ش: أي قد روى الحكم المذكور في الرهن -وهو ذهابه بالدين- عن إبراهيم النخعي.
أخرجه بإسناد صحيح، عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن أبيه شعيب بن سليمان، عن محمَّد بن الحسن الشيباني، عن الإِمام أبي حنيفة نعمان بن ثابت، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي.
وأخرجه بن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن القعقاع بن يزيد، عن إبراهيم قال: "إذا كان الرهن أكثر مما رُهن به فهلك فهو بما فيه، لأنه أمين في الفضل، وإذا كان أقل مما رهن به فهلك رد الراهن الفضل".
ص: وروي في ذلك أيضًا عن عطاء بن أبي رباح ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن عطاء في رجل رهن رجلًا جاريةً فهلكت، قال: "هي بحق المرتهن".
فهذا عطاء يقول هذا، وقد روينا عنه عن رسول الله ﵇ أنه قال: "لا يغلق الرهن".
فهذا أيضًا حجة على مخالفنا إذ كان من أصله أن من روى حديثًا عن رسول الله ﵇ فتأويله فيه حجة، فقد خالف هذا كله في هذا الباب، وخالف ما قد رويناه عن رسول الله ﵇، وعن عمر وعلي، وعمن ذكرنا من التابعين، فَمَنْ إمامه في هذا، وبمن أقتدى؟!
ش: أي قد روي في حكم الرهن أنه إذا هلك هلك بما فيه من الدين عن عطاء بن أبي رباح.
стр. 7702
أخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن عطاء.
وأثر عطاء هذا قد دَلَّ على شيئين:
الأول: أن التأويل الذي أوله الشافعي في حديث ابن المسيب: "لا يغلق الرهن" غير صحيح، لأن عطاء أيضًا روى هذا، وأفتى من رأيه بما ذكرنا.
والثاني: أن فتواه هذه قد وافقت حديثه المرسل الذي رواه عبد الله بن المبارك، عن مصعب بن ثابت، عنه، وقد مَرَّ بيانه مستوفى، فصار هذا أيضًا حجة على الشافعي؛ لأن من أصله: أن من روى حديثًا عن النبي ﵇ فتأويله فيه حجة، فقد خالف الشافعي هذا كله في هذا الباب، وخالف أيضًا ما روي عن النبي ﵇، وعن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وشريح، والحسن، وإبراهيم النخعي؛ فلهذا استبعد الطحاوي هذا الأمر منه فقال: فمن إمامه في هذا -أي فيما ذهب إليه- وبمن اقتدى فيه.
ص: ثم النظر في هذا أيضًا يدفع ما قال وما ذهب إليه، إذ جعل الرهن أمانة تضيع بغير شيء، وقد أجمعوا أن الأمانات لربها أن يأخذها، وحرام على المرتهن منعه منها، والرهن مخالف لذلك، إذا كان للمرتهن حبسه، ومنع مالكه منه حتى يستوفي دينه، فخرج بذلك حكمه من حكم الأمانات.
ورأينا الأشياء المغصوبة حرام على الغاصبين حبسها، وحلال للمغصوبة منهم أخذها، والرهن ليس كذلك؛ لأن المرتهن حلال له حبس الرهن، ومنع الراهن منه حتى يستوفي منه دينه.
ورأينا العواري للمستعير الانتفاع بها, وللمعير أخذها منه متى أحب، والرهن ليس كذلك، لأن المرتهن حرام عليه استعمال الرهن، وليس للراهن أخذه منه حتى يوفيه دينه.
فبان حكم الرهن من حكم الودائع والغصوب والعواري، وثبت أن حكمه بخلاف حكم ذلك كله.
стр. 7703
وقد أجمعوا أن للمرتهن حبسه حتى يستوفي الدين وحلال للراهن أخذه إذا بَرئ من الدين.
فلما كان حبس الرهن مضمنًا بحبس الدين، وسقوط حبسه مضمنًا بسقوط حبس الدين، كان كذلك أيضًا ثبوت الدين مضمنًا بثبوت الرهن، فما كان الرهن ثابتًا فالدين ثابت، وما كان الرهن غير ثابت فالدين غير ثابت.
وكذلك رأينا المبيع في قولنا وقول هذا المخالف لنا: للبائع حبسه بالثمن، ومتى ضاع في يده ضاع الثمن، فالنظر على ما اجتمعنا عليه نحن وهو من هذا: أن يكون الرهن كذلك، وأن يكون ضياعه يبطل الدين كما كان ضياع المبيع يُبطل الثمن، فهذا هو النظر في هذا الباب.
ش: أي ثم وجه النظر والقياس أيضًا في هذا الباب يدفع ما قال الشافعي وما ذهب إليه، حيث جعل الرهن أمانة يهلك بغير شيء، والحاصل أن الرهن ليس له مشابهة بالأمانات؛ لأن في الأمانة لصاحبها أن يأخذها ويحرم على المؤتمن منعه منها، والرهن ليس كذلك، ولا له مشابهة للغصب ولا للوديعة ولا للعارية لوجوه قد بينها, وليس له مشابهة إلا بالبيع، وقد أجمعوا أن المبيع إذا هلك في يد البائع هلك بالثمن، فالنظر على ذلك أن يكون الرهن كذلك، إذا هلك هلك بالدين.
هكذا هو وجه القياس في هذا الباب.
فإن قيل: إذا كان الأمر كذلك، كان ينبغي لأبي حنيفة وصاحبيه أن يجروا حكم الرهن على ما يقتضيه القياس المذكور، فأجاب الطحاوي عن ذلك بقوله:
ص: غير أن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ﵏ ذهبوا في الرهن إلى ما قد رويناه في هذا الباب عن عمر بن الخطاب وإبراهيم النخعي.
واحتجوا في ذلك بما قد أجمعوا عليه في الغصب، فقالوا: رأينا الأشياء المغصوبة لا يوجب ضياعها على من غصبها أكثر من ضمان قيمتها، وغصبها حرام، وقالوا: فالأشياء المرهونة التي قد ثبت أنها مضمونة أحرى أن لا يجب بضمانها
стр. 7704
على من قد ضمنها أكثر من مقدار قيمتها. وكانوا يذهبون في تفسير قول سعيد ابن المسيب ﵁: "له غنمه وعليه غرمه" إلى أن ذلك في البيع، يريدون [إذا بيع الرهن وفيه نقص عن الدين، غرم المرتهن ذلك النقص، وهو "غرمه" المذكور في الحديث] (١).
وإذا بيع بفضل عن الدين أخذ الراهن ذلك الفضل وهو "غنمه" المذكور في الحديث.
ش: الحاصل أن أبا حنيفة وصاحبيه قد ذهبوا في الرهن إلى ما قد روي عن عمر بن الخطاب ﵁، وإلى ما روي عن إبراهيم النخعي ﵀ ذهبوا أن الرهن إذا هلك وكان أقل من الدين رد الراهن ما فضل من الدين إلى المرتهن، وإن كان الرهن أكثر من الدين يكون الفاضل منه أمانةً، ولم يمشوا هاهنا على سنن القياس، بل تركوه؛ لأثر عمر بن الخطاب وإبراهيم النخعي.
وأما في تشبيهه للمبيع وفي جعله مضمونًا، أجروه على مقتضى القياس الذي ذُكر مفصلًا.
قوله: "وكانوا يذهبون" أي كان أبو حنيفة وصاحباه يذهبون. . . . إلى آخره، وكان هذا جواب عن سؤال مقدار، تقريره أن يقال: كيف ذهب أبو حنيفة وصاحباه إلى ما ذهبوا إليه، وحديث سعيد بن المسيب يقتضي أن يغرم الراهن الدين عند هلاك الرهن أيضًا؛ لأنه قال: "وعليه غرمه" أي: غرم الدين بعد ضياع الرهن كما فسره الشافعي؟.
فأجاب عن ذلك بقوله: "وكانوا يذهبون. . . ." إلى آخره، وهو ظاهر. والله أعلم.
стр. 7705
ص: كتاب الشفعة
ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام الشفعة، وهي مشتقة من الشفع، وهو الضم، ومنه الشَّفْع الذي هو ضد الوتر، ومنه الشفاعة؛ لأنها تضم الجاني إلى الفائز، ومعناها الشرعي: ضم بقعة مشتراة إلى عقار الشفيع بسبب الشركة أو الجوار.
...
ص: باب: الشفعة بالجوار
ش: أي هذا باب في بيان أحكام الشفعة بسبب الجوار.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن جريج، أن أبا الزبير أخبره أنه سمع جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "الشفعة في كل شرك بأرض أو ربع أو حائط، لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه؛ يأخذ أو يدع".
ش: إسناده صحيح.
وابن جريج: هو عبد الملك بن جريج.
وأبو الزبير: هو محمَّد بن مسلم المكي.
وأخرجه مسلم (١): عن أبي طاهر، عن ابن وهب، عن ابن جريج. . . . إلى آخره نحوه.
وعن (١) أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير وإسحاق بن راهويه، عن عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج، به.
стр. 7706
وأخرجه أبو داود (١): عن أحمد بن حنبل، عن ابن عُليّة، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، به.
والنسائي (٢): عن يوسف بن سعيد، عن حجاج، عن ابن جريج بمعناه.
وعن (٣) عمرو بن زرارة، عن ابن عُليّة.
وعن (٤) أبي كريب، عن ابن إدريس، جميعًا عن ابن جريج نحوه.
قوله: "كل شِركٌ بأرض" أي في كل اشتراك بأرض، أو في كل نصيب بأرض، والشِّرك بالكسر.
قوله: "أو ربع" أي منزل ودار إقامة، وربع القوم: محلتهم، وتجمع على رباع، وفي رواية: "أو ربعة" والربعة أخص من الربع.
و"الحائط": البستان من النخيل إذا كان عليه حائط وهو الجدار، ويجمع على حوائط.
ويستفاد منه أحكام:
فيه أن الشفعة أمر مشروع، وحق واجب، وأنها واجبة في الأرض والرباع والحوائط التي لا تجب في السفن خلافًا لمالك. والحديث حجة عليه واحتجت به طائفة على أن الشفعة لا تكون إلا بالشركة، ولا تكون بالجوار كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، واستدل به الثوري والحسن بن حَيّ، وإسحاق وأحمد في رواية وأبو عبيد والظاهرية: أن أحد الشريكين إذا عرض عليه الآخر فلم يأخذ، سقط حقه من الشفعة، وروي ذلك عن الحكم بن عتيبة أيضًا، وعن الطحاوي.
стр. 7707
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأصحابهم: لا يسقط حقه بذلك؛ بل له أن يأخذ بعد البيع؛ لأن الشفعة لم تجب بعد، وإنما تجب له بعد البيع، فتركه ما لم يجب له بعد لا معنى له، ولا يسقط حقه إذا وجب.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن الشفعة لا تكون إلا بالشركة في الأرض، أو الحائط، أو الربع، ولا تجب بالجوار، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي والليث بن سعد ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور، فإنهم قالوا: لا شفعة إلا لشريك لم يقاسم، ولا تجب الشفعة بالجوار.
وقال ابن حزم: وصح عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وأبي الزناد، وربيعة مثل قول الشافعي ومالك.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: الشفعة فيما وصفتم واجبة للشريك الذي لم يقاسم، ثم هي من بعده واجبة للشريك الذي قاسم بالطريق الذي قد بقي له فيه الشرك، ثم هي من بعده واجبة للجار الملازق.
ش: أي خالف القومَ المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: النخعي والثوري وشريحًا القاضي، وعمرو بن حزم والحسن بن حَيّ، وقتادة والحسن البصري وحماد بن أبي سليمان وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا؛ فإنهم قالوا: تجب الشفعة في الأراضي والرباع والحوائط للشريك الذي لم يقاسم، ثم للشريك الذي يليهم، وقد بقي حق طريقه أو شربه، ثم من بعدهما للجار الملازق. وقال أصحابنا: سبب وجوب الشفعة أحد الأشياء الثلاثة المشتركة في نفس المبيع والخلطة، وهي الشركة في حقوق الملك والجوار، وإن شئت قلت: أحد أسبابه الشركة والجوار.
ثم الشركة نوعان: شركة في ملك المبيع، وشركة في حقوقه كالشرب والطريق، ثم المراد بالجار الملازق، وهو الذي داره على ظهر الدار المشفوعة وبابه في سكة
стр. 7708
أخرى، ثم إن السبب عندنا أصل الشركة لا قدرها، وأصل الجوار لا قدره؛ حتى لو كان للدار شريك واحد، أو جار واحد أخذ كل الدار بالشفعة، كثرت شركته وجواره أو قَلَّت، وعلى هذا يخرج قول أصحابنا في قسمة الشفعة بين الشركاء عند اتحاد السبب، وهو الشركة أو الجوار: أنها تقسم على قدر الرءوس لا على قدر الشركة، وبه قال إبراهيم النخعي، والشعبي، والحسن البصري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، والثوري، وشريك النخعي، والحسن بن حَيّ، وعثمان البتي، وعُبيد الله بن الحسن، وأبو سليمان، والشافعي في قول، وقال الشافعي في قول آخر: على قدر الشركة في ملك الجميع، حتى لو كانت الدار بين ثلاثة نفر، لأحدهم نصفها, وللآخر ثلثها, وللآخر سدسها، فباع صاحب النصف نصيبه كانت الشفعة بين الباقين أثلاثًا: ثلثاه لصاحب الثلث، وثلثه لصاحب السدس على قدر الشركة، وهو قول عطاء بن أبي رباح، ومحمد بن سيرين، والحسن البصري في رواية, ومالك، وأحمد، وإسحاق، وأبي عُبيد وسوار بن عبد الله.
ثم خلف مَن يتأول الشفعة للجار فقال أصحابنا: لا شفعة إلا للجار الملازق كما ذكرناه، وقال الحسن بن حَيّ للجار مطلقًا بعد الشريك.
وقال آخرون: الجار الذي تجب له الشفعة أربعون دارًا حول الدار، وقال آخرون: من كل جانب من جوانب الدار أربعون دارًا. وقال آخرون: هو كل من صلى معه صلاة الصبح في المسجد. وقال بعضهم: أهل المدينة كلهم جيران.
وقال ابن حزم (١): روينا من طريق أبي الجهم، نا أحمد بن الهيثم، نا سليمان بن حرب، ثنا أبو العيزار، سمعت أبا قلابة يقول: "الجوار أربعون دارًا".
ومن طريق ابن الجهم، نا أحمد بن فرج، نا نصر بن علي الجهضمي، نا أبي، نا الوليد، سمعت الحسن يقول: "أربعون دارًا هَاهنا وأربعون دارًا هَاهنا، هي من جوانبنا الأربع، أربعون، أربعون".
стр. 7709
ومن طريق ابن الجهم: نا أحمد بن محمَّد بن المؤمل خالي، نا علي بن المديني، نا ابن أبي زائدة، عن إسحاق بن فائد: "سئل محمَّد بن علي بن الحسن بن علي: مَن جار الرجل؟ قال: من يصلي معه صلاة الغداة".
ص: وكان من الحجة لهم في ذلك: أن هذا الأثر إنما فيه: أن رسول الله ﵇ قال: "الشفعة في كل شرك، بأرض، أو ربع، أو حائط" ولم يقل: إن الشفعة لا تكون إلا في كل شرك، فلو قال ذلك نفى أن الشفعة واجبة بغير الشرك، ولكنه إنما أخبر في هذا الحديث أنها واجبة في كل شرك، ولم ينف أن تكون واجبة في غيره، وقد جاء عن جابر بن عبد الله عن النبي ﵇ ما قد زاد على معنى هذا الحديث:
حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا شجاع بن الوليد، عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﵇: "الجار أحق بشفعة جاره، فإن كان غائبًا انتظر، إذا كان طريقهما واحدًا".
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا عبد الملك، قال: ثنا عطاء، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ مثله.
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا إسماعيل بن سالم، قال: ثنا هشيم، قال: أنا عبد الملك، عن عطاء، عن جابر، عن النبي ﵇، مثله.
ففي هذا الحديث إيجاب الشفعة في المبيع الذي لا شرك فيه بالشرك في الطريق، فلا يُجعل واحد من هذين الحديثين مضادًّا للحديث الآخر، ولكن يثبتان جميعًا، ويعمل بهما، فيكون حديث أبي الزبير فيه إخبار عن حكم الشفعة للشريك في الذي بيع منه ما بيع، وحديث عطاء فيه إخبار عن حكم الشفعة في المبيع الذي لا شركة لأحد فيه بالطريق.
ش: أي وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه: أن هذا الأثر -أي الحديث- الذي ذكر في هذا الباب الذي رواه أبو الزبير عن جابر إنما
стр. 7710
فيه أن رسول الله ﵇ قال: "الشفعة في كل شرك" يعني الشفعة لغير الشريك؛ لأنه لم يقل: الشفعة لا تكون إلا في كل شرك، على أنه قد جاء أيضًا في حديث عطاء، عن جابر ثبوت الشفعة في المبيع الذي لا شرك فيه بالشرك في الطريق، ولا منافاة بين حديثي جابر؛ لأن في حديثه الذي رواه عنه أبو الزبير إخبارًا عن حكم الشفعة للشريك في الذي بيع منه.
وفي حديثه الذي رواه عنه عطاء إخبارًا عن حكم الشفعة في البيع الذي لا شركة لأحد فيه بالطريق.
فإذا كان كذلك؛ يعمل بالحديثين جميعًا ولا يترك أحدهما.
وفيما قاله أهل المقالة الأولى إعمال أحد الدليلين وإهمال الآخر.
ثم إنه أخرج حديث عطاء عن جابر من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن شجاع بن الوليد بن قيس السكوني، عن عبد الملك بن أبي سليمان ميسرة العرزمي، عن عطاء بن أبي رباح.
وأخرجه الترمذي (١): نا قتيبة، قال: نا خالد بن عبد الله الواسطي، عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء، عن جابر، قال: قال رسول الله ﵇: "الجار أحق بشفعته، ينتظر به وإن كان غائبًا، إذا كان طريقهما واحدًا".
الثاني: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن هشيم بن بشير، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر.
وأخرجه أبو داود (٢): عن أحمد بن حنبل، عن هشيم، عن عبد الملك، عن عطاء، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: "الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها وإن كان غائبًا، إذا كان طريقهما واحدة".
стр. 7711
الثالث: عن أحمد بن داود المكي شيخ الطبراني، عن إسماعيل بن سالم الصائغ البغدادي شيخ مسلم، عن هشيم. . . . إلى آخره.
وأخرجه النسائي (١): عن محمَّد بن مثنى، عن يحيى، عن عبد الملك، عن عطاء، عن جابر نحوه.
وأخرجه ابن ماجه (٢): عن عثمان بن أبي شيبة، عن هشيم، عن عبد الملك، عن عطاء، عن جابر نحوه.
فإن قلت: ما حال هذا الحديث عندهم وما سنده؟
قلت: سنده صحيح على شرط مسلم، ولما أخرجه الترمذي حسّنه، وقال: هذا حديث حسن غريب ولا نعلم أحدًا روى هذا الحديث غير عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر. وقد تكلم شعبة في عبد الملك بن أبي سليمان من أجل هذا الحديث.
وعبد الملك ثقة مأمون عند أهل الحديث، لا نعلم أحدًا تكلم فيه غير شعبة من أجل هذا الحديث، وقد روى وكيع، عن شعبة، عن عبد الملك هذا الحديث.
وروى عن ابن المبارك، عن سفيان الثوري قال: عبد الملك بن أبي سليمان ميزان في العلم.
فإن قيل: قال البيهقي: قال الشافعي: سمعنا بعض أهل العلم يقول: نخاف ألا يكون محفوظًا، ثم استدل الشافعي على ذلك برواية أبي سلمة، عن جابر، قال: قال ﵇: "الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة". قال: وروى أبو الزبير عن جابر ما يوافق قول أبي سلمة، ويخالف ما روى عبد الملك.
стр. 7712
قلت: في حديث أبي سلمة، عن جابر زيادة وهي قوله: "وصرفت الطريق"، كما رواه البخاري (١) عن محمَّد بن محبوب، عن عبد الواحد بن زياد. وهشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر: "قضى رسول الله ﵇ بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة".
فانتفى الشفعة مجموع الأمرين، فمقتضاه أنه إذا وقعت الحدود وكان الطريق مشتركًا لا تثبت الشفعة، فيثبت بذلك أن الحديثين متفقان لا مختلفان.
وقد أخرج النسائي في "سننه" (٢): عن محمَّد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، عن الفضل بن موسى، عن [حسين بن واقد] (٣)، عن أبي الزبير، عن جابر: "أن النبي ﵇ قضى بالشفعة بالجوار".
وهذا سند صحيح يظهر به أن أبا الزبير روى ما يوافق رواية عبد الملك لا رواية أبي سلمة كما ذكر الشافعي، وتأيّد هذا بعدة أحاديث يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: قال البيهقي: إن شعبة قيل له: تدع حديث عبد الملك وهو حسن الحديث. قال: من حسنها فررت.
قلت: كتب الحديث مشحونة بأن شعبة روى عنه، قال الترمذي: روى وكيع، عن شعبة، عن عبد الملك، هذا الحديث كما ذكرناه آنفًا.
فإن قيل: ذكر البيهقي عن جماعة أنهم أنكروا عليه هذا الحديث.
стр. 7713
قلت: ذكر ما فيه "الكمال" عن ابن معين أنه قال: لم يحدث عنه إلا عبد الملك، وقد أنكر عليه الناس، ولكن عبد الملك ثقة صدوق لا يرد على مثله، وذكر أيضًا عن الثوري وابن حنبل، قالا: هو من الحفاظ. وكان الثوري يسميه الميزان, وعن أحمد بن عبد الله: ثقة ثبت.
وأخرج له مسلم في "صحيحه"، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: روى عنه الثوري وشعبة وأهل العراق، وكان من خيار أهل الكوفة وحفاظهم، والغالب على مَن يحدث من حفظه أن يهم، وليس من الإنصاف ترك حديث شيخٍ ثبتٍ بأوهام من يهم في روايته، ولو (سلمنا ذلك لزمنا) (١) ترك حديث الزهري وابن جريج والثوري وشعبة؛ لأنهم لم يكونوا معصومين.
ص: فقال أصحاب المقالة الأولى: فإنه قد روي عن النبي ﵇ ما ينفي ما ادعيتم، فذكروا في ذلك ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن مالك، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: "قضى رسول الله ﵇ بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، عن مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي قُتَيلة المدني، قال: ثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة مثله.
حدثنا سعيد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا عبد الملك بن عبد العزيز ابن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، قال: ثنا مالك. . . . فذكر بإسناده مثله.
قالوا: فنفي هذا الحديث أن تكون الشفعة تجب إذا حددت الحدود.
стр. 7714
ش: احتجت أهل المقالة الأولى أيضًا فيما ذهبوا إليه من عدم وجوب الشفعة للجار بحديث أبي هريرة وقالوا: هذا ينفي ما ادعيتم من وجوب الشفعة للجار.
وأخرجه من أربع طرق:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن مالك بن أنس، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة ﵁.
وأخرجه البيهقي (١): من حديث إسماعيل القاضي، عن ابن المديني، عن أبي عاصم، ثنا مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب -أو عن أبي سلمة- عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ قضى بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة".
قال البيهقي: وكذا شك غيره.
الثاني: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن أبي عاصم النبيل، عن مالك، نحوه.
وأخرجه ابن ماجه (٢): عن محمَّد بن يحيى، عن أبي عاصم النبيل عن مالك. . . . إلى آخره.
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن يحيى بن إبراهيم بن عثمان ابن داود المعروف بابن أبي قُتَيلة المدني، عن مالك. . . . إلى آخره.
وأخرجه البيهقي (٣): من حديث محمَّد بن إسماعيل الترمذي، عن ابن أبي قتيلة، عن مالك.
الرابع: عن سعد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين المصري، عن عبد الملك ابن الماجشون، عن مالك.
стр. 7715
وأخرجه النسائي (١): عن سليمان بن داود، عن عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون، عن مالك، عن الزهري، عن ابن المسيب وأبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇: "إذا قسمت الأرض وحددت فلا شفعة فيها".
ص: فكان من الحجة عليهم أن الحديث على أصل المحتج به علينا لا تجب به حجة؛ لأن الأثبات من أصحاب مالك إنما رووه عن مالك منقطعًا، لم يرفعوه إلى أبي هريرة.
حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر والقعنبي، قالا: ثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب قال: "قضى رسول الله ﵇ بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: ثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب وأبي سلمة، مثله.
فصار هذا الحديث منقطعًا، والمنقطع لا تقوم به حجة، ثم لو ثبت هذا الحديث واتصل إسناده لم يكن فيه عندنا ما يخالف الحديث الذي ذكرناه عن عطاء عن جابر؛ لأن الذي في هذا الحديث إنما هو قول أبي هريرة: "قضى رسول الله ﵇ بالشفعة فيما لم يُقسم" فكان بذلك مخبرًا عما قضى به رسول الله ﵇ بالشفعة، ثم قال بعد ذلك: "فإذا وقعت الحدود فلا شفعة، وكان ذلك قولًا من رأيه لم يحكه عن رسول الله ﵇.
وإنما يكون هذا الحديث حجة على من ذهب إلى وجوب الشفعة بالجوار لو كان أن رسول الله ﵇ قال: الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة، فيكون ذلك نفيًا من رسول الله ﵇ لما قد قُسم أن يكون فيه الشفعة، ولكن
стр. 7716
أبا هريرة إنما أخبر في ذلك عن رسول الله ﵇ بما عليه من قضائه، ثم نفى الشفعة برأيه ما لم يعلم من رسول الله ﵇ فيه حكمًا، وعلمه غيره.
ش: أي فكان من الدليل والبرهان على أهل المقالة الأولى، وأراد بها الجواب عما قالوه، بيانه أن يقال: إن هذا الحديث لا تقوم به حجة علينا؛ لأنه في الأصل منقطع، لأن الحفاظ الأثبات رووه عن مالك لم يرفعوه إلى أبي هريرة، وقال أبو عمر: هكذا روى هذا الحديث عن مالك أكثر الرواة للموطأ وغيره مرسلًا، إلا عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون، وأبا عاصم النبيل، ويحيى بن إبراهيم بن داود بن أبي قتيلة المدني، وأبا يوسف القاضي؛ فإنهم رووه عن مالك بهذا الإسناد متصلًا عن أبي هريرة مسندًا.
وأخرج الطحاوي ذلك من طريقين:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، وعبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي، كلاهما عن مالك.
وأخرجه النسائي (١): عن الحارث، عن أبي القاسم، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد وأبي سلمة، عن النبي ﵇.
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك.
وأخرجه ابن ماجه (٢): عن محمَّد بن حماد الظهراني، عن أبي عاصم، عن مالك، عن الزهري، عن سعيد، عن النبي ﵇.
قوله: "ثم لو ثبت هذا الحديث. . . ." إلى آخره جواب آخر بطريق التسليم، بيانه أن يقال: سلمنا أن هذا الحديث متصل، ولكن لا نسلم أن يكون فيه خلاف لحديث جابر بن عبد الله الذي رواه عنه عطاء بن أبي رباح، وقد أوضح ذلك بقوله: "لأن الذي في هذا الحديث. . . ." إلى آخره، وهو ظاهر.
стр. 7717
ص: ثم قد روى معمر هذا الحديث فخالف مالكًا في متنه وإسناده:
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "قضى رسول الله ﵇ في كل ما لم يقسم بالشفعة، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة".
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر فذكر بإسناده مثله.
ففي هذا الحديث نفي الشفعة بعد وقوع الحدود وصرف الطرق، فذلك دليل على ثبوتها قبل صرف الطرق وإن حُدَّت الحدود، فقد وافق هذا الحديث حديث عبد الملك، عن عطاء، وزاد على ما روى مالك فهو أولى منه.
ش: هذا جواب آخر، تقريره أن يقال: إن معمر بن راشد قد روى هذا الحديث، عن محمَّد بن مسلم الزهري، فخالف مالكًا في متنه وإسناده، حيث قال في حديثه: "قضى رسول الله ﵇ في كل ما لم يقسم بالشفعة، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة".
وأخرجه من طريقين:
الأول: إسناده صحيح: عن أحمد بن داود المكي، عن مسدد شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الواحد بن زياد العنبري البصري، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن، عن جابر.
وأخرجه البخاري (١): عن محمَّد بن محبوب، عن عبد الواحد بن زياد، وهشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهري. . . . إلى آخره نحوه.
الثاني: عن أحمد بن داود أيضًا، عن يعقوب بن حميد بن كاسب المدني، فيه مقال، عن عبد الرزاق بن همام، عن معمر، عن الزهري.
стр. 7718
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١).
وهذا دليل على ثبوت الشفعة قبل صرف الطرق وإن حُدَّت الحدود، فحينئذ يكون هذا الحديث موافقًا لحديث عبد الملك، عن عطاء، وفيه زيادة على ما رواه مالك، فيكون هو أولى منه.
فإن قيل: قال ابن حزم (٢): هذا لا حجة لهم فيه؛ لأنه ليس في هذا اللفظ نص ولا دليل على أن ذلك لا يكون إلا في الأرض والعقار والبناء؛ بل الحدود واقعة في كل ما يقسم من طعام وحيوان وثياب وعروض، وإلى كل ذلك طريق ضرورة، كما هو إلى البناء وإلى الحائط ولا فرق.
قلت: هذا كلام مخبط؛ لأن أحدًا لم يقل: إن الطعام له حدود أو الحيوان له حدود، أو الثوب له حدود، وكيف وقد روى أبو حنيفة، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا شفعة إلا في دار أو عقار".
أخرجه البيهقي (٣): من حديث أبي أسامة الحلبي، عن الضحاك بن حجوة المنبجي، عن عبد الله بن واقد، عن أبي حنيفة به.
ص: وقد يحتمل أيضًا حديث مالك أن يكون عَنِي بوقوع الحدود التي نفيت بوقوعها الشفعة في الدور والطرق، فيكون المبيع لا شرك لأحد فيه ولا في طريقه، فيكون معنى هذا الحديث مثل معنى حديث معمر، وهو أولى ما حمل عليه حتى لا يتضاد هو وحديث معمر، وقد روى ابن جريج، عن الزهري ما يوافق ما روى معمر:
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد، قال: ثنا ابن أبي رَوّاد، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، أن النبي ﵇ قال: "إذا حُدَّت الطرق فلا شفعة".
стр. 7719
ش: هذا جواب آخر، بيانه أن يقال: يجوز أن يراد بوقوع الحدود في حديث مالك التي تنفي ثبوت الشفعة بوقوعها في الدور والطرق جميعًا، فيكون المبيع لا شرك لأحد فيه ولا في طريقه، وذلك ليتفق معنى حديث مالك مع معنى حديث معمر، ولا يتضادان؛ لأنا إذا جعلنا قوله في حديث مالك: "فإذا وقعت الحدود" في الدور وحدها يضاده حديث معمر بحسب الظاهر؛ لأنه أعم من ذلك، حيث يشتمل وقوع الحدود فيه الدور والطرق، فإذا أُوِّل حديث مالك على ما ذكرنا؛ يتفق الخبران ويرتفع التضاد.
قوله: "وقد روى ابن جريج. . . ." إلى آخره. مرسل منقطع.
أخرجه عن أحمد بن داود المكي، عن يعقوب بن حميد، عن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد ميمون المكي، عن عبد الملك بن جريج، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن النبي ﵇.
ص: فإن قال قائل: فقد ثبت بما ذكرت وجوب الشفعة بالشرك في الدور والأرضين وبالشرك في الطريق إلى ذلك، فمن أين أوجبت الشفعة بالجوار؟
قيل له: أوجبتها بما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا علي بن بحر القطان وأحمد بن جناب، قالا: ثنا عيسى بن يونس، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، أن رسول الله ﵇ قال: "جار الدار أحق بالدار".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا علي وأحمد، قالا: ثنا عيسى بن يونس، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، عن سمرة بن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "جار الدار أحق بشفعة الدار".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا همام، قال: ثنا قتادة. . . . فذكر بإسناده مثله.
стр. 7720
حدثنا ابن مرزوق وأحمد بن داود، قالا: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة، عن [قتادة] (١). . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: ثنا حُميد وقتادة، عن الحسن، عن النبي ﵇ مثله، ولم يذكر سمرة.
حدثنا أحمد بن أبي عمران، قال: ثنا أحمد بن جَنَاب (ح).
وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا علي بن بحر وأحمد بن جَنَاب، قالا: ثنا عيسى بن يونس، عن شعبة، عن يونس، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن الحكم، عن من سمع عليًّا وعبد الله ﵄ يقولان: "قضى رسول الله ﵇ بالجوار".
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا محمَّد بن كثير، قال: ثنا سفيان -هو الثوري- عن أبي حيان، عن أبيه، عن عمرو بن حريث، مثله.
ففي هذه الآثار وجوب الشفعة بالجوار.
ش: أخرج في وجوب الشفعة بالجوار أحاديث عن أنس بن مالك، وسمرة ابن جندب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعمرو بن حريث ﵃.
أما عن أنس ﵁ فأخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن علي بن بحر القطان البغدادي شيخ أبي داود، والبخاري في التعليقات، وعن أحمد بن جَنَاب -بفتح الجيم والنون المخففة- بن المغيرة المِصِّيصي شيخ مسلم وأبي داود، كلاهما عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس ﵁.
стр. 7721
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمَّد بن هاشم، ثنا علي بن بحر، نا عيسى بن يونس، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، أن رسول الله ﵇ قال: "جار الدار أحق بالدار".
فإن قيل: قال الترمذي (١): وروى عيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﵇ أنه قال: "جار الدار أحق بالدار".
وروي عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﵇.
والصحيح عند أهل العلم حديث الحسن عن سمرة، ولا نعرف حديث قتادة، عن أنس إلا من حديث عيسى بن يونس.
قلت: عيسى بن يونس حجة ثَبْت، فقال ابن المديني حين سئل عنه: بخ بخ، ثقة مأمون. وقال محمَّد بن عبد الله بن عمار: عيسى حجة، وهو أثبت من إسرائيل. وقال العجلي: كان ثبتًا في الحديث.
فإذا كان كذلك فلا يضر كون الحديث عنه وحده، وقد قال البزار: وعيسى بن يونس جمع الحديثين جميعًا عن قتادة، عن أنس.
وعن الحسن، عن سمرة بن جندب.
والحديث أخرجه ابن حبان أيضًا في "صحيحه" (٢) نحوه.
وأما عن سمرة فأخرجه من ستة طرق صحاح أحدهما مرسل:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن علي بن بحر القطان وأحمد بن جناب، كلاهما عن عيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب.
стр. 7722
وأخرجه الترمذي (١): نا علي بن حجر، قال: أنا إسماعيل بن علية، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "جار الدار أحق بالدار".
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم الصفار، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): عن إسماعيل، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﵇: "جار الدار أحق بالدار".
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق وأحمد بن داود المكي، كلاهما عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة.
وأخرجه أبو داود (٣): ثنا أبو الوليد الطيالسي، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﵇ قال: "جار الدار أحق بدار الجار أو الأرض".
الرابع: عن إبراهيم بن مرزوق أيضًا، عن عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن حميد وقتادة، كلاهما عن الحسن، عن النبي ﵇.
وهذا مرسل.
وأخرج أحمد في "مسنده" (٤) بهذا الإسناد متصلًا: ثنا عفان، نا حماد، عن قتادة، وحميد، عن الحسن، عن سمرة، أن رسول الله ﵇ قال: "الجار أحق بالجوار".
стр. 7723
الخامس: عن أحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي، عن أحمد بن جَنَاب، عن عيسى بن يونس، عن شعبة، عن يونس بن عُبيد بن دينار البصري، عن الحسن البصري.
وأخرجه الطبراني (١): نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: ثنا أحمد بن جناب المصيصي، نا عيسى بن يونس، عن شعبة، عن يونس بن عُبيد، عن الحسن، عن سمرة، قال: قال رسول الله ﵇: "جار الدار أحق بالدار".
السادس: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن علي بن بحر القطان وأحمد بن جَنَاب، كلاهما عن عيسى بن يونس، عن شعبة، عن يونس بن عُبيد، عن الحسن، عن سمرة.
وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" ولفظه: "جار الدار أحق بشفعة الدار".
فإن قيل: الحسن لم يسمع من سمرة إلا ثلاثة أحاديث، وهذا ليس منها.
قلت: قد ذكرنا غير مرة أن الحسن قد سمع من سمرة عدة أحاديث، قاله الترمذي عن البخاري، وقال الحاكم في أثناء كتاب البيوع في "المستدرك" (٢): قد احتج البخاري بالحسن عن سمرة. وذلك بعد أن روى حديثًا من رواية الحسن عن سمرة ﵁.
وأما عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود ﵄: فأخرجه عن أبي بكرة بكّار القاضي، عن أبي أحمد محمَّد بن عبد الله بن الزبير، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن الحكم بن عتيبة، عمن سمع عليًّا وعبد الله .. إلى آخره.
وفيه مجهول.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا جرير بن عبد الحميد، عن منصور،
стр. 7724
عن الحكم، عن علي وعبد الله ﵄ قالا: "قضى رسول الله ﵇ بالشفعة للجوار".
قلت: هذا منقطع؛ لأن الحكم لم يدرك عليًّا ولا عبد الله ﵄.
وأما عن عمرو بن حريث فأخرجه بإسناد صحيح عن أحمد بن داود المكي، عن محمد بن كثير العبدي البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن سفيان الثوري، عن أبي حيان -بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف- يحيى بن سعيد بن حيان التيمي الكوفي، عن أبيه سعيد بن حيان التيمي الكوفي، عن عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمر المخزومي الصحابي.
وأخرجه ابن أبي شيبة (١) موقوفًا عليه: ثنا معاوية بن هشام، قال: ثنا سفيان، عن أبي حيان، عن أبيه: "أن عمرو بن حريث كان يقضي بالجوار".
أي يقضي للجار بالشفعة بسبب الجوار.
ص: فإن قال قائل: قد يجوز أن يكون هذا الجار شريكًا، فإنه قد يقال للشريك: جار.
قيل له: ما في الحديث ما قد يدل على شيء مما ذكرت، ولكنه قد روي عن أبي رافع ما قد دلَّ على أن ذلك الجار هو الذي لا شركة له.
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن عمرو بن الشريد قال: "أتاني المسور بن مخرمة فوضع يده على أحد منكبيَّ، فقال: انطلق بنا إلى سعد، فأتينا سعد بن أبي وقاص في داره، فجاء أبو رافع فقال للمسور: ألا تأمر هذا -يعني سعدًا- أن يشتري مِنِّي بيتين في داري. فقال سعد: والله لا أزيدك على أربعمائة دينار مقطعة أو منجمة، فقال: سبحان الله لقد أُعطِيتُ به خمسمائة دينار نقدًا، ولولا أني سمعت رسول الله ﵇ يقول: الجار أحق بسقبه ما بعتك".
стр. 7725
فدل ما ذكرنا أن ذلك الجار الذي عناه رسول الله ﵇ هو الجار الذي تعرفه العامة، ومن أعطاك أن الشريك يقال له: جار وأين وجدت هذا في لغات العرب؟ فإن قال: لأني قد رأيت المرأة تسمى جارة زوجها.
قيل له: صدقت، قد سُميت المرأة جارة زوجها، ليس لأن لحمها مخالط للحمه، ولا دمها مخالط لدمه، ولكن لقربها منه، فكذلك الجار سمي جارًا لقربه من جاره، لا لمخالطته إياه فيما جاوره به.
وأنت فقد زعمت أن الآثار على ظاهرها، فكيف تركت الظاهر في هذا ومعه الدليل، وتعلقت بغيره مما لا دلالة معه؟!.
ش: هذا القائل هو الشافعي، فإنه أَوَّلَ الجار في الأحاديث المتقدمة بالشريك، وقال: قد يقال للشريك جارٌ، ونفى الطحاوي هذا الإطلاق؛ حيث قال: قيل له -أي لهذا القائل: ما في الحديث ما قد يدل على شيء مما ذكرت- أي مما ذكرت من أن المراد من الجار الشريك.
ثم أخرج حديث أبي رافع -لكونه دالًا على أن ذلك الجار الذي ذكره رسول الله ﵇ في الأحاديث المتقدمة هو الذي لا شركة له- عن أحمد بن داود المكي، عن يعقوب بن حميد بن كاسب المدني شيخ ابن ماجه، فيه مقال، عن سفيان بن عُيينة، عن إبراهيم بن ميسرة الطائفي، وثقه يحيى وغيره وروى له الشيخان، عن عمرو بن الشريد بن سويد الثقفي الطائفي، قال العجلي: حجازي تابعي ثقة. روى له الجماعة الترمذي في "الشمائل"، قال: "أتاني المِسْوَر -بكسر الميم- بن مَخْرمة -بفتح الميم- بن نوفل، له ولأبيه صحبة.
وأبو رافع القبطي مولى النبي ﵇، يقال: اسمه إبراهيم، ويقال: أسلم، ويقال: ثابت، ويقال: هرمز.
стр. 7726
والحديث أخرجه البخاري (١): عن مكي، عن ابن جريج، عن إبراهيم بن ميسرة، عن عمرو بن الشريد: "أنه وقف على سعد، فجاء المسور بن مخرمة فوضع يده على منكبي، إذ جاء أبو رافع مولى رسول الله ﵇، فقال: يا سعد، ابتع مني بيتي في دارك، فقال سعد: والله لا أزيدك على أربعة آلاف منجمة أو مقطعة، قال أبو رافع: لقد أُعْطِيتُ بها خمسمائة دينار، ولولا أني سمعت رسول الله ﵇ يقول: الجار أحق بصقبه ما أعطيتكها بأربعة آلاف وأنا أعطى بها خمسمائة دينار، فأعطاها إياه".
ومنهم من قال: "بيتًا"، وفي رواية مختصرًا: "الجار أحق بصقبه".
وأخرجه أبو داود (٢) والنسائي أيضًا (٣).
قوله: "ألَا تأمر" كلمة "ألا" للتحضيض، كأنه يحرض المخاطب بالفعل الذي يأمره به.
قوله: "مقطعة أو منجمة" أراد بالمقطعة المؤداة في دفعات، وهي والمنجمة سواء؛ لأن تنجيم الدين هو أن يقرر عطاءه في أوقات معدودة.
قوله: "بسقبه" السقب -بالسين المهملة- في الأصل القرب، يقال: سقب الدار وأُسْقِبَت أي قَرُبت، ويقال بالصاد أيضًا، قال ابن الأثير: الصقب: القرب والملاصقة. وقال الجوهري: صَقِبت داره -بالكسر- أي قربت، وفي الحديث: "الجار أحق بصقبه" ويقال: أصقبه فصقب، أي قَرَّبه فَقَرُبَ، وقال في فصل السين: السقب: القرب، وقد سَقِبَتَ -بالكسر- داره أي قربت، وأسقبتها أي قربتها.
ومعنى قوله: "الجار أحق بسقبه" أي بسبب قربه يعني أن الجار أحق بالشفعة من الذي ليس بجار، وتأويل الشافعي الجار بالشريك بعيد كما ذكرنا، وكذا
стр. 7727
تأويله السقب بالبر والمعونة يعني أنه أحق بالبر والمعونة بسبب قربه من جاره، فهذا كله خلاف الأصل.
قوله: "أن ذلك الجار الذي عناه" أي قصده رسول الله ﵇ هو الجار الذي يعرفه العامّة.
فإن قيل: إذا كان المراد من الجار هو الذي تعرفه العامة، فما وجه التخصيص بالجار الملازق، والجار أعم من الملازق وغيره، ولهذا رأى بعضهم الشفعة لكل جار سواء كان ملازقًا أو لم يكن، حتى إن بعضهم ذهبوا إلى أن الجار الذي تجب له الشفعة أربعون دارًا حول الدار، روي ذلك عن الحسن البصري، وقد ذكرنا الخلاف فيه مستوفى.
قلت: لأن الحكمة فيها دفع ضرر الدخيل، ولا يوجد ذلك إلا في الجار الملازق، إلا أن الشريك في نفس المبيع أو حقه إنما يقدم على الجار؛ لأن ضرر الدخيل يكون فيه أشد أو أكثر، بخلاف الجار غير الملازق فإنه وسائر الناس سواء، وعن هذا قال أبو يوسف: إذا كان خليط بين داري رجلين والحائط بينهما أن الشريك في الحائط أولى أن يجمع الدار؛ لأنه شريك في بعض المبيع، فكان أولى من الجار الذي لا شرك له كالشريك في الشرب والطريق، وعن أبي يوسف في رواية وهي قول زفر أيضًا: أن صاحب الشرك في الحائط أولى من الجار بالحائط وبقية الدار، فأخذها بالجوار مع الجار بينهما لاستوائهما في الجوار.
ص: ثم قد روي عن رسول الله ﵇ من إيجابه الشفعة بالجوار، وتفسيره ذلك الجوار:
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا أبو أسامة، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن عمرو بن الشريد، عن أبيه الشريد بن سويد، قال: "قلت: يا رسول الله، أرضي ليس لأحد فيها قسم، ولا شرك إلا الجوار بيعت، قال: الجار أحق بسقبه".
стр. 7728
فكان قول رسول الله ﵇: "الجار أحق بسقبه" جوابًا لسؤال الشريد إياه عن أرض منفردة لا حَقَّ لأحدٍ فيها ولا طريق، فدل ما ذكرنا أن الجار الملازق تجب له الشفعة بحق جواره.
فقد ثبت بما روينا من الآثار في هذا الباب وجوب الشفعة بكل واحد مِن معان ثلاثة: بالشرك في المبيع، بيع منه ما بيع، وبالشرك في الطريق إليه، وبالمجاورة له، فليس ينبغي ترك شيء منها، ولا حمل بعضها على التضاد لبعض إذ كانت قد خرجت على الاتفاق من الوجوه التي ذكرنا، على ما شرحنا وبيَّنَّا في هذا الباب.
ش: ذكر هذا تأييدًا لما ذكره من أن الجار الذي ذُكر في الحديث هو الجار المعهود الذي تعرفه العامة.
أخرجه بإسناد صحيح: عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر عبد الله بن أبي شيبة، عن أبي أسامة حماد بن أسامة بن زيد القرشي الكوفي، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن عمرو بن الشريد، عن أبيه الشريد بن سويد الثقفي الصحابي ﵁.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) وابن جرير الطبري في "تهذيبه" ولفظه: "ليس فيها لأحد شِرب ولا قسم إلا الجوار".
وقال ابن جرير: ورواه عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب، عن الشريد بن سويد -من حضرموت- أنه ﵇ قال: "الجار والشريك أحق بالشفعة ما كان يأخذها أو يترك".
فظاهر عطف الشريك على الجار يقتضي أن الجار غير الشريك، وهذا مما يُبطل تأويل الشافعي أن المراد من الجار الشريك.
стр. 7729
قوله: "بالشرك في المبيع" أي بالنصيب في نفس المبيع، وهو أن يكون شريكه في رقبة المبيع.
قوله: "وبالشرك في الطريق إليه" أراد به أن يكون شريكًا في حق المبيع مثل الطريق والشرب.
ص: فإن قال قائل: فقد جعلت هؤلاء الثلاثة شفعاء بالأسباب التي ذكرت، فلم أوجبت الشفعة لبعضهم دون بعض إذا حضروا وطالبوا بها وقدمت بعضهم فيها على حق بعض ولم تجعلها لهم جميعًا إذ كانوا كلهم شفعاء؟.
قيل له: لأن الشريك في الشيء المبيع خليط فيه وفي الطريق إليه، فمعه من الحق في الطريق مثل الذي مع الشريك في الطريق، ومعه اختلاط ملكه بالشيء المبيع، وليس ذلك مع الشريك في الطريق، فهو أولى منه ومن الجار الملازق، ومع الشريك في الطريق، شركه في الطريق وملازقة للشيء المبيع فمعه من أسباب الشفعة مثل الذي مع الجار الملازق، ومعه أيضًا ما ليس مع الجار الملازق من اختلاط حق ملكه في الطريق بملكه فيه، فلذلك كان -عندنا- أولى بالشفعة منه.
وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: حاصل السؤال: أن الشفعاء لما كانوا ثلاثة، وهم: الشريك في نفس المبيع، والشريك في حق المبيع، والجار الملازق كان ينبغي أن يتساووا في الشفعة، ولا يقُدَّم بعضهم على بعض إذ العلة في الكل واحدة.
وحاصل الجواب: أن الشريك في نفس المبيع، له من الحق ما للشريك في حق المبيع وزيادة، فيقدم على الشريك في حق المبيع، وأن الشريك في حق المبيع له من الحق ما ليس للجار الملازق، فيقدم عليه.
ص: وقد روي ذلك عن شريح:
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا محمد بن كثير، قال: أنا سفيان، عن هشام، عن محمد، عن شريح، وأشعث -أظنه عن الشعبي عن شريح- قال: "الخليط أحق من الشفيع، والشفيع أحق ممن سواه".
стр. 7730
حدثنا أحمد بن داود، قال: حدثني إسماعيل بن سالم، قال: أنا هشيم، عن يونس، وهشام، عن محمد (ح).
وحدثنا أحمد قال: ثنا يعقوب بن حميد، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، عن هشام، عن محمد، عن شريح، مثله.
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا شريك، عن جابر، عن عامر، عن شريح قال: "الشفعة شفعتان: شفعة للجار وشفعة للشريك".
ش: أي قد روي ما ذكرنا من الترتيب في حق الشفعاء الثلاثة، عن شريح بن الحارث الكندي القاضي.
وأخرج ذلك عنه من أربع طرق:
الأول: إسناده صحيح، عن أحمد بن داود المكي، عن محمد بن كثير العبدي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيربن، عن شريح.
وروى سفيان أيضًا، عن أشعث بن سوَّار الكندي الكوفي، عن عامر بن شراحيل الشعبي، عن شريح.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه " (١): ثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن الشعبي، عن شريح، قال: "الخليط أحق من الشفيع، والشفيع: الجار، والجار أحق ممن سواه".
قوله: "الخليط أحق من الشفيع" أراد بالخليط الشريك في نفس المبيع وحق المبيع، وأراد بالشفيع الجار الشفيع، فهذا قدم الشريك على الجار.
стр. 7731
الثاني: عن أحمد أيضًا، عن إسماعيل بن سالم الصائغ شيخ مسلم، عن هشيم ابن بشير، عن يونس بن عبيد البصري وهشام بن حسان، كلاهما عن محمد بن سيرين، عن شريح.
الثالث: عن أحمد أيضًا، عن يعقوب بن حميد بن كاسب فيه مقال، عن عبد الله بن رجاء الغداني شيخ البخاري، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن شريح.
الرابع: عن رَوح بن الفرج القطان المصري، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله النخعي، عن جابر الجعفي فيه مقال، عن عامر الشعبي، عن شريح.
وأخرج عبد الرزاق (١): عن سفيان الثوري، عن جابر، عن الشعبي، عن شريح: "قال في الجار: الأول فالأول. يعني في الشفعة".
ص: فإن قال قائل: فقد روي عن عثمان ﵁ خلاف هذا فذكر ما حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا إسماعيل بن سالم، قال: ثنا هشيم، عن محمد بن إسحاق، عن منظور بن أبي ثعلبة، عن أبان بن عثمان، قال: قال عثمان ﵁: "لا مكابلة، إذا وقعت الحدود فلا شفعة".
قيل له: قد روي هذا عن عثمان كما ذكرت، وليس فيه عندنا حجة؛ لأنه قد يجوز أن يكون أراد بذلك إذا حدت الحدود من الحقوق كلها، وأدخل الطريق في ذلك، فيكون ذلك موافقًا لما قد رويناه عن جابر في هذا الباب: "إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" ولو كان على ما تأولتموه عليه لكان قد خالفه في ذلك سعد بن أبي وقاص، والمسور بن مخرمة، وأبو رافع فيما قد رويناه عنهم فيما مضى من هذا الباب.
стр. 7732
ش: هذا اعتراض على ما روي عن شريح في إيجاب الشفعة بالجوار بعد إيجابها للخليط بما روي عن عثمان بن عفان ﵁.
أخرجه بإسناد جيد: عن أحمد بن داود، عن إسماعيل بن سالم شيخ مسلم، عن هشيم بن بشير، عن محمد بن إسحاق المدني، عن منظور بن أبي ثعلبة بن أبي مالك القرظي، عن أبان بن عثمان، عن أبيه عثمان بن عفان ﵁.
وأخرجه سعيد بن منصور: عن هشيم، أنا محمد بن إسحاق، عن منظور بن أبي ثعلبة، عن أبان بن عثمان، أن أباه عثمان قال: "لا مكابلة، إذا وقعت الحدود فلا شفعة".
وأخرجه ابن حزم (١): من طريق سعيد بن منصور.
وجه الاعتراض به: أن عثمان ﵁ إنما كان يرى الشفعة للخليط؛ لأنه قال: "لا مكابلة" قال أبو عبيد في "الغريب": قال الأصمعي: المكابلة تكون في الحبس، يقول: إذا حدت الحدود فلا يحبس أحد عن حقه. وأصل هذا من الكَبْل، وهو القيد، قال ابن الأثير: الكبل هو القيد. وهذا على مذهب من لا يرى الشفعة إلا للخليط، وقيل: المكابلة: أن تباع الدار التي جنب دارك وأنت تريدها فتؤخرها حتى يستوجبها المشتري، ثم تأخذها بالشفعة، وهي مكروهة. وهذا عند من يرى شفعة الجوار.
قلت: المكابلة مفاعلة من الكبل -بالباء الموحدة- ولقد جعل هذا بعض مَن لا خبرة له بالفنون، ولا يَدَ لَهُ في الحديث ومتونه، من الكيل -بالياء آخر الحروف- وهذا غلط فاحش هَاهنا.
والجواب عنه ما قاله: بقوله: "قيل له. . . ." إلى آخره.
حاصله: أن أثر عثمان ليس فيه حجة علينا؛ لأنه يحتمل أن يكون عثمان ﵁ أراد بذلك إذا حدت الحدود كلها وأدخل الطريق في ذلك، كما مَرَّ نظير هذا في
стр. 7733
حديث جابر ﵁ وهو: "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة"؛ فإن فيه نفي الشفعة بعد وقوع الحدود وصرف الطرق، وذلك دليل على ثبوتها قبل صرف الطرق، وإن حدت الحدود، فافهم.
ولو كان معناه على ما ذكره المعترض؛ لوقع بينه وبين ما روي عن سعد بن أبي وقاص والمسور بن مخرمة وأبي رافع الذي تقدم فيما مضى.
ص: وقد روي عن عمر ﵁ أيضًا في ذلك ما حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يزيد بن خالد بن موهب، قال: ثنا ابن إدريس، عن يحيى بن سعيد، عن عون بن عبيد الله بن أبي رافع، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، قال: قال عمر ﵁: "إذا وقعت الحدود وعرف الناس حقوقهم فلا شفعة".
فقد وافق هذا ما رويناه عن عثمان، واحتمل ما احتمله حديث عثمان ﵁.
ش: أي وقد روي عن عمر بن الخطاب أيضًا مثل ما روي عن عثمان.
أخرجه بإسناد صحيح، عن أحمد بن داود المكي، عن يزيد بن خالد بن موهب الهمداني الرَمْلي الزاهد شيخ أبي داود، عن عبد الله بن إدريس الزَّعَافري الكوفي، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عون بن عبيد الله بن أبي رافع، عن عُبيد الله -بتصغير العبد- بن عبد الله -بالتكبير- بن عمر، عن عمر بن الخطاب ﵁.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عون بن عبد الله بن أبي رافع، عن عبيد الله بن عبد الله، قال: قال عمر بن الخطاب: "إذا وقعت الحدود وعرف الناس حدودهم، فلا شفعة بينهم".
وأخرجه سعيد بن منصور أيضًا في "سننه": عن إسماعيل بن زكرياء، عن يحيى بن سعيد. . . . إلى آخره نحوه.
ص: وقد روي عن عمر ﵁ خلاف ذلك أيضًا:
стр. 7734
حدثنا أحمد، قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا ابن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي بكر بن حفص: "أن عمر ﵁ كتب إلى شريح أن يقضي بالشفعة للجار الملازق".
ش: أي قد روي عن عمر بن الخطاب خلاف ما روي عنه عبيد الله بن عبد الله. وأشار بهذا إلى أن رواية عمر هذه تفسر مراده من حديثه الأول، ولو لم نصِر إلى هذا تلزم المعارضة بين روايتيه، والتوفيق بينهما بهذا الوجه أحسن مِنْ إهدارهما.
وأخرج هذه الرواية عن أحمد بن داود المكي، عن يعقوب بن حميد المدني، عن سفيان بن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي بكر عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن عُيينة، عن عمرو، عن أبي بكر بن حفص: "أن عمر ﵁ كتب إلى شريح أن يقضي بالجوار. قال: فكان شريح يقضي للرجل من أهل الكوفة على الرجل من أهل الشام".
وأخرجه سعيد بن منصور في "سننه": ثنا سفيان بن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي بكر بن حفص، قال شريح: "كتب إليَّ عمر بن الخطاب ﵁: اقض بالشفعة للجار". زاد بعضهم: "للجار المطلق".
ص: وقد روي أيضًا عن ابن عباس ﵄، عن رسول الله ﵇ ما يدل على أن الشفعة تجب بالشرك في الطريق:
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا نعيم، قال: ثنا الفضل بن موسى، عن أبي حمزة السكري، عن عبد العزيز بن رفيع، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "الشريك شفيع، والشفعة في كل شيء".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا ابن إدريس، عن
стр. 7735
ابن جريج، عن عطاء، عن جابر ﵁ قال: "قضى رسول الله ﵇ بالشفعة في كل شيء، فلما كان الشريك في الطريق سمي شريكًا، كان داخلًا في ذلك".
ش: ذكر هذا حجة على مَن يقول من أهل المقالة الأولى: إن الشفعة لا تجب إلا لشريك لم يقاسم؛ وذلك لأن قوله ﵇: "الشريك شفيع" أعم من أن يكون شريكًا قاسم أو شريكًا لم يقاسم، وسواء كان شريكًا في حق المبيع أو شريكًا في نفس المبيع.
وأخرج في ذلك عن ابن عباس، وجابر بن عبد الله ﵃.
أما عن ابن عباس فأخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن نُعيم بن حماد المروزي الفارضي الأعور شيخ البخاري في المقرنات، عن الفضل بن موسى السيناني أحد أصحاب أبي حنيفة، عن أبي حمزة -بالحاء المهملة والزاي المعجمة- محمد بن ميمون المروزي السكري، عن عبد العزيز بن رفيع الأسدي المكي، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة زهير المكي الأحول قاضي عبد الله بن الزبير، عن ابن عباس ﵄.
وأخرجه البيهقي (١) من حديث نعيم بن حماد. . . . إلى آخره.
وأخرجه الدارقطني (٢): عن البغوي، عن الحسين بن حريث، عن الشيباني، عن أبي حمزة نحوه.
وقال الدارقطني: خالفه شعبة وإسرائيل وعمرو بن أبي قيس وأبو بكر بن عياش، رووه عن عبد العزيز، عن ابن أبي مليكة مرسلًا، وهو الصواب.
وأما عن جابر فأخرجه عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن يوسف بن عدي شيخ البخاري، عن عبد الله بن إدريس الكوفي، عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر.
стр. 7736
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه القاضي أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن مسلمة المعروف بابن أبي حنيفة من طريق في جعفر، نحوه (١).
ص: فإن قال قائل: فأنت لا تقول بهذا الحديث؛ لأنه يوجب الشفعة في كل شيء من حيوان وغيره، وكنت لا توجب الشفعة في الحيوان.
قيل له: هذا على ما ذكرت إنما معنى "قضى بالشفعة في كل شيء" أي في الدور والعقار والأرضين، والدليل على ذلك ما قد روي عن ابن عباس:
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا معن بن عيسى، عن محمد ابن عبد الرحمن، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ قال: "لا شفعة في الحيوان".
ش: تقرير السؤال أن يقال: إن هذين الحديثين يدلان على أن الشفعة تجب في كل شيء سواء كان أرضًا أو حيوانًا أو نحوهما، وأنتم لا توجبون الشفعة إلا في العقار، وقد تركتم العمل بهذا الحديث.
وتقرير الجواب أن يقال: إن المراد من قوله: "والشفعة في كل شيء" هو الدور والعقار والأرضون؛ وليس المراد منه سائر الأشياء.
والدليل على ذلك ما قد روي عن ابن عباس أنه قال: "لا شفعة في الحيوان".
أخرجه عن أحمد بن داود المكي، عن يعقوب بن حميد المدني شيخ ابن ماجه، عن معن بن عيسى بن يحيى بن دينار الأشجعي القزاز المدني، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس.
وأخرج ابن حزم (٢) هذا وقال: محمد بن عبد الرحمن مجهول.
стр. 7737
قلت: لعل هذا يكون محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني المشهور الثقة، فإن معن بن عيسى قد روى عنه. والله أعلم.
ثم اعلم أن طائفة قد ذهبوا إلى ظاهر هذين الحديثين، وقالوا: تجب الشفعة في كل شيء من الأرضين والحيوان والثياب وغيرها.
ونقل ذلك أيضًا عن عطاء بن أبي رباح وعبد الله بن أبي مليكة، وهو مذهب أهل الظاهر.
وقال ابن حزم في "المحلى" (١): الشفعة واجبة في كل جزء بيع مشاعًا غير مقسوم بين اثنين فصاعدًا من أي شيء كان مما ينقسم ومما لا ينقسم من أرض، أو شجرة واحدة فأكثر، أو عبدًا، أو أَمَة، أو ثوب، أو من سيف، أو من طعام، أو من حيوان، أو أي شيء بيع لا يحل لمن له ذلك الجزء أن يبيعه حتى يعرضه على شريكه أو شركائه فيه، فإن أراد من يشركه فيه الأخذ له بما أعطاه فيه غيره، فالشريك أحق به، وإن لم يرد أن يأخذه فقد سقط حقه ولا قيام له بعد ذلك إذا باعه ممن باعه، فإن لم يعرض عليه كما ذكرنا حتى باعه من غير مَن يشركه، فمن يشركه مُخَيِّر بين أن يمضي ذلك البيع وبين أن يبطله ويأخذ ذلك الجزء لنفسه بما بيع به.
ثم قال: وقال أبو حنيفة والشافعي: لا شفعة إلا في الأرض فقط، أو في أرض بما فيها من بناء أو شجر نابت فقط، وقال مالك: الشفعة واجبة في الأرض وحدها، وفي الأرض بما فيها من بناء أو شجر نابت، أو في الثمار التي في رءوس الشجر، وإن بيعت دون الأصول.
وقال أبو عمر: اختلف مالك وأصحابه في الشفعة في الثمرة إذا بيعت حفنة منها دون الأصل، فأوجب الشفعة فيها للشريك ابن وهب وابن القاسم وأشهب، ورووه عن مالك.
стр. 7738
وقال المغيرة وعبد الملك بن الماجشون وابن أبي حازم وابن دينار: لا شفعة فيها، ورووه أيضًا عن مالك.
وهو قول أكثر أهل المدينة، وهو مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وداود بن علي وأهل النظر والأثر، وهو الصحيح عندي.
واختلف قول مالك وأصحابه في الشفعة في الحمام، فأوجبها بعضهم ونفاها بعضهم. وكذلك اختلف قول مالك وأصحابه أيضًا في الشفعة في الكراء وفي المساقاة.
وقال محمد بن عبد الحكم: لا شفعة إلا في الأرضين والخيل والأشجار، ولا شفعة في ثمرة ولا كتابة مكاتب ولا في دين، وإنما الشفعة في الأصول والأرضين خاصة، وهو قول الشافعي وجمهور العلماء، وقال: لا شفعة في عين إلا أن يكون لها بياض، ولا في بئر، ولا عرصة دار، ولا فحل نخل.
وقال أصحابنا الحنفية: وشرط وجوب الشفعة أن يكون المبيع عقارًا أو ما هو بمعناه، فإن كان غير ذلك فلا شفعة فيه عند عامة العلماء.
وقال مالك: هذا ليس بشرط، وتجب الشفعة في السفل، ثم عندنا سواء كان العقار محتملًا للقسمة أو لا يحتملها كالحمام والبئر والنهر والعين والدور القصار.
وقال الشافعي: لا تجب الشفعة إلا في عقار يحتمل القسمة، وإذا بيع سفل عقار دون علوه، أو علوه دون سفله، أو بيعا جميعًا؛ وجبت الشفعة، ولو انهدم العلوّ ثم بيع السفل؛ وجبت الشفعة لصاحب العلو عند أبي يوسف، وعند محمد لا شفعة له، والله أعلم بالصواب.
стр. 7739
ص: كتاب الجنايات
ش: أي هذا كتاب في بيان الجنايات، وهي جمع جناية، وهي مصدر من جناه يجنيه من شر أي يحدثه، قال ابن الأثير: الجناية الذنب والجرم، وما يفعله الإنسان مما يوجب عليه العقاب أو القصاص في الدنيا أو الآخرة.
قال الجوهري: جنى عليه جناية، وجَنَيْتُ الثمرة أجنيها جنيًا واجتنيتها بمعنىً.
وقال الفقهاء: الجناية اسم لفعل محرم واقع في النفس والأطراف.
* * *
ص: باب: ما يجب في قتل العمد وجرح العمد
ش: أي هذا باب في بيان ما يجب في قتل العمد، وهو القصد، وفي بيان ما يجب في جراح العمد أيضًا.
والجراح: بكسر الجيم بمعنى الجَرْح -بفتح الجيم- والجَرح -بالفتح- مصدر من جرحه يجرحه، والجُرح -بالضم- الاسم، ويجمع على جُروح، ولا يقال: أجراح، إلا في الشعر، ويقال: رجل جريح، وامرأة جريح أيضًا، ورجال جرحى، ونسوة جَرْحى.
ص: حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون البغدادي، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير (ح).
وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة، قال: حدثني أبو هريرة، قال: "لما فتح الله على رسوله ﵇ مكة -شرفها الله- قتلت هذيل رجلًا من بني ليث بقتيل كان لهم في الجاهلية، فقام النبي ﵇ فخطب وقال في خطبته: مَن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يقتل، وإما أن يُودى". واللفظ لمحمد بن عبد الله.
стр. 7740
وقال أبو بكرة في حديثه: "قتلت خزاعة رجلًا من بني ليث".
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن محمد بن عبد الله بن ميمون البغدادي نزيل إسكندرية وشيخ أبي داود والنسائي، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير الطائي اليمامي، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة.
وأخرجه البخاري (١): عن يحيى بن موسى، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة نحوه.
وأخرجه أيضًا (٢) عن أبي نُعيم، ثنا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "أن خزاعة قتلوا رجلًا".
وقال عبد الله بن رجاء: حدثنا حرب بن شداد، عن يحيى، نا أبو سلمة، نا أبو هريرة: "أنه عام فتح مكة قتلت خزاعة رجلًا من بني ليث بقتيل لهم في الجاهلية، فقام رسول الله ﵇ فقال: إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليهم رسوله والمؤمنين، ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ألا وإنما أحلت لي ساعة من نهار، ألا وإنها ساعتي هذه حرام لا يختلى شوكها ولا يعضد شجرها، ولا يَلتقط ساقطتها إلا منشد، ومَن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يُودى له، وإما أن يقاد.
فقام رجل من اليمن يقال له: أبو شاة، فقال: اكتب لي يا رسول الله، فقال رسول الله ﵇: اكتبوا لأبي شاة، ثم قام رجل من قريش فقال: يا رسول الله، إلا الإذخر فإنما نجعله في بيوتنا وقبورنا، فقال رسول الله ﵇: إلا الإذخر".