← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 7666–7705 · переход к 7671.

стр. 7666

ص: باب: ركوب الرهن واستعماله وشرب لبنه ش: أي هذا باب في بيان حكم ركوب المرتهن الرهن، وبيان حكم استعماله، وبيان حكم شرب لبنه. ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا زكرياء بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "الظهر يركب بنفقته إذا كان مركوبًا، ولبن الدّرِّ يشرب بنفقته إذا كان مرهونًا". ش: إسناده صحيح، والشعبي هو عامر بن شراحيل الهمداني الكوفي. وأخرجه البخاري (١): عن أبي نعيم، عن زكرياء عن الشعبي، عن أبي هريرة نحوه. وعن (٢) محمد بن مقاتل عن عبد الله بن المبارك، عن زكرياء، نحوه. وأبو داود (٣): عن هناد، عن ابن المبارك، عن زكرياء، عن الشعبي، عن أبي هريرة نحوه. والترمذي (٤): عن أبي كريب ويوسف بن عيسى، عن وكيع، عن زكرياء، عن عامر، به نحوه. وقال: حسن صحيح، لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عامر الشعبي. قال: وقد روى غير واحد هذا الحديث عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة موقوفا.

стр. 7667

وابن ماجه (١): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن زكرياء، عن الشعبي به. قوله: "الظهر يركب الإبل التي يحمل عليها وتركب" يقال: عند فلان ظهر، أي: إبل، ويجمع على ظهران بالضم. قوله: "ولبن الدر" أي ذوات الدر، أي اللبن. قال الجوهري: الدر اللبن، يقال في الذم: لا در دره، أي لا كثر خيره، ويقال في المدح: لله دره، أي عمله، ويقال: ناقة درور، أي كثيرة اللبن، ودار أيضًا. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى إن للراهن أن يركب الرهن بحق نفقته عليه، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. ش: أراد بالقوم هؤلاء: إبراهيم النخعي، والشافعي، وجماعة الظاهرية، فإنهم قالوا: للراهن أن يركب الرهن بحق نفقته عليه، ويشرب لبنه كذلك. وروي ذلك أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال البيهقي (٢): قال الشافعي يشبه قول أبي هريرة: أن من رهن ذات درّ وظهر لم يمنع الراهن درّها وظهرها, لأن له رقبتها. قال: ومنافع الرهن للراهن وليس للمرتهن منها شيء. قلت: قول أبي هريرة الذي قاله الشافعي هو ما رواه شعبة ووكيع وابن عُيينة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: "الرهن محلوب ومركوب". ذكر في كتب الشافعية: أن الراهن يجوز له استيفاء المنافع التي لا تضر بالمرتهن كسكنى الدار، وركوب الدابة، واستكتاب العبد، ولبس الثياب إلا إذا نقص

стр. 7668

باللبس وإكراء الفحل إلا إذا نقصت قيمته؛ لأن الرهن في ملك الراهن، فلا يمنع التصرف فيه. وقال ابن حزم في "المحلى" (١): ومنافع الرهن كلها لا تحاشى منها شيئًا لصاحبه الراهن له كما كانت قبل الرهن ولا فرق، حاشى ركوب الدابة المرهونة، وحاشى لبن الحيوان المرهون فإنه لصاحب الرهن كما ذكرنا، إلا أن يُضَيِّعهما فلا ينفق عليهما، وينفق على كل ذلك المرتهن، فيكون له حينئذٍ ركوب الدابة، ولبن الحيوان بما أنفق، لا يحاسب به من دينه، كثر ذلك أم قل، وذلك؛ لأن ملك الراهن باقٍ في الرهن، ولم يخرج عن ملكه، لكن الركوب والاحتلاب خاصة لمن أنفق على المركوب والمحلوب؛ لحديث أبي هريرة: "الظهر يركب. . . . إلى آخره". ثم قال: وصح عن أبي هريرة قوله مثل قولنا، وهو أنه قال: "وصاحب الرهن يركبه، وصاحب الدَّر يحلبه، وعليهما النفقة" وأنه قال: "الرهن مركوب ومحلوب بعلفه". ومن طريق حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبرهيم النخعي: "فيمن ارتهن شاة ذات لبن قال: يشرب المرتهن من لبنها بقدر ثمن علفها، فإن استفضل من اللبن بعد ثمن العلف فهو ربًا". قال علي: هذه الزيادة من إبراهيم لا نقول بها. وقال الشافعي: جميع منافع الرهن للراهن كما كانت، وقال أبو ثور بذلك، وبقولنا في الركوب والحلب، إلا أنه زاد الاستخدام، ولا نقول بهذا؛ لأنه لم يأت به نص. وقال ابن قدامة في "المغني" (٢): "أما المحلوب والمركوب فللمرتهن أن ينفق

стр. 7669

عليه ويركب ويحلب بقدر نفقته، متحريًا للعدل في ذلك في إحدى الروايتين، نصّ عليه أحمد في رواية [بكر بن محمد] (١) وأحمد بن القاسم، واختاره الخرقي، وهو قول إسحاق، وسواء اتفق مع تعذر النفقة من الراهن لغيبته، أو امتناعه من الإنفاق، أو مع القدرة على أخذ النفقة من الراهن واستئذانه. والرواية الأخرى: لا يحتسب له بما أنفق وهو متطوع بها، وليس له الانتفاع بالرهن بقدر نفقته. وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي؛ لقوله ﵇: "الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه". ولأنه ملك غيره لم يأذن له في الانتفاع به، ولا الإنفاق عليه، فلم يكن له ذلك كغير الرهن" (٢). ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ليس للراهن أن يركب الرهن ولا يشرب لبنه وهو رهن معه، وليس له أن ينتفع بشيء منه. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا وأحمد في رواية, فإنهم قالوا: ليس للراهن ذلك لأنه ينافي حكم الرهن، وهو الحبس الدائم فلا يملكه. وقال أصحابنا: ليس للراهن أن ينتفع بالمرهون استخدامًا وركوبًا ولبنًا وسكنى وغير ذلك, لأن حق الحبس ثابت للمرتهن على سبيل اللزوم، وهذا يمنع الاسترداد والانتفاع، وليس له أن يبيعه من غير المرتهن بغير إذنه، ولو باعه يوقف على إجازته فإن أجازه جاز، ويكون الثمن رهنًا سواء شرط المرتهن عند الإجازة أن يكون مرهونًا عنده أو لا.

стр. 7670

وعن أبي يوسف أنه لا يكون رهنًا إلا بالشرط، وكذا ليس للمرتهن أن ينتفع بالمرهون حتى لو كان عبدًا ليس له أن يستخدمه، وإن كان دابة ليس له أن يركبها، وإن كان ثوبًا ليس له أن يلبسه، وإن كان دارًا ليس له أن يسكنها، وإن كان مصحفًا ليس له أن يقرأ فيه، وليس له أن يبيعه إلا بإذن الراهن. ص: وكان من الحجة لهم على أهل المقالة الأولى: أن هذا الحديث الذي احتجوا به حديث مجمل, لم يبين فيه من الذي يركب ويشرب اللبن؟ فمن أين جاز لهم أن يجعلوه الراهن دون أن يجعلوه المرتهن؟! هذا لا يكون لأحد إلا بدليل يدله على ذلك إما من كتاب أو سنة أو إجماع، ومع ذلك فقد روى هذا الحديث هشيم فبين فيه ما لم يبين يزيد بن هارون. حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا إسماعيل بن سالم الصائغ، قال: أنا هشيم، عن زكريا، عن الشعبي، عن أبي هريرة، ذكر أن النبي ﵇ قال: وإذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها، ولبن الدر يشرب، وعلى الذي يشرب نفقتها ويركب". فدل هذا الحديث أن المعْني بالركوب وشرب اللبن في الحديث الأول هو المرتهن لا الراهن، فجعل ذلك له، وجُعلت النفقة عليه بدلًا مما يتعوض منه مما ذكرنا، وكان هذا عندنا والله أعلم في وقت ما كان الربا مباحا، ولم يُنه حينئذ عن القرض الذي يجر منفعةً، ولا عن أخذ الشيء بالشيء وإن كانا غير متساويين، ثم حُرِم الربا بعد ذلك، وحرم كل قرض جر منفعة. وأجمع أهل العلم أن نفقة الرهن على الراهن لا على المرتهن، وأنه ليس للمرتهن استعمال الرهن. ش: أي وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية على أهل المقالة الأولى، وأراد بها: الجواب عن الحديث المذكور. بيانه: أن هذا الحديث -أعني حديث أبي هريرة المذكور- مجمل؛ لأنه لم يبين

стр. 7671

فيه مَنْ الراكب والشارب؟ فيحتمل أن يكون هو الراهن، ويحتمل أن يكون المرتهن، فتخصيص الراهن به من غير دليل يدّل عليه ترجيح بلا مرجح، وهو لا يجوز، فإذا كان كذلك فقد بطل الاستدلال به لأهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه، ومع هذا فقد بين هُشَيم بن بشير في روايته هذا الحديث أن المراد من الراكب والشارب هو المرتهن لا الراهن. وقد أخرج ذلك عن أحمد بن داود المكي شيخ الطبراني، عن إسماعيل بن سالم الصائغ، عن هشيم بن بشير، عن زكرياء بن أبي زائدة، عن عامر الشعبي، عن أبي هريرة ﵁. وهذا إسناد صحيح. فإذا كان الأمر كذلك كان ينبغي أن يذهبوا إلى عكس ما ذهبوا إليه، وهو أن يكون جواز الركوب وشرب اللبن للمرتهن بحق نفقته عليه، لا للراهن. فإن قيل: إذا كان حديث هشيم قد بين أن المراد من الراكب والشارب هو المرتهن، فلم لم تقولوا به، وهو حجة عليكم حيث أطلقتم المنع للراهن والمرتهن جميعًا؟. قلت: قد كان ذلك جائزًا للمرتهن بهذا الحديث حين كان الربا مباحًا، وحين لم ينه عن القرض الذي يجرّ منفعة، ولا عن إبدال شيء بشيء وإن كانا متفاضلين، فلما حدثت هذه الأشياء، انفسخ الحكم المذكور أيضًا، وأشار إلى ذلك بقوله: "وكان هذا عندنا والله أعلم. . . ." إلى آخره. فإن قيل: قال ابن حزم (١): حديث هشيم المذكور ليس مسندًا؛ لأنه ليس فيه بيانٌ بأن هذا اللفظ من كلام رسول الله ﵇، وأيضًا فإن لفظه مختلط لا يفهم أصلًا، وهو قوله: "ولبن الدر يشرب وعلى الذي يشرب نفقتها، ويركب"

стр. 7672

وهذه الرواية إنما هي من طريق إسماعيل بن سالم الصائغ مولى بني هاشم، عن هشيم، فالتخليط من قبله لا من قبل هشيم فمن فوقه. قلت: هذا كلام ساقط, لأنه كيف يقول ليس فيه بيان؛ بأن هذا اللفظ من كلام رسول الله ﵇، وأيضًا فإن لفظه مختلط لا يفهم أصلًا، وهو قوله: "ولبن الدر يشرب وعلى الذي يشرب نفقها ويركب". وقد صرّح فيه بقوله: ذكر أن النبي ﵇ قال. والطاعن هذا هو المخلِّط، والتخليط منه لا من إسماعيل بن سالم، فإنه من رجال الصحيح، وروى عنه مسلم. ص: فمما روي في نسخ الربا: ما حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن ابن زياد، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: "لما نزلت الآيات التي في آخر سورة البقرة، قام رسول الله ﷺ فقرأهن على الناس، ثم حرّم التجارة في بيع الخمر". حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن شعبة، قال: حدثني منصور، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة مثله. فلما حُرِّم الربا حُرّمت أشكاله، وَرُدَّت الأشياء المأخوذة إلى أبدالها المتساوية لها، وحُرّم بيع اللبن في الضروع، فدخل في ذلك النهي عن النفقة التي يملك بها المنفق لبنًا في الضروع، وتلك النفقة فغير موقوف على مقدارها، واللبن كذلك أيضًا، فارتفع بنسخ الربا أن تجب النفقة على المرتهن بالمنافع التي تجب له عوضًا منها، وباللبن الذي يحتلبه فيشربه. ش: أي فَمِنَ الذي روي عن النبي ﵇ في فسخ الربا: حديث عائشة ﵂. وأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي الرصاصي، عن شعبة، عن منصور بن المعتمر، وسليمان الأعمش، كلاهما عن أبي الضحى مسلم بن صُبيح، عن مسروق، عن عائشة.

стр. 7673

وأخرجه أبو داود (١): عن مسلم، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي الضحى، عن مسروق. . . . إلى آخره نحوه. الثاني: عن أحمد داود المكي، عن مسدد شيخ البخاري وأبي داود، عن يحيى القطان، عن شعبة، عن منصور، عن مسلم بن صُبيح، عن مسروق. وأخرجه الترمذي (٢): عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق به نحوه. ص: ويقال لمن صرف ذلك إلى الراهن فجعل له استعمال الرهن: أيجوز للراهن أن يَرهن رجلًا دابةً هو راكبها فلا يجد بدًّا من أن يقول: لا. فيقال له: فإذا كان الرهن لا يجوز إلا أن يكون مخلى بينه وبين المرتهن، فيقبضه ويصير في يده دون الراهن كما وصف الله الرهن بقوله ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٣) فيقول: نعم. فيقال له: فلما لم تجز أن تستقبل الرهن على ما الراهن راكبه، لم يجز ثبوته في يده بعد ذلك رهنًا بحقه إلا كذلك أيضًا؛ لأن دوام القبض لابد منه في الرهن إذ كان الرهن إنما هو المرتهن للشيء المرهون بالدين، وفي ذلك أيضًا ما يمنع استخدام الأمة الرهن؛ لأنها تُرجع بذلك إلى حال لا يجوز عليها استقبال الرهن. ش: أي يقال لمن صرف قوله ﵇: "الظهر يركب بنفقته إذا كان مركوبًا، ولبن الدرِّ يُشرب بنفقته إذا كان مرهونًا" إلى أن ذلك إلى الراهن، والذين

стр. 7674

صرفوا ذلك إلى الراهن هم أهل المقالة الأولى، وتحقيق هذا الكلام: أن هذا إيراد على أهل المقالة الأولى بأن يقال لهم: إذا رهن رجل دابة والحال أنه راكبها، فإن قال لآخر: رهنتك هذه الدابة. فإن هذا لا يجوز، هم أيضًا يقولون: لا يجوز. فدلَّ هذا أن التخلية بين الرهن والمرتهن شرط حتى يكون في قبضه وفي يده دون يد الراهن، وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (١) فوصف الرهن بالقبض، فدلَّ أنه شرط. فإذا قيل لهم: هل هذا كذلك؟ فيقولون: نعم. فإذا كان كذلك فكيف يجوز أن يقال: للراهن أن يركب الرهن بحق نفقته عليه، أو يشرب لبنه بحق نفقته عليه؟!. قوله: "على ما الراهن راكبه" أي على الشيء الذي هو راكبه، وهو الدابة. قوله: "وفي ذلك أيضًا" أي وفي ما ذكرنا من اشتراط دوام القبض في الرهن ما يمنع أن يستخدم الراهن الأمة التي رهنها؛ لأنه حينئذ يشبه رهن الدابة وهو راكبها. ص: وحجة أخرى: أنهم قد أجمعوا أن الأَمَة الرهن ليس للراهن أن يطأها، وللمرتهن منعه من ذلك، فلما كان المرتهن يمنع الراهن بحق الرهن من وطئها، كان له أيضًا أن يمنعه بحق الرهن من استخدامها. ش: أي دليل آخر يدل على عدم استعمال الراهن الرهن بالركوب والوطأ ونحوهما، وهو أن الأخصام كلهم قد أجمعوا على أن الراهن لا يجوز له أن يطأ الأمة المرهونة، وأن للمرتهن أن يمنعه من ذلك، فإذا كان له منعه من ذلك بسبب حق الرهن، كان له أيضًا أن يمنعه بسبب حق الرهن من أن يستخدمها.

стр. 7675

ثم اعلم أن الطحاوي أطلق بقوله: "قد أجمعوا. . . ." إلى آخره، ولكن قال بعض أصحاب الشافعي: للراهن وطأ الآيسة والصغيرة؛ لأنه لا ضرر فيه، فإن علة المنع: الخوف من أن تلد منه، فتخرج بذلك من الرهن، وهذا معدوم في حقهما، والجمهور على خلاف ذلك. ثم إن خالف فوطأ، فلا حدّ عليه لأنها ملكه، ولا مهر عليه، فإذا ولدت صارت أم ولد له، وخرجت من الرهن، وعليه قيمتها حين أحبلها, ولا فرق بين الموسر والمعسر إلا أن الموسر تؤخذ قيمتها منه، والمعسر تكون في زمته قيمتها وهذا قول أصحابنا والشافعي أيضًا، وقال مالك: إن كانت الأمة تخرج إلى الراهن وتأتيه خرجت من الرهن، فيؤخذ ولدها وتباع الجارية. وقال ابن حزم: قال الشافعي: إن رهن أمة فوطأها فحملت، فإن كان موسرًا خرجت من الرهن، وكُلِّف رهنا آخر مكانها، فإن كان معسرًا، فمرة قال: تخرج من الرهن ولا يُكلف رهنا مكانها ولا تكلف هي شيئًا. ومرة قال: تباع إذا وضعت، ولا يباع الولد، ويُكلف رهن آخر. وقال أبو ثور: هي خارجة من الرهن، ولا يتكلف لا هو ولا هي شيئًا، سواء كان موسرًا أو معسرًا. وعن قتادة: أنها تباع ويتكلف سيدُها أن يُفْتَكَّ ولده منها. وعن ابن سيرين: أنها استسعيت، وكذلك العبد المرهون إذا أعتق. وقال مالك: إن كان موسرًا كُلِّف أن يأتي بقيمتها، فتكون القيمة رهنًا، وتخرج هي من الرهن، وإن كان معسرًا، فإن كانت تخرج إليه وتأتيه فهي خارجة من الرهن، ولا تتبع بغرامة، ولا يتكلف هو رهنًا مكانها, لكن يتبع بالدين الذي عليه، وإن كان تَسَور عليها، بيعت هي وأُعطي هو ولده منها. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن حملت وأقر بحملها فإن كان موسرًا خرجت من الرهن، وكُلِّف قضاء الدين إن كان حالًا، أو كلف رهنًا بقيمتها إن كان إلى

стр. 7676

أجل، فإن كان معسرًا كلفت أن تستسعى في الدين الحال بالغًا ما بلغ، ولا ترجع به على سيدها, ولا يتكلف ولدها سعاية، فإن كان الدين إلى أجل كلفت أن تسعى في قيمتها فقط، فجعلت رهنًا مكانها، فإذا حلّ أجل الدين كلفت من قبل أن تستسعى في باقي الدين إن كان أكثر من قيمتها، وإن كان السيد استلحق ولدها بعد وضعها له وهو معسر، قُسِّمَ الدين على قيمتها يوم ارتهنها، وعلى قيمة ولدها يوم استلحقه مما أصاب الأمَّ سَعَت فيه بالغًا ما بلغ للمرتهن، ولم ترجع به على سيدها، وما أصاب الولد سعى في الأقل من الدين أو من قيمته، ورجع به على أبيه، ويأخذ المرتهن كل ذلك. ص: وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي وهذا الذي ذكرنا من عدم جواز استعمال الراهن الرهن بالركوب والاستخدام والوطأ، هو قول أبي حنيفة وصاحبيه ﵏. ص: وقد حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا الحسن بن صالح، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: "لا ينتفع من الرهن بشيء". فهذا الشعبي يقول هذا، وقد روى عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ ما ذكرنا، أفيجوز عليه أن يكون أبو هريرة يحدثه عن النبي ﵇ بذلك، ثم يقول هو بخلافه ولم يثبت النسخ عنده؟! لئن كان ذلك كذلك فلقد صار متهمًا في رأيه، وإذا كان متهمًا في رأيه كان متهمًا في روايته، وإذا ثبتت له العدالة في روايته ثبتت له العدالة في ترك خلافها، فإن وجب سقوط أحد الأمرين وجب سقوط الآخر، والمحتج علينا بحديث أبي هريرة هذا يقول: من روى حديثًا عن النبي ﵇ فهو أعلم بتأويله، فكان يجيء على أصله، ويلزمه في قوله أن يقول لمَّا قال الشعبي ما ذكرنا مما يخالف ما روى عن أبي هريرة عن النبي ﵇: كان ذلك دليلًا على نسخه. ش: ذكر أثر الشعبي بإسناد صحيح.

стр. 7677

عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن الحسن بن صالح بن حيّ الكوفي العابد؛ شاهدًا لما ذكره فيما مضى من عدم جواز انتفاع الراهن بالركوب والاستخدام وشرب اللبن ونحو ذلك؛ لأن عامرًا الشعبي قال من رأيه: "لا يُنتفع من الرهن بشيء". وهذا بعمومه يتناول الراهن والمرتهن، والحال أنه هو الذي روى عن أبي هريرة عن النبي ﵇ أنه قال: "الظهر يُركب بنفقته إذا كان مركوبًا, ولبن الدرّ يشرب بنفقته إذا كان مرهونًا" ولا يجوز لمثل الشعبي أن يروي عن أبي هريرة عن النبي ﵇ حديثًا ثم يقول هو من رأيه بخلاف ذلك بدون ثبوت نسخ ذلك عنده، وذلك لأنه قد عُلِمَ أن الراوي إذا ظهرت منه المخالفة قولًا أو عملًا، فإن كان ذلك بتاريخ قبل الرواية فإنه لا يقدح في الخبر، ويحمل على أنه كان ذلك مذهبه قبل أن يسمع الحديث، فلما سمع الحديث رجع إليه، وكذلك إن لم يُعْلم التاريخ؛ لأن الحمل على أحسن الوجهين واجب ما لم يتبين خلافه، وهو أن يكون ذلك منه قبل أن يبلغه الحديث ثم رجع إلى الحديث، وأما إذا عُلم ذلك منه بتاريخ بعد الحديث، فإن الحديث يخرج به من أن يكون حجةً؛ لأن فتواه بخلاف الحديث أو عمله من أبين الدلائل على الانقطاع، وأنه لا أصل للحديث، فإن الحال لا يخلو إما أن تكون الرواية تقولًا منه لا عن سماع، فتكون واجب الرد، أو تكون فتواه وعمله بخلاف الحديث على وجه قلة المبالاة والتهاون بالحديث فيصير به فاسقًا لا تقبل روايته أصلًا، أو يكون ذلك عن غفلة ونسيان، وشهادة المغفل لا تجوز فلا يكون حجة فكذلك خبره، أو يكون ذلك منه على أن علم انتساخ حكم الحديث، وهذا أحسن الوجوه، فيجب الحمل؛ عليه تحسينًا للظن بروايته وعمله، فإنه روى على طريق إبقاء الإسناد، وعلم أنه منسوخ، فأفتى بخلافه. قوله: "أفيجوز عليه" أي على الشعبي، والهمزة في "أفيجوز" للاستفهام.

стр. 7678

قوله: "لئن كان ذلك كذلك" أي لئن كان جاز للراوي عن الصحابي، عن النبي ﵇ بحديث أن يقول قولًا بخلاف حديثه الذي رواه، فلقد صار متهمًا. . . . إلى آخره. قوله: "والمحتج علينا. . . ." إلى آخره إشارة إلى بيان إلزام هذا القائل بقوله، وكونه محجوجًا بما قاله؛ لأنه لما قال: الراوي للحديث عن النبي ﵇ أعلم بتأويل هذا الحديث. كان يلزمه أن يقول: حديث الشعبي، عن أبي هريرة هذا منسوخ لا يعمل به, لأنه لو لم يعلم بحاله لما قال بخلافه، إذْ لا يجوز عليه أن يقول بخلافه بدون علمه بانتساخه، كما ذكرنا، فافهم. والله أعلم.

стр. 7679

ص: باب: الرهن يهلك في يد المرتهن كيف حكمه ؟ ش: أي هذا باب في بيان حكم الرهن إذا هلك في يد المرتهن. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أنه سمع مالكًا ويونس وابن أبي ذئب يحدثون، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، أن رسول الله ﵇ قال: "لا يغلق الرهن" قال يونس بن يزيد: قال ابن شهاب: وكان ابن المسيب يقول: "الرهن ممن رهنه، له غنمه وعليه غرمه". حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبد الله ابن إدريس، عن ابن جريج، عن عطاء وسليمان بن موسى، قالا: قال رسول الله ﵇: "لا يغلق الرهن". ش: هذان إسنادان منقطعان مرسلان: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس ويونس بن يزيد الأيلي ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، ثلاثتهم عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب. وأخرجه مالك في "موطأه" (١)، وعبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يغلق الرهن، له غنمه وعليه غرمه". والدارقطني في "سننه" (٣): عن أبي بكر النيسابوري، عن أبي الأزهر، عن عبد الرزاق، به.

стр. 7680

والشافعي في "مسنده" (١): عن محمَّد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن رسول الله ﵇ قال: "لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه"، وقال الشافعي: غنمه: زيادته، وغرمه: هلاكه ونقصه. وأخرجه البيهقي في كتاب "الخلافيات": عن محمَّد بن عبد الله الحافظ، عن أبي بكر بن أحمد، عن عبد الله بن يوسف الأصبهاني، عن محمَّد بن يعقوب، عن الربيع بن سليمان، عن الشافعي، به. الثاني: عن محمَّد بن خزيمة، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن عبد الله بن إدريس الحنظلي، عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء بن أبي رباح وسليمان بن موسى القرشي الأموي الدمشقي الأشدق، فقيه أهل الشام في زمانه. قوله: "لا يغلقُ الرهن" برفع القاف على الخبر، أي ليس يغلق الرهن، ومعناه: لا يذهب ويتلف باطلًا، قاله أبو عمر، وقال أيضًا: والأصل في ذلك: الهلاك، والنحويون يقولون: غلق الرهن إذا لم يوجد له تخلص، وقال ابن الأثير: هو من غَلِقَ الرهنُ يَغْلَقُ غُلُوقًا إذا بقي في يد المرتهن لا يقدر راهنه على تخليصه، والمعنى أنه لا يستحقه المرتهن إذا لم يستفكه صاحبه، وكان هذا من فعل الجاهلية: أن الراهن إذا لم يؤد ما عليه في الوقت المعين ملك المرتهن الرهن، فأبطله الإِسلام، وقال الأزهري: يقال: غَلِقَ البابُ وانْغَلَق واسْتَغْلَق إذا عَسُرَ فتحه، والغلق في الرهن ضد الفك، فإذا فك الراهن الرهن فقد أطلقه من وثاقه عند مرتهنه، وقد أَغْلَقْتُ الرهن فَغَلِقَ: أي أوجبته فوجب للمرتهن، وباب هذه المادة من باب عَلِمَ يَعْلَمُ. فافهم.

стр. 7681

ص: قال أبو جعفر ﵀: فقال قائل: لما قال رسول الله ﵇: "لا يغلق الرهن، لصاحبه غنمه وعليه غرمه" ثبت بذلك أن الرهن لا يضيع بالدين، فإن لصاحبه غنمه وهو سلامته، وعليه غرم الدين بعد ضياع الرهن". ش: أراد بهذا القائل: الشافعي، فإنه قال هذا القول، وفسر الغنم والغرم بما فسره. وبقوله قال أحمد وأبو ثور وابن المنذر، وإليه ذهب الزهري والأوزاعي وعطاء بن أبي رباح. قال ابن قدامه: الرهن إذا تلف بغير جناية من المرتهن ولا تفريط منه فلا ضمان عليه، وهو من مال الراهن، يروي ذلك عن علي ﵁، وبه قال الشافعي. ويروى عن شريح والنخعي والحسن: أن الرهن يُضمن بجميع الدين وإن كان أكثر من قيمته؛ لأنه روي عن النبي ﵇ أنه قال: "الرهن بما فيه"، وقال مالك: إن كان تلفه بأمر ظاهر كالموت والحرق فمن ضمان الراهن، وإن أدعى تلفه بأمر خفي لم يقبل قوله وضَمِن. وقال ابن حزم (١): وأما هلاك الرهن بغير فعل الراهن ولا المرتهن فللناس فيه خمسة أقوال: قالت طائفة: يترادان الفضل. تفسير ذلك: أن الرهن إن كانت قيمته وقيمة الدين سواء فقد سقط الدين عن الذي كان عليه، ولا ضمان عليه في الرهن، فإن كانت قيمة الرهن أكثر سقط الدين ومقداره من الرهن، وكلف المرتهن أن يؤدي إلى الراهن مقدار ما كان تزيده قيمة الرهن على قيمة الدين، وإن كانت قيمة الرهن أقل، سقط من الدين بمقداره، وأدى الراهن إلى المرتهن فضل ما زاد الدين على قيمة الرهن، وهو قول عبيد الله بن الحسن وأبي عبيد وإسحاق بن راهويه.

стр. 7682

وقالت طائفة: ذهب الرهن بما فيه، سواء كان قيمة الدين أو أقل أو أكثر، إذا تلف، سقط الدين، ولا يغرم أحدهما للآخر شيئًا. صحَّ هذا عن الحسن البصري وإبراهيم النخعي وشريح والشعبي والزهري وقتادة. وصح عن طاوس في الحيوان يرتهن. وروينا عن النخعي والشعبي: "فيمن ارتهن عبدًا فاعوَّر عنده قالا: ذهب بنصف دينه". وقالت طائفة: إن كان الرهن مما يخفى كالثياب ونحوها، فضمان ما تلف منها على المرتهن بالغة ما بلغت، ويبقى دينه بحسبه حتى يؤدى إليه بكماله. وإن كان الرهن مما يظهر كالعقار والحيوان فلا ضمان فيه على المرتهن، ودينه باق بكماله حتى يؤدى إليه، وهو قول مالك. وقالت طائفة: سواء كان مما يخفى أو مما لا يخفى لا ضمان فيه على المرتهن أصلًا، ودينه باق بكماله حتى يؤدى إليه. وهو قول الشافعي وأبي ثور وأحمد بن حنبل وأبي سليمان، وأصحابهم. وقالت طائفة: إن كانت قيمة الرهن أكثر من قيمة الدين أو مثلها، فقد بطل الدين كله، ولا غرامة على المرتهن في زيادة قيمة الرهن على قيمة الدين، فإن كانت قيمة الرهن أقل من قيمة الدين سقط من الدين مقدار قيمة الرهن، وأدى الراهن إلى المرتهن ما بقي من دينه. وهو قول إبراهيم النخعي وقتادة. وبه يقول أبو حنيفة وأصحابه، ويروى ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر ﵃. ص: وهذا تأويل قد أنكره أهل العلم جميعًا باللغة، وزعموا أنه لا وجه له عندهم، والذي حملنا على أن نأتي بهذا الحديث وإن كان منقطعًا: احتجاج الذي يقول بالمسند علينا، ودعواه أنا خالفناه، وقد كان يلزمه على أصله لو أنصف خصمه أن لا يحتج بمثل هذا، إذ كان منقطعًا، وهو لا تقوم الحجة عنده بالمنقطع.

стр. 7683

فإن قال: قبلته وإن كان منقطعًا؛ لأنه عن سعيد بن المسيب، ومنقطع سعيد بن المسيب يقوم مقام المتصل. قيل له: ومن جعل لك أن تخص سعيدًا بهذا وتمنع منه مثله من أهل المدينة، مثل أبي سلمة والقاسم وسالم وعروة وسليمان بن يسار وأمثالهم من أهل المدينة، والشعبي وإبراهيم النخعي وأمثالهما من أهل الكوفة، والحسن وابن سيرين وأمثالهما من أهل البصرة، وكذلك من كان في عصر من ذكرنا من سائر فقهاء الأمصار، ومن كان فوقهم من الطبقة الأول من التابعين مثل علقمة والأسود وعمرو بن شرحبيل وعَبيدة وشريح ﵏. لئن كان هذا لك مطلقًا في سعيد بن المسيب، فإنه مطلق لغيرك فيمن ذكرنا، وإن كان غيرك ممنوعًا من ذلك فإنك ممنوع من مثله، لأن هذا تحكم، وليس لأحد أن يحكم في دين الله بالتحكم. ش: أي التأويل الذي تأوله الشافعي في قول سعيد بن المسيب: "له غنمه وعليه غرمه" تأويل قد أنكره عليه أهل العلم جميعًا باللغة، فحكى عن أبي عمرو غلام ثعلب: أنه أخطأ من قال: الغرم الهلاك، بل الغرم اللزوم ومنه الغريم؛ لأنه لزمه الدين، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ (١) أي لازما، والصحاح: الغرامة: ما يلزم أداؤه، وكذلك المغرم والغرم، وفي كتاب "الأفعال": غارمت غرما: لزمني ما لا يجب علي. وقد فسر غير الشافعي الحديث بأشياء موافقة لما قاله أهل اللغة؛ فقال الهروي في "الغريبين": قال ابن عرفة: الغرامة عند العرب: ما كان لازما، والغرم: أداء شيء يلزم، ومنه الحديث: "له غنمه وعليه غرمه". ففي زيادته: وغرمه: أداء ما يفك به الرهن.

стр. 7684

وقال الجصاص: الغرم: الدين، فيكون تفسيرا لقوله: "لا يغلق الرهن، أي: لا يملك بالشرط عند محل الأصل، ولصاحبه إذا جاء زيادته وعليه دينه الذي هو مرهون به". وفي "التمهيد": قال أبو عبيد: لا يجوز في كلام العرب أن يقال للرهن إذا ضاع: قد غلق، إنما يقال: غلق، إذا استحقه المرتهن فذهب به، وهذا كان من فعل الجاهلية فأبطله النبي ﵇ بقوله: "لا يغلق الرهن"، وقال مالك تفسيره بما يرى: أن يرهن شيئًا فيه فضل فيقول للمرتهن: إن جئتك تجعل إلي كذا؛ وإلا فالرهن لك بما فيه، فهذا لا يحل، وهو الذي نهي عنه، وبنحو هذا فسره الزهري والنخعي والثوري وطاوس وشريح. وفي "القواعد" لابن رشد: أن أبا حنيفة وأصحابه تأولوا غنمه بما فضل منه، وغرمه بما نقص، ومعنى قوله: "وعليه غنمه" عند مالك ومن قال بقوله: أي نفقته. وحكى صاحب "التمهيد" عن أبي حنيفة، ومالك وأصحابهما في تأويل الحديث كما حكاه ابن رشد. فالحاصل: أن الشافعي احتج بمرسل سعيد بن المسيب، وأوله بتأويل أنكره عليه أهل العلم جميعًا باللغة. وأقل الأحوال أنه يجعل غير ما ذكر مما تقدم من التأويلات وترك القول بالتضمين مع أنه منصوص عليه في عدة أحاديث قد تأيد بعضها ببعض، وتأيدت بأقوال السلف والتابعين، على أن مذهب ابن المسيب بخلاف ما تأول الشافعي حديثه به، فقال صاحب "التمهيد": قال شريح والشعبي وغير واحد من الكوفيين: يذهب الرهن بما فيه؛ كانت قيمته مثل الدين أو أكثر منه أو أقل، ولا يرجع واحد منهما على صاحبه بشيء، وهذا قول الفقهاء السبعة المدنيين إذا هلك وعميت قيمته ولم تقم بينة، فإن قامت بينة يردا الفضل، وهكذا قال الليث، وقال:. . . . (١) بلغني عن علي بن أبي طالب ﵁ انتهى كلامه.

стр. 7685

وابن المسيب من الفقهاء السبعة بلا خلاف، وروى عبد الرزاق في "مصنفه": عن معمر، عن الحسن والزهري وقتادة وابن طاوس عن أبيه قالوا: من ارتهن حيوانًا فهلك فهو بما فيه. وقال أبو بكر الجصاص: اتفقت الصحابة على أنه مضمون؛ وإن اختلفوا في كيفية الضمان، فالقول بأنه أمانة خلاف الإجماع. قوله: "والذي حملنا على أن نأتي بهذا الحديث" أي: حديث سعيد بن المسيب -وإن كان منقطعا- أشار بهذا الكلام إلى الإنكار على الشافعي؛ حيث احتجوا على الشافعية بالمسند إذا احتجوا بالمنقطع، ويدعي أنهم قد خالفوه بكونه قد احتج بالمسند وهم قد احتجوا بالمنقطع، ثم قال: لو أنصف الشافعي خصمه كان ينبغي على أصله الذي يذهب إليه أن لا يحتج بمثل هذا الحديث هاهنا؛ لأنه منقطع، وهو لا يرى الحجة بالمنقطع. قوله: "فإن قال" أي: فإن قال الشافعي: إنما قبلته -أي: حديث سعيد بن المسيب- وإن كان منقطعا، وهذا جواب الشافعي عما قاله: الحنفية وقد كان يلزمه على أصله. . . ." إلى آخره. قيل له: "ومن جعلك. . . ." إلى آخره. منع لما أجابه الشافعي، وحاصله: أن تخصيص الشافعي مراسيل سعيد بن المسيب في العمل بها دون مراسيل غيره ممن هم أضرابه وأشكاله من أهل المدينة مثل: أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف والقاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق وسالم بن عبد الله بن الخطاب وعروة بن الزبير بن العوام وسليمان بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﵇. ومثل: عامر بن شراحيل الشعبي وإبراهيم بن يزيد النخعي وأضرابهما من أهل الكوفة. ومثل: الحسن البصري ومحمد بن سيرين وأضرابهما من أهل البصرة.

стр. 7686

وأمثال من كانوا في عصرهم وزمانهم، وأمثال من كان فوقهم من الطبقة الأولى من التابعين مثل: علقمة بن قيس النخعي والأسود بن يزيد بن قيس النخعي وعمرو بن شرحبيل الهمداني وعَبِيدة -بفتح العين وكسر الباء الموحدة- ابن عمرو السلماني وشريح بن الحارث الكندي ﵏. تحكم وترجيح بلا مرجح، فلا يقبل منه، على أن الشافعي قد خالف مرسل سعيد بن المسيب في بعض المواضع. فمن ذلك: ما روي عن سعيد بن المسيب بسند صحيح: "فرض رسول الله ﵇ زكاة الفطر مدين من حنطة"، وقد رده الشافعي وقال: هذا خطأ، وقد نص البيهقي في رسالته إلى أبي محمَّد الجويني أن إسناده صحيح، وذكر فيها أيضًا أن الشافعي خالف مرسل سعيد بن المسيب في بعض المواضع، فكيف رده الشافعي وزعم أنه خطأ وهو صحيح ولاسيما وقد اعتضد بأحاديث وآثار أخرى على ما ذكرناها في موضعها. فإن قيل: قد روي حديث سعيد بن المسيب هذا مسندًا أيضا فلذلك قامت به الحجة عند الشافعي. وهو ما رواه الدارقطني (١): ثنا محمَّد بن الحسين بن سعيد الهمذاني [الحياني] (٢)، ثنا عبد الله بن هشام القواس، ثنا بشر بن يحيى المروزي، ثنا أبو عصمة، عن محمَّد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "لا يغلق الرهن، له غنمه وعليه غرمه". ثنا (٣) أبو محمَّد بن صاعد، ثنا عبد الله بن عمران العابدي، ثنا سفيان بن

стр. 7687

عيينة، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله ﵇ قال: "لا يغلق الرهن، له غنمه وعليه غرمه". قال الدارقطني: زياد بن سعد أحد الحفاظ الثقات، وهذا إسناد حسن متصل. ثنا (١) أبو محمَّد بن صاعد، ثنا محمَّد بن عوف، نا عثمان بن سعيد بن كثير، ثنا إسماعيل بن عياش، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "لا يغلق الرهن، لصاحبه غنمه وعليه غرمه". ثئا (٢) أبو الطيب محمَّد بن جعفر بن دُران ومحمد بن أحمد بن الصلت الأطروش، قالا: ثنا محمَّد بن خالد بن يزيد الراسبي، ثنا أبو ميسرة أحمد بن عبد الله بن ميسرة، ثنا سليمان بن داود الرقي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "لا يغلق الرهن حتى يكون لك غنمه وعليك غرمه". ثئا (٣) أبو العباس أحمد بن عبد الله بن نصر بن بحير، ثنا عمران بن بكار، نا عبد الله بن عبد الجبار، ثنا إسماعيل بن عياش، ثنا الزبيدي عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال النبي ﵇: "لا يغلق الرهن، له غنمه وعليه غرمه". حدثنا (٤) أحمد بن عبد الله، ثنا عمران بن بكار، ثنا عبد الله بن عبد الجبار، ثنا إسماعيل، ثنا محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇، مثله. حدثنا (٥) محمَّد بن أحمد بن زيد الحنائي، ثنا موسى بن زكرياء، ثنا محمَّد بن يزيد الروَّاس، ثنا كريب أبو يحيى، ثنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن

стр. 7688

المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "لا يغلق الرهن، لك غنمه وعليك غرمه". وأخرجه البيهقي (١): من طريق عبد الله بن عمران، عن سفيان بن عُيينة عن زياد بن سعد، عن الزهري. . . . إلى آخره نحوه. وأخرجه الحاكم (٢): عن الأصم، عن محمَّد بن عوف، عن عثمان بن سعيد ابن كثير، عن إسماعيل بن عياش، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري. . . . إلى آخره. وأخرجه البيهقي (٣) أيضًا من طريق الحاكم. وأخرجه بن حزم في "المحلى" (٤): ثنا أحمد بن قاسم، ثنا أبي قاسم بن محمَّد بن قاسم، ثنا جدي: قاسم بن أصبغ، حدثني محمَّد بن إبراهيم، حدثني يحيى بن طالب الأنطاكي وجماعة من أهل الثقة ثنا نضر بن عاصم الأنطاكي، نا شبابة بن ورقاء، نا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "لا يغلق الرهن، الرهن لمن رهنه، له غنمه وعليه غرمه". فهذا مسند من أحسن ما روي في هذا الباب. قلت: قال أبو عمر: أصل هذا الحديث عند أهل العلم بالنقل مرسل، وإن كان قد وصل من جهات كثيرة فإنهم يعللوها. والعجب من البيهقي كيف سكت هاهنا عن إسماعيل بن عياش وقال في باب السيف: لا نقضي في مثله، وفي باب أكل الضب: لا يحتج بمثله، وقال في باب ترك الوضوء من الدم: ماروي عن الشاميين صحيح وعن أهل الحجاز ليس بصحيح.

стр. 7689

وابن أبي ذئب مدني وليس بشامي، على أن إسماعيل لم يسمعه من ابن أبي ذئب وإنما سمعه من عباد بن كثير، وعباد ضعيف عندهم. ولئن سلمنا أنه حديث مسند صحيح فهو حجة عليه لا علينا, لأن قوله: "لا يغلق الرهن" معناه لا يهلك، إذ الغلق يستعمل في الهلاك، قال الكاساني (١): كذا قال بعض أهل اللغة، وعلى هذا كان الحديث حجة عليه، لأنه يذهب بالدين فلا يكون هالكًا معنىً، وقيل: معناه لا يستحقه المرتهن ولا يملكه عند امتناع الراهن عن قضاء الدين، وهذا كان حكمًا جاهليًّا جاء الإِسلام فأبطله. وقوله: "عليه غرمه" أي نفقته وكفنه ونحن نقول به. والله أعلم. ص: وقد قال أهل العلم في تأويل قول رسول الله ﵇ غير ما ذكرت: حدثنا علي بن عبد العزيز -فيما أعلم، فإن لم يكن فقد دخل فيما كان إجازةً لي- قال: ثنا أبو عُبيد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم: "في رجل دفع إلى رجل رهنًا وأخذ منه دراهم وقال: إن جئتك بحقك إلى كذا وكذا، وإلا فالرهن لك بحقك. فقال إبراهيم: لا يغلق الرهن". قال أبو عبيد: فجعله جوابًا لمسألته. وقد روي عن طاوس نحوٌ من هذا، بلغني ذلك عن ابن عيينة، عن عمرو، عن طاوس. قال: وأخبرني عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك بن أنس وسفيان ابن سعيد: "أنهما كانا يفسرانه على هذا التفسير". حدثنا يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن مالك بن أنس بذلك أيضًا. حدثنا فهد، قال: ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب، عن الزهري، قال: سمعت ابن المسيب قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يغلق الرهن". فبذلك يمنع صاحب الرهن من أن يبتاعه من الذي رهنه عنده حتى يباع من غيره، فذهب الزهري أيضًا في ذلك الغلق إلى أنه في البيع لا في الضياع.

стр. 7690

فهؤلاء المتقدمون يقولون بما ذكرنا. ش: الخطاب في قوله: "غير ما ذكرت" للشافعي ﵀: وأشار بهذا إلى أنه قد جاء عن إبراهيم النخعي وطاوس بن كيسان ومالك بن أنس وسفيان الثوري ومحمد بن مسلم الزهري تأويلات خلاف ما ذهب إليه الشافعي من التأويل المذكور. أما ما جاء عن إبراهيم فإنه قد رواه إما مشافهة، وإما بطريق الإجازة، عن علي بن عبد العزيز البغدادي الحافظ صاحب المسندات، عن أبي عبيد القاسم بن سلام البغدادي الفقيه الأديب القاضي، عن جرير بن عبد الحميد، عن المغيرة ابن مقسم الضبي، عن إبراهيم النخعي. وهذا إسناد صحيح. وأما ما جاء عن طاوس فرواه بطريق البلاغ، عن سفيان بن عُيينة، عن عمرو دينار، عن طاوس بن كيسان، أنه فسر الحديث بما فسر به إبراهيم. وأما ما جاء عن مالك بن أنس وسفيان الثوري، فرواه أبو عبيد، عن عبد الرحمن بن مهدي عنهما، وأشار إليه بقوله: قال: وأخبرني أبي، قال أبو عبيد: وأخبرني عبد الرحمن. وأخرج أبو جعفر الطحاوي أيضًا تأويل مالك من طريق: يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك. وأما ما جاء عن الزهري، فرواه عن فهد بن سليمان، عن أبي اليمان الحكم بن نافع شيخ البخاري، عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سعيد بن المسيب ﵀. ص: وقد روي عن النبي ﵇ في هذا أيضًا ما حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا عبيد الله بن محمَّد التَيْمي، قال: أنا عبد الله بن المبارك، قال: ثنا مصعب بن ثابت، عن عطاء بن أبي رباح: "أن رجلًا ارتهن فرسًا، فمات الفرس في يد المرتهن، فقال رسول الله ﵇: ذهب حقك".

стр. 7691

فدل هذا من قول رسول الله ﵇ على بطلان الدين بضياع الرهن. فإن قال: هذا أيضًا منقطع. قيل له: والذي تأولته أيضًا منقطع، فإن كان المنقطع حجة لك علينا فالمنقطع أيضًا حجة لنا عليك. ش: أي وقد روي عن النبي ﵇ في حكم الرهن إذا هلك عند المرتهن أنه يهلك بالدين. أخرج ذلك بإسناد رجاله كلهم ثقات. وأخرجه بن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا عبد الله بن المبارك، عن مصعب بن ثابت، قال: سمعت عطاء يحدث: "أن رجلًا رهن رجلًا فرسًا فنفق في يده، فقال رسول الله ﵇ للمرتهن: ذهب حقك". فإن قلت: مصعب بن ثابت ضعفه يحيى وأحمد، وقال ابن حزم: هذا مرسل ومصعب ليس بالقوي. قلت: ابن حبان وثقه وصدَّقه أبو حاتم، وروى عنه مثل عبد الله بن المبارك وزيد بن أسلم -وهو أكبر منه- وعيسى بن يونس وأضرابهم. قوله: "فإن قال: هذا أيضًا منقطع" أي فإن قال الشافعي: هذا الحديث أيضًا منقطع فلا يكون حجة. قوله: "قيل له" أي لهذا القائل -وهو الشافعي- وهو ظاهر. فإن قيل: فقد روى البيهقي (٢) هذا الحديث من طريق أبي داود: ثنا محمَّد بن العلاء، ثنا ابن المبارك، عن مصعب بن ثابت، سمعت عطاء: "أن رجلًا رهن فرسًا، فنفق في يده، فقال رسول الله ﵇ للمرتهن: ذهب حقك"، ثم ذكر أن

стр. 7692

الشافعي وَهَّنَه فقال: ثنا إبراهيم، عن مصعب، عن عطاء قال: "زعم الحسن. . . ." ثم ذكره فجعله من مرسلات الحسن. قلت: الراوي من طريق أبي داود عن مصعب هو عبد الله بن المبارك كما صرح به أيضًا من طريق الطحاوي، وهو جبل من الجبال، فكيف تعارض روايته رواية إبراهيم، وأظنه بن أبي يحيى وهو ضعيف جدًّا، وعلى تقدير صحة هذه الرواية, فالمرسل حجة عند خصم الشافعي سواء كان من جهة الحسن أو من جهة عطاء. فافهم. فإن قيل: ذكر البيهقي عن الشافعي أنه قال: ومما يدلك على وهن هذا عند عطاء -إن كان رواه- أن عطاء كان يفتي بخلافه، ويقول فيما ظهر هلاكه أمانة، وفيما خفي هلاكه: يترادان الفضل، وهذا أثبت الروايات عنه، وروي عنه: يترادان مطلقًا, ولا شك أن عطاء لا يروي عن النبي ﵇ ويقول بخلافه. قلت: لم يسند الشافعي قول عطاء حتى ننظر فيه، وقد قال الطحاوي: ثنا ابن مرزوق، ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن عطاء: "في رجل رهن رجلًا جاريةً فهلكت، قال: هي حق المرتهن". وهذا إسناد جيد يظهر به أن قول عطاء موافق لحديثه المرسل لا مخالف له، ثم لو ثبت أن قوله مخالف لما رواه، فالعبرة عند الشافعي وأكثر المحدثين لما روى لا لما رأى، على ما عرف. ص: وقد روي عن النبي ﵇ من جهة أخرى ما يوافق ذلك أيضًا: حدثنا أبو العوام محمَّد بن عبد الله بن عبد الجبار المرادي، قال: ثنا خالد بن نزار الأيلي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه قال: "أدركت من فقهائنا الذين ينتهى إلى قولهم منهم: سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمَّد وأبو بكر بن عبد الرحمن وخارجه بن زيد وعبيد الله بن عبد الله في مشيخة من نظرائهم، أهل فقه وصلاح وفضل، فذكر جميع ما جُمع من

стр. 7693

أقاويلهم في كتابه على هذه الصفة، أنهم قالوا: الرهن بما فيه، إذا هلك وعميت قيمته، ويرفع ذلك منهم الثقة إلى النبي ﵇" فهؤلاء أئمة المدينة وفقهاؤها يقولون: إن الرهن يهلك بما فيه، ويرفع الثقة منهم إلى النبي ﵇، فأيهم حكاه فهو حجة؛ لأنه فقيه إمام، ثم قولهم جميعًا بذلك واجتماعهم عليه قد ثبت به صحة ذلك أيضًا. ثَمَّ سعيد بن المسيب، وهو المأخوذ منه قول رسول الله ﵇: "لا يغلق الرهن". ش: أي قد روي عن النبي ﵇ من جهة أخرى ما يوافق ما أوله النخعي وطاوس ومالك والثوري والزهري في حديث سعيد بن المسيب. وهو ما أخرجه بإسناد جيد عن محمَّد بن عبد الله بن عبد الجبار المرادي المصري، عن خالد بن نزار الأيلي، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد -بالنون- عبد الله بن ذكوان، عن أبيه عبد الله قال: "أدركت. . . ." إلى آخره. وعبد الرحمن هذا احتج به أبو داود والترمذي وابن ماجه، واستشهد به البخاري وقال ابن المديني: حديثه بالمدينة حديث مقارب. وقد ذكر في حديثه ستة من الأمة الكبار الثقات الأثبات أهل الفقه والصلاح والفضل والأمانة وجلالة القدر: الأول: سعيد بن المسيب الذي هو سيد التابعين الذي يقال له: فقيه الفقهاء. الثاني: عروة بن الزبير بن العوام، ذكره محمَّد بن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة، وقال: كان ثقة كثير الحديث فقيهًا عالمًا مأمونًا ثبتًا. روى له الجماعة. الثالث: القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق ﵃، ذكره محمَّد بن سعد أيضًا في الطبقة الثانية من أهل المدينة، وقال فيه ما قال في عروة. الرابع: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله ابن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي المدني، أحد الفقهاء السبعة. قيل: اسمه

стр. 7694

محمَّد، وقيل: اسمه أبو بكر، وكنيته أبو عبد الرحمن، والصحيح أن كنيته واسمه واحد، قال ابن خراش: هو أحد أئمة المسلمين. روى له الجماعة. الخامس: خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري النجاري أبو زيد، أحد الفقهاء السبعة، ذكره محمَّد بن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة، روى له الجماعة. السادس: عُبيد الله -بتصغير العبد- بن عبد الله -بالتكبير- بن عتبة بن مسعود الهذلي أبو عبد الله المدني الفقيه الأعمى، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، ذكره محمَّد بن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة. قال العجلي: كان أحد فقهاء المدينة، تابعي ثقة، رجل صالح، جامع للعلم، وهو معلم عمر بن عبد العزيز. روى له الجماعة. قوله: "في مَشِيخة" بفتح الميم وكسر الشين: جمع شيخ، وكذلك أشياخ وشُيُوخ وشِيَخَة وشِيخَان ومَشَايخ ومَشْيُوخَاء. "الشيخ" في اللغة من استبان فيه السن, والمراد به هاهنا: من كان متقدمًا في العلم إمامًا يقتدى به. و"النُّظراء" بضم النون: جمع نظير، ونظير الشيء: مثله. ومحل قوله: "في مَشِيخة" نصب على الحال. قوله: "الرهن بما فيه" يعني الرهن محبوس بما فيه من الدين، فإذا هلك هلك الدين؛ لأنه في مقابلته. قوله: "وعميت قيمته" يجوز أن يكون من العلماء وهو السحاب الرقيق، أي حال دونه ما أعمى الأبصار عن معرفة قيمته، ويجوز أن يكون من العمى مقصورًا بمعنى وخفيت قيمته، لأن الأعمى تخفى عليه الأشياء. ص: وقد زعم هذا المخالف لنا أن من روى حديثًا عن رسول الله ﵇ فهو أعلم بتأويله، حتى قال في حديث ابن عباس الذي رواه سيف، عن قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ قضى باليمين

стр. 7695

مع الشاهد -قال عمرو: في الأموال" فجعل هو قول عمرو بن دينار هذا وتأويله له حجة ودليلًا له أن ذلك الحكم في الأموال دون سائر الأشياء، فلئن كان قول عمرو بن دينار هذا وتأويله تجب به حجة، فإن قول سعيد بن المسيب الذي ذكرنا وتأويله فيما روى أحرى أن يكون حجة. ش: أراد بالمخالف الشافعي، وأراد بهذا الكلام الرد عليه فيما زعم أن مَن روى حديثًا عن رسول الله ﵇ فهو أعلم بتأويله، حتى قال في حديث ابن عباس الذي أخرجه الطحاوي في باب القضاء باليمين مع الشاهد: عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن زيد بن الحباب، عن سيف بن سليمان المكي، عن قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ قضى باليمين مع الشاهد -قال عمرو: في الأموال". يعني عمرو أَوَّلَ هذا الحديث في الأموال دون غيرها، فجعل الشافعي قول عمرو هذا حجة ودليلًا له في أن القضاء باليمين مع الشاهد إنما هو في باب الأموال دون غيرها. وجه ردِّ الطحاوي ذلك: أنه إذا كان قول عمرو في هذا حجة، لكونه أعلم بتأويل حديثه الذي رواه فكون قول سعيد بن المسيب وتأويله أحرى وأولى أن يكون حجة. ص: وهذا المخالف لنا فقد زعم أنه يقول بالاتباع، فعن مَنْ أخذ قوله هذا؟ أو مَن إمامه فيه؟ وقد روينا عن رسول الله ﵇ خلافه، وعن تابعي أصحابه خلافه أيضًا. ش: أي زعم الشافعي أنه يقول بالاتباع للأحاديث والآثار, ولهذا ينقل عنه أنه قال: كل ما صح من الحديث فهو مذهبي، وقد ترك الاتباع في مسألة الرهن إذا هلك عند المرتهن، وذهب إلى قول لا يُدرى عَمَّن أخذه، ولا مَنْ إمامه فيه؟. فإن قيل: اتبع هاهنا حديث ابن المسيب المخرج مرسلًا وموصلًا كما ذكرناه. قيل له: قد بَيَّنَا أنه أول الحديث بتأويل أنكره عليه أهل العلم باللغة والنقل، فلم يبق له دليل يُعتمد عليه، ولا برهان يقوم به الحكم.

стр. 7696

قوله: "وقد [روينا عن] (١) رسول الله ﵇ خلافه" أشار به إلى ما رواه عطاء ابن أبي رباح، المذكور عن قريب. قوله: "وعن تابعي" أي وقد روينا عن التابعين لأصحاب رسول الله ﵇ خلاف ما ذهب إليه أيضًا، وهو ما رواه عن الفقهاء الستة الذين ذُكروا عن قريب. ص: وقد روي عن أئمة أصحابه خلاف ذلك أيضًا. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن أبي العوام -يعني عمران بن دَاوَر- عن مطر، عن عطاء، عن عبيد بن عمير: "أن عمر بن الخطاب ﵁ قال في الرجل يرتهن الرهن فيضيع، قال: إن كان بأقل ردوا عليه، وإن كان بأفضل فهو أمين في الفضل". حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخصيب بن ناصح، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن إسرائيل، عن عبد الأعلى الثعلبي، عن محمَّد بن الحنفية، أن عليًّا ﵁ قال: "إذا رهن الرجِلُ الرجلَ رهنًا، فقال له المعطي: لا أقبله إلا بأكثر مما أعطيك، فضاع رَدَّ عليه الفضل، وإن رهنه وهو أكثر مما أعطى بطيب نفس من الراهن فضاع فهو بما فيه". حدثنا نصر، قال: ثنا الخصِيب، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن خِلاس، أن عليًّا ﵁ قال: "إذا كان في الرهن فضل فأصابته جائحة فهو بما فيه، وإن لم تصبه جائحة واتهم فإنه يرد الفضل". حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن الحسن وخِلاس بن عمرو، أن عليًّا ﵁ قال في الرهن: "يترادَّان الزيادة والنقصان جميعًا، فإن أصابته جائحة برئ". فهذا عمر وعلي ﵄ قد أجمعا أن الرهن الذي قيمته الدين يضيع بالدين، وإنما اختلافهما فيما زاد من قيمة الرهن على مقدار الدين، فقال عمر ﵁ هو أمانة، وقال علي ﵁ ما قد رويناه عنه في حديث نصر وأحمد بن داود.

стр. 7697

ش: أي خلاف ما ذهب إليه الشافعي ﵀، وهو ما روي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵄، وهما من كبراء الصحابة ﵃. أما ما روي عن عمر ﵁ فأخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن أبي العوام عمران بن دَاوَر -براء مهملة في آخره- القطان المصري، عن مطر بن طهمان الوراق، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبيد بن عمير بن قتادة الجندعي المكي قاضي أهل مكة، عن عمر بن الخطاب ﵁. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن عمران القطان، نحوه. فإن قيل: أخرجه البيهقي (٢) ثم قال: وهذا ليس بمشهور عن عمر ﵁. وقال ابن حزم (٣): لم يصح هذا عن عمر ﵁ لأنه من رواية عبيد بن عمير، وعبيد لم يولد إلا بعد موت عمر ﵁ أو أدركه صغيرًا لم يسمع منه شيئًا. وقال البيهقي أيضًا في "الخلافيات": عمران بن داود القطان انفرد به، وأكثر أصحاب الحديث لا يحتجون به. قلت: أما قول البيهقي: هذا ليس بمشهور عن عمر تسليم منه، وهذا ليس بجرح. وأما قول ابن حزم: وعبيد لم يولد إلا بعد موت عمر ﵁ فغير صحيح، لأن مسلمًا ﵀ قال: ولد عبيد بن عمير في زمن النبي ﵇. حتى قال بعضهم: إنه رأى النبي ﵇، وقال ابن الأثير: ذكر البخاري أنه رأى النبي ﵇، وذكر مسلم أنه ولد على عهد النبي ﵇، وهو معدود في كبار التابعين، فإذا كان الأمر كذلك فكيف ينكر سماعه من عمر ﵁؟!.

стр. 7698

وأما قول البيهقي أيضًا: إنه انفرد به عمران القطان فليس بقدح فيه، لأن ابن حبان وثقه، والبخاري استشهد به، واحتجت به الأربعة، وأحسن يحيى عليه الثناء، وكان عبد الرحمن بن مهدي يحدث عنه. وأما ما روي عن علي ﵁، فأخرجه من ثلاث طرق: الأول: عن نصر بن مرزوق، عن الخَصِيب -بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد المهملة- بن ناصح الحارثي، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن إسرائيل بن يونس، عن عبد الأعلى بن عامر الثعلبي -بالثاء المثلثة، والعين المهملة- عن محمَّد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفة" (١): عن وكيع، عن علي بن صالح، عن عبد الأعلى بن عامر، عن محمَّد بن الحنفية، عن علي نحوه. الثاني: عن نصر بن مرزوق، عن الخَصِيب بن ناصح، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن خِلَاس -بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف اللام- بن عمرو الهجري البصري، عن علي ﵁. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢)، وفي "الخلافيات": أنا عبد العزيز، ثنا عبد الباقي ابن قانع، ثنا علي بن محمَّد، ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن خِلَاس، عن علي ﵁، نحوه. الثالث: عن أحمد بن داود المكي شيخ الطبراني، عن أبي عمر حفص بن عمر الحوضي البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن الحسن وخِلَاس، كلاهما عن علي ﵁. وأخرجه ابن حزم (٣): من طريق الحجاج بن منهال، عن همام بن يحيى, عن قتادة، عن خِلَاس، عن علي ﵁، نحوه.

стр. 7699

فإن قيل: قال البيهقي: اختلفت الرواية في ذلك عن علي وذكر يحيى بن معين وغيره أن ما رواه خلاس عن علي، أخذه من صحيفة. قلت: الروايات كلها عن علي متفقة صحيحة على التضمين والاختلاف في كيفيته، وذكر ابن حزم في كتاب الجهاد من "المحلى" (١) أن رواية خلاس عن علي صحيحة، وقال أيضًا في كتاب الرهن (٢): أما علي فمختلف عنه في ذلك، وأصح الروايات عنه إسقاط التضمين فيما أصابته جائحة. فهذا يدل على أن رواياته في هذا صحيحة، غير أن بعضها أصح. والله أعلم. ص: وقد روي أيضًا عن الحسن وشريح في ذلك ما قد حدثنا نصر، قال: ثنا الخَصِيب، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، أن الحسن وشريحًا قالا: "الرهن بما فيه". حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن أبي حَصِين، قال: سمعت شريحًا يقول: "ذهبت الرهان بما فيها". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن جابان قال: "رهنت حليًّا، وكان أكثر مما فيه، فضاع، فاختصمنا إلى شريح فقال: الرهن بما فيه". فهذا الحسن وشريح قد رأيا الرهن يُبطل ذهابه الدين. ش: أي قد روي أيضًا عن الحسن البصري وشريح بن الحارث القاضي في حكم الرهن إذا هلك، أنه يهلك بما فيه من الدين. أما ما روي عن الحسن وفيه عن شريح أيضًا فأخرجه بإسناد صحيح. عن نصر بن مرزوق، عن الخَصِيب بن ناصح، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن وشريح.

стр. 7700

وأخرجه ابن أبي شيبة: عن علي بن مسهر، عن الشيباني، عن الشعبي، عن شريح قال: "الرهن بما فيه". حدثنا عبد الأعلى (١): عن يونس، عن الحسن قال: "الرهن بما فيه". وأما ما روي عن شريح خاصة فأخرجه من طريقين: الأول: إسناده صحيح: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن أبي نعيم الفضل ابن دُكين شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن أبي حَصِين -بفتح الحاء وكسر الصاد- عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي. وأخرجه ابن أبي شيبة (٢): عن ابن أبي زائدة، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن شريح قال: "ذهبت الرهان بما فيها". الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة بن الحجاج، عن يزيد بن أبي زياد القرشي الكوفي، فيه مقال، فعن يحيى: ليس بالقوي. روى له الجماعة مسلم مقرونًا بغيره. عن عيسى بن جابان (٣). ص: وقد روي ذلك أيضًا عن إبراهيم النخعي: حدثنا سليمان بن شعيب، عن أبيه، عن محمَّد بن الحسن، عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم أنه قال في الرهن يهلك في يدي المرتهن: "إن كانت قيمته والدين سواء ضاع بالدين، وإن كانت قيمته أقل من الدين ردّ عليه الفضل، وإن كانت قيمته أكثر من الدين فهو أمين في الفضل".

стр. 7701

ش: أي قد روى الحكم المذكور في الرهن -وهو ذهابه بالدين- عن إبراهيم النخعي. أخرجه بإسناد صحيح، عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن أبيه شعيب بن سليمان، عن محمَّد بن الحسن الشيباني، عن الإِمام أبي حنيفة نعمان بن ثابت، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي. وأخرجه بن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن القعقاع بن يزيد، عن إبراهيم قال: "إذا كان الرهن أكثر مما رُهن به فهلك فهو بما فيه، لأنه أمين في الفضل، وإذا كان أقل مما رهن به فهلك رد الراهن الفضل". ص: وروي في ذلك أيضًا عن عطاء بن أبي رباح ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن عطاء في رجل رهن رجلًا جاريةً فهلكت، قال: "هي بحق المرتهن". فهذا عطاء يقول هذا، وقد روينا عنه عن رسول الله ﵇ أنه قال: "لا يغلق الرهن". فهذا أيضًا حجة على مخالفنا إذ كان من أصله أن من روى حديثًا عن رسول الله ﵇ فتأويله فيه حجة، فقد خالف هذا كله في هذا الباب، وخالف ما قد رويناه عن رسول الله ﵇، وعن عمر وعلي، وعمن ذكرنا من التابعين، فَمَنْ إمامه في هذا، وبمن أقتدى؟! ش: أي قد روي في حكم الرهن أنه إذا هلك هلك بما فيه من الدين عن عطاء بن أبي رباح.

стр. 7702

أخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن عطاء. وأثر عطاء هذا قد دَلَّ على شيئين: الأول: أن التأويل الذي أوله الشافعي في حديث ابن المسيب: "لا يغلق الرهن" غير صحيح، لأن عطاء أيضًا روى هذا، وأفتى من رأيه بما ذكرنا. والثاني: أن فتواه هذه قد وافقت حديثه المرسل الذي رواه عبد الله بن المبارك، عن مصعب بن ثابت، عنه، وقد مَرَّ بيانه مستوفى، فصار هذا أيضًا حجة على الشافعي؛ لأن من أصله: أن من روى حديثًا عن النبي ﵇ فتأويله فيه حجة، فقد خالف الشافعي هذا كله في هذا الباب، وخالف أيضًا ما روي عن النبي ﵇، وعن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وشريح، والحسن، وإبراهيم النخعي؛ فلهذا استبعد الطحاوي هذا الأمر منه فقال: فمن إمامه في هذا -أي فيما ذهب إليه- وبمن اقتدى فيه. ص: ثم النظر في هذا أيضًا يدفع ما قال وما ذهب إليه، إذ جعل الرهن أمانة تضيع بغير شيء، وقد أجمعوا أن الأمانات لربها أن يأخذها، وحرام على المرتهن منعه منها، والرهن مخالف لذلك، إذا كان للمرتهن حبسه، ومنع مالكه منه حتى يستوفي دينه، فخرج بذلك حكمه من حكم الأمانات. ورأينا الأشياء المغصوبة حرام على الغاصبين حبسها، وحلال للمغصوبة منهم أخذها، والرهن ليس كذلك؛ لأن المرتهن حلال له حبس الرهن، ومنع الراهن منه حتى يستوفي منه دينه. ورأينا العواري للمستعير الانتفاع بها, وللمعير أخذها منه متى أحب، والرهن ليس كذلك، لأن المرتهن حرام عليه استعمال الرهن، وليس للراهن أخذه منه حتى يوفيه دينه. فبان حكم الرهن من حكم الودائع والغصوب والعواري، وثبت أن حكمه بخلاف حكم ذلك كله.

стр. 7703

وقد أجمعوا أن للمرتهن حبسه حتى يستوفي الدين وحلال للراهن أخذه إذا بَرئ من الدين. فلما كان حبس الرهن مضمنًا بحبس الدين، وسقوط حبسه مضمنًا بسقوط حبس الدين، كان كذلك أيضًا ثبوت الدين مضمنًا بثبوت الرهن، فما كان الرهن ثابتًا فالدين ثابت، وما كان الرهن غير ثابت فالدين غير ثابت. وكذلك رأينا المبيع في قولنا وقول هذا المخالف لنا: للبائع حبسه بالثمن، ومتى ضاع في يده ضاع الثمن، فالنظر على ما اجتمعنا عليه نحن وهو من هذا: أن يكون الرهن كذلك، وأن يكون ضياعه يبطل الدين كما كان ضياع المبيع يُبطل الثمن، فهذا هو النظر في هذا الباب. ش: أي ثم وجه النظر والقياس أيضًا في هذا الباب يدفع ما قال الشافعي وما ذهب إليه، حيث جعل الرهن أمانة يهلك بغير شيء، والحاصل أن الرهن ليس له مشابهة بالأمانات؛ لأن في الأمانة لصاحبها أن يأخذها ويحرم على المؤتمن منعه منها، والرهن ليس كذلك، ولا له مشابهة للغصب ولا للوديعة ولا للعارية لوجوه قد بينها, وليس له مشابهة إلا بالبيع، وقد أجمعوا أن المبيع إذا هلك في يد البائع هلك بالثمن، فالنظر على ذلك أن يكون الرهن كذلك، إذا هلك هلك بالدين. هكذا هو وجه القياس في هذا الباب. فإن قيل: إذا كان الأمر كذلك، كان ينبغي لأبي حنيفة وصاحبيه أن يجروا حكم الرهن على ما يقتضيه القياس المذكور، فأجاب الطحاوي عن ذلك بقوله: ص: غير أن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ﵏ ذهبوا في الرهن إلى ما قد رويناه في هذا الباب عن عمر بن الخطاب وإبراهيم النخعي. واحتجوا في ذلك بما قد أجمعوا عليه في الغصب، فقالوا: رأينا الأشياء المغصوبة لا يوجب ضياعها على من غصبها أكثر من ضمان قيمتها، وغصبها حرام، وقالوا: فالأشياء المرهونة التي قد ثبت أنها مضمونة أحرى أن لا يجب بضمانها

стр. 7704

على من قد ضمنها أكثر من مقدار قيمتها. وكانوا يذهبون في تفسير قول سعيد ابن المسيب ﵁: "له غنمه وعليه غرمه" إلى أن ذلك في البيع، يريدون [إذا بيع الرهن وفيه نقص عن الدين، غرم المرتهن ذلك النقص، وهو "غرمه" المذكور في الحديث] (١). وإذا بيع بفضل عن الدين أخذ الراهن ذلك الفضل وهو "غنمه" المذكور في الحديث. ش: الحاصل أن أبا حنيفة وصاحبيه قد ذهبوا في الرهن إلى ما قد روي عن عمر بن الخطاب ﵁، وإلى ما روي عن إبراهيم النخعي ﵀ ذهبوا أن الرهن إذا هلك وكان أقل من الدين رد الراهن ما فضل من الدين إلى المرتهن، وإن كان الرهن أكثر من الدين يكون الفاضل منه أمانةً، ولم يمشوا هاهنا على سنن القياس، بل تركوه؛ لأثر عمر بن الخطاب وإبراهيم النخعي. وأما في تشبيهه للمبيع وفي جعله مضمونًا، أجروه على مقتضى القياس الذي ذُكر مفصلًا. قوله: "وكانوا يذهبون" أي كان أبو حنيفة وصاحباه يذهبون. . . . إلى آخره، وكان هذا جواب عن سؤال مقدار، تقريره أن يقال: كيف ذهب أبو حنيفة وصاحباه إلى ما ذهبوا إليه، وحديث سعيد بن المسيب يقتضي أن يغرم الراهن الدين عند هلاك الرهن أيضًا؛ لأنه قال: "وعليه غرمه" أي: غرم الدين بعد ضياع الرهن كما فسره الشافعي؟. فأجاب عن ذلك بقوله: "وكانوا يذهبون. . . ." إلى آخره، وهو ظاهر. والله أعلم.

стр. 7705

ص: كتاب الشفعة ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام الشفعة، وهي مشتقة من الشفع، وهو الضم، ومنه الشَّفْع الذي هو ضد الوتر، ومنه الشفاعة؛ لأنها تضم الجاني إلى الفائز، ومعناها الشرعي: ضم بقعة مشتراة إلى عقار الشفيع بسبب الشركة أو الجوار. ... ص: باب: الشفعة بالجوار ش: أي هذا باب في بيان أحكام الشفعة بسبب الجوار. ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن جريج، أن أبا الزبير أخبره أنه سمع جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "الشفعة في كل شرك بأرض أو ربع أو حائط، لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه؛ يأخذ أو يدع". ش: إسناده صحيح. وابن جريج: هو عبد الملك بن جريج. وأبو الزبير: هو محمَّد بن مسلم المكي. وأخرجه مسلم (١): عن أبي طاهر، عن ابن وهب، عن ابن جريج. . . . إلى آخره نحوه. وعن (١) أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير وإسحاق بن راهويه، عن عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج، به.
следующие страницы →