يحكم له، فاعتبرنا ذلك، ورأينا الأصل المجتمع عليه أن من قتل رجلًا بحديدة حال كونه عامدًا فعليه القود، أي القصاص، ومع ذلك هو آثم في ذلك؛ لأنه تعمد القتل ولا كفارة عليه في قول أكثر العلماء، وأراد بهم أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وأحمد -في رواية- وسائر أهل الظاهر.
وقال الشافعي: تجب عليه الكفارة كما تجب على القاتل خطأ. وهو قول الحكم بن عتيبة.
وقال مالك والليث بن سعد: يعتق رقبةً، أو يصوم شهرين ويتقرب إلى الله تعالى بما أمكنه من الخير.
واحتج الشافعي بما رواه النسائي (١): أنا محمَّد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، ثنا أبي، نا ابن المبارك نا إبراهيم بن أبي عبلة، عن الغريف بن عياش، عن واثلة بن الأسقع قال: "أتى النبي ﵇ نفر من بني سُليم، فقالوا: إن صاحبًا لنا قد أوجب، قال: فليعتق رقبة، يفك الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار".
وبما رواه البزار (٢): ثنا الحسين بن مهدي، ثنا عبد الرزاق، أنا إسرائيل، عن النعمان، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "جاء قيس بن عاصم إلى رسول الله ﵇ فقال: يا رسول الله، إني وأدت بناتٍ لي في الجاهلية، فقال: أعتق على كل واحدة منهن بدنة".
قلت: قال ابن حزم: حديث واثلة غير صحيح؛ لأن الغريف مجهول.
فإن قلت: قد أخرج الحاكم (٣) هذا الحديث وصححه وقال: ثنا الأصم، ثنا أبو عتبة أحمد بن الفرج، ثنا ضمرة، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن الغريف بن
стр. 7842
الديلمي قال: "أتينا واثلة، فقال: أتينا رسول الله ﵇ في صاحب لنا قد أوجب النار، فقال: أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوًا منه من النار".
وأخرجه البيهقي (١) من طريقه ثم قال: رواه الحكم بن موسى، عن ضمرة نحوه، وزاد "قد أوجب -يعني- ألنار بالقتل".
قلت: رواه ابن المبارك عن ابن أبي عبلة فلم يذكر أنه أوجب النار بالقتل، وهو أثبت وأضبط وأتقن من ضمرة بن ربيعة. ولئن سلمنا أنه صحيح، فالحديث لا يدل على دعواه من وجوه:
الأول: تأويل من الراوي في قوله: "أوجب النار بالقتل"؛ لأنه قال: يعني بالقتل.
والثاني: أنه لو أراد رقبة القتل لذكر رقبة مؤمنةً، فلما لم يشترط لهم الأيمان فيها، دل على أنها ليست من كفارة القتل.
والثالث: أنه إنما أمرهم بأن يعتقوا عنه، ولا خلاف أنه ليس عليهم عتقها عنه.
والرابع: أن عتق الغير عن القاتل لا يجزئه عن الكفارة.
والخامس: ما قاله ابن حزم: إنما فيه أن صاحبًا لنا قد أوجب، ولا نعرف في اللغة أن "أوجب" بمعنى قتل عمدًا فصار هذا التأويل كذبًا مجردًا، ودعوى على اللغة بما لا يعرف، وقد يكون معنى "أوجب" أي أوجب لنفسه النار بكثرة معاصيه، وقد يكون معنى أوجب أي قد حضرت منيته، وقد يقال: قد أوجب فلان بمعنى مات.
وأما حديث البزار فقد قال ابن حزم: إنه غير صحيح؛ لأن في طريقه إسرائيل وهو ليس بالقوي، وكان يقبل التلقين، وأيضًا فكان يكون في إيجاب ذلك على مَن قتل نفسًا في جاهليته وهو كافر حربي كما كان قيس بن عاصم المأمور بهذه الكفارة في هذا الحديث، وهم لا يقولون بهذا أصلًا؛ فبطل تعلقهم بهذا الخبر.
стр. 7843
فإن قلت: لما وجبت الكفارة على الخاطئ، فهي على العامد أوجب؛ لأنه أغلظ.
قلت: ليست هذه الكفارة مستحقة بالمأثم فيها؛ لأن المخطئ غير آثم باعتبار المأثم فيه ساقط، ألا ترى أنه ﵇ أوجب سجود السهو على الساهي ولم يوجب على العامد؟.
قوله: واختلفوا في كيفيتها ما هي؟ " أي في كيفية شبه العمد، ويمكن أن يكون لما ثبت باعتبار الكيفية.
قوله: "قال قائلون" وأراد بهم: الثوري والأوزاعي وأبا حنيفة، فأبو حنيفة يقول: القتل بالعصا والحجر صغيرًا كان أو كبيرًا: شبه العمد، وكذلك التفريق في الماء.
وقال الثوري: شبه العمد أن يضربه بعصًا أو بحجر أو بيده فيموت، ففيه الدية مغلظة، ولا قود فيه، والعمد ما كان بسلاح.
وقال الأوزاعي: شبه العمد أن يضربه بعصًا أو سوط ضربةً واحدة، فإن ثَنَّى بالعصا، ثم مات مكانه، فهو عمد يقتل به.
قوله: "وقال آخرون" أي جماعة آخرون، وأراد بهم: عثمان البتي والشافعي وأبا يوسف ومحمدًا؛ فإنهم قالوا: شبه العمد: القتل بما لا يقتل مثله، كاللطمة الواحدة، والضربة الواحدة بالسوط، ولو كرر ذلك حتى صارت جملته مما يقتل؛ كان عمدًا وفيه القصاص.
وقال الكاساني: أما شبه العمد فثلاثة أنواع، بعضها متفق على كونه شبه عمد، وبعضها مختلف فيه.
أما المتفق عليه: فهو أن يقصد القتل بعصًا صغيرة أو بحجر صغير أو لطمة أو نحو ذلك مما لا يكون الغالب فيه الهلاك، كالسوط ونحوه إذا ضرب ضربةً أو ضربتين ولم يوال في الضربات.
стр. 7844
وأما المختلف فيه: فهو أن يضرب بالسوط الصغير ويوالي في الضربات إلى أن يموت، وهذا شبه عمد بلا خلاف بين أصحابنا، وعند الشافعي هو عمد، وإن قصد قتله بما يغلب فيه الهلاك مما ليس بجارح ولا طاعن، كمدقة القصارين, والحجر الكبير، والعصا الكبيرة، ونحوهما، فهو شبه عمد عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد والشافعي: هو عمد.
قوله: "فقد ثبت بذلك". أي بما ذكرنا من وجه النظر والقياس قول أهل هذه المقالة وهم أهل المقالة الثانية، ومنهم: أبو يوسف ومحمد.
والذي يفهم من كلامه أن هذا هو مختاره أيضًا.
ولقائل أن يقول: وجه هذا النظر الذي ذكره إنما يرجع إليه عند تكافؤ الأخبار، كما ذكره بقوله: "فلما تكافأت واختلفت وجب النظر. . . ." إلى آخره.
وهاهنا ليس كذلك؛ لأن خبر حَمَل بن مالك بن النابغة الذي رواه ابن عباس مشتمل على تناقض وتعارض، وذلك لأن رواية أبي عاصم، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار تخبر أن رسول الله ﵇ قضى بأن تقتل تلك المرأة القاتلة مكان تلك المرأة المقتولة، وكذلك جاء في رواية الحجاج، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، ورواية هشام بن سليمان، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار لم تخبر إلا قضاء رسول الله ﵇ بالغرة في الجنين، وكذلك جاء في رواية سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار ولم يذكر في روايتهما عن عمرو بن دينار قتل المرأة، وروى سعيد، عن قتادة، عن أبي المليح، عن حَمَل بن مالك قال: "كانت له امرأتان، فرجمت إحداهما الأخرى بحجر، فأصاب قلبها وهي حامل، فألقت جنينًا وماتت، فرفع ذلك إلى رسول الله ﵇، فقضى رسول الله ﵇ بالدية على عاقلة القاتلة، وقضى في الجنين بغرة عبد أو أمة".
وهذا مرسل أخرجه البيهقي في "سننه" (١) معلقًا، فهذا كما رأيت أخبار مختلفة ومتضادة فسقطت، وبقي حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري ومسلم،
стр. 7845
وحديث المغيرة بن شعبة الذي أخرجه مسلم والأربعة، في نفي القصاص، غير مُعَارَض، والعمل به أولى، فافهم.
ثم إنه أخرج حديث حمل بن النابغة من طريقين:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن عمرو بن دينار، عن طاوس بن كيسان، عن عبد الله بن عباس.
وأخرجه أبو داود (١): نا محمَّد بن مسعود، قال: نا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، سمع طاوسًا، عن ابن عباس، عن عمر: "أنه سأله عن قضية النبي ﵇ في ذلك، فقال: قام إليه حمل بن مالك بن النابغة فقال: كنت بين امرأتين، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى رسول الله ﵇ في جنينها بغرة، وأن تقتل" قال النضر بن شميل: المسطح: العود يرقق به الخبز. وقال أبو عبيد: المسطح عود من العيدان.
وأخرجه النسائي (٢) وابن ماجه (٣).
الثاني: عن محمَّد بن النعمان السقطي، عن عبد الله بن الزبير الحميدي شيخ البخاري عن هشام بن سليمان بن عكرمة بن خالد بن العاص القرشي المخزومي، عن عبد الملك بن جريج، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس.
ولم يذكر فيه "وأن تقتل مكانها".
وقال الحافظ المنذري: لم يذكر: "وأن تقتل" في غير هذه الرواية -يعني في رواية أبي عاصم عن ابن جريج عن عمرو بن دينار- وقد روي عن عمرو بن دينار أنه شك في قتل المرأة بالمرأة.
стр. 7846
وقال البيهقي: شك فيه عمرو بن دينار، والمحفوظ أنه قضى بديتها على عاقلة القاتلة.
وقد قيل: إن ابن جريج أخطأ فيه؛ لأن سفيان بن عُيينة روى هذا الخبر عن عمرو بن دينار ولم يذكر فيه ما ذكر ابن جريج من قوله: "وأن تقتل".
قلت: يؤيد هذا أيضًا ما رواه أبو داود (١): ثنا عبد الله بن محمَّد الزهري قال: ثنا سفيان، عن عمرو، عن طاوس قال: "قام عمر ﵁ على المنبر. . . .".
فذكر معناه، أي معنى حديث ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس المذكور، ولم يذكر: "أن تقتل" زادَ: "بغرة عبد أو أمة، فقال عمر: الله أكبر، لو لم أسمع بهذا لقضينا بغير هذا".
وأخرجه النسائي (٢) نحوه، ولكن هذا منقطع؛ لأن طاوسًا لم يسمع عمر ﵁.
وهذا الحديث روي أيضًا عن جابر وبريدة ﵄:
أما حديث جابر فأخرجه أبو داود (٣): ثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: نا يونس بن محمَّد، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: نا المجالد، قال: نا الشعبي, عن جابر بن عبد الله: "أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى، ولكل واحدة منهما زوج وولدها، قال: فجعل رسول الله ﵇ دية المقتول على عاقلة القاتلة، وبرأ زوجها وولدها، قال: فقال: عاقلة المقتولة ميراثها لنا، فقال رسول الله ﵇: لا، ميراثها لزوجها وولدها".
وأخرجه ابن ماجه (٤) مختصرًا.
وأما حديث بريدة فأخرجه أبو داود (٥) أيضًا: ثنا عباس بن عبد العظيم،
стр. 7847
قال: نا عبيد الله بن موسى، قال: نا يوسف بن صهيب، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه: "أن امرأة خذفت أخرى، فأُسقطت، فرفع ذلك إلى النبي ﵇، فجعل في ولدها خمسمائة شاة، ونهى يومئذٍ عن الخذف". قال أبو داود: هكذا قال عباس، وهو وهم، والصواب: "مائة شاة".
وأخرجه النسائي مسندًا (١) ومرسلًا (٢).
فإن قيل: ما وجه الاختلاف في ألفاظ هذا الحديث، حيث وقع في رواية أبي هريرة "فرمت إحداهما الأخرى بحجر" وفي حديث المغيرة بن شعبة "بعمود" وفي رواية عنه: "بعمود فسطاط" وفي حديث عبد الله بن عباس: "بمسطح" وفي رواية عنه: "بحجر" وفي حديث بريدة: "خذفت" "بالخاء والذال المعجمتين" والقصة واحدة.
قلت: يحتمل أن يكون الضرب وقع بالعمود والحجر، فذكر بعض الرواة أحدهما، وذكر الآخرُ الآخرَ، ووقع في حديث ابن عباس اللفظان، ورواية "الخذف" موافقة لرواية "الحجر". والله أعلم.
ص: وقد روي ذلك أيضًا عن عمر بن الخطاب ﵁:
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عيسى بن إبراهيم البركي، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا الحجاج، قال: حدثني زيد بن جبير الجشمي، عن جروة بن حُميل، عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: "يعمد أحدكم فيضرب أخاه بمثل آكلة اللحم -قال الحجاج: يعني العصا- ثم يقول: لا قود عليّ، لا أوتى بأحدٍ فعل ذلك إلا أقدته".
ش: أي قد روي وجوب القود على مَن قتل بعصًا عن عمر بن الخطاب ﵁.
стр. 7848
أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عيسى بن إبراهيم بن سيار الشعيري البصري المعروف بالبِرَكي -بكسر الباء الموحدة وفتح الراء- كان ينزل سكة البِرَك بالبصرة، فنُسب إليها، روى عنه أبو داود وأبو زرعة والبخاري في غير الصحيح.
يروي عن عبد الواحد بن زياد العبدي البصري، روى له الجماعة.
عن الحجاج بن أرطاة فيه مقال.
عن زيد بن جبير -بضم الجيم وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء- بن حرمل الطائي الكوفي الجُشَمي -بضم الجيم وفتح الشين المعجمة- نسبة إلى بني جُشم بن معاوية، روى له الجماعة.
وهو يروي عن جروة -بالجيم- بن حُمَيل -بضم الحاء المهملة، وفتح الميم، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره لام- وقيل: جَميل -بالجيم المفتوحة- والأول أصح، وثقه ابن حبان.
عن أبيه حميل بن شبيب بن إساف بن هذيم القضاعي، وثقه ابن حبان، وقال: شيخ يروي عن عمر ﵁ روى عنه ابنه جروة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا شريك، عن زيد بن جبير، عن جروة بن حميل، عن أبيه، قال: قال عمر ﵁: "يعمد أحدكم إلى أخيه فيضربه بمثل آكلة اللحم، لا أوتى برجل فعل ذلك فقتل، إلا أقدته منه".
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث ابن أرطاة، عن زيد بن جبير، عن جروة بن حُميل، عن عمر ﵁ قال: "ليضربن أحدكم أخاه بمثل آكلة اللحم ثم يرى أني لا أقيده، والله لأقيدنه منه".
стр. 7849
وقال البيهقي: رواه إسرائيل، عن زيد بن جبير، وقال عن أبيه، عن عمر ﵁ قال حجاج: آكلة اللحم محدودة، قال أبو عبيد: يعني أنه يرى القود بغير حديد، وذلك إذا كان مثله يقتل.
قوله: "إلا أقدته" مِن أقاد: إذا اقتص منه، وثلاثيه: قاد، من القود، وهو القصاص.
ص: وقد روي عن علي ﵁ خلاف ذلك:
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁ قال: "شبه العمد بالعصا والحجر الثقيل، وليس فيهما قود".
ش: أي قد روي عن علي بن أبي طالب ﵁ خلاف ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁؛ وذلك لأن عمر كان يرى القود بالعصا، وعليٌّ لا يراه، وهو الذي ذهب إليه أبو حنيفة ﵁ ومَن معه.
أخرجه بإسناد صحيح، عن محمَّد بن خزيمة، عن يوسف بن عدي بن زُريق شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله النخعي، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عاصم بن ضمرة السلولي الكوفي، عن علي بن أبي طالب ﵁.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي قال: "شبه العمد: بالعصا والحجر العظيم".
وأخرج ابن حزم (٢) من طريق وكيع، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق السبيعي، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁ قال: "شبه العمد: الضربة بالخشبة، والقذفة بالحجر العظيم".
стр. 7850
ومن طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق السبيعي، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁: "قال: في الخطأ شبه العمد -الضرب بالخشبة، والحجر الضخم- ثلاث حقاق، وثلاث جذاع، وثلاث ما بين ثنية إلى بازل عامها".
قلت: في هذا حجتان:
الأول للجمهور: أن شبه العمد من أقسام القتل، وهو حجة على مالك والظاهرية في إنكارهم شبه العمد.
والحجة الثانية: لأبي حنيفة على مَن خالفه في أن القاتل بالعصا والحجر لا قود عليه، وهو مذهب الحكم بن عتيبة أيضًا.
قال ابن أبي شيبة (١): ثنا وكيع، قال: ثنا شعبة، عن الحكم وحماد: "عن الرجل يضرب الرجل بالعصا فيقتله، قال الحكم: ليس عليه قود. وقال حماد: يقتل". والله أعلم.
стр. 7851
ص: باب: شبه العمد هل يكون فيما دون النفس كما يكون في النفس ؟
ش: أي هذا باب في بيان حكم شبه العمد، هل يكون فيما دون النفس -وأراد به الأطراف- كما يكون في النفس عند الجمهور؟
ص: قال أبو جعفر ﵀: فإن قال قائل: لما ثبت عن رسول الله ﷺ أن النفس قد يكون فيها شبه العمد، كان كذلك ما دون النفس، وذكر في ذلك الآثار التي رويناها عن رسول الله ﵇ التي فيها: "ألا إن قتيل خطأ العمد -بالسوط والعصا والحجر- فيه مائة من الإبل منها أربعون خَلِفةً في بطونها أولادها" فكان من حجتنا عليه في ذلك: أنه قد روي عن رسول الله ﵇ ما قد روي عنه فيها، وقد روي عنه فيما دون النفس ما يخالف ذلك، وهو ما ذكرنا بإسناده في أول هذا الكتاب في خبر الربَيِّع: "أنها لطمت جاريةً فكسرت ثنيتها، فاختصموا إلى رسول الله ﵇، فأمر بالقصاص".
وقد رأينا اللطمة إذا أتت على النفس لم يجب فيها قود، ورأيناها فيما دون النفس قد أوجبت القود، فثبت بذلك أن ما كان في النفس شبه عمد أنه فيما دون النفس عمد، على تصحيح هذه الآثار.
وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ﵏.
ش: أراد بالقائل هذا: الشافعي ﵀. حاصل هذا: أن القائلين بشبه العمد فيما دون النفس يحتجون بقوله ﵇: "ألا إن قتيل خطأ العمد .. الحديث"، وقد مضى ذكره في الباب الذي قبله: عن عقبة بن أوس السدوسي، عن رجل من أصحاب رسول الله ﵇.
فقالوا: لما ثبت عنه أن النفس قد يكون فيها شبه العمد، كان كذلك ما دون النفس يكون فيها شبه العمد.
стр. 7852
وأجاب عن ذلك بقوله: "فكان من حجتنا عليه في ذلك: أن على هذا القائل فيما ذهب إليه أنه قد روي عن النبي ﵇ الذي قد روي عنه في النفس، وكذلك روي عنه فيما دون النفس ما يخالف ما روي عنه في النفس، وهو ما مضى ذكره في خبر الربيِّع: "أنها لطمت جاريةً. . . ." الحديث فأمر النبي ﵇ فيها بالقصاص، وقد رأينا الرجل إذا قتل آخر باللطمة لا يجب فيها القصاص، فثبت بذلك أن ما كان في النفس شبه عمد يكون عمدًا فيما دون النفس وهي الأطراف.
ونقول أيضًا: إن الله تعالى قال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (١) وقال: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ (١)، ولم يفرق بين وقوعها بحديد أو غيره، والحديث إنما ورد في إثبات شبه العمد في القتل، وذلك اسم شرعي لا يجوز إثباته إلا من طريق التوقيف، ولم يَرِد فيما دون النفس توقيف في شبه العمد فيه؛ فثبت بذلك أن ما كان في النفس شبه عمد أنه يكون فيما دون النفس عمدًا؛ ولأن قصد إتلاف النفس يختلف باختلاف الآلات، وما دون النفس لا يختص بآلة، فيبقى المعتبر تعمد الضرب، وقد وُجد، فكان عمدًا محضًا، فننظر إن كان يمكن إيجاب القصاص يجب القصاص، وإن لم يكن يجب الأرش.
стр. 7853
ص: باب: الرجل يقول عند موته: إن مُت ففلان قتلني
ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجل يقول عند موته: إن قتلوني يكون من فلان الذي قتلني، هل يعمل بقوله هذا أم لا؟
ص: قال أبو جعفر ﵀: قد روينا فيما تقدم من هذا الباب "أن رسول الله ﵇ لما سأل الجارية التي رُضخ رأسها: مَنْ رَضَخَ رأسك، أفلان هو؟ فأومأت برأسها أن نعم. فأمر رسول الله ﵇ فرضخ رأسه بحجرين" فذهب قوم إلى هذا الحديث فزعموا أنهم قلدوه، وقالوا: مَن ادعى وهو في حال الموت أن فلانًا قتله ثم مات، قُبِلَ قوله في ذلك، وقُتِل الذي ذكر أنه قتله.
ش: الحديث المذكور أخرجه في باب: الرجل يقتل الرجل كيف يقتل، من ثلاث طرق صحاح عن أنس بن مالك ﵁، والقاتل كان يهوديًّا، والمقتولة كانت جارية من الأنصار، فذهب قوم من الظاهرية وأهل الحديث إلى هذا الخبر، وقالوا: من ادعى وهو في حالة الموت والاحتضار: أن فلانًا قتلني ثم مات؛ فإنه يُقبل قوله في ذلك، ويؤخذ الرجل الذي عينه ويقتل؛ وذلك أن الجارية التي رضخ اليهودي رأسها، قد أُصمتت، فقال لها رسول الله ﵇: "مَن قتلك، أفلان؟ -لغير الذي قتلها- فأشارت برأسها: أن لا، فقال لرجل آخر غير الذي قتلها، فأشارت برأسها: أن لا، قال: ففلان -لقاتلها- فأشارت: أن نعم، فأمر رسول الله ﵇ باليهودي فَرُضَّ رأسه بين حجرين".
فدل هذا أن دعوى القتيل قبل موته وتعيينه قاتله صحيحة يعمل بها، ويُقتل بقوله من عيَّنه بدعواه.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: قد يجوز أن يكون النبي ﵇ سأل اليهودي فأقر بما ادعت الجارية عليه من ذلك، فقتله بإقراره لا بدعوى الجارية،
стр. 7854
فاعتبرنا الآثار [التي] (١) قد جاءت في ذلك، هل نجد فيها على شيء من ذلك دليلًا؟
فإذا ابن أبي داود حدثنا، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن أنس ﵁، عن النبي ﵇ نحوه، وزاد قال: "فسأله فأقر بما ادعت، فرضخ رأسه بين حجرين".
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن أنس ﵁: "أن يهوديًّا رضخ رأس جارية بين حجرين، فقيل لها: من فعل بك هذا، أفلان؟ أفلان؟ حتى ذكروا اليهودي، فأُتي به، فاعترف، فأمر به النبي ﵇ فَرُضَّ رأسه بالحجارة".
فبين هذا الحديث أن النبي ﵇ إنما قتله بإقراره بما ادعي عليه لا بالدعوى.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم جماهير العلماء، منهم: الأئمة الأربعة وأصحابهم؛ فإنهم قالوا: لا يجوز أن يُقتل أحدٌ بقول المدعي أو بكلامه فضلًا بإيمائه برأسه، وأجابوا عما احتج أهل المقالة الأولى من حديث أنس ﵁ بأنه قد جاء في بعض طرقه أن قتل النبي ﵇ لذلك اليهودي إنما كان بإقراره واعترافه بذلك، لا بدعوى الجارية.
وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي عمر حفص بن عمر الحوضي شيخ البخاري وأبي داود، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس.
وأخرجه البخاري (٢): ثنا حجاج بن منهال، ثنا همام، عن قتادة، عن أنس ابن مالك: "أن يهوديًّا رضَّ رأس جارية بين حجرين، فقيل لها: مَن فعل بك هذا، أفلان؟ أفلان؟ حتى سُمي اليهودي، فأتي به النبي ﵇ فلم يزل به حتى أقر به، فَرَضَّ رأسه بالحجارة".
стр. 7855
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس.
وأخرجه مسلم (١): ثنا هداب بن خالد، قال: ثنا همام، قال: ثنا قتادة، عن أنس بن مالك: "أن جاريةً وُجد رأسها قد رُضَّ بين حجرين، فسألوها: مَن صنع بك هذا؟ فلان؟ فلان؟ حتى ذكروا يهوديًّا، فأومأت برأسها، فأُخذ اليهودي فأقرَّ، فأمر به رسول الله ﵇ أن يُرضّ رأسه بالحجارة".
وأخرجه أبو داود (٢) والترمذي (٣) أيضًا. وقد استوفينا الكلام فيه في باب الرجل يقتل الرجل كيف يُقتل؟
ص: وقد بيَّن ذلك أيضًا ما قد أجمعوا عليه، ألا ترى أن رجلًا لو ادعى على رجل دعوى قتل أو غيره، فسئل المدعى عليه عن ذلك، فأومأ برأسه أن نعم، أنه لا يكون بذلك مقرًّا، فإذا كان إيماء المدعى عليه برأسه لا يكون منه ذلك إقرارًا يجب به عليه حق، كان إيماء المدعي برأسه [أحرى] (٤) أن لا يوجب له حقًّا.
ش: أي قد بيَّن أيضًا ما ذكرنا من أن إشارة المدعي برأسه لا توجب حكمًا، إجماع العلماء على أن الرجل إذا ادعى على غيره دعوى -قتل أو غيره- فسئل المدعى عليه عن ذلك، فأشار برأسه أنْ نعم؛ أن ذلك لا يكون إقرارًا منه، ولا يجب به شيء، فإذا لم يثبت بهذا شيء من جانب المدعى عليه، فأحرى وأولى أن لا يثبت به من جانب المدعي الذي لا اعتبار لمجرد دعواه بدون بينة، أو اعتراف من المدعى عليه.
ص: وقد حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لو يُعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه".
стр. 7856
فمنع رسول الله ﵇ أن يعطى أحدٌ بدعواه دماء أو مالًا، ولم يوجب للمدعي فيه بدعواه إلا اليمين.
فهذا حكم هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار.
ش: ذكره شاهدًا لقوله: إن دعوى الرجل على غيره -بقتل أو غيره- لا تقبل بدون بينة، أو يمين أو اعتراف من المدعى عليه، ألا ترى أنه ﵇ منع أن يُعطى أحد بدعواه مالًا أو دمًا, ولم يُثبت للمدعي في دعواه إلا اليمين وحلف المدعى عليه.
وإسناده صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح، عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الملك بن جريج، عن عبد الله بن عبيد الله ابن أبي مليكة زهير المكي الأحول قاضي عبد الله بن الزبير، عن ابن عباس.
وأخرجه مسلم (١): حدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح، أنا ابن وهب، عن ابن جريج. . . . إلى آخره نحوه.
وأخرجه ابن ماجه (٢): عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن ابن جريج. . . . إلى آخره نحوه.
ص: وأما وجه ذلك من طريق النظر: فإنهم قد أجمعوا أن رجلًا لو ادعى في حال موته أن له على رجل درهمًا ثم مات، أن ذلك غير مقبول منه، وأنه في دعواه ذلك كهو في دعواه في حال الصحة؛ فالنظر على ذلك أن يكون كذلك هو في دعواه الدم في تلك الحال، كهو في دعواه ذلك في حال الصحة.
وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي وأما وجه ذلك الحكم المذكور من حيث النظر والقياس. وهو ظاهر جدًّا لا يحتاج إلى مزيد بيان.
стр. 7857
ص: حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا خالد بن نزار، قال: أنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة قال: "كنت عاملًا لابن الزبير ﵄ على الطائف، فكتبت إلى ابن عباس ﵄ في امرأتين كانتا في بيت تخرزان جرزًا لهما، فأصابت إحداهما يد صاحبتها بالإشفي فجرحتها، فخرجت وهي تدمي، وفي الحجرة حدَّاث، فقالت: أصابتني، فأنكرت ذلك الأخرى. فكتبتُ في ذلك إلى ابن عباس ﵄، فكتبَ إليَّ: أن رسول الله ﵇ قضى أن اليمين على المدعى عليه، ولو أن الناس أعطوا بدعواهم؛ لادعى ناس من الناس دماء رجال وأموالهم، فادعها فاقرأ هذه الآية عليها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (١) الآية، فقرأت عليها الآية فاعترفت.
قال نافع: فحسبت أنه قال: "فبلغ ذلك ابن عباس فسَّره"
ألا ترى أن رسول الله ﵇ ردَّ حكمها في ذلك إلى حكم سائر ما يدعي بعض الناس على بعض.
ش: هذا أيضًا شاهد مثل ما قبله.
أخرجه بإسناد صحيح، عن نصر بن مرزوق، عن خالد بن نزار بن المغيرة الأيلي، عن نافع بن عمر بن عبد الله المكي، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة المكي الأحول.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة: "كتبتُ إلى ابن عباس في امرأتين كانت تخرزان جرزًا في بيت، وفي الحجرة حدَّاث، فأخرجت إحداهما يدها تشخب دمًا، فقالت: أصابت يدي هذه، وأنكرت الأخرى، فكتب إليَّ ابن عباس: أن رسول الله ﵇ قضى أن اليمين على المدعى عليه. . . . إلى آخره".
стр. 7858
وأخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣) مختصرًا.
قوله: "تخرزان" من خَرَزَ الخف وغيره، يَخْرِزُهُ خَرزًا، من باب ضَرَب يَضْربُ ومادته: خاء معجمة، وراء، ثم زاي معجمة.
و"الجِرْز" بكسر الجيم، وسكون الراء المهملة، وفي آخره زاي معجمة، وهو لباس من لباس النساء من الوبر، ويقال هو الفرو الغليظ.
قوله: "بالإشْفَى" بكسر الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح الفاء مقصور، وهي التي يقال لها بالفارسية: درفس، وقال الجوهري: الإشفى الذي للأساكفة، وقال ابن السكيت: الإشْفَي ما كان للأساقي والمزاد وأشباهها، والمخصف للنعال.
قلت: الأساقي جمع السقاء وهو الدلو، وهو الجمع الكثير، والجمع القليل الأسقية والأسقيات، والمزاد -بفتح الميم-: جمع مَزادة، وهي الراوية، وتجمع على مزايد أيضًا.
قوله: "وهي تدمي" من دَمِيَ الشيء يَدْمَى: إذا خرج منه الدم، وهو من باب عَلِمَ يَعْلَمُ، قاله الجوهري، يقال: دَمِيَ الشيء يَدْمي دَميًا ودُميًّا فهو دمٍ، مثل فَرِقَ يَفْرِقُ فَرقًا فهو فَرِقٌ، والمصدر متفق عليه أنه بالتحريك، وإنما اختلفوا في الاسم.
قوله: "وفي الحجرة حُدَّاث" جملة حالية، والحُدَّاث -بضم الحاء المهملة وتشديد الدال: أي جماعة يتحدثون، وهو جمع على غير قياس حملًا على نظيره، نحو سَامِر وسُمَّار، فإن السُّمار- بالضم: المتحدثون.
قوله: "يشخب دمًا" أي يسيل دمًا.
стр. 7859
ص: باب: المؤمن يقتل الكافر متعمدًا
ش: أي هذا باب في بيان حكم قتل المؤمن الكافر على وجه العمد، هل يجب قصاص أم لا؟
ص: حدثنا المزني، قال: ثنا الشافعي، قال: أنا سفيان (ح).
وحدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قالا: ثنا أسباط، عن مطرف بن طريف، عن الشعبي، عن أبي جحيفة قال: "سألت عليًّا ﵁: هل عندكم من رسول الله ﵇ علمٌ غير القرآن؟ قال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما عندنا من رسول الله ﵇ سوى القرآن وما في الصحيفة، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يُقتل مسلم بكافر".
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن إسماعيل بن يحيى المزني، عن محمَّد بن إدريس الشافعي الإِمام، عن سفيان بن عيينة، عن مطرف بن طريف الحارثي الكوفي، عن عامر الشعبي، عن أبي جحيفة -بضم الجيم، وفتح الحاء المهملة، وسكون الياء آخر الحروف، وفتح الفاء- واسمه وهب بن عبد الله السُّوائي، عن علي بن أبي طالب ﵄.
وأخرجه البخاري (١): نا صدقة بن الفضل، أنا ابن عيينة، ثنا مطرف، سمعت الشعبي، قال: سمعت أبا جحيفة قال: "سألت عليًّا ﵁: هل عندكم شيء مما ليس في القرآن؟ -وقال ابن عيينة مرةً: ما ليس عند الناس- فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهما يعطى رجل في كتابه وما في الصحيفة، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يُقتل مسلم بكافر".
стр. 7860
الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن أسباط بن محمَّد القرشي الكوفي، عن مطرف. . . . إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا سفيان بن عيينة، ثنا مطرف بن طريف قال: سمعت الشعبي، نا أبو جحيفة قال: "قلت لعلي بن أبي طالب ﵁: هل عندكم من رسول الله ﵇ سوى القرآن؟ قال علي: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا أن يعطي الله عبدًا فهمًا في كتابه، وما في الصحيفة، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يُقتل مسلم بكافر".
وأخرجه الترمذي (٢): عن أحمد بن منيع، عن هشيم، عن مطرف، عن الشعبي، أنا أبو جحيفة، به. وقال: حسن صحيح.
والنسائي (٣): عن محمَّد بن منصور، عن سفيان، عن مطرف بن طريف، عن الشعبي، عن أبي جحيفة بمعناه.
وابن ماجه (٤): عن علقمة بن عمرو الدارمي، عن أبي بكر بن عياش، عن مطرف، عن الشعبي.
قوله: "والذي فلق الحبة" أي وحق الذي فلق الحبة، أي أقسم بالله الذي فلق الحبة، وكان علي ﵁ كثير القسم بهذه اللفظة، أي الذي شق حبَّة الطعام، ونوى التمر للإنبات.
و"الفَلْق": الشق، وهو بسكون اللام، وأما الفَلَق بالتحريك: فهو الصبح نفسه.
قوله: "وبرأ النسمة" أي وخلق النسمة، والبارئ هو الخالق، وهو الذي خلق الخلق لا عن مثال، ولهذه اللفظة من الاختصاص بخلق الحيوان ما ليس لها بغيره
стр. 7861
من المخلوقات، وقلما يستعمل في غير الحيوان، فيقال: برأ الله النسمة وخلق السموات والأرض.
والنسمة: النفس والروح، وكل دابة فيها روح تسمى نسمة.
قوله: "العقل" أي الدية، وأصله: أن القاتل كان إذا قتل قتيلًا جمع الدية من الإبل فعقلها بفناء أولياء المقتول، أي شدها في عقلها ليُسْلمها إليهم ويقبضونها منه، فسميت الدية عقلًا بالمصدر، يقال: عَقَلَ البعير يَعْقله عَقْلًا، وجمعها عُقُول.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن المسلم إذا قتل الكافر متعمدًا لم يُقتل به، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عمر بن عبد العزيز والأوزاعي والثوري وابن شبرمة ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور؛ فإنهم قالوا: لا يقتل المسلم بالكافر. وإليه ذهب أهل الظاهر.
وقال ابن حزم في "المحلى" (١): وإن قتل مسلم عاقل بالغ ذميًّا أو مستأمنًا، عمدًا أو خطأً، فلا قود عليه ولا دية ولا كفارة، لكن يؤدب في العمد خاصةً ويسجن حتى يتوب، كفًّا لضرره.
وقال مالك: لا يقادُ المسلم بالذمي إلا أن يقتله غيلة أو حرابة فيقاد به ولابد، وعليه في قتله خطأً أو عمدًا غير غيلة الدية فقط، والكفارة في الخطأ.
وقال الشافعي: لا يقاد المسلم بالذمي أصلًا، لكن عليه في قتله إياه عمدًا أو خطأ الدية والكفارة.
وقد اختلف عن عمر بن عبد العزيز في ذلك كما روينا عن عبد الرزاق عن معمر، عن سماك بن الفضل -قاضي اليمن- قال: "كتب عمر بن عبد العزيز في زياد بن مسلم -وكان قد قتل هنديًّا باليمن- أن أغرمه خمسمائة ولا تقده به.
وقول آخر رويناه عنه: "أنه يقتل" كما ذكرناه.
стр. 7862
قال: ورجع إليه زفر بن الهذيل روينا ذلك من طريق أبي عبيد عن عبد الرحمن ابن مهدي عنه.
وقال أبو بكر الرازي: قال مالك والليث بن سعد: إن قتله غيلة قتُل به، وإلا لم يُقتل.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل يقتل به.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: إبراهيم النخعي وعامرًا الشعبي ومحمد بن أبي ليلى وعثمان البتي وأبا حنيفة وأبا يوسف -في رواية- ومحمدًا. فإنهم قالوا: يقتل المسلم بالكافر. وذكر أبو بكر الرازي قول زفر مع هؤلاء، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز.
ص: وكان من الحجة لهم في ذلك: أن هذا الكلام الذي حكاه أبو جُحيفة في هذا الحديث عن علي ﵁ لم يكن مفردًا, ولو كان مفردًا لاحتمل ما قالوا، ولكنه كان موصولًا بغيره.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن ابن أبي عروبة، قال: ثنا قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عُبَاد قال: "انطلقت أنا والأشتر إلى علي ﵁ فقلنا: هل عهد إليك رسول الله ﵇ عهدًا لم يعهده إلى الناس عامة؟ قال: لا، إلا ما كان في كتابي هذا، فأخرج كتابًا من قراب سيفه فإذا فيه: المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على مَن سواهم، لا يُقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده، ومَن أحدث حدثا فعلى نفسه، ومَن أحدث حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين".
فهذا هو حديث علي ﵁ بتمامه، والذي فيه مِن نفي قتل المؤمن بالكافر هو قوله: "لا يُقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده" فاستحال أن يكون معناه على ما حمله عليه أهل المقالة الأولى؛ لأنه لو كان معناه على ما ذكروا لكان ذلك لحنًا من رسول الله ﵇، ورسول الله ﵇ أبعد الناس من ذلك، ولكان لا يقتل
стр. 7863
مؤمن بكافر ولا ذي عهد في عهده، فلما لم يكن لفظه كذلك، ﷺ إنما هو: ولا ذو عهد في عهده علمنا أن ذا العهد هو المعني بالقصاص؛ فصار ذلك كقوله: "لا يُقتل مؤمن ولا ذو عهد في عهده بكافر"، وقد علمنا أن ذا العهد كافر، فدل هذا أن الكافر الذي نسخ النبي ﵇ أن يقتل به المؤمن في هذا الحديث هو الكافر، الذي لا عهد له، فهذا مما لا اختلاف فيه بين المسلمين أن المؤمن لا يقتل بالكافر الحربي، وأن ذا العهد الكافر الذي قد صارت له ذمة لا يُقتل به أيضًا، وقد نجد مثل هذا كثيرًا في الكلام، قال الله : ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ (١) فقدَّم وأخَّر، فكذلك قوله: "لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده" إنما مراده فيه -والله أعلم- لا يُقتل مؤمن ولا ذو عهد في عهده بكافر، فقدم وأخر؛ فالكافر الذي منع ﷺ أن يُقتل به المؤمن هو الكافر غير المعاهد.
ش: أي: وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه: أن هذا الكلام -أعني قول علي ﵁ الذي حكاه عنه أبو جحيفة السوائي: "وأن لا يقتل مسلم بكافر" لم يكن مفردًا يعني لم يكن كلامًا مستقلًا برأسه، وإنما كان معه كلام آخر، وهو الذي رواه قيس بن عباد والأشتر، فإن في روايتهما: "لا يُقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده" فهذا هو أصل الحديث وتمامه، وهذا الأولى على ما ذهب إليه أهل المقالة الأولى؛ لأن المعنى على أصل الحديث: لا يقتل مؤمن بسبب قتل كافر، ولا يقتل ذو عهد في عهده" بسبب قتل كافر، ومن المعلوم أن ذا العهد كافر، فدل هذا أن الكافر الذي منع النبي ﵇ أن يُقتل به مؤمن -في الحديث المذكور- هو الكافر الذي لا عهد له، وهذا لا خلاف فيه لأحد أن المؤمن لا يُقتل بالكافر الحربي، ولا الكافر الذي له عهد يُقتل به أيضًا، فحاصل معنى الحديث -الذي رواه أبو جحيفة: لا يقتل مسلم ولا ذو عهد في عهده بكافر.
стр. 7864
فإن قيل: كل واحد من الحديثين كلام مستقل مفيد فيعمل به، فما الحاجة إلى جعلهما واحدًا حتى نحتاج إلى هذا التأويل؟
قلت: قد ذكرنا لك أن أصل الحديث واحد، فبتقطيعه لا يزول المعنى الأصلي، ولئن سلمنا أن أصله ليس بواحد، وأن كل واحدٍ حديث برأسه، ولكن الواجب حملهما على أنهما وردا معًا؛ وذلك لأنه لم يثبت أن النبي ﵇ قال ذلك في وقتين: مرةً من غير ذكر ذي العهد، ومرة مع ذكر ذي العهد.
وأيضًا أن أصل هذا كان في خطبته ﵇ يوم فتح مكة، وقد كان رجل من خزاعة قتل رجلًا من هذيل في الجاهلية، فقال ﵇: "ألا إن كل دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي هاتين، لا يُقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده" يعني -والله أعلم- الكافر الذي قتل في الجاهلية، وكان ذلك تفسيرًا لقوله: "كل دمٍ كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدميّ"؛ لأنه مذكور في خطاب واحد في حديث، وقد ذكر أهل المغازي أن عهد الذمة كان بعد فتح مكة، وأنه إنما كان قُبْلُ بين النبي ﵇ وبين المشركين عهود إلى مُدد، لا على أنهم داخلون في ذمة الإِسلام وحكمه، وكان قوله ﵇ يوم فتح مكة: "لا يُقتل مؤمن بكافر" منصرفًا إلى الكفار والمعاهدين؛ إذْ لم يكن هناك ذمي ينصرف الكلام إليه، ويدل عليه قوله: "ولا ذو عهد في عهده"، وهذا يدل على أن عهودهم كانت إلى مُدد؛ ولذلك قال: "ولا ذو عهد في عهده"، كما قال تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ (١)، وقال: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ (٢)، وكان المشركون حينئذٍ على ضربين:
أحدهما: أهل الحرب ومَن لا عهد بينه وبين النبي ﵇.
стр. 7865
والآخر: أهل عهد إلى مدة، ولم يكن هناك أهل ذمة فانصرف الكلام إلى الضربين من المشركين، ولم يدخل فيه مَن لم يكن على أحد هذين الوضعين.
وفحوى هذا الخبر ومضمونه على أن الحكم المذكور في نفي القصاص على الحربي المعاهد دون الذمي؛ وذلك أنه عطف عليه قوله: "ولا ذو عهد في عهده" ومعلوم أن قوله: "ولا ذو عهد في عهده" غير مستقل بنفسه في إيجاب الفائدة لو انفرد عما قبله، فهو إذًا مفتقر إلى ضمير، وضميره ما تقدم ذكره، ومعلوم أن الكافر الذي هو ذو العهد هو الحربي المستأمن فثبت أن مراده مقصور على الحربي، ولا يجوز أن يُجعل الضمير: ولا يُقتل ذو عهد في عهده من وجهين:
الأول: أنه لما كان القتل المبدوء بذكره قتلًا على وجه القصاص، وكان ذلك القتل بعينه سبيله أن يكون مضمرًا في الثاني؛ لم يجز لنا إثبات الضمير قتلًا مطلقًا؛ إذا لم يتقدم على الخطاب ذكر قتل مطلق غير مقيد بصفة، وهو القتل على وجه القود، فوجب أن يكون هو المَعْنِيّ بقوله: "ذو عهد في عهده" فالكافر المذكور بدًا ولو أضمرنا قتلًا مطلقًا كنا مثبتين لضمير لم يجر له ذكر في الخطاب، وهذا لا يجوز، وإذا ثبت ذلك وكان الكافر الذي لا يُقتل به ذو العهد هو الكافر الحربي، كان قوله: "لا يُقتل مؤمن بكافر" في منزلة قوله: لا يقتل مؤمن بكافر حربي، فلم يثبت عن النبي ﵇ نفي قتل المؤمن بالذمي.
والوجه الآخر: أنه معلوم أن ذا العهد يُحظر قتله ما دام في عهده، فلو حملنا قوله: "ولا ذو عهد في عهده" على أن لا يُقتل ذو عهد في عهده لأخلينا اللفظ عن الفائدة، وحكم كلام النبي ﵇ حمله على مقتضاه في الفائدة، ولا يجوز إلغاؤه ولا إسقاط حكمه.
قوله: "فهذا هو" أشار به إلى ما رواه قيس بن عباد والأشتر.
قوله: "وقد نجد مثل هذا كثيرًا في الكلام" أراد به مثل ما ذكره في الحديث المذكور من التقديم والتأخير، وهو أن معنى قوله ﵇: "لا يُقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده" لا يُقتل مؤمن ولا ذو عهد في عهده بكافر؛
стр. 7866
وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (١) والمعنى: واللائي يئسن من المحيض واللائي لم يحضن، إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر، فكما أن المعنى فيه على التقديم والتأخير، وهو أن المعنى يقتضي أن يكون قوله: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (١) عقيب قوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ (١) ليقع قوله: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ (١) جوابًا عن الاثنين؛ لأن حكم اللائي يئسن وحكم اللائي لم يحضن سواء، وهو وجوب العدة على كل واحدة منهما بثلاثة أشهر عوضًا عن ثلاث حيض، فكذلك التقدير في قوله ﵇: "لا يُقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده": لا يقتل مؤمن ولا ذو عهد في عهده بكافر، فقدم وأخر، فدل أن الكافر الذي منع ﵇ أن يقتل به المؤمن هو الكافر غير المعاهد والله أعلم.
ثم إنه أخرج حديث عُبَاد بن قيس بإسناد صحيح عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن مسدد بن مسرهد شيخ البخاري، عن يحيى بن سعيد القطان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة السدوسي، عن الحسن البصري، عن قيس بن عُبَاد -بضم العين وتخفيف الباء الموحدة- القيسي البصري، روى له الجماعة سوى الترمذي.
والأشتر هو مالك بن الحارث النخعي، أدرك الجاهلية، وكان من شيعة علي ﵁، قال العجلي: كوفي تابعي ثقة.
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا أحمد بن حنبل ومسدد، قالا: ثنا يحيى بن سعيد، قال: نا سعيد بن أبي عروبة، قال: ثنا قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عُبَاد قال: "انطلقت أنا والأشتر إلى علي ﵁. . . ." إلى آخره نحوه.
وأخرجه النسائي (٣) أيضًا: عن أبي موسى، عن يحيى. . . . إلى آخره نحوه.
стр. 7867
قوله: "عهد إليك" أي أوصى إليك، كما جاء في حديث آخر: "عهد إليَّ النبي ﵇" أي أوصى.
قوله: "من قِراب سيفه" بكسر القاف، وهو غلافه.
قوله: "تتكافأ" أي تتساوى دماؤهم في القصاص والديات، من الكفؤ وهو النظير والمُساوي، ومنه الكفاءة في النكاح، وهو أن يكون الزوج مساويًا للمرأة في حسبها ودينها ونسبها، وغير ذلك.
قوله: "يسعى بذمتهم أدناهم" أي إذا أعطى أحد الجيش العدو أمانًا صار ذلك على جميع المسلمين، وليس لهم أن يُخفروه، ولا أن ينقضوا عليه عهده، وقد أجاز عمر ﵁ أمان عبدٍ على جميع الجيش.
قوله: "يدٌ على مَن سِواهم" أي هم مجتمعون على أعدائهم لا يسعهم التخاذل، بل يعاون بعضهم بعضًا على جميع الأديان والملل، كأنه جعل أيديهم يدًا واحدة، وفعلهم فعلًا واحدًا.
قوله: "لا يُقتل مؤمن بكافر" "الباء" فيه يجوز أن تكون للتعليل، والمعنى بسبب كافرٍ، ويجوز أن تكون للعوض والمقابلة، كما في قولك: اشتريته بدرهم.
قوله: "ولا ذو عهد في عهده" أي ولا ذو ذمة في ذمته، وقد قلنا: إن التقدير: لا يقتل مسلم ولا ذو عهد في عهده بكافر، أي لا يقتل مسلم ولا كافر معاهد بكافر، فإن الكافر قد يكون معاهدًا أو غير معاهد.
قوله: "ومَن أحدث حدثًا" الحدث: الأمر المنكر الذي ليس معتاد ولا معروف في السُّنَّة، قيل: الحدث هاهنا: الإثم، وقيل: هو عام في الجنايات والحدث في الدين.
قوله: "أو آوى مُحْدثًا" بضم الميم وسكون الحاء، ويروى بكسر الدال وفتحها على الفاعل والمفعول، فمعنى الكسر: مَن نصر جانيًا وآواه وأجاره من خصمه، وحال بينه وبين أن يقتص منه، والفتح: هو الأمر المبتدع نفسه، ويكون معنى الإيواء: الرضا به والصبر عليه؛ فإنه إذا رضي بالبدعة وأقر فاعلها ولم ينكرها عليه؛ فقد آواه.
стр. 7868
واستُفيد منه أحكام:
فيه: أن المسلمين متساوون في الدماء، حتى إن الشريف يُقاد بالوضيع، والكبير بالصغير، والعالم بالجاهل، والحر بالعبد، والرجل بالمرأة.
فإن قيل: فعل هذا ينبغي أن لا يُقتل المسلم بالكافر؛ لأن دم الكافر لا يساوي دم المسلم.
قلت: قوله: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم" لا ينفي مكافأة دماء غير المؤمنين من أهل الذمة، والدليل على ذلك: أنه لم يمنع تكافؤ دماء الكفار حتى تقاد بعضهم لبعضهم إذا كانوا ذمةً لنا، وكذلك لا يمنع تكافؤ دماء المسلمين وأهل الذمة.
وفيه: أن أحدًا من أهل العسكر إذا أمَّنَ أهل حصن أو أهل مدينة صح أمانه سواء كان حرًّا أو حرةً، ولا يصح أمان ذمي؛ لأنه منهم، إلا شاذًا عن مالك: يصح، ولا أمان أسير ولا فاجر منهم؛ لأنهما مقهوران تحت أيديهم. وعن الشافعية وجه: يصح إذا لم يخف.
وفيه: أن المؤمن لا يقتل بالحربي، وأن الذمي أيضًا لا يقتل بالحربي.
ص: فإن قال قائل: قوله: "ولا ذو عهد في عهده" إنما معناه: لا يقتل مؤمن بكافر، فانقطع الكلام، ثم قال: "ولا ذو عهد في عهده" كلام مستأنف، أي ولا يُقتل المعاهد في عهده، فكان من حجتنا عليه: أن هذا الحديث إنما جرى في الدماء المسفوك بعضها ببعض؛ لأنه قال: "المسلمون يدٌ على مَن سواهم، تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم" ثم قال: "لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده" فإنما جرى الكلام على الدماء التي تجري قصاصًا, ولم يجر على حرمة دم بعهد، ليحمل الحديث على هذا. فهذا وجه.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إن قوله ﵇: "لا يُقتل مؤمن بكافر" كلام مستقل بذاته مفيد لحكم، وليس له تعلق به لما بعده، فلما قال هذا الكلام: انقطع عما قبله وتم.
стр. 7869
ثم قوله ﵇ بعده: "ولا ذو عهد في عهده" كلام مستأنف أي مبتدأ، وهو أيضًا كلام مستقبل بذاته مفيد لحكمه، ومعناه: لا يُقتل المعاهد في عهده، فإذا كان كذلك كان كل من الكلامين حكمًا، وهو أن يكون حكم الأول: منع قتل المؤمن بالكافر، أي كافر كان، وحكم الثاني: منع قتل المعاهد ما دام في عهده.
وأشار إلى الجواب عن ذلك بقوله: "فكان مِن حجتنا عليه -أي على هذا القائل- أن هذا الحديث" يعني أن مورد الحديث في الدماء التي يُسفك بعضها ببعض بقرينة قوله: "المسلمون يد على من سواهم تتكافأ دماؤهم" أي تتساوى في القصاص كما ذكرنا, ولما قال: "لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده" عُلم أن جريان الكلام كان على الدماء التي تسفك من حيث القصاص، ولم يكن على حرمة دم بسبب العهد والذمة؛ وذلك لأن حرمة دم العهد معلومة بدون هذا.
ولو قلنا: المعنى ولا يُقتل المعاهد في عهده؛ لخلا اللفظ عن الفائدة.
فإذا كان كذلك لم يكن قوله: "ولا ذو عهد في عهده" كلامًا مستقلًا بدايةً، مفيدًا لحكم غير معلوم، فاحتاج إلى تأويل كما ذكرناه فيما مضى محققًا.
قوله: "فهذا وجه" أي فهذا الذي ذكرناه وجه في الجواب.
ص: وحجة أخرى: أن هذا الحديث إنما روي عن علي ﵁ عن النبي ﷺ ، ولا يُعلم أنه رُوي عن غيره من طريق صحيح، فهو كان أعلم بتأويله، وتأويله هو فيه إذْ كان محتملًا عندكم هذين المعنين اللذين ذكرنا، دليل على أن معناه في الحقيقة هو ما تأوله علي.
ش: أراد بقوله: "حجة أخرى": جوابًا آخر، وهو أن هذا الحديث الذي رواه قيس بن عُبَاد إنما رواه عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﵇، وكان علي ﵁ أعلم بتأويله، وتأويل علي ﵁ فيه هو الذي يدل على أن معناه في الحقيقة هو الذي ما تأوله عليه من أن المراد بالكافر: هو الكافر الحربي على ما يجيء بيانه عن قريب.
стр. 7870
قوله: "ولا نعلم أنه رُوي عن غيره" أي ولا نعلم أن هذا الحديث رُوي عن غير علي من طريق صحيح. وأشار بذلك إلى أن طريق هذا الحديث التي رُويت عن غير علي غير صحيحة، فالطريق الصحيح هو الذي رُوي عن علي ﵁ الذي أخرجه البخاري ومسلم وبقية الجماعة (١) فاقتصر عليه؟ فلذلك قلنا: إنه كان أعلم بتأويله؛ لانفراده به وبمعناه.
فإن قلت: عمن روي عن غير علي ﵁؟
قلت: روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وعمران بن حصين، ومعقل ابن يسار، وعائشة الصديقة، وعطاء وطاوس ومجاهد والحسن مرسلًا.
أما ما روي عن عبد الله بن عمرو، فأخرجه أبو داود (٢): نا عبيد الله بن عمر، قال: ثنا هشم، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ . . . . فذكر نحو حديث علي ﵁، زاد فيه: "ويجير عليهم أقصاهم وَيَرُدُّ مُشِدُّهم على مُضعِفَهُم ومُتَسَرِّيهم على قاعِدهم".
وأخرجه ابن ماجه (٣): أيضًا، وهذا الإسناد لا يلحق إسناد حديث علي ﵁؟ لأن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مختلف في الاحتجاج به.
قوله: "ويجير عليهم أقصاهم" أي: إن بعض المسلمين وإن كان قاصي الدار إذا [عقد] عقدًا لكافر لم يكن لأحد أن ينقضه.
قوله: "ويَرْدُّ مُشِدُّهم" المُشِدُّ: الذي له دواب شديدة قوية، والمُضْعِفُ الذي دوابه ضعيفة، يريد أن القوي من الغزاة يساهم الضعيف فيما يكسبه من الغنيمة.
قوله: "ومُتَسَرِّيهم" المتسري: الذي يخرج في السرية التي يبعثها الإِمام من الجيش، فإذا غنموا شيئًا كان بينهم وبين الجيش عامة؛ لأنهم رِدْءٌ لهم، وأما إذا بعثهم من البلد فإنهم لا يردون على المقيمين شيئًا.
стр. 7871
وأما السريَّة: فقال ابن السكيت: هي ما بين [خمسة] (١) إلى ثلثمائة. وقال الخليل: هي نحو أربعمائة، وهو الأظهر، وقد جاء في الخبر "خير السرايا أربعمائة" (٢).
وأما حديث ما روي عن عمران بن الحصين ﵁ فأخرجه البيهقي في "سننه" (٣) وفي كتابه "الخلافيات": أنا أبو بكر بن الحسن وأبو زكرياء بن أبي إسحاق وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالوا: ثنا أبو العباس محمَّد بن يعقوب، ثنا بحر بن نصر، ثنا ابن وهب، أخبرني يزيد بن عياض، عن عبد الملك بن عبيد، عن خرينق بنت الحصين، عن أخيها عمران بن الحصين قال: "قال رسول الله ﷺ يوم الفتح: ألم تر إلى ما صنع صاحبكم هلال بن أمية؟! لو قتلت مؤمنًا بكافر لقتلته فَدُوه، فَوَدَّيْناه وبنو مدلج معنا، فجاءوا بغنم غفر لم أر أحسن منها ألوانًا، وكانت بنو مدلج حلفاء بني كعب في الجاهلية".
قلت: يزيد بن عياض متروك، قاله الذهبي.
وأما ما روي عن معقل بن يسار فأخرجه أبو أحمد بن (٤) عدي الحافظ، نا عمر بن سنان، نا إبراهيم بن سعيد، نا أنس بن عياض، عن عبد السلام بن أبي الجنوب، عن الحسن، عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﵇: "لا يُقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده، والمسلمون يدٌ على من سواهم، تتكافأ دماؤهم".
وأخرجه البيهقي من طريقه (٥).
стр. 7872
قلت: عبد السلام متروك. قاله الذهبي.
وأما ما روي عن عائشة ﵂ فأخرجه البيهقي في "سننه" (١) وفي كتابه "الخلافيات": أنا أبو سعيد الصيرفي، نا أبو العباس، نا محمَّد بن سنان، نا عبيد الله ابن عبد المجيد، نا ابن موهب -يعني- عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب قال: سمعت مالكًا، عن ابن أبي الرجال، عن أبيه، عن عمرة، عن عائشة ﵂ قالت: "وجد في قائم سيف رسول الله ﵇ كتابان، فذكر أحدهما، قال: وفي الآخر: المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، لا يُقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده، ولا يتوارث أهل ملتين، ولا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها, ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ولا تسافر المرأة ثلاث ليال إلا مع ذي رحم محرم".
قلت: محمَّد بن سنان بن يزيد بن الذيال أبو الحسن القزاز البصري، قال عبد الرحمن بن خراش: هو كذاب. وكان أبو داود يُطلق عليه الكذاب.
ثم العجب من البيهقي يذكر مثل هذا الحديث في "سننه" وفي كتابه "الخلافيات" وغيرهما في معرض الاستدلال لإمامه، ثم يسكت عن بيان علته، وأعجب منه أنه استدل ببعض هذا الحديث وترك بعضه، فإنه عجيب عجيب.
وأما ما روي عن مجاهد ومن معه فأخرجه الشافعي في "مسنده" (٢): أنا مسلم بن خالد، عن ابن أبي حسين، عن عطاء وطاوس -أحسبه قال: ومجاهد والحسن- أن رسول الله ﵇ قال يوم الفتح: "لا يُقتل مؤمن بكافر".
قلت: مسلم بن خالد شيخ الشافعي، قال ابن المديني: ليس بشيء. وقال الرازي: لا يُحتج به. وقال النسائي: ضعيف. وقال البخاري: منكر الحديث.
стр. 7873
ولئن سلمنا صحة إسناد هذا، فالشافعي لا يقبل مرسل عطاء وطاوس ومجاهد والحسن وغيرهم، سوى مراسيل سعيد بن المسيب ﵀.
ص: حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، أنه قال: أخبرني سعيد بن المسيب، أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁ قال حين قُتل عمر ﵁: "مررت على أبي لؤلؤة ومعه الهرمزان، فلما بعثهم ثاروا، فسقط من بينهم خنجر له رأسان ومَمْسكة في وسطه فانظروا لعله الخنجر الذي قتل به عمر ﵁، فنظروا فإذا هو الخنجر الذي وصف عبد الرحمن، فانطلق عبيد الله بن عمر حين سمع ذلك من عبد الرحمن ومعه السيف حتى دعى الهرمزان، فلما خرج إليه قال: انطلق حتى ننظر إلى فرس لي، ثم تأخر عنه حتى إذا مضى بين يديه علاه بالسيف، فلما وجد مس السيف قال: لا إله إلا الله. قال عبيد الله: ودعوت جفينة -وكان نصرانيًّا من نصارى الحيرة- فلما خرج علوته بالسيف فصلب بين عينيه، ثم انطلق عبيد الله يقتل ابنة أبي لؤلؤة صغيرة تدعي الإِسلام، فلما استخلف عثمان ﵁ دعى المهاجرين والأنصار فقال: أشيروا عليَّ في قتل هذا الرجل الذي فتق في الدين ما فتق، فأجمع المهاجرون فيه على كلمة واحدة يأمرونه بالشد عليه، ويحثون عثمان ﵁ على قتله، وكان فوج الناس الأعظم مع عبيد الله يقولون لجفينة والهرمزان أبعدهما الله، فأكثر في ذلك الاختلاف، ثم قال عمرو بن العاص ﵁: يا أمير المؤمنين، إن هذا الأمر قد أغناك الله من أن تكون بعدما قد بويعت، فإنما كان ذلك قبل أن يكون لك على الناس سلطان، فأعرض عن عبيد الله، وتفرق الناس على خطبة عمرو بن العاص، وودي الرجلان والجارية".
ففي هذا الحديث أن عبيد الله قتل جفينة وهو مشرك، وضرب الهرمزان وهو كافر، ثم كان إسلامه بعد ذلك، فأشار المهاجرون على عثمان ﵁ بقتل عبيد الله وعليٌّ ﵁ فيهم فمحال أن يكون قول النبي ﵇: "لا يقتل مؤمن بكافر" يراد به
стр. 7874
غير الحربي، ثم يشير المهاجرون وفيهم علي ﵁ على عثمان ﵁ بقتل عبيد الله بكافر ذمي، ولكن معناه هو على ما ذكرنا من إرادته الكافر الذي لا ذمة له.
ش: ذكر هذا شاهدًا لصحة تأويل قوله ﵇: "لا يُقتل المؤمن بكافر" أي بكافر حربي لا الكافر الذي له عهد وذمة، ولصحة ما ذكر عن علي ﵁ أنه على هذا التأويل.
وأخرجه بإسناد صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح ما خلا إبراهيم.
وعُقيل -بضم العين وفتح القاف- هو ابن خالد الأيلي.
وابن شهاب: هو محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري.
بيان ذلك: أن عمر بن الخطاب ﵁ لما قتله أبو لؤلؤة قتل عبيد الله بن عمر الهرمزان وجفينة وابنة أبي لؤلؤة الصغيرة، ثم لما ولي عثمان ﵁ الخلافة، أشار المهاجرون كلهم على عثمان بأن يقتل عبيد الله بن عمر، وكان أكثر الناس مع عبيد الله يقولون: أبْعد الله جفينة والهرمزان، كيف يقتل عبيد الله بهما؟! فوقع في ذلك اختلاف كثير بين الناس، ثم أشار عمرو بن العاص على عثمان بالكف عن قتل عبيد الله، لأن قضيته لم تقع في سلطان عثمان ﵁ وإنما كانت قبل أن بُويع له فأغناه الله تعالى عن ذلك، فأعرض عثمان عن عبيد الله، وتفرق الناس على كلام عمرو بن العاص.
ففي هذا أشار المهاجرون على عثمان بقتل عبيد الله لأجل جفينة والهرمزان، والحال أن علي بن أبي طالب ﵁ كان فيهم، فكيف يجوز لعلي ﵁ أن يشير مع المهاجرين بقتل عبيد الله، والحال أنه قد روي عن النبي ﵇ أنه قال: "لا يقتل مؤمن بكافر" وهذا محال في حق علي ﵁، فلو لم يكن أراد من قوله: "بكافر" الكافر الحربي لما أشار هاهنا فيمن أشار بقتل عبيد الله بكافر ذمي، فدل ذلك على صحة ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية، وانتقى أن يكون في قوله ﵇: "لا يقتل مؤمن بكافر" حجَّة تدفع أن يقتل المؤمن بالذمي. والله أعلم.
стр. 7875
واعترض البيهقي هاهنا على الطحاوي ﵀ وقال (١): هذا الذي ذكره الطحاوي ساقط من أوجه:
أحدها: أنه ليس في الحديث الذي رواه في هذا الباب أن عليًّا ﵁ أشار بذلك؛ فإدخاله في جملة من أشار به على عثمان دون رواية موصولة محال.
والثاني: أن في الحديث الذي رواه: أنه قتل أيضًا ابنة لأبي لؤلؤة صغيرة كانت تدعي الإِسلام، وإذا وجب القتل بواحد من قتلاه صحَّ أن يشيروا عليه بالقصاص.
والثالث: أن الهرمزان وإن أقرَّ بالإِسلام حال مسِّه السيف في الخبر الذي رواه الطحاوي؛ فكان قد أسلم قبل ذلك، وهو معروف مشهور فيما بين أهل المغازي، وإنما قال: لا إله إلا الله حين مسَّه السيف تعجبًا أو تبعيدًا لما اتهمه به عبيد الله بن عمر ﵁، ومن الدليل على إسلامه قبل ذلك: ما أنا أبو الحسين ابن بشران، أبنا أبو الحسن المصري، نا مالك بن يحيى، نا علي بن عاصم، عن داود بن أبي هند، عن عامر، عن أنس بن مالك ﵁. . . . فذكر قصة قدوم الهرمزان على أمير المؤمنين عمر ﵁ وما جرى في أمانه، فقال عمر: أخرجوا هذا عني فسيروه في البحر، قال الهرمزان: فسمعت عمر ﵁ تكلم بكلام بعدي، فقلت للذي سمعه أيْش قال؟ قال: قال: اللهم اكسر به، قال: فلما حمل في السفينة، فسارت السفينة غير بعيد، ففتح ألواح السفينة، فقال الهرمزان: فوقعت في البحر، فذكرت قوله أنه لم يقل: اللهم غرِّقه، فرجوت أن أنجو، فسبحت فنجوت، فأسلم".
فهذأ أنس بن مالك قد أخبر بإسلامه قبل ذلك بزمان.
وأخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، ثنا أبو العباس الأصم، أبنا الربيع، أنا الشافعي، أبنا الثقفي، عن حميد، عن أنس بن مالك قال: "حصرنا تستر، فنزل
стр. 7876
الهرمزان على حكم عمر ﵁. . . . فذكر الحديث في قدومه على عمر ﵁ وما جرى في أمانه، قال أنس: "وأسلم وفرض له" يعني أسلم الهرمزان وفرض له عمر ﵁.
وأخبرنا أبو سعيد، قال: ثنا أبو العباس الأصم، ثنا الحسن بن علي بن عفان، ثنا يحيى بن آدم، ثنا الحسن بن صالح، عن إسماعيل بن أبي خالد قال: "فرض عمر ﵁ للهرمزان دهقان الأهواز ألفين حين أسلم".
وأخبرنا الحسن بن الفضل القطان، أنا عبد الله بن جعفر، نا يعقوب بن سفيان، ثنا الحميدي، ثنا سفيان، نا عمرو بن دينار، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن خليفة قال: "رأيت الهرمزان مع عمر بن الخطاب رافعًا يديه يهلل ويكبر".
ثم قال البيهقي: ولو اقتصر هذا الشيخ على ما اقتصر به مشايخه لم يقع له هذا الخطأ الفاحش لكنه يغرب ويخطئ، ولا يستوحش من رد الأخبار الصحيحة ومعارضتها بأمثال هذا.
قلت: أما عن الوجه الأول: فهو أن يقال إنه ساقط؛ لأن مثل هذه القضية التي فيها أعظم الأمور وهو حِلّ دم مثل عبيد الله بن عمر بن الخطاب يستحيل أن يخلو عنها علي بن أبي طالب الذي هو من أكبر المهاجرين، وقد أخبر عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق في حديثه: "أن عثمان ﵁ دعى المهاجرين والأنصار، وقال: أشيروا عليّ في قتل هذا الرجل. . . . إلى آخره" فكيف يجوز أن يتخلف علي عن هؤلاء؟ أم كيف يجوز على عثمان أن لا يدعوه؟ وهذا من المحال.
وأما عن الثاني: فهو أن يقال: إن في حديث عبد الرحمن ما يدل على أنه أراد قتله بجفينة وهذا جواب سؤالين ذكرهما الطحاوي على ما يجيء عن قريب، أخذ البيهقي سؤاله واعترض على الطحاوي وذهل عن جوابه، فلو تذكره لما أورده عليه.
стр. 7877
وأما عن الثالث: فهو أن يقال: إن الأخبار التي رواها التي فيها إسلام الهرمزان قبل أن يقتله عبيد الله بن عمر يعارضها خبر سعيد بن المسيب وهو أقوى وأصح من هذه، فسقط الاحتجاج بها والاعتراض على الطحاوي، على أن في سند الخبر: مالك بن يحيى بن عمرو. قال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج بأفراده.
وفيه علي بن عاصم، قال يزيد بن هارون: ما زلنا نعرفه بالكذب. وقال يحيى: ليس به. شيء. وقال النسائي: متروك الحديث.
وفي سند الخبر الأخير عبد الله بن خليفة، قال الأزدي: تكلموا فيه.
فهذا البيهقي يأتي بمثل هذه الأخبار ثم يعارض بها الخبر الصحيح ثم يقول: "ولو اقتصر هذا الشيخ. . . ." إلى آخر ما قال، ولو اقتصر هو عن مثل هذا الكلام لكان أحسن وأبعد له من نسبته إلى التعصب الفاسد، والإتيان بالمتاع الكاسد.
قوله: "خبر قتل عمر ﵁" وكان قتله وهو قائم يصلي في المحراب صلاة الصبح من يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة من سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، قتله أبو لؤلؤة، واسمه فيروز المجوسي الأصل الرومي الدار، غلام المغيرة بن شعبة بخنجر ذات طرفين، فضربه ثلاث ضربات، وقيل: ست ضربات إحداهن تحت سرته فقطعت السفاق فخر من قامته، واستخلف عبد الرحمن بن عوف ﵁ ورجع العلج بخنجره لا يمر بأحد إلا ضربه، حتى ضرب ثلاثة عشر رجلًا مَات منهم ستة، فألقى عليه عبد الله بن عوف بُرْنُسا فانتحر نفسه، وحمل عمر ﵁ إلى منزله والدم يسيل من جرحه وذلك قبل طلوع الشمس فجعل يفيق ثم يغمى عليه، ثم يُذَكِّرونه بالصلاة فيفيق ويقول: نعم، ولا حظ في الإِسلام لمن تركها، ثم صلى في الوقت ثم سأل عمن قتله من هو؟ فقالوا: أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، فقال: الحمد لله الذي لم يجعل مَنيَّتي على يدي رجل يدعي الإيمان، ولم يسجد لله سجدة، ثم قال: قبحه الله،
стр. 7878
لقد كنا أمرنا به معروفًا، وكان المغيرة قد ضرب عليه في كل يوم درهمين، ثم سأل من عمر أن يزيد في خراجه، فإنه نجار نقاش حداد فزاد في خراجه إلى مائة في كل شهر، وقال: لقد بلغني أنك تحسن أن تعمل رحًى تدور بالهواء فقال أبو لؤلؤة: أما والله لأعملن لك رحًى يتحدث الناس بها في المشارق والمغارب، وكان هذا الكلام يوم الثلاثاء عشيةً، وطعنه صبيحة الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة من سنة ثلاث وعشرين، وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وخمس ليال، وعمره يوم مات: خمس وستون، وقيل: ست، وقيل: سبع وعن ابن عباس: ست وستون، وصلى عليه صهيب الرومي.
وقال ابن أبي شيبة في "مصنفة" (١): ثنا وكيع عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن عمرو بن ميمون قال: "كنت أدع الصف الأول هيبة لعمر ﵁، وكنت في الصف الثاني يوم أصيب، فجاء فقال: الصلاة عباد الله، استووا، قال: فصلى بنا، فطعنه أبو لؤلؤة طعنتين أو ثلاثًا، قال: وعلى عمر ﵁ ثوب أصفر، قال: فجمعه على صدره ثم أهوى وهو يقول: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (٢)، فقَتَل وطعن ثلاثة عشر -أو اثني عشر- قال: ومال الناس عليه، فاتكأ على خنجره فقتل نفسه".
قوله: "ومعه الهرمزان" وهو الهرمزان صاحب تستر، وكان مجوسيًّا، ولما فتحت الصحابة مدينة تستر في سنة سبع عشرة من الهجرة أسروا الهرمزان هذا، وسيروه مع الجيش على يد وفد فيهم أنس بن مالك خادم النبي ﵇ إلى عمر بن الخطاب ﵁، فلما بعثهم ثاروا -أي: فلما فاجأهم نهضوا وقاموا- يقال: بَعَثَهُ يَبعَثُهُ بَعْثًا أي فاجأه، ويقال: ثار الشيء يثور إذا انتشر وارتفع.
قوله: "ومَمْسَكه" بفتح الميم وهو موضع المسك.
стр. 7879
قوله: "ودعوت جُفَيْنة" بضم الجيم وفتح الفاء وسكون الياء آخر الحروف بعدها نون مفتوحة وفي آخره هاء، وكان نصرانيًّا من أهل الحيرة، وكان قد مالا هو والهرمزان أبا لؤلؤة على قتل عمر بن الخطاب ﵁.
قوله: "فصَلَّب بين عينيه" بالصاد المهملة وتشديد اللام وفي آخره باء موحدة، ومعناه: ضربه على عرضه حتى صارت الضربة كالصليب.
قوله: "فلما استخلف عثمان" كان استخلافه يوم الاثنين لليلةٍ بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، كذا قاله الواقدي. وأول حكومة حكم فيها بقضية عبيد الله بن عمر بن الخطاب ﵁.
قوله: "الذي فتق" أصل الفتق: الشق، قال تعالى: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (١) وأراد به هاهنا نقض العهد وهتك أمر الشريعة.
قوله: "وكان فوج الناس" الفوج: الجماعة من الناس.
و"الأعظم" بالرفع صفة للفوج.
قوله: "أبعدهما الله" أي أهلكهما الله، من البَعَد -بفتحتين- وهو الهلاك.
قوله: "وودى الرجلان" أي: أدى ديتهما، مِن ودَاه يَدِيَهُ ديةً، وقد ذكرناها مرةً.
ص: فإن قال قائل: ففي هذا الحديث أن عبيد الله قتل ابنة لأبي لؤلؤة صغيرةً تدعي الإِسلام، فيجوز أن يكون إنما استعجلوا سفك دم عبيد الله بها لا بجفينة والهرمزان.
قيل له: في هذا الحديث ما يدل على أنه أراد قتله بجفينة والهرمزان وهو قولهم: أبعدهما الله، فمحال أن يكون عثمان ﵁ أراد أن يقتله بغيرهما، ويقول الناس له: أبعدهما الله، ثم يقول لهم: إني لم أرد قتله بهذين، إنما أردت
стр. 7880
قتله بالجارية، ولكنه أراد قتله بهما وبالجارية، ألا تراه يقول: فأكثر في ذلك الاختلاف، فكيف يكثر الاختلاف في ابنة أبي لؤلؤة وهي صغيرة، ولا نعلم خلافًا أنه يقتل المؤمن بالطفل الصغير.
فدل ذلك أن عثمان ﵁ إنما أراد قتله بمن قتل وفيهم الهرمزان وجفينة، فقد ثبت بما ذكرنا ما صحح عليه معنى هذا الحديث أن معنى حديث علي ﵁ الأول على ما وصفنا، فانتفى أن يكون فيه حجة تدفع أن يقتل المسلم بالذمي.
ش: هذا السؤال وجوابه ظاهران. وهذا السؤال الذي أخذه البيهقي وجعله مطعنًا في حق الطحاوي وترك جوابه ولم يتأمل فيه؛ إذ لو لاحظ الجواب لما أقدم إلى الطعن بما طعنه من غير وجه.
ص: وقد وافق ذلك أيضًا وشده ما قد روي عن النبي ﵇ وإن كان منقطعًا: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سليمان بن بلال، عن ربيعة ابن أبي عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن البيلماني "أن رسول الله ﵇ أتى برجل من المسلمين قد قَتَل معاهًدا من أهل الذمة، فأمر به فضربت عنقه، وقال: أنا أولى من وفى بذمته".
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا يحيى بن سلام، عن محمَّد بن أبي حميد المدني، عن محمَّد بن المنكدر، عن النبي ﵇ مثله.
ش: أي قد وافق ما ذكرناه من التأويل في حديث علي بن أبي طالب من أن المراد من الكافر في قوله: "لا يقتل مؤمن بكافر" هو الكافر الحربي لا المعاهد، وشده -أي أحكمه- ما قد روي عن النبي ﵇، وإن كان منقطعًا، فالمنقطع وإن لم يتم به الاستدلال ولكنه يصلح شاهدًا ومؤيدًا وشادًّا، وهذان مرسلان منقطعان، ورجالهما ثقات.
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن سليمان بن بلال القرشي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن المدني المعروف بربيعة