← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 7036–7075 · переход к 7041.

стр. 7036

قلت: أبو النضر -بالنون والضاد- المعجمة اسمه لا يعرف (١)، وهو مولى عمر بن عبيد الله روى له الشيخان وأبو داود. الرابع: عن يونس أيضًا. . . . إلي آخره. وأخرجه مالك في "موطإه" (٢). ومسلم (٣): عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن محمَّد بن المنكدر وأبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه: "أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد: ماذا سمعت من رسول الله ﵇ في الطاعون؟ فقال أسامة: قال رسول الله ﷺ : الطاعون رجز أُرسل علي بني إسرائيل -أو علي من كان قبلكم- فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه" قال مالك: قال أبو النضر: "لا يخرجكم إلا فرار منه"، وقال أبو عمر بن عبد البر (٤): وقع في بعض نسخ شيوخنا إلا فرارًا، وإلا فرارٌ بالنصب والرفع، كأن كان في كتاب يحيى فيه تخليط، وكذلك في كتاب أبي مصعب، ولعل ذلك كان من مالك، والمعنى إذا لم يكن خروجكم إلا فرارًا منه فلا تخرجوا، وأما إذا كان خروجكم غير فارين منه فلا بأس به إن شاء الله. قال أبو عمر أيضًا: هكذا قال يحيى في هذا الحديث: عامر بن سعد، عن أبيه، وتابعه علي ذلك من رواة "الموطأ" جماعة منهم: مطرف وأبو مصعب، ولا وجه لذكر أبيه في ذلك؛ لأن الحديث إنما هو لعامر بن سعد عن أسامة بن زيد سمعه منه. وهكذا رواه معن بن عيسى وابن بكير ومحمد بن الحسن وغيرهم عن مالك، لم يقولوا: أبيه.

стр. 7037

وقد جوده القعنبي فرواه عن مالك، عن محمَّد بن المنكدر، عن عامر بن سعد ابن أبي وقاص أنه أخبره، أن أسامة بن زيد أخبره، أن رسول الله ﵇ قال: "الطاعون رجز. . . . وذكر الحديث ولم يقل فيه: عن أبيه، ولا ذكر أبا النضر مع محمَّد بن المنكدر. وقد رواه قوم عن عامر بن سعد، عن أبيه، عن النبي ﵇، وهو وهم ولا يصح. والله أعلم. الخامس: عن محمَّد بن خزيمة وفهد بن سليمان، كلاهما عن عبد الله بن صالح شيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المدني الأعرج. . . . إلى آخره. وأخرجه أحمد (١) نحوه: عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أسامة بن زيد، من غير ذكر عمر بن عبد العزيز ﵁. فإن قيل: هل من أحد إلا يموت؟ فما وجه النهى عن دخول الأرض التي بها الطاعون أو الخروج منها؟ قيل له: إنما نهي عنه حِذارًا أن يظن أن الهلاك كان من أجل القدوم، وأن مَن فَرَّ منه نَجي، وزعم بعضهم أن في قوله: "لا تخرجوا فرارًا منها" جواز الخروج من بلد الطاعون علي غير سبيل الفرار منه، وكذلك حكم الداخل. وقال ابن الجوزي: قال بعض العلماء: إنما نهي عن الخروج من بلد الطاعون؛ لأن الأصحاء إذا خرجوا هلكت المرضي، فلا يبقى من يقوم بحالهم؛ فخروجهم لا يقطع بنجاتهم وهو قاطع بهلاك الباقين، والمسلمون كالبنيان يشد بعضهم بعضًا. ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: أنا عكرمة بن خالد المخزومي، عن -أبيه أو عن عمه- عن جده: أن رسول الله ﵇ قال في غزوة تبوك: "إذا وقع الطاعون بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها، وإذا كنتم بغيرها فلا تقدموا عليها".

стр. 7038

ش: عكرمة بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي المكي، روي له الجماعة سوى ابن ماجه. وأبوه خالد بن العاص صحابي ﵁ روى عن النبي ﵇ في بيع الخمر، وقال أبو عمر: وقيل: إن خالدًا لم يسمع من النبي ﵇. وجده: العاص بن هشام، وهو قتل كافرًا يوم بدر؛ فعن هذا قالوا: إن هذا الإسناد فيه وهم؛ لأن عكرمة كيف يروي عن أبيه عن جده، وجده كافر؟!. وهكذا أخرجه الطبراني (١) ولكن ليس في روايته ذكر: -أو عمه- وقال: ثنا محمَّد بن عبد الله الحضرمي: ثنا شيبان بن فروخ، ثنا حماد بن سلمة، عن عكرمة بن خالد، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﵇ قال: "إذا وقع الطاعون بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه، وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تدخلوها". وقال ابن الأثير في ترجمة خالد بن العاص بعد أن روى ما رواه الطبراني بإسناده عنه: هذا وهم؛ لأن جد عكرمة علي ما ذكره هو العاص، وخالد والد عكرمة لا جده، وقد اختلف في جد عكرمة فقال ابن أبي حاتم: عكرمة بن خالد بن سعيد بن العاص، وقال ابن حبان: عكرمة بن خالد بن سلمة المخزومي، وقال أبو نصر الكلاباذي مثل الطبراني: عكرمة بن خالد بن العاص، وقال ابن منده: خالد بن سلمة بن هشام بن العاص بن هشام بن المغيرة. قلت: يستقيم الإسناد المذكور علي ما ذكره ابن أبي حاتم؛ لأنه حينئذٍ يكون جد عكرمة هو سعيد بن العاص، وسعيد بن العاص صحابي ولد عام الهجرة، وروي عن النبي ﵇، وكذا علي قول ابن حبان , لأنه حينئذٍ يكون جد عكرمة سلمة بن هشام بن المغيرة، وسلمة بن هشام صحابي أسلم قديمًا، وهو أخو أبي جهل بن هشام، وابن عم خالد بن الوليد، وكان من خيار الصحابة وفضلائهم.

стр. 7039

وقد أخرج أبو موسى المديني هذا الحديث -وليس فيه ذكر عن جده- من طريق حَبان بن هلال، عن حماد بن سلمة، عن عكرمة بن خالد، عن أبيه -أو عن عمه: "أن النبي ﵇ قال في غزوة تبوك: إذا كان الطاعون بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة، عن يزيد بن حميد قال: سمعت شرحبيل بن حسنة يحدث، عن عمرو بن العاص: "أن الطاعون وقع بالشام، فقال عمرو: تفرقوا عنه فإنه رجز، فبلغ ذلك شرحبيل بن حسنة ﵁ فقال: قد صحبت رسول الله ﵇ فسمعته يقول: إنها رحمة ربكم، ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، فاجتمعوا له ولا تفرقوا، فقال عمرو: صدق". ش: إسناده صحيح. وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عبد الصمد، ثنا همام، عن قتادة، عن شهر، عن عبد الرحمن بن غنم قال: "لما وقع الطاعون بالشام خطب عمرو بن العاص الناس وقال: إن هذا الطاعون رجس، فتفرقوا عنه في هذه الشعاب وفي هذه الأودية، فبلغ ذلك شرحبيل بن حسنة فغضب، فجاء يجر ثوبه معلق نعله بيده، فقال: صحبت رسول الله ﵇، وعمرو أضل من حمار أهله، ولكنه رحمة ربكم، ودعوة نبيكم، ووفاة الصالحين قبلكم". ص: قالوا: فقد أمر رسول الله ﷺ في هذه الآثار أن لا يُقدم على الطاعون، وذلك للخوف منه. ش: أي قال أهل المقالة الأولى، وأراد بهذه الآثار: الأحاديث التي أخرجها عن أنس بن مالك وعبد الله بن عباس وعبد الرحمن بن عوف وطارق بن شهاب وسعد ابن أبي وقاص وأسامة بن زيد وعكرمة بن خالد، عن أبيه، عن جده وشرحبيل بن حسنة ﵃.

стр. 7040

ص: قيل لهم: ما في هذا دليل علي ما ذكرتم؛ لأنه لو كان أَمْرُهُ بترك القدوم للخوف منه لكان يطلق لأهل الموضع الذي وقع فيه أيضًا الخروج منه؛ لأن الخوف عليهم منه كالخوف علي غيرهم، فلما منع أهل الموضع الذي وقع فيه الطاعون من الخروج منه، ثبت أن المعنى الذي من أجله منعهم من القدوم عليه غير المعنى الذي ذهبتم إليه. ش: هذا جواب عما احتج به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا من الأحاديث المذكورة وهو جواب بطريق المنع، وهو أن يقال: دليلكم لا يطابق مدَّعاكم؛ وذلك لأنه لو كان أمره بترك القدوم للخوف منه. . . . إلى آخره. ص: فإن قال قائل: فما ذلك المعنى؟ قيل له: هو عندنا -والله أعلم- علي أن لا يقدم عليه رجل فيصيبه بتقدير الله أن يصيبه، فيقول: لولا أن قد قدمت هذه الأرض لما أصابني هذا الوجع، وكذلك لو أقام في الموضع الذي خرج منه لأصابه، فأمر أن لا يقدمها خوفًا من هذا القول، وكذلك أمر أن لا يخرج من الأرض التي قد نزل بها؛ لئلا يسلم، فيقول: لو أقمت في تلك الأرض لأصابني ما أصاب أهلها , ولعله لو كان أقام بها ما أصابه من ذلك شيء، فأمر بترك القدوم على الطاعون للمعنى الذي وصفنا، وبترك الخروج عنه للمعنى الذي ذكرنا، وكذلك ما روينا عنه في أول هذا الباب من قوله: "لا يورد ممرض علي مصح" ليس علي ما تأوله عليه أهل المقالة الأولي، ولكنه عندنا -والله أعلم- لا يورد ممرض علي مصح فيصيب المصح ذلك المرض، فيقول الذي أورده: لو أني لم أورده عليه لم يصبه من هذا المرض شيء، فلعله لو لم يورده أيضًا لأصابه كما أصابه لما أورده، فأمر بترك إيراده وهو صحيح علي ما هو مريض لهذه العلة، التي لا يؤمن على الناس وقوعها في قلوبهم، وقولهم ما ذكرنا بألسنتهم. ش: أشار بذلك المعنى إلى قوله: غير المعنى الذي ذهبتم وهو ظاهر، وهذا جواب الجمهور، وقالوا: إن نهي النبي ﵇ أن يسقي إبله الممرض مع إبله المصح لا

стр. 7041

لأجل العدوي، ولكن لأن الصحاح ربما عرض لها مرض فوقع في نفس صاحبها أن ذلك من قبيل العدوى فتفتنه وتشككه، فأمر باجتنابه والبعد عنه، وقد يحتمل أن يكون ذلك من قبيل الماء والمرعى تستوبله الماشية فتمرض، فإذا شاركها في ذلك غيرها أصابه مثل ذلك الداء، فكانوا لجهلهم يسمونه عدوى، وإنما هو فعل الله تعالى بتأثير الطبيعة علي سبيل التوسط في ذلك. والله أعلم. ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ في نفي الإعداء: ما حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن الحضرمي، أن سعيد بن المسيب قال: "سألت سعدًا عن الطيرة، فانتهرني، وقال: من حدثك؟ فكرهت أن أحدثه، فقال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: لا عدوى ولا طيرة". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا حبان، قال: ثنا أبان، قال: ثنا يحيى. . . . فذكر بإسناده مثله، وزاد: "ولا هامة". ش: ذكر هذا الحديث وما بعده من الأحاديث شاهدةً لصحة ما ذهب إليه من خالف أهل المقالة الأولى في قولهم: لا يورد الممرض على المصح، وينبغي الفرار والاجتناب عن ذي داء وعاهة. وأخرج هذا الحديث من طريقين صحيحين، وقد ذكرهما بعينهما عن قريب. وأخرج البزار في "مسنده" (١) نحو الأول قال: ثنا محمَّد بن المثني، عن عبيد الله ابن موسى، عن يحيى بن أبي كثير، عن الحضرمي. . . . إلى آخره نحوه. وأبو داود (٢) نحو الثاني: ثنا موسي بن إسماعيل، قال: ثنا أبان، قال: ثنا يحيى، أن الحضرمي بن لاحق حدثه، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن مالك أن رسول الله ﵇ كان يقول: "لا هامة ولا عدوى ولا طيرة، وإن تكن الطيرة في شيء ففي الفرس والمرأة والدار".

стр. 7042

قوله: "لا عدوى" اسم من الإعداء، وقد فسرناه عن قريب. و"الطيرة" بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن، وهي التشاؤم بالشيءِ، وهو مصدر تطير، يقال: تَطَيَّرَ طيَرة كما يقال: تَخَيَّرَ خِيَرَةً ولم يجيء من المصادر هكذا غيرهما، وأصله فيما يقال: التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرهما، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع، وأبطله، ونهي عنه، وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع أو دفع ضر. و"الهامة": الرأس واسم طائر، وهو المراد في الحديث؛ وذلك أنهم كانوا يتشاءمون بها، وهي من طير الليل، وقيل: هي البومة، وقيل: كانت العرب تزعم أن روح القتيل الذي لا يدرك بثأره تصير هامة، فتقول: اسقوني، فإذا أدرك بثأره طارت. أو قيل: كانوا يزعمون أن عظام الميت -وقيل: روحه- تصير هامة فتطير، ويسمونه: الصَّدَي، فنفاه الإِسلام ونهاهم عنه. ذكره الهروي في الهاء والواو، وذكره الجوهري في الهاء والباء. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا عثمان بن أبي شيبة (ح). وحدثنا ابن أبي داود قال: ثنا محمَّد بن عبد الله بن نمير، قالا: ثنا الوليد بن عقبة الشيباني، قال: ثنا حمزة الزيات، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ثعلبة بن يزيد الحماني، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: "لا يُعدي سقيم صحيحًا". ش: هذان طريقان جيدان حسنان: الأول: عن فهد بن سليمان، عن عثمان بن أبي شيبة، عن الوليد بن عقبة بن المغيرة الشيباني الكوفي، قال أبو زرعة: لا بأس به. ووثقه ابن حبان، وروي له أبو داود. عن حمزة بن حبيب بن عمارة الكوفي الزيات، روى له الجماعة سوى البخاري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ثعلبة بن يزيد الحماني الكوفي، وثقه النسائي، وروي له في "مسند علي ﵁" وهو صاحب شُرَطة علي بن أبي طالب.

стр. 7043

وأخرجه أبو يعلي في "مسند" (١) بأتم منه: ثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير، قالا: ثنا الوليد بن عقبة -قال عثمان: الشيباني- قال: نا حمزة الزيات، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ثعلبة الحماني، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا صفر، ولا هامة، ولا يُعدي سقيم صحيحًا". الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمَّد بن عبد الله بن نمير، عن الوليد بن عقبة. . . . إلى آخره. ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﵇: "لا طيرة ولا هامة ولا عدوى، فقال رجل: أطرح الشاة الجربى في الغنم فتجربهن؟ قال النبي ﵇ أو ابن عباس: فالأولى من أجربها؟! ". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: ثنا أبو عوانة، عن سماك فذكر بإسناده مثله، غير أنه لم يشك في شيء منه، وذكره كله عن النبي ﵇. ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن روح بن الفرج القطان، عن يوسف بن عدي شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم. . . . إلى آخره. وأخرجه ابن ماجه (٢): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس نحوه. الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمَّد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي شيخ البخاري، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس.

стр. 7044

ص: حدثنا أبو أمية، قال: ثنا سريج بن النعمان، قال: ثنا هشيم، عن ابن شبرمة، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى، فقال رجل: يا رسول الله، فإن النقبة من الجرب تكون بجنب البعير فيشمل ذلك الإبل كلها جربًا! فقال رسول الله ﵇: فمن أعدى الأول؟ خلق الله كل دابة فكتب أجلها ورزقها وأثرها". ش: إسناده صحيح. وأبو أمية محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي. وسريج -بضم السين المهملة وبالجيم- بن النعمان الجوهري، شيخ البخاري. وهشيم هو ابن بشير. وابن شُبْرة هو عبد الله بن شُبرمة بن الطفيل الضبي الكوفي القاضي، فقيه أهل الكوفة التابعي. وأبو زرعة بن عمرو قيل: اسمه هرم، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، روي له الجماعة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا هاشم، نا محمد بن طلحة، عن عبد الله بن شُبْرمة، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "لا يُعدي شيء شيئًا -ثلاثًا- فقام أعرابي فقال: يا رسول الله، إن النقبة تكون بمشفر البعير أو بعَجبْه؛ فتشمل الإبل جربًا! قال: فسكت ساعة، ثم قال: ما أعدى الأول؟! لا عدوى ولا صفر ولا هامة؛ خلق الله كل نفس، فكتب حياتها وموتها ومصيباتها ورزقها". قوله: "فإن النُقْبَة" بضم النون وسكون القاف وفتح الباء الموحدة، وهو أول شيء يظهر من الجرب، وجمعها نُقْب بسكون القاف؛ لأنها تنقب الجلد أي تحرقه.

стр. 7045

قوله: "وأثرها" بفتحتين، وأراد به: مشيها في الأرض، ومن ذلك سمي الأجل أثرًا لأن من مات لا يبقى له أثر، فلا يُرى لأقدامه في الأرض أثرٌ. ص: حدثنا أبو أمية، قال: ثنا قبيصة، عن سفيان، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن رجل، عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ مثله. ش: قبيصة هو ابن عقبة السوائي، شيخ البخاري. وسفيان هو الثوري. وعمارة بن القعقاع بن شبرمة الضبي الكوفي، روي له الجماعة. وأبو زرعة هو بن عَمرو بن جرير، وقد ذكر الآن، وفيه مجهول. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عبد الرحمن، ثنا سفيان، عن عمارة بن القعقاع، ثنا أبو زرعة، ثنا صاحب لنا، عن عبد الله بن مسعود قال: "قام فينا رسول الله ﵇ فقال: لا يُعدي شيء شيئًا، لا يُعدي شيء شيئًا، لا يعدي شيء شيئًا (٢) فقام أعرابي فقال: يا رسول الله، النقبة من الجرب تكون بمشفر البعير أو بذنبه في الإبل العظيمة، فتجرب كلها! فقال رسول الله ﵇: فما أجرب الأول؟! لا عدوى ولا هامة ولا صفر، خلق الله كل نفس فكتب حياتها ومصيباتها ورزقها". وأخرجه الترمذي (٣) أيضًا عن محمَّد بن بشار، عن عبد الرحمن. . . . إلى آخره نحوه. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا المقدمي، قال: ثنا حسان بن إبراهيم الكرماني، قال: ثنا سعيد بن مسروق، عن عمارة، عن أبي زرعة، عن رجل من أصحاب ابن مسعود، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله.

стр. 7046

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله. ش: هذان طريقان: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمَّد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي، عن حسان بن إبراهيم بن عبد الله الكرماني قاضي كرمان، عن سعيد ابن مسروق الثوري والد سفيان الثوري، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن رجل، عن أبي هريرة. الثاني: عن أبي بكرة بكار، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري. . . . إلى آخره. وأخرجه أحمد (١) نحوه، وقد ذكرناه عن قريب. ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أنا مالك ويونس، عن ابن شهاب، عن حمزة وسالم ابني عبد الله بن عمر عن ابن عمر، ﵄ عن رسول الله ﵇ قال: "لا عدوى". ش: رجاله كلهم رجال الصحيح. ويونس الثاني هو ابن يزيد الأيلي. وأخرجه مالك في "موطإه" (٢). ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج (ح). وحدثنا فهد، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، أن أبا الزبير حدثه، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﵇ مثله. ش: هذان طريقان صحيحان.

стр. 7047

الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد -شيخ البخاري- عن عبد الملك بن جريج، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم المكي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري. وأخرجه مسلم (١): حدثني محمَّد بن حاتم، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا ابن جريج، قال: أنا أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت النبي ﵇ يقول: "لا عدوى ولا غول ولا صفر". الثاني: عن فهد بن سليمان، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري، شيخ البخاري، عن يحيى بن أيوب الغافقي، عن عبد الملك بن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁. ص: حدثنا عبد الله بن محمَّد بن خُشَيش، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا هشام، قال: ثنا قتادة، عن أنس، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﵇ مثله. ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن ابن خُشَيْش -بضم الخاء المعجمة وبشينين معجمتين- عن مسلم بن إبراهيم القصاب شيخ البخاري وأبي داود، عن هشام الدستوائي. . . . إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٢): ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا هشام، عن قتادة، عن أنس، أن النبي ﵇ قال: "لا عدوى ولا طيرة؛ ويعجبني الفأل الصالح [والفأل الصحيح: الكلمة الصحيحة] (٣) ".

стр. 7048

وأخرجه الترمذي (١) عن ابن بشار، عن ابن أبي عدي، عن هشام، عن قتادة، عن أنس نحوه، وقال: حسن صحيح. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن سعيد بن عامر الصبغي، عن شعبة بن الحجاج. . . . إلى آخره. وأخرجه مسلم (٢): ثنا محمَّد بن مثنى وابن بشار، قالا: ثنا محمَّد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث، عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﵇ قال: "لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل، قيل: وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة". وأخرجه ابن ماجه (٣) أيضًا: ص: حدثنا فهد، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا يحيى بن أيوب، قال: أخبرني ابن عجلان، قال: حدثني القعقاع بن حكيم وزيد بن أسلم وعبيد الله بن مقسم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ مثله، وزاد: "ولا هامة ولا غول ولا صفر، قال أبو صالح: فسافرت إلى الكوفة ثم رجعت فإذا أبو هريرة ينتقص: لا عدوى. لا يذكرها، فقلت: لا عدوى، فقال: أببت". حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة وغيره، أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "لا عدوى، فقال أعرابي: يا رسول الله، فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء، فيأتي البعير الأجرب فيجربها؟! فقال رسول الله ﵇: فمن أعدى الأول؟ ". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، قال: قال ابن شهاب: حدثني أبو سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ مثله.

стр. 7049

حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني معروف بن سويد الحذامي، عن عُلَيّ بن رباح اللخمي قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﵇: "لا عدوي". ش: هذه أربع طرق صحاح: الأول: عن فهد بن سليمان، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، عن محمَّد بن عجلان المدني، عن القعقاع بن حكيم الكناني، روى له الجماعة؛ البخاري في غير الصحيح، وعن زيد بن أسلم القرشي المدني الفقيه -أحد مشايخ أبي حنيفة، روى له الجماعة، وعن عبيد الله بن مقسم المدني، روي له الجماعة؛ غير الترمذي، ثلاثتهم عن أبي صالح ذكوان الزيات، روى له الجماعة. وأخرجه أبو داود (١) مختصرًا: ثنا محمَّد بن عبد الرحيم [بن] (٢) البرقي، أن سعيد بن الحكم حدثهم، قال: أنا يحيى بن أيوب، قال: أخبرني ابن عجلان قال: ثنا القعقاع بن حكيم وعبيد الله بن مقسم وزيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن رسول الله ﵇[قال] (٢): "لا غول". وأخرجه البزار في "مسنده" عن محمَّد بن مسكين، عن سعيد بن أبي مريم. . . . إلى آخره. وقال: "لا عدوى ولا غول ولا هامة ولا صفر". الثاني: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، روى له الجماعة، عن أبيه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني، روى له الجماعة، عن صالح بن كيسان المدني، روي له الجماعة، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة.

стр. 7050

وأخرجه البخاري (١): ثنا عبد العزيز بن عبد الله، ثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وغيره، أن أبا هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﵇ قال: "لا عدوى ولا صفر ولا هامة، فقال أعرابي: يا رسول الله، فما بال إبلي (تكون في الرمل) (٢) كأنها الظباء، فيأتي البعير الأجرب فيدخل بينها فيجربها؟! فقال: فمن أعدى الأول؟ ". الثالث: عن يونس بن عبد الأعلي، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمَّد بن شهاب الزهري، عن أبي سلمة عبد الله، عن أبي هريرة. وأخرجه مسلم (٣): حدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحيى -واللفظ لأبي طاهر- قالا: نا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، قال ابن شهاب: فحدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة حين قال رسول الله ﵇: "لا عدوى ولا صفر ولا هامة، فقال أعرابي: يا رسول الله، فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء، فيجيء البعير الأجرب، فيدخل فيها فيجربها كلها؟! قال: فمن أعدى الأول؟ ". الرابع: عن يونس أيضًا عن عبد الله بن وهب، عن معروف بن سويد الحذاء، عن عُلَيّ -بضم العين وفتح اللام- بن رَبَاح، وقال ابن يونس في ترجمة معروف بن سويد هذا: وليس عند ابن وهب عن معروف بن سويد هذا من المسند إلا ثلاثة أحاديث كلها عن عُلَي بن رباح، عن أبي هريرة ﵁. قوله: "لا غَول" الغول بضم الغين المعجمة، أحد الغيلان وهي جنس من الجن والشياطين كانت العرب تزعم أن الغول في الفلاة تتراءى للناس، فتتغول تغولًا أي: تتلون تلونًا في صور شتى، وتغولهم أي تضلهم عن الطريق وتهلكهم، فنفاه النبي ﵇ وأبطله.

стр. 7051

وقيل: قوله: "لا غول" ليس نَفْيًا لعين الغول أو وجوده، وإنما فيه إبطال زعم العرب في تلونه بالصور المختلفة واغتياله، فيكون المعنى بقوله: "لا غول" أنها لا تستطيع أن تُضل أحدًا، ويشهد له الحديث الآخر: "لا غول ولكن السعالي" والسِّعالي جمع سِعلاة وهي السحرة من الجن، أي ولكن في الجن سحرة لهم تلبيس وتخييل، ومنه الحديث: "إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان" أي ادفعوا شرها بذكر الله، وهذا يدل علي أنه لم يرد بنفيها عدمها، ومنه حديث أبي أيوب ﵁: "كان لي تمر في سهوة، فكان الغول يجيء فيأخذ". وقال الخطابي: قوله: "لا غول" ليس نفي الغول عينًا وإبطال كونها، وإنما فيه إبطال ما يتحدثون عنها من اختلاف تلونها في الصور المختلفة، وإضلالها الناس عن الطريق، وسائر ما يحكون عنها مما لا نعلم له حقيقة، نقول: لا تصدقوا بذلك ولا تخافوها؛ فإنها لا تقدر علي شيء من ذلك إلا بإذن الله، ويقال: إن الغيلان سحرة الجن؛ تسحر الناس وتفتنهم بالإنحلال عن الطريق. والله أعلم. قوله: "ولا صفر" كانت العرب تزعم أن في البطن حية يقال لها: الصفر تصيب الإنسان إذا جاع وتؤذيه، وأنها تُعْدِي فأبطل الإِسلام ذلك، وقيل: أراد به النسئ الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية وهو تأخير المحرم إلى صفر ويجعلون صفر هو الشهر الحرام فأبطله، قال الخطابي: حكي أبو عبيد، عن رؤبة بن الحجاج أنه قال: الصفر حية تكون في البطن تصيب الماشية والناس وهي أعدى من الجرب، قال أبو عبيد: فأبطل النبي ﵇ أنها تُعدي. وقال أبو داود في "سننه" (١): ثنا محمَّد بن المصفى، قال: ثنا بقية، قال: قلت لمحمد بن راشد: قوله: هامة قال: كانت الجاهلية تقول: ليس أحد يموت فيدفن إلا خرج من قبره هامة. قلت: فقوله: صفر قال: سمعنا أن أهل الجاهلية كانوا يستشئمون بصفر، فقال: النبي ﵇: لا صفر".

стр. 7052

ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني السائب بن يزيد ابن أخت نمر، عن رسول الله ﵇ مثله. ش: إسناده صحيح. وأبو اليمان الحكم بن نافع -شيخ البخاري. وشعيب هو ابن حمزة. والزهري محمَّد بن مسلم. والسائب بن يزيد الكندي له ولأبيه صحبة. وأخرجه مسلم (١): حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، قال: أنا اليمان، عن شعيب، عن الزهري، قال: حدثني السائب بن يزيد ابن أخت نمر، أن النبي ﵇ قال: "لا عدوى ولا صفر ولا هامة". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا هشام وسعيد، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﵇ مثله. ش: إسناده صحيح. ومسدد هو ابن مسرهد -شيخ البخاري وأبي داود. ويحيى هو ابن سعيد القطان. وهشام هو الدستوائي. وسعيد هو ابن أبي عروبة. وأخرجه مسلم (٢): عن هدبة بن خالد، عن همام، عن قتادة، عن أنس، أن النبي ﵇ قال: "لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل؛ الكلمة الحسنة والكلمة الطيبة".

стр. 7053

ص: حدثنا ابن مرزوق (قال: ثنا) (١) وهب قال: ثنا شعبة، عن علقمة بن مرثد، قال: سمعت أبا الربيع يحدث، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لن يدعهن الناس: الطعن في الأنساب، والنياحة، ومطرنا بنوء كذا وكذا، والعدوى؛ يكون البعير في الإبل فتجرب، فيقول: مَن أعدى الأول". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن علقمة فذكر بإسناده مثله. ش: هذان طريقان حسنان جيدان: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن علقمة بن مرثد الحضرمي الكوفي أحد مشايخ أبي حنيفة، وعن أحمد: ثبت في الحديث. روي له الجماعة، عن أبي الربيع المدني قال أبو حاتم: صالح الحديث. وأخرجه الترمذي (٢): ثنا محمود بن غيلان، قال: ثنا أبو داود، قال: أنا شعبة والمسعودي، عن علقمة بن مرثد، عن أبي الربيع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لن يدعهن الناس: النياحة والطعن في الأنساب، والعدوى؛ أجرب بعير فأجرب مائة بعير؛ ومن [أجرب] (٣) البعير الأول؟ والأنواء؛ مطرنا بنوء كذا وكذا". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. الثاني: عن ابن مرزوق أيضًا، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود، شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد .. إلي آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٤): عن محمَّد بن جعفر، عن حجاج، عن شعبة، عن علقمة. . . . إلى آخره نحوه.

стр. 7054

قوله: "بنوء كذا" النوء يجمع علي أنواء، وهي ثمان وعشرون منزلة ينزل القمر كل ليلة في منزلة منها، ومنها قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ (١)، ويسقط في الغرب كل ثلاثة عشرة ليلة منزلة تنزل القمر مع طلوع الفجر وتطلع أخرى مقابلها ذلك الوقت من الشرق، فتنقضي جميعها مع انقضاء السنة، وكانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة وطلوع رفقتها يكون مطر، وينسبونه إليها فيقولون: مطرنا بنوء كذا، وإنما سمي نوءًا؛ لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء -الطالع بالشرق- ينوء نوءًا أي نهض وطلع، وقيل: أراد بالنوء الغروب وهو من الأضداد، قال أبو عبيد: لم نسمع في النوء أنه السقوط إلا في هذا الموضع، وإنما غلظ النبي ﵇ في أمر الأنواء؛ لأن العرب كانت تنسب المطر إليها، فأما من جعل المطر من فعل الله، وأراد بقوله: مطرنا بنوء كذا أي في وقت هذا -وهو هذا النوء الفلاني- فإن ذلك جائز؛ فإن الله قد أجرى العادة أن يأتي المطر في هذه الأوقات. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو سعيد الأشج، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي ﵇ قال: "لا عدوى. وقال: فمن أعدى الأول؟ ". ش: أبو سعيد الأشج اسمه عبد الله بن سعيد بن الحصين الكندي الكوفي شيخ الجماعة. وأبو أسامة حماد بن أسامة بن زيد القرشي الكوفي روى له الجماعة. وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي الشامي، روى له الجماعة. والقاسم هو ابن عبد الرحمن الشامي، فيه خلاف. وأبو أمامة صُدَيّ بن عجلان الباهلي ﵁. وأخرجه الطبراني (٢): ثنا أحمد بن أنس بن مالك الدمشقي، نا عمرو بن محمَّد

стр. 7055

الغاز الجرشي، ثنا أبو خليد، عن ابن ثوبان، عن أبيه، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﵇: "لا هام، ولا صفر، ولا عدوى، ولا يتم شهران ثلاثون يومًا". ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا يونس بن محمَّد، عن مفضل بن فضالة، عن حبيب بن الشهيد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر ﵁ قال: "أخد النبي ﵇ بيد مجذوم فوضعها في القصعة، وقال: بسم الله، ثقة بالله وتوكلًا على الله". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا محمَّد بن عبد الله الأنصاري، قال: ثنا إسماعيل بن مسلم، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله ﵇ مثله. ش: هذان طريقان: الأول: غريب: عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي شيبة -واسمه عبد الله بن محمَّد الحافظ الكوفي شيخ الشيخين وأبي داود وابن ماجه، عن يونس بن محمَّد بن مسلم البغدادي المؤدب -روى له الجماعة- عن مفضل بن فضالة أبي مالك البصري، فيه مقال؛ فعن يحيى: ليس بذاك، وعن ابن المديني: في حديثه نكارة، وذكره ابن حبان في "الثقات". عن حبيب بن الشهيد الأزدي البصري، روى له الجماعة. وأخرجه الترمذي (١): ثنا أحمد بن سعيد الأشقر وإبراهيم بن يعقوب، قالا: ثنا يونس بن محمَّد، قال: ثنا المفضل بن فضالة. . . . إلى آخره نحوه متنًا وسندًا، غير أن في لفظه: "فأدخله معه في القصعة" قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث يونس بن محمَّد، عن المفضل بن فضالة، هذا شيخ بصري، والمفضل بن فضالة آخر، شيخ مصري أوثق من هذا وأشهر.

стр. 7056

وأخرجه أبو داود (١) وابن ماجه (٢) أيضًا. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن محمَّد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري قاضي البصرة وشيخ البخاري، عن إسماعيل بن مسلم المكي، فيه مقال؛ فعن أحمد: منكر الحديث. وعن ابن معين: لا شيء. وعن ابن المديني: ليس بشيء. وهو يروي عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم المكي، عن جابر بن عبد الله ﵁. قوله: "بيد مجزوم" وهو الذي أصابه الجذام، قال ابن سيده: سمي بذلك؛ لتجذم الأصابع وتقطعها، ورجل أجذم ومجذم: نزل به الجذام، وقالت الأطباء: الجذام علة تحدث من انتشار السواد في جميع البدن، فيفسد مزاج الأعضاء وهيأتها وربما تَقَرح. فإن قيل: قد أخرج البخاري (٣) من حديث أبي هريرة، عن النبي ﵇: "فِرّ من المجذوم فرارك من الأسد". وأخرج أبو نعيم أيضًا (٤) من حديث أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "اتقوا المجذوم كما يتقي الأسد". وفي حديث ابن عباس عنه ﵇: "فروا من الأجذم كما تفرون من الأسد" (٥)، وفي رواية: "لا تديموا النظر إلى المجذومين" (٦). وأخرج ابن حبان (٧) من حديث عمرو بن الشريد، عن أبيه "كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي ﵇: إنا قد بايعناك فارجع".

стр. 7057

وأخرج أبو نعيم (١) أيضًا من حديث الحسن بن عمارة، عن أبيه، عن أبي أوفى، أن رسول الله ﵇ قال: "كلم المجذوم وبينك وبينه قيد رمح أو رمحين". وأخرج ابن ماجه (٢) من حديث فاطمة بنت الحسين، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تديموا النظر إلى المجذوم". وفي رواية (٣) عن فاطمة، عن أبيها، عن علي ترفعه، فذكره. فهذه كلها تعارض حديث جابر ﵁. قلت: لا نسلم ذلك؛ لأمور: الأول: أن حديث جابر لا يقاوم الأحاديث المذكورة، والمُعَارَضَة لا تكون إلا مع التساوي. الثاني: علي تقدير الصحة أن أخذه بيده، وقوله: "كل بسم الله" ليس فيه أنه أكل معه، وإنما أذن له ولم يأكل هو ﵇. ذكره الكلاباذي. الثالث: علي تقدير أكله معه؛ أراد أن يُعْلم أن هذه الأمراض لا تُعدي بطبعها، ولكن الله تعالى جعل مخالطة المريض بها للصحيح سببًا لإعدائه مرضه، ثم قد يتخلف ذلك عن سببه كما في سائر الأسباب؛ ففي حديث جابر ونحوه نفي ما كان يعتقده الجاهلي، وأن ذلك يعدي بطبعه، ولهذا قال في حديث أخر: "فمن أعدي الأول" وفي حديث أبي هريرة ونحوه أَعْلَم أن الله جعل ذلك سببًا لذلك، فحذر من الضرر الذي يغلب وجوده عند وجوده بفعل الله تعالى، أو يكون قاله لمن ضعفت نيته، وحديث جابر يكون في حق من قويت نيته وزاد يقينه، فيخاطب ﵇ كل إنسان بما يليق حاله، وهو ﵇ يفعل الحالتين معًا، تارة بما فيه التسوية والتشريع، وتارة بما يغلب عليه من القوة الإلهية، وزعم النظام أن قوله: "فر من

стр. 7058

المجذوم" معارض لقوله: "لا عدوى" قال أبو بكر محمَّد بن الطيب: هذا جهل وحيف من قائله؛ لأن قوله: "لا عدوى" مخصوص يراد به شيء دون شيء، وإن كان الكلام ظاهره العموم فليس بمنكر أن يخص العموم بقول آخر، أو استثناء فيكون قوله: "لا عدوى" المراد به إلا الجذام والبرص والجرب فكأنه قال: لا عدوى إلا ما كنت بينته لكم أن فيه عدوى فلا تناقض حينئذ. وقال الطبري: اختلف السلف في صحة هذا الحديث -أي حديث: "فرَّ من المجذوم فرارك من الأسد"- فأنكر بعضهم أن يكون ﵇ أمر بالبعد من ذي عاهة جذامًا كان أو غيره، قالوا: قد أكل مع مجذوم وأقعده معه، وفعله أصحابه المهديون، روى عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: "أن وفد ثقيف أتوا أبا بكر الصديق ﵁ فأتى بطعام فدعاهم، فتنحى رجل، فقال: ما له؟ قال: مجذوم، فدعاه وأكل معه". وكان ابن عمر وسلمان ﵃ يصنعان الطعام للمجذومين ويأكلان معهم، وعن عكرمة: "أنه تنحى من مجذوم، فقال له ابن عباس: لعله خير مني ومنك". وعن عائشة: "أن امرأة سألتها. أكان رسول الله ﵇ قال: فروا من المجذومين فراركم من الأسد؟ فقالت: عائشة كلَّا والله، ولكنه قال: لا عدوى، قال: فمن أعدى الأول، وكان مولى لنا أصابه ذلك الداء، فكان يأكل في صحافي ويشرب في أقداحي وينام على فراشي". قالوا: وقد أبطل ﵇ العدوى. وقال آخرون: الخبر صحيح، وقالوا: أمره ﵇ بالفرار منه لنهيه عن النظر إليه. وقال محمَّد بن جرير: الصواب عندنا ما صح أنه لا عدوى وأنه لا يصيب نفسًا إلا ما كُتِبَ عليها من الله، لا ينبغي لذي صحة الدنو من الأجذم وذي العاهة التي يكرهها الناس لا أن ذلك حرام، ولكن حذرًا من أن يظن الصحيح إذْ نزل به الداء أن ذلك أصابه لدنوه منه، فيوجب له ذلك الدخول فيما نهى عنه وأبطله من أمر الجاهلية في العدوى، وليس في أمره ﵇ بالفرار من المجذوم خلاف لأكله معه؛

стр. 7059

لأنه كان يأمر بالأمر علي جهة الندب أحيانًا، وعل وجه الإباحة أحيانًا، ثم يترك فعله؛ ليعلم أن نهيه لم يكن علي وجه التحريم. ص: حدثنا علي بن زيد، قال: ثنا موسى بن داود، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم، عن يحيى بن سعيد، عن أبي مسلم الخولاني، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "كل مع صاحب البلاء؛ توضعًا لربك وإيمانًا". ش: علي بن زيد بن عبد الله الفرضي -نزيل طرسوس. وموسى بن داود الضبي قاضي طرسوس وشيخ أحمد، ثقة روي له مسلم والأربعة غير الترمذي. ويحيى بن سعيد الأنصاري المدني، روي له الجماعة. وأبو مسلم الخولاني اسمه عبد الله بن ثُوبَ بضم الثاء المثلثة وفتح الواو وفي آخره باء موحدة، ويقال: ثواب، ويقال: ابن أثوب، ويقال: ابن عبد الله، ويقال: ابن عوف، ويقال: ابن مسلم، ويقال: اسمه يعقوب بن عوف، اليماني الزاهد، سكن الشام بداريا بالقرب من دمشق رحل يطلب النبي ﵇ فمات النبي ﵇ وهو في الطريق، ولقي أبا بكر الصديق، وروى عن عمر وغيره من الصحابة، روى له مسلم والأربعة غير الترمذي. وأبو ذر اسمه جندب بن جنادة الغفاري ﵁. ص: فقد نفى رسول الله ﷺ العدوى في هذه الآثار التي ذكرناها، وقال: "فمن أعدى الأول؟ " أي لو كان إنما أصاب الثاني لما أعداه الأول؛ إذًا لما أصاب الأول شيء؛ لأنه لم يكن معه ما يعديه، ولكنه لما كان ما أصاب الأول إنما كان بقدر الله ؛ كان ما أصاب الثاني كذلك. ش: أراد بهذه الآثار: الأحاديث التي أخرجها عن جماعة من الصحابة وهم: سعد بن أبي وقاص وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وأبو هريرة وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وأنس بن

стр. 7060

مالك والسائب بن يزيد وأبو أمامة الباهلي وأبو ذر الغفاري ﵃ فإن النبي ﵇ نفى الإعداء في أحاديث هؤلاء حيث قال: "فمن أعدى الأول؟ " وبيَّن معنى هذا الكلام بقوله: أي لو كان إنما أصاب الثاني. . . . إلى آخره. قوله: "لما أعداه الأول" أي لأجل إعداء الأول الثاني، وكلمة "ما" مصدرية. قوله: "إذًا" أي حينئذ. قوله: "لما أصاب الأول شىء". "اللام" مفتوحة و"ما" نافية. قوله: "ولكن لمَّا كان". "لما" هذه بمعنى "حين". ص: فإن قال قائل: أفنجعل هذا مضادًا لما روي عن النبي ﵇: "لا يُورَد مُمْرِض علي مُصِح" كما جعله أبو هريرة. قلت: لا, ولكن نجعل قوله: "لا عدوى" كما قال النبي ﵇ على نفي العدوى أن تكون أبدًا، ونجعل قوله: "لا يورد ممرض علي مصح" على الخوف منه أن يورده عليه فيصيبه بقدر الله ما أصاب الأول، فيقول الناس: أعداه الأول، فكره إيراد المصح إلى الممرض خوف هذا القول. ش: تقرير السؤال أن يقال: الأحاديث المذكورة عن الصحابة المذكورين تدل علي نفي الإعداء، وحديث أبي هريرة الذي رواه عن النبي ﵇: "لا يورد ممرض علي مصح" الذي احتجت به أهل المقالة الأولى يدل علي وجود الإعداء، وبينهما تعارض وتضاد. وتقرير الجواب أن يقال: إنما كان يكون بينهما تعارض إذ ورد معناهما علي محل واحد، وأما إذا كان معنى كل واحدٍ واردًا علي محل واحدٍ؛ لا يتحقق التعارض ولا التضاد، وهاهنا كذلك، وقد بينه بقوله: "ولكن نجعل". قوله: "لا عدوى. . . ." إلي آخره وهو ظاهر، والهمزة في قوله: "أفنجعل" للاستفهام.

стр. 7061

ص: وقد روينا عن رسول الله ﵇ في هذه الآثار أيضًا وضعه يد المجذوم في القَصْعة، فدلّ فعل رسول الله ﵇ هذا أيضًا علي نفي الإعداء؛ لأنه لو كان الإعداء مما يجوز أن يكون؛ إذًا لما فعل النبي ﵇ ما يخاف ذلك منه؛ لأن في ذلك جَرُّ التلف إليه، وقد نهى الله عن ذلك فقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ وقد مَرَّ رسول الله ﵇ بهدف مائل فأسرع"، فإذا كان يسرع من الهدف المائل مخافة الموت؛ فكيف يجوز عليه أن يفعل ما يخاف منه الإعداء؟!. ش: ذكر هذا تأييدًا لما قاله من نفي التضاد بين الأحاديث المذكورة، في دلالة وضع النبي ﵇ يد المجزوم في القصعة علي نفي الإعداء، ظاهره قطعًا، إذ لو كان الإعداء مما له وقوع لما فعل النبي ﵇ ما يخاف الإعداء منه؛ لأن فيه جلب التلف إلى النفس، وقد نهي الله عن ذلك بقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١) ولما مَرَّ النبي ﵇ بهدف مائل أسرع خوفًا من الوقوع، فإذا كان قد أسرع في ذلك مخافة الموت؛ فكيف يجوز عليه فعل ما يخاف منه الإعداء الذي يؤدي إلى التلف؟!. و"الهدف" بفتحتين كل بناء مرتفع مشرف. وقد أخرج الطحاوي هذا معلقًا هاهنا. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا إسماعيل بن علية، عن حجاج الصواف قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: بلغني أن رسول الله ﵇ كان يقول: "إذا مَرَّ أحدكم بهدف مائل، أو صدف مائل فليسرع المشي، وليسأل الله المعافاة". ص: وقد ذكرت فيما تقدم من هذا الباب أيضًا معنى ما روي عن رسول الله ﵇ في الطاعون في نهيه عن الهبوط عليه، وفي نهيه عن الخروج منه، وأن نهيه عن الهبوط عليه خوفا أن يكون قد سبق في علم الله أنهم إذا هبطوا عليه أصابهم، فيهبطون فيصيبهم، فيقولون: أصابنا لأنا هبطنا عليه، ولولا أنا هبطنا عليه لما أصابنا.

стр. 7062

وأن نهيه عن الخروج منه لئلا يخرج رجل فَيَسْلَم فيقول: سلمت لأني خرجت، ولولا أني خرجت لم أَسْلَم، فلما كان النهي عن الخروج عن الطاعون، وعن الهبوط عليه لمعنى واحد وهو الطيرة لا الإعداء؛ كان كذلك قوله: "لا يورد ممرض علي مصح" هو الطيرة أيضًا لا الإعداء؛ فنهاهم رسول الله ﵇ في هذا كله عن الأسباب التي من أجلها يتطيرون، وفي حديث أسامة الذي رويناه عن رسول الله ﵇، "وإذا وقع بأرض وهو بها فلا يخرجه الفرار منه" دليل علي أنه لا بأس بأن يخرج منها لا على الفرار منه. ش: المعنى الذي ذكره في قوله ﵇: "إذا كان الطاعون بأرض فلا تهبطوا عليه، وإذا كان بأرض أنتم بها فلا تفروا منه" مما يؤيد المعنى الذي ذكره في التوفيق بين الأحاديث التي فيها نفي الإعداء؛ وبين قوله ﵇: "لا يورد ممرض على مصح" وهو ظاهر. وقوله: "فلما كان النهي عن الخروج. . . ." إلي آخره إشارة إلى أن حاصل المعنى المذكور يرجع إلى معنى الطيرة لا إلي معنى الإعداء، فإذا كان المعني على هذا؛ كان معني قوله: "لا يورد ممرض علي مصح" راجعًا إلى معنى الطيرة لا الإعداء، فكأن النهي في الأحاديث المذكورة عن مباشرة الأسباب التي كانوا يتطيرون من أجلها. ص: وقد دل علي ذلك أيضًا ما حدثنا يونس، قال: أنا بشر بن بكر، قال: أنا الأوزاعي، قال: حدثني يحيي بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أنس ﵁ أن نفرًا من عكل قدموا علي رسول الله ﷺ المدينة فاجتووها، فقال رسول الله ﷺ : "لو خرجتم إلي ذودٍ فشربتم من ألبانها وأبوالها، ففعلوا فصحوا. . . ." ثم ذكر الحديث. حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا سماك بن حرب، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك قال: "أتى رسول الله ﷺ نفر مَرْضَي من حي من أحياء العرب، فأسلموا وبايعوه، وقد وقع بالمدينة المُومْ وهو البرسَام، فقالوا: يا رسول الله، هذا الوجع قد وقع، فلو أذنت لنا فخرجنا إلى الإبل فكنا فيها؟ قال: نعم، اخرجوا فكونوا فيها".

стр. 7063

ففي هذا الحديث أن رسول الله ﵇ أمرهم بالخروج إلى الإبل، وقد وقع الوباء بالمدينة، فكان ذلك عندنا -والله أعلم- علي أن يكون خروجهم للعلاج لا للفرار منه؛ فثبت بذلك أن الخروج من الأرض التي وقع فيها الطاعون مكروه للفرار منه؛ مباح لغير الفرار. ش: أي وقد دل علي أنه لا بأس بالخروج من الأرض التي وقع فيها الوباء إذا كان لا علي وجه الفرار منه، ما روي عن أنس بن مالك ﵁. وأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلي، عن بشر بن بكر التنيسي شيخ الشافعي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير الطائي، عن أبي قلابة عبد الله ابن زيد الجرمي، عن أنس. وأخرجه (١): ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: قدم أناس من عكل أو عرينة. فاجتووا المدينة، فأمرهم النبي ﵇ بلقاح وأن يشربوا من أبوالها وألبانها فانطلقوا، فلما صَحُّوا قتلوا راعي النبي ﵇ واستاقوا النعم، فجاء الخبر في أول النهار فبعث في آثارهم، فلما ارتفع النهار جيء بهم، فأمر فقطع أيدهم وأرجالهم، وسمرت أعينهم، وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون، قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله". وأخرجه البخاري في جامعه في مواضع متعددة (٢). وأخرجه أبو داود (٣): عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد. . . . إلى آخره.

стр. 7064

وأخرجه (١) أيضًا عن عمرو بن عثمان، عن الوليد، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أنس. الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، عن زهير بن معاوية، عن سماك بن حرب، عن معاوية بن قرة بن إياس البصري، عن أنس ﵁. وأخرجه مسلم (٢): ثنا هارون بن عبد الله، قال: ثنا مالك بن إسماعيل، قال: نا زهير، قال: ثنا سماك بن حرب، عن معاوية بن قرة، عن أنس قال: "أتى رسول الله ﵇ نفر من عرينة وأسلموا وبايعوه، وقد وقع بالمدينة الموم وهو البرسام. . . ." الحديث. وأخرجه مسلم بطرق متعددة (٢). قوله: "اجتووه" أي أصابهم الجوى -بالجيم- وهو المرض، وداء الجوف إذا تطاول، وذلك إذا لم يوافقهم هواها واستوخموه، يقال: اجْتَوَيْتُ البلد؛ إذا كرهت المقام فيه وإن كنت في نعمة. قوله: "إلي ذَوْد" الذود من الإبل ما بين الثنتين إلى التسع، وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر، واللفظة مؤنثة ولا واحد لها من لفظها، كالنعم، وقال أبو عبيد: الذَّوْدُ من الإبل الإناث دون الذكور. قوله: "وقد وقع بالمدينة الموم" بميمين بينهما واو ساكنة أولاهما مضمومة، هو البرسام مع الحمي، وقيل: هو بثر أصغر من الجدري، و"الموم" أيضًا الشمع وهو معرب. و"البِرْسَام" بكسر الباء وهي علة معروفة. ويستفاد من هذا الحديث أحكام قدمناها في مواضعها.

стр. 7065

ص: وعلي هذا المعنى -والله أعلم- رجع عمر ﵁ بالناس من سرغ، لا علي أنه فار مما قد نزل بهم؛ والدليل علي ذلك: أن ابن أبي داود قد حدثنا، قال: ثنا علي بن عياش الحمصي، قال: ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: " [اللهم] (١) إن الناس نحلوني ثلاث خصال، وأنا أبرأ إليك منهن: زعموا أني فررت من الطاعون وأنا أبرأ إليك من ذلك، وأني أحللت لهم الطلاء وهو الخمر، وأنا أبرأ إليك من ذلك, و [أني] (٢) أحللت لهم: المكس وهو البخس، وأنا أبرأ إليك من ذلك". فهذا عمر ﵁ يخبر أنه يبرأ إلي الله أن يكون فَرَّ من الطاعون، فدل ذلك أن رجوعه كان لأمر آخر غير الفرار، وكذلك ما أراد بكتابه إلي أبي عبيدة ﵁ أن يخرج هو ومن معه من جند المسلمين إنما هو لنزاهة الجابية وعمق الأردن، وقد بيَّن أبو موسى في حديث شعبة، المكروه في الطاعون ما هو؟ وهو أن يخرج منه خارج فيسلم فيقول: سَلِمْتُ لأني خرجت، أو يهبط عليه هابط فيصييه فيقول: أصابني لأني هبطت، وقد أباح أبو موسى مع ذلك للناس أن يتنزهوا عنه إن أحبوا، فدل علي ما ذكرنا على التفسير الذي وصفنا. فهذا معنى هذه الآثار عندنا والله أعلم. ش: أي وعلى المعنى الذي ذكرنا وهو أن الخروج من الموضع الذي وقع فيه الوباء لا بأس به إذا كان لا للفرار منه؛ رجع عمر بن الخطاب ﵁ بالناس من سَرْغ -بفتح السين وسكون الراء المهملتين وبغين معجمة- وروي بفتح [الراء] (٣) أيضًا، وقد ذكرنا أنها قرية بوادي تبوك من طريق الشام، ولم يكن رجوع عمر منها علي أنه فر من الذي قد نزل بأهل الشام من الوباء.

стр. 7066

فإن قيل: لا نسلم أن رجوعه كان لغير الفرار من الوباء، ألا ترى أنه لما قال له أبو عبيدة: "أفرارًا من قدر الله؟ قال له: نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله". قلت: لدفع هذا السؤال: قال الطحاوي: والدليل علي ذلك أي علي أن رجوع عمر بالناس لم يكن فرارًا عن الوباء؛ أن ابن أبي داود قد حدثنا. . . . إلي آخره. وقوله: "الدليل" مبتدأ. وقوله: "أن ابن أبي داود" وفي محل الرفع خبره. وهو إبراهيم البرلسي، يحدث عن علي بن عياش -بالياء المشددة وبالشين المعجمة- بن مسلم الألهاني الحمصي شيخ البخاري، عن شعيب بن أبي حمزة .. إلي آخره. وهو إسناد صحيح. وقد صرح فيه أنه تبرأ من قول الناس: فَرَّ عمر من الطاعون، حيث قال: أبرأ إلى الله من ذلك. وقال أبو عمر (١): لم يبلغني أن أحدًا من أهل العلم فر من الطاعون إلا ما ذَكَر المدائني أن علي بن زيد بن جدعان هرب منه فطعن فمات بالسيالة، قال: وهرب عمرو بن عبيد، ورباط بن محمَّد بن رباط إلى الرباطية، فقال إبراهيم بن علي القعنبي: ولما استفزَّ الموتُ كل مكذبٍ ... صبرتُ ولم يَصْبِرْ رباطٌ ولا عَمرو وقال المدائني: ولما وقع الطاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان، خرج هاربًا، فنزل قرية من قرى الصعيد يقال لها: سكر، فقدم عليه حين نزلها رسول لعبد الملك، فقال له عبد العزيز: ما اسمك؟ قال: طالب بن مدرك، فقال: أوه، ما أراني راجعًا إلى الفسطاط، فمات في تلك القرية.

стр. 7067

قوله: "إن الناس نحلوني" بالنون والحاء المهملة، من نَحَلْتُه القولَ أَنْحَلَه -بالفتح- إذا أضفت إليه قولًا قاله غيره، وادعيته عليه، ومنه انتحل فلان شعر غيره إذا ادعاه لنفسه، وتنحله مثله. وقوله: "الطلاء" بكسر الطاء وبالمد، وهو الشراب المطبوخ من عصير العنب، وهو الرُّبُّ، وأصله القطران الخاثر الذي تطلى به الإبل. وقوله: "وهو الخمر" أي الطلاء هو الخمر وإنما أطلق عليه الخمر لكونهم كانوا يشربون المسكر ويقولون: إنه طلاء إنما أباحه عمر ﵁ فلأجل ذلك برئ إلي الله من ذلك. وقد جاء في الحديث عن النبي ﵇: "لتشربن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". رواه ابن أبي شيبة (١): عن علي بن مسهر، عن الشيباني، عن أبي بكر بن حفص، عن ابن محيريز، عنه ﵇. وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢) ثنا وكيع، عن جعفر بن برقان، عن فرات بن سليمان، عن رجل من جلساء القاسم، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﵇: "أول ما يكفئ [أمتي عن] (٣) الإسلام بشراب يقال له: الطلاء" انتهي. أراد به الخمر الذي يسمونه الطلاء، وأما الطلاء الذي مباح شربه فهو ما إذا ذهب ثلثاه وبقي ثلثه حتي يصير كالرُّبِّ، وعن أنس ﵁: "أن أبا عبيدة ومعاذ بن جبل وأبا طلحة، كانوا يشربون من الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه". رواه ابن أبي شيبة (٤): عن علي بن مسهر، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس.

стр. 7068

وقال ابن أبي شيبة أيضًا (١) ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن داود بن أبي هند قال: "سألت سعيد بن المسيب عن الشراب الذي كان عمر بن الخطاب ﵁ أجازه للناس؟ قال: هو الطلاء قد طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه". قوله: "المكس" هو الضريبة التي يأخذها الماكس وهو العَشَّار. قوله: "وهو البخس" بالباء الموحدة، والخاء المعجمة، وفي آخره سين مهملة، وفُسِّر المكس به لأن البخس هو ما يأخذه الولاة باسم العشور والمكوس يتأولون فيه الزكاة والصدقة. قوله: "وكذلك ما أراد" أي وكذلك كان مراد عمر بن الخطاب في كتابه إلى أبي عبيدة: "إن الأردن أرض عمق، وإن الجابية أرض نزهة، فانهض بالمسلمين إلى الجابية" يعني كان مراده أن يخرج هو ومن معه من المسلمين إلى الجابية لنزاهتها ويخرجوا من الأردن لعماقها , ولم يكن ذلك لأجل الفرار من وقوع الوباء فيها. ص: وأما الطيرة فقد رفعها رسول الله ﵇ وجاءت الآثار بذلك مجيئًا متواترًا: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير وروح، قالا: ثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن عيسى -رجل من بني أسد، عن زِرٍّ، عن عبد الله ﵁، قال قال رسول الله ﵇: "إن الطيرة من الشرك، وما منَّا إلَّا, ولكن الله يذهبه بالتوكل". حدثنا أبو أمية، قال: ثنا شريح، قال: أنا هشيم، عن ابن شبرمة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "لا طيرة". حدثنا أبو أمية، قال: ثنا قبيصة، عن سفيان، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن رجل، عن عبد الله، عن النبي ﵇، مثله.

стр. 7069

حدثنا يونس، قال أنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك ويونس عن ابن شهاب، عن حمزة وسالم ابني عبد الله بن عمر، عن ابن عمر، عن رسول الله ﵇ مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا ابن أبي الزناد، قال: حدثني علقمة بن أبي علقمة، عن أمه، عن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﵇ يبغض الطيرة ويكرهها". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا هشام وشعبة، عن قتادة، عن أنس، عن رسول الله ﵇ قال: "لا طيرة". حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة وغيره، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ مثله. حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ مثله. حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني معروف بن سويد، عن عُلَيّ بن رباح اللخمي، قال: سمعت أبا هريرة يحدث، عن رسول الله ﵇ مثله. حدثنا عبد الله بن محمَّد بن خشيش، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا هشام، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر، عن شعبة، عن قتادة. . . . فذكر بإسناده مثله. حدثنا فهد، قال: ثنا أبو سعيد الأشج، قال: ثنا أبو أسامة، قال: حدثني عبد الرحمن بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا مروان بن معاوية بن الحارث، وابن المبارك، عن عوف، عن حيان، عن قطن بن قبيصة بن المخارق، عن أبيه، قال: سمعت النبي ﵇ يقول: "العيافة والطيرة والطرق من الجبت".

стр. 7070

فلما نهى رسول الله ﵇ عن الطيرة، وأخبر أنها من الشرك، نهى الناس عن الأسباب التي يكون عنها الطيرة، مما ذكر في هذا الباب. ش: لما ذكر فيها مضى أن نهيه ﵇ عن الخروج من الأرض التي وقع فيها الوباء وعن الهبوط إليها لمعنى واحد، وهو الطيرة لا الإعداء، أراد أن يبين أن الطيرة قد رفعها رسول الله ﵇ وأخبر أنها من الشرك. وأخرج فيها عن جماعة من الصحابة، وهم: عبد الله بن مسعود وأبو هريرة وعبد الله بن عمر وعائشة وأنس بن مالك وأبو أمامة وقبيصة بن المخارق ﵃. أما عن ابن مسعود فأخرجه من طريقين: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير وروح بن عبادة، كلاهما عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن عيسى بن عاصم الأسدي الكوفي، وثقه أحمد، عن زِرِّ -بكسر الزاي وتشديد الراء- بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود. وأخرجه أبو داود (١): نا محمَّد بن كثير، قال: ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن عيسى بن عاصم، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله ﵇ قال: "الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك -ثلاثًا- وما منا إلَّا, ولكن الله يذهبه بالتوكل". وأخرجه الترمذي (٢) وقال: حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث سلمة، وقال فيه: وروى شعبة أيضًا هذا الحديث عن سلمة. سمعت محمدًا يقول في هذا: "وما منا": إن هذا عندي من قول ابن مسعود. قوله: "رجل من بني أسد"، بجر رجل؛ لأنه عطف بيان؛ لقوله: عن عيسي. قوله: "إن الطيرة من الشرك" خارج مخرج المبالغة والتغليظ.

стр. 7071

قوله: "وما منا إلا" فيه حذف، تقديره: إلا وفيه الطيرة، أو إلا قد يعتريه التطير وتسبق إلي قلبه الكراهية فيه، فحذف؛ اختصارًا للكلام، واعتمادًا علي فهم السامع. الطريق الثاني: عن أبي أمية محمَّد بن إبراهيم الطرسوسي، عن قبيصة بن عقبة السوائي -شيخ البخاري- عن سفيان الثوري، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن رجل، عن عبد الله. وقد مر هذا الإسناد بعينه في العدوى، وأعاده هاهنا في الطيرة والكل حديث واحد، وقد مر الكلام فيه مستوفى. وأما عن أبي هريرة فأخرجه من أربع طرق: الأول: عن أبي أمية محمَّد بن إبراهيم الطرسوسي، عن سريج -بضم السين المهملة وفي آخره جيم- ابن النعمان، عن هشيم بن بشير، عن عبد الله بن شبرمة، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة وهذا الإسناد أيضًا بعينه قد ذكره فيما مضى في هذا الباب مقتصرًا فيه علي ذكر العدوى. الثانى: عن علي بن معبد، قال: عن يعقوب بن إبراهيم عن بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبد الله بن عبد الرحمن أبي سلمة، وغيره عن أبي هريرة. الثالث: عن يونس بن عبد الأعلي، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. الرابع: عن يونس بن عبد الأعلي، عن عبد الله بن وهب، عن معروف بن سويد، عن عُلَيّ بضم العين المهملة وفتح اللام، عن أبي هريرة. وهذه الأسانيد أيضًا قد ذكرها فيما مضى في العدوي وقد أعادها هاهنا في الطيرة. وأما عن ابن عمر، فأخرجه بإسناد صحيح. عن يونس بن عبد الأعلي، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، ويونس ابن يزيد الأيلي، كلاهما عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري. . . . إلى آخره.

стр. 7072

وهذا أيضًا بعينه ذكر فيما مضي العدوي وأعاده هاهنا في الطيرة. وأما عن عائشة ﵂: فأخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري، شيخ البخاري، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد فيه مقال. عن علقمة بن أبي علقمة، واسم أبي علقمة: بلال المدني مولى عائشة أم المؤمنين، روى له الجماعة. عن أمه مرجانة، وثقها ابن حبان وروي لها في الأربعة غير ابن ماجه. وأما عن أنس ﵁ فأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن مسدد بن مسرهد، عن يحيى بن سعيد القطان، عن هشام الدستوائي، وشعبة، كلاهما عن قتادة، عن أنس. الثاني: عن عبد الله بن محمَّد بن خشيش، عن مسلم بن إبراهيم. . . . إلى آخره. الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن سعيد بن عامر الضُّبَعِي. . . . إلى آخره. وهذه الأسانيد الثلاثة قد ذكرت فيما مضي أيضًا في العدوي، وأعادها هاهنا في الطيرة. وأما عن أبي أمامة: فأخرجه عن فهد بن سليمان، عن أبي سعيد الأشج عبد الله بن سعيد، عن أبي أسامة حماد بن أسامة، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الشامي، عن القاسم بن عبد الرحمن الشامي، عن أبي أمامة صُدي بن عجلان الباهلي. وهذا أيضًا قد ذكره فيما مضى في العدوي. وأما عن قبيصة بن المخارق: فأخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن يحيى بن عبد الحميد الكوفي، عن مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء الفزاري الكوفي روي له الجماعة.

стр. 7073

وعن عبد الله بن المبارك الشيخ العابد المشهور، كلاهما عن عوف بن أبي جميلة المعروف بابن الأعرابي، روى له الجماعة، عن حَيَّان -بفتح الحاء المهملة، وتشديد الياء آخر الحروف- ابن العلاء، ويقال: أبو العلاء حيان غير منسوب، قال ابن حبان في "الثقات": حيان بن المخارق أبو العلاء، يروي عن قطن بن قبيصة. قلت: قطن بن قبيصة بن الخارق الهلالي البصري قال النسائي: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات". يروي عن أبيه قبيصة بن المخارق الصحابي ﵁. وأخرجه أبو داود (١): ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، قال ثنا عوف، قال: نا حيان قال غير مسدد: حيان بن العلاء -قال: ثنا قطن بن قبيصة، عن أبيه، قال سمعت النبي ﵇ يقول: "العيافة والطيرة والطَرْق من الجبْت". وأخرجه النسائى أيضًا في "اليوم والليلة" (٢). قوله: "العيافة" بكسر العين المهملة، وفتح الياء آخر الحروف وبالفاء: وهو زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها ومَمَرَّها، وهو من عادة العرب كثيرًا، وهو كثير في أشعارهم، يقال: عَافَ يَعِيفُ عَيْفًا إذا زَجَر، وحَدَسَ، وظَنَّ. وبنوا أسد يُذكرون بالعيافة ويوصفون بها، قيل عنهم: إن قومًا من الجنّ تذاكروا عيافتهم فأتوهم فقالوا: ضلَّت لنا ناقة، فلو أرسلتم معنا مَنْ يعيف، فقالوا لِغُلَيمِّ منهم: انطلق معهم. فاستردفه أحدهم، ثم ساروا فلقيهم عُقابٌ كاسِرةٌ إحدى جناحيها، فاقشعر الغلام وبكي، فقالوا: مالك؟! فقال: كَسَرَتْ جناحًا وحلفت بالله صراحًا: ما أنت بإنْسِيّ، ولا تبغي لقاحًا. وقال أبو عبيد: العيافة: زجر الطير، يقال منه: عِفْتُ الطير أَعِيفُها عِيافَةً.

стр. 7074

قال: ويقال: في غير هذا عَافَت الطير تَعِيفُ عَيفًا إذا كانت تحوم على الماء، وعاف الرجل الطعام يَعَافُه عَيَافًا إذا كرهه. قوله: "والطيرة" قد فسرناها. قوله: "والطَرْق" بفتح الطاء، وسكون الراء المهملتين، وفي آخره قاف، وهو الضرب بالحصى، الذي يفعله النساء. وقيل: هو الخط في الرمل، وقال ابن عباس: الحظ هو الذي يخطه الحازي، وهو علم قد تركه الناس، يأتي صاحب الحاجة إلى الحازي فيعطيه حِلوانًا، فيقول له: اقعد حتى اخط لك، وبين يدي الحازي غلام له معه ميل، ثم يأتي إلى أرض ربوة فيخط فيها خطوطًا كثيرة بالعجلة؛ لئلا يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو منها علي مَهْلٍ خطين خطين، وغلامه يقول للتفاؤل: ابْنَي عِيان أسرعا البيان، فإن بقي خطَّان، فهما علامة النُّجح، وإن بقي خط واحد فهو علامة الخَيْبَة. وقال الخطابي: الطرق: الضرب بالحصي؛ قال لبيد: لَعَمْرُكَ ما تَدْرِي الطوارِقُ بالحَصَى ... ولا زاجِراتُ الطير ما الله صانِعُ وأصل الطرق: الضرب، ومنه سميت مطرقة الصانع والحداد؛ لأنه يطرق بها، أي يضرب بها، وصورة الخط ما ذكره ابن الأعرابي. ذكر أبو عمر عن أبي العباس أحمد بن يحيى قال: يقعد الحازي ويأمر غلامه. . . . إلي آخر ما ذكرناه. ص: فإن قال قائل: فقد قال رسول الله ﵇: "الشؤم في الثلاث". قيل له: قد روي ذلك عن النبي ﵇ علي ما ذكرت: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس ومالك، عن ابن شهاب، عن حمزة وسالم ابني عبد الله بن عمر، عن ابن عمر، عن رسول الله ﵇ قال: "إنما الشؤم في ثلاثة: في المرأة والدار والدابة". حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا مالك، عن ابن شهاب. . . . فذكر بإسناده مثله.

стр. 7075

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن ابن شهاب. . . . فذكر بإسناده مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني سالم، أن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول:. . . . فذكر مثله. حدثنا يزيد، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا محمَّد بن جعفر، قال: أخبرني عتبة بن مسلم، عن حمزة بن عبد اللهَ بن عمر، عن أبيه، عن رسول الله ﵇ مثله. ش: تقرير السؤال أن يقال: إنكم قلتم: إنا مُنِعْنا من الأسباب التي تكون عنها الطيرة مطلقًا، وقد جاء عن النبي ﵇ أنه قال: "الشؤم في الثلاث وهي: المرأة والفرس والدار" فلم تكن الطيرة منفية من كل وجه. والتحقيق في الجواب ما أذكره لك؛ لأن الطحاوي ما أمعن فيه، فيقول: إن النبي ﵇ نهى عن الطيرة مطلقًا وعدها من الشرك، ثم قال: إن كان الشؤم -وهو التطير- ففي ثلاث، يعني لو كان الشؤم يكون في شيء من اعتقادكم بهن لكان في هذه الثلاث ولم يكن في هذه الثلاث شؤم، فلا يكون في شيء شؤم؛ فافهم. والدليل علي صحة هذا الكلام: أنه ﵇ لم يخبر أن الشؤم حاصل في هذه الثلاث، بل قال: "إن كان الشؤم، ففي ثلاث". فإن قيل: ما تقول في رواية: "إنما الشؤم في ثلاثة" وقد أخبر بطريق الحصر أن الشؤم موجود في ثلاثة أشياء؟. قلت: هذا ليس على ظاهره؛ وقد كان ابن مسعود يقول: "إن كان الشؤم في شيء فهو فيما بين اللحيين -يعني اللسان- وما شيء أحوج إلى سجن طويل من لسان". وإنما قلنا: إنه متروك الظاهر؛ لأجل قوله ﵇: "لا طيرة" وهي نكرة في سياق النفي فتعم سائر الأشياء التي يُتَطَيَّر بها , ولو قلت: الكلام علي ظاهره لكانت هذه الأحاديث ينفي بعضها بعضًا، وهذا محال أن يظن بالنبي ﵇ مثل هذا الاختلاف من النفي والإثبات في شيء واحد ووقت واحد.
следующие страницы →