينة- تقول له: اتق الله وارددها إلى بيتها تعتد فيه؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٢). قال مروان للرسول: قل لها: يقول لكِ: إن عبد الرحمن بن الحكم غلبني -أو قال: إن أباها قد غلبني- وقال: أَوَمَا بلغك شأن فاطمة بنت قيس؟! فقالت عائشة ﵄: لا يضرك ألا تذكر حديثها، فبلغ ذلك مروان فقال: إن كان بك شر فحسب ما بين هذين من الشر، أما لفاطمة ألا تتقي الله في قولها: لا سكنى ولا نفقة؟ ".
قوله: "إن يحيى بن سعيد بن العاص" هو يحيى بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أميَّة القرشي الأموي أبو أيوب -ويقال: أبو الحارث- المدني أخو عمرو بن سعيد الأشدق ذكره محمد بن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة.
قوله: "ابنة عبد الرحمن بن الحكم" هو أخو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، كما جاء في رواية رزين: "فأرسلت عائشة إلى أخيه مروان وكان واليًا على المدينة" وكان عبد الرحمن بن الحكم شاعرًا مجيدًا.
стр. 5465
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن يحيى بن سعيد ... فذكر بإسناده مثله.
ش: أخرجه مالك في "موطإه" (١): عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد وسليمان بن يسار أنه سمعهما يذكران: "أن يحيى بن سعيد بن العاص طلَّق بنت عبد الرحمن بن الحكم البتة، فانتقلها عبد الرحمن بن الحكم، فأرسلت عائشة أم المؤمنين إلى مروان بن الحكم -وهو يومئذٍ أمير المدينة- فقالت: اتق الله واردد المرأة إلى بيتها، فقال مروان -في حديث سليمان-: إن عبد الرحمن غلبني، وقال مروان -في حديث القاسم-: أو ما بلغكِ شأن فاطمة بنت قيس؟ فقالت عائشة ﵂: لا يضرك ألا تذكر حديث فاطمة، فقال مروان: إن كان بك الشر فحسبك ما بين هذين من الشر".
وأخرجه أبو داود (٢) عن القعنبي، عن مالك ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه البخاري (٣) ومسلم (٤) عنه مختصرًا.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه قال: قالت عائشة ﵂: "ما لفاطمة من خير حين تذكر هذا الحديث -تعني قولها: لا نفقة ولا سكنى".
فهذه عائشة ﵂ أيضًا لم تر العمل بحديث فاطمة أيضًا.
ش: إسناده صحيح.
وأخرجه البخاري (٥): [ثنا محمد بن بشار] (٦)، نا غندر، ثنا شعبة، عن