وقيل: هو رطلان، وبه أخذ أبو حنيفة، وفقهاء العراق، فيكون الصاع خمسة أرطال وثلثًا، أو ثمانية أرطال.
قوله: "ثم اشتر به شعيرًا" أي ثم اشتر بالقمح شعيرًا، والمعنى بيع القمح وخذ عوض ثمنه شعيرًا، لا أنه يبيع القمح بثمن ثم يأخذ بذلك الثمن شعيرًا؛ فإن في هذه الصورة يجوز الزيادة بالإجماع، وإنما الخلاف فيما إذا بيع القمح بالشعير بأن يصير أحدهما مبيعًا والآخر ثمنًا؛ فإنه يجوز متفاضلًا خلافا لمالك على ما يجيء الآن.
وعلى هذا عرفت أن قول عياض في شرح "صحيح مسلم"، وقوله في حدث معمر بن عبد الله أنه أرسل غلامًا له بصاع قمح ليبيعه ويشتري بثمنه شعيرًا، وأنه أخذ به صاعًا وزيادة ... إلى أن قال: فيه حجة للمالكية في جعلهما واحداً، كلام صادر من غير ترو ولا تأمل وذلك لأنه إذا باع القمح بثمن ثم اشترى بذلك الثمن شعيرًا أكثر من ذلك القمح فإنه يجوز بلا خلاف، فكيف يصور هذه الصورة ثم يقول فيه حجة للمالكية وإنما العبارة الصحيحة ما ذكرنا فافهم.
قوله: "فلما جاء معمر" ووقع في بعض نسخ "مسلم": "فلما جاء معمرًا" بنصب معمر، فوجهه إن صح فيكون منصوبا على المفعولية ويكون الضمير الذي في جاء كناية عن الغلام، وفي رواية الرفع التي هي كما قد وقعت أيضًا في رواية الطحاوي يكون ارتفاع معمر بقوله: "جاء به".
قوله: "مثلا بمثل" حال، وتقديره الطعام بالطعام يجوز حال كونها متماثلين.
قوله: "أن يضارعه" أي أن يشابهه، من المضارعة وهي المشابهة.
ص: قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى هذا الحديث، فقلدوه وقالوا: لا يجوز بيع الحنطة بالشعير إلا مثلا بمثل.
стр. 5672
ش: أراد بالقوم هؤلاء: أبا عبد الرحمن السلمي والقاسم وسالما وسعيد بن المسيب وربيعة وأبا الزناد والحكم بن عتيبة وحماد بن أبي سليمان والليث بن سعد ومالكًا؛ فإنهم قالوا لا لمجوز بيع الحنطة بالشعير إلا مثلا بمثل، واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وسعد ابن أبي وقاص وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يعوث ومعيقيب ﵃.
أما رواية عمر ﵁ فأخرجها الطيالسي عن هشام الدستوائي، عن يحيي بن أبي كثير، قال: "أرسل عمر بن الخطاب غلامًا له بصاع من برٍّ يشتر له به صاعًا من شعير، وزجره إن زادوه أن يزداد".
وأخرجه ابن أبي شيبة (١): عن الطيالسي.
وأما رواية سعد بن أبي وقاص فأخرجها ابن أبي شيبة (٢) في مصنفه: نا شبابة، عن ليث، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن سعد بن أبي وقاص، بمثل هذا.
وأما رواية عبد الرحمن بن الأسود فأخرجها مالك (٣): عن نافع، عن سليمان ابن يسار، قال: "قال عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث لغلامه: خذ من حنطة أهلك فابتع بها شعيرًا، ولا تأخذ إلا مثله".
وأما رواية معيقيب فأخرجها مالك (٤) أيضًا: عن القاسم بن محمد، عن معيقيب، بمثل هذا.
والجواب: أن حديث عبادة بن الصامت الآتي يرد هذا كله، على ما يجيء، وحديث عمر ومعيقيب ﵄ منقطع.
стр. 5673
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا بأس ببيع الحنطة بالشعير متفاضلا مثلين بمثل أو أكثر من ذلك.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: النخعي والشعبي والزهري وعطاء والثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور؛ فإنهم قالوا: يجوز بيع الحنطة بالشعير متفاضلا، وروي ذلك عن ابن عمر وجابر بن عبد الله وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبادة بن الصامت ﵃ أخرج ذلك عنهم ابن أبي شيبة بأسانيد جياد (١).
ص: وكان من الحجة لهم على أهل المقالة الأولى في الحديث الذي احتجوا به عليهم أن معمرًا أخبر عن النبي ﵇ أنه كان سمعه يقول: "الطعام بالطعام مثلا بمثل، ثم قال معمر: وكان طعامنا يومئذ الشعير" فيكون ذلك على الشعير بالشعير، فيجوز أن يكون النبي ﵇ أراد بقوله -الذي حكاه عنه معمر- الطعام الذي كان طعامهم يومئذ، فيكون ذلك على الشعير بالشعير، فلا يكون في هذا الحديث شيء من ذكر بيع الحنطة بالشعير مما ذكر فيه عن النبي ﵇ وإنما هو مذكور عن معمر من رأيه، ومن تأويله ما كان سمع من النبي ﵇، ألا ترى أنه قيل له: "فإنه ليس مثله" أي ليس من نوعه، فلم ينكر ذلك على من قاله، وكان من جوابه "أني أخشى أن يضارعه"، كأنه خاف أن يكون قول النبي ﵇ الذي سمعه يقول -وهو ما ذكرنا في حديثه- على الأطعمة كلها فتوقى ذلك وتنزه عنه (*)، للريب الذي وقع في قلبه منه، فلما انتفى أن يكون في هذا الحديث حجة لأحد الفريقين على صاحبه، نظرنا هل في غيره ما ينبئنا عن حكم ذلك، كيف هو؟ فاعتبرنا ذلك، فإذا علي بن شيبة قد حدثنا، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن مسلم بن يسار، عن أبي الأشعث، عن عبادة بن الصامت ﵁: "أنه قام فقال: يا أيها الناس قد
стр. 5674
أحدثتم بيوعًا لا أدري ما هي، وإن الذهب بالذهب وزنًا بوزن تِبْرُهُ وعينه، والفضة بالفضة وزنًا بوزنٍ تِبْرُها وعينها، ولا بأس ببيع الذهب بالفضة، والفضة أكثرهما، يدًا بيدٍ، ولا يصلح نَسَاءً، والبُرُّ بالبرِّ مُدًّا بمدًّ يدًا بيد، والشعير بالشعير مدَّا بمدٍّ يدًا بيدٍ، ولا بأس ببيع الشعير بالبر والشعير أكثرهما يدًا بيدٍ، ولا يصلح نسيئة، والتمر بالتمر، حتى عدَّ الملح مثلا بمثل، من زاد أو استزاد فقد أربى".
فهذا عبادة بن الصامت قد خالف معمر بن عبد الله فيما ذهب إليه، على ما ذكرنا عنه في الحديث الأول.
ش: أي وكان من الدليل والبرهان للآخرين على أهل المقالة الأولى، وأراد بها الجواب عما احتجوا به من حديث معمر بن عبد الله، تقرير ذلك: أن حديث معمر لا يتم به الاستدلال ولا يصح؛ لأنه يجوز أن يكون النبي ﵇ أراد بقوله: "الطعام بالطعام مثلا بمثل"، الطعام الذي كان طعامهم يومئذ، فيكون المراد الشعير لأن طعامهم يومئذ كان الشعير، فيكون المعنى: الشعير بالشعير مثلا بمثل، فلا يكون حينئذ في الحديث تعرض إلى بيع الحنطة بالشعير من النبي ﵇، وإنما المذكور فيه من ذلك فمن معمر من رأيه وتأويله ما كان سمع من النبي ﵇ فإذا كان كذلك لا يكون الاستدلال به على عدم جواز بيع الحنطة بالشعير متفاضلًا غير صحيح، وقال ابن حزم: وأما حديث معمر فهو حجة عليهم لأنهم يسمون التمر طعامًا ويبيحون فيه التفاضل بالبر، فقد خالفوا الحديث على تأويلهم بإقرارهم، ولا حجة لهم أصلاً فيه؛ لأنه ليس فيه إلا الطعام بالطعام مثلا بمثل، وهذا ما لا نخالفهم فيه، ولا في جوازه، ليس فيه أن الطعام لا يجوز بالطعام إلا مثلا بمثل، هذا مسكوت عنه جملة في خبر معمر، ومنصوص على جوازه في خبر أبي هريرة وعبادة بن الصامت عن رسول الله ﵇، فبطل تعلقهم به جملة، وعاد حجة عليهم، وأما قول معمر من رأيه فلا
стр. 5675
حجة لهم فيه لأنه قد صرح بالشعير ليس مثلا للقمح لكن يخوف أن يضارعه، فتركه احتياطًا لا إيجابًا.
ثم قال: والعجب من مالك إذ يجعل ها هنا وفي الزكاة البر الشعير والسلت صنفا واحداً ثم لا يجيز لمن يتقوت البر إخراج الشعير أو السلت في زكاة الفطر، وقوله: كل أحد يخرج مما يأكل، وهذا تناقض فاحش.
وعجب آخر: وهو أنه يجمع بين الذهب والفضة في الزكاة ويرى إخراج أحدهما عن الآخر في الزكاة المفروضة، ويجيز ها هنا أن يباع الذهب بالفضة متفاضلين، وهذا تناقض لا خفاء به، وما علم أحد قط لا في شريعة ولا في لغة ولا في طبيعة: أن الشعير بر، ولا أن البر شعير، بل كل ذلك يشهد بأنهما صنفان مختلفان كاختلاف التمر والزبيب والتين، ولا يختلفون في أن من حلف أن لا يأكل برًّا فأكل شعيرًا، أو أن لا يأكل شعيرًا فأكل برًّا، ولا يشتري برًا فاشترى شعيرًا، أو لا يشتري شعيرًا فاشترى برًّا، فإنه لا يحنث انتهى.
ثم إذا لم يصح الاستدلال بحديث معمر للخصم ولا لنا فيما ذهبنا إليه وجب الرجوع إلى غيره من الأحاديث، هل نجد فيها ما يدل على ما ذهبنا إليه من جواز بيع الحنطة بالشعير ... فوجدنا حديث عبادة بن الصامت يدل صريحًا على جواز بيع الحنطة بالشعير متفاضلا.
وأخرجه بإسناد رجاله ثقات.
وأبو الأشعث الصنعاني اسمه شراحيل بن آدة، روى له الجماعة، البخاري في غير صحيح.
وأخرجه النسائي (١): عن محمد بن آدم، عن عبدة، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة ... إلى آخره نحوه.
стр. 5676
وأخرجه البيهقي أيضًا في "سننه" (١) نحوه ثم قال: قتادة لم يسمعه من مسلم ابن يسار، قال: والصحيح: رواية همام، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن مسلم ابن يسار أنه شهد خطبة عبادة بهذا.
قلت: ذكر المزي في ترجمة مسلم بن يسار أن قتادة سمع منه فروى عنه، على أن هذا الذي ذكره البيهقي لا يضر؛ لأن حديث عبادة هذا وإن كان موقوفًا، فقد روي مرفوعًا متصلاً أيضًا كما يجيء الآن، إن شاء الله.
قوله: "إن قام" أي قام خطيبًا.
قوله: "إن الذهب بالذهب" الباء فيه للمقابلة، وتسمى باء العرض أيضًا، وهي الداخلة على الأعراض، كما تقول: اشتريت هذا بألف، حتى إذا قال لغيره: بعت مثل هذا العبد بكرٍّ من حنطة يكون الكرّ ثمنًا، حتى يجوز الاستبدال به قبل القبض، ولو قال بعت مثل كذا من حنطة جيدة بهذا العبد تكون الحنطة سلمًا حتى لا يجوز إلا مؤجلا، ولا يجوز الاستبدال به قبل القبض.
قوله: "وزنًا بوزن" نصب على الحال، والمعنى أن الذهب يباع بالذهب، حال كونهما موزونين متساويين.
قوله: "تبره" مبتدأ، و"عينه" عطف عليه، والخبر محذوف، أي تبر الذهب، وهي القطعة المأخوذة من المعدن، وعين الذهب وهو المصوغ منه وغيره سواء في الحكم، وكذلك الكلام في قوله: "والفضة بالفضة وزنا بوزن تبرها وعينها".
قوله: "ولا بأس بيع الذهب بالفضة والفضة أكثرهما" أي والحال أن الفضة أكثر من الذهب.
قوله: "يدًا بيد" نصب على الحال.
فإن قيل: من شرط الحال أن يكون من المشتقات.
стр. 5677
قلت: نعم، ولكن قد يجيء من غير المشتقات، ويجعل بالتأويل في حكم المشتق، والمعنى ها هنا: لا بأس ببيع الذهب بالفضة وإن كانت الفضة أكثر من الذهب، حال كونهما متناجزين، فافهم.
قوله: "ولا يصلح نَساءً" بفتح النون والمد، أي بالتأخير، قال الجوهري: تقول: نسأته البيع وأنساته، وبعته بنسأة وبعته بكلاءة أي بأخرة، وكذلك بعته بنسيئة، وقال الأخفش: أنسأته الدين إذا جعلته له مؤخرًا، كأنك جعلته له مؤخرًا، ونسأت عنه دينه إذا أخرته، نَسَاءً بالمد، قال: وكذلك النَّسَاء في العمر ممدود، وانتصاب نساءً على الحال أيضًا، أي لا يصلح بيع الذهب بالفضة المتفاضلة حال كون البيع متأخرًا.
قوله: "والبر بالبر" مثل قوله: "الذهب بالذهب" يعني يباع البر بالبر أو يجوز بيع البُرَّ بالبُرِّ ولكن متساويين، بَيَّن هذا القيد بقوله: "مُدَّا بمدٍّ" وتخصيص المد بالذكر، ليس لأجل التعيين في جواز العقد، وإنما هو تمثيل للمساواة المشروطة في بيع البر بالبر، ونحو ذلك في سائر الحبوب وغيرها التي تقابل عينها، ألا ترى إلى ما جاء في رواية البيهقي مُدْيًا بِمُدْي، والمُدْى -بضم الميم، وسكون الدال، وفي آخره ياء آخر الحروف-: هو مكيال لأهل الشام، يسع خمسة عشر مكوكًا، والمكوك صاع ونصف، وقيل: أكثر من ذلك.
قوله: "والشعير أكثرهما" جملة اسمية حالية، وهذه نظير قوله: "والفضة أكثرهما".
قوله: "أو استزاد" أي أو طلب الزيادة.
قوله: "فقد أربى" أي فعل الربا المنهي عنه.
ص: وقد روي عن عبادة بن الصامت ﵁ هذا الكلام أيضًا عن النبي ﵇: حدثنا إسماعيل بن يحيى المزني، قال: ثنا محمد بن إدريس، قال: ثنا عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن مسلم بن
стр. 5678
يسار ورجل آخر، عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق، ولا البر بالبر، ولا الشعير بالشعير، ولا التمر بالتمر، ولا الملح بالملح؛ إلا سواء بسواء، عينًا بعين، يدًا بيدٍ، ولكن بيعوا الذهب بالورق، والورق بالذهب، والبر بالشعير، والشعير بالبر، والتمر بالملح، والملح بالتمر، يدًا بيد كيف شئتم، قال: ونقص أحدهما: "التمر بالملح"، وزاد الآخر: "من زاد أو ازداد فقد أربى".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا المعلى بن أسد، قال: ثنا وهيب، عن أيوب ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا سليمان بن شعيب، عن أبيه، عن محمد بن الحسن، عن أبي يوسف، عن إبراهيم بن طهمان، عن أيوب بن أبي تميمة، عن محمد بن سيرين، عن ابن يسار، عن أبي الأشعث، قال: سمعت عبادة بن الصامت يقول: "نهى رسول الله ﵇-أو قال رسول الله ﵇-: لا تبايعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا وزنا بوزن ولا التمر بالتمر ولا الحنطة بالحنطة ولا الشعير بالشعير ولا الملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين، فمن زاد أو ازداد، فقد أربى ولكن بيعوا الذهب بالورق والحنطة بالشعير والتمر بالملح يدا بيد كيف شيئتم".
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن مسلم المكي، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن عبادة بن الصامت: "أن النبي ﵇ نهى أن يباع الذهب بالذهب تبره وعينه إلا وزنا بوزن، والفضة بالفضة تبرها وعينها إلا مثلًا بمثل، وذكر الشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح كيلا بكيل، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، ولا بأس ببيع الشعير بالبر يدًا بيد والشعير أكثرهما".
стр. 5679
حدثنا سليمان قال: ثنا الخَصِيب، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن عبادة، عن النبي ﵇ بمثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمد بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، عن مسلم بن يسار ... وذكر آخر حدثاه -أو حدثا- قالا: جمع المنزل بين عبادة بن الصامت ومعاوية في كنيسة أو بيعة، فحدث عبادة أن رسول الله ﵇ قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق، ولا البر بالبر، ولا الشعير بالشعير، ولا التمر بالتمر، ولا الملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينًا بعين، قال أحدهما: ولم يقل الآخر: قال عبادة: أمرنا رسول الله ﵇ أن نبيع الذهب بالفضة والبر بالشعير والشعير بالبر يدًا بيد كيف شئنا".
ش: لما أخرج حديث عبادة أولاً موقوفًا عليه؛ ردًّا على حديث معمر بن عبد الله الذي احتج به أهل المقالة الأولى، وأخرجه ها هنا من ستة طرق:
الأول: عن إسماعيل بن يحيى المزني، عن محمد بن إدريس الشافعي، عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن مسلم بن يسار المكي ورجل آخر، عن عبادة بن الصامت ﵁.
وهؤلاء كلهم ثقات، وأخرجه الشافعي في "مسنده" (١).
الثاني: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن المعلى بن أسد العمي البصري شيخ البخاري، عن وهيب بن خالد البصري، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن مسلم المكي ورجل آخر، عن عبادة بن الصامت.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث أيوب، عن محمد بن سيرين ... إلى آخره نحوه.
стр. 5680
الثالث: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن أبيه شعيب بن سليمان، عن محمد بن الحسن الشيباني، عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري القاضي، عن إبراهيم بن طهمان بن شعبة الخراساني أحد أصحاب أبي حنيفة، عن أيوب ابن أبي تميمة السختياني، عن محمد بن سيرين، عن مسلم بن يسار المكي، عن أبي الأشعث شراحيل بن آدة، عن عبادة بن الصامت ﵁.
وأخرجه محمد بن الحسن في آثاره.
الرابع: عن سليمان بن شعيب أيضًا، عن الخَصيب بن ناصح الحارثي، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي الخليل صالح بن أبي مريم البصري، عن مسلم بن يسار المكي، عن أبي الأشعث، عن عبادة.
وأخرجه النسائي (١): أنا محمد بن المثني، نا عمرو بن عاصم، نا همام -هو ابن يحيى- نا قتادة، عن أبي الخليل، عن مسلم المكي، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﵇: "الذهب بالذهب تبره وعينه وزنًا بوزن، والفضة بالفضة تبرها وعينها وزنًا بوزن، والملح بالملح والتمر بالتمر والبر بالبر والشعير بالشعير؛ كيلًا بكيل، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، ولا بأس ببيع الشعير بالبر والشعير أكثرهما، يدًا بيد".
وأخرجه أبو داود (٢) أيضًا: عن الحسن بن علي، عن بشر بن عمر، عن همام ... إلى آخره نحوه.
الخامس: عن سليمان بن شعيب أيضًا، عن الخَصِيب بن ناصح، عن همام ابن يحيى، عن قتادة، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن عبادة.
стр. 5681
وأخرجه الترمذي (١) وقال: نا سويد بن نصر قال: أنا عبد الله ابن المبارك، قال: أنا سفيان، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن عبادة بن الصامت ﵁، عن النبي ﷺ قال: "الذهب بالذهب مثلًا بمثل، [والفضة بالفضة] (٢) مثلًا بمثل، والتمر بالتمر مثلًا بمثل، والبر بالبر مثلا بمثل، والملح بالملح مثلا بمثل، والشعير بالشعير مثلا بمثل، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، وبيعوا البُرَّ بالتمر كيف شئتم يدًا بيد، وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يدًا بيد".
قال أبو عيسى: حديث عبادة حديث حسن صحيح، وقد روى بعضهم هذا الحديث عن خالد بهذا الإسناد، قال: "بيعوا البر بالشعير كيف شئتم يدا بيد".
السادس: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمد بن منهال الأنماطي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن يزيد بن زريع، عن سلمة بن علقمة التميمي البصري، عن محمد بن سيرين، عن مسلم بن يسار وعن آخر، قالا: جمع المنزل ... " إلى آخره.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٣): من حديث يزيد بن زريع، نا سلمة بن علقمة، ثنا محمد بن سيرين ... إلى آخره نحوه.
فإن قيل: ما حال هذا الحديث وما حال هذه الطرق المذكورة؟
قلت: الطرق كلها صحيحة ورجالها ثقات.
فإن قيل: كيف تكون صحيحة وفي الطريق الأول والثاني والسادس علتان:
إحداهما أن مسلم بن يسار لم يسمع عبادة بن الصامت، وكل ما روى عنه فهو مرسل، والأخرى: فيه مجهول، وهو قوله: "ورجل آخر"؟!
стр. 5682
قلت: سلمنا عدم سماع مسلمُ عبادةَ، ولكن الإسناد متصل في الطريق الثالث والرابع والخامس، وأما الطريق الأول والثاني والسادس فالمجهول فيها مفسر في رواية غيره بأنه عبد الله بن عتيك، أو عتيق، أو عبيد، على اختلاف الروايات في اسم أبيه، وهو ثقة سمع عبادة بن الصامت، وروى عنه محمد بن سيرين، وذكره ابن حبان في الثقات.
وقد قال النسائي (١): أنا محمد بن عبد الله بن بزيع، نا يزيد بن سلمة -وهو ابن علقمة- عن محمد بن سيرين، عن مسلم بن يسار وعبد الله بن عتيك قالا: جمع المنزل بين عبادة بن الصامت ومعاوية، حدثهم عبادة قال: "نهانا رسول الله ﵇ عن بيع الذهب بالذهب والورق بالورق والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر -قال أحدهما: والملح بالملح. ولم يقله الآخر- إلا مثلا بمثل يدًا بيد، وأمرنا أن نبيع الذهب بالورق والورق بالذهب والبر بالشعير والشعير بالبر يدًا بيد كيف شئنا" قال أحدهما: "فمن زاد وازداد فقد أربى".
وأخرجه أيضًا من طريق آخر (٢): وفيه: عبد الله بن عبيد موضع عبد الله بن عتيك، وهذا هو المشهور أنه عبد الله بن عبيد وبه جزم البخاري في "تاريخه" وابن أبي حاتم، وكان يدعى ابن هرمز.
وأخرجه مسلم أيضًا (٣): نا عبيد الله بن عمر القواريري، قال: نا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: "كنت بالشام في حلقة فيها مسلم بن يسار، فجاء أبو الأشعث قال: قالوا: أبو الأشعث، أبو الأشعث. فجلس، فقالوا له: حدث أخانا حديث عبادة بن الصامت. قال: نعم، غزونا غزاة وعلى الناس معاوية، فغنمنا غنائم كثيرة، فكان فيما غنمنا آنية من فضة، فأمر
стр. 5683
معاوية رجلاً أن يبيعها في أعطيات الناس، فتسارع الناس في ذلك، فبلغ عبادة ابن الصامت، فقام فقال: إني سمعت رسول الله ﵇ ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح؛ إلا سواء بسواء عينًا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى. فرد الناس ما أخذوا، فبلغ ذلك معاوية، فقام خطيبًا، وقال: ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله ﵇ أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه، فقام عبادة بن الصامت، فأعاد القصة فقال: لنحدثن بما سمعنا من رسول الله ﵇ وإن كره معاوية -أو قال: وإن رغم- ما أبالي ألا أصحبه في جنده ليلة سوداء".
وله في رواية أخرى (١) نحوه، وفي آخره: "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد".
قوله: "ولا الورق بالورق" بفتح الواو وكسر الراء، قال الجوهري: الورق الدراهم المضروبة، وكذلك الرقة، و"الهاء" عوض من "الواو"، وفي الحديث (٢): "في الرقة ربع العشر"، وتجمع على رقين مثل أرة وأرين وقال أيضًا: في الورق ثلاث لغات وَرِق، ووِرْق، ووَرْق مثل: كَبِد وكِبْد وكَبْد.
قوله: "إلا سواء بسواء" أي إلا متساوية.
قوله: "عينا بعين" نصبت على الحال، أي حال كونها متعينة، وكذلك قوله: "يدًا بيد" أي متناجزة.
قوله: "كيف شئتم" يعني بزيادة أو نقصان لاختلاف الجنس.
قوله: "ونقص أحدهما" أي أحد الراويَيْن عن عبادة، وهما مسلم بن يسار ورجل آخر.
стр. 5684
قوله: "فقد أربى" أي فعل فعل الربا.
قوله: "في كنيسة" هي للنصارى، "والبِيعَة" بكسر الباء لليهود، وفي بعض نسخ الطحاوي جمع المنزل بين عبادة بن الصامت، ومعاوية وعبد الله بن عتيبة، وهو عبد الله بن عتيبة بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن أخي معاوية ابن أبي سفيان.
ويستفاد من أحكام:
الأول: استدلت به جماعة على أن الربا لا يكون إلا في الأصناف الستة التي ذكرها رسول الله ﷺ وخصصها بالذكر وهي: الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح، وهو مذهب طاوس وقتادة وعثمان البتي وأبي سليمان وجميع الظاهرية.
قلنا (١): إنما ذكر هذه الأشياء لتكون دلالة على ما فيه الربا مما سواها مما يشبهها في العلة فحيثما وجدت تلك العلة يوجد الربا، ثم اختلفوا في هذه العلة فقال طائفة: هي الطعم واللون، وهو مذهب الزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة، وروي ذلك عن ابن مسعود، وروى ابن وهب عن يونس بن يزيد قال: سألت ابن شهاب عن الحمص بالعدس اثنان بواحد يدًا بيد، فقال ابن شهاب: كل شيء خالف صاحبه باللون والطعم فلا أراهم إلا شبه الطعام.
وقال ابن حزم: هذا قول بلا دليل، وهو ساقط، وقد بين ابن شهاب أنه رأي منه والرأي إذا لم ينسب إلى النبي ﵇ فهو خطأ بلا شك.
وقالت طائفة: إذا هي وجود الزكاة، وروى ابن وهب عن عبد الجبار بن عمر عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه كان لا يرى بأسًا بالتفاحتين بالتفاحة، والخوخ مثل ذلك، وكل ما لم تجز فيه الزكاة.
стр. 5685
قال ابن حزم: هذا أيضًا قول بلا دليل، ووجدنا الملح لا زكاة فيه والربا يقع فيه بالنص، فبطل.
وقالت طائفة: هي الجنس، فلم يجوزوا التفاضل في جنس واحد كائنا ما كان، وروي ذلك عن سعيد بن جبير وحماد بن أبي سليمان، وروى عبد الرزاق عن عبد الله بن كثير، عن شعبة سألت الحكم بن عتيبة عن من اشترى خمسة عشر جريبًا من أرض بعشرة أجربة، فقال: لا بأس به، وكرهه حماد بن أبي سليمان.
وقالت المالكية: العلة هي الاقتيات والادخار في الجنس فما كان يدخر مما يكون قوتا في الأكل فالربا فيه نقدًا ونسيئة وما كان لا يقتات ولا يدخر فلا يدخل فيه الربا يدا بيد، وإن كان جنسًا واحدًا ولكن يدخل الربا في النسيئة إذا كان جنسًا واحدًا.
وقال ابن حزم: هي علة المتقدمين منهم، ثم رغب عنها المتأخرون منهم؛ لأنهم وجدوها تفسد عليهم؛ لأن الثوم والبصل والكراث والكرويا والكسبر والخل والفلفل، نعم والملح الذي جاء فيه النص ليس شيء فيه يكون قوتًا أصلا بل بعضه يقتل إذا أكل منه مثل نصف وزن ما يؤكل مما يتقوت يه كالملح والفلفل، فلو أن إنسانًا أكل رطل فلفل في جلسة لقُتِلَ بلا شك، كذلك الملح والخل الحازق، وكذلك الثوم.
ووجدوها أيضًا تفسد عليهم في اللبن والبيض فإنهما لا يمكن إدخارهما، والربا عندهم يدخل فيه.
ووجدوها أيضًا تفسد عليهم في الكون والشونيز والحلبة الرطبة والكسبر والكرويا ليس بشيء من ذلك قوتًا والربا عندهم في كل ذلك.
قلت: ذهب مالك في "الموطإ" أن العلة هي الادخار والاكل غالبًا، وإليه ذهب ابن نافع.
стр. 5686
وفي "التمهيد": قال مالك: فلا يجوز الفواكه التي تيبس وتدخر إلا مثلا بمثل يدا بيد، إذا كانت من صنف واحد، ويجيء على ما روي عن مالك: أن العلة الأدخار لا الاقتيات أن لا يجرى الربا في الفواكه التي تيبس؛ لأنها ليست مقتاتة، ولا يجرى الربا في البيض، ولأنها وإن كانت مقتاتة فليست بمدخرة وفي "شرح الموطأ" للإشبيلي: فإذا قلنا: العلة الاقتيات قصر الحكم على كل مقتات دون ما يؤكل على وجه التفكه أو التدواي فيجرى الربا في الحنطة والشعير والسلت والعدس والأرز والدخن والذرة والقطنية والزبيب والتمر والعسل والسكر والزيت على اختلاف أنواعه واللحم واللبن وما يكون منه والملح والأبزاز والفلفل والكرويا وحب الكزبر والقرفة والتسنيل والخردل والقرطم، قال محمد عن ابن القاسم، وددك الروس وغير ذلك مما يقتات على اختلاف عادات البلاد، واختلف أصحابنا في الشمار والأنيسون والكمون، فقال بن القاسم: هي مما يجري فيه الربا؛ لأنها من الأقوات، وقال أصبغ: لا يجري فيها الربا؛ لأنها أكثر ما يستعمل على وجه التدواي، وبه قال ابن المواز، فرأى ابن القاسم أن الشمار والأنيسون والكمون الأسود تستعمل في الخبز لتطييبه وتحسين طعمه، والكمون الأبيض يستعمل في الطبخ كالفلفل، ورأى أصبغ أن الخبز لا يستعمل في صناعته الأبزار غالبًا.
ومن جعل العلة الادخار للأكل دون الاقتيات أجرى الربا في الجوز واللوز والبندق والصنوبر والفستق والفواكه كلها التي تدخر، وبه قال ابن نافع وابن حبيب.
واختلفوا فيما يقل ادخارها كالخوخ والرمان والأجاص وعيون البقر مما ييبس ويدخر، فروى يحيي عن ابن نافع أنه لا يجوز التفاضل فيها؛ لأنها تدخر وتيبس، وأجاز مالك في "الموطإ" التفاضل في الرمان، زاد عيسى في "المدونة" عن ابن القاسم: الخوخ والأجاص وعيون البقر؛ لأنها وإن يبست لم تكن فاكهة،
стр. 5687
وأجاز مالك وابن نافع التفاضل في البطيخ والخريز والقثاء والأترج والخوخ، فوجه قول مالك أنها لا تدخر غالبا ولا تعلق للأحكام بما يندر، وقول ابن نافع: مما يدخر وييبس، فإنه راجع إلى غير الموز؛ لأنه لا ييبس بوجه، ويجب أن يلحق بهذا المختلف فيه البرقوق والقراسيا.
ومن جعل العلة الاقتيات لم يُجر الربا في شيء من ذلك.
ومن جعل العلة الادخار والاقتيات لم يُجر الربا في الجوز واللوز؛ لأنها غير مقتات، ولم يُجْرِ الربا في البيض لأنه غير مدخر.
وعلى المذاهب الثلاثة فلا يجرى الربا في الفواكه الرطبة كالتفاح والرمان والكمثرى وعيون البقر والخوخ، وإن كان بعضها يدخر فليس يعتاد فيها.
وذكر صاحب "الجواهر": ينقسم ما يطعم إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: ما اتفق على أنه طعام يجري فيه حكم الربا كالفواكه والخضر والبقول والزرارع التي تؤكل غذاء أو يعتصر منها ما يغتذى من الزيت كحب القرطم وزريعة الفجل الحمراء، وما أشبه ذلك.
والثاني: ما اتفق على أنه ليس بغذاء بل هو داوء، وذلك كالصبر والزعفران والشاهترج وما يشبهها.
والثالث: ما اختلف فيه للاختلاف في أحواله وعادات الناس فيه، فمنه الطلع والبلح الصغير، ومنه التوابل كالفلفل والكزبرة وما في معناهما من الكمونين الزاريانج والأنيسون ففي إلحاق كل واحد منها بالطعام قولان، ومنها الحلبة وفي إلحاقها بالطعام ثلاثة أقوال مفرق عن الثالث، فيلحق به الخضراء دون اليابسة، ومنها الماء العذب قيل بإلحاقه بالطعام لما كان مما يتطعم، وبه قوام الأجسام، وقيل: يمنع إلحاقه به لأنه مشروب وليس بمطعوم، وأما العلة في تحريم الربا ففي النقدين الثمنية، وهل المعتبر في ذلك كونهما ثمين في كل الأمصار أو جلها، وفي كل الأعصار فتكون العلة بحسب ذلك قاصرة عليها إذْ
стр. 5688
المعتبر مطلق الثمنية فتكون متعدية إلى غيرهما في ذلك خلاف يبنى عليه الخلاف في جريان الربا في الفلوس إذا بيع بعضها ببعض أو بذهب أو بورق.
وقالت طائفة: العلة هي الأكل والشرب والكيل والوزن والتثمين، وهو قول أبي ثور وابن المنذر والشافعي في أول قوليه، فما كان مما يؤكل أو يشرب ويكال أو يوزن لم يجز منه من جنس واحدٍ واحدٌ باثنين لا يدًا بيد ولا نسيئة، وكذلك الذهب والفضة وما كان يكال أو يوزن مما لا يؤكل ولا يشرب، أو كان يؤكل أو يشرب مما لا يكال ولا يوزن فلا ربا فيه يدًا بيد، والتفاضل فيه جائز، فالأترج بالأترج متفاضلًا يجوز بنسيئة، وكذلك كل ما لا يكال ولا يوزن مما يؤكل، وكل ما يكال أو يوزن مما لا يؤكل ولا يشرب ولا هو ذهب ولا فضة، وصح هذا القول عن سعيد بن المسيب، ذكره مالك عن أبي الزناد عنه في "موطإه".
وقالت طائفة: العلة هي الطعم في الجنس أو الجنسين والتثمين في الجنس أو الجنسين مما كان يؤكل أو يشرب فلا يجوز متفاضلا أصلا ولا نسيئة أصلا، وإنما يجوز فيه التماثل نقدًا فقط إذا كان جنس واحد، فإن كان من جنسين جاز فيه التماثل والتقابل فقدًا ولم يجز فيهما النسيئة، وما كان لا يؤكل ولا يشرب ولا هو ذهب ولا فضة، فالتفاضل والتماثل والنقد والنسيئة جائز فيه جنسًا كان أو جنسين، فأجازوا رطل حديد برطلين من حديد إلى أجل، وكذلك في كل ما لا يؤكل ولا يشرب ولا هو ذهب ولا فضة، ومنعوا من بيع رطل سقمونيا فيه برطلين منها، وكذلك كل ما يتدواى به؛ لأنه يطعم على وجه ما.
وهو قول الشافعي أخيرًا وعليه يعتمد أصحابه وإياه ينصرون.
قلت: هو قول أحمد أيضًا في رواية، وذكر في "الروضة": المراد بالمطعوم ما يعد للطعم غالبا تقويا أو تأدمًا أو تفكهًا أو غيرها، فتدخل فيه الفواكه والحبوب والبقول والتوابل وغيرها، وسواء ما أكل نادرًا كالبلوط والطرثوث، وما أكل غالبًا وما أكل وحده أو مع غيره، ويجرى الربا في الزعفران على الأصح، وسواء
стр. 5689
ما أكل للتداوي كالإهليلج والبليلج والسقمونيا وغيرها، وما أكل لغرض آخر، وفي "التتمة": وجه أن ما يقتل كثيره ويستعمل قليله في الأدوية كالسقمونيا لا ربا فيه وهو ضعيف، والطين الخرساني ليس ربويا على المذهب والأرمني ربوي على الصحيح؛ لأن دواء، ودهن البنفسج والورد والبان ربوي على الأصح، ودهن الكتان والسمك وحب الكتان وماء الورد والعود ليس ربويًا على الأصح، والزنجبيل والمصطكي ربوي على الأصح، والماء إذا صححنا بيعه ربوي على الأصح ولا ربا في الحيوان لكن ما يباح أكله على هيئته كالسمك الصغير على وجه، لا يجرى فيه الربا في الأصح.
وأما الذهب والفضة، فقيل: يثبت فيهما الربا لعينهما لا لعلة، وقال الجمهور: العلة فيهما: صلاحية الثمنية العالية، وإن شئت قلت: جوهرية الأثمان غالبا، والعبارتان تشملان التبر والمضروب، والحلى والأواني منهما، وفي تعدى الحكم إلى الفلوس إذا راجت وجه، والصحيح أنها لا ربا فيها لانتفاء الثمنية العالية ولا يتعدى إلى غير الفلوس من الحديد والنحاس والرصاص وغيرها قطعًا.
وقال طائفة: علة الربا هي الكيل والوزن في جنس أو جنسين فقط. وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وحاصل ما ذكره أصحابنا أن هذا الحديث الوارد في هذا الباب معلول باتفاق القايسين غير أنهم اختلفوا في العلة، فالعلة عندنا في الأشياء الأربعة المنصوص عليها وهي البر والشعير والتمر والملح: الكيل مع الجنس، وفي الذهب والورق الوزن مع الجنس، فلا تتحقق العلة إلا باجتماع الوصفين، وهما: القدر والجنس، وعلة ربى النَّسَاء هي أحد وصفي ربا الفضل، إما الكيل أو الوزن المتفق، أو الجنس، وعلى هذا الأصل تبني مسائل الربا نقدًا ونسيئًا فاستخرجها إن كنت على ذكر منها.
الثاني: من الأحكام احتج به أبو حنيفة على أن بيع الحنطة المبلولة أو الندية بالندية، أو الرطبة بالرطبة، أو المبلولة بالمبلولة، أو اليابسة جائز، وكذلك بيع
стр. 5690
التمر بالرطب والرطب بالتمر والرطب بالرطب والمنقع بالمنقع والعنب بالزبيب اليابس واليابس بالمنقع، والمنقع بالمنقع متساويًا في الكل، وذلك لأنه ﵇ جَوَّز بيع الحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر مثلًا بمثلٍ مطلقًا من غير تخصيص وتقييد، ولا شك أن اسم الحنطة والشعير يقع على كل جنس على اختلاف أنواعها وأوصافها، وكذلك اسم التمر يقع على التمر والرطب والبسر؛ لأنه اسم لثمر النخل لغة؛ فيدخل فيه الرطب واليابس والبسر والمنقع، وقال أبو يوسف: البيع في هذه الأشياء كلها جائز إلا بيع التمر بالرطب، وقال محمد: كله فاسد إلا بيع الرطب بالرطب والعنب بالعنب، وقال الشافعي: كله باطل والحديث بعمومه حجة عليهم.
الثالث: فيه أن اعتبار الجودة والصياغة عند اتحاد الجنس ساقط، فيجري الربا بين الذهب والتبر والمسبوك المضروب، وبين جيده ورديئه وكذلك الورق التبر والمسبوك منه.
الرابع: فيه نص على أن الذهب والورق موزون، وإن ترك الناس الوزن فيه.
الخامس: فيه أن بقية الأشياء الستة وهي البر والشعير والتمر والملح مكيل وإن ترك الناس الكيل فيه؛ لأن في حديث عبادة الموقوف لاحظ معنى الكيل، وهو قوله: "مدًّا بمد" وفي رواية "مديا بمدي" وما سوى ذلك يحمل على عادات الناس.
السادس: فيه جواز بيع الحنطة الجيدة بالجيدة، والرديئة بالرديئة وإحداهما بالأخرى، والعتيقة بالعتيقة، والمقلوة بالمقلوة، وكذلك الشعير على هذا، وكذلك دقيق الحنطة ودقيق الشعير، فيجوز بيع دقيق الحنطة بدقيق الحنطة، وسويق الحنطة بسويق الحنطة، وكذا دقيق الشعير وسويقه، وكذلك التمر بالتمر البرني بالبرني والصيحاني بالصيحاني، والبرني بالصيحاني، والجيد بالرديء، والجديد بالجديد، والعتيق بالعتيق، وأحدهما بالآخر، فكل ذلك لعموم النص.
стр. 5691
السابع: فيه جواز بيع الذهب بالورق متفاضلا ولكن يدًا بيدٍ.
الثامن: فيه جواز بيع البرِّ بالشعير متفاضلا ولكن يدا بيد.
التاسع: فيه بيع التمر بالملح متفاضلا ولكن يدا بيد.
العاشر: جواز بيع الذهب بالذهب متساويًا يدًا بيدٍ، وكذلك الورق بالورق، وكذا كل شيء مُقَابَل بجنسه يجوز بيعه بما يجانسه بشرط المساواة والتنجيز.
واعلم أن الترمذي (١) لما أخرج حديث عبادة المذكور قال: وفي الباب عن أبي سعيد وأبي هريرة وبلال، ثم قال بعد إخراج حديث أبي سعيد، وفي الباب عن أبي بكر وعمر وعثمان وأبي هريرة وهشام بن عامر والبراء وزيد بن أرقم وفضالة بن عبيد وأبي بكرة وابن عمر وأبي الدرداء ﵃.
قلت: أما حديث أبي سعيد فأخرجه الطحاوي في باب الصرف.
وأخرجه مسلم (٢): نا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا وكيع، قال: نا إسماعيل ابن مسلم العبدي، قال: نا أبو المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﵇: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء".
وأخرجه البخاري (٣) والترمذي (٣) والنسائي (٤).
وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم (٥) أيضًا: نا أبو كريب محمد بن العلاء وواصل بن عبد الأعلى، قالا: ثنا ابن فضيل، عن أبيه، عن أبي زرعة، عن
стр. 5692
أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "التمر بالتمر والحنطة بالحنطة والشعير بالشعيى والملح بالملح مثلا بمثل يدًا بيدٍ فمن زاد أو استزاد فقد أربى، إلا ما اختلفت ألوانه".
وله في لفظة: "الذهب بالذهب وزنًا بوزن مثلا بمثل، والفضة بالفضة وزنًا بوزن مثلا بمثل، فمن زاد أو استزاد فهو ربا".
وأخرجه النسائي (١).
وأما حديث بلال فأخرجه الطحاوي في باب الصرف.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): نا عمر بن حفص السدوسي، ثنا أبو بلال الأشعري، ثنا قيس بن الربيع، عن أبي حمزة، عن سعيد بن المسيب، عن عمر ابن الخطاب، عن بلال ﵄ قال: "كان لرسول الله ﵇ عندي تمر فتغير، فأخرجته إلى السوق، فبعت صاعين بصاع، فلما قربت إليه منه، قال: ما هذا يا بلال؟ فأخبرته، فقال: مهلا، أربيت، اردد البيع، ثم بيع تمرًا بذهب أو فضة، ثم اشتر به تمرًا، ثم قال رسول الله ﵇: التمر بالتمر مثلا بمثل، والحنطة بالحنطة مثلا بمثل، والذهب بالذهب وزنًا بوزن، والفضة بالفضة وزنا بوزن، فإذا اختلف النوعان فلا بأس واحد بعشرة".
وأما حديث أبي بكر ﵁ فأخرجه البزار في "مسنده" (٣): نا أحمد بن عبدة والحسن بن يحيى الأزدي -واللفظ للحسن- قالا: نا الحسين بن الأشقر، قال: نا زهير -يعني ابن معاوية- عن موسى بن أبي عائشة، عن حفص بن أبي حفص، عن أبي رافع، قال: سمعت أبا بكر الصديق ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة مثلا بمثل، الزائد والمستزيد في النار"
стр. 5693
وأما حديث عمر ﵁ فأخرجه الطحاوي في باب الصرف، وأخرجه مسلم (١): نا قتيبة بن سعيد، قال: نا ليث (ح).
ونا ابن رمح، قال: أنا الليث، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس بن الحدثان أنه قال: "أقبلت أقول من يصطرف الدراهم. فقال طلحة بن عبيد الله -وهو عند عمر بن الخطاب-: أرنا ذهبك ثم ائتنا إذا جاء خادمنا نعطيك ورقك، فقال عمر ﵁: كلا والله لتعطينه ورقه أو لتردنَّ إليه ذهبه، فإن رسول الله ﵇ قال: الورق بالذهب ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء".
وأخرجه بقية الجماعة (٢).
وأما حديث عثمان ﵁ فأخرجه الطحاوي في باب الصرف.
وأخرجه مسلم (٣) أيضًا: ثنا أبو الطاهر وهارون بن سعيد وأحمد بن عيسى، قالوا: أنا ابن وهب، قال: أخبرني مخرمة، عن أبيه، قال: سمعت سليمان بن يسار يقول: إنه سمع مالك بن أبي عامر، يحدث عن عثمان بن عفان، أن رسول الله ﵇ قال: "لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين".
وأما حديث هشام بن عامر فأخرجه الطبراني (٤): نا علي بن عبد العزيز، نا عارم أبو النعمان.
ونا أبو مسلم الكشي ويوسف القاضي، قالا: ثنا سليمان بن حرب، قالا: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: "قدم هشام بن عامر البصرة،
стр. 5694
فوجدهم يتبايعون الذهب في أعطياتهم، فقال: نهى رسول الله ﵇ عن بيع الذهب بالورق نسيئة، وأخبرنا أن ذلك هو الربا" واللفظ لسليمان بن حرب.
وأما حديث البراء وزيد بن أرقم فأخرجه البخاري (١) ومسلم (٢): من حديث شعبة، عن حبيب، سمعت أبا المنهال، قال: "سألت البراء وزيد بن أرقم عن الصرف فكلاهما يقول: نهى رسول الله ﵇ عن بيع الذهب بالورق والورق بالذهب دينًا".
وأما حديث فضالة بن عبيد فأخرجه الطحاوي في باب الصرف.
وأخرجه أبو داود (٣) أيضًا: نا قتيبة بن سعيد، قال: نا الليث، عن ابن أبي جعفر، عن الجلاح أبي كثير، قال: حدثني حنش الصنعاني، عن فضالة بن عبيد قال: "كنا مع رسول الله ﷺ يوم خيبر نبايع اليهود؛ الأوقية من الذهب بالدينار -قال غير قتيبة: بالدينارين والثلاثة- فقال رسول الله ﵇: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن".
وأما حديث أبي بكرة فأخرجه الطحاوي في باب الصرف.
وأخرجه النسائي (٤) أيضًا: أنا محمد بن يحيى بن محمد بن كثير الحراني، نا أبو توبة، نا معاوية بن سلام، عن يحي بن أبي كثير، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: "نهانا رسول الله ﵇ أن نبيع الفضة بالفضة إلا عينا بعين سواء بسواء، ولا نبيع الذهب بالذهب إلا عينا بعين سواء بسواء".
وأخرجه البخاري (٥) ومسلم (٦) أيضًا.
стр. 5695
وأما حديث ابن عمر ﵄ فأخرجه الطحاوي في باب الصرف.
وأخرجه الحاكم في "مستدركه" (١): أنا أبي السماك، نا عبد الملك بن محمد، نا بشر بن عمر، نا مالك، عن حميد بن قيس المكي، عن مجاهد، قال: "كنت مع ابن عمر فجاء صائغ، فقال: إني أصوغ الذهب، ثم أبيع شيئًا من ذلك بأكثر من وزنه، فأستفضل في ذلك قدر عملي، فنهاه ابن عمر عن ذلك، فجعل الصائغ يرد عليه المسألة، وابن عمر ينهاه، حتى انتهى إلى باب المسجد إلى دابة يركبها، فقال ابن عمر: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما، هذا عهد نبينا ﵇ إلينا وعهدنا إليكم".
ورواه الشافعي (٢) عن مالك رواه عنه الربيع مختصرًا، ورواه عنه المزني بتمامه ثم قال هذا خطأ؛ أنا سفيان، عن وردان الرومي، أنه سأل ابن عمر فقال: "إني رجل أصوغ الحلي، ثم أبيعه وأستفضل فيه قدر أجرتي -أو عمل يدي- فقال ابن عمر: الذهب بالذهب لا فضل بينهما، هذا عهد صاحبنا إلينا وعهدنا إليكم" ثم قال الشافعي: يعني "بصاحبنا": عمر ﵁، قال البيهقي (٣): لم يسمع ابن عمر من النبي ﵇ في ذاك شيئًا وإنما سمعه من أبيه ثم عن أبي سعيد.
قلت: حكى صاحب "التمهيد" هذا القول عن الشافعي ثم قال: قول الشافعي عندي غلط على أصله؛ لأن قوله: "صاحبنا" مجمل يحتمل أن يريد رسول الله ﵇ وهو الأظهر، ويحتمل أن يريد عمر ﵁، فلما قال مجاهد عن ابن عمر: "هذا عهد نبينا" فسر ما أجمل وردان، وهذا أصل ما يعتمد عليه الشافعي في الآثار" ولكن الناس لا يسلم منهم أحد من الغلط وإنما دخلت الداخلة على الناس من قبل التقليد؛ لأنهم إذا تكلم العالم عند من لا يُمْعن النظر بشيء كتبه، وجعله دِينًا يرد به ما خالفه دون أن يعرف الوجه فيه فيقع الخلل.
стр. 5696
وأما حديث أبي الدرداء ﵁ فأخرجه النسائي (١): نا قتيبة، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: "أن معاوية باع سقايةً من ذهب أو وَرِق أكثر من وزنها، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله ﵇ ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل".
ص: ففي هذه الآثار عن رسول الله ﵇ إباحة بيع الشعير بالحنطة مثلين بمثل، فقد ثبت القول بذلك من طريق الآثار، ثم التمسنا حكم ذلك من طريق النظر لنعلم كيف هو؟ فرأينا أصحاب رسول الله ﵇ اختلفوا في كفارة اليمين من الحنطة، كيف هو؟ فقال بعضهم: هي نصف صاع لكل مسكين، وقال بعضهم: هي مدّ لكل مسكين، فكان الذين جعلوها من الحنطة نصف صاع يجعلونها في الشعير صاعًا، وكان الذين جعلوها من الحنطة مُدًّا يجعلونها من الشعير مُدَّين، وقد ذكرنا ذلك بأسانيده عنهم في غير هذا الموضع.
فثبت بذلك أنهما نوعان مختلفان؛ لأنهما لو كانا من نوع واحد إذن لأجزى من أحدهما ما يجزي عن الآخر.
فإن قال قائل: إنه إنما زيد في الشعير على ما جعل في ذلك من الحنطة لغلو الحنطة واتضاع الشعير.
فالجواب له في ذلك: أنا رأينا ما يعطي من جيد الحنطة ومن رديئها في كفارة الأيمان سواء، وكذلك الشعير، ألا ترى أن من وجبت عليه كفارة يمين فاعطى كل مسكين نصف مد يساوي نصف صاع، أن ذلك لا يجزئه من نصف صاع ولا من مُدٍّ، فلما كان ما ذكرنا كذلك وكان الشعير يؤدي في كفارات الإيمان مثلي ما يؤدى من الحنطة؛ ثبت أنه نوع خلاف الحنطة، فثبت بذلك أنه لا بأس ببيعه بالحنطة مثلين بمثل وأكثر من ذلك، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
стр. 5697
ش: أراد بهذه الآثار حديث عبادة بن الصامت ﵁ وإنما جمعه باعتبار كونه مخرجًا من وجوه كثيرة وطرق متعددة، فكان كل طريق منها أثر مستقل بذاته فجمعه على آثار.
قوله: "ثم التمسنا حكم ذلك" أي فطلبنا حكم بيع الحنطة بالشعير متفاضلا من طريق النظر والقياس.
قوله: "فقال بعضهم هي نصف صاع" أي فقال بعض الصحابة ﵃: كفارة اليمين نصف صاع من الحنطة، وأراد بهؤلاء البعض: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وعائشة أم المؤمنين ﵃، فإنه صح عنهم في كفارة اليمين لكل مسكين نصف صاع من الحنطة أو صاع من تمر أو شعير، وهو قول إبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين وقتادة، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه.
قوله: "وقال بعضهم: هي مد" أي وقال بعض الصحابة: كفارة اليمين، مدّ وهو رطل وثلث بالعراقي عند الشافعي وأهل الحجاز، ورطلان عند أبي حنيفة وأهل العراق، وأراد بهؤلاء البعض: عبد الله بن عباس وابن عمر أيضًا وزيد ابن ثابت أيضًا فإن الرواية عن ابن عمر وزيد مختلفة.
وهو قول سعيد بن المسيب والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح، وإليه ذهب مالك والشافعي، وسيجيء في بابه زيادة البيان إن شاء الله تعالى.
قوله: "وقد ذكرنا ذلك" أي المذكور من أقوال الصحابة ﵃ ذكره في كتاب الأيمان على ما يجيء إن شاء الله تعالى، وقد وُضِعَ كتاب الأيمان والنذور في بعض نسخ الطحاوي عقيب كتاب الحج.
فقوله هذا بالإخبار عن الماضي يدل على أن ترتيبه الكتاب كان كذا، والله أعلم.
قوله: "فإن قال قائل" سؤال يرد على ما تقدم من قوله: "فكان الذين جعلوها من الحنطة ... " إلى آخره، وتقريره أن يقال: إن تلك الزيادة في الموضعين لأجل
стр. 5698
غلو الحنطة ورخص الشعير، وهو معنى قوله: واتضاع الشعير، فلا يدل ذلك على أنهما نوعان مختلفان.
قوله: "فلما كان ما ذكرنا كذلك" أشار به إلى ما بَيَّنه من وجه النظر والقياس.
قوله: "وكان الشعير يؤدى منه" عطف عليه، وقوله: "ثبت أنه نوع خلاف الحنطة" جواب لما وضحه القياس المذكور، أي ثبت أن الشعير نوع بذاته خلاف الحنطة.
قوله: "وهذا قول أبي حنيفة" أشار به إلى ما بَيَّنه من وجه النظر، أن الشعير خلاف الحنطة، وأنه نوع بذاته، وأنه لا بأس ببيعه بالحنطة مثلين بمثل أو أكثر، والله أعلم.
***
стр. 5699
ص: باب: الرطب بالتمر
ش: أي هذا باب في بيان حكم بيع الرطب بالتمر هل يجوز أم لا؟
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا وأسامة بن زيد أخبراه، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، أن زيدًا أبا عياش أخبره: "أنه سأل سعدًا عن السلت بالبيضاء، فقال سعد: شهدت رسول الله ﷺ سئل عن الرطب بالتمر، فقال: أينقص الرطب إذا جف؟ فقالوا: نعم، فقال: فلا إذن، وكرهه".
ش: عبد الله بن يزيد القرشي المدني الأعور مولى الأسود بن سفيان روى له الجماعة وقال أبو عمر: ظن قوم أنه عبد الله بن يزيد بن هرمز الفارسي الفقيه وليس كذلك، وإنما هو مولى الأسود بن سفيان، وكذلك في رواية أبي مصعب والشافعي وغيرهما، ولم يذكر مالك عن عبد الله بن يزيد بن هرمز حديثًا ولا مسألةً، يقولون: إنه خرَّج عليه وعلى غيره إن تحدثوا بحديث أو رأي عنه.
وأبو عياش بالياء آخر الحروف المشددة وبالشين المعجمة اسمه زيد، يقال له: أبو عياش الزرقي.
وفي "التكميل": زيد بن عياش أبو عياش الزرقي ويقال: المخزومي، ويقال: مولى بني زهرة المدني تابعي.
عن سعد بن أبي وقاص: "أينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم".
وعنه عبد الله بن يزيد وعمران بن أبي أنس السلمي، وقد صحح هذا الحديث الترمذي وابن خزيمة والحاكم، ووثق زيد الدارقطني، وقال الإِمام أبو حنيفة وأبو محمد بن حزم: مجهول. انتهى.
وقيل: لم يرو عنه أحد غير عبد الله بن يزيد، وفي "شرح الموطأ" للإشبيلي: وزيد هذا قيل: هو أبو عياش الزُّرَقي وقيل: أبو عياش الزرقي اسمه زيد بن
стр. 5700
الصامت، وهو من صغار الصحابة وممن شهد بعض مشاهدهم، وذكره ابن حبان في كتاب "الثقات" من التابعين.
والحديث أخرجه مالك في "موطإه" (١): عن عبد الله بن يزيد، أن زيدًا أبا عياش أخبره: "أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن البَيْضاء بالسُّلْت، فقال له سعد: أيتهما أفضل؟ فقال: البيضاء. فنهاه عن ذلك، وقال: سمعت رسول الله ﵇ يُسأل عن اشتراء التمر بالرطب، فقال رسول الله ﵇: "أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم. فنهى عن ذلك".
وأخرجه الترمذي (٢): عن قتيبة، عن مالك نحوه، وقال: حديث حسن صحيح.
وأخرجه النسائي (٣): أنا عمرو بن علي، ثنا يحيي، عن مالك، حدثني عبد الله بن يزيد، عن زيدٍ بن أبي عياش، عن سعد قال: "سئل رسول الله ﵇ عن التمر بالرطب فقال لمن حوله: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم. فنهى عنه".
وأخرجه أبو داود (٤): من حديث معاوية بن سلام، عن يحيى، أنا عبد الله ابن يزيد، أن أبا عياش أخبره أنه سمع سعدًا يقول: "نهى رسول الله ﵇ عن بيع الرطب بالتمر نسيئة". وقال الدارقطني: خالفه مالك وإسماعيل بن أمية والضحاك بن عثمان وأسامة بن زيد، رووه عن ابن يزيد، وما قالوا فيه: "نسيئة".
فإن قلت: بم حكمت في هذا الحديث؟
стр. 5701
قلت: هذا كما ترى قد صححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم وسكت عنه أبو داود، وسكوته دليل الرضا به، ولكن فيه مقال كثير، وهو مضطرب متنًا وسندًا على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى.
قوله: "عن السلت بالبيضاء" أي عن بيع السلت بالبيضاء، والسلت -بضم السين المهملة وسكون اللام وفي آخره تاء مثناة من فوق- وهو ضرب من الشعير أبيض لا قشر له، والبيضاء ممدود: الحنطة، وتسمى السمراء أيضًا.
وقال الخطابي: السلت: نوع من البر أبيض اللون فيه رخاوة يكون بمصر، والسلت أدق حبا منه، والبيضاء: الشعير.
وفي "شرح الموطأ" للإشبيلي: وخرج قاسم هذا الحديث فقال فيه: "سأل رجل سعدًا عن السلت بالشعير ... " فساق الحديث، فبان بهذا أن البيضاء هي الشعير، ولا خلاف في ذلك أن البيضاء هي الشعير إلا ما ذكره وكيع، فإنه وهم في هذا الحديث على مالك، وساق عنه بسنده، وقال فيه: عن زيد أبي عياش، وقال: "سألت سعدًا عن السلت بالذرة فكرهه، وقال: سُئل رسول الله ﵇ عن الرطب بالتمر ... " وذكر الحديث، وجعل الذرة موضع البيضاء وذلك وهم، والبيضاء عند العرب الشعير، والسمراء عندهم البر، والذرة صنف منفرد عند العلماء. انتهى.
وروى الترمذي (١): ثنا عبد الله بن الزبير الحميدي، ثنا سفيان بن عيينة، ثنا إسماعيل بن أمية، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي عياش قال: "تبايع رجلان على عهد سعد بن أبي وقاص بسلت وشعير، فقال سعد: تبايع رجلان على عهد
стр. 5702
رسول الله ﵇ بتمر ورطب، فقال رسول الله ﵇: أينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم، قال: فلا إذن".
قال أبو عمر: في هذا الحديث تفسير البيضاء المذكورة في حديث مالك أنها الشعير، وهو كذلك عند أهل العلم.
قلت: إذا كان البيضاء هو الشعير، وقد ذكرنا أن السلت أيضًا نوع من الشعير وقد ذكره الجوهري هكذا أيضًا يكون سؤال أبي عياش سعدًا عن بيع الشعير بالشعير، وعن هذا قال أبو عمر: في هذا الحديث من قول سعد ما يدل على أن السلت والشعير عنده صنف واحد، فلا يجوز التفاضل بينهما، ولا يجوز إلا مثلًا بمثل وكذلك القمح معهما صنف واحد، وهو مذهب مشهور معروف من مذهب سعد بن أبي وقاص إليه ذهب مالك وأصحابه، وقال أيضًا: جعل الليث بن سعد البر والشعير والسلت والدخن والأرز والذرة صنفًا واحدًا هذه الستة كلها لا يجوز بيع شيء منها بشيء إلا مثلًا بمثلٍ، يدًا بيدٍ عنده. انتهى.
وقال صاحب "المطالع": السلت حب بين البر والشعير لا قشر له.
وقال أيضًا: وفي حديث سعد البيضاء بالسلت جاء في حديث سفيان أنه الشعير، وقال الداودي: هو الأبيض من البر. وقال الخطابي: هي الرطب من السلت، كرهه من باب الرطب باليابس من جنسه، ويدل على صحة قول الداودي قول مالك في "الموطأ": الحنطة كلها؛ البيضاء والسمراء والشعير. فجعلها غير الشعير وهي المحمولة، وهي الحنطة في الحجاز.
قوله: "أينقص الرطب" الهمزة فيه للاستفهام، ومعناه التقرير والتنبيه على نكتة الحكم ليعتبروها في نظائرها، ولا يخفى عليه ﷺ أن الرطب ينقص إذا يبس ليستفهم عنه.
قوله: "فلا إذن" أي فلا يجوز حينئذ.
واستفيد منه: أن بيع الرطب بالتمر لا يجوز، وصحة القول بالقياس.
стр. 5703
وفي "شرح الموطأ" للإشبيلي: وأَخْذُ سعد حكم السلت بالبيضاء من حكم النبي ﵇ في الرطب بالتمر؛ دليل على قوله بالقياس، وعلى هذا جماعة الصحابة، ولا نعلم أحد منهم حفظ عنه قضية إلا وجميعها أو معظمها القياس، وقوله ﵇: "أينقص الرطب إذا يبس" تنبيه على القياس، فإنه لا يخفى على أحد أن الرطب ينقص إذا يبس، فنبههم النبي ﵇ أن علة التحريم هو التفاضل في هذا الجنس.
ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا مالك، عن عبد الله بن يزيد، عن زيد بن أبي عياش، عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: فذكر مثله.
ش: هذا طريق آخر عن صالح، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي شيخ البخاري وأبي داود، عن مالك بن أنس ... إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن يزيد، أن زيدًا أبا عياش أخبره: "أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسلت، فقال له سعد: أيهما أفضل؟ قال: البيضاء. قال: فنهاه عن ذلك، وقال: سمعت رسول الله ﵇ يُسأل عن شراء التمر بالرطب، فقال رسول الله ﵇: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم. فنهاه عن ذلك". انتهى.
قلت: فيه تصريح أن المراد من البيضاء هي الحنطة، ومن السلت الشعير.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا الحديث فقلدوه وجعلوه أصلاً، ومنعوا بيع الرطب بالتمر، وممن ذهب إلى ذلك: أبو يوسف ومحمد بن الحسن.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي والثوري والليث بن سعد ومالكا والشافعي وأحمد وإسحاق، فإنهم قالوا: لا يجوز بيع الرطب بالتمر. واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور، وممن قال بقولهم: أبو يوسف ومحمد بن الحسن.
стр. 5704
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فجعلوا الرطب بالتمر نوعًا واحدًا، وأجازوا بيع كل واحد منهما بصاحبه مثلًا بمثل، وكرهوا نسيئة.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: أبا حنيفة والمزني وأبا ثور وداود؛ فإنهم قالوا: يجوز بيع الرطب بالتمر مثلًا بمثل؛ لأنهما نوع واحد وهو اختيار الطحاوي أيضًا، ولا يجوز عندهم أن يبيعوا الرطب بالتمر نسيئة وإن كان مثلًا بمثل لوجود علة الربا.
ص: فاعتبرنا هذا الحديث الذي احتج به عليهم مخالفهم، هل دخله شيء؟ فإذا ابن أبي داود قد حدثنا، قال: ثنا يحيى بن صالح الوحاظي، قال: ثنا معاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن يزيد، أن زيدًا أبا عياش أخبره، عن سعد بن أبي وقاص: "أن رسول الله ﵇ نهى عن بيع الرطب بالتمر نسيئة".
فكان هذا هو أصل هذا الحديث، فيه ذكر النسيئة، زاده يحيى بن أبي كثير على مالك بن أنس، فهو أولى، وقد روي هذا الحديث أيضًا عن غير عبد الله بن يزيد على مثل ما رواه يحيى بن أبي كثير أيضًا.
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أنا عمرو بن الحارث، عن بكير ابن عبد الله، حدثه عن عمران بن أبي أنيس، أن مولى بني مخزوم: "حدثه أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن الرجل يسلف الرجل الرطب بالتمر إلى أجل، فقال سعد: نهانا رسول الله ﵇ عن هذا".
فهذا عمران بن أبي أنيس وهو رجل متقدم معروف قد روى هذا الحديث كما رواه يحيى، فكان ينبغي في تصحيح معاني الآثار أن يكون حديث عبد الله بن يزيد لما اختلف عنه فيه أن يرتفع ويثبت حديث عمران هذا، فيكون النهي الذي جاء في حديث سعد هذا إنما هو لعلة النسيئة لا غير ذلك؛ فهذا سبيل هذا الباب من طريق تصحيح الآثار.
стр. 5705
ش: هذه إشارة إلى الجواب عن الحديث المذكور الذي احتج به أهل المقالة الأولى، بيان ذلك أن حديث سعد بن أبي وقاص الذي رواه مالك عن عبد الله ابن يزيد، فيه زيادة ذكرها غير مالك بن أنس عن عبد الله بن يزيد وهي لفظة: "نسيئة"، رواها يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي عياش، عن سعد بن أبي وقاص: "أن رسول الله ﵇ نهى عن بيع الرطب بالتمر نسئية".
أخرجه الطحاوي عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن يحيى بن صالح الوحاظي الشامي الدمشقي -ويقال: الحمصي- أحد أصحاب أبي حنيفة، وشيخ البخاري.
عن معاوية بن سلام الحبشي الأسود روى له الجماعة.
عن يحيى بن أبي كثير الطائي، روى له الجماعة.
وأخرجه أبو داود (١): عن الربيع بن نافع، عن معاوية بن سلام ... إلى آخره نحوه.
والأخذ بهذه الزيادة أولى ولا سيما إذا كانت من ثقة، ويحيى بن أبي كثير ثقة حجة ثبت.
وقد روى هذا الحديث أيضًا عن غير عبد الله بن يزيد بهذه الزيادة، مثل رواية يحيى بن أبي كثير، وهو عمران بن أبي أنيس، أخرجه عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث المصري، عن بكير بن عبد الله بن الأشج -والكل رجال الصحيح- عن عمران بن أبي أنيس إلى آخره.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن عمران بت أبي أنيس، سمعت أبا عياش يقول: "سألت سعدًا عن شراء السلت
стр. 5706
بالتمر، فقال سعدٌ أبينهما فضل؟ قالوا: نعم. قال: لا يصلح، وقال: وسئل رسول الله ﵇ عن اشتراء الرطب بالتمر، فقال: أبينهما فضل؟ قالوا: نعم، الرطب ينقص. فقال: لا يصلح".
فإذا كان الأمر كذلك؛ كان ينبغي في تصحيح معاني الآثار أن يكون حديث عمران بن أبي أنيس أولى بالعمل؛ لكونه لم يختلف فيه، بخلاف حديث عبد الله بن يزيد فإنه ينبغي أن يترك ولا يعمل به؛ لكونه قد اختلف فيه عن عبد الله بن يزيد على ما ذكرنا من أن مالكًا روى عنه بدون هذه الزيادة، ويحيى ابن أبي كثير روى عنه بهذه الزيادة، فحصل الاختلاف، فالذي اتفق فيه أولى من الذي اختلف فيه، فحينئذ يكون النهي الذي جاء في حديث سعد إنما كان لأجل علة النسئة لا غير ذلك، فإذا كان كذلك يجوز بيع الرطب بالتمر إذا كان يدًا بيدٍ فلا يبقى فيه حجة لأهل المقالة الأولى.
فإن قيل: كيف تكون رواية عمران أولى من وراية غيره، وفيها مجهول.
قلت: لا نسلم أنه مجهول بل هو زيد أبو عياش المذكور في رواية مالك ويحيى بن أبي كثير، على أن البيهقي قد صرح به في روايته في حديث عمران على ما ذكرنا الآن، ولئن سلمنا أن يكون هذا غير أبي عياش، ففي رواية مالك أبو عياش، وقد قيل فيه: إنه مجهول كما ذكرنا، فتساويا، ويترجح خبر عمران أيضًا لأجل الزيادة المذكورة.
فإن قيل: أيا ما كان لا يتم به الاستدلال لأهل المقالة الثانية كما لا يتم لأهل المقالة الأولى.
قلت: لا نسلم بل يتم لأهل المقالة الثانية؛ لأنه يؤيد استدلالهم بهذا حديث عبادة بن الصامت الصحيح بالاتفاق، فإنه ذكر فيه جواز بيع التمر بالتمر مثلًا بمثل يدًا بيد، واسم التمر يقع على الرطب أيضًا، لأن اسم ثمر النخل لغة، فيدخل فيه الرطب واليابس والمذنب والبسر والمتقع، وروي أن عامل خيبر
стр. 5707
أهدى إلى رسول الله ﵇ تمرًا جنيبًا فقال ﵇: أَوَكل تمر خيبر هكذا؟ وكان أهدى إليه رطبًا، أطلق اسم التمر على الرطب، وقد احتج الكاساني لأبي حنيفة بهذا الطريق، ثم قال: وأما الحديث، وأراد به حديث سعد المذكور فمداره على زيد أبي عياش، وهو ضعيف عند النقلة، فلا يقبل في معارضة السنة المشهورة؛ ولهذا لم يقبله أبو حنيفة في المناظرة في معارضة الحديث المشهور مع أنه كان من صيارفة الحديث، وكان من مذهبة تقديم الخبر وإن كان في حدّ الآحاد على القياس، بعد أن كان روايه عدلاً ظاهر العدالة، أو تأوله على بيع الرطب بالتمر نسيئة، أو تمرًا من مال اليتيم توفيقًا بين الدلائل؛ صيانة عن التناقض، والله أعلم.
فإن قيل: أخرج البيهقي في "سننه" (١) حديث سعد من طريق يحيى بن أبي كثير بالزيادة المذكورة ثم قال: قال الدارقطني: خالفه مالك وإسماعيل ابن أمية والضحاك بن عثمان وأسامة بن زيد، رووه عن ابن يزيد وما قالوا فيه: "نسيئة".
قلت: قد علمت أن عمران بن أبي أنيس قد تابع يحيى في ذلك وتوافقا في الزيادة المذكورة، ولا تضر مخالفتهما هؤلاء القوم؛ لأنهما إمامان جليلان حجتان، ومالك قد اختلف عليه كما ذكرنا، واختلف أيضًا على إسماعيل بن أمية، وروي عنه نحو رواية مالك، ذكره "البيهقي" (٢) من حديث الثوري، عن إسماعيل بن أمية، عن عبد الله بن يزيد، عن زيد أبي عياش، عن سعد: "سئل النبي ﵇ عن الرطب بالتمر، قال: أينقص إذا يبس؟ قالوا: نعم، فنهى عنه". تابعه ابن عيينة، عن إسماعيل. وروى الطحاوي أيضًا في "مشكل الآثار" الحديث عن المزني، عن الشافعي، عن ابن عيينة، عن إسماعيل، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي عياش الزرقي، عن سعد ... الحديث.
стр. 5708
قال الطحاوي: وهذا محال، أبو عياش الزرقي صحابي جليل.
وليس في سن عبد الله بن يزيد لقاء مثله.
واختلف أيضًا على أسامة بن يزيد، فرواه عنه ابن وهب نحو رواية مالك، ورواه الليث عن أسامة وغيره، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن بعض أصحاب النبي ﵇، وذكره الطحاوي في "مشكل الحديث" وابن عبد البر، وفي أطراف المزني رواه زياد بن أيوب، عن علي بن غراب، عن أسامة بن يزيد، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي عياش، عن سعد موقوفًا.
ولم يذكر الدارقطني ولا غيره فيما علمنا سند رواية الضحاك بن عثمان لننظر فيه، ولئن سلم حديث هؤلاء من الاختلاف كان حديث يحيى بن أبي كثير أولى بالقبول من حديثهم؛ لأنه زاد عليهم، وهو إمام جليل، وزيادة الثقة مقبولة، كيف وفي رواية عمران بن أبي أنيس المذكورة ما يقوى حديثه ويُبين أنه لم ينفرد به فظهر من هذا كله أن الحديث قد اضطرب اضطرابًا شديدًا في سنده ومتنه، وزيد مع الاختلاف فيه هو مجهول لا يعرف كما قال ابن حزم وغيره.
وأخرج صاحب "المستدرك" (١) هذا الحديث من طرق، منها رواية يحيى، ثم صححه، ثم قال: لم يخرجه الشيخان لِمَا خشيا من جهالة زيد.
وقال الطبري في "التهذيب": الخبر معلول بانفراد زيد به؛ لأنه غير معروف في نقلة العلم، والله أعلم.
ص: وأما وجهه من طريق النظر فإنا قد رأيناهم لا يختلفون في بيع الرطب بالرطب مثلًا بمثل أنه جائز، وكذلك التمر بالتمر مثلًا بمثل وإن كانت في أحدها رطوبة ليست في الآخر، وكل ذلك ينقص إذا بقى نقصانًا مختلفًا ويجفُّ، فلم ينظروا في ذلك في حالة الجفوف فيبطلوا البيع به، بل نظروا إلى
стр. 5709
حاله وقت وقوع البيع فعملوا على ذلك ولم يراعوا ما يئول إليه من جفوف ونقصان، فالنظر على ذلك: أن يكون كذلك التمر بالرطب ينظر إلى ذلك في وقت وقوع البيع ولاينظر إلى ما يئول إليه من تغيير وجفوف، وهذا قول أي حنيفة وهو النظر عندنا.
ش: أي وأما وجه هذا الباب من طريق النظر والقياس؛ فإنا قد رأينا الخصوم كلهم ... إلى آخره، وهو ظاهر.
قوله: "وهو النظر عندنا" أشار به إلى أنه اختار قول أبي حنيفة في هذا الباب وأنه ذهب إليه، والله أعلم.
***
стр. 5710
ص: باب: تلقي الجلب
ش: أي هذا باب في بيان حكم تلقي الجلب، هل يكره أم لا؟ والجلب - بفتحتين- ما يجلب للبيع، وكذلك الجلوبة قال الجوهري: جَلَبَ الشيء يَجْلِبُهُ ويَجْلُبُهُ جَلْبًا وجَلَبًا.
قلت: وأشار به إلى أنه يجيء بين بابين نَصَرَ يَنْصُر والآخر من باب ضَرَبَ يَضْرِبُ، وفي المصدر أيضًا وجهان تسكين اللام وتحريكها، ولكن بتحريك اللام يجوز أن يكون مصدرًا ويجوز أن يكون اسمًا للشيء المجلوب، والله أعلم.
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا أبو الأحوص، قال: أنا سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تستقبلوا السوق، ولا يُنَفِّق بعضكم لبعض".
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تستقبلوا السوق".
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن ربيع بن سليمان، عن أسد بن موسى، عن أبي الأحوص سلام ابن سليم الكوفي، عن سماك بن حرب، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن عبد الله ابن عباس.
وأخرجه الترمذي (١): ثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﵇ قال: لا تستقبلوا السوق، ولا تحفلوا، ولا يُنَفَّق بعضكم لبعض"، وقال: حديث حسن صحيح.