ش: انتهى الطحاوي في هذا الباب إلى ما لم ينته إليه غيره، ممن كان في عصره، ومَن بعده، حيث أخرج فيه عن خمسة عشر نفرًا من الصحابة ﵃ وهم: عبد الله بن عمر، وأبو ذر، وعبد الله بن أنيس، وأبو سعيد الخدري، وعبادة بن الصامت، وأبو هريرة، وعمر بن الخطاب، وعائشة أم المؤمنين، وبلال بن رباح، وأبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، ومعاوية بن أبي سفيان، فهؤلاء اثني عشر نفرًا.
ومنهم أيضًا: جابر بن عبد الله روى عن عبد الله بن أنيس، وأنس بن مالك روى عن عبادة بن الصامت، وعبد الله بن عباس روى عن عمر بن الخطاب ﵃.
ولما أخرج الترمذي (١) حديث عائشة في ليلة القدر قال: وفي الباب عن عمر، وأبي بن كعب، وجابر بن عبد الله، وابن عمر، والفلتان بن عاصم، وأنس، وأبي سعيد، وعبد الله بن أنيس، وأبي بكرة، وابن عباس، وبلال، وعبادة بن الصامت.
فهؤلاء أربعة عشر نفرًا، وقد فات الطحاوي منهم: الفلتان بن عاصم، وأبو بكرة نفيع بن الحارث، وجابر بن سمرة.
أما حديث الفلتان بن عاصم فأخرجه الطبراني (٢): نا محمد بن النضر الأزدي، نا معاوية بن عمرو، نا زائدة، عن عاصم بن كليب الجرمي، عن أبيه، أن خاله الفلتان بن عاصم أخبره، أنه رأى النبي ﵇، وأن رسول الله ﵇ قال: "أما ليلة القدر فالتمسوها في العشر الأواخر وترًا".
وأما حديث أبي بكرة فأخرجه الترمذي (٣): نا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد بن زريع، نا عيينة بن عبد الرحمن، قال: ثنا أبي، قال: "ذكرت ليلة القدر عند
стр. 5602
أبي بكرة، فقال: ما أنا بملتمسها لشيء سمعته من رسول الله ﵇ إلا في العشر الأواخر، وإنني سمعته يقول: التمسوها في تسع تبقين أو في خمس تبقين أو في ثلاث تبقين أو آخر ليلة".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وأما حديث جابر بن سمرة فأخرجه ابن أبي شيبة (١): ثنا عمرو بن طلحة، عن أسباط بن نصر، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﵇: "اطلبوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان".
ص: وإنما احتجنا إلى ذكر ما روي في ليلة القدر لما قد اختلف فيه أصحابنا من قول الرجل لامرأته: أنت طالق ليلة القدر، متى يقع الطلاق؟
قال أبو حنيفة: إن قال لها ذلك قبل شهر رمضان لم يقع الطلاق حتى يمضي شهر رمضان كله لما قد اختلف في موضع ليلة القدر من ليالي شهر رمضان، على ما قد ذكرنا في هذا الباب، مما روي أنها في الشهر كله ومما روي أنها في خاصٍّ منه، قال: فلا أحكم بوقوع الطلاق إلا بعد مضي الشهر كله؛ لأني أعلم بذلك أنه قد مضى الوقت الذي أوقع الطلاق فيه، وأن الطلاق قد وقع.
قال: وإن قال ذلك لها في شهر رمضان في أوله أو في آخره أو في وسطه لم يقع الطلاق حتى يمضي ما بقي من ذلك الشهر، وحتى يمضي شهر رمضان أيضًا كله من السنة القابلة.
قال: لأنه قد يجوز أن تكون فيما مضى من هذا الشهر الذي هو فيه، فلا يقع الطلاق حتى يمضي شهر رمضان كله من السنة الجائية، وقد يجوز أن تكون فيما بقي من ذلك الشهر الذي هو فيه فيقع الطلاق فيها، وبكون كمن قال قبل شهر رمضان لامرأته: أنت طالق ليلة القدر، فيكون الطلاق لا يحكم به عليه إلا بعد مضي شهر رمضان، قال: فلما أشكل ذلكم، لم أحكم بوقوع الطلاق إلا بعد علمي بوقوعه،
стр. 5603
ولا أعلم ذلك إلا بعد مضي شهر رمضان الذي هو فيه، وشهر رمضان الجائي.
فهذا مذهب أبي حنيفة في هذا الباب، وكان أبو يوسف قال مرةً هذا القول أيضًا، وقال مرةً أخرى: إذا قال لها ذلك القول في بعض شهر رمضان، لم يحكم بوقوع الطلاق حتى يمضي مثل ذلك الوقت من شهر رمضان من السنة الجائية.
قال: لأن ذلك إذا كان فقد كمل حولٌ منذ قال ذلك القول، فهي في كل حول فعلمنا بذلك وقوع الطلاق.
قال أبو جعفر: وهذا القول عندي ليس بشيء؛ لأنه لم ينقل لنا أن كل حول يكون فيه ليلة القدر، على أن ذلك الحول ليس فيه شهر رمضان بكماله من سنة واحدة، وإنما كان نقل لنا أنها في شهر رمضان من كل سنة، هكذا ولنا عليه كتاب الله، وقاله لنا رسول الله ﵇، على ما قد ذكرنا فيما تقدم من هذا الباب.
فلما كان ذلك كذلك احتمل أن يكون إذا قال لها في بعض شهر رمضان: أنت طالق ليلة القدر أن تكون ليلة القدر فيما مضى من ذلك الشهر، فيكون إذا مضى حول من حينئذٍ إلي مثله من شهر رمضان من السنة الجائية لا ليلة فيه، ففسد بما ذكرنا قول أبي يوسف الذي وصفنا وثبت على هذا الترتيب ما ذهب إليه أبو حنيفة.
وقد كان أبو يوسف قال مرة أخرى: إذا قال لها ذلك القول في بعض شهر رمضان؛ أن الطلاق لا يقع حتى تمضي ليلة سبع وعشرين، وذهب في ذلك فيما نرى والله أعلم إلى ما روي عن النبي ﵇ فيه أنها في ليلة القدر من شهر رمضان بعينها هو حديث بلال وحديث أبي بن كعب ﵁، فإذا مضت ليلة سبع وعشرين علم أن ليلة القدر قد كانت، فحكم بوقوع الطلاق، وقبل ذلك فليس يعلم كونها؛ فلذلك لم يحكم بوقوع الطلاق.
فهذا القول تشهد له الآثار التي رويناها في هذا الباب عن النبي ﵇.
ش: هذا كله واضح لظهوره.
قوله: "وقال مرة أخرى ... " إلى آخره، أراد أن أبا يوسف ذهب في هذا القول إلى أن ليلة القدر تكون في جميع السنة، كما قد ذهب إليه طائفة، واختار الإِمام
стр. 5604
أبو بكر الرازي هذا القول حيث قال في كتابه "الأحكام": هذه الأخبار كلها جائز أن تكون صحيحة -وأراد بها الأحاديث التي وردت في ليلة القدر- فتكون في سنة في بعض الليالي، وفي سنة أخرى في غيرها، وفي سنة في العشر الأواخر من رمضان، وفي سنة أخرى في العشر الأوسط، وفي سنة في العشر الأول، وفي سنة في غير رمضان، ولم يقل عبد الله بن مسعود "من يقم الحول يصبها" إلا من طريق التوقيف، ولا يعلم ذلك إلا بوحي من الله إلى نبيه ﵇ فثبت بذلك أن ليلة القدر غير مخصوصة بشهر في السنة، وأنها قد تكون في سائر السنة، ولذلك قال أصحابنا فيمن قال لامرأته: "أنت طالق في ليلة القدر" أنها لا تطلق حتى يمضي حول؛ لأنه لا يجوز إيقاع الطلاق بالشك، ولم يثبت أنها مخصوصة بوقت، فلا يجعل اليقين بوقوع الطلاق إلا بمضي حول.
قلت: قد أفسد الطحاوي هذا القول الذي ذهب إليه الرازي فيما مضى، فالذي ذكره الرازي ليس مذهب أبي حنيفة، والمذهب هو الذي بينه الطحاوي.
وقال شمس الأئمة في "المبسوط" (١): ذكر الفقيه أبو جعفر أن المذهب عند أبي حنيفة أن ليلة القدر تكون في شهر رمضان، ولكنها تتقدم وتتأخر، وعل قول أبي يوسف ومحمد تكون في شهر رمضان لا تتقدم ولا تتأخر، وفائدة هذا الخلاف أن من قال لعبده: أنت حر ليلة القدر؛ فإن قال ذلك قبل دخول شهر رمضان عُتِقَ إذا انسلخ الشهر، وإن قال ذلك بعد مضي ليلة من الشهر لم يعتق حتى ينسلخ شهر رمضان من العام القابل، في قول أبي حنيفة؛ لجواز أنها كانت في الشهر الماضي في الليلة الأولى من الشهر، وعلى قول أبي يوسف ومحمد إذا مضى من الشهر في العام القابل فجاء الوقت الذي حلف؛ عُتِقَ لأنها عندهما لا تتقدم ولا تتأخر، بل هي ليلة من الشهر في كل وقت؛ فإذا جاء الوقت فقد تَيَقَّنَّا بمجيء الوقت المضاف إليه العتق بعد يمينه، فهذا عتق والله أعلم. انتهى.
стр. 5605
وقد ذكر بعض أصحابنا أَنَّه عن أبي حنيفة روايتان: في رواية: أن ليلة القدر تدور في كل سنة، وفي أخرى: تدور في كل رمضان كله، وهي المختارة، وهي قول أبي يوسف ومحمد، وعند الشافعي ومالك وأحمد تدور في العشر الأخير، وذكر النووي في "الروضة": مذهب جمهور العلماء أنها في العشر الأواخر من رمضان، وفي أوتارها أرجى، ومَالَ الشافعي: إلى أنها ليلة الحادي والعشرين، ومال في موضع آخر إلى ليلة ثلاث وعشرين، وعند المزني هي متنقلة في ليالي العشر، تنتقل كل سنة إلى ليلة. انتهى.
ومذهب مالك: أرجاها في تسع بقين أو سبع بقين أو خمس بقين، وعند أحمد يستحب طلبها في جميع ليالي رمضان، وفي العشر الأخير آكد، وفي ليالي الوتر آكد.
***
стр. 5606
ص: باب: طلاق المكره
ش: أي هذا باب في بيان أحكام طلاق المكره.
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا بشر بن بكر، قال: أنا الأوزاعي، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "تجاوز الله لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
ش: إسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح ما خلا ربيعًا.
والأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو، وعطاء هو ابن أبي رباح.
وأخرجه الدارقطني (١): عن أبي بكر النيسابوري وابن صاعد، ثنا الربيع بن سليمان ... إلى آخره نحوه سواء.
وأخرجه ابن ماجه (٢): ثنا محمد بن المصفى الحمصي، ثنا الوليد بن مسلم، نا الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ قال: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
فهذا كما ترى أسقط عبيد بن عمير في روايته.
ورواه ابن حزم (٣) من طريق الربيع وصححه، وقال النووي في الأربعين: هو حديث حسن. وقال عبد الله بن أحمد: ذكرت حديث ابن المصفى الحمصي لأبي، فأنكره جدًّا، وقال: هذا يروى من غير هذا الوجه بإسناد جيد أصلح من هذا.
قلت: أشار بجودة الإسناد إلى الوجه الذي أخرجه الطحاوي والدارقطني، وأما الذي أنكره فهو الوجه الذي أخرجه ابن ماجه. قوله: "تجاوز الله" أي عفا الله، من جازه يجوزه إذا تعداه وعبر عليه.
стр. 5607
قوله: "لي" أي لأجلي، وذلك لأنه لم يتجاوز ذلك إلا عن هذه الأمة؛ لأجل سيدنا محمد ﷺ .
قوله: "الخطأ والنسيان" منصوبان بقوله: "تجاوز" وفيه حذف، أي: تجاوز حكمهما لأن عينهما لم ترفع، ثم الخطأ في اللغة هو ضد العمد، والنسيان ضد الذكر والحفظ، وفي الاصطلاح: الخطأ هو الفعل من غير قصد تام، والنسيان معنى يزول به العلم في الشيء مع كونه ذاكرًا لأمور كثيرة، وإنما قيل ذلك احترازًا عن النوم والجنون والإغماء.
وقيل: النسيان عبارة عن معنىً يعتري الإنسان بدون اختياره، فيوجب الغفلة عن الحفظ.
وقيل: النسيان عبارة عن الجهل الطارئ، ويقال: المأتي به إن كان على جهة ما ينبغي فهو الصواب، وإن كان لا على ما ينبغي نُظر، فإن كان مع قصد من الآتي به يسمى الغلط، وإن كان من غير قصد منه فإن كان يَتَنَبَّه بأيسر تنبيه يسمى السهو وإلا يسمى الخطأ.
قوله: "وما استكرهوا عليه" عطف على ما قبله في محل النصب وهو على صيغة المجهول من الاستكراه، والإكراه حمل الغير على أمرٍ لا يريد مباشرته.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: حكم الخطأ مرفوع، لكن في حق الله تعالى لا في حقوق العباد؛ لأن في حقه عذرًا صالحًا لسقوطه، حتى قيل: إن الخاطئ لا يأثم ولا يؤاخذ بحدٍّ ولا قصاص، وأما في حقوق العباد فلم يجعل عذرًا، حتى وجب ضمان العدوان على الخاطئ لأنه ضمان مال لا جزاء فعل، ووجبت به الدية وصح طلاقه عندنا، وقال الشافعي: لا يصح؛ لعدم الاختيار منه فصار كالنائم والمغمى عليه.
قلنا: الاختيار أمر باطن لا يوقف عليه إلا بحرج، فلا يصح تعليق الحكم عليه.
الثاني: أن حكم النسيان مرفوع، ولكنه لا ينافي الوجوب، ولا يصلح عذرًا في سقوط شيء من الواجبات؛ لأنه لا يزول به العقل فلا يخل بالأهلية، لكنه لما كان
стр. 5608
من جهة صاحب الشرع يكون عذرًا في حقه فيما يقع فيه غالبًا لا في حق العباد، وهو إما أن يقع فيه المرء بتقصيره كالأكل في الصلاة والجماع في الإحرام والاعتكاف، فإن حالها يذكره.
وإما لا يقع بتقصيره إما بأن يدعو إليه الطبع كالأكل في الصوم فإن الغالب فيه ميل الطبع لأنه وقت أكل وشرب في عامة الأوقات، فيغلبه النسيان، أو بمجرد أنه مركوز في الإنسان كما في الذبيحة فإن الذبح حالة خوف وإزهاق روح فتكثر الغفلة والنسيان عن التسمية في تلك الحالة، والأول ليس بعذر بخلاف الأخيرين.
الثالث: فيه أن الله تجاوز عما استكرهوا عليه، والإكراه لا ينافي الوجوب، ولا أهلية الأداء؛ لأن الأهلية ثابتة بالذمة والبلوغ والعقل وهي قائمة سواء كان إكراهًا كاملًا أو إكراهًا قاصرًا، ولكن المكره متردد في الإتيان بالإكراه عليه بين فرض عليه: كما لو أكره على شرب الخمر بالقتل فإنه يفرض عليه الإقدام، وحرام عليه: كما لو أكره على قتل مسلم ظلمًا فإنه يحرم عليه الإقدام، وإباحة: كما لو أكره على الإفطار في رمضان فإنه يباح له ذلك، ورخصه: كما لو أكره على إجراء كلمة الكفر، فإنه يرخص له ذلك، وتارة يأثم المكره في الإكراه بالإقدام على الفعل كما في قتل النفس ظلمًا، وتارة يؤجر كما في شرب الخمر، وتحقيق هذه الأشياء -من الفرضية والحرمة والإباحة والإثم والأجر- دليل ثبوت الخطاب في حقه، فإذا كان كذلك فلا يصلح الإكراه لإبطال شيء من الأقوال كالطلاق والعتاق والبيع، والأفعال كالقتل والزنا وإتلاف مال الغير.
ص: فذهب قوم إلى أن الرجل إذا أكره على طلاق أو نكاح أو يمين أو عتاق أو ما أشبه ذلك حتى فعله كرهًا، أن ذلك كله باطل؛ لأنه قد دخل فيما تجاوز الله فيه للنبي ﵇ عن أمته، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عمر بن عبد العزيز في رواية وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري والضحاك وشريحًا القاضي وعكرمة وعبد الله بن عبيد بن عمير وطاوسًا وأبا الشعثاء جابر بن زيد والحسن بن حي والأوزاعي والشافعي
стр. 5609
ومالكًا وأحمد ﵏، فإنهم ذهبوا إلى هذا الحديث، وقالوا: لا يقع طلاق المكره ولا عتاقه ولا يصح نكاحه ولا يمينه وإليه ذهب أهل الظاهر.
وقال ابن حزم في "المحلى": وطلاق المكره غير لازم له، ثم روي ذلك عن عمر ابن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس ﵃.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل يلزمه ما حلف به في حال الإكراه من يمين، وينفذ عليه طلاقه وعتاقه ونكاحه ومراجعته لزوجته المطلقة إن كان راجعها.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الشعبي وعمر بن عبد العزيز -في رواية- وأبا قلابة عبد الله بن زيد وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وقتادة وشريحًا -في رواية- والنخعي والزهري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا؛ فإنهم قالوا: يقع طلاق المكره، وينفذ عتاقه، ويلزمه ما حلف من اليمين.
وروي ذلك عن عمر وابن عمر وعلي بن أبي طالب ﵃.
وقال ابن حزم قولاً ثالثًا وهو: أن طلاق المكره إن أكرهه اللصوص لم يلزمه وإن أكرهه السلطان لزمه، رويناه عن الشعبي.
وقال قولاً رابعًا أيضًا عن إبراهيم أنه قال: "إن كره ظلمًا على الطلاق [فورَّى] (١) إلى شيء آخر لم يلزمه، وإن لم [يور] (٢) لزمه ولا ينتفع الظالم [بالتورية] (٣) وهو أحد قولي سفيان.
стр. 5610
ص: وتأولوا في هذا الحديث معنى غير المعنى الذي تأوله أهل المقالة الأولى، فقالوا: إنما ذلك في الشرك خاصة؛ لأن القوم كانوا حديث عهد بالكفر في دار كانت دار كفر، فكان المشركون إذا قدروا عليهم استكرهوهم على الإقرار بالكفر، فيقرون بذلك بألسنتهم كما قد فعلوا ذلك بعمار بن ياسر وبغيره من أصحاب رسول الله ﵇، فنزلت فيهم ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (١) وربما سهوا فتكلموا بما جرت [عليه] (٢) عاداتهم قبل الإِسلام، وربما أخطأوا فتكلموا بذلك أيضًا، فتجاوز الله عن ذلك؛ لأنهم غير مختارين ولا قاصدين إليه.
وقد ذهب أبو يوسف إلى هذا التفسير أيضًا.
حدثناه الكيساني عن أبيه عنه.
فالحديث يحتمل هذا المعنى، ويحتمل ما قاله أهل المقالة الأولى، فلما احتمل ذلك احتجنا إلى كشف معانيه ليدلنا على أحد التأويلين فنصرف معنى هذا الحديث إليه، فنظرنا في ذلك فوجدنا الخطأ هو ما أراد الرجل غيره بفعله لا عن قصد منه إليه ولا إرادة منه إياه، وكان السهو ما قصد إليه بفعله على القصد منه إليه؛ على أنه ساه عن المعنى الذي يمنعه من ذلك الفعل، فكان الرجل إذا نَسِيَ أن تكون هذه المرأة له زوجة فقصد إليها فطلقها فكلٌّ قد أجمع على أن طلاقه عامل ولم يبطلوا ذلك لسهوه، ولم يدخل ذلك السهو في السهو المعفو عنه فإذا كان السهو المعفو عنه ليس فيه ما ذكرنا من الطلاق والأيمان والعتاق؛ كان كذلك الاستكراه المعفو عنه ليس فيه أيضًا من ذلك شيء؛ فثبت بذلك فساد قول الذين أدخلوا الطلاق والعتاق والأيمان في ذلك.
ش: أي تأول أهل المقالة الثانية من الحديث المذكور معنى غير المعنى الذي تأوله أهل المقالة الأولى، حاصله أنهم حملوا الحديث على الشرك وخصُّوه به، وبيَّن وجه ذلك بقوله: "لأن القوم ... " إلى آخره، وهو ظاهر.
стр. 5611
وقد قالوا جوابًا آخر: وهو أن عمومات النصوص وإطلاقها يقتضي شرعية هذه التصرفات من غير تخصيص، وتقييد الفائت بالإكراه ليس إلا الرضا طبعًا، وأنه ليس بشرط لوقوع الطلاق، فإن طلاق الهازل واقع وليس براضٍ به طبعًا، وكذلك الرجل قد يطلق امرأته الفائقة حسنًا وجمالًا الرائقة (تغنجًا) (١) ودلالًا لخلل في دينها وإن كان لا يرضى به طبعًا، ويقع الطلاق عليها، والحديث نحن نقول بموجبه: أن كل مستكره عليه معفوٌّ عن هذه الأمة، لكن لا نُسلِّم أن الطلاق وكل تصرف قَوْليّ مستكره عليه؛ وهذا لأن الإكراه لا يعمل على الأقوال كما يعمل على الاعتقادات؛ لأن أحدًا لا يقدر على استعمال لسان غيره بالكلام على تغيير ما يعتقده بقلبه جَبْرًا، فكان كل مسلم مختارًا فيما يتكلم به، فلا يكون مستكرهًا عليه حقيقةً فلا يتناوله الحديث.
قلت: تحقيق هذا الكلام أن الإكراه لا يزيل الخطاب، ولهذا دخل المكره تحت الخطاب بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (٢) هذا في غير ما أكره عليه ظاهر، وكذا فيما أكره عليه، ألا يرى أنه يباح له الفعل مرة ويفترض أخرى كشرب الخمر، وتارة يحرم كالقتل والزنا، فدل على تحقق الخطاب فلما تحقق الخطاب صح تصرفه.
غاية ما في الباب أنه ينعدم الرضا بالإكراه والطلاق ولا يتوقف على الرضا؛ ولهذا يقع طلاق الهازل مع أنه غير راضٍ لوقوع الطلاق.
قوله: "وحدثناه الكيساني" أراد به سليمان بن شعيب بن سليمان بن سليم بن كيسان الكلبي الكيساني، فإنه يروي عن أبيه شعيب بن سليمان، وهو روى عن أبي يوسف ﵀، وعن محمد بن الحسن.
وسليمان بن شعيب وثقه ابن السمعاني.
стр. 5612
قوله: "فنظرنا في ذلك ... " إلى آخره، يُبيِّنُ به فساد استدلال أهل المقالة الأولى بالحديث المذكور، ولكن هذا غير تام في الجواب عن الحديث لأن الذي ذكره هو وجه النظر والقياس على ما لا يخفى.
فنقول: الجواب على الحديث لا يخلو إما أن يكون المراد رفع الخطأ والنسيان والإكراه، حقيقة ذلك أو حكم ذلك، فلا يجوز الأول؛ لأنه قد يوجد حقيقة ذلك وهذا ظاهر متعين.
الثاني: ثم هو على نوعين؛ إما أن يُراد به حكم الدنيا أو حكم الآخرة، فلا يجوز الأول؛ لأن في القتل الخطأ تجب الدية والكفارة بالنص، وذاك من أحكام الدنيا فَتَعَيَّن الثاني وهو حكم الآخرة، وكذا جِماعُ المُكرَه يوجب الغسل ويفسد عليه حِجَّه وصومه، وذاك من أحكام الدنيا، فتعين الثاني وهو حكم الآخرة وهو رفع إثم هذه الأشياء، وبه نقول.
على أنا نقول: إن الترمذي (١) روى مسندًا إلى أبي هريرة، عن النبي ﵇ أنه قال: "كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله".
وهذا بعمومه يدل على وقوع طلاق المكره.
ص: واحتج أهل المقالة الأولى أيضًا لقولهم بما رُوي عن رسول الله ﵇:
حدثنا يونس، أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي: "أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر يقول: قال رسول الله ﵇: الأعمال بالنيَّة، وأنما لامرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله؛ فهجرته إلى الله وإلى رسوله، ومَنْ كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأةٍ يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد ... فذكر بإسناده مثله.
стр. 5613
قالوا: فلما قال: "الأعمال بالنية" ثبت أن عملًا لا ينفذ من طلاقٍ ولا عتاقٍ ولا غيره إلا أن تكون معه نية.
ش: أي: احتج أهل المقالة الأولى أيضًا فيما ذهبوا إليه بحديث عمر بن الخطاب ﵁؛ فإنه قال في حديثه عن النبي ﵇: "الأعمال بالنية".
وطلاق المُكرَه حاكي لما أُمِرَ أن يقوله فقط، ولا طلاق على من حكى كلامًا ما، لم يعتقده.
ثم إنه أخرج الحديث المذكور من طريقين صحيحين:
الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح.
والثاني: كذلك ما خلا ابن مرزوق.
وأخرجه الجماعة (١).
فأول ما افتتح به البخاريُّ كتابه هذا الحديث.
وهو حديث مشهور، وفيه أبحاث كثيرة بين أهل العلم.
ص: فكان من الحجة للآخرين في ذلك: أن هذا الكلام لم يُقصدْ به إلى المعنى الذي ذكره هذا المخالف؛ وإنما قُصِدَ به إلى الأعمال التي يجبُ بها الثواب، ألا تراه يقول: "الأعمال بالنية، وإنما لامرئٍ ما نوى" يريد: من الثواب؟ ثم قال: "فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله؛ فهجرته إلى الله وإلى رسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها. فهجرته إلى ما هاجر إليه".
فذلك لا يكون إلا جوابًا لسؤالٍ، كأن النبي ﵇ سئل عمَّا للمهاجر من عمله أي: من هجرته؟ فقال: "إنما الأعمال بالنية".
стр. 5614
حتى أتى على الكلام الذي في الحديث، وليس ذلك من أمر الإكراه على الطلاق والعتاق والرجعة والأَيْمان في شيء.
فانتفى هذا الحديث أن يكون فيه حجة لأهل المقالة التي بدأنا بذكرها على أهل المقالة التي ثنَّينا بذكرها.
ش: أي: فكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية، وأراد به الجواب عن احتجاج أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه بحديث عمر بن الخطاب المذكور.
تقريره: أن يقال: لا نُسلِّم صحة الاحتجاج بهذا الحديث على عدم وقوع طلاق المكره وعتاقه، وعدم وجوب أَيْمانه، فإن الحديث ليس معناه على ما ذكره هؤلاء؛ وإنما معناه: الأعمال التي يجب بها الثواب بالنيات؛ لأن الحديث خرج مخرج الجواب، وذلك أنهم سألوا النبي ﵇ عمَّا للمهاجر في عمله؟ أي: هجرته؟ فأجاب لهم بقوله: "الأعمال بالنية" أي: ثواب الأعمال يحصل بالنيَّة، حتى أن من كانت نيته في هجرته أن تكون لوجه الله تعالى، وابتغاء مرضاة رسوله؛ فهجرته إلى الله ورسوله يعني: فهجرته واقعة إلى الله فيجازيه على ذلك بأحسن الجزاء.
ومن كانت هجرته لأجل تحصيل دنيا، أو لأجل امرأةٍ يتزوجها، فهجرته واقعة إلي تلك الجهة وليس له ثواب، لأن الأعمال على مقدار النية وأصلُ ذلك: أنه جاء في رجلٍ كان يخطب امرأة بمكة تسمى أم قيس، فهاجرت إلى المدينة، فتبعها الرجل رغبةً في نكاحها، فقيل له: مهاجر أُم قيس. أي: الذي هاجر لأجل أم قيس لا لله ولا لرسوله، فالنبي ﵇ عرَّض بهذا القول توبيخًا له على صنيعه، وتنبيهًا لغيره على الإعراض عن مثل ذلك، وليس في ذلك شيء من أمر الإكراه على الطلاق وغيره، فكيف يصح به الاستدلال على أن بالإكراه لا يقع الطلاق ونحوه؟!
قوله: "التى بدأنا بذكرها" وهم أهل المقالة الأولى.
قوله: "التي ثنَّيْنا" من التثنية، وأراد بهم أهل المقالة الثانية.
стр. 5615
ص: وكان مما احتج به أهل المقالة الثانية لقولهم الذي ذكرنا:
ما حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا أبو أسامة، عن الوليد بن جُمَيْع، قال: ثنا أبو الطفيل، قال: ثنا حذيفة بن اليمان قال: "ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أني خرجت أنا وأبي، فَأَخَذَنَا كفار قريش، فقالوا: إنكم تريدون محمدًا؟ فقلنا: ما نريد إلا المدينة. فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لنَنْصَرِفَنَّ إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله ﵇، فأخبرناه، فقال: انصرفا، نَفِي لهم بعهودهم، ونستعين الله عليهم".
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبد الرحمن بن صالح، قال: حدثني يونس بن بكير، عن الوليد، عن أبي الطفيل، عن حذيفة قال: "خرجت أنا وأبي حُسَيْلٌ، ونحن نريد رسول الله ﵇ ... " ثم ذكر نحوه.
قالوا: فلما منعهما رسولُ الله ﵇ من حضور بدرٍ لاستحلاف المشركين القاهرين لهما على ما استحلفوهما عليه، ثبت بذلك أن الحلف على الطواعية والإكراه سواء، وكذلك الطلاق والعتاق، فهذا أولى ما فُعِلَ في الآثار إذا وُقِف على معاني بعضها، أن يُحمل ما بقي منها على ما لا يخالف ذلك المعنى متى قُدِرَ على ذلك، حتى لا تتضادّ.
فثبت بما ذكرنا أن حديث ابن عباس في الشرك وحديث حذيفة في الطلاق والأَيْمان وما أشبه ذلك.
ش: وجه الاستدلال بهذا الحديث أن رسول الله ﷺ منع حذيفة وأباه حُسَيْلًا من حضور بدرٍ؛ لأجل ما استحلفهما المشركون المتغلبون عليهما، على أن ينصرفا إلى المدينة ولا يُقَاتلاهُم مع النبي ﵇.
فدل ذلك أن الحلف على الاختيار والإكراه سواء؛ إذْ لو لم يصح وجوب اليمين بالإكراه لما منعهما النبي ﵇ من حضور بدر، ولقال لهما: يمينكما كرهًا لا يضركما.
بل قال: "نَفِي لهم بعهودهم".
فدل على أن اليمين يجب بالإكراه كما يجب بالاختيار.
стр. 5616
فإذا كان الحلف على الاختيار والإكراه سواء دخل فيه الطلاق والعتاق. وقد شنَّع ابن حزم في هذا الموضع على أصحابنا؛ فقال: ومِنْ أعظم تناقضهم: أنهم يجيزون طلاق المكره ونكاحه وإنكاحه ورجعته وعتقه ولا يجيزون بيعه ولا ابتياعه ولا هبته ولا إقراره، وهذا تلاعب بالدين.
قلت: حطه على العلماء النقاد بغير وجه هو التلاعب بالدين، ولا تناقض ها هنا؛ لأن التصرفات الشرعية في الأصل نوعان: إنشاء، وإقرار:
والإنشاء نوعان: نوع لا يحتمل الفسخ، ونوع يحتمله.
أما الذي لا يحتمل الفسخ: فالطلاق، والعتاق، والنكاح، والرجعة، واليمين، والنذر، والظهار، والإيلاء، والفيء من الإيلاء، والتدبير، والعفو عن القصاص، وهذه التصرفات جائزة مع الإكراه لما ذكرنا: أن عمومات النصوص وإطلاقها تقتضي شرعية هذه التصرفات من غير تخصيص ولا تقييد.
وأما النوع الذي يحتمل الفسخ: فالبيع، والشراء، والهبة، والإجارة، ونحوها.
فالإكراه يوجب فسادَ التصرفات؛ لعدم الرضا، وصحة هذه مبنية على الرضى، ولم يوجد، بخلاف القسم الأول؛ فإنه لا يتوقف على الاختيار.
ألا ترى كيف ينفذ مع الهزل، وأما الإقرار فإن الإكراه يمنع صحته، سواء كان المُقِرُّ به محتملًا للفسخ أو لم يكن؛ لأن الإقرار إخبار، وصحة الإخبار عن الماضي بوجود المخبر به سابق على الإخبار، والمخبر به ها هنا يحتمل الوجود والعدم، وإنما تترجح جَنَبَة الوجود على جَنَبَةِ العدم بالصدق، وحال الإكراه لا يدل على الصدق؛ لأن الإنسان لا يتحرج عن الكذب حالة الإكراه، فلا يثبت الرجحان.
ثم إنه أخرج حديث حذيفة من طريقين صحيحين.
الأول: عن فهد بن سليمان.
عن أبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، شيخ مسلم وابن ماجه.
عن أبي أسامة حماد بن أسامة بن زيد القرشي الكوفي.
стр. 5617
عن الوليد بن جُميْع، هو الوليد بن عبد الله بن جُميْع الزهري الكوفي.
عن أبي الطفيل عامر بن واثلة بن عبد الله الليثي، الصحابي.
عن حذيفة بن اليمان، واليمان لقب حُسَيْل والد حذيفة -بضم الحاء وفتح السين المهملتين وسكون الياء آخر الحروف- ويقال له: حِسْل -بكسر الحاء وسكون السين-.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، ثنا أبو أسامة، عن الوليد بن جُميْع ... إلى آخره نحوه.
الثاني: عن أحمد بن داود المكي.
عن عبد الرحمن بن صالح الأزدي.
عن يونس بن بُكير بن واصل الشيباني الكوفي.
عن الوليد بن جُميْع ... إلى آخره.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا علي بن المنذر، نا محمد بن فضيل، نا الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل، عن حذيفة، قال: "ما منعني أنا وأبي أن نشهد بدرًا إلا أني أقبلتُ أنا وهو نريد النبي ﵇، فاعترَضَنَا كفار قريش، فقالوا: أين تريدون؟ قلنا: إلى المدينة. قالوا: تريدون محمدًا؛ فأعطونا عهد الله وميثاقه لتنصرفُنَّ إلى المدينة ولا تقاتلون معه. فأعطيناهم ما أرادوا، فخلَّوا سبيلنا، ثم أتينا النبي ﵇، فأخبرناه الخبر، فقال: فُوا لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم. وانصرفوا إلى المدينة، وانصرفنا، فذلك الذي منعنا".
قوله: "نَفِي لهم" بنون الجماعة، من الوفاء.
وقوله: "فُوا" في رواية البزار أمر للجمع من وفَّى، يَفِي، فِ، فِيَا، فُوا، كما تقول: قِ، قِيَا، قُوا.
стр. 5618
قوله: "وأبي حُسَيْلٌ" برفع حُسَيْل؛ لأنه عطف بيان عن قوله: "أبي"، وقد قلنا: إن اسم والد حذيفة حُسَيْل أو حِسْل، واليمان لقب عليه.
قتل حُسَيْل بن جابر؛ قتله المسلمون خطأ في غزوة أحد، فقال حذيفة: أبي، أبي.
فقالوا: والله ما عرفناه. فصدقوا، فتصدق رسول الله ﵇ بديته على المسلمين.
ومات حذيفة بعد مقتل عثمان بأربعين يومًا.
ص: وأما حكم ذلك من طريق النظر؛ فإن فِعْل الرجل مكرهًا لا يخلو من أحد وجهين:
إما أن يكون المُكرَه على ذلك الفعل إذا فعله مكرهًا في حكم مَنْ لم يفعله، فلا يجب عليه شيء.
أو يكون في حكم من فعله فيجب عليه ما يجب عليه لو فعله غير مُسْتكره.
فنظرنا في ذلك، فرأيناهم لا يختلفون في المرأة إذا أكرهها زوجها وهي صائمة في شهر رمضان أو حاجَّةٌ فجامعها؛ أن حجَّها يبطل، وكذلك صومُها، ولم يراعوا في ذلك الاستكراه، فَيَفْرِقُوا بينها وبين الطواعية، ولا جعلت المرأة فيه في حكم من لم يفعل شيئًا، بل قد جعلت في حكم مَنْ قد فعل فعلاً يجب عليه الحكم، ورفع عنها الاثم في ذلك خاصةً، وكذلك لو أن رجلاً أكره رجلاً على جماع امرأةٍ، اضطره إلى ذلك، كان المهر في النظر على المجامع لا على المكرِه، ولا يرجع به المجامع على المكره؛ لأن المكرِه لم يجامع فيجب عليه بجماعه مهرٌ، وما وجب في ذلك الجماع فهو على المجامِع لا على غيره.
فلما ثبت في هذه الأشياء أن المكرَه عليها محكوم عليه بحكم الفاعل لذلك في الطواعية، فيوجبون عليه فيها من الأموال ما يجب على الفاعل لها في الطواعية.
ثبت أنه كذلك المُطَلِّق والمعتِق والمراجع في الاستكراه يحكم عليه بحكم الفاعل، فَيُلْزَم أفعاله كلها.
стр. 5619
فإن قال قائل: فلِمَ لا ألزمت بَيْعَه وإجارته؟
قيل له: إنَّا قد رأينا البيوع والإجارات قد تُردُّ بالعيوب وبخيار الرؤية، وبخيار الشرط، وليس النكاح كذلك، ولا الطلاق، ولا المراجعة، ولا العتق، فما كان قد ينقض بالخيار المشروط فيه، وبالأسباب التي هي في أصله من عدم الرؤية، والردّ بالعيوب، نُقِضَ بالإكراه، وما لا يجب نقضه بشيء بعد ثبوته، لم يُنْقص بالإكراه ولا بغيره.
وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي: وأمَّا حكم هذا الباب من طريق النظر والقياس، وهذا كله واضح.
قوله: "إما أن يكون المكرَه" بفتح الراء، وكذلك قوله: "إذا فعله مكرَهًا".
قوله: "لا على المكرِه" بكسر الراء، وكذلك قوله: "ولا يرجع به المجامع على المكرِه" وكذا قوله: "لأن المكرِه".
وقوله: "إن المكرَه عليها محكوم عليه" بفتح الراء.
قوله: "في الطواعية" مصدر بمعنى الطوع.
قوله: "فإن قال قائل" سؤال يَرِد على قوله: "ثبت أنه كذلك المطلق ... " إلى آخره.
وقد حققنا هذا فيما مضى عن قريب.
ص: وقد رأينا مثل هذا قد جاءت به السنة.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوُحاظي، قال: ثنا سليمان بن بلال، قال: ثنا عبد الرحمن بن حبيب بن أَرْدَك، أنه سمع عطاء بن أبي رباح يقول: أخبرني يوسف ابن مَاهَك، أنه سمع أبا هريرة يحدث، عن النبي ﵇ قال: "ثلاث جِدُّهن جِدّ وهزلهن جِدُّ: النكاح، والطلاق، والرجعة".
стр. 5620
حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخَصِيب وأسدُ، قالا: ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبد الرحمن بن أرْدَك، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن ماهَك، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن أبي كثير الأنصاري، عن حبيب بن أرْدَك، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن مَاهَك، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇، مثله.
ش: أي: قد رأينا مثل ما ذكرنا من أن طلاق المكره واقع، جاءت به السنة عن النبي ﵇.
وهي قوله ﵇: "ثلاثٌ جِدُّهن جِدٌّ ... " الحديث، فإنه يدل على أن طلاق المكرَه واقع.
بيان ذلك: أن طلاق الهازل لما وقع بالنظر إلى التلفظ به وإن لم يكن له قصد بذلك، فكذلك المكرَه يقع طلاقه لِتلفظه به وإن لم يكن له قصد واختيار.
ثم إنه أخرج الحديث المذكور من ثلاث طرق.
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي.
عن يحيى بن صالح الوُحاظي الشامي الدمشقي شيخ البخاري وأحد أصحاب أبي حنيفة.
عن سليمان بن بلال القرشي المدني روى له الجماعة.
عن عبد الرحمن بن حبيب أرْدَك المدني، وثقه ابن حبان.
عن عطاء بن أبي رباح المكي، عن يوسف بن ماهَك بن بُهْزَاذ، روى له الجماعة.
عن أبي هريرة.
وأخرجه الترمذي (١): ثنا قتيبة، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن
стр. 5621
أردَك المديني، عن عطاء، عن ابن ماهَك، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﵇: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة".
الثاني: عن نصر بن مرزوق، عن الخَصيب بن ناصح الحارثي، وأسد بن موسى، كلاهما عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي ... إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا القعنبي، قال: ثنا عبد العزيز -يعني: ابن محمد- عن عبد الرحمن بن حبيب ... إلى آخره نحوه.
الثالث: عن فهد بن سليمان، عن علي بن معبد بن شداد العبدي، عن إسماعيل ابن جعفر بن أبي كثير الأنصاري المدني، عن حبيب بن أردَك ... إلى آخره.
وإنما جاء في هذا الطريق: عن حبيب بن أَرْدَك؛ لأن عبد الرحمن بن حبيب بن أَرْدَك يقال فيه: حبيب بن عبد الرحمن بن أَرْدَك.
وأخرجه أحمد (٢) بنحوه.
وأخرجه ابن ماجه (٣): عن هشام بن عمار، عن حاتم بن إسماعيل، عن ابن أردك ... إلى آخره.
فإن قلت: ما حال هذا الحديث؟
قلت: حسن؛ قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﵇ وغيرهم، وصححه الحاكم في "مستدركه" (٤).
فإن قلت: قال ابن الجوزي في كتابه "التحقيق": عطاء الذي في سند هذا الحديث هو ابن عَجْلان، وهو متروك الحديث، وقال ابن حزم: هذا من الأخبار الموضوعة ورويناه من طريق عبد الرحمن بن حبيب بن أردك وهو منكر الحديث مجهول؛ لأن قومًا قالوا: عبد الرحمن بن حبيب متفق على ضعف روايته.
стр. 5622
قلت: قول ابن الجوزي غلط؛ لأن عطاء الذي في سند هذا الحديث هو ابن أبي رباح كما صرح به الطحاوي وأصحاب السنن في رواياتهم.
وقول ابن حزم باطل؛ لأن الحديث أخرجه أبو داود وسكت عنه، فهذا دليل رضاه به، والترمذي حسنه، وعبد الرحمن بن حبيب بن أردك وثقه ابن حبان والحاكم، وقال: هو من ثقات المدنيين، وذكره ابن خَلْفُون أيضًا في الثقات.
قوله: "ثلاثٌ" مبتدأ.
وقوله: "جدهن" مبتدأ ثان. وخبره: "جدٌّ" والجملة خبر المبتدأ الأول، أي: ثلاثة أشياء جدهن وهزلهن سواء، حتى إذا عقد النكاح بالهزل وقع النكاح، وكذا إذا طلق هازلًا وقع الطلاق، وكذا إذا راجع مطلقته هازلًا.
والِجدُّ -بكسر الجيم- ضد الهزل، يقال: جَدَّ يَجِدُّ جِدًّا.
ص: فلما قال رسول الله ﵇: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد" فمنع النكاح من البطلان بعد وقوعه، وكذلك الطلاق، والمراجعة، ولم نَرَ البيوع حملت على ذلك المعنى، بل حملت على ضده، فجعل من باع لاغيًا كان بيعه باطلاً، وكذلك إن أجَّرَ لاغيًا كانت إجارته باطلة، فلم يكن ذلك عندنا إلا لأن البيوع والإجارات مما تنقض بالأسباب التي ذكرنا، فنقضت بالهزل كما نقضت بذلك، وكانت الأشياء الأُخَر من الطلاق والعتاق والرجعة لا تبطل بشيء من ذلك، فجعلت غير مردودة بالهزل.
فكذلك أيضًا في النظر ما كان ينقض بالأسباب التي ذكرنا ينقض بالإكراه، وما كان لا ينقض بتلك الأسباب لم ينقض بالإكراه.
ش: هذه إشارة إلى بيان وجه الاستدلال بهذا الحديث في وقوع طلاق المكره.
بيانه: أنه ﵇ منع النكاح والطلاق والرجعة من البطلان بعد وقوعها، وذلك لأنها مما لا يُنقض بالخيار المشروط فيه، ولا تُرَدُّ بالعيوب وبخيار الرؤية، فلا تُنْقض بالهزل؛ بخلاف البيوع والإجارات، فإنها مما ينقض بالهزل كما تنقض بتلك الأشياء،
стр. 5623
فإذا كان كذلك اقتضي وجه النظر والقياس أن لا ينقض طلاق المكرَه بالإكراه؛ لأنه مما لا ينقض بتلك الأشياء، بخلاف بيع المكرَه وشراءه فإنه ينقض؛ لأنه مما ينقض بتلك الأشياء.
ص: وقد روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمد بن عبد الرحمن العلاف، قال: ثنا ابن سواء، قال: ثنا أبو سنان، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز ﵁ يقول: "طلاق السكران والمستكره جائز".
ش: أي: قد روي وقوع طلاق المكره عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، أحد الخلفاء الراشدين المهديين.
وأخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي.
عن محمد بن عبد الرحمن العلاف العنبري البصري الثقة.
عن محمد بن سواء بن عنبر السدوسي العنبري، روى له الجماعة؛ أبو داود في "الناسخ والمنسوخ".
عن أبي سنان عيسى بن سنان الحنفي القسملي، وثقه يحيى، وعنه: ضعيف. وقال ابن خراش: ثقة صدوق. وعنه: في حديثه نكرة. روى له الترمذي وابن ماجه.
وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) خلاف هذا: نا يحيى بن بشير، عن زيد بن رفيع، عن عمر بن عبد العزيز قال: "لا طلاق ولا عتاق على مكره".
حدثنا أبو أسامة (٢)، قال: أنا شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن: "أن عاملًا من العمال ضرب رجلاً حتى طلق امرأته، فكتب فيه إلي عمر بن عبد العزيز، قال: فلم يجز ذلك".
стр. 5624
وكذلك اختلفت الرواية عنه في السكران فقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا معتمر بن سليمان، عن ليث، عن عبد الرحمن بن عتبة: "أن عمر بن عبد العزيز أجاز طلاق السكران، وجلده".
حدثنا (٢) يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد: "أن القاسم وعمر بن عبد العزيز كانا لا يجيزان طلاق السكران".
قلت: وبه قال عطاء وطاوس وعكرمة وجابر بن زيد وربيعة والليث بن سعد وإسحاق والشافعي -في قول- والمزني وأحمد في رواية، وهو اختيار الطحاوي والكرخي.
وروي ذلك عن عثمان بن عفان وابن عباس ﵃.
وقالت جماعة: إن طلاق السكران جائز.
وهو قول مجاهد ومحمد بن سيرين والحسن البصري وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وميمون بن مهران وحميد بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار والزهري والشعبي والحكم بن عتيبة وشريح وسالم بن عبد الله والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ومالك والشافعي -في قول- وأحمد في رواية.
وروي ذلك عن عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان ﵃، والله أعلم.
...
стр. 5625
ص: باب: الرجل ينفي حمل امرأته أن يكون منه
ش: أي هذا باب في بيان الرجل الذي يقول لامرأته: حملك ليس مني. كيف يكون حكمه؟
ص: قال أبو جعفر ﵀: ذهب قوم إلى أن الرجل إذا نفى حمل امرأته أن يكون منه؛ لاعن القاضي بينها وبينه بذلك الحمل، وألزمه أمه، وأبان المرأة من زوجها.
واحتجوا في ذلك بحديثٍ يحدثه عبدةُ بن سليمان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله: "أن النبي ﵇ لاعن بالحمل".
وقد كان أبو يوسف قال بهذا القول مرةً وليس بالمشهور من قوله.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: ابن أبي ليلى وعبيد الله بن الحسن ومالكًا وأبا عبيد وأبا يوسف في رواية؛ فإنهم قالوا: من نفى حمل امرأته؛ لاعن بينهما القاضي وألحق الولد بأمه.
واحتجوا في ذلك بحديث عبد الله بن مسعود المذكور أخرجه الطحاوي ها هنا معلقًا، عن عبدة بن سليمان الكلابي الكوفي روى له الجماعة، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس، عن عبد الله بن مسعود.
وأخرجه البيهقي (١): من حديث إسماعيل بن حفص، ثنا عبدة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله: "أن النبي ﵇ لاعن بالحمل". وسيجيء مسندًا بأتم من هذا على وجوهٍ مختلفة.
قوله: "وأبان المرأة" أي: أبان القاضي، بمعنى: حكم بالبينونة بينهما.
واختلفوا في ذلك؛ فقال أبو حنيفة: لا تقع فرقة اللعان إلا بحكم حاكم.
وبه قال الثوري وأحمد.
стр. 5626
وفي مذهب مالك أربعة أقوال:
أحدها: أن الفرقة لا تقع إلا بالتعانهما جميعًا.
والثاني: وهو ظاهر قول مالك في "الموطأ": أنها تقع بالتعان الزوج، وهو رواية أصبغ.
والثالث: قول سحنون أنه يتم بلعان الزوج مع سكوت المرأة.
والرابع: قول ابن القاسم يتم بلعان الزوج إن التعنت فحاصل مذهب مالك: أنها تقع بينهما بغير حكم حاكم ولا تطليق. وبه قال الليث والأوزاعي وأبو عبيد وزفر بن الهذيل، وعند الشافعي: تقع الفرقة بالتعان الزوج.
واتفق أبو حنيفة والثوري والأوزاعي والليث والشافعي ومالك وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور؛ أن اللعان حكمه وسنته الفرقة بين المتلاعنين إما باللعان وإما بتفريق الحاكم على ما ذكرنا من مذاهبهم، وهو مذهب أهل المدينة ومكة والكوفة والشام ومصر.
وقال عثمان البتي وطائفة من أهل البصرة: إذا تلاعنا لم ينقص اللعان شيئًا من العصمة حتى يطلق الزوج.
قال: وأحب إليَّ أن يطلق.
قال الإشبيلي في "شرح الموطأ": هذا قول لم يتقدمه أحدٌ إليه.
قلت: حكى ابن جرير هذا القول أيضًا عن أبي الشعثاء جابر بن زيد.
ثم اختلفوا: هل الفرقة بين المتلاعنين فسخ أو تطليقة؛ فعند أبي حنيفة ومحمد وعبيد الله بن الحسن وإبراهيم النخعي وسعيد بن المسيب: هي طلقة واحدة. وقال مالك: هي فسخ.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يلاعن يحمل لأنه قد يجوز أن لا يكون حملاً، لأن ما يظهر من المرأة مما يُتَوَهَّم به أنها حامل ليس يعلم أنه حمل على حقيقة، إنما هو توهم، فنفي المتوهم لا يوجب اللعان.
стр. 5627
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف -في المشهور عنه- ومحمدًا وأحمد -في رواية- وابن الماجشون من أصحاب مالك وزفر بن الهذيل، فإنهم قالوا: لا تلاعن يحمل وسواء عند أبي حنيفة وزفر بعد النفي لتمام ستة أشهر أو لأقل منها.
وعند أبي يوسف ومحمد وأحمد: إن ولدت لأقل من ستة أشهر ثم نفاه وجب عليه اللعان؛ لأنه حينئذٍ يُتَيَقَّن بوجوده عند النفي، ولأكثر منها احتمل أن يكون حمل حادث، وبه قال مالك، إلا أنه يشترط عدم وطئها بعد النفي.
ص: وكان من الحجة لهم على أهل المقالة الأولى أن الحديث اللي احتجوا به عليهم حديث مختصر، اختصره الذي رواه فغلط فيه، وإنما أصله: "أن رسول الله ﵇ لاعن بينهما وهي حامل فذلك عندنا لعان بالقذف لا لعان بنفي الحمل، فتوهم الذي رواه أن ذلك لعان بالحمل فاختصر الحديث كما ذكرنا، وأصل الحديث في ذلك:
ما حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يحيى بن حماد، قال: نا أبو عوانة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: "بينا نحن عشية في المسجد إذ قال رجل: إنْ أحدنا رأى مع امرأته رجلاً، فإن قتله قتلتموه، وإن هو تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ؟! لأسألن رسول الله ﵇، فسألَ فقال: يا رسول الله، إنْ أحدنا رأى مع امرأته رجلاً، فإن قتله قتلتموه، وإن هو تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ؟! اللهم احكم؟ فأنزلت آية اللعان، قال عبد الله: فكان ذلك الرجل أول من ابتلي به".
حدثنا يزيد، قال: ثنا حكيم بن سيف، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: "قام رجل في مسجد رسول الله ﵇ ليلة الجمعة" فقال: أرأيتم إنْ وجد رجل مع امرأته رجلاً ... " ثم ذكر نحوه. وزاد: "قال عبد الله: فابتلي به، وكان رجلاً من الأنصار، جاء إلى
стр. 5628
رسول الله ﵇ يلاعن امرأته، فلما أخذت امرأته تلتعن، قال لها رسول الله ﵇: مَهْ. فالتعنت، فلما أدبرت قال رسول الله ﵇: لعلها أن تجيء به أسود جعدًا. فجاءت به أسود جعدًا".
حدثنا يزيد، قال: ثنا الحسن بن عمر بن شقيق، قال: ثنا جرير، عن الأعمش ... فذكر بإسناده مثله.
فهذا هو أصل حديث عبد الله في اللعان، وهو لعان بقذف كان من ذلك الرجل لامرأته وهم حامل، لا بحملها.
ش: أي: وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية على أهل المقالة الأولى فيما احتجوا به من حديث عبد الله المذكور.
بيانه: أن ذلك الحديث ليس على أصله؛ لأن راويه اختصره فغلط فيه، وإنما أصله: "أن رسول الله ﵇ لاعن بينهما وهي حامل".
فذلك لا شك أنه لعان بالقذف وليس بنفي الحمل فتوهم الراوي الذي رواه أن ذلك لعان بنفي الحمل؛ لكون المرأة حاملاً وقت اللعان، فاختصر الحديث وقال: "لاعن النبي ﵇ بالحمل".
وأصله ما أخرجه من حديث يزيد بن سنان القزاز من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن يزيد، عن يحيى بن حماد بن أبي زياد البصري ختن أبي عوانة وشيخ البخاري، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عبد الله.
وأخرجه مسلم (١) بأتم منه: ثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة، وإسحاق ابن إبراهيم -واللفظ لزهير، قال إسحاق: أنا، وقال الآخران: ثنا- جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: "إنا ليلة الجمعة في المسجد،
стр. 5629
إذ دخل رجل من الأنصار، فقال: لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلاً فتكلم جلدتموه، أو قتل قتلتموه، وإن سكت سكت على غيظ؟! والله لأسألن رسول الله ﵇، فلما كان من الغد، أتى رسول الله ﵇، فقال: لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فتكلم جلدتموه، أو قتل قتلتموه، أو سكت سكت على غيظ؟! فقال: اللهم افتح، وجعل يدعو، فنزلت آية اللعان: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ ...﴾ (١) هذه الآيات، فابتلي به ذلك الرجل من بين الناس، فجاء هو وامرأته إلى رسول الله ﵇ فتلاعنا، فشهد الرجل أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ثم لَعَّن الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فذهبت لتلتعن، فقال لها النبي ﵇: مَهْ. فأتت فَلَعَّنت، فلما أدبرا قال: لعلها أن تجيء به أسود جعدًا، فجاءت به أسود جعدًا".
الثاني: عن يزيد، عن حكيم بن سيف الأسدي أبي عمرو الرقي شيخ أبي داود، عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن سليمان الأعمش ... إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: "إنا ليلة جمعة في المسجد إذ دخل رجل من الأنصار ... " إلى آخره نحو رواية مسلم.
الثالث: عن يزيد، عن الحسن بن عمر بن شقيق البصري شيخ البخاري وأحمد وأبي يعلى، عن جرير بن عبد الحميد، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عبد الله ... ثم ذكر نحوه.
وأخرجه البزار في "مسنده" (٣): نا يوسف بن موسى، قال: ثنا جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: "إني ليلة جمعة في المسجد إذ جاء رجل من الأنصار ... " إلى آخره نحو رواية مسلم.
стр. 5630
وأخرجه ابن ماجه مختصرًا (١).
قوله: "بَيْنَا نحن" أصله "بين" فزيدت فيه "الألف" لإشباع فتحة النون.
واعلم أن "بينا" و"بينما" ظرفان زمانيان بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل، ومبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، والأفصح في جوابهما أن لا يكون فيه "إذْ" و"إذا"، وقد جاءا في الجواب كثيرًا.
قوله: "عشية" نصب على الظرفية.
قوله: "اللهم احكم" وفي رواية مسلم: "اللهم افتح". قال الخطابي: معناه:
اللهم احكم أو بيِّن الحكم. والفتاح: الحاكم.
قوله: "فنزلت آية اللعان" وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ...﴾ (٢) الآيات.
قوله: "أرأيتم" معناه: أخبروني.
قوله: "مَهْ" كلمة زجر، قيل: أصلها: ما هذا؟ ثم حذفت "الألفان" و"الذال" استخفافًا، تقال مكررة ومفردة، ومثله: بَهْ بُهْ.
قال ابن السكيت: هي لتعظيم الأمر، بمعنى بَخٍ بخٍ، وتقال بسكون الهاء فيهما والتنوين أيضًا.
وقال الجوهري: "مَهْ" كلمة بنيت على السكون، وهو اسم سُمِّي به الفعل، ومعناه: اكفف؛ لأنه زجر، وإن ثُنِّيَت نُوِّنت، فقلت: مَهٍ مَهٍ.
قوله: "أسود جعدًا" منصوبان على الحالية، وقال الهروي: الجعد في صفة الرجال يكون مدحًا ويكون ذمًّا، فإذا كان مدحًا فله معنيان:
أحدهما: أن يكون معصوب الخلق شديد الأسر.
стр. 5631
والثاني: أن يكون شعره جعدًا غير سبط؛ لأن السبوطة كثرها في شعر العجم.
وأما الجعد المذموم فله معنيان:
أحدهما: القصير المتردد.
والثاني: البخيل.
ص: وقد رواه على ذلك غير ابن مسعود ﵁:
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال: ثنا القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عباس: "أن رسول الله ﷺ لاعن بين العَجْلاني وامرأته، وكانت حُبلى، فقال زوجها: والله ما قربتها مند عفرنا -والعفر أن يسقى النخل بعد أن تترك من السَّقْي بعد الإبار بشهرين- فقال رسول الله ﵇: اللهم بيِّن. فزعموا أن زوج المرأة كان حمش الذراعين والساقين أصهب الشعر، وكان الذي رميت به ابن السحماء.
قال: فجاءت بغلام أسود أجلى جعدٍ قطط عَبل الذراعين خَدْل الساقين.
قال القاسم: فقال ابن شداد بن الهاد: يا ابن عباس، هي المرأة التي قال رسول الله ﵇: لو كنت راجمًا بغير بيِّنة لرجمتها؟ فقال ابن عباس: لا، ولكن تلك المرأة كانت قد أعلنت في الإِسلام".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن القاسم، عن ابن عباس، عن رسول الله ﵇، نحوه.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا ابن أبي الزناد، قال: حدثني أبي، أن القاسم بن محمد حدثه، عن ابن عباس، مثله. غير أنه لم يذكر سؤال عبد الله بن شداد ... إلي آخر الحديث.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: حدثني ابن جريج، قال: أخبرني يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن ابن عباس: "أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﵇ فقال: ما لي عهد بأهلي منذ عفَّرنا النخل، فوجدت مع امرأتي رجلاً
стр. 5632
-وزوجها نضوٌ، حمشٌ، سبط الشعر، والذي رُميت به إلى السواد جعدٌ قطط- فقال رسول الله ﵇: اللهم بيِّن. ثم لاعن بينهما، فجاءت به يشبه الذي رُميت به".
ش: أي قد روى الحديث المذكور على أصله الذي ذكرنا غير ابن مسعود من الصحابة، منهم: ابن عباس ﵄.
وأخرج حديثه من أربع طرق:
الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن عبد الله بن وهب المصري، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد -بالنون- فيه مقال. عن أبيه أبي الزناد عبد الله بن ذكوان، روى له الجماعة، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، روى له الجماعة، عن عبد الله بن عباس.
وأخرجه ابن وهب في "مسنده": من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد ... إلى آخره.
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي المدني أحد فقهاء المدينة، عن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، عن عبد الله بن عباس.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث العقدي، ثنا المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن القاسم، عن ابن عباس: "سمع رسول الله ﵇ لاعن بين العجلاني وامرأته -وكانت حاملاً- فقال زوجها: والله ما قربتها منذ عفَّرنا. فقال رسول الله ﵇: اللهم بيِّن. فدعى الزوج حمش الذراعين والساقين أصهب الشعر،
стр. 5633
وكان الذي رُميت به ابن السحماء، فجاءت بغلام أسود أكحل جعد عَبْل الذراعين خَدْل الساقين.
قال القاسم: فقال ابن شداد لابن عباس: هي المرأة التي قال رسول الله ﵇: لو كنت راجمًا أحدًا بغير بينة لرجمتها؟
فقال ابن عباس: لا، تلك امرأة أعلنت في الإِسلام".
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم شيخ البخاري، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه أبي الزناد عبد الله ابن ذكوان، عن القاسم بن محمد، عن ابن عباس ... مثله.
الرابع: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن عبد الملك بن جريج، عن يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، عن ابن عباس.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه أحمد "مسنده" (١): ثنا روح بن عبادة، ثنا ابن جريج، أخبرني يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن ابن عباس: "أن رجلاً جاء رسول الله ﵇، فقال: يا رسول الله، ما لي عهد بأهلي منذ عفار النخل -قال: وعفارها أنها إذا كانت تؤبر تعفر أربعين يومًا لا تسقى بعد الإبار- فوجدت مع امرأتي رجلاً، وكان زوجها مصفرًّا حمشًا سبط الشعر، والذي رُميت به خَدْل إلى السواد، جعدٌ قططٌ، فقال رسول الله ﵇: اللهم بيِّن. فجاءت برجل يشبه الذي رُميت به".
قوله: "لاعن بين العجلاني" هو عويمر بن أبيض العجلاني الأنصاري، وهو الذي رمى زوجته بشريك بن سحماء، فلاعن رسول الله ﵇ بينهما، وذلك في شعبان سنة تسع لما قدم من تبوك، واسم امرأته خولة بنت قيس.
стр. 5634
قوله: "منذ عفرنا" بالفاء، ويروى بالقاف وهو خطأ، ذكره ابن الأثير في باب العين المهملة بعدها الفاء، وقال: التعفير أنهم كانوا إذا أبَّروا النخل تركوها أربعين يومًا لا تُسقى لئلا ينتفض حملها، ثم تسقى، ثم تترك إلى أن تعطش، ثم تسقى.
وقد عفَّر القوم إذا فعلوا ذلك وهو من تعفير الوحشية ولدها، وذلك أن تفطمه عند الرضاع أيامًا ثم ترضعه، تفعل ذلك مرارًا ليعتاده.
قوله: "بعد الإِبَار" بكسر الهمزة وتخفيف الباء الموحدة، اسم من أَبَرْت النخلة فهي مأبورة، إذا أصلحتها، وكذلك أبَّرتها بالتشديد فهي مؤبرة.
قوله: "كان حمش الساقين" أي: دقيق الساقين، يقال: رجل حمش الساقين، وأحمش الساقين، أي: دقيقهما، ومنه حديث علي ﵁ في هدم الكعبة: "كأني برجل أصعل أصمع حمش الساقين قاعد عليها وهي تُهدم" (١).
ومنه حديث صفته ﵇: "في ساقيه حموشة" (٢).
ومادته: حاء مهملة وميم وشين معجمة.
قوله: "أصهب الشعر" الصهوبة في الشعر حمرة يعلوها سواد، ورجل أصهب: الذي تعلو لونه صهبة، وهي كالشقرة.
قال الخطابي: المعروف أن الصهبة مختصة بالشعر.
قوله: "وكان الذي رُميت به" أي كان الرجل الذي رميت به امرأة العجلاني هو شريك بن السحماء -بسين وحاء مهملتين وألف ممدودة- وهي أُمُّه، وأبو عَبَدة -
стр. 5635
بفتحتين- بن معتب بن الجد بن عجلان بن ضُبَيعة البلوي، وهو ابن عم معن وعاصم ابني عدي بن الجعد، قيل: إنه شهد مع أبيه أُحُدًا، وهو أخو البراء بن مالك لأمه.
وقال الكلبي: الذي شهد أُحدًا هو أبوه، وأما هو فلم يشهدها.
وقال ابن سعد: وكان شريك عند الناس بحال سوء بعد ولم يبلغنا أنه أحدث توبة ولا نزع.
قوله: "أجلى" الأجلى خفيف شعر ما بين النَّزْعَتين من الصُّدْغين، والذي انحسر الشعر عن جبهته.
وفي رواية البيهقي: "أكحل" بدل: "أجلى".
قوله: "جعد قَطط" أي جعد الشعر، وهو ضِدُّ السبط والقَطط الشديد الجعودة، وقيل: الحسن الجعودة، والأول أكثر.
وقال الجوهري: جعد قطط أي شديد الجعودة، وقد قَطِطَ شعره -بالكسر- وهو أحد ما جاء على الأصل بإظهار التضعيف، ورجل قط الشعر وقطط الشعر بمعنىً.
قوله: "عَبْل الذراعين" أي: غليظ الذراعين. قال الجوهري: رجل عَبْل الذراعين أي: ضخمهما. وهو بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة.
قوله: "خَدْل الساقين" الخدل: الغليظ الممتلئ الساق. قال الجوهري: امرأة خدلاء بَيِّنَة الخدل والخدالة وهي الممتلئة الساقين والذراعين، وكذلك الخِدلم -بالكسر- والميم زائدة.
قوله: "فقال ابن شداد بن الهاد" هو عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي المدني من كبار التابعين وثقاتهم.
قوله: "قد أعلنت في الإسلام" من الإعلان في الأصل وهو إظهار الشيء، والمراد به أنها كانت قد أظهرت الفاحشة.
стр. 5636
قوله: "ما لي عهد بأهلي مند عفرنا النخل" أراد أنه لم يجامعها من وقت تعفير النخل.
قوله: "وزوجها نِضْوٌ" بكسر النون وسكون الضاد المعجمة أي: مهزول.
قال الجوهري: النِّضْو -بالكسر- البعير المهزول، والناقة نِضْوة، وقد أنضتها الأسفار فهي منضاة.
ويستفاد من حديث ابن عباس هذا أحكام:
الأول: فيه إثبات اللعان، وأجمع المسلمون على صحة حكم اللعان بين الزوجين إذا ادعى رؤية، وأما القذف المجرد فقد اختلفوا فيه، فقالت فرقة: لا لعان في القذف المجرد. وهو أحد قولي مالك وقول الليث وأبي الزناد وعثمان البتي ويحيى بن سعيد، وأن في هذا الحدُّ بكل حال، وقال الكوفيون والشافعي والأوزاعي وفقهاء أصحاب الحديث باللعان في القذف المجرد، وروي عن مالك أيضًا.
واختلفوا إذا أقام الزوج البينة على زناها، فعند مالك والشافعي يلاعن.
وقال أبو حنيفة وداود: إنما اللعان لمن لم يأت بأربعة شهداء، فمن أتى بهم فلا لعان.
واختلفوا في اللعان بنفي الحمل، وقد ذكرناه.
الثاني: فيه دليل على جواز لعان الحامل في حال حملها.
الثالث: اختلف الناس إذا قذف الرجل امرأته بشخص بعينه هل يحدُّ له أم لا؟ وإن لاعن لزوجته فعند مالك يحدُّ الرجل؛ لأن الأصل إثبات الحد على القاذف، وإنما سقط عن الزوج بلعانه لأجل الضرورة إلى ذلك، وأنه لا يستغنى عن ذكر زوجته، وأما الزاني بها فلا ضرورة إلى ذكره، وهو غني عن قذفه فيبقى على الأصل في وجوب الحدِّ له.
وقال الشافعي: لا يحد الرجل إذا أدخله في لعانه وتعلق بأنه ﵇ لم يحدّ الزوج لشريك، وقد سماه.
стр. 5637
وقال القاضي: قال أصحابنا: لا حجة له فيه لوجهين:
أحدهما: أن شريكًا كان يهوديًّا.
والثاني: أن شريكًا لم يطلب حدَّه ولا قام بطلب عرضه، فلم يكن في ذلك تعلق.
قال القاضي: لا يصح قول من قال: إن شريكًا كان يهوديًّا وهو باطل، وهو شريك بن عَبَدَة بن معتب، وهو بلوي حليف الأنصار وهو أخو البراء بن مالك لأمه.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن كثير، عن مخلد بن حسين، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك: "أن هلال بن أمية قذف شريك بن سحماء بامرأته، فرفع ذلك إلى رسول الله ﵇ فقال: "ائتِ بأربعة شهداء؛ وإلا فحدٌّ في ظهرك، فقال: والله يا رسول الله إن الله يَعْلَمُ أني صادق. فجعل النبي ﵇ يقول له: أربعة؛ وإلا فحدٌّ في ظهرك فقال: والله يا رسول الله إن الله يعلمُ إني لصادق -يقول ذلك مرارًا- فقال له: يا رسول الله، إن الله يعلم إني لصادق، ولَيُنزلنَّ الله عليك ما يُبرِّئ به ظهري من الجلد. فنزلت آية اللعان ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ (١) قال: فدعن هلالاً، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين قال: ثم دُعيت المرأة تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، فلما كانت الخامسة قال رسول الله ﵇: وقِّفوها فإنها موجبة، قال: فتلكأت حتى ما شككنا أن سَتُقِرُّ، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت على اليمين، فقال رسول الله ﵇: انظروا، فإن جاءت به أبيض سبطًا قضيء العينين، فهو لهلال بن أمية؛ وإن جاءت به أكحل جعدًا حمش الساقين، فهو لشريك بن سحماء، قال: فجاءت به أكحل جعدًا حمش الساقين، فقال رسول الله ﵇: لولا ما سبق فيها من كتاب الله كان لي ولها شأن". قال: والقضيء العينيين: طويل شق العينين ليس بمفتوح العينين.
стр. 5638
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: نا هشام، عن محمد، عن أنس ابن مالك: "أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء، فقال رسول الله ﵇: أنظروها، فإن جاءت به أبيض سبطًا قضيء العينين، فهو لهلال بن أمية؛ وإن جاءت به أكحل جعدًا حَمش الساقين، فهو لشريك بن سحماء، فقال: فجاءت به أكحل جعدًا حمش الساقين".
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن فهد بن سليمان.
عن محمد بن كثير العبدي البصري شيخ البخاري وأبي داود.
عن مخلد -بفتح الميم- بن حسين الأزدي البصري، نزيل المِصيصة، قال العجلي: ثقة رجل صالح. روى له النسائي ومسلم في مقدمة كتابه.
عن هشام بن حسان الأزدي البصري، روى له الجماعة.
عن محمد بن سيرين.
عن أنس.
وأخرجه النسائي (١): أنا عمران بن يزيد، نا مخلد بن حسين الأزدي، ثنا هشام ابن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك، قال: إن أول لعان كان في الإِسلام أن هلال بن أمية قذف شريك بن سحماء بامرأته فأتى النبي ﵇ فأخبره بذلك، فقال له النبي ﵇: "أربعة شهداء، وإلا فحدٌّ في ظهرك -فردَّدَ ذلك عليه مرارًا- فقال له هلال: والله يا رسول الله إن الله يعلم إني صادق، وليُنزلنَّ الله عليك ما يبرِّئ ظهري من الجلد، فبينما هم كذلك إذْ نزلت عليه آية اللعان: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ...﴾ (٢) إلى آخر الآية فدُعي هلال، فشهد أربع شهادات
стр. 5639
بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم دعيت المرأة لتشهد أربع شهادات بالله: إنه لمن الكاذبين، فلما كان في الرابعة -أو الخامسة- قال رسول الله ﵇: وَقِّفُوها؛ فإنها موجبة، فتلكأت حتى ما شككنا أنها ستعترف؛ ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم. فمضت على اليمين، فقال رسول الله ﵇: أنظروها؛ فإن جاءت به أبيض سبطًا قضيء العَيْنين فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به آدم جعدًا ربْعًا حمش الساقين، فهو لشريك بن السحماء، فجاءت به آدم جعدًا ربعًا حمش الساقين، فقال رسول الله ﵇: لو ما سبق فيها من كتاب الله لكان لي ولها شأن". قال الشيخ: والقضيء: طويل شعر العينين ليس بمفتوح العين، ولا جاحظهما.
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن وهب بن جرير بن حازم، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أنس.
وأخرجه مسلم (١): ثنا محمد بن مثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: نا هشام، عن محمد، قال: سألت أنس بن مالك -وأنا أرى أنَّ عنده منه علمًا- فقال: "إن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء وكان أخًا لبراء بن مالك لأمه، فكان أول رجل لاعن في الإِسلام، قال: فلاعنها، فقال رسول الله ﵇: أبصروها، فإن جاءت به أبيض سبطًا قضيء العينين؛ فهو لهلال بن أمية وإن جاءت به أكحل جعدًا حمش الساقين فهو لشريك بن سحماء، فَأُنْبِئْتُ أنها جاءت به أكحل جعدًا حمش الساقين".
قوله: "وإلا فحد في ظهرك" أي: أربعة شهداء يشهدون على ما قلت، فيجب حد في ظهرك لأجل القذف.
قوله: "يقول له أريعة" أي: أربعة شهداء يأتي بهم؛ وإلا فحدٌّ.
стр. 5640
قوله: "وَقِّفُوها فإنها موجبةٍ" أي فإن الخامسة هى موجبة عذاب الله ؛ وذلك كما جاء في رواية أبي داود (١) في الحديث الطويل:
فقال رسول الله ﵇: "لاعنوا بينهما؛ فقيل لهلال: اشهد؛ فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فلما كانت الخامسة؛ قيل: يا هلال، اتق الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب ... " الحديث.
قوله: "فتلكأت" أي توقفت وتباطأت؛ وقال صاحب "المطالع": أي ترددت وتجشمت عن المتقدم.
قوله: "قضيء العينين" أي فاسد العينين؛ قال ابن دريد في الجمهرة: يقال: قضئت عين الرجل إذا احمرت ودمعت، وقد قضئت القربة تقضَأ قضًا، فهي قضيئة، على وزن فعيلة، إذا عَفِنَت وتهافَتَت، قال ابن ولاد: وسقاء قضيء، إذا طال مكثه في مكان ففسد وبَلي. والقَضْء -مهموز مقصور- العيبُ.
قال ابن دريد: قَضِئَ حَسَبُ الرجل قَضَأً وقضوءًا، وقَضاءةً: إذا دخله عيب، وإن في حسبه لَقَضَأً، ولا تفعل كذا فإن فيه قضاءةً عليَّ.
وقال الهروي: قضئ الثوب إذا تَفَرَّزَ وتشقق. قال غيرُه: من طول البلى.
قلتُ: بابه من باب عَلِمَ يَعْلَمْ.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: فيه أن شرط وجوب اللعان عدم إقامة البينة؛ لأن رسول الله ﵇ أمر هلال بن أمية بأن يأتي بأربعة شهداء؛ ليقيم عليها الحد؛ فلما عجز عن ذلك، ونزلت آية اللعان، شرط فيها عدم إقامة البينة بقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (٢) حتى لو أقام الزوج أربعة من الشهداء عليها بالزنا، لا يجب اللعان،