أبي سعيد الخدري -قال أبي: ليس مرفوعا- قال: "لا يصلح السلف في القمح والشعير والسلت حتى يفرك، ولا في العنب والزيتون وأشباه ذلك حتى يمجج، ولا ذهبا عينا بورق دينا، ولا ورق دينا بذهب عينا".
قوله: "حتى يمجج" من قولهم مَجَّج العنب يُمَجِّج إذا طاب وصار حلوا، ومنه الحديث: "لا تبع العنب حتلى يظهر مججه" أي بلوغه.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذه الآثار، فزعموا أن الثمار لا يجوز بيعها في رءوس النخل حتى تحمر أو تصفر.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الثوري وابن أبي ليلي والشافعي ومالكا وأحمد وإسحاق، فإنهم قالوا: لا يجوز بيع الثمار في رءوس النخل حتى تحمر أو تصفر.
وفي "شرح الموطأ" لابن زرقون: وإذا وقع بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بشرط الجد فلا خلاف في جوازه، وإن شرط التبقية فلا خلاف في منعه إلا ما روي عن يزيد بن أبي حبيب في العريَّة، وإن أطلق البيع فالمشهور عن مالك منعه، وبه قال الشافعي.
وروى ابن القاسم عن مالك في البيوع الفاسدة من "المدونة": جوازه ويكون مقتضاه الجذ وبه قال أبو حنيفة، ولا يباع الزرع إذا أفرك ولا الفول إذا اخضر، ولا الحمص ولا الجلبان إلا بشرط القطع؛ لأن المقصود منه اليبس، وإنما يؤكل اليسير أخضر كما يؤكل البلح، وعل هذا عندي حكم الجوز واللوز والفستق، فإن بيع الفول أو الحنطة أو العدس أو الحمص على الإطلاق قبل يبسه وبعد أن أفرك، فقال ابن عبد الحكم: يفسخ كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وروى يحيى عن ابن القاسم يفوت باليبس ويمضي.
وقال مالك في "المدونة": أكرهه، فإذا وقع وفات فلا أرى أن يفسخ، قال أبو محمد: معناه يفوت بالقبض، وروى محمد عن مالك: إن ترك لم أفسخه، وظاهره أنه يمضي بنفس العقد وإذا كانت النخل في جهة واحدة، فبدا الصلاح
стр. 5812
في نخلة منها؛ جاز بيع ذلك الصنف كله، وكذلك إذا بدا صلاح نوع؛ جاز بيع سائر أنواع ذلك الجنس مما يقرب منه في بدو الصلاح، وإن لم يبد صلاح تلك الأنواع.
وقال مالك: لا يجوز بيع التين بطيب الباكور منه حتى يطيب أول تين العصير، ويكون طيبه متتابعا.
وقال ابن القاسم عن مالك: لا بأس أن يباع الحائط، وإن لم يره إذا أزهى ما حوله، وكان الزمن قد أمنت فيه العاهة -يعني بطلوع الثريا- وقال ابن القاسم: أحب إلى أن لا يبيعه حتى يزهي؛ لنهيه ﵇ عن ذلك، ولا أراه حراما، وقال أيضًا في "شرح الموطأ": ولا يباع جنس من الثمار ببدو صلاح جنس آخر، خلافا لليث بن سعد، وإذا بدا صلاح نخلة في حائط جاز بيعه وبيع ما حواليه من الحوائط مما يكون كحاله في التبكير والتأخير خلافًا لمطرف من أصحابنا وللشافعي، ولا خلاف أنه لا يجوز أن تفرد الحنطة في سنبلها بالشراء دون السنبل، وكذلك الجوز واللوز والباقلاء لا يجوز أن يفرد بالبيع دون قشره على الجزاف ما دام فيه، وأما شراء السنبل إذا يبس ولم ينقعه الماء فجائز، وكذلك الجوز والباقلاء، وقال الشافعي: لا يجوز بيع شيء من ذلك.
وقال مالك: الأمر عندنا في بيع البطيخ والقثاء والخربز والجزر أن بيعه إذا بدا صلاحه حلال جائز، ثم يكون للمشتري ما نبت حي ينقطع ثمره ويهلك، وليس في ذلك وقت يوقت؛ وذلك أن وقته معروف عند الناس، وربما دخلته العاهة فقطعت ثمرته قبل أن يأتي ذلك الوقت، فإذا دخلته العاهة بجائحة تبلغ الثلث فصاعدا كان ذلك موضوعا عن الذي ابتاعه.
ثم قال ابن زرقون: هذا قول مالك وأصحابه، وقال الشافعي والكوفيون وأحمد وإسحاق: لا يجوز بيع شيء من ذلك إلا بطَنَا بعد بطن، ولا يجوز بيع ما لم يخلق، ولا بيع ما خلق ولم تقدر على قبضه في حين البيع، ولا بيع ما خُلق وقُدر
стр. 5813
عليه إذا لم ينظر إليه قبل العقد، وكذلك بيع كل مغيب في الأرض مثل الجزر والبصل.
وفي "الاستذكار" لابن عبد البر: ما يباع من هذا فعلى ثلاثة أضرب:
ضرب تتميز بطونه ولا تتصل كشجر التين والنخيل والورد والياسمين والتفاح والرمان والجوز؛ فهذا الايباع ما لم يظهر من بطونه بظهور ما ظهر منها، وبدا صلاحه، وحكم كل بطن منها مختص به.
وضرب تتميز بطونه ويتصل كالقصيل والقصب والقرط بإطلاق العقد في هذا يتناول ما ظهر منه دون ما لم يظهر، ويكون خلفته لمن له أصله لأنه لم يبعه أصله، ولذلك لا يجوز له تبقيته إلى أن يبدو صلاحه، فإن شرط المبتاع خلفته فروى محمد عن أشهب عن مالك فيها روايتين:
إحداهما: أنه يجوز إذا كان لا يختلف وإن كان يختلف فلا أحب اشتراطها.
والثانية: أنه قال: ما هذا عندي بحسن؛ لأنها مختلفة.
وضرب لا تتميز بطونه ولكنه يتصل فيتقدر بالزمان كالمياه وألبان الغنم، وأما الموز فقال محمد بن سلمة يباع سنين كألبان الغنم يباع إذا ولدت شهرا أو شهرين، وأما الجميز فقال محمد عن مالك: إن كان نباته متصلا فهو مثل المقاتي، وإن كان منفصلا فلا خير فيه والسدر كذلك.
وفي "شرح الموطأ" وفي نهيه ﵇ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها دليل على جواز بيعها بعد ذلك في رءوس الأشجار وإن لم تصرم. وعك ذلك جماعة العلماء، وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن وعكرمة: لا يجوز بيع الثمرة في رءوس الشجر قبل أن تصرم.
وفي "المحلى" (١) لابن حزم: فإذا سنبل الزرع لا يحل بيعه أصلا على القطع ولا على الترك إلا حتى يشتد، فإذا اشتد حل بيعه حينئذ، وروى ذلك عن
стр. 5814
الحسن وابن سيرين وعكرمة أيضًا، قال: ومنع أبو حنيفة ومالك والشافعي من بيع القصيل حتى يصير حبا يابسًا.
وقال سفيان الثورى وابن أبي ليلى: لا يجوز بيع القصيل لا على القطع ولا على الترك، واختلفوا إن ترك الزرع فزاد، فقال مالك: يفسخ البيع جملة.
وقال أبو حنيفة: للمشتري المقدار الذي اشترى ويتصدق بالزيادة، وروي عنه أنه رجع فقال: للمشتري المقدار الذي اشترى، وأما الزيادة فللبائع.
وقال الشافعي: البائع غير بين أن يدع له الزيادة فيجوز البيع والهبة معا أو يفسخ البيع. وقال أبو سليمان: الزيادة للمشتري مع ما اشترى.
وقال ابن حزم أيضًا: ويجوز بيع ما ظهر من المقاثي وإن كان صغيرًا جدًّا؛ لأنه يؤكل، ولا يحل بيع ما لم يظهر بعد من المقاثي والياسمين والموز وغير ذلك، ولا جزة ثانية من القصيل؛ لأن كل ذلك بيع ما لم يخلق، ولعله لا يخلق، وإن خلق فلا يدري أحد غير الله ما كميته ولا ما صفاته؛ فهو حرام بكل وجه، وبيع غرر وأكل مال بالباطل.
وأجاز مالك كل ذلك، وما نعلم له في تخصيص هذه الأشياء سلفًا ولا أحدًا قاله غيره قبله، ولا حجة، واحتج بعضهم باستئجار الطير، وهذا تحريف لكلام الله تعالى عن مواضعه، وأين الاستئجار من البيع، ثم أين اللبن المرتضع من القثاء والياسمين، وهم يحرمون بيع لبن شاة قبل حلبه، ولا يقيسونه على الطير، ثم يقيسون عليه بيع القثاء والموز والياسمين قبل أن يخلق.
ومن طريق سعيد بن منصور: ثنا هشيم، أنا يونس بن عبيد، عن الحسن: "أن كره بيع الرطب جزتين".
ومن طريق ابن أبي شيبة: نا شريك، عن المغيرة، عن إبراهيم النخعي والشعبي، قالا جميعًا: "لا بأس ببيع الرطاب جزة جزة".
ومن طريق وكيع، عن يزيد بن عبد الله بن أبي بردة قال: "سألت عطاء عن بيع الرطبة جزتين، فقال: لا يصلح إلا جزة".
стр. 5815
ومن طريق وكيع عن محمد بن مسلم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "أنه كره بيع القصب والحناء إلا جزة، وكره بيع الخيار والحزبز إلا جنية".
ومن طريق وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن ابن أشوع والقاسم: "أنهما كرها بيع الرطاب إلا جزة". وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وأبي سليمان وغيرهم.
وقال الشيخ محي الدين: في "الروضة" (١): فإذا باع ثمرة لا كمام لها كالتين والعنب والكمثرى جاز، سواء باعها على الشجرة أو على الأرض، ولو باع الشعير أو السلت مع سنبله جاز بعد الحصاد وقبله؛ لأن حباته ظاهرة، ولو كان للثمر أو الحب كمام لا يزال إلا عند الأكل كالرمان والعلس فكمثل، وأما ما له كمامان يزال أحدهما ويبقى الآخر إلى وقت الأكل كالجوز واللوز والرانج فيجوز بيعه في القشر الأعلى مادام رطبا وبيع الباقلاء في القشر الأعلى فيه على هذا الخلاف، وادعى إمام الحرمين أن الظاهر فيه الصحة؛ لأن الشافعي أمر أن يشتري له الباقلاء الرطب.
وقال النووي: المنصوص في "الأم": أنه لا يصح بيعه، وقال صاحب "التهذيب" وغيره: هو الأصح. وقطع به صاحب "التنبيه" هذا إذا كان الجوز واللوز والباقلاء رطبا، فإن بقي في قشره الأعلى فيبس؛ لم يجز بيعه وجهًا واحدًا، وقيل: يصح. ويصح بيع طلع النخل مع قشره في الأصح، وأما ما لا يرى حبه في سنبله كالحنطة والعدس والسمسم فما دام في سنبلة لا يجوز بيعه مفردًا عن سنبله قطعًا، ولا معه على الجديد الأظهر، كبيع تراب الصاغة، وكبيع الحنطة في تبنها، فإنه لا يصح قطعًا.
وفي الأرز طريقان: المذهب أنه كالشعير فيصح بيعه في سنبله، وقيل: كالحنطة.
стр. 5816
ولا يصح بيع الجزر والثوم والبصل والفجل والسلعق في الأرض، ويجوز بيع أوراقها الظاهرة بشرط القطع، ويجوز بيع القنبيط في الأرض لظهوره، وكذا نوع من السَّلجم يكون ظاهرًا.
ويجوز بيع اللوز في القشر الأعلى قبل انعقاد الأسفل.
وفي "الحاوي" في فقه أحمد: ويجوز بيع الزرع المسند في سنبله سواء كان الحب ظاهرًا كالشعير أو في عصفره كالحنطة، ويجوز بيع الباقلاء والجوز واللوز والفستق والبندق في قشرته والله أعلم.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: هذه الآثار كلها عندنا ثابتة صحيح مجيئها، فنحن آخذون بها غير تاركين لها، ولكن تأويلها عندنا غير ما تأولها عليه أهل المقالة الأولى، واحتمل أن يكون أراد به بيع الثمار قبل أن تكون، فيكون بائعها بائعًا لما ليس عنده، وقد نهى رسول الله ﷺ عن ذلك في نهيه عن بيع السنين.
حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن حميد الأعرج، عن سليمان بن عتيق، عن جابر بن عبد الله: "أن النبي ﷺ نهى عن بيع السنين".
قال يونس: قال لنا سفيان: "هو بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها".
حدثنا ربيع الجيزي وابن أبي داود، قالا: ثنا سعيد بن كثير بن عفير، قال: ثنا كهمس بن المنهال، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب: "قال نهى رسول الله ﵇ عن بيع السنين".
حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا ابن عفير، قال: ثنا يحيى بن أيوب، عن ابن جريح، عن عطاء وأبي الزبير، عن جابر: "أن النبي ﵇ نهى عن بيع الثمر حتى يطعم".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله، قال: ثنا أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ ، مثله.
стр. 5817
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب وأبو الوليد، قالا: ثنا شعبة، عن عمرو ابن مرة، عن أبي البختري قال: "سألت ابن عباس ﵄ عن بيع النخل، فقال: نهى رسول الله ﵇ عن بيع النخل حتى يأكل منه، أو حتى يؤكل منه".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا البختري الطائي يقول: "سألت ابن عباس عن السلَم، فقلت: إنا ندع أشياء لا نجد لها في كتاب الله تحريمًا، فقال: إنا نفعل ذلك؛ نهى رسول الله ﵇ عن بيع النخل حتى يؤكل منه".
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: ثنا الفضل ابن فضالة، عن خالد: "أنه سمع عطاء بن أبي رباح عن الرجل يبيع ثمرة أرضه رطبا كان أو عنبا، يسلف فيها قبل أن تطيب، فقال: لا يصلح؛ إن ابن الزبير ﵄ باع ثمرة أرض له ثلاث سنين، فسمع بذلك جابر بن عبد الله الأنصاري، فخرج إلى المسجد فقال في أناس: منعنا رسول الله ﵇ أن نبيع الثمرة حتى تطيب".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، قال: "سألت ابن عمر ﵄ عن السلف في الثمر، فقال: نهى عمر ﵁ عن بيع الثمر حتى يصلح".
فدلت هذه الآثار التي ذكرناها على الثمار المنهي عن بيعها قبل بُدُوِّ صلاحها ما هي، وأنها المبيعة قبل كونها المسلف عليها، فنهى عن ذلك رسول الله ﵇ حتى تكون، وحتى يؤمن عليها العاهة، فحينئذ يجوز السلم فيها، أَوَلا ترى أن ابن عمر ﵄ لما سأله أبو البختري عن السلم في النخل كان جوابه له في ذلك ما ذكر في حديثه من النهي عن بيع الثمار حتى تطعم، فدل ذلك على أن النهي إنما وقع في الآثار التي قدمنا ذكرها في هذا الباب على بيع الثمار قبل أن تكون ثمارًا، ألا ترى إلى قول النبي ﵇: "أرأيت إن منع الله الثمرة. بما يأخذ أحدكم مال أخيه؟ ".
стр. 5818
فلا يكون ذلك إلا على البيع من ثمرة لم يكن أن تكون، وإنما الذي في هذه الآثار هو النهي عن السلم في الثمار في غير حينها، وهذه الآثار تدل على النهي عن ذلك، فاما بيع الثمار في أشجارها بعدما ظهرت، فإن ذلك عندنا جائز صحيح.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم الأوزاعي وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا في رواية وأحمد في قول، فإنهم قالوا: بيع الثمار على الأشجار بعد ظهورها جائز، وحججهم في ذلك إن شاء الله تعالى:
قوله: "فقالوا هذه الآثار ... " إلى آخره جواب عما احتجت به أهل المقالة الأولى من الآثار المذكورة، بيان ذلك أن الأحاديث المذكورة عن جماعة من الصحابة ﵃ أحاديث صحيحة لا نزاع في صحتها ولا يتمكن أحد من ردها، ونحن آخذون بها غير تاركين لها، وإنما تأويلها عندنا على غير الوجه الذي ذكره أهل المقالة الأولى، وهو أن المراد به بيع الثمار قبل كونها، وقبل أن تخلق، وذلك لأنه حينئذ يكون بائعًا لما ليس عنده، وقد نهى رسول الله ﵇ عن ذلك وهو نهيه عن بيع سنين، وإنما نهى عن ذلك لأنه من المعلوم أن ثمرة السنة، والثانية والثالثة لم تخلق، فهي لو خلقت ولم يَبْدُ صلاحها لم يجز العقد عليها، فإذا لم تخلق فأولى أن لا يجوز، ووردت آثار أخرى دلت على الثمار المنهي [عن] (١) بيعها قبل بُدُوِّ صلاحها ما هي، وأنها هي التي تباع قبل كونها ويسلف عليها، فنهى رسول الله ﵇ عن ذلك حتى تكون وتخلق ويؤمن عليها العاهة، فحينئذ يجوز السلف -وهو السلم- فيها، ومن الدليل على صحة ما أولنا من التأويل المذكور: قوله ﵇ في حديث أنس ﵁، الذي هو من جملة حجج أهل المقالة الأولى: "أرأيت إن منع الله الثمر، بما يستحل أحدكم مال أخيه" فهذا يدل صريحًا على أن البيع كان قبل كون الثمار، وقبل أن تخلق، فإذا كان الأمر كذلك لم
стр. 5819
يبق في الأحاديث المذكورة طريق إلى صحة استدلال أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه، وأما استدلالنا نحن فيما ذهبنا إليه من جواز بيع الثمار على الأشجار بعد ما ظهرت، فبأحاديث وأخبار يأتي ذكرها عن قريب، إن شاء الله تعالى.
ثم إنه أخرج حديث جابر بن عبد الله ﵁ من أربع طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن حميد بن قيس الأعرج المكي أبي صفوان القارئ الأسدي، عن سليمان بن عتيق الحجازي المكي -ويقال: ابن عتيك وهو وهم- عن جابر بن عبد الله.
وهذا على شرط مسلم.
وأخرجه مسلم (١): نا سعيد بن منصور وأبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب، قالوا: نا سفيان بن عيينة، عن حميد الأعرج، عن سليمان بن عتيق، عن جابر قال: "نهى النبي ﵇ عن بيع السنين" وفي رواية ابن أبي شيبة: "عن بيع الثمر سنين".
وأخرجه أبو داود (٢): أيضًا بهذا الإسناد عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، كلاهما عن سفيان بن عيينة ... إلى آخره، وفي آخره: "ووضع الجوائح".
وأخرجه النسائي (٣): أنا قتيبة بن سعيد، نا سفيان، عن حميد الأعرج، عن سليمان بن عتيك -قال قتيبة: عتيك بالكاف، والصواب عتيق- عن جابر، عن النبي ﵇ نهى عن بيع الثمر سنين.
قلت: معناه أن يبيع الرجل ثمرة حائطه سنين، وهو الذي يسمى أيضًا بيع المعاومة، وفيه دلالة على أن بيع الإنسان ما ليس عنده باطل.
стр. 5820
الثاني: عن ربيع بن سليمان الجيزي الأعرج وإبراهيم بن أبي داود البرلسي كلاهما عن عن سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم الأنصاري أبي عثمان المصري من رجال مسلم، عن كهمس بن المنهال السدوسي أبي عثمان البصري اللؤلؤي، قال أبو حاتم: محله الصدق يكتب حديثه، أدخله البخاري في كتابه "الضعفاء" يحول منه. وذكره ابن حبان في "الثقات" قال: وكان يقول بالقدر. روى له البخاري حديثًا واحدًا مقرونا بغيره.
وهو يروي عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب ﵁، قال أبو بكر البزار: يقال: إن الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديثا واحدًا، وهو ما حدثناه إسحاق بن إبراهيم بن حبيب، عن قريش بن أنس، عن حبيب بن الشهيد، قال: قال لي محمد بن سيرين: "سل الحسن ممن سمع الحديث في العقيقة، فسألته فقال: من سمرة ﵁" وقال الترمذي: قلت للبخاري في قولهم: لم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة، قال سمع منه أحاديث كثيرة، وجعل روايته عنه سماعًا وصححها.
وأخرج حديث عبد الله بن عباس ﵄ عن طريقين صحيحين:
الأول: عن إبراهيم من مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، وأبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، كلاهما عن شعبة، عن عمرو بن مرة بن عبد الله الجُملي الكوفي الأعمى أحد مشايخ أبي حنيفة، عن أبي البختري -بفتح الباء الموحدة وسكون الخاء المعجمة وفتح التاء المثناه من فوق وكسر الراء- واسمه سعيد بن فيروز الطائي الكوفي روى له الجماعة.
عن عبد الله بن عباس.
وأخرجه مسلم (١): نا محمد بن مثنى، وابن بشار، قالا: ثنا محمد بن جعفر، قال: نا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، قال: "سألت ابن عباس
стр. 5821
عن بيع النخل، فقال: نهى رسول الله ﵇ عن بيع النخل حتى يأكل منه -أو يؤكل- وحتى يوزن، فقلت: ما يوزن، فقال رجل عنده: حتى يحرز".
الثاني: عن محمد بن خزيمة، عن عبد الله بن رجاء الغذاني، عن شعبة ... إلى آخره.
قوله: "حتى يأكل منه" على صيغة المعلوم أي حتى يأكل البائع منه.
قوله: "أو حتى يؤكل منه" شك من الراوي.
وأخرج حديث عبد الله بن عمر ﵄، عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب ابن جرير، عن شعبة ... إلى آخره.
وهذا أيضًا إسناد صحيح ورجاله رجال الصحيح ما خلا ابن مرزوق.
ص: والدليل على ذلك ما جاء عن رسول الله ﵇.
حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا الليث، قال: حدثني ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرها للذي باعها إلا أن يشترط المبتاع، ومن باع عبدًا فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع".
حدثنا يزيد، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ قال: "من اشترى عبدًا ولم يشثرط ماله فلا شيء له، ومن اشترى نخلا بعد إبارها ولم يشترط الثمر فلا شيء له".
حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عكرمة بن خالد المخزومي، عن ابن عمر: "أن رجلاً اشترى نخلا قد أبرها صاحبها، فخاصمه إلى النبي ﵇ فقضى رسول الله ﵇ أن الثمرة لصاحبها الذي أبرها إلا أن يشترط المشتري".
قال أبو جعفر ﵀: فجعل النبي ﵇ في هذه الآثار، ثمر النخل لبائعها إلا أن يشترط مبتاعها، فيكون له باشتراطه إياها ويكون بذلك مبتاعًا لها.
стр. 5822
فقد أباح النبي ﵇ ها هنا بيع ثمرة في رءوس النخل قبل بدو صلاحها، فدل ذلك أن المعنى المنهي عنه في الآثار الأُول هو خلاف هذا المعنى.
ش: أي الدليل على جواز بيع الثمار في أشجارها بعد ما ظهرت: ما جاء عن النبي ﵇ من رواية عبد الله بن عمر ﵄.
وهو ما أخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن يزيد بن سنان القزاز، عن أبي صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث وشيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه ... إلى آخره.
وأخرجه مسلم (١): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا ليث، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر، قال: "سمعت رسول الله ﵇ ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه بقية الجماعة (٢).
الثاني: عن يزيد أيضًا، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم، عن أبيه ... إلى آخره.
وأخرجه الدارمي في "مسنده" (٣): عن عبد الله بن مسلمة، عن ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب ... إلى آخره نحوه.
الثالث: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن يزيد بن هارون شيخ أحمد، عن حماد بن سلمة، عن عكرمة بن خالد المخزومي المكي، عن عبد الله بن عمر.
стр. 5823
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قتادة، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عمر، أن النبي ﵇ قال: "أيما رجل باع مملوكا له مال فماله لربه الأول، إلا أن يشترط المبتاع، وأيما رجل باع نخلا قد أينعت فثمرتها لربها الأول إلا أن يشترط المبتاع".
قوله: "من ابتاع نخلة" أي من اشترى نخلا، وذكر النخل ليس بقيد وإنما ذكرها لأجل أن سبب ورود الحديث كان في النخل، وهو الظاهر بدلالة قوله: "أن رجلاً اشترى نخلا قد أبَّرها صاحبها، فخاصمه إلى النبي ﵇ ... الحديث، وإما لأن الغالب في أشجارهم كان النخل. فافهم.
قوله: "بعد أن تؤبر" من التأبير وهو التلقيح (٢)، يقال: أبَّرت النخلة -بالتشديد- وأبَّرتها -بالتخفيف- فهي مؤبرة ومأبورة.
قال القاضي: التأبير في النخل كالتذكير لها، وهو أن يجعل في طلعها أول ما يطلع من طلع فحل النخل أو يعلق عليه لئلا يسقط، وهو اللقاح أيضًا، وقال ابن حبيب: الإبار: شق الطلع عن الثمرة.
قوله: "بعد إبارها" بكسر الهمزة وتخفيف الباء الموحدة وهو اسم من أَبَرَت النخلة، ومعناه ما ذكرنا.
ويستفاد من أحكام:
الأول: ما ذكره الطحاوي وهو أنه يدل علي جواز بيع الثمرة على رءوس النخل قبل بُدُوِّ صلاحها؛ وذلك لأنه ﵇ جعل في هذه الآثار ثمر النخل للبائع عند عدم اشتراط المشتري، فإذا اشترط المشتري ذلك يكون له، ويكون المشتري مشتريا لها أيضًا.
стр. 5824
الثاني: استدلت به المالكية على كون الثمرة مع الإطلاق للبائع بعد الإبار إلا أن يشترط، وأنها قبل الإبار للمشتري.
قلت: إنما قالوا كذلك لأن مالكا يرى أن ذكر الإبار ها هنا لتعليق الحكم عليه ليدل على أن ما عداه بخلافه.
وقال أبو حنيفة: تعليق الحكم به إما للتنبيه به على ما لا يؤبر أو لغير ذلك، ولم يقصد به نفي الحكم عما سوى الحكم المذكور.
وقال القاضي عياض: الثمرة قبل الإبار تشبه الجنين قبل الوضع، وبعد الإبار تشبه الجنين بعد الوضع، فكما كانت الأجنة قبل وضعها للمشتري، وبعد وضعها للبائع، وجب أن يجري الثمر هذا المجرى، وأما إذا لم تؤبر، وثبت أنها للمشتري، فهل يجوز للبائع أن يشترطها؟ المشهور في المذهب عندنا: أن ذلك لا يجوز، وبالإجازة قال الشافعي، وتلخيص مآخذ اختلافهم في الحديث: أن أبا حنيفة استعمل الحديث لفظا ومعقولا، واستعمله مالك والشافعي لفظا ودليلا ولكن الشافعي يستعمل دلالته من غير تخصيص ويستعملها مالك مخصصة.
وبيان ذلك: أن أبا حنيفة جعل الثمرة للبائع في الحالين وكأنه رأى أن ذكر الإبار تنبيه على ما قبل الإبار، وهذا المعنى يسمي في الأصول معقول الخطاب، واستعمله مالك والشافعي على أن المسكوت عنه حكم غير حكم المنطوق وهذا يسميه أهل الأصول: دليل الخطاب.
الثالث: قال مالك: إذا لم يشترط المشتري الثمرة في شراء الأصل جاز له شراؤها بعد شراء الأصل، وهذا مشهور قوله، وعنه أنه لا يجوز له إفرادها بالشراء ما لم تطب. وهو قول الشافعي، والثوري وأهل الظاهر وفقهاء أصحاب الحديث.
وأبو حنيفة يراها إذا لم يشترطها المشتري قبل الإبار، وبعده إذا كانت قد ظهرت للبائع إلا أن عليه قلعها لحينه، وليس عليه تركها للجذاذ والقطاف فمتى اشترط بقاءها فسد عنده البيع.
стр. 5825
وقال محمد بن الحسن: إلا أن يكون بدا صلاحها فيجوز له اشتراط بقاءها، وقد خالف ابن أبي ليلي هذا الحديث وقال: سواء أبرت أو لم تؤبر الثمرة للمشتري، اشترط أو لم يشترط.
وقال أبو عمر: وأما ابن أبي ليلى فإنه رد هذا الحديث جهلا به، وأما أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي فلا يفرقون بين المؤبر وغيره، ويجعلون الثمرة للبائع أبدًا إذا كانت قد ظهرت ولم يشترطها المبتاع قبل البيع.
الرابع: استدل به أشهب من المالكية على جواز اشتراط بعض الثمر، وقال: يجوز لمن ابتاع نخلا قد أبرت أن يشترط من الثمرة نصفها أو جزءًا منها، وكذلك في مال العبد؛ لأن ما جاز اشتراط جميعه جاز اشتراط بعضه، وما لم يدخل الربا في جميعه فأحرى أن لا يدخل في بعضه، وقال أبو عمر: قال ابن القاسم: لا يجوز لمبتاع النخل المؤبر أن يشترط منها جزءًا، وإنما له أن يشترط جميعها لا يشترط شيئًا منها.
الخامس: استدلت به أصحابنا على أن من باع رقيقا وله مال، أن ماله لا يدخل في البيع ويكون للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، وعلى هذا يقتضي القياس أن لا تدخل ثياب بدنه كما لا يدخل اللجام والسرج والعذار في بيع الدابة؛ لأن العبد وما في يده لمولاه، ولكنهم استحسنوا في ثياب البذلة والمهنة وهي التي يلبسها في اليوم والليلة لتعامل الناس وتعازفهم.
وأما الثياب النفيسة التي لا يلبسها إلا عند العرض للبيع فلا تدخل في البيع؛ لانعدام التعارف في ذلك فبقي على أصل القياس، وكذا لو أعتق عبده على مال فماله لمولاه، وكذا لو أعتق مدبره أو أم ولده ولو كانت عنده فما كان له من المال وقت الكتابة يكون لمولاه، وما اكتسبه بعد الكتابة يكون له.
وقال أبو عمر: لا أعلم خلافا عن مالك وأصحابه أنه يجوز أن يشتري العبد وماله بدراهم إلى أجل، وإن كان ماله دراهم ودنانير وعروضًا، وأن ماله كله
стр. 5826
تبع، وكان الشافعي يقول ببغداد في كتابه "البغدادي" كقول مالك، هذا حكاه عنه الحسن بن محمد الزعفراني، وهو قول أبي ثور أيضًا، وقال الشافعي بمصر في كتابه "المصري" -ذكره عنه الربيع والمزني والبويطي- لا يجوز اشتراط مال العبد إذا كان له مال فضة فاشتراه بفضة أو ذهب فاشتراه بذهب إلا أن يكون ثمنه خلاف الثمن، أو يكون عروضًا كما يكون في سائر البيوع، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، ولا يجوز عند أبي حنيفة وأصحابه أن يباع العبد بألف درهم وله ألف درهم، حتى يكون مع الألف زيادة فيكون الألف بالألف وتكون الزيادة ثمنا للعبد، وقال أيضًا: قال الحسن والشعبي: مال العبد تبع له أبدا في البيع والعتق جميعًا، لا يحتاج مشتريه فيه إلى اشتراط، وهذا قول مردود بالسنة لا يُعَرَّج عليه.
وقال مالك والزهري وأكثر أهل المدينة: إذا أعتق العبد تبعه ماله، وفي البيع لا يتبعه فيه وهو لبائعه، وقال الشافعي بمصر والكوفيون: إذا أعتق العبد أو بيع؛ لم يتبعه ماله، ولا مال له ولا ملك إلا مجازًا أو اتساعًا لا حقيقة.
وقال القاضي عياض: قال الإِمام مالك: العبد يزول عن سيده على أربعة أوجه:
الأول: بعقد معاوضة كالبيع والنكاح، فالمال في ذلك للسيد إلا أن يشترط عليه، خلافا للحسن والزهري في قولهم: إن المال يتبع العبد في البيع، وهذا الحديث يرد عليهما.
الثاني: العتق وما في معناه من العقود التي تفضي [إلى] (١) العتق وتسقط النفقة عن السيد كالكتابة، فالمال للعبد إلا أن يشترط؛ خلافا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: إنه للسيد في العتق.
الثالث: الكتابة فالمال فيها يتبع الرقبة وينتقل بانتقالها.
стр. 5827
الرابع: الهبة والصدقة، وفيها قولان عندنا، والله أعلم.
ومن أحاديث هذا الباب التي فاتت الطحاوي ﵀: حديث عبادة بن الصامت، وجابر بن عبد الله، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود ﵃.
أما حديث عبادة بن الصامت فأخرجه ابن ماجه (١) بإسناده إليه أن النبي ﷺ قضى أن ثمرة النخل لمن أبرها إلا أن يشترط المبتاع، وقضى أن مال المملوك لمن باعه إلا أن يشترط المبتاع".
وأما حديث جابر بن عبد الله فأخرجه عبد الله بن أحمد في "مسنده" (٢) فقال: وجدت في كتاب أبي، أنا الحكم بن موسى، قال: عبد الله: وحدثناه الحكم بن موسى، نا يحيى بن حمزة، عن أبي وهب، عن سليمان بن موسى، أنا نافعا حدثه، عن عبد الله بن عمر وعطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﵇ قال: "من باع عبدًا وله مال، فله ماله وعليه دينه إلا أن يشترط المبتاع، ومن أبر نخلا وباعه بعد تأبيره فله ثمرته، إلا أن يشترط المبتاع".
وأما حديث علي بن أبي طالب ﵁ فأخرجه البيهقي في "سننه" (٣) من حديث سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن عليًا ﵁ قال: "من باع عبدًا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع، قضى به رسول الله ﵇، ومن باع نخلا ... " الحديث.
وأما حديث ابن مسعود فأخرجه البيهقي أيضًا (٤) مقتصرًا على قضية مال العبد من حديث الأنصاري، ثنا عبد الأعلى بن أبي المساور، ثنا عمران بن عمير، عن أبيه -وكان مملوكًا لابن مسعود- قال: "قال له عبد الله: ما لك
стр. 5828
يا عمير؟ لأني أريد أن أعتقك، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أعتق عبدًا فماله للذي أعتق".
قلت: عبد الأعلى متروك، قاله الذهبي.
ص: فإن قال قائل: إنما أجيز بيع الثمر في هذه الآثار لأنه مبيع مع غيره وليس في جواز بيعه مع غيره ما يدل أن بيعه وحده كذلك؛ لأنا قد رأينا أشياء تدخل مع غيرها في البياعات ولا يجوز إفرادها بالبيع، من ذلك: الطرق والأفنية تدخل في بيع الدور، ولا يجوز أن تفرد بالبيع، فجوابنا له في ذلك أن الطرق والأفنية تدخل في بيع الدور وإن لم تشترط، والثمر لا يدخل في بيع النخل إلا أن يشترط، فالذي يدخل في بيع غيره لا باشتراط هو الذي لا يجوز أن يكون مبيعًا وحده، والذي لا يكون داخلا في بيع غيره إلا باشتراط هو الذي إذا اشترط كان مبيعًا، فلم يجز أن يكون مبيعًا مع غيره إلا وبيعه وحده جائز، ألا ترى أن رجلاً لو باع دارًا وفيها متاع أن ذلك المبتاع لا يدخل في البيع، وأن مشتريها لو اشترطه في شرائه الدار صار له باشتراطه إياه، ولو كان الذي في الدار خمرًا أو خنزيرًا باشتراطه في البيع فسد البيع، فكان لا يدخل في شرائه الدار باشتراطه في ذلك إلا ما يجوز له شراؤه وحده لو اشتراه، فكان الثمر الذي ذكرنا يجوز له اشتراطه مع النخل، فلم يكن ذلك إلا لأنه يجوز بيعه وحده أَوَلا ترى، أن النبي ﵇ قد قال في هذا الحديث وقرنه مع ذكر النخل: "من باع عبدًا له مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، فجعل المال للبائع إذا لم يشترطه المبتاع، وجعله للمبتاع باشتراطه إياه، فكان دلك المال لو كان خمرًا أو خنزيرًا فسد بيع العبد إذا اشترطه فيه، وإنما يجوز أن يشترط مع العبد من ماله ما يجوز بيعه وحده، فأما ما لا يجوز بيعه وحده فلا يجوز اشتراطه في بيعه؛ لأنه يكون بذلك مبيعا، وبيع ذلك الشيء لا يصلح، فذلك أيضًا دليل صحيح على ما ذكرنا في الثمار الداخلة في بيع النخل بالاشتراط، أنها الثمار التي يجوز بيعها على الانفراد دون بيع النخل؛ فثبت بذلك ما ذكرنا.
стр. 5829
وهذا قول أن أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله-.
وقد كان محمد بن الحسن يذهب إلى أن النهي الذي ذكرناه عن رسول الله ﷺ في أول هذا الباب هو بيع الثمر على أن يترك في رءوس النخل حتى يبلغ ويتناهى، وحتى يجذ، وقد وقع البيع عليه قبل التناهي، فيكون المشتري قد ابتاع ثمرًا ظاهرًا، وما ينميه على نخل البائع بعد ذلك إلي أن يُجذ فذلك باطل، قال: فأما إن وقع البيع بعدما تناهى عظمه وانقطعت زيادته، فلا بأس بابتياعه واشتراط تركه إلى حصاده وجذاذه، قال: فإنما وقع النهي عن ذلك لاشتراط الترك؛ لمكان الزيادة، قال: وفي ذلك دليل على أن لا بأس بذلك الاشتراط في ابتياعه بعد عدم الزيادة، حدثني سليمان بن شعيب بهذا، عن أبيه، عن محمد.
وتأويل أبي حنيفة وأبي يوسف في هذا حسن عندنا. والله أعلم.
والنظر أيضًا يشهد له؛ لأنه إذا وقع البيع على الثمار بعد تناهيها على أن ترك إلى الحصاد فالنخل ها هنا مستأجرة لتكون الثمار فيها إلى وقت جذاذها عنها، وذلك لو كان على الانفراد لم يجز، فإذا كان مع غيره، فهو أيضًا كذلك.
ش: هذا سؤال وارد من جهة أهل المقالة الأولى على ما استدلت به أهل المقالة الثانية، فيما ذهبوا إليه من جواز بيع الثمار في أشجارها بعدما ظهرت، وتقريره أن يقال: إنما أجيز بيع الثمار في الأحاديث التي استدللتم؛ لأنها مبيعة مع غيرها، وليس شيء يدل على جواز بيعها بانفرادها؛ لأنه لا ملازمة بين جواز بيعها مع غيرها، وبين بيعها وحدها، والدليل على ذلك أنا وجدنا أشياء تدخل مع غيرها في البيع بالتبعية مع أن بيعها بانفرادها لا يجوز، وذلك كالطريق، وفناء الدار، فإن من باع دارًا يدخل فيه طريقها وفناؤها، ومع هذا لا يجوز بيع الطريق ولا الفناء بانفرادها.
والجواب عنه ظاهر غنيّ عن الشرح.
стр. 5830
قوله: "في البياعات" بكسر الباء: جمع بياعة بمعنى البيع، والبياعة السلعة أيضًا، قاله الجوهري.
و"الأفنية" جمع فناء الدار -بكسر الفاء- وهو ما امتَدَّ من جوانبها.
قوله: "وحتى تُجَذّ" على صيغة المجهول من جذَّ الثمرة يجذها جذًّا إذا قطعها، والحذاذ بالفتح والكسر صرام النخل، وهو قطع ثمراتها، وبابه فَعَلَ يَفْعَلُ، كنَصَرَ يَنْصُر.
قوله: "بعدما تناهى عظمه" بكسر العين وفتح الظاء ويجوز بضم العين وسكون الظاء.
ثم تحقيق الخلاف في هذه المسألة بين أصحابنا وغيرهم أن بيع الثمر على الشجر بعد ظهوره، وبيع الزرع في الأرض بشرط الترك لا يخلو إما أن يكون لم يبد صلاحه بعد بأن صار منتفعًا به بوجه من الوجوه، وإما أن يكون قد بدا صلاحه وكل ذلك يخلو من أن يكون بشرط القطع، أو مطلقا، أو بشرط الترك حتى يبلغ، فإن كان لم يبد صلاحه فباع بشرط القطع جاز، وعلى المشتري أن يقطع للحال، وليس له أن يترك من غير إذن البائع، ومن مشايخنا من قال: لا يجوز بيعه قبل بدو صلاحه، وهو خلاف ظاهر الرواية، ولو باع مطلقا عن شرط؛ جاز أيضًا عندنا، خلافا للشافعي، وأما إن بدا صلاحه فباع بشرط القطع، أو مطلقا، جاز أيضًا، وإن باع بشرط الترك، فإن لم يكن تناهى عظمه فالبيع فاسد بلا خلاف، وإن كان قد تناهى عظمة فكذلك فاسد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: يجوز استحسانا، لتعارف الناس على ذلك وتعاملهم، فلو اشترى مطلقا عن شرط، فترك فإن كان قد تناهي عظمه ولم يبق إلا النضج لم يبطل بشيء، سواء ترك بإذن البائع أو بغير إذنه؛ لأنه لا يزداد بعد التناهي، وإنما يتغير إلى حالة النضج، وإن كان لم يتناه عِظمه ينظر، إن كان الترك بإذن البائع جاز وطاب له الفضل، وإن كان بغير إذنه يتصدق بما زاد في
стр. 5831
ذاته على ما كان عند العقد؛ لأن الزيادة حصلت بجهة محظورة، فأوجبت خبثا فيها، فكان سبيلها التصدق، فإن استأجر المشتري من البائع الشجر للترك إلى وقت الإدراك، طاب له الفضل لأن الترك حصل بإذن البائع، ولكن لا تجب الأجرة؛ لأن هذه الإجارة باطلة؛ لأن جوازها ثبت على مخالفة القياس، لتعامل الناس، فما لم يتعاملوا فيه لا تصح فيه الإجارة، ولهذا لم تصح إجارة للأشجار لتجفيف الثياب، وإجارة الأوتاد لتعليق الأشياء عليها، وإجارة الكتب للقراءة، ونحو ذلك حتى لم تجب الأجرة.
ولو أخرجت الشجرة في مدة الترك ثمرة أخرى فهي للبائع سواء كان الترك بإذنه أو بغير إذنه، لأنه نماء ملك البائع فيكون له، ولو حللها له الباع جاز أن اختلط الحادث بعد العقد بالوجود عنده حتى لا يعرف بنظر، إن كان قبل التخلية بطل البيع؛ لأن المبيع صار معجوز التسليم بالاختلاط، للجهالة وتعذر التمييز، فأشبه العجز عن التسليم بالهلاك.
وإن كان بعد التخلية لم يبطل؛ لأن التخلية قبض، وحكم البيع يتم ويتناهى بالقبض، والثمرة تكون بينهما لاختلاط ملك أحدهما بالآخرة اختلاطا لا يمكن التميز بينهما، فكان الكل مشتركا بينهما، والقول قول المشتري في المقدار؛ لأنه صاحب يد لوجود التخلية، فكان الظاهر شاهدًا له فكان القول قوله، ولو اشترى ثمرة بدا صلاح بعضها دون بعض بأن أدرك البعض دون البعض بشرط الترك، فالبيع فاسد على أصلهما وأما على أصل محمد ﵀: فهو اختيار العادة، فإن كان صلاح المتأخر متقاربا جاز؛ لأن العادة في الثمار أن لا يدرك الكل دفعة واحدة، بل يتقدم إدراك البعض على البعض، يلحق بعضها بعضا، فصار كأنه اشتراها بعد إدراك الكل، ولو كان كذلك يصح الشراء عنده بشرط الترك، فكذا هذا.
وإن كان يتأخر إدراك البعض عن البعض تأخرًا فاحشًا كالعنب ونحوه؛ يجوز البيع فيما أدرك، ولا يجوز فيما لم يدرك، والله أعلم.
стр. 5832
ص: وقد قال قوم أن النهي الذي كان من رسول الله ﷺ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها لم يكن منه تحريم ذلك، ولكنه على المشورة منه عليهم، لكثرة ما كانوا يختصمون إليه فيه، ورووا ذلك عن زيد بن ثابت ﵁:
حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا أبو زرعة وهب الله، عن يونس بن يزيد، قال: قال أبو الزناد: كان عروة بن الزبير يحدث، عن سهل ابن أبي حثمة الأنصاري أنه أخبره، أن زيد بن ثابت كان يقول: "كان الناس في عهد رسول الله ﵇ يتبايعون الثمار، فإذا جد الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع: إنه أصاب الثمر العفن والرمان وأصابه مراق".
قال أبو جعفر ﵀: الصواب هو مراق وأصابه قشام عاهات يحتجون بها، والقشاب شيء يصيبه حتى لا يرطب، قال: فقال رسول الله ﵇ لما كثرت عنده الحصومة في ذلك: فلا تبايعوا حتى يبدو صلاخ الثمر؛ كالمشورة يشير بها لكثرة خصومتهم.
فدل ما ذكرنا أن ما روينا في أول هذا الباب عن رسول الله ﵇ من نهيه ﵇ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها إنما كان على هذا المعنى لا على ما سواه.
ش: أشار بهذا الجواب الآخر عن الأحاديث التي فيها النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، التي احتجت بها أهل المقالة الأولى، وهو أن قوما من العلماء قالوا: إن النهي الذي صدر من النبي ﵇ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها؛ لم يكن ذلك على التحريم ولكنه على التشاور فيما بينهم؛ لأجل ما كانوا يختصمون إليه في كل وقت في ذلك، والدليل على ذلك ما قاله زيد بن ثابت ﵁ في الحديث المذكور، فإنه يدل على أن نهيه ﵇ عن ذلك كان على التشاور فيما بينهم؛ لقطع اختصامهم حين كثر ذلك عنده ﵇.
وأخرجه بإسناد صحيح، عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين المصري شيخ النسائي وأبي بكر بن خزيمة، قال النسائي: ثقة. وعنه: صدوق، وعن أبي زرعة وهب الله بن راشد الحجري المؤذن، غمزه سعيد بن أبي مريم.
стр. 5833
عن يونس بن يزيد الأيلي روى له الجماعة، عن أبي الزناد بالنون عبد الله بن ذكوان المدني روى له الجماعة، عن عروة بن الزبير بن العوام، عن سهل بن أبي حثمة واسمه عبد الله، أبو محمد المدني، صاحب النبي ﵇ قال الواقدي: مات النبي ﵇ وهو ابن ثماني سنين، وقد حفظ عنه.
عن زيد بن ثابت ﵁.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١) نحوه من حديث وهب الله بن راشد، عن يونس بن يزيد قال: قال أبو الزناد: كان عروة بن الزبير يحدث، عن سهل بن أبي حثمة أنه أخبره، أن زيد بن ثابت كان يقول: "كان الناس في عهد رسول الله ﵇ يتبايعون الثمار، فإذا جَدَّ الناس وحضر تقاضيهم. قال المبتاع: إنه أصاب الثمر العفن الدمان، أصابه مراق، أصابه قشام؛ عاهات يحتجون بها -والقشام شيء يصيبه حتى لا يرطب- قال: فقال رسول الله ﵇ لما كثرت عنده الخصومة في ذلك: فأما لا، فلا تبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر، كالمشورة يشير بها لكثرة خصومتهم"، قال أبو الزناد: وأخبرني خارجة بن زيد: "أن زيد بن ثابت لم يكن يبيع ثمار أمواله حتى تطلع الثريا فيتبين الأحمر من الأصفر".
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا أحمد بن صالح، قال: ثنا عنبسة بن خالد، قال: حدثني يونس، قال: سألت أبا الزناد، عن بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه، وما ذكر في ذلك. فقال: كان عروة بن الزبير يحدث، عن سهل بن أبي حثمة، عن زيد بن ثابت ﵁ قال: "كان الناس يتبايعون الثمار قبل أن يبدو صلاحها، فإذا جدَّ الناس وحضر تقاضيهم، قال المبتاع: قد أصاب الثمر الدمان، وأصابه قشام، وأصابه مراض؛ عاهات يحتجون بها، فلما كثرت خصومتهم عند النبي ﵇ قال رسول الله ﵇ كالمشورة يشير بها: فأما لا فلا تبايعوا الثمر حتى يبدو صلاحها؛ لكثرة خصومتهم واختلافهم".
стр. 5834
وأخرجه البخاري (١) أيضًا ولكن غير موصول، وأخرجه عن الليث معلقًا.
قوله: "في عهد رسول الله ﵇" أي في زمنه وأيامه.
قوله: "فإذا جدَّ الناس" أي فإذا قطع الناس ثمارهم.
قوله: "العفنُ" بالرفع فاعل لقوله: "أصاب الثمر" والثمر مفعولَه. والعفن بفتح العين والفاء: الفساد، والعفن -بفتح العين وكسر الفاء- من الصفات المشبهة، يقال: شيء عفن إذا كان بيِّن العفونة، وعَفِن الحبل -بالكسر- عَفَنًا إذا بلي من الماء.
قوله: "والدمان" بفتح الدال المهملة وتخفيف الميم وفي آخره نون، وهو فساد الثمر قبل إدراكه حتول يسود، من الدمن وهو السرقي، ويقال: "الدمال" باللام موضع النون، وقد قيد الجوهري وغيره "الدال" بالفتح، وقال الخطابي: بالضم. وكأنه أشبه؛ لأن ما كان من الأدواء فهو بالضم كالسُّعال، والزكام، قال الخطابي: ويروى بـ"الراء" موضع النون، ولا معنى له.
قلت: وقد وقع في بعض نسخ الطحاوي بالراء، وله وجه؛ لأن الدمار: الهلاك.
قوله: "وأصابه مراق" بضم الميم وتخفيف الراء وفي آخره قاف وهو آفة تصيب الزرع، قال الجوهري: المرق آفة تصيب الزرع.
قوله: "قال أبو جعفر ﵀: الصواب هو مراق" أشار بهذا أن المراق تفسير الدمان، وتقدير الكلام: أصاب الثمر العفن والدمان هو مراق، وقال البيهقي بعد أن روى الحديث المذكور: رواه البخاري فقال: وقال الليث، عن أبي الزناد ... فذكره، وعنده مراض بدل مراق، وقال الأصمعي: أن تنشق النخلة أو ما يبدو طلعها عن عفص وسواد، قال: والقشام أن ينتفض ثمر النخل قبل أن يصير بلحًا، والمراض اسم لأنواع الأمراض.
стр. 5835
قلت: القُشام بضم القاف، والمُراض بضم اليم: داء يقع في الثمرة فتهلك، وقد أمرض الرجل إذا وقع في ماله العاهة.
قوله: "عاهات" مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي المذكورات من العفن والدمان والمراق والقشام: عاهات، أي آفات وأمراض يحتجون بها، وهي جمع عاهة، وأصلها عوهة، ذكرها الجوهري: في الأجوف الواوي، وقال: العاهة الآفة، يقال: عِيه الزرع وإيف وأرض معيوهة، وأعاه القوم: أصابت ماشيتهم العاهة، وقال الأموي: أعوه القوم مثله.
قوله: "حتى لا يرطب" من الإرطاب، يقال: أرطب النخل: صار ما عليه رطبًا، وأرطب البسر: صار رطبًا.
***
стр. 5836
ص: باب: العرايا
ش: أي هذا باب في بيان حكم العرايا، وهو جمع عرية، فعلية بمعنى مفعولة، من عراه يعروه: إذا قصده، ويحتمل أن تكون فعلية بمعنى فاعلة، من عَرِيَ يَعْرَى: إذا خلع ثوبه كأنها عُرِّيت من جملة التحريم، فَعَرِيَت أي خرجت، قال القاضي: قد اختلف أهل اللغة في هذه التسمية، فقال بعضهم: ذلك مأخوذ من عروت الرجل إذا أتيته تسأل معروفه، فأعراه نخلة على هذا أعطاه ثمرها، فهو يعروها: أي يأتيها ليأكل ثمرها، وهم يقولون: سألني فأسألته، وطلبني فأطلبته، فعلى هذه الطريقة هي التي فسرها بعض أهل العلم، وهي التي صوَّب أبو عبيد في التفسير وهو من أئمة اللغة، وقد قال بعض أهل اللغة: إنها مأخوذة من كون المُعري قد أخلى ملكه عنها وأعراها من ملكه، وعلى هذا يصح صرف العرية إلى إخلائه ملكه من الثمر، أو من بعض الشجر، وقال ابن الأثير في "النهاية": اختلف في تفسيرها، فقيل: إنه لما نهى عن المزابنة وهو بيع الثمر في رءوس النخل بالتمر؛ رخَّص من جملة المزابنة في العرايا، وهو أن من لا نخل له من ذوي الحاجة يدرك الرطب ولا نقد بيده يشتري به الرطب لعياله، ولا نخل لهم يطعمهم منه، ويكون قد فضل له من قوته تمر، فيجيء إلى صاحب النخل فيقول له: بعني ثمر نخلة أو نخلتين بخرصها من التمر فيعطيه ذلك الفاضل من التمر بثمر تلك النخلات ليصيب من رطبها مع الناس، فرخص فيه إذا كان دون خمس أوسقه، وفي "شرح الموطأ" لابن زرقون: العرايا: جمع عرية، وهي عطية ثمر النخل دون الرقاب كانوا يعطون ذلك إذا دهمتهم سنة لمن لا نخل له، فيعطيه من نخله ما سمحت به نفسه مثل الأفقار والأحبال والمنحة والعمرى، وكانت العرب تتمدح بالإعراء، وفي "الاستذكار": قال أهل اللغة: العرية مأخوذة من قولهم: عَرَوت الرجل أعروه إذا أتيته تلتمس بِرَّه ومعروفه من قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (١) وقيل: هو مأخوذ من تخلي الإنسان عن
стр. 5837
ملكه من الثمرة، من قوله تعالى ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ (١) أي بالموضوع الخالي، وقال صاحب "العين": العرية من النخل الذي تعرى من المساومة عند بيع النخل. قال عبد الوهاب: معنى العرية عندنا أن يهب الرجل ثمر نخلة أو نخلات من حائطه لرجل. قال ابن زرقون: وهذا الذي ذكر يجيء على مذهب أشهب وابن حبيب، وأما ابن القاسم فالعرية عنده أن يعطيه الثمرة على وجه مخصوص، وهو أن يكون على المعرى ما يلزمها إلى بدو صلاحها. وذلك عنده يلزم الموهوب له من يوم الهبة، ففرق في ذلك بين العرية والهبة، ولذلك قال: عن مالك: زكاة العرية على المعرى، وزكاة الهبة على الموهوب له، قال: ففرق بينهما في الزكاة والسقي، وقال أشهب: زكاة العرية على المعري كالهبة إلا أن يعروه بعد الزهو، ويلزمه مثل ذلك في السقي، وقال محمد: لا خلاف بينهم أن السقي على المعري، وقال ابن حبيب: السقى والزكاة على المعري والواهب، وقال سحنون: إن كانت العرية والهبة بيد المعري والواهب يسقيها ويقوم عليها فالزكاة عليه، وإن كانتا بيد المعرى أو الموهوب له يقوم عليها ويأكل منها فالزكاة عليه.
قلت: الذي ذكره الأئمة الأربعة وغيرهم في تفسير العرايا وحكمها سيجيء في موضعها في هذا الباب إن شاء الله تعالى.
ص: حدثنا إسماعيل بن يحيى، قال: ثنا محمد بن إدريس، عن سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمر بالتمر".
قال عبد الله: وحدثنا زيد بن ثابت "أن رسول الله ﵇ أرخص في العرايا".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عارم (ح).
وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ "أنه نهى عن المزابنة".
قال ابن عمر ﵄: وأخبرني زيد بن ثابت "أن رسول الله ﵇ أرخص في العرايا".
стр. 5838
حدثنا على بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت ﵃: "أن رسول الله ﵇ أرخص في العرايا".
حدثنا على بن شيبة بهذا الإسناد قال: "نهى رسول الله ﵇ عن المحاقلة والمزابنة، ورخص في العرايا".
ش: هذه خمس طرق صحاح:
الأول: عن إسماعيل بن يحيى المزني، عن الإِمام محمد بن إدريس الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر، عن النبي ﵇.
وأخرجه مسلم (١): نا يحيى بن يحيى قال: نا سفيان، عن الزهري (ح).
وثنا ابن نمير وزهير بن حرب -واللفظ لهما- قالا: نا سفيان، قال: أنا الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: "أن النبي ﵇ نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه، وعن بيع الثمر بالتمر". قال ابن عمر: وثنا زيد بن ثابت "أن رسول الله ﵇ رخص في بيع العرايا -زاد ابن نمير في روايته-: أن تباع".
وأخرجه البخاري أيضًا (٢).
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عارم وهو محمد بن الفضل السدوسي البصري شيخ البخاري، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن عبد الله بن عمر.
وأخرجه الترمذي (٣): ثنا قتيبة، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع،
стр. 5839
عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت: " [أن رسول الله ﵇] (١) أرخص في بيع العرايا بخرصها".
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سليمان بن حرب الواشحي البصري شيخ البخاري وأبي داود عن حماد بن زيد ... إلى آخره.
وأخرجه الكجي في "مسنده": عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت: "أن رسول الله ﵇ رخص في بيع العرايا بخرصها كيلًا".
الرابع: عن على بن شيبة .. إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة (٢): ثنا ابن نمير، عن محمد بن إسحاق، عن نافع ... إلى آخره نحوه.
الخامس: عن على بن شيبة أيضًا، عن يزيد بن هارون ... إلى آخره بعين الإسناد المذكور، ولكن المتن مختلف كما ذكره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): عن يزيد بن هارون، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت: "أن رسول الله ﵇ نهى عن المزابنة والمحاقلة، إلا أنه رخص لأهل العرايا أن يبيعوها بمثل خرصها".
قوله: "عن بيع الثمر" بفتح الثاء المثلثة والميم.
وقوله: "التمر" بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الميم.
قوله: "أرخص في العرايا" وفي رواية مسلم "رخص" بالتشديد،
стр. 5840
وقد ذكرناها، والرخصة عند الفقهاء تخصيص بعض الجملة المحظورة بالإباحة.
وباقي تفسير الألفاظ قد مَرَّ مستوفي.
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه: "أن رسول الله ﷺ رخص في بيع العرايا بالتمر والرطب".
ش: إسناده صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح.
وأخرجه مسلم (١): من حديث سالم، عن أبيه عن زيد بن ثابت، عن رسول الله ﵇: "أنه رخص في بيع العرية بالرطب أو بالتمر، ولم يرخص في غير ذلك".
وذكر ابن زرقون في "شرح الموطأ" أنه سماه بيعًا لما فيه من معنى المعاوضة، ولوجه آخر من معني البيع وهو أنه لا يثبت حكمه إلا باختيار المبتايعين.
وقال القاضي في "شرح مسلم": هذا الحديث مخالف لما قبله؛ لأنه لا يجوز بيعها بالرطب وإنما هي رخصة فلا تجوز إلا على ما وردت به، وجل الأحاديث لم يُذكر فيها إلا شراءها بالتمر، وهذا الذي وقع ها هنا بالرطب أو بالتمر، لو تركنا نقيض اللسان لاحتمل أن يكون شكا من الراوي؛ هل قال ﵇: بالرطب، أم قال: بالتمر؟ وشك الراوي يمنع من النطق به في الرطب.
قلت: يدفع ما قاله في ذلك ما جاء في رواية أبي داود "بالتمر والرطب" بحرف الواو دون "أو"، وكذلك في رواية الطحاوي على ما مَرَّت.
وقال القاضي أيضًا: قد قال بعض أصحابنا في حديث خارجة: هو حديث أنفرد به راويه وجاء بخلاف سائر الأحاديث وذلك يقدح فيه.
قلت: لا نسلم هذا الكلام؛ لأن رواة هذا الحديث كلهم حفاظ ثقات، وأئمة مشهورون، وتفرد واحد منهم برواية لا يضر.
стр. 5841
ص: حدثنا إسماعيل بن يحيى، قال: ثنا محمد بن إدريس الشافعي قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن إسماعيل الشيباني، قال: "بعت ما في رءوس نخلي بمائة وسق؛ إن زاد فلهم، وإن نقص فعليهم، فسألت ابن عمر عن ذلك فقال: نهى رسول الله ﵇ عن بيع الثمرة بالتمر، إلا أنه رخص في العرايا".
ش: إسناده صحيح.
وسفيان هو ابن عيينة، وإسماعيل هو ابن إبراهيم الشيباني، ذكره ابن حبان في الثقات التابعين.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا سفيان، عن عمرو، عن إسماعيل الشيباني: "بعت ما في رءوس نخلي بمائة وسق؛ إن زاد فلهم، وإن نقص فعليهم، فسألت ابن عمر، فقال: نهى عنه رسول الله ﵇، ورخص في العرايا".
قوله: "بمائة وسق" الوسق -بفتح الواو- ستون صاعًا وهو ثلاثمائة وعشرون رطلا عند أهل الحجاز، وأربعمائة وثمانون رطلًا عند أهل العراق، على اختلافهم في مقدار الصالح والمد، والأصل في الوسق الحمل، وكل شيء وسقته فقد حملته، والوسق أيضًا ضم الشيء إلى الشيء.
ص: حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا سعيد بن كثير بن عفير، قال: ثنا يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن عطاء وأبي الزبير، عن جابر: "أن رسول الله ﵇ نهى عن بيع الثمر حتى يُطعم، وقال: لا يباع شيء منه إلا بالدراهم والدنانير؛ إلا العرايا فإن رسول الله ﵇ رخص فيها".
ش: قد مر هذا في الباب السابق بعين هذا الإسناد والمتن إلى قوله: "حتى يطعم".
وأخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣) والنسائي (٤).
стр. 5842
ص: حدثنا إسماعيل بن يحيى، قال: ثنا محمد بن إدريس الشافعي، قال: ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله قال: "نهى رسول الله ﵇ عن المزابنة، إلا أنه رخص في العرايا".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد، عن أيوب، عن أبي الزبير وسعيد بن ميناء، عن جابر: "أن النبي ﵇ نهى عن المحاقلة والمزانبة والمخابرة -وقال أحدهما: والمعاومة، وقال الآخر: بيع السنين -ونهى عن الثنيا ورخص في العرايا".
ش: هذان طريقان آخران صحيحان:
الأول: عن المزني، عن الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء بن أبي رباح المكي .... إلى آخره.
وأخرجه مسلم بأتم منه (١): نا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: نا مخلد بن يؤيد الجزري، قال: نا ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﵇ نهى عن المخابرة والمحاقلة والمزابنة، وعن بيع الثمرة حتى تطعم، ولا تباع إلا بالدراهم والدنانير إلا العرايا ... " الحديث.
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سليمان بن حرب الواشحي شيخ البخاري، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي وسعيد بن ميناء كلاهما، عن جابر ﵁.
وأخرجه مسلم (١): ثنا عبيد الله بن عمر القواريرى ومحمد بن عبيد الغبري -واللفظ لعبيد الله- قال: ثنا حماد بن زيد، قال: ثنا أيوب، عن أبي الزبير وسعيد بن ميناء، عن جابر بن عبد الله قال: "نهى رسول الله ﵇ عن المحاقلة والمزابنة والمعاومة والمخابرة -قال أحدهما: بيع السنين هي المعاومة- وعن الثُنْيا، ورخص في العرايا".
стр. 5843
وقد مَرَّ تفسير المحاقلة والمزابنة، وأما المخابرة فقد فسرها جابر في كتاب مسلم بأنها الأرض يدفعها الرجل إلى الرجل فينفق فيها، ثم يأخذ من الثمر، وقال أهل اللغة: المخابرة هي المزارعة على النصيب كالثلث وغيره، والخُبرة النصيب، وقال الأزهري: الخُبر يكون زرعًا ويكون إكارًا، وقال ابن الأعرابي: أصل المخابر مأخوذ من خيبر؛ لأن النبي ﵇ كان أقرها في أيدي أهلها على النصف، فقيل: خابرهم أي عاملهم في خيبر. وقيل: هي من الخبار وهي الأرض اللينة، قاله ابن الأثير.
قوله: "والمعاومة" وهي بيع السنين، يعني بيع ثمرة حائطه سنين، وقد مَرَّ الكلام فيه أيضًا.
قوله: "ونهى عن الثُنْيا" بضم الثاء المثلثة وسكون النون، وهي أن يستثني في البيع شيء مجهول فيفسده. وقيل: هو أن يباع شيء جزافًا فلا يجوز أن يستثني منه شيء، قَلَّ أو كَثُر، وتكون الثنيا في المزارعة أن يستثني بعد النصف أو الثلث كيل معلوم.
وقد استدل أبو حنيفة والشافعي بظاهر هذا الحديث، وتمسكًا بعموم نهيه عن بيع الثنيا، ولم يُجَوِّزا إذا باع صبرة واستثني منها جزءًا، وإن كان معلومًا، وأجاز مالك أن يستثني منها من الملكية ما يعلم أنه لا يزيد على ثلث جميعه، لأن ذلك عنده في حكم اليسير الذي لا يؤدي إلى الجهالة بالبيع، فوجب أن يجوز.
وقال القاضي: ومن الثنيا اشتراط البائع على المبتاع متي جاءه بالثمن فالسلعة له، وهذا الذي يسميه الموثوقون بيع الثُّنْيا، ومنها قول المشتري: إن لم آتك بالثمر يوم كذا فلا بيع بيني وبينك.
فاختلف العلماء، فبعضهم أبطل الشرط وصحح البيع، ومنهم من ألزم قائله ما شرط وجعل الآخر بالخيار. والوجهان يرويان عن مالك، وما كان من ذلك على التطوع بعد العقد لزم الوفاء به. وأما ثُنْيا المشتري بعض ثمرة نخله التى باع فلا يخلوا أن يكون على الكيل أو الجزء أو ثمرة نخلات معينات، فأما النخلات المعينات فلا خلاف في جواز استثنائها؛ لأنه لم يقع عليها بيع جملة، وإن استثني بعضها على الكيل
стр. 5844
فمذهب عامة العلماء وفقهاء الفتيا بالأمصار: أنه لا يجوز من ذلك قليل ولا كثير، وذهب مالك في جماعة أهل المدينة إلى جواز ذلك ما بينه وبين ثلث الثمرة، لا يزيد على ذلك، وإن استثني جزءًا مشاعًا فيجوز عند مالك وعامة أصحابه؛ قل أو كثر.
وذهب عبد الملك إلى أنه لا يجوز استثناء الأكثر، والخلاف في ذلك مبني على جواز استثناء الأكثر من الأقل، وقد اختلف في ذلك النحاة والأصوليون وكتاب الله يشهد بجوازه؛ فإن الله تعالى قال عن إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (١)، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (٢) فقد استثني كل صنف من الآخر [....] (٣) لا سيما ما وردت به الآثار في تكثير الغاوين.
ص: حدثنا إسماعيل بن يحيى، قال: ثنا محمد بن إدريس، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن بُشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة ﵁: "أن رسول الله ﵇ نهي عن بيع الثمر بالتمر، إلا أنه رخص في العرية أن تباع بخرصها من التمر، يأكلها أهلها رطبًا".
ش: إسناده صحيح.
وسفيان هو ابن عيينة، ويحيى بن سعيد الأنصاري المدني، وبُشَير -بضم الباء
стр. 5845
الموحدة وفتح الشين المعجمة -بن يسار- بفتح الياء آخر الحروف والسين المهملة- الحارثي الأنصاري المدني روي له الجماعة.
وأخرجه مسلم (١): نا عمرو الناقد وابن نمير، قالا: نا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة، عن النبي ﵇ نحوه.
وأخرجه بقية الجماعة بألفاظ مختلفة (٢).
قوله: "عن بيع الثمر" بالثاء المثلثة، والميم المفتوحتين.
وقوله: "بالتمر" بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الميم.
قوله: "بخرصها" أي بخرص العرية من التمر، وهو أن يتحرى ذلك ويخرص في رءوس النخل وليست له مكيلة.
قوله: "رطبا" نصبت على الحال من التبادل، فافهم.
ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، عن بعض أصحاب رسول ﷺ من أهل دارهم منهم: سهل بن أبي حثمة "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمر بالتمر، وقال: ذلك الربا؛ تلك المزابنة، إلا أنه رخص في بيع العرية النخلة والنخلتين يأخذها أهل البيت بخرصها يأكلونها رطبًا".
ش: إسناده صحيح.
والقعنبي هو عبد الله بن مسلمة، شيخ البخاري ومسلم وأبي داود. وبقية الرجال ذكروا الآن.
وأخرجه مسلم (٣): عن القعنبي، نحوه.
стр. 5846
قوله: "ذلك الربا" أي بيع الثمر بالتمر، وإنما أنث اسم الإشارة في قوله: "تلك المزابنة" باعتبار لفظ المزابنة.
قوله: "النخلة والنخلتين ... " إلى آخره تفسير لقوله: "العرية".
قوله: "بخرصها" الباء فيه متعلقة بقوله: "يأخذها".
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا القعنبي وعثمان بن عمر، قالا: ثنا مالك بن أنس، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان مولي ابن أبي أحمد، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ رخص في بيع العرايا في خمسة أوسق -أو فيما دون خمسة أوسق، شك داود هي خمسة أو فيها دون خمسة؟ ".
ش: إسناده صحيح. ورجاله ثقات.
وعثمان بن عمر بن فارس، شيخ أحمد، روي له الجماعة، وأبو سفيان اسمه قُزمان، قاله الدارقطني، روي له الجماعة، وهو مولي عبد الله بن أبي أحمد بن جحش القرشي الأسدي.
والحديث أخرجه مسلم (١) وأبو داود (٢): عن القعنبي.
والترمذي (٣): عن قتيبة، عن مالك، وعن أبي كريب، عن زيد بن حباب، عن مالك.
وأخرجه البخاري (٤) والنسائي (٥) وابن ماجه (٦).
وقال القاضي: قوله: "فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق" ما يدل أنه يختص
стр. 5847
بما يوسق ويكال، ويحتج به لأحد القولين، لاختصاص ذلك بالتمر والزبيب، وما في معناه مما ييبس ويدخر ويأخذه المكيل.
وقد ذكر أبو داود عن أبي هريرة الحديث وفيه: "فيما دون خمسة أوسق".
فقد قصر ﵇ الرخصة والحكم في العرية على هذا القدر المذكور في الحديث فلا يزاد عليه، وكان الخمسة الأوسق هو أول مقادير المال الكثير الذي تجب فيه الزكاة من هذا الجنس، وقد اختلف قول مالك في إجراء حكم العرية في خمسة أوسق فقال به في مشهور قوله؛ اتباعًا لما وجد عليه العمل عندهم بالمدينة، وقال أيضًا: لا يجوز في الخمسة ويجوز فيما دونها، لأنه المتحقق في الحديث، والخمسة مشكوك فيها، وبهذا قال الشافعي إلا أنه قال: لا أفسخ البيع في مقدار خمسة أوسق وأفسخه فيما وراءه، وحكي ابن القصار عنه اختلاف قوله كاختلاف قول مالك، وهذا في شرائها بخرصها تمرًا، وأما شراؤها بالدنانير والدراهم والعروض على مشهور قول مالك؛ فجائز من ربها وغيره وإن جاوزت خمسة أوسق، وقال الإِمام أما شك الرواي في الخمسة أوسق فعندنا اختلاف في جواز البلوغ إليها، وقد قال بعض المخالفين: إذا شك الراوي بين خمسة فما دون فلا وجه للتعلق بروايته في تحديد مقدار ما دون الخمسة أوسق، ولكن وقع في بعض الروايات: "أربعة أوسق" فوجب الانتهاء إلى هذا للتيقن، وإسقاط ما زاد عليه، وإلى هذا المذهب مال ابن المنذر، وألزم المزني الشافعي أن يقول به.
ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبيد الله بن محمد التيمي، قال: أنا حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن الواسع بن حَبَّان، عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﷺ رخص في العرية في الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة، وقال: في كل عشرة أقناء قنو، يوضع في المسجد للمساكين".
ش: إسناده صحيح، ورجاله ثقات قد تكرر ذكرهم.
وحَبَّان في الموضعين بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة.
стр. 5848
وأخرجه البيهقي (١) من حديث ابن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع، عن جابر: "نهى رسول الله ﵇ عن المحاقلة والمزابنة، وأذن لأصحاب العرايا أن يبيعوها بمثل خرصها، ثم قال: الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة".
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): نا أحمد بن عبد الملك، نا محمد (٣) بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن جابر بن عبد الله قال: "أمر رسول الله ﵇ من كل جاد بعشرة أوسق من تمر بقنو، يعلق في المسجد للمساكين".
حدثنا يعقوب، نا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: "سمعت رسول الله ﵇-حين أَذِنَ لأصحاب العرايا أن يبيعوها بخرصها- يقول: الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة".
قوله: "أقناء" جمع قِنْو -بكسر القاف- وهو العِذق بما فيه من الرطب.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق ... فذكر
стр. 5849
بإسناده مثله، غير أنه قال: "ثم قال: الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة" ولم يذكر قوله: "في كل عشرة".
ش: هذا طريق آخر وهو أيضًا صحيح.
عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن خالد الوهبي الكندي الحمصي أحد مشايخ البخاري في غير الصحيح، عن محمد بن إسحاق صاحب المغازي، عن محمد بن يحيى بن حبَّان، عن عمه واسع بن حَبَّان، عن جابر بن عبد الله ﵁.
ص: قال أبو جعفر -رحمة الله-: فقد جاءت عن الآثار، عن رسول الله ﷺ وتواترت في الرخصة في بيع العرايا، فقبلها أهل العلم جميعًا ولم يختلفوا في صحة مجيئها، وتنازعوا في تأويلها، فقال قوم: العرايا أن يكون الرجل له النخلة والنخلتان في وسط النخل الكثير لرجل آخر، وقد كان أهل المدينة إذا كان وقت الثمار خرجوا بأهليهم إلى حوائطهم، فيجيء صاحب النخلة والنخلتين بأهله؛ فيضر ذلك بصاحب النخل الكثير.
فرخص رسول الله ﷺ لصاحب النخل الكثير أن يعطي صاحب النخلة أو النخلتين بخرص ماله من ذلك تمرًا، لينصرف هو وأهله عنه، ويخلص تمر الحائط كله لصاحب النخل الكثير، فيكون فيه هو وأهله.
وقد روي هذا القول عن مالك بن أنس ﵁.
ش: أشار بهذا الكلام إلى أن هذه الأحاديث التى وردت في العرايا لم ينازع أحد في صحتها، ولا اختلف في صحة مجيئها وإنما تنازعوا في تأويلها، فقال قوم: "العرايا أن يكون الرجل له النخلة أو النخلتين ... " إلى آخره.
وأراد بالقوم هؤلاء: سعيد بن جبير والأوزاعي ومالك بن أنس ﵏، فإنهم قالوا: العرايا هي أن يهب الرجل لآخر ثمر نخلة -أو نخلتين أو نخلات- من ماله ويكون الواهب سكن بأهله في ذلك الحائط، فيشق عليه دخول المعرى في
стр. 5850
الحائط، فله أن يبتاع منه ذلك الثمر يخرصه تمرًا إلى الجداد، ولا يجوز عندهم إلا نسيئة، وأما يدًا بيد فلا.
وقال أبو عمر (١): فجملة قول مالك وأصحابه في العرايا: أن العرية هي أن يهب الرجل من حائطه خمسة أوسق فما دونها، ثم يريد أن يشتريها من المعرى عند طيب الثمرة، فأبيح له أن يشتريها بخرصها تمرًا عند الجذاذ، وإن عَجَّل له لم يجز، ولا يجوز ذلك لغير المعرى؛ لأن الرخصة فيه وردت، وجائز بيعها من غيره بالدنانير والدراهم وسائر العروض.
وقال أيضًا ولا يجوز البيع في العرايا عند مالك وأصحابه إلا لوجهين: إما لدفع ضرر دخول المعرى على المعري، وإما لأن يرفق المعري المعرى فيكفيه المؤنة فيها فأرخص له أن يشتريها منه بخرصها تمرًا إلى الجذاذ.
وفي "الاستذكار": يجوز الإعراء في كل نوع من الثمر كان مما ييبس ويدخر أم لا؟ وفي القثاء والموز والبطيخ قاله ابن حبيب قبل الأبار وبعده لعام أو لأعوام في جميع الحائط أو بعضه، وقال ابن حبيب عن مالك: يكون باجتماع أمرين: أن يصلح فيها ثمره وأن يقبضها، فإن عدم أحد الأمرين قبل موت المعري فلا شيء فيها للمعرى، وقال عبد الوهاب: بيع العرية جائز بأربعة شروط:
أحدهما: أن تزهى وهو قول جمهور الفقهاء، وقال يزيد بن أبي حبيب: يجوز قبل بدو الصلاح.
والثاني: أن تكون خمسة أوسق فأدنى، وهو رواية المصريين عن مالك، وروى عنه أبو الفرج عمرو بن محمد: أنه لا يجوز إلا في أقل من خمسة أوسق، فإن خرصت أقل من خمسة أوسق فلما جذت وجد أكثر، ففي "المدونة" روى صدقة بن حبيب عن مالك: أن الفضل لصاحب العرية، ولو جذ أقل من الخرص ضمن الخرص، ولو خلطه قبل أن يكيله لم يكن عليه زيادة ولا نقص.