← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.

стр. 5776

السادس: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الله بن لهيعة، فيه مقال، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇. وأخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) من حديث مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سَخِطها ردها وصاع من تمر". السابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبد الغفار بن داود الحراني شيخ البخاري، عن عبد الله بن لهيعة، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل المدني، عن عبد الرحمن بن سعد المدني، وعن عكرمة مولى ابن عباس، كلاهما عن أبي هريرة. وكل هؤلاء ثقات غير أن ابن لهيعة فيه مقال. الثامن: عن علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة المعروف بعلان، عن عبد الله ابن صالح كاتب الليث، عن بكر بن مضر بن محمد المصري، عن عمرو بن الحارث المصري، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن أبي هريرة. وهؤلاء كلهم ثقات تكرر ذكرهم. قوله: "أو لِقْحة" بكسر اللام وفتحها وهي الناقة القريبة العهد بالنتاج، والجمع لقح، وقد لَقِحَت لَقْحًا ولِقَاحًا، وناقة لَقُوح إذا كانت غزيرة [اللبن] (٣)، وناقة لاقح إذا كانت حاملاً، ونوق لواقح واللقاح ذوات الألبان، الواحدة لقوح.

стр. 5777

قوله: "وإناء" أي ويرد معها إناء، وقد فُسِّر الإناء في بعض الروايات بالصاع، وقد قال البخاري: وقال بعضهم: عن ابن سيرين: "صاعًا من طعام". قوله: "من طعام" الطعام عام في كل ما يقتات به من الحنطة والشعير والتمر وغير ذلك. وقال الخليل: إن الغالب في كلام العرب أن الطعام هو البر خاصة، ولكن أهل الحديث خصوا الطعام ها هنا بالتمر لأمرين: أحدهما: أنه كان الغالب على أطعمتهم. والثاني: أن معظم روايات هذا الحديث إنما جاءت: "صاعا من تمر" وفي بعضها قال: "من طعام" ثم أعقبه بالاستثناء فقال: لا سمراء، والسمراء هي الحنطة. وقال البيهقي: المراد بالطعام التمر، فقد قال: لا سمراء. وقال عياض: قوله: "وإناء من طعام" يحتج به من قال بظاهره، أو عند عدم التمر، وقال الداودي: معناه من تمر، فسره في الحديث الآخر قوله: "لا سمراء" أي لا بر، إنما أنثها باعتبار الحنطة أو الحبة. ص: قال أبو جعفر ﵀: فقد رويت هذه الآثار عن رسول الله ﵇ كما ذكرنا، ولم يذكر فيها لخيار المشترى وقتا، وقد روي عنه أنه جعل الخيار له في ذلك ثلاثة أيام. حدثنا بذلك أبو أمية قال: ثنا عبد الله بن جعفر الرقي، قال: ثنا ابن المبارك، عن عبيد الله بن عمر، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇: "أنه نهى عن بيع الشاة وهي محفلة، فإذا باعها فإن صاحبها بالخيار ثلاثة أيام؛ فإن كرهها ردها ورد معها صاعا من تمر". حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن، أن سهيل بن أبي صالح أخبره، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبي ﵇ قال: "من

стр. 5778

ابتاع شاة مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام، فإن شاء أمسكها وإن شاء ردها ورد معها صاعا من تمر". حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب وهشام وحبيب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ ... مثله، غير أنه قال: "ردها وصاعا من طعام لا سمراء". ش: لما كانت أحاديث المصراة على نوعين: نوع منها مطلق عن ذكر مدة الخيار وبه أخذ بعض المالكية وحكموا فيه بالرد مطلقا. ونوع منها مقيد بذكر مدة الخيار ثلاثة أيام، وبه أخذت الشافعية على ما نبينه إن شاء الله تعالى. أشار الطحاوي إلى النوعين المذكورين، وأشار إلى النوع الأول بقوله: "فقد رويت هذه الآثار عن رسول الله ﵇ كما ذكرنا"، وإلى النوع الثاني بقوله: "وقد روي عنه" أي النبي ﵇ "أنه جعل الخيار له في ذلك" أي للمشتري في شراء المصراة "ثلاثة أيام" وبين ذلك بقوله: "حدثنا بذلك أبو أمية ... " إلى آخره. وأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن أبي أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي، عن عبد الله بن جعفر بن غيلان القرشي الرقي الثقة، عن عبد الله بن المبارك، عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن أبي الزناد -بالنون- عبد الله بن ذكوان، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة ... إلى آخره. وأخرجه العدني في "مسنده": نا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال النبي ﵇: "لا تصروا الإبل والغنم للبيع، فمن اشترى من ذلك شيئًا فهو بالخيار ثلاثا، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها ورد معها صاعا من تمر".

стр. 5779

الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (١): نا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا يعقوب -يعني بن عبد الرحمن- القاري، عن سهيل ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي، وأبو صالح اسمه ذكوان الزيات. الثالث: عن نصر بن مرزوق، عن أسد بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني وهشام بن حسان وحبيب بن الشهيد، ثلاثتهم عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة. وأخرجه البيهقي (٢): من حديث حماد بن سلمة، عن أيوب وهشام وحبيب، عن محمد ... إلى آخره نحوه. وأخرجه مسلم (٣): عن محمد بن عمرو، عن أبي عامر، عن قرة، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "من اشترى شاة مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردها ردَّ معها صاعا من طعام لا سمراء". وأخرجه الترمذي (٤): عن محمد بن بشار، عن أبي عامر، عن قرة بن خالد، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ... إلى آخره نحوه. وأخرجه النسائي (٥): عن محمد بن منصور، عن سفيان، عن أيوب، عن محمد، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال أبو القاسم ﷺ : "من ابتاع محفلة أو مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء أن يمسكها أمسكها، وإن شاء أن يردها ردها وصاعا من تمر لا سمراء".

стр. 5780

ولما أخرج الترمذي (١): هذا الحديث عن أبي هريرة قال: وفي الباب عن أنس، ورجل من أصحاب النبي ﵇. قلت: وفي الباب عن ابن عمر ﵁. أما حديث أنس فأخرجه البيهقي (٢): من حديث إسماعيل بن مسلم، وهو واهٍ عن الحسن، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "من اشترى شاة محفلة فإن لصاحبها أن يحلبها، فإن رضيها فليمسكها، وإلا فليردها وصاعا من تمر". وأما حديث رجل من أصحاب النبي ﵊ فأخرجه البيهقي أيضًا (٣): من حديث يزيد، أنا شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن رجل، عن النبي ﵇: "أنه نهى أن تتلقى الأجلاب وأن يبيع حاضر لباد، ومن اشترى مصراة فهو بخير النظرين، فإن حلبها ورضيها أمسكها، وإن ردها ردَّ معها صاعًا من طعام، أو صاعا من تمر". وأما حديث ابن عمر ﵄ فأخرجه أبو داود (٤): ثنا أبو كامل، قال: نا عبد الواحد، قال: ثنا صدقة بن سعيد، عن جميع بن عمير التيمي، قال: سمعت عبد الله بن عمر ﵄ يقول: قال رسول الله ﵇: "من باع محفلة فهو بالخيار ثلاثة أيام؛ فإن ردها رد معها مثل -أو مثلي- لبنها قمحا". وأخرجه البيهقي (٥): وقال: قال البخاري: جُمِيع فيه نظر. قلت: ذكره ابن حبان في الثقات من التابعين، وحسن له الترمذي حديثًا وذكره ابن حبان في "الضعفاء" أيضًا، وقال: كان رافضيا يضع الحديث، وقال ابن نمير: كان من أكذب الناس. والله أعلم.

стр. 5781

ص: فذهب قوم إلى أن الشاة المصراة إذا اشتراها رجل، فحلبها فلم يرضى حلابها فيما بينه وبين ثلاثة أيام كان بالخيار، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها وردَّ معها صاعا من تمر، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. وممن ذهب إلى ذلك: ابن أبي ليلى، إلا أنه قال: يردها ويرد معها قيمة صاع من تمر. وقد كان أبو يوسف أيضًا قال بهذا القول في بعض أماليه، غير أنه ليس بالمشهور عنه. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الليث بن سعد والشافعي ومالكًا -في قول- وأحمد وأبا ثور وإسحاق وأبا عبيد وأبا سليمان وزفر وأبا يوسف -في بعض الروايات- ومحمد بن أبي ليلى، فإنهم قالوا: من اشترى مصراة فحلبها فلم يرض بها، فإنه يردها إن شاء ويرد معها صاعا من تمر، إلا أن مالكا قال: يؤدي أهل كل بلد صاعا من أغلب عيشهم، وابن أبي ليلى قال: يرد معها قيمة صاع من تمر، وهو قول أبي يوسف ولكنه غير مشهور عنه. وقال زفر: يرد معها صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو نصف صاع من تمر. وفي "شرح الموطأ" للإشبيلي: قال مالك: إذا احتلبها ثلاثاً وسخطها لاختلاف لبنها ردها ورد معها صاعا من قوت ذلك البلد، تمرا كان أو بُرَّا أو غيره، وبه قال الطبري، وأبو علي بن أبي هريرة من أصحاب الشافعي، ورواه ابن القاسم عن مالك قال: من غالب قوت البلد، وروى زياد عن مالك يرد مكيلة ما حلب من اللبن تمرّا أو قيمته، وقال أكثر أصحاب الشافعي: لا يكون إلا من التمر، واختلف أصحاب الشافعي إذا وجب رد صاع التمر فكان يساوي قيمة الشاة أو كثر، فأوجب بعضهم رد الصالح ولم يوجبه بعضهم. قال بعض أصحابنا: والأول أظهر وأتْبَع للحديث.

стр. 5782

ص: وخالف ذلك كله آخرون، فقالوا: ليس للمشتري ردها بالعيب، ولكنه يرجع على البائع بنقصان العيب، وممن قال ذلك: أبو حنيفة ومحمد -رحمهما الله-. ش: أي خالف ما ذكر من الحكم كله جماعة آخرون، وأرد بهم: فقهاء الكوفيين وأبا حنيفة ومحمدًا ومالكا -في رواية- وأبا يوسف -في المشهور عنه- وأشهب من المالكية فإنهم قالوا: ليس للمشتري رد المصراة بخيار العيب ولكنه يرجع على البائع بنقصان العيب. وفي "المحلى" (١) قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: إن كان اللبن حاضرًا لم يتغير ردها ورد اللبن، وإلا يرد معها صاعا من تمر ولا شيئًا، وإن كان قد أكل اللبن ردها وقيمة ما أكل من اللبن. قلت: وفي كتب أصحابنا الحنفية: ليس له أن يرد المصراة؛ لأنه وجد ما يمنع الرد، وهو الزيادة المنفصلة عنها، وفي الرجوع بالنقصان روايتان عن أبي حنيفة، في رواية شرح الطحاوي يرجع على البائع بالنقصان من الثمن لتعذر الرد، وفي رواية الإصرار لا يرجع؛ لأن اجتماع اللبن وجمعه لا يكون عيبا. والله أعلم. ص: وذهبوا إلى أن ما روي عن رسول الله ﵇ في ذلك -مما قد تقدم ذكرنا له في هذا الباب- منسوخ، فروي عنهم هذا الكلام مجملا، ثم اختلف عنهم من بعد في الذي نسخ ذلك ما هو؟ فقال محمد بن شجاع فيما أخبرني به ابن أبي عمران عنه نسخه قول رسول الله ﷺ : "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" وقد ذكرنا ذلك بأسانيده فيما تقدم من هذا الكتاب، فلما قطع رسول الله ﵇ بالفرقة الخيار؛ ثبت بذلك أنه لا خيار لأحد بعدها، إلا لمن استثناه رسول الله ﵇ في هذا الحديث بقوله: "إلا بيع الخيار".

стр. 5783

قال أبو جعفر ﵀: وهذا التأويل عندي فاسد، لأن الخيار المجعول في المصراة إنما هو خيار عيب، وخيار العيب لا تقطعه الفرقة، ألا ترى أن رجلاً لو اشترى عبدًا وقبضه وتفرقا، ثم رأى به عيبا بعد ذلك أن له رده على بائعه باتفاق المسلمين؟ ولا يقطع ذلك التفرق الذي روي عن رسول الله ﵇ في الآثار المذكورة عنه في ذلك، فكذلك المبتاع للشاة المصراة إذا قبضها فاحتلبها، فعلم أنها على غير ما كان ظهر له منها، وكان ذلك لا يعلمه في احتلابه مرة ولا مرتين، جعلت له في ذلك هذه المدة -وهي ثلاثة أيام- ليحتلبها في ذلك، فيقف على حقيقة ما هي عليه، فإن كان باطنها كظاهرها فقد لزمته واستوفي ما اشترى، وإن كان ظاهرها بخلاف باطنها فقد ثبت العيب ووجب له ردها، فإن حلبها بعد الثلاثة الأيام فقد حلبها بعد علمه بعيبها، فذلك رضا منه بها، فلهذه العلة التي ذكرت وجب بها فساد التأويل الذي وصفت. ش: هذا جواب عن أحاديث المصراة التي سبقت، أي ذهب هؤلاء الآخرون إلى أن الأحاديث التي تقدم ذكرها التي احتجت بها أهل المقالة الأولى منسوخة، ثم بين الطحاوي وجه هذا النسخ من ثلاثة أوجه: الأول: عن محمد بن شجاع البغدادي الفقيه المشهور بابن الثلجي -بالثاء المثلثة- من أصحاب الحسن بن زياد اللؤلؤي صاحب المصنفات الكثيرة. الثاني: عن عيسى بن أبان بن صدقة الفقيه، قاضي البصرة صاحب محمد بن الحسن الشيباني. الثالث: هو اختيار نفسه علي ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى. أما ما ذكره محمد بن شجاع فقد قال الطحاوي: أخبرني به أحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي، أن الناسخ للأحاديث المذكورة: قوله ﵇: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" وقد ذكر ذلك الطحاوي بأسانيده ووجوهه فيما سبق في باب معقود لذلك، ووجه ما ذكره ابن شجاع ظاهر، ولكن الطحاوي أفسده، وهو أحرى بالفساد لما يظهر ذلك مما قاله الطحاوي.

стр. 5784

قوله: "فلهذه العلة التي ذكرتُ" بضم التاء على أنه إخبار عن نفسه، وكذا قوله: "الذي وصف". ص: وقال عيسى بن إبان: كان ما روي عن رسول الله ﵇ من الحكم في المصراة بما في الآثار الأُول في وقت ما كانت العقوبات في الذنوب تؤخذ بها الأموال، فمن ذلك ما روي عن رسول الله ﵇ في الزكاة: "أنه من أدى طائعا فله أجرها، وإلا أخذناها منه وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا "، ومن ذلك ما روي عنه في حديث عمرو بن شعيب في سارق الثمرة التي لم تحرز: "أنه يضرب جلدات نكالا، ويغرم مثليها"، وقد ذكرنا ذلك بأسانيده في باب وطْء الرجل جارية امرأته، فأغنانا ذلك عن إعادة ذكرها ها هنا. قال: فلما كان الحكم في أول الإسلام كان كذلك حتى نسخ الله الربا فَرُدَّت الأشياء المأخوذة إلى أمثالها إن كانت لها أمثال، وإلى قيمتها إن كانت لا أمثال لها، وكان رسول الله ﵇ نهى عن التصرية وروي عنه في ذلك. فذكر ما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا المسعودي، عن جابر الجعفي، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله ﵁ قال: اشهد على الصادق المصدوق أبي القاسم ﷺ أنه قال: "إن بيع المحفلات خِلابة ولا تحل خِلابة مسلم" فكان من فعل ذلك وباع ما قد جعل بيعه إياه مخالفا لما أمر به رسول الله ﵇، وداخلا فيما نهى عنه، فكانت عقوبته في ذلك أن يجعل اللبن المحلوب في الأيام الثلاثة للمشتري بصاع من تمر، ولعله يساوي آصُعا كثيرة، ثم نسخت العقوبات في الأموال بالمعاصي، وردت الأشياء إلى ما ذكرنا، فلما كان ذلك كذلك، ووجب رد المصراة بعينها، وقد زايلها اللبن؛ علمنا أن ذلك اللبن الذي أخذه المشتري منها قد كان بعضه في ضرعها في وقت وقوع البيع عليها فهو في حكم المبيع، وبعضه حدث في ضرعها في ملك المشتري بعد وقوع البيع عليها فذلك للمشتري، فلما لم يكن رد اللبن بكماله على البائع إذ كان بعضه مما لم يملك ببيعه، ولم يمكن أن يجعل

стр. 5785

اللبن كله للمشتري إذ كان ملك بعضه من قبل البائع ببيعه إياه الشاة التي قد ردها عليه بالعيب، وقد كان ملكه له بجزء من الثمن الذي كان وقع به البيع، فلم يجز أن يرد الشاة بجميع الثمن ويكون ذلك اللبن سالمًا له بغير ثمن، فلما كان ذلك كذلك منع المشتري من ردها، ورجع على بايعه بنقصان عيبها. قال عيسى ﵀: فهذا وجه حكم بيع المصراة. ش: هذا هو الوجه الثاني من وجوه النسخ التي ذكرناها، وهو الوجه الذي قاله عيسى بن أبان، وهو أيضًا ظاهر، ولكن ملخصه أن حكم المصراة كان حين يؤخذ بالأموال في العقوبات كما في الزكاة إذا امتنع صاحبها عن أدائها كان يؤخذ منه جبرًا، ويؤخذ معها نصف ماله، وكذا سارق الثمرة التي لم تحرز، كان يضرب جلدات عقوبة، ويغرم مثلي ما أخذه، وكذا الغالّ كان يحرق رحله، فلما نسخت هذه الأشياء بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (١) ونزلت آية تحريم الربا؛ صار الحكم أن يؤخذ في الأموال مثلها، إن كانت مثلية وقيمتها إن كانت لا مثل لها، ثم في حكم المصراة التمر ليس من جنس اللبن، ومتلف الشيء إنما يغرم مثله أو قيمته كما ذكرنا، فإذا كان كذلك دل على أن هذا الحكم قد كان ثم نسخ، وأيضًا فإن في دفع التمر لأجل اللبن ربا؛ لأنه بيع الطعام بالطعام متفاضلا، وقد قال ﵇: "الطعام بالطعام ربا إلا هاء وهاء" فإذا تقرر ذلك قلنا: إن المشتري يمنع من رد المصراة ولكن يرجع على بائعها بنقصان العيب؛ لأن السلامة في البيع مطلوبة المشتري فكانت شرطا في العقد دلالة، فإذا فأتت يثبت له خيار الرجوع بنقصان العيب، وإنما يمتنع رجوعه بالمصراة بجميع الثمن للمعنى الذي ذكره الطحاوي عن عيسى بن أبان، وهو قوله: "فلما لم يكن رد اللبن بكماله على البائع ... " إلى آخره، وهو ظاهر. ثم الذي روي عن النبي ﵇ في الزكاة.

стр. 5786

وأخرجه أبو داود (١): نا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا بهز بن حكيم. ونا محمد بن العلاء، أنا أبو أسامة، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﵇ قال: "في كل سائمة إبل في أربعين بنت لبون لا يفرق إبل عن حسابها من أعطاها مؤتجرا -قال ابن العلاء: مؤتجرا بها- فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة عن عزمات ربنا، ليس لآل محمد منها شئ". وأخرجه النسائي (٢) أيضًا. قوله: "شطر ماله" أي نصف ماله. قوله: "عزمة" منصوب بفعلٍ محذوف، تقديره: عزم الله علينا عزمة، والعزمة الحق والواجب، وعزمة الله حقوقه وواجباته. قوله: "ليس لآل محمد منها شيء" تأكيد لقوله: "عزمة من عزمات ربنا" والمعنى: إن هذا حق وفرض من فرائض الله تعالى وليس لآل محمد من هذا الفرض شيء أي نصيب حتى يتركوا ما ينالهم. وفيه دليل على أن مانع الزكاة تؤخذ منه جبرًا، ويؤخذا أيضًا شطر ماله عقوبة عليه لامتناعه، ولكن كان هذا في أول الإِسلام ثم نسخ. واستدل الشافعي على نسخه بحديث البراء بن عازب ﵁ فيما أفسدت ناقته، فلم ينقل عن النبي ﵇ في تلك القضية أن ضَعَّف الغرامة، بل نقل فيها حكمه بالضمان فقط. وأما حديث ابن مسعود ﵁، فأخرجه عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي، عن جابر بن يزيد الجعفي -فيه مقال كثير- عن

стр. 5787

أبي الضحى مسلم بن صُبَيْح الكوفي العطار، عن مسروق بن الأجدع عن عبد الله ابن مسعود ﵁. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث المسعودي، عن جابر، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله قال: أشهد على الصادق المصدوق أبي القاسم ﷺ أنه قال: "بيع المحفلات خلابة لا تحل خلابة المسلم". وقال البيهقي: هذا جاء بإسناد صحيح عن ابن مسعود قوله: ثم أخرجه من حديث الأعمش، عن خيثمة، عن الأسود قال: قال عبد الله: "إياكم والمحفلات فإنها خلابة ولا تحل الخلابة لمسلم". قوله: "أشهد على الصادق المصدوق" أراد به النبي ﵇ فإنه هو الصادق في أقواله، المصدوق في نفسه من جهة غيره. و"المحفلات" جمع مُحَفَّلة -بضم الميم وتشديد الفاء- وهي الشاة أو البقرة أو الناقة لا يحلبها صاحبها أياما حتى يجتمع لبنها في ضرعها، فإذا احتلبها المشتري حسبها غزيرة فزاد في ثمنها، ثم يظهر له بعد ذلك نقص لبنها عن أيام تحفيلها، سميت محفلة لأن اللبن حُفِّل في ضرعها، أي جمع. قوله: "خِلابه" بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام، وهي الخداع والتغرير، وقال الجوهري: الخلابة: الخديعة باللسان، تقول منه خَلَبَه يَخْلُبُه بالضم، واختلبه مثله، وفي المثل: إذا لم تَغْلب فاخلب، أي: فاخدع. وفيه: دلالة على أن التصرية والتحفيل مكروه منهي عنها، وأن بائع المحفلات مخالف ما أمر به رسول الله ﵇ وداخل فيما نهى عنه، فلأجل هذا كانت عقوبته في ذلك أن يجعل اللبن المحلوب في هذه الأيام كانت تساوي جملة من الصيعان، فكانت فيه عقوبة للبائع بالمال، ولكن لما نسخت العقوبات في الأموال بالمعاصي، ردت إلى ما ذكرنا من أن الحكم استقر على أن يؤخذ في الأموال مثلها إن كانت مثلية، وقيمتها إن كانت لا مثل لها، والله أعلم.

стр. 5788

ص: قال أبو جعفر ﵀: والذي قاله عيسى: من هذا يحتمل، غير أني رأيت في ذلك وجها، وهو أشبه عندي بنسخ هذا الحديث من غير هذا الوجه الذي ذهب إليه عيسى، وذلك أن لبن المصراة الذي احتلبه المشتري منها في الثلاثة الأيام التي احتلبها فيها قد كان بعض في ملك البائع قبل الشراء، وبعضه حدث في ملك المشتري بعد الشراء؛ لأنه قد احتلبها مرة بعد مرة، فكان ما كان في يد البائع من ذلك مبيعا، إذا وجب نقص البيع في الشاة [وجب نقض البيع فيه، وما حدث في يد المشتري من ذلك فإنما كان ملكه بسبب البيع أيضًا، وحكمه حكم الشاة] (١) لأنه من بدنها، هذا على مذهبنا، وكان النبي ﵇ قد جعل لمشتري المصراة بعد ردها جميع لبنها الذي كان حلبه منها بالصاع التمر الذي أوجب عليه رده مع الشاة، وذلك اللبن حينئذ قد تلف أو تلف بعضه، فكان المشتري قد ملك لبنا دينا بصاع تمر ودين فدخل ذلك في بيع الدين بالدين، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الدين بالدين. حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا أبو عاصم -قال: أبو بكرة في حديثه قال: أنا موسى بن عبيدة، وقال ابن مرزوق في حديثه: عن موسى بن عبيدة الربذي، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄: "أن النبي ﵇ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ" يعني الدين بالدين فنسخ ذلك ما كان تقدم منه مما روي عنه في المصراة، مما حكمه حكم الدين بالدين. ش: هذا هو الوجه الثالث من وجوه النسخ التي ذكرناها، وهو الوجه الذي قاله الطحاوي من قوله واختاره على الوجهين الأولين، ملخص ذلك: أن حديث المصراة منسوخ بحديث النهي عن بيع الدين بالدين؛ وذلك لأن في المصراة على الوجه الذي ذكره الخصم بيع الدين بالدين، فيكون منسوخًا، وقد أوضح ذلك الطحاوي، فلا حاجة إلى تكراره. ثم إنه أخرج حديث ابن عمر ﵄ عن أبي بكرة بكار القاضي، وإبراهيم بن مرزوق، كلاهما عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن

стр. 5789

موسى بن عبيدة بن نشيط الرَّبَذي المدني، فيه مقال، فعن يحيى: لا يحتج بحديثه. وعنه: ضعيف. وعنه: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: منكر الحديث. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث وليس بحجة. وعن يحيى: موسى بن عبيدة ليس بالكذوب ولكنه يروي عن عبد الله بن دينار أحاديث مناكير. روى له الترمذي وابن ماجه، والرَّبَذي بفتح الراء والباء الموحدة وبالذال المعجمة، نسبة إلى رَبَذة قرية من قرى مدينة الرسول ﵇ وبها قبر أبي ذر الغفاري ﵁. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث مقدام بن داود، ثنا ذؤيب بن عمامة، نا حمزة بن عبد الواحد، عن موسى، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﵇: "أنه نهى عن بيع الكالئ بالكالئ". وأخرجه البزار في "مسنده" (٢): بأتم منه: نا محمد بن معمر، نا بهلول، نا موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله ﵇ عن الشغار، وعن بيع المجر، وعن بيع الغرر، وعن بيع كالئ بكالئ، وعن بيع عاجل بآجل" قال: والمجر: ما في الأرحام، والغرر: أن تبيع ما ليس عندك، وكالئ بكالئ: دين بدين، والآجل بالعاجل: أن يكون لك على الرجل ألف درهم، فيقول رجل أُعَجِّل لك خمسمائة ودع البقية، والشغار: أن تنكح المرأة بالمرأة ليس لهما صداق، وهذا الحديث لا نعلم رواه إلا موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ بهذا التمام. وأخرجه البيهقي أيضًا (٣): من حديث الخصيب بن ناصح، نا الدراوردي، عن موسى، عن نافع، عن ابن عمر: "أن النبي ﵇ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ" ثم قال: موسى هو ابن عبيدة.

стр. 5790

وقال ابن عدي أيضًا: هذا معروف موسى بن عبيدة، وقال البيهقي، ورواه عبيد الله بن موسى وزيد بن الحباب والواقدي عن سالم ثم ساقه البيهقي إليهم ثم قال: العجب من الدارقطني شيخ عصره روى هذا الحديث في "سننه" فقال عن الدراوردي عن موسى بن عقبة، وقال الذهبي: وكذا وهم غيره فيه. قوله: "الكالئ بالكالئ" أي النسيئة بالنسيئة وهو مهموز اللام يقال: كلأ الدين كلوءا فهو كالئ إذا تأخر، ومن قولهم: "بلغ الله بك أكلأ العمر" أي أطوله وأكثره تأخرا، وكلأته إذا أنسأته وبعض الرواة لا يهمز الكالئ تخفيفا. ص: ويقال للذي ذهب إلى العمل بما روي في المصراة ما قد ذكرناه في أول هذا الباب: قد روي عن رسول الله ﵇ أنه قال: "الخراج بالضمان" وعملت بذلك العلماء. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن أبي ذئب (ح). وحدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن مخلد بن خفاف، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "الخراج بالضمان". حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا الزنجي بن خالد، سمعته يقول: زعم لنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: "أن رجلاً اشترى عبدًا فاستغله، ثم رأى به عيبا فخاصمه إلى النبي ﷺ فرده بالعيب، فقال: يا رسول الله إنه قد استغله، فقال له: الغلة بالضمان". حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا مطرف بن عبد الله، قال: ثنا الزنجي بن خالد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ مثله. حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، قال: ثنا مسلم بن خالد ... فذكر بإسناد مثله.

стр. 5791

فتلقى العلماء هذا الخبر بالقبول، وزعمت أنت أن رجلا لو اشترى شاة فحلبها، ثم أصاب بها عيبًا غير التحصيل أنه يردها، ويكون اللبن له، وكذلك لو كان مكان اللبن ولد ولدته، ردها على البائع وكان الولد له، وكان ذلك عندك من الخراج الذي جعله النبي ﵇ للمشتري بالضمان، فليس يخلو الصاع الذي توجبه على مشتري المصراة إذا ردها على البائع بالتصرية أن يكون عوضا من جميع اللبن الذي احتلبه منها الذي كان بعض في ضرعها في وقت وقوع البيع، وحدث بعضه في ضرعها بعد البيع، أو يكون عوضا من اللبن الذي كان في ضرعها في وقت البيع خاصة، فإن كان عوضا منهما فقد نقضت بذلك أصلك الذي جعلت به الولد واللبن للمشتري بعد الرد بالعيب؛ لأنك جعلت حكمهما حكم الخراج الذي جعله النبي ﵇ للمشتري بالضمان. وإن كان ذلك الصالح عوضا عما كان في ضرعها في وقت وقوع البيع خاصة، والباقي سالم للمشتري لأنه من الخراج، فقد جعلت للبائع صاعًا دينا بلبن دين، وهذا غير جائز في قولك ولا في قول غيرك، فعلى أي الوجهين كان هذا المعنى عليه عندك؟! فأنت به تارك أصلاً من أصولك، وقد كنت بالقول بنسخ هذا الحكم في المصراة أولى من غيرك؛ لأنك أنت تجعل اللبن في حكم الخراج، وغيرك لا يجعله كذلك. ش: هذه إشارة إلى بيان فساد قول من يذهب إلى العمل بحديث المصراة الذي هو منسوخ بالوجوه التي ذكرناها، وأن القائلين به تاركون لأصلهم الذي يذهبون إليه، ومتناقضون في كلامهم، والمراد من هؤلاء هم الشافعية ومن تبعهم في هذا القول، والمراد من الخطابات في قوله: "وزعمت أنت" وقوله: "فقد نقضت بذلك أصلك"، وقوله: "الذي جعلت به الولد"، وقوله: "جعلت حكمهما" وقوله: "فقد جعلت" وقوله: "وقولك ولا في قول غيرك" وقوله: "عندك"، وقوله: "فأنت به تارك أصلا من أصولك" وقوله: "وقد كنت"، وقوله: "أولى من غيرك؛ لأنك أنت تجعل اللبن"، وقوله: "وغيرك".

стр. 5792

بيان الفساد المذكور أن النبي ﵇ قد روي عنه أنه قال: "الخراج بالضمان"، وفي رواية: "الغلة بالضمان" يريد بالخراج ما يحصل من غلة العين المبتاعة عبدًا كان أو أمة أو مُلكًا، وذلك أن تشتريه فتستغله زمانا ثم تعثر منه على عيب قد ثم لم يطلعه البائع عليه، أو لم يعرفه، فله رد العين المبيعة وأخذ الثمن، ويكون للمشتري ما استغله؛ لأن المبيع لو كان تلف في يده لكان من ضمانه، ولم يكن له على البائع شيء، ومعنى قوله: "الغلة بالضمان" مثل معنى قوله: "الخراج بالضمان"، والغلة الدخل الذي يحصل من الزرع والتمر واللبن والإجارة والنتاج، والباء في قوله "بالضمان" للسببية، ومتعلقها محذوف تقديره: الخراج مستحق بسبب الضمان، والغلة مستحقة بسبب الضمان، ومحل الباء رفع على الخبرية، وقوله "الخراج" مبتدأ وكذا قوله "الغلة". ثم إن هؤلاء قد زعموا أن رجلاً لو اشترى شاه فحلبها ثم أصاب بها عيبا غير التحفيل والتصرية أنه يردها ويكون اللبن له، وكذلك لو اشترى جارية مثلًا فولدت عنده، ثم ردها على البائع لعيب وجد بها، يكون الولد له. قالوا: لأن ذلك من الخراج الذي جعله النبي ﵇ للمشتري بالضمان، فإذا كان الأمر كذلك فالصاع من التمر الذي يوجبه هؤلاء على مشتري المصراة إذا ردها على بائعها بسبب التصرية والتحفيل، لا يخلو إما أن يكون عوضًا من جميع اللبن الذي احتلبه منها الذي كان بعضه في ضرعها وقت البيع وحدث بعض في ضرعها بعد البيع. وإما أن يكون عوضا عن اللبن الذي كان في ضرعها وقت وقوع البيع خاصة. فإن أرادوا الوجه الأول فقد ناقضوا أصلهم الذي جعلوا به اللبن والولد للمشتري بعد الرد بالعيب في الصورتين اللتين ذكرناهما، وذلك لأنهم جعلوا حكمهما كحكم الخراج الذي جعله النبي ﷺ للمشتري بالضمان.

стр. 5793

وإن أرادوا الوجه الثاني، فقد جعلوا للبائع صاعًا دينا بلبن دين، وهذا غير جائز لا في قولهم ولا في قول غيرهم فأي المعنيين أرادوا فهم فيه تاركون أصلاً من أصولهم، وقد كان هؤلاء أولى بالقول بنسخ الحكم في المصراة؛ لكونهم يجعلون اللبن في حكم الخراج، وغيرهم لا يجعلون كذلك؛ فظهر من ذلك فساد كلامهم وفساد ما ذهبوا إليه. فإن قيل: لا نسلم أن يكون اللبن في حكم الخراج، لأن اللبن ليس بغلة وإنما كان محفلا فيها، فلزم رده. قلت: هذا ممنوع؛ لأن الغلة هي الدخل الذي يحصل على ما ذكرنا، وهو أعم من أن يكون لبنا أو غيره، وأيضًا يلزمهم على هذا أن يقولوا: برد عوض اللبن إذا ردَّ المصراة بعيب آخر غير النصرية؛ ولم يقولوا به. فإن قيل: هذا حكم خاص في نفسه، وحديث الخراج بالضمان عام، والخاص يقضي على العام. قلت: هذا زعمك وإنما الأصل ترجيح العام على الخاص في العمل به، ولهذا رجحنا قوله ﵇: "ما أخرجت الأرض ففيه العشر" على الخاص الوارد بقوله: "ليس في الخضروات صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" وأمثال ذلك كثيرة. ثم إنه أخرج حديث عائشة ﵂ من خمس طرق: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني، عن مخلد -بفتح الميم وسكون الخاء- ابن خفاف -بضم الخاء المعجمة وتخفيف الفاء- ابن أيماء الغفاري، عن عروة بن الزبير بن العوام، عن عائشة ﵂.

стр. 5794

وأخرجه أبو داود (١): ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن مخلد بن خفاف، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "الخراج بالضمان". الثاني: عن صالح بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي شيخ البخاري ومسلم وأبي دواد، عن ابن أبي ذئب ... إلى آخره. وأخرجه الترمذي (٢): نا محمد بن [المثنى] (٣) قال: نا عثمان بن عمرو وأبو عامر العقدي، عن ابن أبي ذئب، عن مخلد بن خفاف، عن عروة، عن عائشة: "أن رسول الله ﵇ قضى أن الخراج بالضمان". وأخرجه النسائي (٤): عن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس ووكيع، كلاهما عن ابن أبي ذئب، عن مخلد بن خفاف ... إلى آخره نحوه. وهذان الطريقان حسنان جيدان. فإن قيل: كيف تقول هذا، وقد قال أبو حاتم: مخلد بن خفاف روى عن عروة عن عائشة: حديث "الخراج بالضمان" روى عنه ابن أبي ذئب ولم يرو عنه غيره. وليس هذا إسنادا تقوم بمثله الحجة. وقال ابن عدي: لا يعرف له غير هذا الحديث. وذكره ابن الجوزي في كتاب "الضعفاء"، وقال: قال الأزدي: ضعيف. وقال البخاري: هذا حديث منكر، ولا أعلم لمخلد بن خفاف غير هذا الحديث؟! قلت: ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الترمذي: بعد أن أخرج هذا الحديث عنه: هذا حديث حسن، وأشار الطحاوي أيضًا إلى تحسينه وقبوله، بقوله: "فتلقى العلماء هذا الخبر بالقبول".

стр. 5795

الثالث: عن محمد بن خزيمة، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن مسلم -المعروف بالزنجي- بن خالد بن قرقرة المكي شيخ الشافعي، عن هشام بن عروة ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي (١): من حديث الزنجي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "أن رجلاً اشترى غلاما في زمن النبي ﵇ وفيه عيب لم يعلم به، فاستغله ثم علم بالعيب فرده، فخاصمه إلى النبي ﵇، فقال: يا رسول الله، إنه استغله منذ زمان، فقال رسول الله ﵇: الغلة بالضمان"، وفي رواية يحيى بن يحيى عن الزنجي: "الخراج بالضمان". الرابع: عن ربيع بن سليمان الجيزي الأعرج شيخ أبي داود والنسائي، عن مطرف بن عبد الله المديني شيخ البخاري، عن مسلم الزنجي، عن هشام بن عروة ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٢): نا إبراهيم بن مروان الدمشقي، قال: ثنا أبي، قال: نا مسلم بن خالد الزنجي، قال: ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "أن رجلاً ابتاع غلاما فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد عيبا، فخاصمه إلى النبي ﵇ فرد عليه، فقال الرجل: يا رسول الله، قد استغل غلامي، فقال رسول الله ﵇: "الخراج بالضمان". الخامس: عن صالح بن عبد الرحمن، عن عبد الملك بن عبد العزيز ... إلى آخره. وأخرجه أحمد (٣) وابن ماجه (٤) والبزار كلهم من حديث الزنجي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة نحوه.

стр. 5796

وهذه الطرق الثلاثة ضعيفة لأن فيها مسلم بن خالد الزنجي وهو ضعيف، وقال البخاري: هو ذاهب الحديث. وقال ابن المديني: ليس بشيء. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال أبو داود ويحيى: ضعيف. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. وإنما سمي زنجيا لأنه كان شديد السواد، قاله سويد بن سعيد، وقال عبد الرحمن ابن أبي حاتم: الزنجي إمام في الفقه والعلم، وكان أبيض مشربا بالحمرة، وإنما لقب بالزنجي لمحبته التمر، فقالت له جاريته: ما أنت إلا زنجي؛ لأكل التمر، فبقي عليه هذا اللقب والله أعلم. ثم إن الشافعي: استدل به أن كل ما حدث من غلة أو نتاج في ملك المشتري فهو للمشتري لا يرد من ذلك شيئًا، إذا رد المبيع لأجل العيب، وبه قال مالك: إلا في النتاج خاصة؛ فإنه يرده مع الأمهات، وقال أصحابنا في الدار والدابة والعبد: له الغلة ويرد بالعيب، وفي النخل والشجر والماشية: يرجع بالأرش ولا يرد، واختلفوا في المبيع إذا كانت جارية فوطئها ثم وجد بها عيبًا، فقال أصحابنا تلزمه ويرجع بأرش العيب. وقال ابن أبي ليلى: يردها ويرد معها مهر مثلها. وقال مالك يردها إن كانت ثيبا ولا يرد معها شيئًا، وإن كانت بكرًا فعليه ما نقص من ثمنها، وقال الشافعي: ترد الثيب ولا شيء عليه، ولا ترد البكر ويرجع بما نقصها العيب من أجل الثمن. وقاس أصحابنا الغصب على البيوع من أجل أن ضمانها على الغاصب، ولم يجعلوا عليه رد الغلة، واحتجوا بعموم الحديث. وقال الخطابي: والحديث إنما جاء في البيع وهو عقد يكون بين المتتابعين بالتراضي، وليس الغصب بعقد عن تراض من المتعاقدين، وإنما هو عدوان، وأصله وفرعه سواء في وجوب الرد، ولفظ الحديث مبهم لأن قوله: "الخراج بالضمان" يحتمل أن يكون معناه أن يملك الخراج بضمان الأصل، ويحتمل أن يكون

стр. 5797

المعنى أن ضمان الخراج بضمان الأصل، واقتضاء العموم من اللفظ المبهم ليس بالبين، والحديث في نفسه ليس بالقوي إلا أن الأكثر استعملوه في البيوع والأحوط أن يتوقف عنه فيما سواه. قلت: ذهل الخطابي عن قولهم: العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب وقوله: "واقتضاء العموم ... " إلى آخره. غير سديد؛ لأنه يلزم أن تكون كذلك سائر الألفاظ العامة المحتملة للمعنيين أو المعاني، وليس كذلك. فافهم. ***

стр. 5798

ص: باب: بيع الثمار قبل أن تتناهى ش: أي هذا باب في بيان حكم بيع الثمار قبل تناهيها وبدو صلاحها. ص: حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد، قال: أخبرني يونس بن يزيد، قال: حدثني نافع، أن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ ينهى عن بيع الثمر واشتراؤه حتى يبدو صلاحه". حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا عبد العزيز بن عبد الله ابن أبي سلمة (ح). وحدثنا يزيد، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا الليث، قال: حدثني عقيل، قالا جميعًا: عن ابن شهاب (ح). وحدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﵇ قال: "لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه". حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ أنه قال: "لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه". حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء -هو الغداني- قال: أنا شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﵇ مثله، وزاد: "فكان إذا سئل عن صلاحها، قال: حتى تذهب عاهتها". حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن عثمان بن عبد الله بن سراقة، عن ابن عمر، عن النبي ﵇: "أنه نهى عن بيع الثمار حتى تذهب العاهة، قال: قلت: متى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: طلوع الثريا".

стр. 5799

ش: هذه سبع طرق صحاح: الأول: عن نصر بن مرزوق، عن أبي زرعة ... إلى آخره. وهذا الحديث أخرجه الجماعة (١) بألفاظ مختلفة وأسانيد متغايرة. الثاني: عن يزيد بن سنان القزاز، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃، عن النبي ﵇. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢) من حديث موسى بن داود، ثنا عبد العزيز الماجشون، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: "نهى رسول الله ﵇ عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه". الثالث: عن يزيد بن سنان أيضًا، عن أبي صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث بن سعد، عن عُقَيل -بضم العين- ابن خالد الأيلي، عن ابن شهاب الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﵇. الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم عن عبد الله بن وهب المصري، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب الزهري ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (٣): أنا قتيبة بن سعيد، ثنا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﵇: "نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه".

стр. 5800

الخامس: عن نصر بن مرزوق ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (١): نا يحيى بن يحيى ويحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر -قال يحيى بن يحيى: أنا. وقال الآخرون-: ثنا إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله ابن دينار، أنه سمع ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه". السادس: عن محمد بن خزيمة ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (٢) أيضًا: نا زهير بن حرب، قال: نا عبد الرحمن، عن سفيان. ونا ابن مثنى، نا محمد بن جعفر، قال: نا شعبة، كلاهما عن عبد الله بن دينار، أنه سمع ابن عمر ... بهذا الإسناد. وزاد في حديث شعبة: "فقيل لابن عمر: ما صلاحه؟ قال: تذهب عاهته". السابع: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي وشيخ أبي داود والنسائي وابن ماجه، عن خالد بن عبد الرحمن الخراساني شيخ يحيى بن معين، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني، عن عثمان بن عبد الله بن سراقة بن المعتمر القرشي العدوي المدني، عن خاله عبد الله بن عمر، عن النبي ﵇. وأخرجه البيهقي في "سننه الكبير" (٣) من حديث ابن أبي ذئب، عن عثمان بن عبد الله بن سراقة، عن ابن عمر: "نهى رسول الله ﵇ عن بيع الثمار حتى يؤمن عليها العاهة، قيل: ومتى ذلك يا عبد الرحمن؟ قال: إذا طلعت الثريا". قوله: "حتى يبدو صلاحه" وبدو صلاح الثمر يتفاوت بتفاوت الأثمار، فبدو صلاح التين أن يطيب وتوجد فيه الحلاوة ويظهر السواد في أسوده والبياض

стр. 5801

في أبيضه، وكذلك العنب الأسود بدو صلاحه أن ينحو إلى السواد، وأن ينحو أبيضه إلى البياض مع النضج، وكذلك الزيتون بدو صلاحه أن ينحو إلى السواد، وبدو صلاح القثاء والفقوص أن ينعقد ويبلغ مبلغا يوجد له طعم، وأما البطيخ فإنه ينحو ناحية الاصفرار والطيب. وروى أصبغ عن أشهب: بدو صلاح البطيخ أن يؤكل فقوصا، قال أصبغ: فقوصا قد تهيأ ليتسطح. وأما الموز فروى أشهب وابن نافع عن مالك: أنه يباع إذا بلغ في شجره قبل أن يطيب، فإنه لا يطيب حتى ينزع. وأما الجزر واللفت والفجل والثوم والبصل فبدو صلاحه إذا استقل ورقه وتم وانْتُفِعَ به، ولم يكن في قلعه فساد. وقصب السكر إذا طاب ولم يكن كسره فسادًا والبر والفول والجلبان والحمص والعدس إذ يَبُس ذلك، والورد والياسمين وسائر الأنوار أن تتفتح كمامه ويظهر نَوْره، والقصيل والقصب والقرطم إذا بلغ أن يرعى دون فساد. قوله: "حتى تذهب عاهتها" أي الآفة التي تصيبها فتفسدها، يقال: عاه القوم، وأعوهوا إذا أصابت ثمارهم وماشيتهم العاهة، وفي "شرح الموطأ" لابن زرقون: الإزهاء في ثمر النخل أن تبدو فيها الحمرة والصفرة، وهو بدو الصلاح، وبذلك ينجو من العاهة، وذلك بعد أن تطلع الثُّرَيَّا مع طلوع الفجر في النصف الأخير من شهر بابه الأعجمي، ويقال: طلوعها صباحا عند أهل العلم بها لاثني عشرة ليلة تمضي لأيار وهو بابه، وحينئذ يبدو صلاح الثمار بالحجاز، والثريا النجم المعروف، وهو تصغير ثروى. فافهم. ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا زكرياء بن إسحاق، قال: ثنا عمرو بن دينار، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "نهى رسول الله ﵇ عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه".

стр. 5802

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، عن سليم بن حيان، قال: ثنا سعيد ابن ميناء، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "نهى رسول الله ﵇ عن بيع الثمار حتى تُشْقِح، فقيل لجابر: فما تُشْقِح؟ [قال] (١): تحمر وتصفر، يؤكل منها". ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن علي بن معبد بن نوح المصري الثقة ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (٢): نا أحمد بن عثمان النوفلي، قال: ثنا أبو عاصم. وحدثني محمد بن حاتم -واللفظ له- قال: ثنا روح، قال: ثنا زكرياء بن إسحاق، قال: ثنا عمرو بن دينار، أنه سمع جابر بن عبد الله ﵁ يقول: "نهى رسول الله ﵇ عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه". الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن سَلِيم -بفتح السين وكسر اللام- ابن حَيَّان -بفتح الحاء المهملة وتشديد إلياء آخر الحروف- ابن بسطام الهذلي البصري، عن سعيد بن ميناء المكي، عن جابر ﵁. وأخرجه أبو داود (٣): ثنا أبو بكر محمد بن خلاد الباهلي، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سليم بن حيان، قال: حدثني سعيد بن ميناء، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: "نهى رسول الله ﵇ أن تباع الثمرة حتى تُشْقِح؟ قيل: وما تشقح؟ قال: تحمار وتصفار، ويؤكل منها". وأخرجه البخاري (٤) ومسلم (٥) أيضًا.

стр. 5803

قوله: "حتى تُشْقِح" من الإشقاح والتشقيح أيضًا، يقال: اشقحت البسرة، وشَقَّحت إشقاحا وتشقيحا، والاسم الشُّقْحَة، وقد فسره في الحديث بقوله: "أن تحمر أو تصفر". ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن وربيع الجيزي، قالا: ثنا عبد الله بن مسلمة، قال: ثنا خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت، عن أبي الرجال، عن أمه عمرة، عن عائشة ﵂: "أن رسول الله ﵇ نهى عن بيع الثمار حتى تنجو من العاهة". ش: عبد الله بن مسلمة القعنبي شيخ الشيخين وأبي داود. وخارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت الأنصاري النجاري، أبو ذر المدني، وقد ينسب إلى جده، فيه مقال، فعن أحمد: ضعيف الحديث. وعن ابن معين: ليس به بأس. وقال أبو داود: شيخ. روى له الترمذي والنسائي. وأبو الرجال -بالجيم- محمد بن عبد الرحمن بن حارثة بن النعمان الأنصاري النجاري المدني، قال أبو داود والنسائي وابن حبان: ثقة. وروى له غير أبي داود والترمذي. وأمه عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، ثقة تابعية، روى لها الجماعة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا الحكم، نا عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن أبيه، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي ﵇ قال: "لا تبيعوا ثماركم حتى يبدو صلاحها، وتنجو من العاهة". ص: حدثنا محمد بن سليمان الباغندي، قال: ثنا إبراهيم بن حميد الطويل، قال: ثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن خارجة بن زيد، عن زيد بن ثابت: "أن رسول الله ﵇ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها".

стр. 5804

ش: محمد بن سليمان بن الحارث الباغندي الواسطي، قال الدارقطني: لا بأس به. وإبراهيم بن حميد الطويل وثقة أبو حاتم الرازي وكتب عنه، وصالح بن أبي الأخضر اليمامي فيه مقال، فعن يحيى بن معين: بصري ضعيف. وعنه: ليس بشيء. وقال أبو زرعة والنسائي: ضعيف الحديث. وروى له الأربعة. والزهري هو محمد بن مسلم، وخارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري النجاري المدني، أحد الفقهاء السبعة، روى له الجماعة. والحديث أخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا العباس بن الفضل الأسفاطي، ثنا إبراهيم بن حميد الطويل، ثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، عن النبي ﵇ قال: "لا تبيعوا الثمر حتى تطلع الثريا، ويبدو صلاحها". ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عمر بن يونس بن القاسم، قال: حدثني أبي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: "نهى رسول الله ﵇ بيع المحاقلة والمزابنة والمخاضرة والملامسة والمنابذة، قال عمر: فسَّر لي أبي في المخاضرة قال: لا ينبغي أن يُشترى شيء من ثمر النخل حتى يونع، يحمر أو يصفر". ش: هذا إسناد صحيح ورجالة ثقات. وأخرجه البخاري (٢) نحوه. غير أنه ليس فيه قال عمر ... إلى آخره. و"المحاقلة" هي اكتراء الأرض بالحنطة هكذا جاء مفسرًا في الحديث، وهو الذي يسميه الزرَّاعون المحارثة.

стр. 5805

وقيل: هي المزارعة على نصيب معلوم كالثلث والربع ونحوهما. وقيل: هي بيع الطعام في سنبله بالبر. وقيل: هي بيع الزرع قبل إدراكه، وهي مفاعلة من الحقل وهو الزرع إذا تشعب قبل أن يغلظ سوقه، وقيل: هو من الحقل، وهي الأرض التي تزرع، ويسميه أهل العراق: القراح. وفي "الموطأ" (١): "نهى رسول الله ﵇ عن المزابنة والمحاقلة، والمزابنة: اشتراء التمر بالتمر في رءوس النخل، والمحاقلة: كراء الأرض بالحنطة، وفي "شرح الموطأ" لابن زرقون: معنى قوله: "المحاقلة: كراء الأرض بالحنطة" أنه يؤول إلى بيع الحنطة بالحنطة، جزافًا بجزافٍ، أو جزافًا بمكيل. وقال صاحب "العين": المحاقلة: بيع الزرع قبل بدو صلاحه، وقال سفيان: المحاقلة: بيع السنبل في الزرع بالحب. وأما "المزابنة": فقال ابن الأثير: هي بيع الرطب في رءوس النخل، بالتمر، وأصله من الزَّبن وهو الدفع، كأن كل واحد من المتبايعين يزبن صاحبه عن حقه بما يزداد منه. وفي "شرح الموطأ": المزابنة اسم لبيع رطب كل جنس بيابسه ومجهول منه بمعلوم، ولعله مأخوذ من الزبن وهو الدفع عن البيع الشرعي، وعن معرفة التساوي. وقال ابن حبيب: الزبن والزبان هو الخطر والخطار، وقال مالك: "نهى رسول الله ﵇ عن المزابنة، وتفسيرها: أنها كل شيء من الجزاف الذي لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده بيع بشيء من الكيل أو الوزن أو العدد، مثل أن يكون لرجل صبرة طعام حنطة أو تمر وشبه ذلك أو صبرة خبط أو نوى أو قصب أو عصفر أو كتان أو قزَّ لا يعلم كيل ذلك ولا وزنه ولا عدده، فيقول له رجل: كِل

стр. 5806

سلعتك هذه، أو زِنْ ما يوزن، أو اعدد ما يعدّ من ذلك، فما نقص من كذا فَعَلَيَّ غرمه وما زاد فلي، أضمن ما نقص على أن يكون لي ما زاد، فليس ذلك بيعا ولكنه مخاطرة أو قمار. قال: ومن ذلك أن يكون له ثوب فيقول له رجل أضمن لك من ثوبك هذا كذا وكذا ظهارة، قدر كل ظهارة كذا أو يقول لرجل له جلود: أضمن لك من جلودك هذه نعالًا مائة، فما ينقص من ذلك كله فَعَلَيّ، وما زاد فلي، بما ضمنت لك، ومثله أن يقول لرجل له حب البان: اعصر حبك، فما نقص من كذا وكذا رطلا فعلي أن أعطيكه وما زاد فهو لي، أو يقول لرجل له خبط أو نوى أو غير ذلك: أبتاع منك هذا الخبط بخبط مثله، أو هذا النوى بكذا وكذا صاعًا من نوى مثله، أو في غير ذلك مثل هذا. فهذا كله من المزابنة التي لا تصح ولا تجوز، وقال الشافعي: المزابنة الجزاف بالمكيل، والجزاف بالجزاف فيما لا يجوز بعضه ببعض متفاضلاً، يدًا بيدٍ ونحوه نقل عن أحمد، وقال أصحابنا: المزابنة: بيع الرطب على النخل بتمر مجزوز مثل كيله خرصًا وهو بيع فاسد، وقال الشافعي: يجوز فيما دون خمسة أوسق، وبه قال أحمد، وله في الخمسة قولان، وفي الزائد يبطل قولاً واحدًا. قوله: "والمخاضرة" بالخاء والضاد المعجمتين، وهي بيع الثمار خاضرًا لم يبد صلاحها. وقال أبو عمر: المزابنة عام؛ لأنها تطلق على اشتراء التمر بالتمر، وعلى اشتراء الزرع بالحنطة، وعلى بيع تمر حائط إن كان نخلا بتمر كيلا، وإن كان كرما بزبيب كيلا، وإن كان زرعا بكيلٍ طعاما، والمحاقلة خاص في الزرع، والمخاضرة خاص في الخضرة. قوله: "والملامسة" وهي أن يقول إذا لمست ثوبي أو لمست ثوبك فقد وجب البيع، وقيل: هو أن يلمس المباع من وراء ثوب ولا ينظر إليه ثم يوقع البيع عليه، نهى عنه؛ لأنه غرر، أو لأنه تعليق أو عدول عن الصيغة

стр. 5807

الشرعية، وقيل: معناه أن يجعل اللمس بالليل قاطعا للخيار ويرجع ذلك إلى تعليق اللزوم، وهو غير نافذ، وقال مالك في "الموطأ" (١): والملامسة: أن يلمس الرجل الثوب ولا ينشره ولا يتبين ما فيه، أو يبتاعه ليلاً ولا يعلم ما فيه. قوله: "والمنابذة" وهي أن يقول الرجل لصاحبه: انبذ إلي الثوب أو أنبذه إليك فيجب البيع، وقيل: هي أن يقول: إذا نبذت إليك الحصاة فقد وجب البيع فيكون البيع معاطاة من غير عقد ولا يصح، يقال: نبذت الشيء انبذه نبذا، فهو منبوذ إذا رميته وأبعدته. وقال مالك (١): المنابذة أن ينبذ الرجل إلى الرجل ثوبه، وينبذ الآخر إليه ثوبه، على غير تأمل منهما، ويقول كل واحد منهما هذا بهذا. وقال أصحابنا: كانت بيع الملامسة والمنابذة وبيع الحصاة بيوعا للجاهلية، فنهى رسول الله ﵇ عن ذلك. وبيع الحصاة أن تكون ثياب مبسوطة فيقول المبتاع للبائع: أي ثوب من هذه وقعت عليه الحصاة التي أرمي بها فهو لي بكذا، فيقول البائع: نعم. فهذا كله وما كان مثله غرر وقمار. قوله: "وحتى يونع" من أينع الثمر ويُونِع ويَنَعَ، يَيْنع وينع فهو مُونِع ويَانِع، إذا أدرك ونضج، وأَيْنَعَ أكثر استعمالا. قوله. "يحمر أو يصفر" تفسير لقوله يونع. ص: حدثنا إبراهيم بن محمد أبو بكر الصيرفي، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس، قال: "نهى رسول الله ﵇ عن بيع الثمرة حتى تزهو، وعن العنب حتى يسود، وعن الحب حتى يشتد".

стр. 5808

حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس: أن النبي ﷺ نهى عن بيع النخل حتى تزهو فقلت لأنس: وما زهوها؟ قال: تحمر وتصفر، أرأيت إن منع الله الثمرة، بم يستحل أحدكم مال أخيه؟ ". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الله بن بكر، قال: ثنا حميد، عن أنس، قال: "نهى رسول الله ﵇ عن بيع ثمرة النخل حتى تزهو، قيل له: ما تزهو؟ قال: تحمر وتصفر". حدثنا فهد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني يحيى بن أيوب، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: لا تتبايعوا الثمار حتى تزهو، قلنا: يا رسول الله، وما تزهو؟ قال: تحمر أو تصفر، أرأيت إن منع الله الثمرة، بم يستحل أحدكم مال أخيه؟ " ش: هذه أربع طرق أخرى عن أنس، وهي أيضًا صحاح: الأول: عن إبراهيم، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): أنا عبد الله بن عبد الرحمن الحرضي، أنا أبو بكر بن مقسم المقرئ، ثنا موسى بن الحسن، ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أنا حميد، عن أنس: "أن رسول الله ﵇ نهى عن بيع الثمرة حتى تزهو، وعن بيع الحب حتى يشتد، وعن بيع العنب حتى يسود". الثاني: عن نصر بن مرزوق ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣) من حديث إسماعيل، عن حميد، عن أنس، نحوه.

стр. 5809

الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١) نحوه. الرابع: عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن صالح شيخ البخاري ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣) من حديث مالك، عن حميد، عن أنس، نحوه. وكذا أخرجه النسائي (٤): عن محمد بن سلمة، عن ابن القاسم، عن مالك. قوله: "حتى يزهو" وفي رواية: "حتى يزهى" يقال: زها النخل يزهو، إذا ظهرت ثمرته، وأزهى يزهي إذا احمر واصفر، وقيل هما بمعنى الاحمرار والاصفرار، ومنهم من أنكر يزهو، ومنهم من أنكر يزهي. وقال ابن حبيب: لثمرة النخل سبع درجات، الطلع ثم يتفتح الزهر عنه فيكون إغريضًا ثم يذهب عنه بياض الإغريض ويعظم حبَّه وتعلوه خضرة فيكون بلحًا، ثم تعلو الخضرة حمرة فيكون زهوًا، ثم يصفر فيكون بسرًا، ثم تعلو الصفرة كدرة وتنضج الثمرة فتكون رطبا، ثم ييبس فيكون تمرًا". قوله: "حتى يزهو" غاية النهي، فإذا وقع الزهو، وقعت الإجازة على الإطلاق بخلاف ما قبل الزهو، فإنه نهى عن ذلك أيضًا مطلقا، ولم تجر في ذلك عادة واضحة، فوقع الاضطراب لذلك. ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني سعيد وأبو سلمة، أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه".

стр. 5810

ش: إسناده صحيح ورجاله كلهم رجال الصحيح، ويونس الأول هو ابن عبد الأعلى، والثاني هو ابن يزيد الأيلي، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري وسعيد هو ابن المسيب، وأبو سلمة هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف. والحديث أخرجه مسلم (١): حدثني أبو الطاهر وحرملة -واللفظ لحرملة- قالا: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس [عن ابن شهاب] (٢) قال: حدثني سعيد ابن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "لا تبتاعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبتاعوا الثمر بالتمر". وأخرجه النسائي (٣) أيضًا. وهذا كما رأيت قد أخرج الطحاوي أحاديث هذا الفصل عن ستة من الصحابة ﵁، وهم: عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وعائشة أم المؤمنين وزيد بن ثابت وأنس بن مالك وأبو هريرة ﵃. ولما أخرج الترمذي (٤) حديث ابن عمر في هذا الباب قال: وفي الباب عن أنس وعائشة وأبي هريرة وابن عباس وجابر وأبي سعيد وزيد بن ثابت ﵃. قلت: لم يَفُت الطحاوي ممن ذكرهم إلا حديث أبي سعيد. وأما حديث ابن عباس فأخرجه الطحاوي في هذا الباب على ما يأتي إن شاء الله تعالى. وأما حديث أبي سعيد فأخرجه عبد الله بن أحمد في "مسنده" (٥): ثنا أبي، قال: ثنا حسن، قال: ثنا ابن لهيعة، نا ابن هبيرة، عن حنش بن عبد الله، عن

стр. 5811

أبي سعيد الخدري -قال أبي: ليس مرفوعا- قال: "لا يصلح السلف في القمح والشعير والسلت حتى يفرك، ولا في العنب والزيتون وأشباه ذلك حتى يمجج، ولا ذهبا عينا بورق دينا، ولا ورق دينا بذهب عينا". قوله: "حتى يمجج" من قولهم مَجَّج العنب يُمَجِّج إذا طاب وصار حلوا، ومنه الحديث: "لا تبع العنب حتلى يظهر مججه" أي بلوغه. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذه الآثار، فزعموا أن الثمار لا يجوز بيعها في رءوس النخل حتى تحمر أو تصفر. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الثوري وابن أبي ليلي والشافعي ومالكا وأحمد وإسحاق، فإنهم قالوا: لا يجوز بيع الثمار في رءوس النخل حتى تحمر أو تصفر. وفي "شرح الموطأ" لابن زرقون: وإذا وقع بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بشرط الجد فلا خلاف في جوازه، وإن شرط التبقية فلا خلاف في منعه إلا ما روي عن يزيد بن أبي حبيب في العريَّة، وإن أطلق البيع فالمشهور عن مالك منعه، وبه قال الشافعي. وروى ابن القاسم عن مالك في البيوع الفاسدة من "المدونة": جوازه ويكون مقتضاه الجذ وبه قال أبو حنيفة، ولا يباع الزرع إذا أفرك ولا الفول إذا اخضر، ولا الحمص ولا الجلبان إلا بشرط القطع؛ لأن المقصود منه اليبس، وإنما يؤكل اليسير أخضر كما يؤكل البلح، وعل هذا عندي حكم الجوز واللوز والفستق، فإن بيع الفول أو الحنطة أو العدس أو الحمص على الإطلاق قبل يبسه وبعد أن أفرك، فقال ابن عبد الحكم: يفسخ كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وروى يحيى عن ابن القاسم يفوت باليبس ويمضي. وقال مالك في "المدونة": أكرهه، فإذا وقع وفات فلا أرى أن يفسخ، قال أبو محمد: معناه يفوت بالقبض، وروى محمد عن مالك: إن ترك لم أفسخه، وظاهره أنه يمضي بنفس العقد وإذا كانت النخل في جهة واحدة، فبدا الصلاح

стр. 5812

في نخلة منها؛ جاز بيع ذلك الصنف كله، وكذلك إذا بدا صلاح نوع؛ جاز بيع سائر أنواع ذلك الجنس مما يقرب منه في بدو الصلاح، وإن لم يبد صلاح تلك الأنواع. وقال مالك: لا يجوز بيع التين بطيب الباكور منه حتى يطيب أول تين العصير، ويكون طيبه متتابعا. وقال ابن القاسم عن مالك: لا بأس أن يباع الحائط، وإن لم يره إذا أزهى ما حوله، وكان الزمن قد أمنت فيه العاهة -يعني بطلوع الثريا- وقال ابن القاسم: أحب إلى أن لا يبيعه حتى يزهي؛ لنهيه ﵇ عن ذلك، ولا أراه حراما، وقال أيضًا في "شرح الموطأ": ولا يباع جنس من الثمار ببدو صلاح جنس آخر، خلافا لليث بن سعد، وإذا بدا صلاح نخلة في حائط جاز بيعه وبيع ما حواليه من الحوائط مما يكون كحاله في التبكير والتأخير خلافًا لمطرف من أصحابنا وللشافعي، ولا خلاف أنه لا يجوز أن تفرد الحنطة في سنبلها بالشراء دون السنبل، وكذلك الجوز واللوز والباقلاء لا يجوز أن يفرد بالبيع دون قشره على الجزاف ما دام فيه، وأما شراء السنبل إذا يبس ولم ينقعه الماء فجائز، وكذلك الجوز والباقلاء، وقال الشافعي: لا يجوز بيع شيء من ذلك. وقال مالك: الأمر عندنا في بيع البطيخ والقثاء والخربز والجزر أن بيعه إذا بدا صلاحه حلال جائز، ثم يكون للمشتري ما نبت حي ينقطع ثمره ويهلك، وليس في ذلك وقت يوقت؛ وذلك أن وقته معروف عند الناس، وربما دخلته العاهة فقطعت ثمرته قبل أن يأتي ذلك الوقت، فإذا دخلته العاهة بجائحة تبلغ الثلث فصاعدا كان ذلك موضوعا عن الذي ابتاعه. ثم قال ابن زرقون: هذا قول مالك وأصحابه، وقال الشافعي والكوفيون وأحمد وإسحاق: لا يجوز بيع شيء من ذلك إلا بطَنَا بعد بطن، ولا يجوز بيع ما لم يخلق، ولا بيع ما خلق ولم تقدر على قبضه في حين البيع، ولا بيع ما خُلق وقُدر

стр. 5813

عليه إذا لم ينظر إليه قبل العقد، وكذلك بيع كل مغيب في الأرض مثل الجزر والبصل. وفي "الاستذكار" لابن عبد البر: ما يباع من هذا فعلى ثلاثة أضرب: ضرب تتميز بطونه ولا تتصل كشجر التين والنخيل والورد والياسمين والتفاح والرمان والجوز؛ فهذا الايباع ما لم يظهر من بطونه بظهور ما ظهر منها، وبدا صلاحه، وحكم كل بطن منها مختص به. وضرب تتميز بطونه ويتصل كالقصيل والقصب والقرط بإطلاق العقد في هذا يتناول ما ظهر منه دون ما لم يظهر، ويكون خلفته لمن له أصله لأنه لم يبعه أصله، ولذلك لا يجوز له تبقيته إلى أن يبدو صلاحه، فإن شرط المبتاع خلفته فروى محمد عن أشهب عن مالك فيها روايتين: إحداهما: أنه يجوز إذا كان لا يختلف وإن كان يختلف فلا أحب اشتراطها. والثانية: أنه قال: ما هذا عندي بحسن؛ لأنها مختلفة. وضرب لا تتميز بطونه ولكنه يتصل فيتقدر بالزمان كالمياه وألبان الغنم، وأما الموز فقال محمد بن سلمة يباع سنين كألبان الغنم يباع إذا ولدت شهرا أو شهرين، وأما الجميز فقال محمد عن مالك: إن كان نباته متصلا فهو مثل المقاتي، وإن كان منفصلا فلا خير فيه والسدر كذلك. وفي "شرح الموطأ" وفي نهيه ﵇ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها دليل على جواز بيعها بعد ذلك في رءوس الأشجار وإن لم تصرم. وعك ذلك جماعة العلماء، وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن وعكرمة: لا يجوز بيع الثمرة في رءوس الشجر قبل أن تصرم. وفي "المحلى" (١) لابن حزم: فإذا سنبل الزرع لا يحل بيعه أصلا على القطع ولا على الترك إلا حتى يشتد، فإذا اشتد حل بيعه حينئذ، وروى ذلك عن

стр. 5814

الحسن وابن سيرين وعكرمة أيضًا، قال: ومنع أبو حنيفة ومالك والشافعي من بيع القصيل حتى يصير حبا يابسًا. وقال سفيان الثورى وابن أبي ليلى: لا يجوز بيع القصيل لا على القطع ولا على الترك، واختلفوا إن ترك الزرع فزاد، فقال مالك: يفسخ البيع جملة. وقال أبو حنيفة: للمشتري المقدار الذي اشترى ويتصدق بالزيادة، وروي عنه أنه رجع فقال: للمشتري المقدار الذي اشترى، وأما الزيادة فللبائع. وقال الشافعي: البائع غير بين أن يدع له الزيادة فيجوز البيع والهبة معا أو يفسخ البيع. وقال أبو سليمان: الزيادة للمشتري مع ما اشترى. وقال ابن حزم أيضًا: ويجوز بيع ما ظهر من المقاثي وإن كان صغيرًا جدًّا؛ لأنه يؤكل، ولا يحل بيع ما لم يظهر بعد من المقاثي والياسمين والموز وغير ذلك، ولا جزة ثانية من القصيل؛ لأن كل ذلك بيع ما لم يخلق، ولعله لا يخلق، وإن خلق فلا يدري أحد غير الله ما كميته ولا ما صفاته؛ فهو حرام بكل وجه، وبيع غرر وأكل مال بالباطل. وأجاز مالك كل ذلك، وما نعلم له في تخصيص هذه الأشياء سلفًا ولا أحدًا قاله غيره قبله، ولا حجة، واحتج بعضهم باستئجار الطير، وهذا تحريف لكلام الله تعالى عن مواضعه، وأين الاستئجار من البيع، ثم أين اللبن المرتضع من القثاء والياسمين، وهم يحرمون بيع لبن شاة قبل حلبه، ولا يقيسونه على الطير، ثم يقيسون عليه بيع القثاء والموز والياسمين قبل أن يخلق. ومن طريق سعيد بن منصور: ثنا هشيم، أنا يونس بن عبيد، عن الحسن: "أن كره بيع الرطب جزتين". ومن طريق ابن أبي شيبة: نا شريك، عن المغيرة، عن إبراهيم النخعي والشعبي، قالا جميعًا: "لا بأس ببيع الرطاب جزة جزة". ومن طريق وكيع، عن يزيد بن عبد الله بن أبي بردة قال: "سألت عطاء عن بيع الرطبة جزتين، فقال: لا يصلح إلا جزة".

стр. 5815

ومن طريق وكيع عن محمد بن مسلم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "أنه كره بيع القصب والحناء إلا جزة، وكره بيع الخيار والحزبز إلا جنية". ومن طريق وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن ابن أشوع والقاسم: "أنهما كرها بيع الرطاب إلا جزة". وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وأبي سليمان وغيرهم. وقال الشيخ محي الدين: في "الروضة" (١): فإذا باع ثمرة لا كمام لها كالتين والعنب والكمثرى جاز، سواء باعها على الشجرة أو على الأرض، ولو باع الشعير أو السلت مع سنبله جاز بعد الحصاد وقبله؛ لأن حباته ظاهرة، ولو كان للثمر أو الحب كمام لا يزال إلا عند الأكل كالرمان والعلس فكمثل، وأما ما له كمامان يزال أحدهما ويبقى الآخر إلى وقت الأكل كالجوز واللوز والرانج فيجوز بيعه في القشر الأعلى مادام رطبا وبيع الباقلاء في القشر الأعلى فيه على هذا الخلاف، وادعى إمام الحرمين أن الظاهر فيه الصحة؛ لأن الشافعي أمر أن يشتري له الباقلاء الرطب. وقال النووي: المنصوص في "الأم": أنه لا يصح بيعه، وقال صاحب "التهذيب" وغيره: هو الأصح. وقطع به صاحب "التنبيه" هذا إذا كان الجوز واللوز والباقلاء رطبا، فإن بقي في قشره الأعلى فيبس؛ لم يجز بيعه وجهًا واحدًا، وقيل: يصح. ويصح بيع طلع النخل مع قشره في الأصح، وأما ما لا يرى حبه في سنبله كالحنطة والعدس والسمسم فما دام في سنبلة لا يجوز بيعه مفردًا عن سنبله قطعًا، ولا معه على الجديد الأظهر، كبيع تراب الصاغة، وكبيع الحنطة في تبنها، فإنه لا يصح قطعًا. وفي الأرز طريقان: المذهب أنه كالشعير فيصح بيعه في سنبله، وقيل: كالحنطة.
следующие страницы →