قوله: "ما لي عهد بأهلي مند عفرنا النخل" أراد أنه لم يجامعها من وقت تعفير النخل.
قوله: "وزوجها نِضْوٌ" بكسر النون وسكون الضاد المعجمة أي: مهزول.
قال الجوهري: النِّضْو -بالكسر- البعير المهزول، والناقة نِضْوة، وقد أنضتها الأسفار فهي منضاة.
ويستفاد من حديث ابن عباس هذا أحكام:
الأول: فيه إثبات اللعان، وأجمع المسلمون على صحة حكم اللعان بين الزوجين إذا ادعى رؤية، وأما القذف المجرد فقد اختلفوا فيه، فقالت فرقة: لا لعان في القذف المجرد. وهو أحد قولي مالك وقول الليث وأبي الزناد وعثمان البتي ويحيى بن سعيد، وأن في هذا الحدُّ بكل حال، وقال الكوفيون والشافعي والأوزاعي وفقهاء أصحاب الحديث باللعان في القذف المجرد، وروي عن مالك أيضًا.
واختلفوا إذا أقام الزوج البينة على زناها، فعند مالك والشافعي يلاعن.
وقال أبو حنيفة وداود: إنما اللعان لمن لم يأت بأربعة شهداء، فمن أتى بهم فلا لعان.
واختلفوا في اللعان بنفي الحمل، وقد ذكرناه.
الثاني: فيه دليل على جواز لعان الحامل في حال حملها.
الثالث: اختلف الناس إذا قذف الرجل امرأته بشخص بعينه هل يحدُّ له أم لا؟ وإن لاعن لزوجته فعند مالك يحدُّ الرجل؛ لأن الأصل إثبات الحد على القاذف، وإنما سقط عن الزوج بلعانه لأجل الضرورة إلى ذلك، وأنه لا يستغنى عن ذكر زوجته، وأما الزاني بها فلا ضرورة إلى ذكره، وهو غني عن قذفه فيبقى على الأصل في وجوب الحدِّ له.
وقال الشافعي: لا يحد الرجل إذا أدخله في لعانه وتعلق بأنه ﵇ لم يحدّ الزوج لشريك، وقد سماه.
стр. 5637
وقال القاضي: قال أصحابنا: لا حجة له فيه لوجهين:
أحدهما: أن شريكًا كان يهوديًّا.
والثاني: أن شريكًا لم يطلب حدَّه ولا قام بطلب عرضه، فلم يكن في ذلك تعلق.
قال القاضي: لا يصح قول من قال: إن شريكًا كان يهوديًّا وهو باطل، وهو شريك بن عَبَدَة بن معتب، وهو بلوي حليف الأنصار وهو أخو البراء بن مالك لأمه.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن كثير، عن مخلد بن حسين، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك: "أن هلال بن أمية قذف شريك بن سحماء بامرأته، فرفع ذلك إلى رسول الله ﵇ فقال: "ائتِ بأربعة شهداء؛ وإلا فحدٌّ في ظهرك، فقال: والله يا رسول الله إن الله يَعْلَمُ أني صادق. فجعل النبي ﵇ يقول له: أربعة؛ وإلا فحدٌّ في ظهرك فقال: والله يا رسول الله إن الله يعلمُ إني لصادق -يقول ذلك مرارًا- فقال له: يا رسول الله، إن الله يعلم إني لصادق، ولَيُنزلنَّ الله عليك ما يُبرِّئ به ظهري من الجلد. فنزلت آية اللعان ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ (١) قال: فدعن هلالاً، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين قال: ثم دُعيت المرأة تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، فلما كانت الخامسة قال رسول الله ﵇: وقِّفوها فإنها موجبة، قال: فتلكأت حتى ما شككنا أن سَتُقِرُّ، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت على اليمين، فقال رسول الله ﵇: انظروا، فإن جاءت به أبيض سبطًا قضيء العينين، فهو لهلال بن أمية؛ وإن جاءت به أكحل جعدًا حمش الساقين، فهو لشريك بن سحماء، قال: فجاءت به أكحل جعدًا حمش الساقين، فقال رسول الله ﵇: لولا ما سبق فيها من كتاب الله كان لي ولها شأن". قال: والقضيء العينيين: طويل شق العينين ليس بمفتوح العينين.
стр. 5638
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: نا هشام، عن محمد، عن أنس ابن مالك: "أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء، فقال رسول الله ﵇: أنظروها، فإن جاءت به أبيض سبطًا قضيء العينين، فهو لهلال بن أمية؛ وإن جاءت به أكحل جعدًا حَمش الساقين، فهو لشريك بن سحماء، فقال: فجاءت به أكحل جعدًا حمش الساقين".
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن فهد بن سليمان.
عن محمد بن كثير العبدي البصري شيخ البخاري وأبي داود.
عن مخلد -بفتح الميم- بن حسين الأزدي البصري، نزيل المِصيصة، قال العجلي: ثقة رجل صالح. روى له النسائي ومسلم في مقدمة كتابه.
عن هشام بن حسان الأزدي البصري، روى له الجماعة.
عن محمد بن سيرين.
عن أنس.
وأخرجه النسائي (١): أنا عمران بن يزيد، نا مخلد بن حسين الأزدي، ثنا هشام ابن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك، قال: إن أول لعان كان في الإِسلام أن هلال بن أمية قذف شريك بن سحماء بامرأته فأتى النبي ﵇ فأخبره بذلك، فقال له النبي ﵇: "أربعة شهداء، وإلا فحدٌّ في ظهرك -فردَّدَ ذلك عليه مرارًا- فقال له هلال: والله يا رسول الله إن الله يعلم إني صادق، وليُنزلنَّ الله عليك ما يبرِّئ ظهري من الجلد، فبينما هم كذلك إذْ نزلت عليه آية اللعان: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ...﴾ (٢) إلى آخر الآية فدُعي هلال، فشهد أربع شهادات
стр. 5639
بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم دعيت المرأة لتشهد أربع شهادات بالله: إنه لمن الكاذبين، فلما كان في الرابعة -أو الخامسة- قال رسول الله ﵇: وَقِّفُوها؛ فإنها موجبة، فتلكأت حتى ما شككنا أنها ستعترف؛ ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم. فمضت على اليمين، فقال رسول الله ﵇: أنظروها؛ فإن جاءت به أبيض سبطًا قضيء العَيْنين فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به آدم جعدًا ربْعًا حمش الساقين، فهو لشريك بن السحماء، فجاءت به آدم جعدًا ربعًا حمش الساقين، فقال رسول الله ﵇: لو ما سبق فيها من كتاب الله لكان لي ولها شأن". قال الشيخ: والقضيء: طويل شعر العينين ليس بمفتوح العين، ولا جاحظهما.
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن وهب بن جرير بن حازم، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أنس.
وأخرجه مسلم (١): ثنا محمد بن مثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: نا هشام، عن محمد، قال: سألت أنس بن مالك -وأنا أرى أنَّ عنده منه علمًا- فقال: "إن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء وكان أخًا لبراء بن مالك لأمه، فكان أول رجل لاعن في الإِسلام، قال: فلاعنها، فقال رسول الله ﵇: أبصروها، فإن جاءت به أبيض سبطًا قضيء العينين؛ فهو لهلال بن أمية وإن جاءت به أكحل جعدًا حمش الساقين فهو لشريك بن سحماء، فَأُنْبِئْتُ أنها جاءت به أكحل جعدًا حمش الساقين".
قوله: "وإلا فحد في ظهرك" أي: أربعة شهداء يشهدون على ما قلت، فيجب حد في ظهرك لأجل القذف.
قوله: "يقول له أريعة" أي: أربعة شهداء يأتي بهم؛ وإلا فحدٌّ.
стр. 5640
قوله: "وَقِّفُوها فإنها موجبةٍ" أي فإن الخامسة هى موجبة عذاب الله ؛ وذلك كما جاء في رواية أبي داود (١) في الحديث الطويل:
فقال رسول الله ﵇: "لاعنوا بينهما؛ فقيل لهلال: اشهد؛ فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فلما كانت الخامسة؛ قيل: يا هلال، اتق الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب ... " الحديث.
قوله: "فتلكأت" أي توقفت وتباطأت؛ وقال صاحب "المطالع": أي ترددت وتجشمت عن المتقدم.
قوله: "قضيء العينين" أي فاسد العينين؛ قال ابن دريد في الجمهرة: يقال: قضئت عين الرجل إذا احمرت ودمعت، وقد قضئت القربة تقضَأ قضًا، فهي قضيئة، على وزن فعيلة، إذا عَفِنَت وتهافَتَت، قال ابن ولاد: وسقاء قضيء، إذا طال مكثه في مكان ففسد وبَلي. والقَضْء -مهموز مقصور- العيبُ.
قال ابن دريد: قَضِئَ حَسَبُ الرجل قَضَأً وقضوءًا، وقَضاءةً: إذا دخله عيب، وإن في حسبه لَقَضَأً، ولا تفعل كذا فإن فيه قضاءةً عليَّ.
وقال الهروي: قضئ الثوب إذا تَفَرَّزَ وتشقق. قال غيرُه: من طول البلى.
قلتُ: بابه من باب عَلِمَ يَعْلَمْ.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: فيه أن شرط وجوب اللعان عدم إقامة البينة؛ لأن رسول الله ﵇ أمر هلال بن أمية بأن يأتي بأربعة شهداء؛ ليقيم عليها الحد؛ فلما عجز عن ذلك، ونزلت آية اللعان، شرط فيها عدم إقامة البينة بقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (٢) حتى لو أقام الزوج أربعة من الشهداء عليها بالزنا، لا يجب اللعان،
стр. 5641
ويقام عليها حدُّ الزنا؛ لأنه قد ظهر زناها بشهادة الشهود؛ ولو شهد أربعة أحدهم الزوج، فإن لم يكن من الزوج قذف مثل ذلك، تقبل شهادتهم، ويقام عليها الحد عندنا، وعند الشافعي لا تقبل شهادة الزوج.
الثاني: فيه إشارة إلى أن شرط وجوب اللعان إنكار المرأة وجود الزنا، حتى لو أقرت بذلك لا يجب اللعان، ويلزمها حدُّ الزنا، وهو الجلد إن كانت غير محصنة، والرجم إن كانت محصنة، وفهم ذلك من شهادة المرأة، إذْ لو أقرت لَحَدَّها النبي ﵇ ولم يلاعن بينهما.
الثالث: فيه دليل أن شرط اللعان أن يكون بين الزوجين؛ لأن هلال بن أمية إنما قذف بالزنا امرأته، وأيضًا فإنه خُصَّ اللعان بالأزواج بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ (١) فعلى هذا إذا تزوج امرأة نكاحًا فاسدًا، ثم قذفها، لم يلاعنها؛ لعدم الزوجية، وقال الشافعي: يلاعنها إذا كان القذف بنفي الولد، وكذا لو طلق امرأته طلاقًا بائنًا، أو ثلاثًا، ثم قذفها بالزنا، لا يجب اللعان؛ ولو طلقها رجعيًّا ثم قذفها، يجب اللعان عندنا لعموم الآية، خلافًا للشافعي؛ ولو قذف امرأته بعد موتها لم يلاعن عندنا؛ وعند الشافعي يلاعن على قبرها؛ لأن الآية لم تفصل بين الحياة والموت؛ قلنا: خَصَّ الله اللعان بالأزواج، وقد زالت الزوجية بالموت.
الرابع: فيه أن يبدأ الحاكم بالرجل؛ لأنه القاذف الذي يدرأ الحدّ بشهادته عن نفسه، والذي بدأ الله به وأيمانه، فإن أخطأ الحاكم فبدأ بالمرأة ثم بالرجل، فينبغي له أن يعيد اللعان على المرأة فإن لم يُعد حتى فرق بينهما فسدت الفرقة.
الخامس: فيه سقوط الحد عن الرجل، وذلك لأجل أيمانه سقط الحد.
السادس: فيه بيان حدُّ اللعان؛ ثم قال أصحابنا: اللعان شهادات مُوكدة بالأيمان مقرونة باللعن والغضب، وإنه في جانب الزوج قائم مقام حد القذف، وفي جانبها قائم مقام حد الزنا. وقال الشافعي: اللعان أيمان بلفظ الشهادة،
стр. 5642
مقرونة بالغضب أو اللعن. فكل من كان من أهل الشهادة واليمين، كان من أهل اللعان، ومن لا فلا عندنا؛ وكل من كان من أهل اليمين، فهو من أهل اللعان عنده، سواء كان من أهل الشهادة أو لم يكن، ومن لم يكن من أهل الشهادة ولا من أهل اليمين، لا يكون من أهل اللعان بالإجماع.
ص: حدثنا ربيع الجيزي، قال: نا أسدح.
وحدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن، قالا: ثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سهل بن سعد الساعدي "أن عويمر جاء إلى عاصم بن عدي، فقال: أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فقتله، أتقتلونه؟ سلْ يا عاصم رسول الله ﵇؛ فجاء عاصم فسأل رسول الله ﵇، فكرِه رسول الله ﵇ المسألة وعابها؛ فقال عويمر: والله لآتينَّ النبي ﵇، فجاء وقد أنزل الله خلاف قول عاصم، فسأل النبي ﵇ فقال: قد أنزل الله فيكم قرآنًا، فدعاهما فتلاعنا، ثم قال: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، ففارقها وما أمره رسول الله ﵇ بفراقها، فجرت السنةُ في المتلاعين؛ فقال رسول الله ﵇: انظروا فإن جاءت به أحمر قصيرًا مثل وَحَرَة فلا أراه إلا وقد كذب عليها، إن جاءت به أسحم أعين ذا إليتين فلا أحسبه إلا وقد صدق عليها، قال: فجاءت به على الأمر المكروه".
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن ربيع بن سليمان الجيزي الأعرج، شيخ أبي داود والنسائي، عن أسد ابن موسى، عن محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذئب المدني، عن محمد بن مسلم الزهري، عن سهل بن سعد الساعدي ﵁.
وأخرجه البخاري (١): ثنا يحيى بن موسى، قال: أنا عبد الرزاق، أنا ابن جريج، قال: أخبرني ابن شهاب، عن الملاعنة، وعن السنة فيها عن حديث سهل ابن سعد أخي بني ساعدة "أن رجلاً من الأنصار جاء إلى رسول الله ﵇، فقال:
стр. 5643
يا رسول الله أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله، أم كيف يفعل؟ فأنزل الله في شأنه ما ذكر في القرآن من أمر المتلاعنين، فقال النبي ﵇: قد قضى الله فيك وفي امرأتك، قال: فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد، فلما فرغا قال: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتُها، فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﵇ حتى فرغا من التلاعن، ففارقها عند النبي ﵇ فقال: ذلك تفريق بين كل متلاعنين"، قال ابن جريج: قال ابن شهاب: فكانت السنة بعدهما أن يفرق بين المتلاعنين، وكانت حاملاً، وكان ابنها يُدعى لأمه، قال: ثم جرت السنة في ميراثها أنها ترثه ويرث منها ما فرض الله له، قال ابن جريج، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد الساعدي في هذا الحديث أن النبي ﵇ قال: إن جاءت به أحمر قصيرًا كأنه وحرة، فلا أُراها إلا قد صدقت وكذب عليها، وإن جاءت به أسود أعين ذا إليتين، فلا أراه إلا قد صدق عليها، فجاءت به على المكروه من ذلك.
وأخرجه البخاري (١) أيضًا: عن إسماعيل، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد الساعدي.
وأخرجه مسلم (٢) أيضًا: عن يحيى بن يحيى، عن مالك نحوه.
وأخرجه أيضًا (٢): عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد.
الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن -صاحب الشافعي- عن خالد بن عبد الرحمن الخراساني، عن محمد بن أبي ذئب، عن الزهري، عن سهل بن سعد الساعدي.
وأخرجه أبو داود (٣): عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد.
стр. 5644
وعن عبد العزيز بن يحيى (١)، عن محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه مختصرًا.
وعن أحمد بن صالح (٢)، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد.
وعن أحمد بن عمرو (٣)، عن ابن وهب، عن عياض بن عبد الله وغيره، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد، وعن مسدد، ووهب بن بيان، وأحمد بن عمرو، وعمرو بن عثمان (٤) كلهم، عن سفيان، عن الزهري، عن سهل.
وعن سليمان بن داود (٥)، عن فليح، عن الزهري، عن سهل.
وأخرجه ابن ماجه (٦) عن محمد بن عثمان العثماني، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد.
قوله: "إن عويمرًا" هو عويمر بن أبيض العجلاني، ووقع في رواية أبي داود عويمر بن أشقر العجلاني (٧)، وقال الطبري: هو عويمر بن الحارث.
قوله: "جاء إلى عاصم بن عدي"، بن الجد بن العجلان العجلاني القضاعي.
قوله: "أرأيت رجلًا" أي أخبرني عن رجل.
قوله: "مثل وحرة" بفتح الواو والحاء المهملة والراء دويبة حمراء تلزق بالأرض، وقيل: هي الوزغة، وقيل: نوع من الوزغ يكون في الصحاري.
قوله: "فلا أراه" بضم الهمزة، أي فلا أظنه.
стр. 5645
قوله: "أسحم" بالسين والحاء المهملتين، وهو الأسود كون الغراب، يقال: ليل مظلم أسود أسحم، وللسحاب الأسود أسحم، وقال الشاعر: عماه كل أسحم مستديم.
قوله: "أعين" أي واسع العين، يقال: رجل أعين وامرأة عيناء، ويجمع على عِين، وفي الحديث "إن في الجنة لمجتمعًا للحور العين".
وها هنا فوائد:
الأول: أنه ذكر في هذا الحديث عويمر، وفي حديث أنس بن مالك: هلال بن أمية، وفي حديث عبد الله بن عباس: لاعن بين العجلاني وامرأته، وفي حديث عبد الله بن مسعود: وكان رجلاً من الأنصار جاء إلى رسول الله ﵇ فلاعن امرأته.
قال المهلب: الصحيح أن القاذف عويمر، والذي ذكر في حديث ابن عباس في قوله: "العجلاني" هو عويمر، وكذا في قول عبد الله بن مسعود: وكان رجلاً.
وهلال بن أمية خطأ وأظن غلطًا من هشام بن حسان؛ وذلك لأنها قصة واحدة، والدليل على ذلك توقفه ﵇ فيها حتى نزلت الآية الكريمة، ولو أنهما قصتان لم توقف عن الحكم في الثانية بما أنزل عليه في الأولى.
قلت: كأنه تبع في هذا الكلام محمد بن جرير فإنه قال في "التهذيب": نستنكر قوله في الحديث هلال بن أمية، وإنما القاذف عويمر بن الحارث بن زيد بن الجد بن العجلان.
وفيما قالاه نظر؛ لأن قصة هلال وقذفه زوجته بشريك ثابتة في "صحيح البخاري" في موضعين: الشهادات، والتفسير، وفي "صحيح مسلم" من حديث أنس بن مالك، وكذا ذكره الطحاوي في روايته عن أنس، وقول المهلب: وأظنه غلطًا من هشام يردُّه كلام الترمذي، فإنه لما ذكر حديث هشام هذا قال: سألت محمدًا عنه وقلت: روى عباد بن منصور هذا الحديث عن عكرمة عن ابن عباس مثل حديث هشام، وروى أيوب عن عكرمة: "أن هلال بن أمية" مرسلاً، فأي الروايات
стр. 5646
أصح؟ فقال: حديث عكرمة عن ابن عباس هو محفوظ ورآه حديثًا صحيحًا، وحديث عباد هذا رواه أبو داود عن الحسن بن علي، عن يزيد بن هارون، عن عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس: "جاء هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم من أرضه عشاءً، فوجد مع أهله رجلاً فرأى بعَيْنه وسمع بأذنه ... " الحديث.
وقال أبو عمر: وروى جرير بن حازم، عن أيوب عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما قذف هلال بن أمية امرأته قيل له: والله ليُجلدنّك رسول الله ﵇ ثمانين، فقال: الله أعدل، وقد علم أني رأيت، فنزلت آية الملاعنة.
وقال ابن التين: الصحيح أن هلال لاعن قبل عُويمر.
وقال الماوردي في "الهادي": الأكثرون على أن قصة هلال اسبق من قصة عويمر.
وفي "الشامل" لابن الصباغ: قصة هلال تبيِّن أن الآية الكريمة نزلت فيه أولاً.
الثانية: في قوله: "كذبتُ عليها يا رسول الله إن أمسكتها" وهي أنه تدل على أن الفرقة بين المتلاعنين لا تقع إلا بحكم حاكم؛ لأن فيه إخبارًا بأنه ممسك لها بعد اللعان، إذْ لو كانت الفرقة بين المتلاعنين وقعت قبل ذلك لاستحال. قوله: "كذبت عليها" وهو غير ممسك لها بحضرة سيدنا رسول الله ﵇ ولم يكره.
قال الجصاص: فدل على أن الفرقة لم تقع بنفس اللعان إذْ غير جائز أن يقرّه رسول الله على الكذب ولا على استباحة نكاح قد بطل.
الثالثة: "في قوله جرت السنة في المتلاعنين" تأوله أي نافع المالكي على استحباب إظهار الطلاق بعد اللعان؛ والجمهور على أن معناه حصول بنفس اللعان أو بحكم الحاكم على الاختلاف المذكور فيه.
الرابعة: أن الملاعنة لا تكون إلا عند السلطان، وأنها ليست كالطلاق وهذا ما لا خلاف فيه، وكذلك لا خلاف أن اللعان لا يكون إلا في المسجد الجامع، واستحب جماعة أن يكون بعد العصر وفي أي وقت كان في المسجد الجامع أجزأ.
стр. 5647
ص: فقد ثبث بما ذكرنا أن لا حجة في شيء من ذلك لمن يوجب اللعان بالحمل، فإن قال قائل: فإن في قول رسول الله ﵇: "إن جاءت به كذا فهو لزوجها لان جاءت به كذا فهو لفلان؛ دليلًا على أن الحمل هو المقصود إليه بالقذف واللعان، فجوابنا له في ذلك أن اللعان لو كان بالحمل إذن فكان منتفيًا في الزوج غير لاحق به أشبهه أو لم يشبهه، ألا ترى أنها لو كانت وضعته قبل أن يقذفها فنفى ولدها وكان أشبه الناس به أنه يلاعن بينهما ويفرق بينهما ويلزم الولد أمه، ولا يلحق بالملاعن لشبهه به، فلما كان الشبه لا يجب به ثبوت النسب ولا يجب بعدمه انتفاء النسب وكان في الحديث الذي ذكرنا أن رسول الله ﵇ قال: "إن جاءت به كذا فهو للذي لاعنها" دل ذلك على أنه لم يكن بالعان نافيًا له؛ لأنه لو كان نافيًا له، إذًا لما كان شبهه به دليلًا على أنه منه، ولا بعد شبهه إياه دليل على أنه من غيره.
وقد قال رسول الله ﷺ للأعرابي الذي سأله فقال: إن امرأتي ولدَتْ غلامًا أسود ما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: "أن أعرابيًّا أتى النبي ﵇ فقال: إن امرأتى ولدت غلامًا أسود، وإني أنكرتُه، فقال له: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: حمرٌ، قال: هل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لوُرْقًا، قال: فأنى ترى ذلك جاءها؟ قال: يا رسول الله إنه عرقٌ نزعها، قال: فلعل هذا عرقٌ نزعه".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، وابن أبي ذئب، وسفيان، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، عن رسول رسول الله ﵇ مثله.
فلما كان رسول الله ﵇ لم يُرخص له من نفيه لبُعْد شبهه منه، وكان الشبه غير دليل على شيء ثبت أن جعل النبي ﵇ ولد الملاعنة من زوجها إن جاءت به على شبهه دليل على أن اللعان لم يكن نفاه منه، فقد ثبت بما ذكرنا فساد ما احتج به الذين
стр. 5648
يَرَوْن اللعان بالحمل، وفي ذلك حجة أخرى وهي أن في حديث سهل بن سعد، أن رسول الله ﵇ قال: "انظروها فإن جاءت به كذا فلا أُراه إلا وقد صدق عليها".
فكان ذلك القول من رسول الله ﵇ على الظن لا على اليقين، وذلك فما دلّ أيضًا أنه لم يكن جرى منه في الحمل حكم أصلاً، فثبت بذلك فساد قول من ذهب إلى اللعان بالحمل، وإنما احتججنا به لمن ذهب إلى خلافه في أول هذا الباب ممن أَبَى اللعان بالحمل، وهو قول أبي حنيفة ومحمد، وقول أبي يوسف في المشهور.
ش: أي فقد ثبت بما ذكرنا من هذه الأحاديث أن لا حجة في شيء منها لأهل المقالة الأولى الذين أوجبوا اللعان بالحمل.
قوله: "فإن قال قائل" سؤال يرد على قوله أن لا حجة في شيء من ذلك، وهو جواب ظاهر أن قوله دليلًا على أن الحمل اسم إن في قوله: فإن في قول رسول الله ﵇.
قوله: "ولا بُعد شبه إياه" بضم الباء وسكون العين بمعنى ضد القرب.
قوله: "وقد قال رسول الله ﷺ للأعرابي" إنما ذكره تأكيدًا للحجة.
قوله: "إن الشبه غير دليل على شيء إذ لو كان دليلًا على شيء كان يرخص للأعرابي أن ينفي ولده منه" فلما لم يرخص له بذلك مع بعد شبه الابن إياه دلَّ على أنه غير دليل على شيء، ودل أيضًا أن جعل النبي ﵇ ولد للملاعنة من زوجها إن جاءت به على شبهه كان دليلًا على أن اللعان لم يكن نافيًا له منه، فإذا كان كذلك ثبت فساد من يرى اللعان بالحمل.
فإن قيل: كيف ألحق النبي ﵇ الولد بالملاعنة لما لاعن بينها وبين هلال بن أمية؟
فلو لم يكن اللعان بالحمل صحيحًا لما نفى نسبه منه؟
قلت: قد مر أن هلالًا لم يقذفها بالحمل بل بصريح الزنا وذكر الحمل، وبه نقول أن من قال لامرأته زنَيتِ وأنت حامل يلاعن؛ لأنه لم يعلق القذف بالشرط، ولأنه ﵇ علم من طريق الوحي أن هناك ولدًا؛ ألا ترى أنه قال: إن جاء على صفة
стр. 5649
كذا فهو لكذا، وإن جاء على صفة كذا فهو لكذا، ولا يعلم ذلك إلا بالوحي ولا طريق لنا إلى معرفة ذلك فلا ننفي الولد.
فإن قيل: ذكر البيهقي حديث سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، أخبرني عبد الرحمن، عن القاسم بن محمد، عن ابن عباس: "ذكر المتلاعنان عند رسول الله ﵇، فقال عاصم بن عدي في ذلك قولاً ثم انصرف، فأتاه رجل من قومه فذكر له أنه وجد مع امرأته رجلاً، فقال عاصم: ما ابتليت بهذا الأمر إلا لقولي، فذهب به إلى رسول الله ﵇ فأخبر به بالذي وجد على امرأته، وكان ذلك الرجل مصفرَّا قليل اللحم سَبِط الشعر، وكان الذي وجد عند أهله آدم خَدْلًا كثير اللحم جعدًا قططًا، فقال رسول الله ﵇: اللهم بيِّن، فوضعت شبيهًا بالرجل الذي ذكر زوجها أنه وجد عندها، فلاعن رسول الله ﵇، فقال رجل لابن عباس في المجلس: هي التي قال رسول الله ﵇: لو رجمت أحدًا بغير بينة لرجمت هذه، فقال ابن عباس: لا، تلك امرأة كانت تظهر السوء في الإِسلام"، ثم قال البيهقي: هذه الرواية توهم أنه لاعن بينهما بعد الوضع، قلت: هذا الحديث أخرجه البخاري عن إسماعيل، عن سليمان بن بلال، عن يحيى.
وأخرجه مسلم عن محمد بن رمح وعيسى بن حماد المصريان، عن الليث، عن يحيى بن سعيد.
وقول البيهقي: "هذه الرواية توهم" ليس كذلك؛ بل هي صريحة فيه، فإن كان اللعان فيه بالقذف ولا خلاف فيه، وإن كان بالحمل فبعد أن وضع وباتت حقيقة؛ فلا حجة فيه، وقال الطحاوي: ومذهب أبي حنيفة أنه إذا نفى حملها لا يلاعن؛ لأنه يجوز أن يكون حاملًا كما ذكرنا فيما مضى، ولهذا لو كانت له أمة حامل فقال لعبده: إذا كانت أمتي حاملاً فأنت حرّ، فمات أبو العبد قبل أن تضع، لا يرثه العبد في قول جميعهم، فقد لا يكون حملًا فلا يستحق العبد، وإنما نفى النبي ﵇ الولد لأنه علم بالوحي وجوده؛ ولهذا قال: إن جاءت به كذا فهو لفلان ... الحديث.
стр. 5650
فإن قيل: أوجب الله النفقة للمطلقة الحامل بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١)، فكما ينفق عليها ما يغذي به ولدها قبل أن يضمه فكذا اللعان.
قلت: النفقة عليها بسبب العدة، إذ لو كانت للحمل لسقطت إذا كان للحمل مال بإرث أو غيره، ولو أوصى للحمل بمال لا ينفق على المطلقة من ذلك المال، ولو كانت المطلقة آيسة من الحمل تجب النفقة.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١) غاية لوجوب النفقة يقضي به وجوبها عليه، وبعد الوضع يعلم حقيقة أنها كانت حاملاً.
وذكر ابن رشد في "القواعد" وضعًا آخر وهو: أن اللعان إذا مضى لا يمكن ردّه والنفقة يمكن ردّها.
وعن مالك: لا نفقة للمطلقة الحامل حتى تضع فيقضى لها بنفقة ما مضى، وهو قياس القول بأن اللعان لا يكون إلا بعد وضعه، إلا أنه مخالف لظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ ...﴾ (١) الآية.
فإن قيل: قضاؤه ﵇ في دية شبه العمد بالخلْفات التي في بطونها أولادها دليل على أن الحمل يدرك.
قلنا: هن حوامل بغلبة الظن ظاهرًا لا تحقيقًا، فإن تبين ذلك الظاهر بوضعهن مضى الأمر وإلَّا ردَّهن وطَالَبَ بالحوامل، ولا يمكن ذلك في اللعان إذا مضى.
وقال الخطابي: وإنما ترد الجارية بعيب الحمل إذا قالت النساء: هي حبلى؛ لأن الردّ بالعيب يثبت بالشبهة كسائر الحقوق التي لا تسقطها الشبهة، والحدّ لا يجوز إثباته بالشبهة.
ثم إنه أخرج حديث أبي هريرة ﵁ من طريقين صحيحين رجالهما كلهم من رجال "الصحيحين":
стр. 5651
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن ابن عوف، عن أبي هريرة.
الثاني: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب أيضًا، عن مالك بن أنس ومحمد ابن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذئب وسفيان الثوري؛ ثلاثتهم عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.
وهذا الحديث أخرجه الجماعة:
فقال البخاري (١): حدثنا يحيى بن قزعة، ثنا مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة: "أن رجلاً أتى النبي ﵇ فقال: يا رسول الله، ولد لي غلام أسود. فقال: هل لك من إبل، قال: نعم. قال: ما ألوانها؟ قال: حمر. قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم. قال: فأنى ذلك؟ قال: لعله نزعه عرق. قال: فلعل ابنك هذا نزعه عرقه".
وقال مسلم (٢): حدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحيى -واللفظ لحرملة- قالا: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي.
وقال أبو داود (٣): نا ابن أبي خلف، قال: نا سفيان، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، قال: "جاء رجل إلى النبي ﵇ من بني فزارة، فقال: إن امرأتي جاءت بولد أسود، فقال: هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: ما ألوانها؟ قال: حمر. قال: فهل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقًا، قال: فما تراه؟ قال: عسى أن يكون نزعه عرق. قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرق".
стр. 5652
وقال الترمذي (١): نا عبد الجبار بن العلاء العطار وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي، قالا: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: "جاء رجل من بني فزارة إلى النبي ﵇، فقال: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلامًا أسود. فقال النبي ﵇: هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: فما ألوانها؟ قال: حمر. قال: فهل فيها أورق؟ قال: نعم، إن فيها لورقًا، قال: أنَّى أتاها ذلك؟ قال: لعل عرقًا نزعها. قال: فهذا لعل عرقًا نزعه".
وقال النسائي (٢): أنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ... إلى آخره نحوه.
وقال ابن ماجه (٣): نا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح، قالا: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ... إلى آخره نحوه.
قوله: "إن أعرابيًّا" وفي رواية البخاري: "أن رجلا"، وفي رواية أبي داود والترمذي: "رجل من بني فزارة" والكل واحد، وهو ضمضم بن قتادة، ذكره عبد الغني بن سعيد في كتاب "الغوامض"، وقال فيه: ولد له مولود أسود من امرأة من بني عجل، وقال فيه أيضًا: فقدم عجائز من بني عجل فأخبرني أنه كان للمرأة جدة سوداء، ذكره المنذري، وقال إسناده غريب.
قلت: رواه أبو موسى المديني في كتابه "المستفاد بالنظر والكتابة" من طريق: عبد الغني بن سعيد، نا أبو إسحاق بن إبراهيم بن عمر الدمشقي، أبنا القاسم بن عيسى العصار، ثنا محمد بن أحمد بن مطهر، حدثني يحيي بن الغمر -وكان زوج بنت مطر بن العلاء- قال: أخبرني جدك، قال سمعته يحدث عن عمته قطبة بنت هرم بن قطبة: "أن مدلوكا حدثهم أن ضمضم بن قتادة ولد له مولود أسود من امرأة
стр. 5653
له من بني عجل، فأوجس لذلك، فشكى إلى رسول الله ﵇ فقال: هل لك من إبل، قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: فيها الأحمر والأسود وغير ذلك، قال: فأنى ذلك؟ قال: عرق نزع، قال: وهذا عرقه نزع، قال: فقدم عجائز من بني عجل فأخبرن أنه كان للمرأة جدة سوداء". وقال أبو موسى: هذا إسناد عجيب، والحديث صحيح من رواية أبي هريرة، ولم يسمى فيه الرجل، وقال امرأة من بني فزارة.
قوله: "قال: حمر" بضم الحاء وسكون الميم جمع أحمر.
قوله: "إن فيها لورق" بضم الواو وسكون الراء جمع أورق.
والأورق المغبر الذي ليس بناصع البياض كون الرماد، ومنه سميت الحمامة ورقاء، وقال ابن الأثير: الأورق الأسمر، يقال: جمل أورق وناقة ورقاء، واللام فيه مفتوحة لأنها للتأكيد.
قوله: "فأنى ترى ذلك" أي من أين ترى ذلك.
قوله: "عرق نزعه" أي أصل أشبهه وأظهر لونه.
والعرق هنا الأصل من النسب، شبه بعرق الثمرة، يقال: معرق في النسب وفي اللؤم والكرم، وأصل النزع الجذب، كأنه جذبه لشبهه به، يقال منه: نزع ينزع، وهو ما شذ عن الأصل مما جاء على فَعَلَ يَفْعَلُ، فيما عينه من حروف الحلق أو لامه وأصله المطرد فعل يفعل، يقال: نزع الولد لأبيه ونزع إليه ونزعه أبوه، ونزع إليه، كله وارد.
ويستفاد من أحكام:
الأول: احتج به أبو حنيفة والشافعي وقالا: لا حَدَّ في التعريض ولا لعان؛ لأن النبي ﵇ لم يلاعن على هذا الرجل المعرِّض حَدًّا، وقال مالك: يجب الحد بالتعريض.
стр. 5654
الثاني: فيه دليل قاطع على صحة القياس والأعتبار بنظره من طريق واحدة قوية، وهو اعتبار الشبه الخلقي.
الثالث: قال يحيى: الذي فيه أن الولد يلحق الزوج وإن اختلفت ألوانهما، ولا يحل له نفيه بمجرد المخالفة في اللون.
الرابع: فيه تقديم حكم الفراش على اعتبار الشبه.
الخامس: فيه الزجر عن تحقيق ظن السوء، والله أعلم.
***
стр. 5655
ص: باب: الرجل ينفي ولد امرأته حين يولد هل يلاعن به أم لا ؟
ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يقول لامرأته حين ولادتها: الولد هذا ليس منِّي، هل يترتب على ذلك اللعان أم لا؟
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا حبان (ح).
وحدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا مهدي بن ميمون، عن محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن الحسن بن سعد -قال ربيع في حديثه: مولى الحسن بن علي- عن رباح قال: أتيت عثمان بن عفان قال: "إن رسول الله ﵇ قضى أن الولد للفراش.
ش: إسناده صحيح ورجاله ثقات، وحبان -بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة- ابن هلال الباهلي البصري، روى له الجماعة، والحسن بن سعد القرشي الهاشمي الكوفي مولي على بن أبي طالب، وقال الربيع في حديثه: مولى الحسن بن علي بن أبي طالب، وثقه النسائي وابن حبان، وروى له مسلم ومن الأربعة غير الترمذي.
ورباح -بالباء الموحدة- الكوفي من الموالى وثقه ابن حبان.
وروى له أبو داود (١) هذا الحديث: نا موسى بن إسماعيل، قال: نا مهدي بن ميمون أبو يحيى، قال: نا محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن الحسن بن سعد مولى الحسن بن علي بن أبي طالب، عن رباح، قال: "زوجني أهلي أمة لهم رومية، فوقعت عليها، فولدت غلامًا أسود مثل فسميته عبد الله، ثم وقعت عليها فولدت غلامًا أسود مثلي فسميته عبيد الله، ثم طبن لها غلام لأهلي رومى -يقال له يوحنة- يراطنها بلسانه، فولدت غلامًا كأنه وزغة من الوزغات، فقلت لها: ما هذا؟ قالت: ليوحنة. فرفعنا إلى عثمان ﵁-أحسب قال مهدي- قال: فسألهما، فاعترفا، فقال لهما: أترضيان أن أقضي بينكما بقضاء
стр. 5656
رسول الله ﵇، إن رسول الله ﵇ قضى أن الولد للفراش، وأحسبه قال: فخجدها وجلده، وكانا مملوكين".
قوله: "ثم طبن" بالباء الموحدة بعد الطاء من الطبن والطبانة، وهي الفطنة، يقال: طبن لكذا طبانة فهو طبن، أي هجم على باطنها وخبر أمرها، وأنها ممن تواتيه على المروادة، هذا إذا روي بكسر الباء، وإن روي بفتحها كان معناه: خببها وأفسدها.
ويستفاد منه: أن الولد للفراش، وأنه بالنفي لا ينتفى، وأنه لا يوجب اللعان، وإليه ذهب جماعة على ما نبين إن شاء الله.
وفيه دلالة على أن من أنكر ولده بالعزل فإنه يلحق به الولد، وفي "شرح الموطأ" للإشبيلي: وكذلك كل من وطأ في موضع يمكن وصول الماء منه إلى الفرج وكذلك الدبر فإن الماء قد يخرج منه إلى الفرج، حكاه ابن المواز، ويبعد عندي إن لحق من الوطأ في غير الفرج ولد، ولو صح هذا لما جاز أن تحد امرأة ظهر بها حمل ولا زوج لها؛ لجواز أن يكون من وطأ في غير الفرج، فلا يجب به حَدٌّ وإن وجبت به عقوبة.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن ابن شهاب، الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن رسول الله ﵇ قال: "الولد للفراش وللعاهر الحجر".
ش: إسناده صحيح ورجالهم كلهم رجال الصحيح.
وأخرجه عبد الله بن وهب وأبو جعفر العقيلي والقعنبي عن مالك في غير "الموطأ" هكذا مختصرًا، ورواه غيرهم عن مالك بأتم منه مثل ما أخرجه في "الموطأ" (١): عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، أنها قالت:
стр. 5657
"كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن ابن وليدة زمعة مني، فاقبضه إليك، قالت: فلما كان عام الفتح أخذه سعد بن أبي وقاص، وقال: ابن أخي قد كان عهد إليَّ فيه، فقام إليه عبد بن زمعة وقال: أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه فتساوقا إلى رسول الله ﵇، فقال سعد: يا رسول الله، ابن أخي قد كان عهد إليَّ فيه. وقال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه، فقال النبي ﵇: هو لك يا عبد بن زمعة. ثم قال رسول الله ﵇: الولد للفراش، وللعاهر الحجر. ثم قال لسودة بنت زمعة: احتجبي منه. لما رأى من شبهه بعتبة، فما رآها حتى لقى الله".
وأخرجه البخاري (١): من طريق مالك نحوه، وكذلك بقية الجماعة (٢) غير الترمذي.
وعتبة بن أبي وقاص هو أخو سعد بن أبي وقاص لأبيه، شهد أحدًا مع المشركين، ويقال: هو الذي رمى رسول الله ﵇ وكسر رباعيته ودمَّى وجهه، ومات بعد ذلك كافرًا.
وأصل القضية: أنهم كانت لهم في الجاهلية إماء يبغين، وكانت السادة يأيتهن في خلال ذلك، فإذا أتت إحداهن بولد فربما يدعيه السيد وربما يدعيه الزاني، فإن مات السيد ولم يكن ادَّعاه ولا أنكره، فادَّعاه ورثته لحق به، إلا أنه لا يشارك مستلحقه في ميراثه إلا أن يستلحقه قبل القسمة، وإن كان السيد أنكره لم يلحق به بحال، وكان لزمعة بن قيس والد سودة زوج النبي ﵇ أمة على ما وصف من أن عليها خريبة وهو يُلم بها، فظهر بها حمل كان يظن أنه من عتبة أخي سعد بن أبي وقاص وهلك كافرًا، فعهد إلى أخيه سعد قبل موته، فقال: استلحق الحمل
стр. 5658
الذي بأمة زمعة، فلما استلحقه سعد خاصمه عبد بن زمعة، فقال سعد: هو ابن أخي، يشير إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، وقال عبد بن زمعة: بل هو أخي، ولد على فراش أبي، يشير إلى ما استقر عليه الحكم في الإِسلام، فقضى رسول الله ﵇ لعبد بن زمعة؛ إبطالا الحكم الجاهلية.
قوله: "هو لك يا عبد بن زمعة" قال الطحاوي: معناه هو لك بيدك عليه لا أنك تملكه، ولكن يمنع بيدك عليه كل من سواك منه كما قال في اللقطة: هي لك بيدك عليها، يدفع غيرك عنها حتى يجيء صاحبها ليس على أنه ملك له، ولا يجوز أن يجعله رسول الله ﵇ ابنا لزمعة ثم يأمر أخته تحتجب عنه هذا محال لا يجوز أن يضاف إلى النبي ﵇.
وقال الطبري: هو لك يا عبد بن زمعة معناه: هو لك عبد؛ لأنه ابن وليدة أبيك، وكل أمة تلد من غير سيدها فولدها عبد، يريد أنه لما لم ينقل في الحديث اعتراف سيدها بوطئها ولا شهد بذلك عليه، كانت الأصول تدفع قول ابنه عليه، لم يبق إلا القضاء بأنه عبد تبع لأمه، وأمر سودة بالاحتجاب منه؛ لأنها لم تملك منه إلا شقصًا، وقال أبو عمر: هذا تحكم من الطبري، وهو خلاف ظاهر الحديث.
قوله: "احتجبي عنه يا سودة" أشكل معناه قديما على العلماء، فذهب أكثر القائلين بأن الحرام لا يحرم الحلال وأن الزنا لا تأثير له في التحريم، وهو قول عبد الملك بن الماجشون، أي أن قوله كان ذلك منه على وجه الاحتياط والتنزه، وأن للرجل أن يمنع امرأته من رؤية أخيها، هذا قول الشافعي، وقالت طائفة: كان ذلك منه لقطع الذريعة بعد حكمه بالظاهر، فكأنه حكم بحكمين: حكم ظاهر وهو الولد للفراش، وحكم باطن وهو الاحتجاب من أجل الشبه، وكأنه قال: ليس بأخٍ لك يا سودة إلا في حكم الله، فأمرها بالاحتجاب منه.
стр. 5659
قلت: ومن هذا أخذ أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد: أن وطء الزنا أنه محرم وموجب للحكم وأنه يجري مجرى الوطء الحلال في التحريم منه، وحملوا أمره ﵇ لسودة بالاحتجاب على الوجوب، وهو أحد قولي مالك، وفي قوله الآخر: الأمر ها هنا للاستحباب، وهو قول الشافعي وأبي ثور؛ وذلك لأنهم يقولون: إن وطء الزنا لا يحرم شيئًا، ولا يوجب حكمًا، والحديث حجة عليهم.
قوله: "الولد للفراش" أي لصاحب الفراش، وأجمعت جماعة من العلماء بأن الحرة فراش بالعقد عليها، مع إمكان الوطء وإمكان الحمل، فإذا كان عقد النكاح يمكن معه الوطء والحمل، فالولد لصاحب الفراش لا ينتفي عنه أبدًا بدعوى غيره، ولا بوجه من الوجوه إلا باللعان.
واختلف الفقهاء في المرأة يطلقها زوجها في حين العقد عليها بحضرة الحاكم أو الشهود، فتأتي بولد لستة أشهر فصاعدًا من ذلك الوقت عقيب العقد، فقال مالك والشافعي: لا يلحق به؛ لأنها ليست بفراش له، إذ لم يمكنه الوطء في العصمة، وهو كالصغير أو الصغيرة اللذين لا يمكن منهما الولد، وقال أبو حنيفة وأصحابه: هي فراش له، ويلحق به ولدها.
واختلفوا في الأمة، فقال مالك: إذا أقر بوطئها صارت فراشا، وإن لم يدع استبراء لحق به ولدها وإن ادعى استبراء من ولدها، وقال العراقيون: لا تكون الأمة فراشًا بالوطء إلا بأن يدعي سيدها ولدها، وأما إن نفاه فلا يلحق به، سواء أقر بوطئها أو لم يُقر وسواء استبرأ أو لم يستبرئ.
قوله: "وللعاهر الحجر" العاهر الزاني، فقيل: معناه أن الحجر يرجم به الزاني المحصن، وقيل: معناه أن الزاني له الخيبة ولاحظ له في الولد؛ لأن العرب تجعل هذا مثلًا في الخيبة، كما يقال: له التراب إذا أراد له الخيبة.
стр. 5660
والعهر: الزنا ومنه الحديث: "اللهم أبدله بالعهر العفة" وقد عهر الرجل إلى المرأة يعْهر إذا أتاها للفجور، وقد عيهرت هي وتعيهرت إذا زنت.
وقال أبو عمر: قد قيل: معناه أن الزاني لا شيء له في الولد ادعاه أو لم يدعه، فإنه لصاحب الفراش دونه لا ينتفي عنه أبدًا إلا بلعان، وقوله: "وللعاهر الحجر" كقولهم: بفيك الحجر: أي لا شيء لك، قالوا: ولم يقصد بقوله: "وللعاهر الحجر" الرجم، وإنما قصد به إلى نفي الولد، واللفظ يحتمل التأويلين جميعًا.
وقال ابن الأثير، في "النهاية": العاهر: الزاني، وقد عَهَرَ يَعْهَرُ عَهْرًا وعُهُورًا إذا أتى المرأة ليلاً للفجور بها ثم غلب على الزنا مطلقًا، والمعنى لا حظ للزاني في الولد، وإنما هو لصاحب الفراش أي لصاحب أم الولد وهو زوجها أو مولاها، وهو كقول الآخر: له التراب، أي لا شيء له، وقال أيضًا، وللعاهر الحجر: أي الخيبة، يعني أن الولد لصاحب الفراش من الزوج أو السيد، وللزاني الخيبة والحرمان، كقولك: مالك عندي شيء غير التراب، وما بيدك غير الحجر، وذهب بعضهم إلى أنه كني بالحجر عن الرجم، وليس كذلك؛ لأنه ليس كل زاني يرجم.
ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا علي بن الجعد، قال: أنا شعبة، عن محمد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يحدث عن رسول الله ﵇ مثله.
ش: إسناده صحيح، ومحمد بن زياد القرشي أبو الحارث المدني مولى عثمان بن مظعون، روى له الجماعة.
وأخرجه البخاري (١): عن مسدد، عن يحيى وعن آدم (٢) كلاهما، عن شعبة ابن الحجاج، عن محمد بن زياد، سمع أبا هريرة، سمع النبي ﵇ يقول: "الولد للفراش وللعاهر الحجر".
стр. 5661
وأخرجه مسلم (١): حدثني محمد بن رافع وعبد بن حميد -قال ابن رافع: ثنا عبد الرزاق- قال: أنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ قال الولد للفراش وللعاهر الحجر".
وأخرجه الترمذي (٢): عن أحمد بن منيع، عن سفيان، عن الزهري، ن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ نحوه.
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم الخولاني، عن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﵇ مثله.
ش: إسناده حسن، وإسماعيل بن عياش بن سليم الحمصي، قال دحيم: في الشاميين غاية، وخلط عن المدنيين، واحتجت به الأربعة، وشرحبيل بن مسلم ابن حامد الخولاني الشامي، قال يحيى والعجلي: تابعي ثقة. روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه.
وأبو أمامة، اسمه صدي بن عجلان الباهلي.
وأخرجه ابن ماجه (٣): نا هشام بن عمار، قال: نا إسماعيل بن عياش، نا شرحبيل بن مسلم، قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "الولد للفراش وللعاهر الحجر".
ص: حدثنا إسماعيل بن يحيى المزني، قال نا الشافعي، عن سفيان، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه، سمع عمر ﵁ يقول: "قضى رسول الله ﷺ بالولد للفراش".
ش: إسناده صحيح، وسفيان هو ابن عيينة، وعبيد الله بن أبي يزيد المكي مولى آل قارظ، روى له الجماعة.
стр. 5662
وأبوه: أبو يزيد المكي، وثقه ابن حبان، وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه.
والحديث أخرجه الشافعي في "مسنده" (١).
وابن ماجه في "سننه" (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه، عن عمر ﵁: "أن رسول الله ﵇ قضى بالولد للفراش".
فهذا كما رأيت قد أخرج الطحاوي هذا الحديث عن خمسة من الصحابة ﵃ وهم: عثمان بن عفان وعائشة الصديقة وأبو هريرة وأبو أمامة وعمر بن الخطاب ﵃.
ولما أخرج الترمذي (٣) حديث أبي هريرة قال وفي الباب عن عمر وعثمان وعائشة وأبي أمامة وعمرو بن خارجه وعبد الله بن عمرو والبراء بن عازب وزيد بن أرقم.
قلت: وفي الباب أيضًا عن عبد الله بن الزبير وعبد الله بن مسعود ﵃.
أما حديث عمرو بن خارجة فأخرجه الترمذي (٤): ثنا قتيبة، نا أبو عوانة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة أنه قال: "خطبنا رسول الله ﵇ بمنى وهو على ناقته، وإني لتحت جرانها، ولعابها يسيل بين كتفي، وإنها لتقصع بجرتها يقول: إن الله قد أعطى كل ذي حق من الميراث ولا وصية لوارث، الولد للفراش وللعاهر الحجر".
стр. 5663
وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أبو داود (١): ثنا زهير بن حرب، قال: نا يزيد بن هارون، قال: أنا الحسن المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: "قام رجل فقال: يا رسول الله، إن فلانا ابني؛ عاهرت بأمه في الجاهلية، فقال رسول الله ﵇: لا دعوة في الإِسلام، ذهب أمر الجاهلية، الولد للفراش وللعاهر الحجر".
وأما حديث البراء وزيد بن أرقم فأخرجه الطبراني (٢): نا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا ضرار بن صرد (ح).
وثنا موسى بن هارون وعبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، قالا: ثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي، نا موسى بن عثمان الحضرمي، عن أبي إسحاق، عن البراء وزيد بن أرقم قالا: "كنا مع رسول الله ﵇ يوم غدير خُمّ ونحن نرفع غصن الشجرة عن رأسه، فقال: إن الصدقة لا تحل لي ولا لأهل بيتي، لعن الله من ادعى إلى غير أبيه، ولعن الله من تولى غير مواليه، الولد لصاحب الفراش وللعاهر الحجر، ليس لوارث وصية".
وأما حديث عبد الله بن الزبير فأخرجه النسائي (٣): أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن يوسف بن الزبير، مولى لهم- عن عبد الله بن الزبير، قال: "كانت لزمعة جارية يطؤها وكان يظن بآخر يقع عليها، فجاءت بولد شبه الذي كان يطؤها به فمات زمعة وهي حبلى فذكرت ذلك سودة لرسول الله ﵇، فقال رسول الله ﵇: الولد للفراش، واحتجبي منه يا سودة، فليس لك بأخ".
стр. 5664
وأما حديث عبد الله بن مسعود فأخرجه النسائي (١) أيضًا: أنا إسحاق بن إبراهيم، نا جرير، عن مغيرة، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن رسول الله ﵇ قال: "الولد للفراش، وللعاهر الحجر".
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن الرجل إذا نفى ولد امرأته لم ينتف به، ولم يلاعن به، واحتجوا في ذلك بما رويناه عن رسول الله ﵇ في هذا الباب قالوا: فالفراش يوجب حق الولد في إثبات نسبه من الزوج والمرأة، فليس لهما إخراجه منه بلعان ولا غيره.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عامرًا الشعبي ومحمد بن أبي ذئب وبعض أهل المدينة؛ فإنهم قالوا: إذا نفى ولد امرأته لم ينتف به ولا يجب به اللعان، واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل يلاعن وينتفي نسبه منه ويلزم أمه وذلك إذا كان لم يُقر به قبل ذلك، ولم يكن منه ما حكمه حكم الإقرار، ولم يتطاول ذلك.
واحتجوا في ذلك بما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ فرق بين المتلاعنين وألزم الولد أمه". قالوا: فهذه سنة عن رسول الله ﵇ لم نعلم شيئًا عارضها ولا نسخها، فعلمنا بها أن قول رسول الله ﵇ الولد للفراش لا ينفي أن يكون اللعان به واجبًا إذا نفى، إذ كان رسول الله ﵇ قد فعل ذلك، وأجمع أصحابه من بعده على ما حكموا في ميراث ابن الملاعنة، فجعلوه لا أب له، وجعلوه من قوم أمه، وأخرجوه من قوم الملاعن، ثم اتفق على ذلك تابعوهم من بعدهم، ثم لم يزل الناس على ذلك إلى أن شذَّ هذا المخالف لهم، فالقول عندنا في ذلك على ما فعله
стр. 5665
رسول الله ﵇ وأصحابه من بعده، وتابعوهم من بعدهم على ما ذكرنا، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أبي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم جماهير الفقهاء من التابعين ومن بعدهم، منهم: الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأصحابهم؛ فإنهم قالوا: إذا نفى الرجل ولد امرأته يلاعن، وينتفي نسبه منه ويلزم أمه، ثم في هذا تفصيل وخلاف من وجه آخر بينهم، فقال أصحابنا: إذا كان القذف ينفي الولد بحضرة الولادة أو بعدها بيوم أو يومين، أو نحو ذلك من مدة يأخذ فيها التهنئة وانبياع الأب الولادة عادة صح ذلك، فإن نفاه بعد ذلك لا ينتفي، ولم يؤقت أبو حنيفة لذلك، وقتًا وروي عنه أنه وقت لذلك سبعة أيام، وأبو يوسف ومحمد وقتاه بأكثر النفاس وهو أربعون يومًا، واعتبر الشافعي الفور فقال: إن نفاه على الفور ينتفي وإلا لا، وفي "شرح الموطأ" للإشبيلي: قال أبو حنيفة: إذا ولدت فنفاه من يوم يولد أو بعد يوم أو يومين لاعن وانتفى الولد، وإن لم ينفه حتى مضت سنة أو سنتان لاعن، ولزمه الولد، ولم يوقت أبو حنيفة لذلك وقتا، ووقت أبو يوسف ومحمد بمقدار النفاس أربعين يومًا، وقال أبو يوسف: إن كان غائبًا فقدم فله نفيه ما بينه وبين مقدار النفاس منذ يوم قدم ما كان في الحولين فإن قدم بعد الحولين، لم ينتف عنه أبدًا، وقال الشافعي: إذا علم بالحمل وأمكنه التحاكم فترك اللعان لم يكن له نفيه كالشفعة، وقال في القديم: إن لم ينفه في يوم أو يومين، وقال بمصر: أو ثلاثة لم يكن له نفيه، ولو أشهد على نفسه لشغل ما أمكنه فوته أو لمرض أو كان غائبًا وقال: لم أصدق حملها، فهو على نفيه، وكذلك الحاضر إذا قال لم أعلم ولو رآها حبلى وقال: لم أعلم أنه حمل حتى ولدت كان له نفيه.
قوله: "ويلزم أمه" أي يلزم الولد المنفي أمه، حتى لا يرث إلا من أمه، وإذا مات هو لا يرثه إلا أمه.
стр. 5666
وقد روينا عن البخاري (١) في حديث سهل بن سعد، قال ابن جريج: قال ابن شهاب: "فكانت السنة بعدهما أن يفرق بين المتلاعنين وكانت حاملاً، وكان ابنها يدعى لأمه، ثم جرت السنة في ميراثها أنها ترثه ويرث منها ما فرض الله".
قلت: ما فرض الله لها هو الثلث إن لم يكن له ولد ولا ولد ابن ولا اثنان من الأخوة والأخوات فإن كان شيء من ذلك فلها السدس، ثم إذا وقع لأمه فرضها أو إلى أصحاب الفروض وبقي شيء فهو لموالي أمه، فإن لم يكن لها موالى فهو لبيت المال.
قاله الشافعي ومالك وأبو ثور وقبلهم ابن شهاب.
وقال الحكم وحماد: يرثه ورثة أمه، وقال الآخرون: عصبته أمه، روي هذا عن علي وابن مسعود وعطاء وأحمد بن حنبل، قال أحمد: فإن انفردت الأم أخذت جميع ماله بالعصوبة، قال أبو حنيفة: إذا انفردت أخذت الجميع، الثلث بالفرض، والباقي بالرد على قاعدته.
قوله: "وذلك إذا لم يقر به" أي بالولد قبل ذلك، أي قبل نفيه، قيَّدَ بذلك؛ لأنه إذا كان قد أقر به وهو حمل ثم نفاه بعد الولادة لا ينتفي، ولا يصح نفيه.
قوله: "ولم يكن منه" أي من الرجل الذي ينفي فيه، أي في الولد ما حكمه حكم الإقرار، قيَّد به لأنه إذا وجد منه فيه ما يدل على أنه إقرار لا يصح نفيه، وذلك نحو أن يسكت إذا هنئ به ولا يرد على المهنئ، فكان السكوت -والحالة هذه- اعترافا بنسب الولد، فلا يمكن نفيه بعد الاعتراف؛ وذلك لأن العاقل لا يسكت عند التهنئة بولد ليس منه عادة.
وروى ابن رستم عن محمد: إذا هنئ بالولد من الأمة فسكت لم يكن اعترافا، وإن سكت في ولد الزوجة كان اعترافا.
стр. 5667
قوله: "ولم يتطاول ذلك" أي النفي بعد الولادة، حتى إذا تطاول أيامًا ثم نفاه لا يصح نفيه، وقد ذكرنا حد التطاول في ذلك آنفا.
قوله: "احتجوا في ذلك" أي احتج الجماعة الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث ابن عمر ﵄، وإسناده صحيح، وأخرجه مالك في "موطإه" (١)، وأخرجه الجماعة.
قال البخاري (٢): ثنا يحيى بن بكير، ثنا مالك، قال: حدثني نافع، عن ابن عمر: "أن النبي ﵇ لاعن بين رجل وامرأته، فانتفى من ولدها ففرق بينهما وألحق الولد بالمرأة".
وقال مسلم (٣): نا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا أبو أسامة.
ونا ابن نمير، قال: نا أبي، قالا: أنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: "لاعن رسول الله ﵇ بين رجل من الأنصار وامرأته ففرق بينهما".
ورواه (٣) أيضًا عن مالك وفي آخره: "وألحق الولد بأمه".
وقال أبو داود (٤): ثنا عبد الله بن مسلمة القعبني، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله ابن عمر، نحوه.
وقال الترمذي (٥): نا قتيبة، قال: نا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، نحوه.
وقال: هذا حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم.
стр. 5668
وقال النسائي (١): أخبرنا قتيبة، حدثنا مالك ... إلى آخره نحوه.
وقال ابن ماجه (٢): ثنا أحمد بن سنان، نا عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر ... إلى آخره نحوه.
قوله: "وألزم الولد أمه" أي ألحقه به.
فإن قيل: ما معنى هذا الكلام ومعلوم أنه قد لحق بأمه، وأنها على كل حال أمه؟!
قيل له: المعنى أنه ألحقه بأمه دون أبيه، ونفاه عن أبيه بلعانه وصيره إلى أمه وحدها، ولهذا ما اختلف العلماء في ميراثه.
قوله: "قالوا" أي قال هؤلاء القوم الآخرون: إن هذه سنة عن رسول الله ﵇ يعني التفريق بين المتلاعنين وإلحاق الولد بالأم سنة النبي ﵇ فإنه ﵇ قد فعل ذلك وأجمع أصحابه على ذلك أيضًا من بعده، ثم اتفق على ذلك أيضًا من بعد الصحابة تابعوهم، فكلهم أجمعوا على أن ولد الملاعنة لا أب له، وأنه من قوم أمه دون أبيه، ثم لم يزل الناس على ذلك العمل إلا ما شذَّ ما ذكرنا من أهل المقالة الأولى، فلا عبرة لقولهم ذلك لشذوذه، ولا يصح أيضًا استدلالهم بقوله ﵇: "الولد للفراش" فيما ذهبوا إليه، لأنه لا ينفي وجوب اللعان بنفي الولد، ولا يعارض الأحاديث التي تدل على ذلك، فافهم. والله أعلم بالصواب.
...
стр. 5669
ص: كتاب البيوع
ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام البيوع وأنواعها وأقسامها، وهو جمع بيع، وإنما جمعه؛ لاختلاف أنواعه، وهي المطلق إذا كان بيع العين بالثمن، والمقايضة إذا كان عينا بعين، والسَّلَم إذا كان بيع الدين بالعين، والصرف إذا كان بيع الثمن بالثمن والمرابحة إذا كان بالثمن الأول مع زيادة، والتولية إن لم يكن بزيادة، والوضيعة إذا كان بتقصان، واللازم إن كان تامًّا، وغير اللازم إذا كان بالخيار، والصحيح والباطل والفاسد والمكروه.
وهو في اللغة مطلق المبادلة، وفي الشرع: مبادلة المال بالمال على سبيل التراضي.
ولما فرغ عن بيان العبادات شرع في بيان المعاملات، وقدم البيوع على غيرها لكثرة الاحتياج إلى علمها لابتلاء الناس بها في جميع أوقاتهم.
***
стр. 5670
ص: باب: بيع الشعير بالحنطة متفاضلًا
ش: أي هذا باب في بيان بيع الشعير بالحنطة حال كون البيع بينهما بالتفاضل.
ص: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال أخبرني عمرو بن الحارث، أن أبا النضر حدثه، أن بسر بن سعيد حدثه، عن معمر بن عبد الله: "أنه أرسل غلامًا له بصاع من قمح فقال: بعه واشتر به شعيرًا، فذهب الغلام فأخد صاعًا وزيادة بعض صاع، فلما جاء معمر أخبره، فقال له معمر: لم فعلت؟ انطلق فرده ولا تأخذ إلا مثلا بمثل؛ فإني كنت أسمع رسول الله ﵇ يقول: الطعام بالطعام مثلا بمثل، فكان طعامنا يؤمئذ الشعير، قيل له: فإنه ليس مثله، قال: إني أخاف أن يضارعه".
ش: إسناده صحيح على شرط الشيخين وأبو النضر -بالنون والضاد المعجمة- سالم بن أبي أمية القرشي التيمي المدني، روى له الجماعة وبُسر -بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة- بن سعيد المدني العابد، روى له الجماعة.
وأخرجه مسلم (١): نا هارون بن معروف، قال: نا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو (ح).
وحدثني أبو الطاهر، قال: أنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث ... إلى آخره نحوه سواء.
قوله: "غلامًا له" وفي بعض الرواية: وغلامه وهي الأصح، وكذا وقع في "صحيح مسلم" على الاختلاف.
قوله: "بصاع من قمح" قد فسرنا الصالح في كتاب الزكاة: أنه مكيال يسع أربعة أمداد، والمد مختلف فيه، فقيل: هو رطل وثلث بالعراقي، وبه يقول الشافعي وفقهاء الحجاز.
стр. 5671
وقيل: هو رطلان، وبه أخذ أبو حنيفة، وفقهاء العراق، فيكون الصاع خمسة أرطال وثلثًا، أو ثمانية أرطال.
قوله: "ثم اشتر به شعيرًا" أي ثم اشتر بالقمح شعيرًا، والمعنى بيع القمح وخذ عوض ثمنه شعيرًا، لا أنه يبيع القمح بثمن ثم يأخذ بذلك الثمن شعيرًا؛ فإن في هذه الصورة يجوز الزيادة بالإجماع، وإنما الخلاف فيما إذا بيع القمح بالشعير بأن يصير أحدهما مبيعًا والآخر ثمنًا؛ فإنه يجوز متفاضلًا خلافا لمالك على ما يجيء الآن.
وعلى هذا عرفت أن قول عياض في شرح "صحيح مسلم"، وقوله في حدث معمر بن عبد الله أنه أرسل غلامًا له بصاع قمح ليبيعه ويشتري بثمنه شعيرًا، وأنه أخذ به صاعًا وزيادة ... إلى أن قال: فيه حجة للمالكية في جعلهما واحداً، كلام صادر من غير ترو ولا تأمل وذلك لأنه إذا باع القمح بثمن ثم اشترى بذلك الثمن شعيرًا أكثر من ذلك القمح فإنه يجوز بلا خلاف، فكيف يصور هذه الصورة ثم يقول فيه حجة للمالكية وإنما العبارة الصحيحة ما ذكرنا فافهم.
قوله: "فلما جاء معمر" ووقع في بعض نسخ "مسلم": "فلما جاء معمرًا" بنصب معمر، فوجهه إن صح فيكون منصوبا على المفعولية ويكون الضمير الذي في جاء كناية عن الغلام، وفي رواية الرفع التي هي كما قد وقعت أيضًا في رواية الطحاوي يكون ارتفاع معمر بقوله: "جاء به".
قوله: "مثلا بمثل" حال، وتقديره الطعام بالطعام يجوز حال كونها متماثلين.
قوله: "أن يضارعه" أي أن يشابهه، من المضارعة وهي المشابهة.
ص: قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى هذا الحديث، فقلدوه وقالوا: لا يجوز بيع الحنطة بالشعير إلا مثلا بمثل.
стр. 5672
ش: أراد بالقوم هؤلاء: أبا عبد الرحمن السلمي والقاسم وسالما وسعيد بن المسيب وربيعة وأبا الزناد والحكم بن عتيبة وحماد بن أبي سليمان والليث بن سعد ومالكًا؛ فإنهم قالوا لا لمجوز بيع الحنطة بالشعير إلا مثلا بمثل، واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وسعد ابن أبي وقاص وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يعوث ومعيقيب ﵃.
أما رواية عمر ﵁ فأخرجها الطيالسي عن هشام الدستوائي، عن يحيي بن أبي كثير، قال: "أرسل عمر بن الخطاب غلامًا له بصاع من برٍّ يشتر له به صاعًا من شعير، وزجره إن زادوه أن يزداد".
وأخرجه ابن أبي شيبة (١): عن الطيالسي.
وأما رواية سعد بن أبي وقاص فأخرجها ابن أبي شيبة (٢) في مصنفه: نا شبابة، عن ليث، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن سعد بن أبي وقاص، بمثل هذا.
وأما رواية عبد الرحمن بن الأسود فأخرجها مالك (٣): عن نافع، عن سليمان ابن يسار، قال: "قال عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث لغلامه: خذ من حنطة أهلك فابتع بها شعيرًا، ولا تأخذ إلا مثله".
وأما رواية معيقيب فأخرجها مالك (٤) أيضًا: عن القاسم بن محمد، عن معيقيب، بمثل هذا.
والجواب: أن حديث عبادة بن الصامت الآتي يرد هذا كله، على ما يجيء، وحديث عمر ومعيقيب ﵄ منقطع.
стр. 5673
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا بأس ببيع الحنطة بالشعير متفاضلا مثلين بمثل أو أكثر من ذلك.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: النخعي والشعبي والزهري وعطاء والثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور؛ فإنهم قالوا: يجوز بيع الحنطة بالشعير متفاضلا، وروي ذلك عن ابن عمر وجابر بن عبد الله وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبادة بن الصامت ﵃ أخرج ذلك عنهم ابن أبي شيبة بأسانيد جياد (١).
ص: وكان من الحجة لهم على أهل المقالة الأولى في الحديث الذي احتجوا به عليهم أن معمرًا أخبر عن النبي ﵇ أنه كان سمعه يقول: "الطعام بالطعام مثلا بمثل، ثم قال معمر: وكان طعامنا يومئذ الشعير" فيكون ذلك على الشعير بالشعير، فيجوز أن يكون النبي ﵇ أراد بقوله -الذي حكاه عنه معمر- الطعام الذي كان طعامهم يومئذ، فيكون ذلك على الشعير بالشعير، فلا يكون في هذا الحديث شيء من ذكر بيع الحنطة بالشعير مما ذكر فيه عن النبي ﵇ وإنما هو مذكور عن معمر من رأيه، ومن تأويله ما كان سمع من النبي ﵇، ألا ترى أنه قيل له: "فإنه ليس مثله" أي ليس من نوعه، فلم ينكر ذلك على من قاله، وكان من جوابه "أني أخشى أن يضارعه"، كأنه خاف أن يكون قول النبي ﵇ الذي سمعه يقول -وهو ما ذكرنا في حديثه- على الأطعمة كلها فتوقى ذلك وتنزه عنه (*)، للريب الذي وقع في قلبه منه، فلما انتفى أن يكون في هذا الحديث حجة لأحد الفريقين على صاحبه، نظرنا هل في غيره ما ينبئنا عن حكم ذلك، كيف هو؟ فاعتبرنا ذلك، فإذا علي بن شيبة قد حدثنا، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن مسلم بن يسار، عن أبي الأشعث، عن عبادة بن الصامت ﵁: "أنه قام فقال: يا أيها الناس قد
стр. 5674
أحدثتم بيوعًا لا أدري ما هي، وإن الذهب بالذهب وزنًا بوزن تِبْرُهُ وعينه، والفضة بالفضة وزنًا بوزنٍ تِبْرُها وعينها، ولا بأس ببيع الذهب بالفضة، والفضة أكثرهما، يدًا بيدٍ، ولا يصلح نَسَاءً، والبُرُّ بالبرِّ مُدًّا بمدًّ يدًا بيد، والشعير بالشعير مدَّا بمدٍّ يدًا بيدٍ، ولا بأس ببيع الشعير بالبر والشعير أكثرهما يدًا بيدٍ، ولا يصلح نسيئة، والتمر بالتمر، حتى عدَّ الملح مثلا بمثل، من زاد أو استزاد فقد أربى".
فهذا عبادة بن الصامت قد خالف معمر بن عبد الله فيما ذهب إليه، على ما ذكرنا عنه في الحديث الأول.
ش: أي وكان من الدليل والبرهان للآخرين على أهل المقالة الأولى، وأراد بها الجواب عما احتجوا به من حديث معمر بن عبد الله، تقرير ذلك: أن حديث معمر لا يتم به الاستدلال ولا يصح؛ لأنه يجوز أن يكون النبي ﵇ أراد بقوله: "الطعام بالطعام مثلا بمثل"، الطعام الذي كان طعامهم يومئذ، فيكون المراد الشعير لأن طعامهم يومئذ كان الشعير، فيكون المعنى: الشعير بالشعير مثلا بمثل، فلا يكون حينئذ في الحديث تعرض إلى بيع الحنطة بالشعير من النبي ﵇، وإنما المذكور فيه من ذلك فمن معمر من رأيه وتأويله ما كان سمع من النبي ﵇ فإذا كان كذلك لا يكون الاستدلال به على عدم جواز بيع الحنطة بالشعير متفاضلًا غير صحيح، وقال ابن حزم: وأما حديث معمر فهو حجة عليهم لأنهم يسمون التمر طعامًا ويبيحون فيه التفاضل بالبر، فقد خالفوا الحديث على تأويلهم بإقرارهم، ولا حجة لهم أصلاً فيه؛ لأنه ليس فيه إلا الطعام بالطعام مثلا بمثل، وهذا ما لا نخالفهم فيه، ولا في جوازه، ليس فيه أن الطعام لا يجوز بالطعام إلا مثلا بمثل، هذا مسكوت عنه جملة في خبر معمر، ومنصوص على جوازه في خبر أبي هريرة وعبادة بن الصامت عن رسول الله ﵇، فبطل تعلقهم به جملة، وعاد حجة عليهم، وأما قول معمر من رأيه فلا
стр. 5675
حجة لهم فيه لأنه قد صرح بالشعير ليس مثلا للقمح لكن يخوف أن يضارعه، فتركه احتياطًا لا إيجابًا.
ثم قال: والعجب من مالك إذ يجعل ها هنا وفي الزكاة البر الشعير والسلت صنفا واحداً ثم لا يجيز لمن يتقوت البر إخراج الشعير أو السلت في زكاة الفطر، وقوله: كل أحد يخرج مما يأكل، وهذا تناقض فاحش.
وعجب آخر: وهو أنه يجمع بين الذهب والفضة في الزكاة ويرى إخراج أحدهما عن الآخر في الزكاة المفروضة، ويجيز ها هنا أن يباع الذهب بالفضة متفاضلين، وهذا تناقض لا خفاء به، وما علم أحد قط لا في شريعة ولا في لغة ولا في طبيعة: أن الشعير بر، ولا أن البر شعير، بل كل ذلك يشهد بأنهما صنفان مختلفان كاختلاف التمر والزبيب والتين، ولا يختلفون في أن من حلف أن لا يأكل برًّا فأكل شعيرًا، أو أن لا يأكل شعيرًا فأكل برًّا، ولا يشتري برًا فاشترى شعيرًا، أو لا يشتري شعيرًا فاشترى برًّا، فإنه لا يحنث انتهى.
ثم إذا لم يصح الاستدلال بحديث معمر للخصم ولا لنا فيما ذهبنا إليه وجب الرجوع إلى غيره من الأحاديث، هل نجد فيها ما يدل على ما ذهبنا إليه من جواز بيع الحنطة بالشعير ... فوجدنا حديث عبادة بن الصامت يدل صريحًا على جواز بيع الحنطة بالشعير متفاضلا.
وأخرجه بإسناد رجاله ثقات.
وأبو الأشعث الصنعاني اسمه شراحيل بن آدة، روى له الجماعة، البخاري في غير صحيح.
وأخرجه النسائي (١): عن محمد بن آدم، عن عبدة، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة ... إلى آخره نحوه.