وقد أشار أمية بن أبي الصلت إلى هذا المعنى بقوله: "تأبي فما تطلع لنا في رسلها" أي في فورها إلا معذبةَ من جهة الملائكة.
قوله: "فما تطلع" بالجزم للضرورة.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: ثنا أبو معشر البراء، عن صدقة بن طيلسة، قال: حدثني معن بن ثعلبة، قال: حدثني أعشى المازني، قال: أتيت النبي ﵇ فأنشدته:
يا مالكَ النَّاسِ وديَّانَ العربْ ... إني لَقِيتُ ذربة من الذَّرَبْ
كالذئبة العَمْساء في ظل السَّرَبْ ... خرجتُ أبْغيها الطعامَ في رجبْ
فخَلَّفَتْني بنِزاعٍ وهَرَب ... أخْلَفَتِ الوَعْد ولَطَّتْ بالذَّنَبْ
وقَذَفتني بين عَصْرِ ونَشَب ... وهنَّ شرٌّ غالبٌ إن غَلَبْ
قال: فجعل رسول الله ﵇ يقول: وهن شر غالب لمن غلب".
ش: إسناده صحيح.
والمقدمي هو محمَّد بن أبي بكر بن علي بن مقدم، شيخ البخاري، وأبو معشر البراء: اسمه يوسف بن يزيد بن العطار البصري، كان يبري النبل، وقيل: كان يُبْري العود، روي له البخاري ومسلم.
وصدقة بن طيلسة، وثقه ابن حبان.
ومعن بن ثعلبة المازني ذكره ابن حبان في التابعين الثقات.
وأعشى المازني الصحابي اسمه عبد الله بن الأعور، من بني مازن بن عمرو بن تميم، سكن البصرة.
والحديث أخرجه أبو يعلى في "مسنده" (١): ثنا المقدمي، ثنا أبو معشر يوسف بن
стр. 7002
يزيد، حدثني صدقة بن طيلسة، حدثني معن بن ثعلبة المازني، حدثني الأعشى المازني أنه قال: "أتيت النبي ﵇ فأنشدته. . . ." إلى آخره نحوه.
وأخرجه البيهقي أيضًا في "سننه" (١) من طريق المقدمي نحوه.
ثم قال: وقال إبراهيم بن عرعرة: ثنا أبو معشر البراء يوسف بن يزيد، ثنا طيلسة المازني، حدثني أبي والحيّ، عن أعشي بن ماعز بنحوٍ منه. وقال غيره: طيلسة بن صدقة.
قوله: "يا مالك الناس. . . ." إلي آخره، من بحر الرجز، وأصله في الدائرة مستفعلن ست مرات، وفي بعض الروايات: "يا سيد الناس".
قوله: "وديَّان العرب", يعني يا مالكها وسايسها، قال الحُطيئة:
لقد دينت أمر بنيك حتى ... تركتهم أدق من الطحين
يعني ملكت، ويروي: سُوِّست.
قوله: "إنى لقيت ذربة"، وفي بعض الرويات: إليك أشكو ذربةً من الذرب أي امرأة ذربة -بكسر الذال المعجمة وسكون الراء- وهو الفحش في اللسان، وقال ابن الأثير: كنى الأعشي عن فساد امرأته وخيانتها بالذربة، وأصله من ذَرَبِ المعدة وهو فسادها، وذِرْبَة منقولة من ذَرِبَة كمِعْدَة من مَعِدَة. وقيل: أراد سلاطة لسانها وفساد منطقها، من قولهم: ذرب لسانه إذا كان حاد اللسان لا يبالي ما قال.
قوله: "كالذئبة العساء"، أي الشديدة، الجريئة.
"في ظل السرَب", والسَّرَب -بفتح السين والراء المهملتين وفي آخره باء موحدة- وهو البيت في الأرض.
قوله: "خرجت أبغي الطعام"، أي أبغي لها الطعام، أي أطلب.
قوله: "فخلفتني"، أي تركتني. "بنزاع" أي خصومة. "وهرب" أي فرار.
стр. 7003
قوله: "ولطت بالذنب"، أراد أنها سارت في الأرض مسرعة وملازمة بذنبها وهو كناية عن توليها وجَعْلِها ورائها إليه، يقال: لط بالأمر يلط لطًّا إذا لزمه، وهو بالطاء المهملة، وكذلك ألظ بالشيء يلظ إلظاظًا، وهو بالظاء المعجمة، وقال ابن الأثير: أراد توارت واختفت بتخفيها عنه، كما تخفي الناقة فرجَها بذَنَبِها.
قوله: "وقذفتني" أي: رمتني. "بين عصر ونشب"، أراد بالعصر الشدة، والنشب -بفتح النون والشين المعجمة- من نَشِب بعضهم ببعض أي تعلق، وسبب هذه الأبيات أن الأعشي كانت عنده امرأة اسمها معاذة، فخرج يمير أهله من هَجَر، ففرت امرأته بعده ناشزًا عليه، فعاذت برجل يقال له: مطرف بن هصل، فلما قدم الأعشي لم يجدها في بيته، وأُخْبِر أنها نشزت عليه، وأنها عاذت بمطرف، فأتاه فقال له: عندك امرأتي فادفعها إليّ، قال: ليست عندي ولو كانت عندي لم أدفعها إليك، وكان مطرف أَعزَّ منه، فسَار إلى النبي ﵇ فعاذبه وقال الأبيات، وشكى إليه امرأته وما صنعت، وأنها عند مطرف، فكتب النبي ﵇ إلى مطرف: انظر امرأة هذا معاذة، فادفعها إليه، فأتاه كتاب النبي ﵇، فقُرِئَ عليه، فقال: يا معاذة هذا كتاب النبي فيك، وأنا دافعك إليه، قالت: خذ لي العهد والميثاق وذمة النبي ﵇ أن لا يعاقبني فيما صنعت، فأخذ لها ذلك ودفعها إليه، فأنشأ يقول:
لعمركَ ما حبي معاذة بالذي ... يغيره الواشي ولا قِدم العهد
ولا سوء ما جاءت به إذْ أزلَّهاَ ... غواة الرجال إذا ينادونها بعدي
ص: حدثنا الحسن بن عبد الله بن منصور، قال: ثنا الهيثم بن جميل، قال: ثنا شريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﵇: "إن من الشعر حكمًا".
ش: إسناده صحيح ورجاله ثقات.
стр. 7004
وأخرجه أبو داود (١): ثنا مسدد، قال: أنا أبو عوانة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "جاء أعرابي إلى النبي ﵇ فجعل يتكلم بكلام، فقال رسول الله ﵇: إن من البيان سحرًا، وإن من الشعر حُكمًا".
وقد مرّ تفسير الحكم وهو بمعني العلم والفقه والقضاء بالعدل.
ص: حدثنا أبو بشر الرقي؛ قال: ثنا الفريابي، عن سفيان، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى، عن عمرو بن الشريد، عن أبيه قال: "استنشدني النبي ﵇ شعر أمية بن أبي الصلت فأنشدته، فكلما أنشدت بيتًا قال: هيه حتى أنشدته مائة قافية، قال: كاد ابن الصلت يسلم".
ش: أبو بشر: عبد الملك بن مروان الرقي.
والفريابي: هو محمَّد بن يوسف شيخ البخاري.
وسفيان هو الثوري.
وعبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى بن كعب الطائفي أبو يعلى، قال أبو حاتم: ليس بالقوي في الحديث. وقال ابن معين: صالح. روى له النسائي، ومسلم في المتابعات.
وعمرو بن الشريد روى له الجماعة.
وأبوه: شريد بن سويد الثقفي الصحابي.
وأخرجه مسلم (٢): حدثني زهير بن حرب، قال: حدثني عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عمرو بن الشريد، عن أبيه. . . . إلى آخره نحوه.
قوله: "هيه" يعني إيه، فأبدل من الهمزة هاء، وإيه اسم سمي به الفعل، ومعناه الأمر، يقول للرجل: إيه بغير تنوين إذا استزدته من الحديث المعهود بينكما، فإن
стр. 7005
نونت استزدته من حديث ما غير معهود؛ لأن التنوين للتكثير، فإذا أسكته وكففته قلت: إيهًا بالنصب.
قوله: "مائة قافية" أي مائة بيت مقفي.
قوله: "كاد ابن أبي الصلت يُسْلِمُ" أي قرب إسلامه بهذه الأبيات، وقد عُلِمَ أن "كاد" من أفعال المقاربة، وخبره في الغالب يكون فعلًا مضارعًا مجردًا من "أن" كما في قوله تعالي: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ (١) و ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ﴾ (٢) , و ﴿كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ (٣)، وخبره هاهنا قوله: يُسْلِم، وقد يجيء بـ "أن" نثرًا ونظمًا، فمن النثر: قول عمر ﵁: "ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب" وقول أنس بن مالك: "فما كدنا أن نصل إلى مباركنا"، وقول جبير بن مطعم: "كاد قلبي أن يطير"، ومن النظم قول الشاعر:
فما اجتمع الهلباخ في بطن حرة ... مع التمر إلا كاد أن يتكلما
الهلباخ: اللبن الخاثر.
ص: حدثنا محمَّد بن داود، قال: ثنا معلي بن عبد الرحمن الواسطي، قال: ثنا عبد الحميد بن جعفر، عن عمر بن الحكم، عن جابر بن عبد الله، قال: قال الأقرع بن حابس لشباب من شبابهم: "قم فاذكر فضلك وفضل قومك، فقام فقال:
نحن الكرام فُلا حيٌّ يعادلنَا ... نحنُ الكرامُ وفينا يُقسمُ الرُّبُعُ
ونَطْعِمُ النَّاس عِنْدَ القَحْطِ كُلَّهُمُ ... من السديف إذا لم يؤنس القَزَعُ
فإذا أَبينَا فلا يعدل بنا أحد ... إنا كرامٌ وعندَ الفَخْرِ نَرْتَفِعُ
стр. 7006
قال: فقال رسول الله ﷺ : يا حسان أجبه فقال:
نَصَرْنَا رسولَ الله والدينَ عَنْوَةً ... علي رغم عاتٍ من معدٍ وحَاصِرٍ
بضَرْبٍ كإيزاع المخاض مُشَاشُهُ ... وطعن كأفواه اللقاح الصوادر
ألسنا نخوض الموتَ في حومةِ الوغَى ... إذا صار بَرْدُ الموت بين العَسَاكِرِ
ونَضْربُ هَامَ الدَّارعِينَ ونَنتمِي ... إلى حَسَبٍ من جِزْمِ غسان بَاهِرِ
ولولا حَبِيبُ الله قلنا تَكَرُّمًا ... على الناس بالحيَّينِ هلْ مِنْ مُفَاخِرِ
فأحياؤنا مِنْ خَيِرِ مَنْ وَطِئَ الحَصَى ... وأمواتُنَا مِنْ خَيِرْ أهلِ المقَابرِ
ش: معلي بن عبد الرحمن الواسطي، قال ابن المديني: ضعيف الحديث. وذهب إلى أنه كان يضع الحديث.
وعبد الحميد بن جعفر بن عبد الله الأنصاري أبو حفص المدني، قال أحمد: ثقة، ليس به بأس. وعن يحيى: ثقة وكان يرى القدر. روى له الجماعة؛ البخاري مستشهدًا.
وعمر بن الحكم بن رافع بن سنان الأنصاري أبو حفص المدني، واستشهد به البخاري، وروى له الباقون سوي ابن ماجه، وأخرج هذا أصحاب السير.
قوله: "نحن الكرام. ." إلى آخره من بحر البسيط، وأصله في الدائرة مستفعلن فاعلن ثمان مرات. والكرام جمع كريم.
قوله: "يعادلنا" أي يساوينا ويقاربنا.
قوله: "يقسم الرُبْع" بضم الراء والباء، أراد به رُبُع الغنيمة، وهو واحد من أربعة، يقال: رُبعُ ورُبعْ، بتسكين الباء وضمها.
قوله: "من السديف" أراد به شحم السنام، وقال الجوهري: والسديف: السنام، ومنه قول الشاعر:
إذا ما الخَصِيفُ العوبَثَانِي سَاءَنا ... تَرَكنَاهُ واخْتَرْنَا السَّدِيفَ المُسَرْهَدَا
стр. 7007
ومادته: سين ودال -مهملتان- وفاء.
قوله: "إذا لم يؤنس القَزَع" بالقاف والزاي المعجمة المفتوحتين، وهو السحاب، والمعنى: نطعم الشحم في المَحِلّ.
قوله: "فلا يعدل" بالجزم لأجل الوزن.
قوله: "نصرنا رسول الله. . . ." إلى آخره. من بحر الطويل، وأصله في الدائرة: فعولن مفاعيلن، ثمان مرات.
قوله: "عنوة" أي قهرًا وغلبة، من عَنَي يَعْنوُا: إذا ذَلَّ وخَضَعَ، والعنوة: المرة منه، كأن المأخوذ بها يخضع ويذل، وانتصابها علي أنها صفة لمصدر محذوف أي نَصَرْنَا نَصْرًا عنوة، أي: نصرًا قاهرًا للمشركين، ويجوز أن يكون حالًا من الضمير الذي في "نَصَرْنَا" والمعنى: نصرنا قاهرين غالبين عليهم، والمصدر مستغنٍ عن التثنية والجمع.
قوله: "علي رغم عاتٍ" أي علي ذل عاتٍ وقهره، يقال: رَغِمَ يَرْغَمُ ورَغَمَ يَرْغِمُ -من باب علم يعلم، وضرب يضرب رَغْمًا ورِغْمًا ورَغِمًا، وأرغم الله أنفه أي ألصقه بالرغام وهو التراب، هذا هو الأصل، ثم استعمل في العجز والذل، والانقياد على كره.
و"العاتي" من عَتَى يَعْتُو عتوًا فهو عاتٍ، وهو التجبر والتكبر، وفي بعض الروايات: علي رغم باد من معدٍ وحاضرٍ، وهذه هي الأصح؛ لأن الباد هو اللائق بالذكر في مقابلة الحاضر، وأراد بالمعد: معد بن عدنان وهو أبو العرب، وأراد بالباد: الذي يسكن البادية وهم أهل الوبر، وبالحاضر: الذي يسكن المدن والقري، وهم أهل المدر، ولا شك أن النبي ﵇ انتصر على العرب كلهم من أهل البادية والحضر جميعًا.
قوله: "بِضَرْتٍ". متعلق بقوله: نصرنا.
قوله: "كإيزاع المخاض مُشَاشة" ذكر الإيزاع وأرد به التوزيع وهو التفريق، والمعني كتفريق المخاض مشاشة أي بولد، والمُشَاش -بضم الميم وبالشينين
стр. 7008
المعجمتين: البول، والمخاض اسم للنوق الحوامل، واحدتها خَلِفَةً من غير لفظه، وبنت المخاض وابن المخاض ما دخل في السنة الثانية؛ لأن أمه [لحقت] (١) بالمخاض أي الحوامل وإن لم تكن حاملًا، وفي بعض الرواية: "كإيزاغ المخاض" بالغين المعجمة، وهو أيضًا بمعنى الإيزاع بالمهملة، وثلاثته وَزِعَ يَزَعُ وَزْعًا، والإيزاع أصله الأَوْزاغ، قلبت الواو ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها، وهو مصدر مضاف إلي فاعله، ومشاشة مفعوله؛ والضمير فيه يرجع إلى المخاض.
وقوله: "وطعن" عطف علي قوله: و"ضرب" الضرب بالسيوف وما أشبهها، والطعن بالرماح وما أشبهها.
قوله: "كأفواه اللقاح الصوادر" اللقاح -بكسر اللام: ذوات الألبان، الواحدة لقوح، و"الصوادر" جمع صادرة، وهي التي تصدر عن الماء ريّا، فلا تحتاج إلي المقام لأجل الماء، وشبه الضرب بإيزاع الإبل عن الماء بالطعن بأفواهها حتى تصدر؛ لأنه أراد الضرب بالمتابعة في زمن طويل كبول الإبل، فإنه يبول شيئًا فشيئًا ويمده زمانًا، وأراد بالطعن الواسع فيه؛ لأنه هو المهلك، شبه بأفواه الإبل الصوادر؛ لأنها حينئذ تفتح فاها بخلاف وقت الإيراد.
قوله: "في حومة الوَغَي" أي في معظم القتال، وكذلك حومة الماء والرمل وغيرهما: معظمها، و"الوغي" بالغين المعجمة: الحرب، والوغي في الأصل مثل الوعي بالمهملة، ومنه قيل: الحرب وغي؛ لما فيه من الضرب والجلبة.
قوله: "ونضرب هام الدارعين" الهام جمع هامة، وهي الرأس، والدراعين جمع دارع وهو الذي عليه الدرع، وهو الزَّرَدِيَّةَ.
قوله: "وننتمي" أي ننتسب "إلي حسب" وهو الشرف في الآباء وما يعده الإنسان من مفاخرهم، وقيل: إن الحسب والكرم يكونان في الرجل وإن لم يكن له آباء لهم شرف، والشرف والمجد لا يكونان إلا بالآباء.
стр. 7009
قوله: "من جِذم غسان" جِذم الشيء بالكسر أصله، وغسان اسم قبيلة، قال الجوهري: غسان: اسم ماء نزل عليه قوم من الأزد فنسبوا إليه، منهم بنو حنيفة رهط الملوك.
قوله: "باهر" صفة للجذم، أي ظاهر، يقال: بهرت الشمس الأرض: أتي عليها نورها وضوءها، وفي بعض الرواية: "قاهر" من القهر وهو من الغلبة، والأول أصح.
ص: فلما جاءت هذه الآثار متواترة بإباحة قول الشعر ثبت بأن ما نهي عنه في الآثار الأُوَل ليس لأن الشعر مكروه، ولكن لمعنى كان في خاصٍّ من الشعر قصد بذلك النهي إليه.
ش: أراد بهذه الآثار: الأحاديث التي ذكرها، وأراد بالتواتر التكاثر لا التواتر المصطلح عليه، وأراد بالآثار الأُوَل: الأحاديث التي ذكرها في أول الباب التي احتجت بها أهل المقالة الأولى.
قوله: "قصُدِ بذلك" أي بالمعنى الذي كان في خاصٍّ من الشعر، وقوله: "النهيُ" بالرفع مسندٌ إلى قوله: قُصِدَ.
قوله: "إليه" أي إلى المعنى المذكور.
ص: وقد ذهب قوم في تأويل هذه الآثار التي ذكرناها عن رسول الله ﵇ في أول هذا الباب إلي خلاف التأويل الذي وصفنا، فقالوا: لو كان أريد بذلك ما هُجِي به رسول الله ﵇ من الشعر لم يكن لذكر الامتلاء معني؛ لأن قليل ذلك وكثيره كفر، ولكن ذكر الامتلاء يدل علي معنى في الامتلاء ليس فيما دونه، قالوا: فهو عندنا على الشعر الذي يملأ الجوف فلا يكون فيه قرآن ولا تسبيح ولا غيره، فأما من كان في جوفه القرآن والشعر مع ذلك فليس ممن امتلأ جوفه شعرًا؛ فهو خارج من قول رسول الله ﵇: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا؛ خيرًا من أن يمتلئ شعرًا".
حدثنا ابن أبي عمران، قال: سمعت عبيد الله بن محمد بن عائشة يفسر هذا الحديث علي هذا التفسير.
стр. 7010
وسمعت ابن أبي عمران أيضًا وعلي بن عبد العزيز يذكران ذلك عن أبي عبيد أيضًا.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عبيد الله بن محمَّد البصري شيخ أبي داود وغيره، وأبا عبيد القاسم بن سلام ومن تبعهما في هذه المقالة؛ وباقي الكلام ظاهر.
وابن أبي عمران أحمد بن موسى الفقيه البغدادي، أحد الأئمة الحنفية.
وعلي بن عبد العزيز البغدادي الحافظ صاحب "المسند" والتصانيف.
وأبو عبيد هو القاسم بن سلام صاحب التصانيف أيضًا. والله أعلم.
стр. 7011
ص: باب: العاطس يشمت كيف ينبغي أن يرد على من يشمته
ش: أي هذا باب في بيان حكم العاطس إذا شمته المشمت، كيف ينبغي أن يرد عليه، التشميت -بالشين والسين- الدعاء بالخير والبركة والمعجمة أعلاهما يقال: شَمَّتَ فلانًا، وشَمَّتَ عليه تَشْمِيتًا فهو مُشَمِّت، واشتقاقه من الشوامت وهي القوائم كأنه دعاء للعاطس بالثبات علي طاعة الله، وقيل معناه: أبعدك الله عن الشماتة وجنبك ما يُشْمَتُ به عليك.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا ورقاء، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن خالد بن عرفجة قال: "كنا مع سالم بن عبيد، فعطس رجل من القوم، فقال: السلام عليكم، فقال سالم: وعليك وعلى أمك، ما شأن السلام وشأن ما هاهنا؟! ثم سار ساعة ثم قال للرجل: أَعَظُمَ عليك ما قلت لك؟ قال: وددت أنك لم تذكر أمي بخير ولا غيره، قال: بينما نحن مع رسول الله ﵇ إذْ عطس رجل من القوم، فقال: السلام عليكم، فقال رسول الله ﵇: عليك وعلي أمك، إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله رب العالمين -أو على كل حال- وليردوا عليه: يرحمك الله، وليرد عليهم: يغفر الله لكم".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا قيس بن الربيع، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن شيخ من أشجع قال: "كنا مع سالم. . . ." فذكر مثله.
حدثنا ابن مرزوق، قال: حدثنا حبان بن هلال، قال: ثنا أبو عوانة، عن منصور. . . . فذكر بإسناده مثله.
ش: هذه ثلاث طرق:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن ورقاء بن عمر اليشكري الكوفي، قال أحمد: ثقة صاحب سنة. روى له الجماعة.
عن منصور بن المعتمر، روى له الجماعة.
стр. 7012
عن هلال بن يساف -ويقال: إساف- الأشجعي الكوفي، قال العجلي: كوفي تابعي ثقة. روي له الجماعة؛ البخاري مستشهدًا.
عن خالد بن عرفجة -ويقال: عرفطة- تابعي لا يعرف، وقال أبو حاتم: مجهول. روى له أبو داود هذا الحديث وفي روايته أيضًا: خالد بن عرفجة نحو روايته الطحاوي علي ما يأتي الآن.
وهو يروي عن سالم بن عبيد الأشجعي، كان من أهل الصُّفة، يُعد في الكوفيين.
وقال أبو داود (١): ثنا تميم بن المنتصر، قال: ثنا إسحاق -يعني- أبي يوسف، عن أبي بشر ورقاء، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن خالد بن عرفجة، عن سالم بن عبيد الأشجعي. . . . بهذا الحديث عن النبي ﵇.
الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن قيس بن الربيع فيه مقال كثير، عن منصور بن المعتمر، عن هلال بن يساف، عن شيخ من أشجع قال: "كنا مع سالم" فذكر نحو الحديث المذكور، وهذا فيه ضعيف ومجهول.
ورواه ابن المديني، عن يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان، عن منصور، عن هلال، عن رجل، عن سالم. . . . إلى آخره.
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن حَبَّان -بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة- ابن هلال، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن منصور، عن هلال، عن شيخ من أشجع، عن سالم.
وهذا كما ترى فيه اختلاف.
وقال الترمذي (٢): وهذا حديث اختلفوا في روايته عن منصور، وقد أدخلوا بين هلال وبين سالم رجلًا.
стр. 7013
وأخرجه النسائي (١): عن أحمد بن حرب، عن قاسم بن يزيد، عن سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن رجل، عن سالم به.
وعن بندار (٢)، عن يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن رجل، عن آخر قال: "كنا مع سالم في سفر. . . ." فذكره.
وعن القاسم بن زكرياء (٣)، عن معاوية بن هشام، عن سفيان، عن منصور، عن رجل، عن خالد بن عرفطة، عن سالم نحوه.
ورواه ابن المهدي، عن أبي عوانة، عن منصور، عن هلال، عن رجل من آل عرفطة، عن سالم، وهذا كما تراه اختلاف كثير.
وأخرجه أبو داود (٤) في رواية أخري من طريق صحيح: ثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن هلال بن يساف قال: "كنا مع سالم بن عبيد، فعطس رجل من القوم فقال: السلام عليكم، فقال سالم: وعليك وعلي أمك، ثم قال بعد: لعلك وجدت فيما قلتُ؟ قال: لوددت أنك لم تذكر أمي بخير ولا شر، قال: إنما قلت لك كما قال رسول الله ﵇ لنا؛ بينا نحن عند رسول الله ﵇ إذْ عطس رجل من القوم، فقال: السلام عليكم، فقال رسول الله ﵇: وعليك وعلي أمك، ثم قال: إذا عطس أحدكم فليحمد الله، -قال فذكر بعض المحامد- وليقل له مَن عنده: يرحمك الله، وليرد -يعني عليهم: يغفر الله لنا ولكم".
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلي هذا، فقالوا: هكذا ينبغي أن يقول العاطس، ويقال له علي ما في هذا الحديث.
هكذا مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
стр. 7014
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن السائب وسليمان الأعمش والثوري والنخعي؛ فإنهم قالوا: ينبغي للعاطس أن يقول: الحمد لله رب العالمين، أو الحمد لله علي كل حال، ويقول له الحاضرون أو واحد منهم: يرحمك الله، ثم يقول العاطس: يغفر الله لكم، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وروي ذلك عن عبد الله بن مسعود.
رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله قال: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل من عند: يرحمك الله؛ وليرد عليهم: يغفر الله لنا ولكم".
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: بل يقول العاطس بعد أن يشمت: يهديكم الله ويصلح بالكم".
ش: أي خالف القومَ المذكورين جماعةٌ آخرون وأراد بهم: ابن أبي ليلي وعروة ابن الزبير ويحيى وعيسي بن أبي طلحة وإبراهيم بن محمَّد بن طلحة ومالكًا والشافعي؛ فإنهم قالوا: يقول العاطس بعد تشميت الناس إياه: يهديكم الله ويصلح بالكم.
قال أبو عمر: اختلفوا في كيفية رده، فقال مالك: لا بأس أن يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم أو يغفر الله لكم. وهو قول الشافعي، قال: أيُّ ذلك قال حسن. وروي قول هؤلاء عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة ﵄.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا عبد الرحمن بن الجارود، قال: ثنا سعيد بن أبي مريم، قال: أنا عبد الله بن لهيعة، عن أبي الأسود، أنه سمع عبيد بن أم كلاب يقول: سمعت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵄ يقول:"كان رسول الله ﵇ إذا عطس حمد الله، فيقال له: يرحمك الله، فيقول لهم: يهديكم الله ويصلح بالكم".
стр. 7015
ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن جعفر ﵄، وفي إسناده عبد الله بن لهيعة المصري.
وأبو الأسود اسمه محمَّد بن عبد الرحمن بن نوفل المدني يتيم عروة روي له الجماعة. وعبيد بن أم كلاب: لم أر أحدًا يتكلم فيه (١).
والحديث أخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا إسحاق بن عيسي ويحيي بن إسحاق، قالا: نا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، قال: سمعت عبيد بن أم كلاب يحدث، عن عبد الله بن جعفر قال: يحيي بن إسحاق قال: سمعت عبد الله بن جعفر -قال أحدهما: ذي الجناحين- "إن رسول الله ﵇ كان إذا عطس حمد الله، فيقال له: يرحمك الله، فيقول: يهديكم الله ويصلح بالكم".
وأخرجه الطبرانى (٣): عن أحمد بن يحيي، عن عمرو بن خالد، عن ابن لهيعة. . . . إلى آخره نحوه.
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: حدثني أبو معشر، عن عبد الله ابن نُجَيّ، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي ﵇ أنها قالت: "عطس رجل عند رسول الله ﵇، فقال: ماذا أقول يا نبي الله؟ قال: قل: الحمد لله، قال القوم: ما نقول له يا رسول الله؟ قال: قولوا: يرحمك الله، قال: ماذا أقول لهم؟ قال: قل: يهديكم الله ويصلح بالكم".
стр. 7016
ش: أبو معشر اسمه نجيح بن عبد الرحمن السندي، فعن يحيى: ضعيف. وعنه: ليس بشيء. وعن البخاري: منكر الحديث.
وعبد الله بن نُجي -بضم النون وفتح الجيم- قال الدارقطني: لا بأس به.
والحديث أخرجه عبد الله بن وهب في "مسنده".
ص: فقال أهل المقالة الأولى: إنما كان قول النبي ﵇: "يهديكم الله ويصلح بالكم"؛ لأن الذين كانوا بحضرته كانوا يهودًا وكان تعليمه للعاطس في حديث عائشة من قوله: "يهديكم الله ويصلح بالكم" إنما هو لأن من كان بحضرته حينئذٍ كانوا يهودًا.
واحتجوا في ذلك بما حدثنا حسين بن نصر قال ثنا أبو نعيم الفضل بن دُكين، قال: ثنا سفيان، عن حكيم بن الديلم، عن أبي بردة، عن أبي موسى ﵁ قال: "كانت اليهود يتعاطسون عند النبي ﵇ رجاء أن يقول: يرحمكم الله، فكان يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن نعيم بن الديلم، عن الضحاك، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﵇ مثله.
قالوا: فإنما كان قول رسول الله ﵇: "يهديكم الله ويصلح بالكم" لليهود علي ما في هذا الحديث، فأما المسلمون فيقولون علي ما في حديث سالم بن عبيد الذي ذكرناه في أول هذا الباب.
ش: هذا جواب أهل المقالة الأولى عما احتج به أهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه، وهو ظاهر.
قوله: "واحتجوا في ذلك" أي احتج أهل المقالة الأولى فيما أجابوا به عما احتج به أهل المقالة الثانية بحديث أبي موسى الأشعري ﵁.
وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن حسين بن نصر، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري -عن
стр. 7017
سفيان الثوري، عن حكيم بن الديلم المدائني الكوفي، عن أبي بردة عامر بن أبي موسي، عن أبيه أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن حكيم بن الديلم، عن أبي بردة، عن أبيه. . . . إلى آخره نحوه.
وأخرجه الترمذي (٢): ثنا محمَّد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن حكيم بن ديلم، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبي موسى. . . . إلى آخره نحوه.
وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي حذيفة موسي بن مسعود النهدي، شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن حكيم بن الديلم، عن الضحاك بن مزاحم الهلالي الخراساني، عن أبي بردة.
وهذا الطريق فيه الضحاك بين حكيم وبين أبي بردة، وحكيم هذا قد روي عن الضحاك وعن أبي بردة أيضًا.
ص: وليست لهم عندنا حجة في هذا الحديث علي أصحاب المقالة الآخرى؛ لأن الذي في هذا الحديث أن اليهود كانوا يتعاطسون عن النبي ﵇ رجاء أن يقول لهم: يرحمكم الله، فكان يقول: يهديكم الله، فإنما كان هذا القول من النبي ﵇ لليهود إذ كانوا عاطسين، وليس يختلفون هم ومخالفوهم فما يقول المشمت للعاطس، وإنما اختلافهم فيما يقول العاطس بعد التشميت، وليس في حديث أبي موسى من هذا شيء، فلم يضاد حديثُ أبي موسى هذا حديثَ عبد الله بن جعفر ولا حديثَ عائشة اللذين ذكرنا.
стр. 7018
ش: ينهض الطحاوي بهذا الكلام لدفع ما قاله أهل المقالة الأولي من الجواب عما قاله أهل المقالة الثانية؛ ناصرًا لأهل المقالة الثانية، وإيذانًا بأن اختياره هو ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية، وملخص ذلك: أن ما قاله أهل المقالة الأولى لا يطابق مُدَّعَاهم، فإن المُدَّعَي هو قول العاطس بعد تشميت الناس إياه: "يغفر الله لكم"، ثم رَدِّهِم احتجاج أهل المقالة الثانية بحديث عبد الله بن جعفر وعائشة ﵃ بأنَّ هذا إنما كان من النبي ﵇ لليهود حين كانوا يتعاطسون عنده غير مطابق لدعوهم؛ لأنهم والخَصَّم أيضًا لا يختلفون في الذي ينبغي أن يقول المشمت للعاطس، وإنما الاختلاف بينهم في الذي ينبغي أن يقول العاطس بعد تشميت الناس إياه، فكيف يطابق بهذا ردهم بحديث أبي موسى الأشعري ﵁؟.
ص: واحتجوا في ذلك بما روي عن إبراهيم النخعي:
حدثنا محمَّد بن عمرو، قال: ثنا يحيى بن عيسى (ح).
وحدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا الفريابي، قالا: ثنا سفيان، عن واصل، عن إبراهيم قال: "يهديكم الله ويصلح بالكم عند العطاس شيء قالته الخوارج؛ لأنهم كانوا لا يستغفرون للناس".
قيل لهم: وكيف يجوز أن يكون الخوارج أحدثت هذا، وقد كان النبي ﵇ يقوله ويعلمه أصحابه؟
ش: أي احتج أهل المقالة الأولي أيضًا فيما ذهبوا إليه من أن العاطس بعد التشميت يقول: "يغفر الله لكم" ولا يقول: "يهديكم الله ويصلح بالكم" بما روي عن إبراهيم النخغي.
وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن محمَّد بن عمرو، عن يونس، عن يحيى بن عيسى بن عبد الرحمن النهشلي الكوفي، عن سفيان الثوري، عن واصل بن حيان الأحدب الكوفي، عن إبراهيم النخعي.
стр. 7019
الثاني: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن محمَّد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن سفيان .. إلي آخره.
قوله: "قيل لهم": جواب عن هذا الاحتجاج، وهو ظاهر.
وقال أبو عمر بن عبد البر (١): روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: "يهديكم الله ويصلح بالكم شيء قالته الخوارج لأنهم لا يستغفرون للناس، واختار الطحاوي قول: يهديكم الله ويصلح بالكم؛ لأنها أحسن من تحيته، وحال من هُدي وأُصلح [باله فوق المغفور] (٢) له، وروى مالك، عن نافع، عن ابن عمر، من قوله مثله.
ص: وقد روي عن النبي ﵇ في ذلك أيضًا ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر ووهب بن جرير، قالا: ثنا شعبة، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أخيه، عن أبيه عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي أيوب الأنصاري، قال: قال رسول الله ﵇: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه -أو أصحابه: يرحمكم الله، وليقل هو: يهديكم الله ويصلح بالكم".
حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا ربيع المؤذن وحسين بن نصر، قالا: ثنا يحيي بن حسان، قال: ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله.
فثبت بذلك انتفاء ما قاله إبراهيم، وكان ما روي من هذا عن النبي ﵇ أصح مجيئًا وأظهر مما روي من خلافه، فهو أحب إلينا مما خالفه.
стр. 7020
ش: أورد هذين الحديثين -أي حديثي أبي أيوب وأبي هريرة- شاهدًا لصحة ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية؛ وردًا علي إبراهيم النخعي فيما قاله من قوله المذكور، وأشار أيضًا أن هذا اختياره بقوله: "وكان ما روي في هذا. . . ." إلى آخره.
وأخرج حديث أبي أيوب من طريقين:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن سعيد بن عامر الضبعي ووهب بن جرير، كلاهما عن شعبة، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه الكوفي قاضيها، فيه مقال، عن أخيه عيسى بن عبد الرحمن، عن أبيه عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري.
وأخرجه الترمذي (١): ثنا محمود بن غيلان، ثنا أبو داود، قال: أنا شعبة، قال: أخبرني ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلي، عن أبي أيوب، أن رسول الله ﵇ قال: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله علي كل حال، وليقل الذي يرد عليه: يرحمك الله، وليقل هو: يهديكم الله ويصلح بالكم".
ثنا محمد بن المثني (١)، قال: ثنا محمَّد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن ابن أبي ليلي، عن أبي أيوب، عن النبي ﵇، وكان ابن أبي ليلي مضطرب في هذا الحديث يقول أحيانًا: عن علي، عن النبي ﵇، ويقول أحيانًا: عن أبي أيوب، عن النبي ﵇.
الثاني: عن حسين بن نصر، عن عبد الرحمن بن زياد الثفقي الرصافي، عن شعبة. . . . إلى آخره.
وأخرجه النسائي في "اليوم والليلة" (٢): عن بندار، عن سعيد، عن شعبة نحوه.
وأخرجه الدارمي أيضًا في "سننه" (٣).
стр. 7021
وأخرج حديث أبي هريرة: عن ربيع بن سليمان المؤذن وحسين بن نصر، كلاهما عن يحيى بن حسان التنيسي، عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي هريرة.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه البخاري (١): عن مالك بن إسماعيل، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﵇: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل صاحبه: يرحمك الله".
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله علي كل حال، وليقل أخوه -أو صاحبه- يرحمك الله، ويقول هو: يهديكم الله ويصلح بالكم".
стр. 7022
ص: باب: الرجل يكون به الداء هل يُجْتَنَب أم لا ؟
ش: أي هذا باب في بيان الرجل المبتلى بداء مثل الجذام والبرص ونحوهما، هل يُجْتَنَب عنه ويُفَرُّ منه أم لا؟
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: قال أبو سلمة: سمعت أبا هريرة يقول: إن النبي ﵇ قال: "لا يُوردُ الممرض على المصح، فقال له الحارث: بن أي ذباب: فإنك قد كنت حدثتنا أن النبي ﵇ قال: لا عدوى، فأنكر ذلك أبو هريرة، فقال الحارث: بلى، فتمارى هو وأبو هريرة حتى اشتد أمرهما، فغضب أبو هريرة وقال للحارث: تدري ما قلتُ؟ قال الحارث: لا، قلت: تريد بذلك أني لم أحدثك ما تقول؟ قال أبو سلمة: لا أدري أنسي أبو هريرة أم ما شأنه، غير أني لم أر عليه كلمة [نَسِيَها] (١) بعد أن كان يحدثنا بها عن النبي ﵇، غير إنكاره ما كان يحدثنا عن النبي ﵇ في قوله: لا عدوى".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب أن أبا سلمة حدثه أن رسول الله ﵇ قال: "لا عدوى، وأن رسول الله ﵇ قال: لا يُورَد ممرض علي مصح. قال أبو سلمة: كان أبو هريرة يحدثهما كليهما عن رسول الله ﵇ ثم صمت أبو هريرة بعد ذلك عن قوله: لا عدوى وأقام علي أن لا يورد ممرض علي مصح. . . .".
ثم حدث مثل حديث ابن أبي داود.
ش: هذان طريقان رجالهما كلهم رجال الصحيح ما خلا إبراهيم بن أبي داود البرلسي:
стр. 7023
الأول: عن إبراهيم، عن أبي اليمان الحكم بن نافع شيخ البخاري، عن شعيب ابن أبي حمزة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف.
وأخرجه البخاري (١): ثنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، سمعت أبا هريرة، عن النبي ﵇ قال: "لا توردوا الممرض على المصح".
وأخرجه مسلم (٢): عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن أبي اليمان، عن شعيب .. إلي آخره نحوه.
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلي، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي سلمة. . . . إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٣): حدثني أبو الطاهر وحرملة -وتقاربا في اللفظ- قالا: نا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أن [أبا] (٤) سلمة بن عبد الرحمن بن عوف حدثه، أن رسول الله ﵇ قال: "لا عدوى، ويحدث أن رسول الله ﵇ قال: لا يُورَد ممرض علي مصح. قال أبو سلمة: كان أبو هريرة يحدثهما كليهما عن رسول الله ﵇، ثم صمت أبو هريرة بعد ذلك عن قوله: لا عدوى، وأقام علي: أن لا يورد ممرض علي مصح، قال: فقال الحارث بن أبي ذباب -وهو ابن عمِّ أبي هريرة: قد كنت أسمعك يا أبا هريرة تحدثنا مع هذا الحديث حدثنا آخر قد سكت عنه، كنت تقول: قال رسول الله ﵇: لا عدوى، فأبي أبو هريرة أن يعرف ذلك، وقال: لا يورد ممرض علي مصح، فماراه الحارث في ذلك حتي غضب أبو هريرة، فرطن بالحبشية، وقال للحارث: أتدري ماذا قلت؟
стр. 7024
قال: لا، قال أبو هريرة: إني قلت: أَبَيْتُ، قال أبو سلمة: ولعمري لقد كان أبو هريرة يحدثنا أن رسول الله ﵇ قال: لا عدوى، فلا أدري أنسي أبو هريرة أم نسخ أحد القولين الآخر".
قوله: "لا يُورَدُ الممرض". من الإيراد، وهو من وَرَدْتُ الماء أَرِدْه ورودًا إذا أحضرته لتشرب؛ وأَوْرَده غيره، والورد الماء الذي يُرد عليه، والممرض الذي له إبل مرضَي من أَمْرَض الرجل إذا وقع في ماله العاهة، وقال الخطابي: الممرض هو الذي مرضت ماشيته وإبله، والمصح صاحب الصحاح منها، كما قيل: رجل مُضْعِفْ إذا كانت دوابه ضعافًا ومُقْوٍ إذا كانت أقوياء.
قوله: "لا عدوى" العدوى اسم من الإعداء كالرعوى والبقوى من الإرعاء والإبقاء يقال: أعداه الدَّاءُ يُعدْيِه إِعْداءً، وهو أن يصيبه مثل ما أصابه.
قوله: "فتمارى هو" أي الحارث "وأبو هريرة" أي تجادلا وتخاصما.
قوله: "أنَسي أبو هريرة" الهمزة فيه للاستفهام.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلي هذا، فكرهوا إيراد الممرض على المصح، وقالوا: إنما كره ذلك مخافة الإعداء، وأمروا باجتناب ذي الداء والفرار منه.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: أبا طلحة عبد الله وعمرو بن الشريد ويعلى بن عطاء وأخرين؛ فأنهم قالوا: يكره إيراد الممرض على المصح مخافة الإعداء، واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور، وقالوا أيضًا: ينبغي للصحيح أن يجتنب من ذي الداء، وروي ذلك عن أبي هريرة وابن عباس ﵃.
ص: واحتجوا في ذلك بما روي عن عمر ﵁ في الطاعون وفي رجوعه بالناس فارَّا منه، فذكروا ما حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، قال: ثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك: "أن عمر بن الخطاب ﵁ أقبل من الشام، فاستقبله أبو طلحة وأبو عبيدة بن
стр. 7025
الجراح ﵄، فقالا: يا أمير المؤمنين إن معك وجوه أصحاب رسول الله ﵇ وخيارهم، وإنا تركنا مَن بعدنا مثل حريق النار فارجع العام، فرجع عمر ﵁ فلما كان العام المقبل جاء فدخل -يعني الطاعون".
ش: أي احتج هؤلاء القوم أيضًا فيما ذهبوا إليه بحديث أنس.
أخرجه بإسناد صحيح. وأخرجه أحمد نحوه.
وجه الاستدلال به أن عمر رجع بالناس فرارًا عن الطاعون؛ فدل هذا علي جواز فرار الرجل عن ذي العاهة، وعلي أن المصح لا يورد على الممرض.
وأبو طلحة اسمه زيد بن سهل الأنصاري ﵁.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن ابن شهاب، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث ابن نوفل، عن عبد الله بن عباس: "أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد: أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه ﵃ فأخبروه أن الوباء قد وقع. قال ابن عباس ﵄: فقال عمر ﵁: ادعوا لىَّ المهاجرين الأولين، فدعاهم فاستفتاهم، وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا عليه؛ فقال: بعضهم: قد خرجت لأمر ولا نَرى أن ترجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله ﷺ ولا نرى أن تُقْدِمَهم علي هذا الوباء، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادعوا لي مَن كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعوتهم فلم يختلف عليه منهم رجلان، قالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تُقْدِمَهم علي هذا الوباء، فنادى عمر ﵁ في الناس: إني مصبح علي ظهر فأصبحوا عليه. قال أبو عبيدة ﵁: أفرارًا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة؟! نعم: نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت واديًا له عُدْوتان أحداهما خصبة والأخرى جدْبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان غائبًا في
стр. 7026
بعض حاجته، فقال: إن عندي من هذا علمًا: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا سمعتم به بأرضٍ فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه. قال: فحمد الله عمر ﵁ ثم انصرف".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة: "أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام، فلما جاء بسرغ بلغه أن الوباء قد وقع بالشام، فأخبره عبد الرحمن بن عوف ﵁ عن رسول الله ﵇. . . ." فذكر مثل حديث يونس الذي قبل هذا، من حديث عبد الرحمن خاصة -قال: "فرجع عمر ﵁ من سرغ".
حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني هشام بن سعد، عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن: "أن عمر بن الخطاب ﵁ حين أراد الرجوع من سرغ واستشار الناس، فقالت طائفة منهم أبو عبيدة بن الجراح: أمِنَ الموت نفر؟ أَمَا نحن بقدر ولن يصيبنا إلا ما كتب الله؟ فقال عمر: يا أبا عبيدة لو كنت بواد إحدى عدوتيه مخصبة والأخرى مجدبة، أيتهما كنت ترعي؟ قال: المخصبة، قال: فإنا إن تقدمنا فبقدر، وإن تأخرنا فبقدر، وفي قدر نحن". حدثنا الحسين بن الحكم الجيزي، قال: ثنا عاصم بن علي (ح).
وحدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قالا: ثنا شعبة بن الحجاج، عن قيس بن مسلم، قال: سمعت طارق بن شهاب قال: "كنا نتحدث إلى أبي موسى الأشعري، فقال لنا ذات يوم: لا عليكم أن تخفوا عني فإن هذا الطاعون قد وقع في أهلي، فمن شاء منكم أن يتنزه فليتنزه، واحذروا اثنتين: أن يقول قائل: خرج خارج فسلم، وجلس جالس فأصيب، لو كنت خرجت لسلمت كما سلم آل فلان، أو يقول قائل: لو كنت جلست لأصبت كما أصيب آل فلان، وإني سأحدثكم بما ينبغي للناس في الطاعون: إني كنت مع أبي عبيدة وإن الطاعون قد وقع بالشام، وأن عمر ﵁ كتب إليه: إذا أتاك كتابي هذا فإني أعزم عليك إن
стр. 7027
أتاك مصبحًا فلا تمسي حتى تركب، وان أتاك ممسيًا لا تصبح حتى تركب إليَّ؛ فقد عرضت لي إليك حاجة لا غني بي عنك فيها، فلما قرأ أبو عبيدة الكتاب قال: إن أمير المؤمنين أراد أن يستبقي من ليس بباق، فكتب إليه أبو عبيدة: إني في جند من المسلمين لن أرغب بنفسي عنهم، وقد عرفنا حاجة أمير المؤمنين؛ فحللني من عزمتك، فلما جاء عمر الكتاب بكي، فقيل له: توفي أبو عبيدة؟ قال: لا، وكأن قد، فكتب إليه عمر ﵁ إن الأردن أرض عميقة، وإن الجابية أرض نزهة، فانهض بالمسلمين إلي الجابية، فقال لي أبو عبيدة: انطلق فَبَوِّئ المسلمين منزلهم، فقلت: لا أستطيع، قال: فذهب ليركب، وقال لي: رَحِّلْ الناس قال: فأخذته أخذة فطعن فمات، وانكشف الطاعون".
قالوا: فهذا عمر ﵁ قد أمر الناس أن يخرجوا من الطاعون، ووافقه علي ذلك أصحاب رسول الله ﵇. ويروى عبد الرحمن بن عوف ﵁ عن النبي ﵇ ما يوافق ما ذهب إليه في ذلك.
ش: هذه خمس طرق أخرى:
الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح.
وأخرجه مالك في "موطإه" (١).
وأخرجه البخاري (٢): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك.
ومسلم (٣): عن يحيى بن يحيى، عن مالك. . . . نحوه.
الثاني: أيضًا رجاله كلهم رجال الصحيح.
وأخرجه مالك في "موطإه" (٤).
стр. 7028
ومسلم (١) عن يحيى بن يحيى، قال: قرأت علي مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة. . . . إلي آخره نحوه.
الثالث: أيضًا رجاله كلهم رجال الصحيح.
وأخرجه عبد الله بن وهب في "مسنده".
الرابع: عن الحسين بن الحكم بن مسلم الحِبَري -بكسر الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة- نسبة إلى بيع الحِبَر وهو جمع حِبَرَة، كعنب جمع عنبة، وهي بُرْد يماني.
عن عاصم بن علي بن عاصم الواسطي شيخ البخاري، عن شعبة بن الحجاج، عن قيس بن مسلم الجَدَلي العَدْواني الكوفي، وثقه أحمد ويحيى وأبو حاتم، وروى له الجماعة.
عن طارق بن شهاب بن عبد شمس البجلي الكوفي، أدرك الجاهلية ورأى النبي ﵇ وروي عنه، وقال أبو داود: رأى النبي ﵇ ولم يسمع منه شيئًا. مات أيام الجماجم قال: "كنا نتحدث إلى أبي موسى الأشعري" وهو عبد الله بن قيس.
وأخرجه محمَّد بن جرير الطبري (٢).
الخامس: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الرصافي الكوفي، ثقة، عن شعبة. . . . إلى آخره.
قوله: "خرج إلى الشام" كان خروج عمر ﵁ إلى الشام هذه المرة سنة سبع عشرة يتفقد فيها أحوال الرعية وأمرائهم، وكان قد خرج قبل ذلك سنة ست عشرة لما حاصر أبو عبيدة بيت المقدس فقال أهله: يكون الصلح علي يدي عمر ﵁ فخرج لذلك.
قوله: "حتى إذا كان بِسَرْغ" فتح السين المهملة وسكون الراء وفي آخره غين
стр. 7029
معجمة، قال أبو عبيد البكري: هي مدنية بالشام افتتحها أبو عبيدة هي واليرموك والجابية والرمادة متصلة.
قال أبو بكر الحازمي: هي أول الحجاز وآخر الشام بين المُغيْثة وتبوك من منازل حاج الشام.
قال أبو عمر: قيل إنه وادٍ بتبوك، وقيل: بقرب تبوك.
وقال ابن قرقوك: وعن ابن وضاح بتحريك الراء، قال: وهو من المدينة علي ثلاثة عشر مرحلة.
قوله: "لقيه أمراء الأجناد" جمع جُنْد -بضم الجيم وسكون النون- قال الجوهري: الشام خمسة أجناد: دمشق وحمص وتنسرين وأردن وفلسطين يقال لكل منها: جُند.
وقال كراع: كان الشام علي خمسة أجناد، علي كل ناحية أمير، ولم يمت عمر ﵁ حتي جمع الشام كله لمعاوية ﵁.
قوله: "إن الوباء" الوباء مهموز يمد ويقصر، وهو عبارة عن مرض عام يفضي إلى الموت غالبًا، وعند الأطباء: هو آفة تعرض للهواء فيفسد، فتفسد بفساده الأمزجة.
وقال أبو زيد الأنصاري: أرض وبيئة إذا كثر مرضها.
وقال صاحب الجامع: الوبا -علي وزن فعل: الطاعون، وقيل: كل مرض عام وباء. قال ابن درستويه: والعامة لا تهمزه وإن كان ترك الهمزة جائزًا.
قوله: "لو غيرك قالها" جوابه محذوف، أي لو غيرك قال هذه الكلمة لعاقبته، ويقال: معناه: هلا تركت هذه الكلمة لمن قلَّ فقهه.
قوله: "عدوتان" العُدوة بضم العين وكسرها وقرئ بهما في السبعة وهي جانب الوادي.
стр. 7030
قوله: "إحداهما خصبة" قال ابن الأثير: ضبط بفتح الخاء وكسر الصاد في بعض الكتب، وفي بعضها بالسكون.
و"الجدبة" بفتح الجيم وسكون الدال ضد الخصبة.
قوله: "كنا نتحدث إلي أبي موسى" أي عند أبي موسي، وكلمة "إلى" تجيء بمعني "عند" كما في قوله الشاعر (١):
أم لا سَبيلَ إلي الشَّبَابِ وذِكْرُهُ ... أَشْهَى إليَّ من الرحيقِ السَّلْسَلِ
أي ذِكرهُ أشهى عند من الشرابِ الخالص الرائق.
قوله: "لا عليكم" أي لا بأس عليكم أن تخفوا عني أي أن تتفرقوا عني لأجل وقوع الطاعون في أهلي.
قوله: "فاحذروا اثنتين" أي خصلتين.
قوله: "أن يقول قائل" أي إحدى الخصلتين أن يقول قائل.
والخصلة الثانية هي قوله: "أو يقول قائل: لو كانت جلست لأصبت".
قوله: "من عزمتك" العزمة: الحق من الحقوق والواجب من الواجبات.
قوله: "أرض عميقة" أي غور وأودية.
و"الأردن" بضم الهمزة وسكون الراء وضم الدال وهي (٢).
قوله: "فبوئ المسلمين" أمر من بَوَّأَ يبوِّئُ، يقال: بَوَّأَه منزلًا أي أسكنه إياه، وتبوأت منزلًا أي اتخذته.
قوله: "فأخذته أخذة" بفتح الهمزة وسكون الخاء مرة من الأَخْذِ، أراد: ظهر له شيء من أمراض الطاعون فمات من ذلك، قال عروة بن الزبير: "خَرَجَتْ بأبي
стр. 7031
عبيدة في خنصره بثرة، فجعل ينظر إليها، فقيل: إنها ليست بشيء، فقال: إني أرجو أن يبارك الله فيها؛ فإنه إذا بارك في القليل كان كثيرًا، فمات من ذلك وقُبَر ببيسان، وقيل: توفي بعمواس سنة ثماني عشرة ﵁.
ثم الحديث المذكور يشتمل علي أحكام:
الأول: فيه خروج الخليفة إلي أعماله يطالعها وينظر إليها ويعرف أحوال أهلها.
الثاني: فيه استعمال الخليفة أمراءَ عددًا في موضع واحد لوجوه يصرفهم فيها، وكان عمر ﵁ قَسَّمَ الشام علي أربعة أمراء، تحت كل واحد منهم جند وناحية من الشام، وهم: أبو عبيدة، وشرحبيل، ويزيد بن أبي سفيان وأحسب الرابع معاذ بن جبل ﵁ ثم لم يمت عمر ﵁ حتى جمع الشام لمعاوية.
الثالث: فيه دليل علي إباحة العمل والولاية، وأن لا بأس بها للصالحين والعلماء إذا كان الخليفة فاضلًا عالمًا يأمر بالحق ويعدل.
الرابع: فيه دليل علي مشورة من يُوثَقْ بفهمه وعقله عند نزول الأمر المعضل.
الخامس: فيه دليل علي أن المسألة إذا كان دليلها الاجتهاد ووقع فيها الاختلاف لم يجز لأحد القائلين فيه عيب مخالفه ولا الطعن عليه؛ ألا ترى أنهم اختلفوا وهم القدوة فلم يُعِبْ أحد منهم علي صاحبه اجتهاده ولا وَجَدَ عليه في نفسه؟ إلي الله الشكوى، وهو المستعان.
السادس: فيه دليل علي أن المجتهد إذا أدَّاه اجتهاده إلي شيء خالفه فيه صاحبه لم يجز له الميل إلي قوله صاحبه إذا لم يَبِنْ له موضع الصواب فيه، ولا قام له الدليل عليه.
السابع: فيه دليل علي أن الإِمام أو الحاكم إذا نزلت به نازلة لا أصل لها في الكتاب ولا في السنة، كان عليه أن يجمع العلماء وذوي الرأي ويشاورهم، فإن لم يأت واحد منهم بدليل من كتاب أو سنة غير اجتهاده كان عليه الميل إلى الأصلح والأخذ بما يراه.
الثامن: فيه دليل علي إثبات المناظرة والمجادلة عند الخلاف في النوازل والأحكام.
стр. 7032
التاسع: فيه دليل علي أن الحديث يسمى علمًا ويطلق ذلك عليه؛ ألا ترى إلى قول عبد الرحمن بن عوف: "عندي من هذا علم".
العاشر: فيه دليل علي أن الخلق يجرون في قدر الله وعلمه، وأن أحدًا منهم أو شيئًا لا يخرج عن حكمه وإرادته ومشيئته.
الحادى عشر: فيه أن العالم قد يوجد عند من هو في العلم دونه ما لا يوجد منه عنده؛ لأنه معلوم أن موضع عمر ﵁ من العلم ومكانه من الفهم ودنوه من رسول الله ﵇ في المدخل والمخرج فوق عبد الرحمن ﵁ وقد كان عند عبد الرحمن عنه ﵇ ما لم يكن عند عمر ﵁.
الثاني عشر: فيه أن القاضي والإمام والحاكم لا يُنْفِذ قضاء ولا يفصل حكمًا إلا عن مشورة من يحضره ويصل إليه ويقدر عليه من علماء موضعه.
الثالث عشر: فيه دليل عظيم علي ما كان عليه القوم من الإنصاف في العلم والانقياد إليه، وكيف لا يكون ذلك وهم خير الأمم؟!.
الرابع عشر: فيه دليل على استعمال خبر الواحد وقبوله وإيجاب العمل به، وهذا أصح وأقوي من جهة الأثر في خبر الواحد.
ص: وقد روي عن غير عبد الرحمن بن عوف [عن النبي ﷺ ] (١) في مثل هذا ما روي عن عبد الرحمن:
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيي، عن هشام، عن يحيى ابن أبي كثير، عن الحضرمي، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "إذا كان الطاعون بأرض وأنتم بها فلا تفروا منها، وإذا كان بأرضٍ فلا تهبطوا عليها".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا حبان؛ قال: ثنا أبان، قال: ثنا يحيي، أن
стр. 7033
الحضرمي بن لاحق حدثه، أن سعيد بن المسيب حدثه، عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي ﵇ مثله.
ش: أي قد روي عن غير عبد الرحمن بن عوف من الصحابة في مثل هذا الأمر المذكور وهو أمر الوباء إذا وقع بأرض ما روي عن عبد الرحمن بن عوف وهو: سعد بن أبي وقاص ﵁.
أخرج حديثه في هذا من طريقين صحيحين:
الأول: عن محمَّد بن خزيمة، عن مسدد بن مسرهد شيخ البخاري وأبي داود عن يحيى بن سعيد القطان، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير الطائي، عن الحضرمي -بالحاء المهملة- بن لاحق التميمي السعدي اليمامي.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا سويد بن عمرو الكلبي، نا أبان، نا يحيي، عن الحضرمي بن لاحق، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن مالك. أن رسول الله ﵇ قال: "إذا كان الطاعون بأرض فلا تهبطوا عليه، وإذا كان بأرض أنتم بها فلا تفروا منه".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن حَبَّان -بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة- بن هلال الباهلي، عن أبان بن يزيد العطار، عن يحيى بن أبي كثير، عن الحضرمي بن لاحق. . . . إلى آخره.
وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (٢) بأتم منه: ثنا هدبة بن خالد، نا أبان بن يزيد، ثنا يحيى بن أبي كثير، أن الحضرمي بن لاحق حدثه، أن سعيد بن المسيب حدثه، عن سعد بن أبي وقاص، أن رسول الله ﵇ كان يقول: "لا هامة ولا عدوى ولا طيرة، وإن يك شيء في الطير فالمرأة والفرس والدار، وكان يقول: إذا كان الطاعون بأرض فلا تهبطوا عليه، وإذا كان بأرض وأنتم بها فلا تفروا منه".
стр. 7034
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أسامة بن زيد، عن رسول الله ﵇ أنه قال: "إن هذا الوجع -أو السقم- رجز عذب به بعض كفرة الأمم قبلكم ثم بقي في الأرض، فيذهب المرة ويأتي الأخرى، فمن سمع به في أرض فلا يقدمن عليه، ومن وقع بأرض وهو بها فلا يخرجنه الفرار منه".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن إبراهيم بن سعد، قال: سمعت أسامة بن زيد يحدث سعدًا، عن النبي ﵇ قال: "إن هذا الطاعون رجز -أو عذاب- عُذب به قوم؛ فإذا كان بأرض فلا تهبطوا عليه، وإن وقع وأنتم بأرض فلا تخرجوا عنه".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي النضر، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، أنه سمع أباه يسأل أسامة بن زيد: "أسمعت رسول الله ﵇ يذكر الطاعون؟ قال: نعم، قال: كيف سمعته؟ قال: سمعته يقول: هو رجز سلطه الله علي بني إسرائيل أو علي قوم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإن وقع وأنتم بأرض فلا تخرجوا فرارًا منه".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن المنكدر وأيى النضر. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا محمَّد بن خزيمة وفهد، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني ابن الهاد، عن محمَّد بن المنكدر، عن عامر بن سعد، عن أسامة بن زيد، عن رسول الله ﵇: "أنه ذُكِرَ الطاعون عنده، فقال: إنه رجس -أو رجز- عُذب به أمة من الأمم وقد بقيت منه بقايا. . . ." ثم ذكر مثل حديث يونس , وزاد: وقال لي محمَّد: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز ﵁ فقال لي: هكذا حدثني عامر بن سعد.
ش: هذه خمس طرق صحاح، ورجالها كلهم رجال الصحيح ما خلا ابن مرزوق وابن خزيمة وفهدًا.
стр. 7035
الأول: عن يونس بن عبد الأعلي، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري. . . . إلي آخره.
وأخرجه مسلم (١) عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو وحرملة بن يحيى، كلاهما عن ابن وهب. . . . إلي آخره نحوه.
قوله: "رجز" أي عقاب.
قوله: "فيذهب المرة" انتصاب المرة على الظرفية.
قوله: "الفرار" مرفوع علي أنه فاعل لقوله: "فلا يُخْرِجَنَّهُ".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير. . . . إلى آخره.
وأخرجه البخاري (٢): ثنا حفص بن عمر، ثنا شعبة، قال: أخبرني حبيب بن أبي ثابت، قال: سمعت إبراهيم بن سعد، قال: سمعت أسامة بن زيد يحدث سعدًا، عن النبي ﵇ أنه قال: "إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها، فقلت: أنت سمعته يحدث سعدًا ولا ينكره؟ [قال: نعم] (٣) ".
الثالث: عن يونس بن عبد الأعلي. . . . إلي آخره.
وأخرجه مسلم (٤): ثنا عبد الله بن مسلمة وقتيبة بن سعيد، قالا: أنا المغيرة، عن أبي النضر، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله ﵇: "الطاعون آية الرجز، ابتلي الله بها أناسًا من عباده، فإذا سمعتم به فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تفروا منه".
стр. 7036
قلت: أبو النضر -بالنون والضاد- المعجمة اسمه لا يعرف (١)، وهو مولى عمر بن عبيد الله روى له الشيخان وأبو داود.
الرابع: عن يونس أيضًا. . . . إلي آخره.
وأخرجه مالك في "موطإه" (٢).
ومسلم (٣): عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن محمَّد بن المنكدر وأبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه: "أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد: ماذا سمعت من رسول الله ﵇ في الطاعون؟ فقال أسامة: قال رسول الله ﷺ : الطاعون رجز أُرسل علي بني إسرائيل -أو علي من كان قبلكم- فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه" قال مالك: قال أبو النضر: "لا يخرجكم إلا فرار منه"، وقال أبو عمر بن عبد البر (٤): وقع في بعض نسخ شيوخنا إلا فرارًا، وإلا فرارٌ بالنصب والرفع، كأن كان في كتاب يحيى فيه تخليط، وكذلك في كتاب أبي مصعب، ولعل ذلك كان من مالك، والمعنى إذا لم يكن خروجكم إلا فرارًا منه فلا تخرجوا، وأما إذا كان خروجكم غير فارين منه فلا بأس به إن شاء الله.
قال أبو عمر أيضًا: هكذا قال يحيى في هذا الحديث: عامر بن سعد، عن أبيه، وتابعه علي ذلك من رواة "الموطأ" جماعة منهم: مطرف وأبو مصعب، ولا وجه لذكر أبيه في ذلك؛ لأن الحديث إنما هو لعامر بن سعد عن أسامة بن زيد سمعه منه. وهكذا رواه معن بن عيسى وابن بكير ومحمد بن الحسن وغيرهم عن مالك، لم يقولوا: أبيه.
стр. 7037
وقد جوده القعنبي فرواه عن مالك، عن محمَّد بن المنكدر، عن عامر بن سعد ابن أبي وقاص أنه أخبره، أن أسامة بن زيد أخبره، أن رسول الله ﵇ قال: "الطاعون رجز. . . . وذكر الحديث ولم يقل فيه: عن أبيه، ولا ذكر أبا النضر مع محمَّد بن المنكدر.
وقد رواه قوم عن عامر بن سعد، عن أبيه، عن النبي ﵇، وهو وهم ولا يصح. والله أعلم.
الخامس: عن محمَّد بن خزيمة وفهد بن سليمان، كلاهما عن عبد الله بن صالح شيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المدني الأعرج. . . . إلى آخره.
وأخرجه أحمد (١) نحوه: عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أسامة بن زيد، من غير ذكر عمر بن عبد العزيز ﵁.
فإن قيل: هل من أحد إلا يموت؟ فما وجه النهى عن دخول الأرض التي بها الطاعون أو الخروج منها؟
قيل له: إنما نهي عنه حِذارًا أن يظن أن الهلاك كان من أجل القدوم، وأن مَن فَرَّ منه نَجي، وزعم بعضهم أن في قوله: "لا تخرجوا فرارًا منها" جواز الخروج من بلد الطاعون علي غير سبيل الفرار منه، وكذلك حكم الداخل. وقال ابن الجوزي: قال بعض العلماء: إنما نهي عن الخروج من بلد الطاعون؛ لأن الأصحاء إذا خرجوا هلكت المرضي، فلا يبقى من يقوم بحالهم؛ فخروجهم لا يقطع بنجاتهم وهو قاطع بهلاك الباقين، والمسلمون كالبنيان يشد بعضهم بعضًا.
ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: أنا عكرمة بن خالد المخزومي، عن -أبيه أو عن عمه- عن جده: أن رسول الله ﵇ قال في غزوة تبوك: "إذا وقع الطاعون بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها، وإذا كنتم بغيرها فلا تقدموا عليها".
стр. 7038
ش: عكرمة بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي المكي، روي له الجماعة سوى ابن ماجه.
وأبوه خالد بن العاص صحابي ﵁ روى عن النبي ﵇ في بيع الخمر، وقال أبو عمر: وقيل: إن خالدًا لم يسمع من النبي ﵇.
وجده: العاص بن هشام، وهو قتل كافرًا يوم بدر؛ فعن هذا قالوا: إن هذا الإسناد فيه وهم؛ لأن عكرمة كيف يروي عن أبيه عن جده، وجده كافر؟!.
وهكذا أخرجه الطبراني (١) ولكن ليس في روايته ذكر: -أو عمه- وقال: ثنا محمَّد بن عبد الله الحضرمي: ثنا شيبان بن فروخ، ثنا حماد بن سلمة، عن عكرمة بن خالد، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﵇ قال: "إذا وقع الطاعون بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه، وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تدخلوها".
وقال ابن الأثير في ترجمة خالد بن العاص بعد أن روى ما رواه الطبراني بإسناده عنه: هذا وهم؛ لأن جد عكرمة علي ما ذكره هو العاص، وخالد والد عكرمة لا جده، وقد اختلف في جد عكرمة فقال ابن أبي حاتم: عكرمة بن خالد بن سعيد بن العاص، وقال ابن حبان: عكرمة بن خالد بن سلمة المخزومي، وقال أبو نصر الكلاباذي مثل الطبراني: عكرمة بن خالد بن العاص، وقال ابن منده: خالد بن سلمة بن هشام بن العاص بن هشام بن المغيرة.
قلت: يستقيم الإسناد المذكور علي ما ذكره ابن أبي حاتم؛ لأنه حينئذٍ يكون جد عكرمة هو سعيد بن العاص، وسعيد بن العاص صحابي ولد عام الهجرة، وروي عن النبي ﵇، وكذا علي قول ابن حبان , لأنه حينئذٍ يكون جد عكرمة سلمة بن هشام بن المغيرة، وسلمة بن هشام صحابي أسلم قديمًا، وهو أخو أبي جهل بن هشام، وابن عم خالد بن الوليد، وكان من خيار الصحابة وفضلائهم.
стр. 7039
وقد أخرج أبو موسى المديني هذا الحديث -وليس فيه ذكر عن جده- من طريق حَبان بن هلال، عن حماد بن سلمة، عن عكرمة بن خالد، عن أبيه -أو عن عمه: "أن النبي ﵇ قال في غزوة تبوك: إذا كان الطاعون بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها".
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة، عن يزيد بن حميد قال: سمعت شرحبيل بن حسنة يحدث، عن عمرو بن العاص: "أن الطاعون وقع بالشام، فقال عمرو: تفرقوا عنه فإنه رجز، فبلغ ذلك شرحبيل بن حسنة ﵁ فقال: قد صحبت رسول الله ﵇ فسمعته يقول: إنها رحمة ربكم، ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، فاجتمعوا له ولا تفرقوا، فقال عمرو: صدق".
ش: إسناده صحيح.
وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عبد الصمد، ثنا همام، عن قتادة، عن شهر، عن عبد الرحمن بن غنم قال: "لما وقع الطاعون بالشام خطب عمرو بن العاص الناس وقال: إن هذا الطاعون رجس، فتفرقوا عنه في هذه الشعاب وفي هذه الأودية، فبلغ ذلك شرحبيل بن حسنة فغضب، فجاء يجر ثوبه معلق نعله بيده، فقال: صحبت رسول الله ﵇، وعمرو أضل من حمار أهله، ولكنه رحمة ربكم، ودعوة نبيكم، ووفاة الصالحين قبلكم".
ص: قالوا: فقد أمر رسول الله ﷺ في هذه الآثار أن لا يُقدم على الطاعون، وذلك للخوف منه.
ش: أي قال أهل المقالة الأولى، وأراد بهذه الآثار: الأحاديث التي أخرجها عن أنس بن مالك وعبد الله بن عباس وعبد الرحمن بن عوف وطارق بن شهاب وسعد ابن أبي وقاص وأسامة بن زيد وعكرمة بن خالد، عن أبيه، عن جده وشرحبيل بن حسنة ﵃.
стр. 7040
ص: قيل لهم: ما في هذا دليل علي ما ذكرتم؛ لأنه لو كان أَمْرُهُ بترك القدوم للخوف منه لكان يطلق لأهل الموضع الذي وقع فيه أيضًا الخروج منه؛ لأن الخوف عليهم منه كالخوف علي غيرهم، فلما منع أهل الموضع الذي وقع فيه الطاعون من الخروج منه، ثبت أن المعنى الذي من أجله منعهم من القدوم عليه غير المعنى الذي ذهبتم إليه.
ش: هذا جواب عما احتج به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا من الأحاديث المذكورة وهو جواب بطريق المنع، وهو أن يقال: دليلكم لا يطابق مدَّعاكم؛ وذلك لأنه لو كان أمره بترك القدوم للخوف منه. . . . إلى آخره.
ص: فإن قال قائل: فما ذلك المعنى؟
قيل له: هو عندنا -والله أعلم- علي أن لا يقدم عليه رجل فيصيبه بتقدير الله أن يصيبه، فيقول: لولا أن قد قدمت هذه الأرض لما أصابني هذا الوجع، وكذلك لو أقام في الموضع الذي خرج منه لأصابه، فأمر أن لا يقدمها خوفًا من هذا القول، وكذلك أمر أن لا يخرج من الأرض التي قد نزل بها؛ لئلا يسلم، فيقول: لو أقمت في تلك الأرض لأصابني ما أصاب أهلها , ولعله لو كان أقام بها ما أصابه من ذلك شيء، فأمر بترك القدوم على الطاعون للمعنى الذي وصفنا، وبترك الخروج عنه للمعنى الذي ذكرنا، وكذلك ما روينا عنه في أول هذا الباب من قوله: "لا يورد ممرض علي مصح" ليس علي ما تأوله عليه أهل المقالة الأولي، ولكنه عندنا -والله أعلم- لا يورد ممرض علي مصح فيصيب المصح ذلك المرض، فيقول الذي أورده: لو أني لم أورده عليه لم يصبه من هذا المرض شيء، فلعله لو لم يورده أيضًا لأصابه كما أصابه لما أورده، فأمر بترك إيراده وهو صحيح علي ما هو مريض لهذه العلة، التي لا يؤمن على الناس وقوعها في قلوبهم، وقولهم ما ذكرنا بألسنتهم.
ش: أشار بذلك المعنى إلى قوله: غير المعنى الذي ذهبتم وهو ظاهر، وهذا جواب الجمهور، وقالوا: إن نهي النبي ﵇ أن يسقي إبله الممرض مع إبله المصح لا