← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 7876–7915 · переход к 7881.

стр. 7876

الهرمزان على حكم عمر ﵁. . . . فذكر الحديث في قدومه على عمر ﵁ وما جرى في أمانه، قال أنس: "وأسلم وفرض له" يعني أسلم الهرمزان وفرض له عمر ﵁. وأخبرنا أبو سعيد، قال: ثنا أبو العباس الأصم، ثنا الحسن بن علي بن عفان، ثنا يحيى بن آدم، ثنا الحسن بن صالح، عن إسماعيل بن أبي خالد قال: "فرض عمر ﵁ للهرمزان دهقان الأهواز ألفين حين أسلم". وأخبرنا الحسن بن الفضل القطان، أنا عبد الله بن جعفر، نا يعقوب بن سفيان، ثنا الحميدي، ثنا سفيان، نا عمرو بن دينار، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن خليفة قال: "رأيت الهرمزان مع عمر بن الخطاب رافعًا يديه يهلل ويكبر". ثم قال البيهقي: ولو اقتصر هذا الشيخ على ما اقتصر به مشايخه لم يقع له هذا الخطأ الفاحش لكنه يغرب ويخطئ، ولا يستوحش من رد الأخبار الصحيحة ومعارضتها بأمثال هذا. قلت: أما عن الوجه الأول: فهو أن يقال إنه ساقط؛ لأن مثل هذه القضية التي فيها أعظم الأمور وهو حِلّ دم مثل عبيد الله بن عمر بن الخطاب يستحيل أن يخلو عنها علي بن أبي طالب الذي هو من أكبر المهاجرين، وقد أخبر عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق في حديثه: "أن عثمان ﵁ دعى المهاجرين والأنصار، وقال: أشيروا عليّ في قتل هذا الرجل. . . . إلى آخره" فكيف يجوز أن يتخلف علي عن هؤلاء؟ أم كيف يجوز على عثمان أن لا يدعوه؟ وهذا من المحال. وأما عن الثاني: فهو أن يقال: إن في حديث عبد الرحمن ما يدل على أنه أراد قتله بجفينة وهذا جواب سؤالين ذكرهما الطحاوي على ما يجيء عن قريب، أخذ البيهقي سؤاله واعترض على الطحاوي وذهل عن جوابه، فلو تذكره لما أورده عليه.

стр. 7877

وأما عن الثالث: فهو أن يقال: إن الأخبار التي رواها التي فيها إسلام الهرمزان قبل أن يقتله عبيد الله بن عمر يعارضها خبر سعيد بن المسيب وهو أقوى وأصح من هذه، فسقط الاحتجاج بها والاعتراض على الطحاوي، على أن في سند الخبر: مالك بن يحيى بن عمرو. قال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج بأفراده. وفيه علي بن عاصم، قال يزيد بن هارون: ما زلنا نعرفه بالكذب. وقال يحيى: ليس به. شيء. وقال النسائي: متروك الحديث. وفي سند الخبر الأخير عبد الله بن خليفة، قال الأزدي: تكلموا فيه. فهذا البيهقي يأتي بمثل هذه الأخبار ثم يعارض بها الخبر الصحيح ثم يقول: "ولو اقتصر هذا الشيخ. . . ." إلى آخر ما قال، ولو اقتصر هو عن مثل هذا الكلام لكان أحسن وأبعد له من نسبته إلى التعصب الفاسد، والإتيان بالمتاع الكاسد. قوله: "خبر قتل عمر ﵁" وكان قتله وهو قائم يصلي في المحراب صلاة الصبح من يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة من سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، قتله أبو لؤلؤة، واسمه فيروز المجوسي الأصل الرومي الدار، غلام المغيرة بن شعبة بخنجر ذات طرفين، فضربه ثلاث ضربات، وقيل: ست ضربات إحداهن تحت سرته فقطعت السفاق فخر من قامته، واستخلف عبد الرحمن بن عوف ﵁ ورجع العلج بخنجره لا يمر بأحد إلا ضربه، حتى ضرب ثلاثة عشر رجلًا مَات منهم ستة، فألقى عليه عبد الله بن عوف بُرْنُسا فانتحر نفسه، وحمل عمر ﵁ إلى منزله والدم يسيل من جرحه وذلك قبل طلوع الشمس فجعل يفيق ثم يغمى عليه، ثم يُذَكِّرونه بالصلاة فيفيق ويقول: نعم، ولا حظ في الإِسلام لمن تركها، ثم صلى في الوقت ثم سأل عمن قتله من هو؟ فقالوا: أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، فقال: الحمد لله الذي لم يجعل مَنيَّتي على يدي رجل يدعي الإيمان، ولم يسجد لله سجدة، ثم قال: قبحه الله،

стр. 7878

لقد كنا أمرنا به معروفًا، وكان المغيرة قد ضرب عليه في كل يوم درهمين، ثم سأل من عمر أن يزيد في خراجه، فإنه نجار نقاش حداد فزاد في خراجه إلى مائة في كل شهر، وقال: لقد بلغني أنك تحسن أن تعمل رحًى تدور بالهواء فقال أبو لؤلؤة: أما والله لأعملن لك رحًى يتحدث الناس بها في المشارق والمغارب، وكان هذا الكلام يوم الثلاثاء عشيةً، وطعنه صبيحة الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة من سنة ثلاث وعشرين، وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وخمس ليال، وعمره يوم مات: خمس وستون، وقيل: ست، وقيل: سبع وعن ابن عباس: ست وستون، وصلى عليه صهيب الرومي. وقال ابن أبي شيبة في "مصنفة" (١): ثنا وكيع عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن عمرو بن ميمون قال: "كنت أدع الصف الأول هيبة لعمر ﵁، وكنت في الصف الثاني يوم أصيب، فجاء فقال: الصلاة عباد الله، استووا، قال: فصلى بنا، فطعنه أبو لؤلؤة طعنتين أو ثلاثًا، قال: وعلى عمر ﵁ ثوب أصفر، قال: فجمعه على صدره ثم أهوى وهو يقول: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (٢)، فقَتَل وطعن ثلاثة عشر -أو اثني عشر- قال: ومال الناس عليه، فاتكأ على خنجره فقتل نفسه". قوله: "ومعه الهرمزان" وهو الهرمزان صاحب تستر، وكان مجوسيًّا، ولما فتحت الصحابة مدينة تستر في سنة سبع عشرة من الهجرة أسروا الهرمزان هذا، وسيروه مع الجيش على يد وفد فيهم أنس بن مالك خادم النبي ﵇ إلى عمر بن الخطاب ﵁، فلما بعثهم ثاروا -أي: فلما فاجأهم نهضوا وقاموا- يقال: بَعَثَهُ يَبعَثُهُ بَعْثًا أي فاجأه، ويقال: ثار الشيء يثور إذا انتشر وارتفع. قوله: "ومَمْسَكه" بفتح الميم وهو موضع المسك.

стр. 7879

قوله: "ودعوت جُفَيْنة" بضم الجيم وفتح الفاء وسكون الياء آخر الحروف بعدها نون مفتوحة وفي آخره هاء، وكان نصرانيًّا من أهل الحيرة، وكان قد مالا هو والهرمزان أبا لؤلؤة على قتل عمر بن الخطاب ﵁. قوله: "فصَلَّب بين عينيه" بالصاد المهملة وتشديد اللام وفي آخره باء موحدة، ومعناه: ضربه على عرضه حتى صارت الضربة كالصليب. قوله: "فلما استخلف عثمان" كان استخلافه يوم الاثنين لليلةٍ بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، كذا قاله الواقدي. وأول حكومة حكم فيها بقضية عبيد الله بن عمر بن الخطاب ﵁. قوله: "الذي فتق" أصل الفتق: الشق، قال تعالى: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (١) وأراد به هاهنا نقض العهد وهتك أمر الشريعة. قوله: "وكان فوج الناس" الفوج: الجماعة من الناس. و"الأعظم" بالرفع صفة للفوج. قوله: "أبعدهما الله" أي أهلكهما الله، من البَعَد -بفتحتين- وهو الهلاك. قوله: "وودى الرجلان" أي: أدى ديتهما، مِن ودَاه يَدِيَهُ ديةً، وقد ذكرناها مرةً. ص: فإن قال قائل: ففي هذا الحديث أن عبيد الله قتل ابنة لأبي لؤلؤة صغيرةً تدعي الإِسلام، فيجوز أن يكون إنما استعجلوا سفك دم عبيد الله بها لا بجفينة والهرمزان. قيل له: في هذا الحديث ما يدل على أنه أراد قتله بجفينة والهرمزان وهو قولهم: أبعدهما الله، فمحال أن يكون عثمان ﵁ أراد أن يقتله بغيرهما، ويقول الناس له: أبعدهما الله، ثم يقول لهم: إني لم أرد قتله بهذين، إنما أردت

стр. 7880

قتله بالجارية، ولكنه أراد قتله بهما وبالجارية، ألا تراه يقول: فأكثر في ذلك الاختلاف، فكيف يكثر الاختلاف في ابنة أبي لؤلؤة وهي صغيرة، ولا نعلم خلافًا أنه يقتل المؤمن بالطفل الصغير. فدل ذلك أن عثمان ﵁ إنما أراد قتله بمن قتل وفيهم الهرمزان وجفينة، فقد ثبت بما ذكرنا ما صحح عليه معنى هذا الحديث أن معنى حديث علي ﵁ الأول على ما وصفنا، فانتفى أن يكون فيه حجة تدفع أن يقتل المسلم بالذمي. ش: هذا السؤال وجوابه ظاهران. وهذا السؤال الذي أخذه البيهقي وجعله مطعنًا في حق الطحاوي وترك جوابه ولم يتأمل فيه؛ إذ لو لاحظ الجواب لما أقدم إلى الطعن بما طعنه من غير وجه. ص: وقد وافق ذلك أيضًا وشده ما قد روي عن النبي ﵇ وإن كان منقطعًا: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سليمان بن بلال، عن ربيعة ابن أبي عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن البيلماني "أن رسول الله ﵇ أتى برجل من المسلمين قد قَتَل معاهًدا من أهل الذمة، فأمر به فضربت عنقه، وقال: أنا أولى من وفى بذمته". حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا يحيى بن سلام، عن محمَّد بن أبي حميد المدني، عن محمَّد بن المنكدر، عن النبي ﵇ مثله. ش: أي قد وافق ما ذكرناه من التأويل في حديث علي بن أبي طالب من أن المراد من الكافر في قوله: "لا يقتل مؤمن بكافر" هو الكافر الحربي لا المعاهد، وشده -أي أحكمه- ما قد روي عن النبي ﵇، وإن كان منقطعًا، فالمنقطع وإن لم يتم به الاستدلال ولكنه يصلح شاهدًا ومؤيدًا وشادًّا، وهذان مرسلان منقطعان، ورجالهما ثقات. الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن سليمان بن بلال القرشي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن المدني المعروف بربيعة

стр. 7881

الرأي، شيخ مالك، عن عبد الرحمن بن البيلماني، مولى عمر بن الخطاب ﵁. وأخرجه أبو داود في "المراسيل": (١) ثنا محمَّد بن داود بن أبي ناجية الاسكندراني، ثنا ابن وهب، حدثني سليمان بن بلال، حدثني ربيعة، عن عبد الرحمن بن البيلماني حدثه: "أن رسول الله ﵇ أتي برجل. ." إلى نحوه. الثاي: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة التميمي البصري نزيل مصر، عن محمَّد بن أبي حميد إبراهيم الزرقي الأنصاري، عن محمَّد بن المنكدر بن عبد الله المدني. وأخرجه ابن حزم (٢): من حديث يحيى بن سلام، عن محمَّد بن أبي حميد، عن ابن المنكدر، عن النبي ﵇ نحوه. ثم قال: وهما مرسلان ولا حجة في مرسل. وأخرج البيهقي (٣) من حديث ابن البيلماني مرفوعًا متصلًا: أنا أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي، أنا علي بن عمر الحافظ، ثنا الحسن بن أحمد بن سعيد الرهاوي، أخبرني جدي سعيد بن محمَّد الرهاوي، أن عمار بن مطر حدثهم، ثنا إبراهيم بن محمَّد الأسلمي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن ابن البيلماني، عن ابن عمر ﵄ "أن رسول الله ﵇ قتل مسلمًا بمعاهد، وقال: أنا أكرم مَن وفى بذمته". ثم قال البيهقي: أخطأ عمار بن مطر في إسناد هذا الحديث من وجهين: أحدهما: في قوله: عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وإنما يرويه إبراهيم بن محمَّد بن المنكدر، عن عبد الرحمن بن البيلماني. والآخر: في ذكر ابن عمر فيه، وإنما رواه إبراهيم بهذا الإسناد مرسلًا دون ذكر ابن عمر فيه، وهذا غير مستساغ من عمار بن مطر الرهاوي، فقد كان

стр. 7882

يقلب الأسانيد ويسرق الأحاديث، حتى كثر ذلك في رواياته، وسقط عن حد الاحتجاج به. قلت: المنقطع إذا روي من وجه آخر متصلًا كان حجةً، والاعتبار لمن وصله لا لمن قطعه، ولكن الصواب هاهنا الانقطاع، لأن عمار بن مطر متروك الحديث، وقد قلنا: إن المنقطع إذا كان إسناده صحيحًا يصلح للاستشهاد والتقوية. والله أعلم. ص: والنظر عندنا شاهد لذلك أيضًا، وذلك أنَّا رأينا الحربي دمه حلال وماله حلال، فإذا صار ذميًّا حرم دمه وماله كحرمة دم المسلم ومال المسلم، ثم رأينا من سرق من مال الذمي -ما يجب فيه القطع- قطع كما يقطع في مال المسلم، فلما كانت العقوبات في انتهاك المال الذي قد حرم بالذمة كالعقوبات في انتهاك المال الذي حرم بالإِسلام؛ كان في النظر أيضًا أن تكون العقوبة في الدم الذي قد حرم بالذمة كالعقوبة في الدم الذي حرم بالإِسلام. ش: أي القياس عندنا شاهد لما ذكرنا من أن المسلم يقتل بالذمي، وبينه بقوله: "وذلك أنا رأينا. . . ." إلى آخره، وهو ظاهر. وقد اعترض ابن حزم على قوله: "ثم رأينا من سرق من مال الذمي. . . ." إلى آخره، فقال: هذا قياس فاسد، لأن القصاص للمسلم من الذمي حق للذمي عندهم، له طلبه، وله تركه والعفو عنه، وليس كذلك القطع في السرقة؛ لأن القطع فيها ليس هو من حقوق المسروق منه المال ولا له طلبه دون غيره، ولا له العفو عنه، إنما هو حق الله أمر به، شاء المسروق منه أو أبى، فلا سبيل فيه للذمي على المسلم أصلًا. قلت: ليس القياس المذكور من الوجه الذي فهمه ابن حزم، وإنما هو من وجه آخر، وهو استواء العقوبة في الدم الذي قد حرم بعقد الذمة بالعقوبة في الدم الذي قد حرم بالإِسلام، قياسًا على استواء العقوبة في انتهاك المال الذي قد

стр. 7883

حرم بعقد الذمة بالعقوبة في انتهاك المال الذي قد حرم بالإسلام، ولا شك أن دم الرجل وماله في الحرمة سواء، على أن القطع في السرقة وإن كان من حقوق الله تعالى، ولكنه لا يظهر إلا من جهة المسروق منه. ص: فإن قال قائل: فإنا قد رأينا العقوبات الواجبات في انتهاك حرمة الأموال قد فُرِّق بينها وبين العقوبات الواجبات في انتهاك حرمة الدم، وذلك أنا رأينا العمد يسرق من مال مولاه فلا يُقطع، ويَقْتُل مولاه فيُقْتَل، فَفُرق بين ذلك، فما تنكرون أيضًا أن يكون قد فرق بين ما يجب في انتهاك مال الذمي ودمه؟ قيل له: هذا الذي ذكرت قد زاد ما ذهبنا إليه توكيًدا؛ لأنك ذكرت أنهم أجمعوا أن العبد لا يُقطع في مال مولاه، وأنه يقتل بمولاه وبعبد مولاه، فما وصفت من ذلك كما ذكرت فقد خففوا أمر المال ووكدوا أمر الدم، فأوجبوا العقوبة في الدم حيث لم يوجبوها في المال. فلما ثبت توكيد أمر الدم وتخفيف أمر المال، ثم رأينا مال الذمي يجب في انتهاكه على المسلم من العقوبة كما يجب عليه فيه انتهاكه مال المسلم، كان دمه أحرى أن يكون عليه في انتهاك حرمته من العقوبة ما يكون عليه في انتهاك دم المسلم، وقد أجمعوا أن ذميًّا لو قتل ذميًّا ثم أسلم القاتل، أنه يقتل بالذمي الذي قتله في حال كفره، ولا يبطل ذلك بإسلامه. فلما رأينا الإِسلام الطارئ على القتل لا يبطل القتل الذي كان في حال الكفر، وكانت الحدود تمامها أخذها ولا يؤخذ على حال لا يجب في البدء مع تلك الحال، ألا ترى أن رجلا لو قتل رجلا والمقتول مرتد أنه لا يجب عليه شيء، وأنه لو جرحه وهو مسلم ثم ارتد فمات منها لم يقتل، فصارت ردته التي تقدمت الجناية والتي طرأت عليها في درء القتل سواء، فكان كذلك في النظر: أن يكون القاتل قبل جنايته وبعد جنايته سواء، فلما كان إسلامه بعد جنايته قبل أن يُقْتل بها، لا يدفع عنه القود، كان كذلك إسلامه المتقدم لجنايته لا يدفع عنه القود. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.

стр. 7884

ش: تقرير السؤال أن يقال: إن القياس الذي ذكرته قياس بالفارق، والدليل عليه: أنه قد فرق بين سرقة العبد من مولاه وبين قتله إياه، حيث لا يجب القطع في السرقة ويجب القصاص في القتل، فكذلك يُفرق بين مال الذمي ودمه، فيجب الضمان في ماله ولا يجب القصاص في دمه. وهذا السؤال قريب من اعتراض ابن حزم الذي ذكرناه آنفًا، والجواب عنه ظاهر مبسوط. قوله: "وقد أجمعوا أن ذميًّا. . . ." إلى آخره. حاصل ذلك أن أهل المقالة الأولى قد وافقوا أهل المقالة الثانية على أن ذميًّا لو قتل ذميًّا ثم أسلم فإنه لم يسقط عنه القود بإسلامه، فلو كان الإِسلام مانعًا من القصاص ابتداء لمنعه إذا طرأ بعد وجوبه قبل استيفائه ألا ترى أنه لما لم يجب القصاص للابن على الأب إذا قتله، كان ذلك حكمه إذا ورث من أبيه القود من غيره، فمنع ما عرض من ذلك من استيفائه كما منع ابتداء وجوبه، فكذلك لو قتل مرتدًّا لم يجب القود، ولو جرحه وهو مسلم ثم ارتد ثم مات من الجراحة سقط القود، فاستوى فيه حكم الابتداء والبقاء فلو لم يجب القتل بدءًا لما وجب إذا أسلم بعد القتل. وهاهنا شيء آخر من وجوه النظر: وهو أنه لما كان المعنى في إيجاب القصاص ما أراده الله بقاء حياة الناس بقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (١) وهذا المعنى موجود في الذمي، لأن الله تعالى قد أراد بقاءه حين حقن دمه بالذمة، وجذب أن يكون ذلك موجبًا للقصاص بينه وبين المسلم كما يوجب في قتل بعضهم بعضًا. فإن قلت: يلزمك على هذا قتل المسلم بالحربي المستأمن، لأنه محظور الدم. قلت: ليس كذلك، بل هو مباح الدم إباحة مؤجلة، ألا ترى أنا لا نتركه في دار الإِسلام ويلحقه بمأمنه، والتأجيل لا يزيل عنه الإباحة، كالثمن المؤجل لا يخرجه العاجل عن وجوبه، فافهم.

стр. 7885

ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن عبد الملك ابن ميسرة، عن النَزَّال بن سبرة قال: "قتل رجل من المسلمين رجلًا من العباد فذهب أخوه إلى عمر ﵁، فكتب عمر ﵁ أن يُقتل، فجعلوا يقولون: اقتل حُنين فيقول: حتى يجيء الغيظ، قال: فكتب عمر ﵁ أن يودى ولا يُقتل". فهذا عمر ﵁ قد رأى أيضًا أن يقتل المسلم بالكافر، وكتب به إلى عماله بحضرة أصحاب رسول الله ﷺ فلم يُنكر عليه منهم منكر. فهذا عندنا منهم على المتابعة له على ذلك، وكتابه بعد هذا: "لا يُقتل" فيحتمل أن يكون ذلك كان منه على أنه كره أن يبيحه دمه، لما كان من وقوفه على قتله، وجعل ذلك شبهة منعه بها من القتل، وجعل له ما يجعل في القتل العمد الذي يدخله شبهة، وهو الدية. ش: ذكر ذلك الأثر أيضًا شاهدًا لصحة ما قاله أهل المقالة الثانية. وأخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة الهلالي العامري، عن النَزَّال بن سبرة الهلالي العامري المختلف في صحبته. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" من وجهين: الأول (١): عن علي بن مسهر، عن الشيباني، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة قال: "قتل رجل من فرسان أهل الكوفة عباديًّا من أهل الحيرة، فكتب عمر ﵁ أن أقيدوا لأخيه منه، فدفعوا الرجل إلى أخي العبادي فقتله، ثم جاء كتاب عمر ﵁: أن لا تقتلوه، وقد قتله". الثاني (٢): عن وكيع، عن محمَّد بن قيس الأسدي، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة "أن رجلًا من المسلمين قتل رجلًا من أهل الحيرة، فكتب فيه إلى عمر بن الخطاب ﵁ فكتب عمر: أن اقتلوه به، فقيل لأخيه حنين: اقتله،

стр. 7886

قال: حتى يجيء الغضب، قال: فبلغ عمر أنه من فرسان المسلمين، قال: فكتب: أن لا تقيدوه به، قال: فجاءه الكتاب وقد قتل". وأخرجه الجصاص في "أحكامه": (١) ثنا عبد الباقي بن قانع، ثنا معاذ بن المثنى، قال: ثنا عمرو بن مرزوق، قال: ثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال ابن سبرة: "أن رجلًا من المسلمين قتل رجلًا من العباديين، فقدم أخوه على عمر بن الخطاب ﵁: فكتب عمر أن يُقتل، فجعلوا يقولون: يا حنين اقتل، فجعل يقول: حتى يأتي الغيظ، قال: فكتب عمر ﵁: أن لا يقتل ويودى". قال الجصاص: ويروى في غير هذا الحديث أن الكتاب وَرَدَ بعد أن قتل، وأنه إنما كتب أن يسأل الصلح على الدية حين كتب إليه أنه من فرسان المسلمين". وأخرجه البيهقي في كتاب "الخلافيات": أنبأني أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو الوليد، ثنا ابن زهير، ثنا علي بن خشرم، ثنا عيسى، عن شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة قال: "قتل رجل من المسلمين يهوديًّا، فركب أخوه إلى عمر ﵁، فكتب عمر ﵁: أن يُقيده، فجعل يقول: اقتل، فيقول: لا، حتى يجيء الغيظ، فكتب عمر ﵁: أن لا يقاد وأن يودى". قوله: "رجلًا من العَباد" بفتح العين المهملة، والباء الموحدة المخففة، وبعد الألف الساكنة دال مهملة. والعَبَاد: قبائل شتى من بطون العرب، اجتمعوا على النصرانية بالحيرة، والنسبة إليهم: عَبَادي. قوله: "فذهب أخوه" أي أخو المقتول، واسمه حنين، وهو المذكور في قوله: "فجعلوا يقولون: اقتل حنين" يعني اقتل يا حنين قاتل أخيك. قوله: "فيقول" يعني حنين: "حتى يجيء الغيظ" يعني الغضب.

стр. 7887

قوله: "فكتب عمر أن يودى" أي تؤخذ الدية من القاتل، من وَدَى يَدِي دَيَة. قوله: "إلى عماله" بضم العين وتشديد الميم: جمع عامل، وهو المتولي على موضع. قوله: "على المتابعة منهم" أي من الصحابة له، أي لعمر. "على ذلك" أي على قوله أن يقتل ذلك المسلم لأجل ذلك العبادي النصراني؛ وإنما قال ذلك تنبيهًا على أن عدم إنكار الصحابة لعمر في هذه القضية لم يكن إلا لأجل المتابعة منهم له فيما ذهب إليه من قتل المسلم بالذمي، ولم يكن سكوتهم لعلة غير ذلك؛ لأنه لا يُظَن في حقهم السكوت عن الحق ولا مراعاة أحد فيه. قوله: "وكتابه بعد هذا ألَّا يقتل" جواب عن سؤال مقدر، تقريره أن يقال: استدلالكم بهذا الأثر لا يتم؛ لأن عمر ﵁ قد رجع عما أمر به من قتل ذلك المسلم بذلك العَبَادي، ورجوعه عن ذلك يدل على أنه قد ظهر عنده ما يمنعه من جواز ذلك. وتقرير الجواب أن يقال: إن كتابه بترك قتله بعد كتابه بقتله، لاحتمال أن يكون قد ثبت عنده بعد كتابه بالقتل ما أوقفه على أن ذلك القتل كان فيه شبهة يدفع بها القود، فجعل ذلك كقتل العمد الذي فيه شبهة، فأوجب فيه الدية، هذا الذي ذكره الطحاوي. وأما الذي ذكره الجصاص: أن كتابه بترك القتل لم يكن لظهور ما ينفي القتل عنده، وإنما كان لأجل ما بلغه أن القاتل كان من فرسان المسلمين، فكتب أن يسأل الصلح عن أخي المقتول، ثم يودى بعد وقوع الصلح. وعك كل حال قد وُجِدَ قتل مسلم بسبب ذمي في زمن الصحابة ﵃. ص: وقد قال أهل المدينة: إن المسلم إذا قَتَل الذمي فتلَ غَيْلَةٍ على ماله، أنه يقتل به، فهذا كان هذا عندهم خارجًا من قول النبي ﵇: "لا يُقتل مسلم بكافر" فما تنكرون على مخالفيكم أن يكون كذلك الذمي المعاهد خارجًا من قول النبي ﵇: "لا يُقتل مسلم بكافر"، والنبي ﵇ فلم يشترط من الكفار أحدًا،

стр. 7888

فلما كان لهم أن يخرجوا من الكفار من أريد ماله، كان لمخالفيهم أن يخرج أيضًا من وجبت ذمته. ش: مذهب أهل المدينة -منهم مالك بن أنس: أن المسلم لا يقاد بالذمي إلا أن يقتله غيلة أو حرابة، وإليه ذهب الليث بن سعد. قال الطحاوي ﵀: فإذا كان هذا خارجًا من عموم قوله ﵇: "لا يُقتل مسلم بكافر"، ويخص به هذا العام على زعمهم، فكيف ينكرون على من يخصه أيضًا بذمي الذي وجبت ذمته؟! وكيف يسوغ إنكارهم على هؤلاء بعد ذلك؟ فما كان جوابهم في هذا، فهو جوابنا بعينه، فافهم.

стр. 7889

ص: باب: القسامة هل تكون على ساكني الدار الموجود فيها القتيل أو مالكها ؟ ش: أي هذا باب في بيان القسامة إذا وجد القتيل في دارٍ تكون على مَنْ؟ على ساكني الدار أو على مالكها؟ والقَسَامة: بفتح القاف: اليمين كالقسم، وحقيقتها أن يقسم من أولياء الدم خمسون نفرًا على استحقاقهم دم صاحبهم إذا وجدوه مقتولًا بين قوم ولم يعرف قاتله، فإن لم يكونوا خمسين يكرر عليهم اليمين حتى يتم العدد، وقد أَقْسَم يُقْسِمُ قَسَمًا وقَسَامة: إذا حلف، وقد جاءت على بناء الغرامة والحمالة؛ لأنها تلزم أهل الموضع الذي يوجد فيه القتيل. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، سمع بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة قال: "وجد عبد الله بن سهل قتيلًا في قليب من قليب خيبر، فجاء أخوه عبد الرحمن بن سهل وعماه حويصة ومحيصة ابنا مسعود إلى رسول الله ﵇، فذهب عبد الرحمن ليتكلم، فقال النبي ﵇: الكبر الكبر، فتكلم أحد عميه إما حويصة وإما محيصة، تكلم الكبير منهما فقال: يا رسول الله، إنا وجدنا عبد الله بن سهل قتيلًا في قليب من قليب خيبر، وذكر عداوة يهود لهم، قال: أفتبرئكم يهود بخمسين يمينًا أنهم لم يقتلوا؟ قال: قلت: وكيف نرضى بأيمانهم وهم مشركون؟! قال: فيقسم منكم خمسون أنهم قتلوه؟ قالوا: فكيف نقسم على ما لم نَرَ؟ فوداه رسول الله ﵇ من عنده". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار أنه أخبره: "أن عبد اللهَ بن سهل الأنصاري ومحيصة بن مسعود خرجا إلى خيبر فتفرقا في حوائجهما، فقُتل عبد الله بن سهل، فبلغ محيصة فأتى هو وأخوه حويصة وعبد الرحمن بن سهل إلى رسول الله ﵇، فذهب عبد الرحمن ليتكلم لمكانه من أخيه، فقال رسول الله ﵇: كبر كبر، فتكلم حويصة

стр. 7890

ومحيصة، فذكرا شأن عبد الله بن سهل، فقال لهم رسول الله ﵇: أتحلفون خمسين يمينًا وتستحقون دم قاتلكم أو صاحبكم؟ قالوا: يا رسول الله لم نشهد ولم نحضر، فقال رسول اللهَ ﵇: أفتبرئكم يهود بخمسين يمينًا؟ قالوا: يا رسول الله كيف نقبل أيمان قوم كفار؟! قال مالك: قال يحيى بن سعيد: فزعم بشير أن رسول الله ﵇ وداه من عنده". حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سعيد بن عبيد الطائي، عن بشير بن يسار، أن رجلًا من الأنصار يقال له: سهل بن أبي حثمة أخبره: "أن نفرًا من قومه انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها، فوجدوا أحدهم قتيلًا، فقالوا للذين وجدوه عندهم: قتلتم صاحبنا، قالوا: والله ما قتلنا ولا علمنا قاتلًا، فانطلقوا إلى نبي الله ﵇ فقالوا: يا نبي الله، انطلقنا إلى خيبر فوجدنا أخانا قتيلًا، فقال رسول الله ﵇: الكُبر الكُبر، فقال لهم: تأتون بالبينة على من قتل؟ قالوا: ما لنا بينة، قال: أفيحلفون لكم؟ قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره رسول الله ﵇ أن يبطل دمه، فوداه بمائة من إبل الصدقة". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن أبي ليلى بن عبد الله ابن عبد الرحمن، عن سهل بن أبي حثمة: "أنه أخبره رجال من كبراء قومه أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر من جهدٍ أصابهم، فأتى محصية فأخبر أن عبد الله بن سهل قُتل وطرح في فَقِير أو عين، فأتى يهود فقال: أنت والله قتلتموه، فقالوا: والله ما قتلناه، فأقبل حتى قدم على قومه فذكر لهم ذلك، ثم أقبل هو وأخوه حويصة -وهو أكبر منه- وعبد الرحمن بن سهل، فذهب محيصة ليتكلم وهو الذي كان بخيبر، فقال رسول الله ﵇ لمحيصة: كَبِّر كَبِّر يريد السن، فتكلم حويصة قيل: ثم تكلم محيصة، فقال رسول الله ﵇: إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب، فكتب إليهم رسول الله ﵇ في ذلك، فكتبوا: إنا والله ما قتلناه، فقال رسول الله ﵇ لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ قالوا: لا، قال: أفتحلف لكم اليهود؟ قالوا:

стр. 7891

ليسوا بمسلمين، فوداه رسول الله ﵇ من عنده، فبعث إليهم بمائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار". ش: هذه أربع طرق صحاح، ورجالها كلهم رجال الصحيح ما خلا فهدًا. الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن بُشير -بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء- ابن يسار -بفتح الياء آخر الحروف والسين المهملة المخففة- الحارثي الأنصاري، عن سهل بن أبي حثمة عبد الله الأنصاري المدني الصحابي، قال: "وجد عبد الله بن سهل بن زيد الأنصاري الحارثي -أخو عبد الرحمن بن سهل وابن أخي حويصة ومحيصة وكان قد خرج إلى خيبر في أصحاب له يمتارون تمرا فوجد في عين- قد كسرت عنقه ثم طرح فيها فدفنوه". وعبد الرحمن بن سهل بن زيد الأنصاري شهد أحدًا والخندق والمشاهد مع النبي ﵇. وحُويصة -بضم الحاء- ومُحيصة -بضم الميم- أخوان، ابنا مسعود بن كعب بن عامر، الصحابيان، ويقال فيهما جميعًا: بتشديد الياء وتخفيفها. وهذا الحديث أخرجه الجماعة (١) بأسانيد مختلفة وألفاظ متباينة. الثاني: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس. . . . إلى آخره. وأخرجه مالك في "موطإه" (٢).

стр. 7892

وقال أبو عمر: لم يختلف عن مالك في إرسال هذا الحديث، وقد رواه حماد بن زيد وسفيان بن عيينة والليث بن سعد وعبد الوهاب الثقفي عن يحيى بن سعيد، عن بُشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج جميعًا عن النبي ﵇، وربما لم يذكر بعضهم رافع بن خديج، وكلهم يجعله عن سهل بن أبي حثمة مسندًا. الثالث: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دُكين -شيخ البخاري- عن سعيد بن عبيد الطائي. . . . إلى آخره. وأخرجه البخاري (١): ثنا أبو نعيم، ثنا سعيد بن عبيد، عن بُشير بن يسار زعم أن رجلًا من الأنصار يقال له: سهل بن أبي حثمة،: "أخبره أن نفرًا من قومه. . . . إلى آخره نحوه. وأخرجه مسلم (٢): عن محمَّد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه، عن سعد بن عبيد، عن بشير بن يسار الأنصاري، عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري. . . . إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٣): عن الحسن بن محمَّد بن الصباح، عن أبي نعيم، عن سعيد بن عبيد. . . . إلى آخره. وأخرجه النسائي (٤): عن أحمد بن سليمان، عن أبي نعيم. . . . إلى آخره. وهذا الحديث فيه حجة للحنفية في قولهم: إن الذي يبدأ أولًا هو يمين المدعى عليه؛ لأن ظاهر الحديث يشهد بذلك، فافهم.

стр. 7893

الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن أبي ليلى -قيل: اسمه عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل، وقيل: داود بن عبد الله ابن عبد الرحمن بن سهل، وقال فيه ابن إسحاق: أبو ليلى عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل بن أبي حثمة، وقيل: عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن سهل. وأخرجه مالك في "موطإه" (١). وأخرجه البخاري (٢): عن عبد الله بن يوسف وإسماعيل بن أبي أويس، عن مالك. . . . إلى آخره نحوه. ومسلم (٣): عن إسحاق بن منصور، عن بشر بن عمر، عن مالك. وأبو داود (٤): عن أحمد بن عمرو بن السرح، عن ابن وهب، عن مالك. والنسائي (٥): كذلك: عن أحمد بن عمرو بن السرح، عن ابن وهب، عن مالك. وابن ماجه (٦): عن يحيى بن حكيم، عن بشر بن عمر، عن مالك نحوه. قوله: "في قَلِيب" بفتح القاف وكسر اللام وفي آخره باء موحدة، وهو البئر التي لم تطو، ويذكر ويؤنث، ويجمع على قُلُب بضم القاف واللام. و"خيبر" مدينة بني عنزة، من المدينة ست مراحل من ناحية الشرق. قوله: "الكُبرَ الكُبْرَ" بضم الكاف وسكون الباء الموحدة وفتح الراء، أي: قدموا الأكبر، إرشادًا إلى الأدب في تقديم الأسن، وفي رواية: "كبِّرْ الكُبَّر" أي

стр. 7894

قدم الأكبر وبابه من: كَبِرَ يَكْبَرُ كَعَلِمَ يَعْلَمُ: إذا أسن، ومصدره: كِبَر بكسر الكاف وفتح الباء، وكذا مكبِر بكسر الباء، وأما: كَبرَ يَكْبُرُ كحسُنَ يحسْنُ، فمعناه: عظُمَ، وكِبْرُ الشيء بكسر الكاف وسكون الباء: معظمه، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ (١)، والكِبْر: التجبر أيضًا، وأما الكُبر بضم الكاف وسكون الباء كما هو لفظ الحديث فهو يعني الأكبر كما في حديث آخر "الولاء للكبْر" (٢) وهو أن يموت الرجل ويترك ابنًا وابن ابن، فالولاء للابن دون ابن الابن، وإنما كرر لفظ: "الكُبْرَ" في الحديث لأجل التأكيد، وانتصابه على المفعولية، أي: قدموا الأكبر، ويجوز الرفع بمعنى ليبدأ الأكبر أو ليتقدم؛ فافهم. قوله: "تكلم الكبير منهما" كان الكبير من الأخوين هو حويصة. قوله: "أفتبرئكم" الهمزة فيه للاستفهام، وهو من الإبراء. قوله: "فوداه رسول الله ﵇" أي أدى ديته من عنده، وفي رواية أخرى: "فوداه من إبل الصدقة". فإن قلت: إبل الصدقة للفقراء والمساكين ولا تؤدى في الديات. قلت: كأن رسول الله ﵇ رأى تطييب قلوب الفريقين، ووداه من عنده واستلفها من إبل الصدقة حتى يؤديها مما أفاء الله عليه من خُمس المغنم، لأنه ﵇ لم يكن يجتمع عنده من سهمه ما يبلغ مائة إبل لإعطائه إياها، ومن روى: "من إبل الصدقة" أخبر عن ظاهر الأمر، ومن روى: "من عنده" أخبر عن باطن القصة.

стр. 7895

قوله: "من جَهْد" بالفتح: الشدة وضيق العيش، وبضم الجيم: الوسع والطاقة، وقيل: هما لغتان في الوسع والطاقة، وأما في الشدة والفاقة فبالفتح لا غير، وهاهنا بالفتح لا غير. قوله: "في فَقِير" بفتح الفاء وكسر القاف، قال الحافظ المنذري: الفقير: البيت، وقيل: هي البئر قليلة الماء، والفقير أيضًا: فم القناة، وفقير النخلة: حفرة تحفر للفسيلة إذا خُوَّلت لتغرس فيها. قوله: "إما أن يَدُوا" من وَدَى يَدِي إذا أدى الدية. قوله: "وإما أن يؤذنوا بحرب" قال الخطابي: أنكر بعض الناس قوله: "وإما أن يؤذنوا بحرب" وقال: إن الأمة اجتمعت على خلاف هذا القول، فدل أن خبر القسامة غير معمول به، ووجه الكلام بيَّن وتأويله صحيح، وذلك أنهم إذا امتنعوا عن القسامة لزمتهم الدية، فإن أبوا أن يؤدوها إلى أولياء الدم أوذنوا بالحرب، لا يؤذنون بها إلا إذا امتنعوا من أداء الدية. قلت: احتج أصحابنا بقوله: "إما أن تدوا صاحبكم وإما أن تؤذنوا بحرب" وقالوا: ومعلوم أن النبي ﵇ لم يقل ذلك لهم إلا وقد تحقق عنده قبل ذلك وجود القتيل بخيبر، فدل ذلك على وجوب الدية على اليهود لوجود القتيل بينهم، ولأنه لا يجوز أن يؤذنوا بحرب إلا بمنعهم حقًّا واجبًا عليهم. قوله: "وتستحقون دم صاحبكم" قال أبو عمر: الظاهر أنه أراد به القود. قلت: معناه وتستحقون دية صاحبكم؛ لأن من استحق دية صاحبه فقد استحق دمه؛ لأن الدية قد تؤخذ في العمد، فيكون ذلك استحقاقًا للدم والله أعلم. ويستفاد منه أحكام: الأول: مشروعية القسامة في الدم، وهو أمر كان في الجاهلية، فأقره رسول الله ﵇ في الإِسلام، وتوقفت طائفة عن الحكم بالقسامة، وروي ذلك عن سالم بن عبد الله ابن عمر وأبي قلابة وعمر بن عبد العزيز والحكم بن عتيبة. وإليه مال البخاري.

стр. 7896

الثاني: فيه بيان أن القوم إذا اشتركوا في معنى من معاني الدعوى وغيرها، كان أولاهم بأن يبدأ بالكلام أكبرهم، فإذا سُمع منه، تكلم أصغرهم أيضًا فسمع منه أيضًا إن احتيج إلى ذلك، وهذا أدب وعلم. فإن كان في الشركاء من له بيان ولتقدمته في القول وجه لم يكن بتقدمته بأس إن شاء الله. وذكر سفيان بن عيينة قال: قدم وفد من العراق على عمر بن عبد العزيز فنظر عمر إلى شاب منهم يريد الكلام ويهش إليه، فقال عمر ﵀: كبروا كبروا -يقول: قدموا الكبار- فقال الفتى: يا أمير المؤمنين إن الأمر ليس بالسن، ولو كان الأمر كذلك لكان في المسلمين مَن هو أسن منك، قال: صدقت، فتكلم رحمك الله، قال: إنا وفد شكر. . . . وذكر الخبر. الثالث: فيه جواز الوكالة في المطالبة بالحدود. الرابع: فيه جواز وكالة الحاضر، وذلك أن ولي الدم إنما هو عبد الرحمن بن سهل أخو القتيل، وحويصة ومحيصة ابنا عمه. الخامس: فيه كيفية القسامة الواقعة. وفيه خلاف يأتي في الباب الآتي مفصلًا إن شاء الله. السادس: فيه: أن القتيل إذا وجد في المحلة فالقسامة والدية على أهلها، وكذا إذا وجد في مسجد المحلة أو في طريق المحلة، فيحلف منهم خمسون، فإن لم يكمل العدد خمسين رجلًا منهم تكرر عليهم الأيمان حتى تكمل خمسين يمينًا، وإن كان في المحلة قبائل شتى، فإن كان فيها أهل الخطة والمشترون، فالقسامة والدية على أهل الخطة ما بقي منهم واحد في قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: وعلى المشترين جميعًا. وقيل: إن أبا حنيفة بني الجواب على ما شاهده بالكوفة، وكان تدبير أهل المحلة فيها إلى أهل الخطة، وأبو يوسف رأى التدبير إلى الأشراف من أهل المحلة، كانوا من أهل الخطة أم

стр. 7897

لا، فبنى الجواب على ذلك، فعل هذا لم يكن بينهما خلاف في الحقيقة، فإن لم يكن أهل الخطة وكان في المحلة مُلاك وسكان فالدية على الملاك لا على السكان عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف: عليهم جميعًا، وقال: لأنه ﵇ أوجب القسامة على أهل خيبر كانوا سكانًا، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد. وقال أبو حنيفة ومحمد: أهل خيبر كانوا مُلاكًا ولم يكونوا سكانًا، فإنه روي عنه ﵇ "أنه أقرهم على أملاكهم". السابع: أن القسامة خمسون يمينًا على خمسين رجلًا، فإن لم يكمل العدد يكرر عليهم اليمين حتى يكمل خمسين يمينًا كاملةً. وقال ابن حزم (١): اختلف الناس في هذا، فقالت طائفة: لا يحلف إلا خمسون، وإن نقص من هذا العدد واحد فأكثر بطل حكم القسامة وعاد الأمر إلى التداعي. وقال آخرون: إن نقص واحد فصاعدًا ردت الأيمان عليهم حتى يبلغوا اثنين، فإن كان الأولياء اثنين فقط بطلت القسامة في العمد، وأما في الخطأ فيحلف فيه واحد خمسين. وهو قول روي عن علماء أهل المدينة المتقدمين منهم. وقال آخرون: يحلف خمسون، فإن نقص من عددهم واحد فصاعدًا ردت الأيمان عليهم حتى يرجعوا إلى واحد. فإن لم يكن للمقتول إلا ولي واحد بطلت القسامة وعاد الحكم إلى التداعي. وهذا قول مالك. وقال آخرون: تردد الأيمان، وإن لم يكن إلا واحدًا فإنه يحلف خمسين يمينًا وحده. وهو قول الشافعي. وهكذا في أيمان المدعى عليهم أنها ترد عليهم وإن لم يبق إلا واحد، ويجبر الكسر عليهم.

стр. 7898

الثامن: فيه أن الواجب في القسامة الدية، وهذا باب اختلف فيه، فصح عن الحسن البصري أن لا يقاد بالقسامة، لكن يحلف المدعى عليهم بالله ما قتلنا، ويُبدءون، فإن نكلوا حلف المدعون وأخذوا الدية. وصح عن شريح ترديد الأيمان، وأن القتيل إذا وجد في دار قوم فادعى أهله على غير تلك الدار فقد بطلت القسامة، ولا شيء لهم على أحد إلا ببينة. وصح عن إبراهيم النخعي إبطال القود في القسامة لكن يبدأ المدعى عليهم فيحلفون خمسين يمينًا ثم يغرمون الدية مع ذلك، ورأى ترديد الأيمان. قلت: مذهب أبي حنيفة وأصحابه أيضًا عدم وجوب القود، وروي عن عروة وأبي بكر بن حزم وأبان بن عثمان وجوب القود، فقالوا: إن ادعى المصاب على إنسان أنه قتله أو على جماعة فإن أولياء المدعى عليهم يبتدئون فيحلفون خمسين يمينًا، على واحد، ويردد عليهم الأيمان إلى أن يتموا خمسين، فإذا حلفوا دفع إليهم الواحد فقتلوه، وجلد الآخرون مائة مائة وسجنوا سنةً. وصح عن سفيان الثوري أنه قال: إن وجد القتيل في دار قوم فالبينة على أولياء القتيل، فإن أتوا بها قضى لهم بالقود، وإلا حلف المدعى عليهم خمسين يمينًا، وغرموا الدية مع ذلك. وقال مالك: لا تكون القسامة إلا بأن يقول المصاب: فلان قتلني عمدًا، فإذا قال ذلك ثم مات قبل أن يفيق حلف خمسون من أوليائه قيامًا في المسجد الجامع مستقبلي القبلة: لقد قتله فلان عمدًا، فإذا حلفوا على واحد فلهم القود منه، فإن حلفوا على جماعة لم يكن لهم القود إلا من واحد، ويضرب الباقون مائة مائة ويسجنون سنة. فإن شهد شاهد عدل بأن فلان قتل فلانًا كانت القسامة أيضًا كما ذكرنا وكذلك إن شهد لوث من نساء أو غير عدول، فإن لم يكونوا خمسين ردت عليهم أيمانهم حتى تتم خمسين، ولا يحلف في القسامة أقل من اثنين ولا غرامة، قال:

стр. 7899

فإن نكل جميع أولياء القتيل حلف المدعى عليهم خمسين يمينًا، فإن لم يبلغوا خمسين ردت الأيمان عليهم، فإن لم يوجد إلا المدعى عليه وحده حلف خمسين يمينًا وبرئ، فإن نكل أحد ممن له العفو من الأولياء بطلت القسامة ووجبت الأيمان على المدعى عليهم، ولا قسامة في قتيل وجد في دار قوم ولا غرامة، ولا في دعوى عبد أن فلانًا قتله. وفي دعوى المريض أن فلانًا قتلني خطأ روايتان: إحداهما: أن في ذلك قسامة. والأخرى: لا قسامة في ذلك ولا في كافر. وقال الشافعي: لا قسامة في دعوى إنسان أن فلانًا قتلني أصلًا، سواء كان عمدًا أو خطأ، ولا غرامة في ذلك، وإنما القسامة في قتيل وجد بين دور قوم كلهم عدوٌّ للمقتول فادعى أولياؤه عليهم؛ فإن أولياء القتيل يبدءون فيحلف منهم خمسون رجلًا يمينًا يمينًا أنهم قتلوه عمدًا أو خطأ، فإن نقص عددهم ردت الأيمان، فإن لم يكن إلا واحد حلف خمسين يمينًا واستحقت الدية على سكان تلك الدور، ولا يستحق بالقسامة قود أصلًا، وإن شهد واحد عدل أو جماعة متواترة غير عدول أن فلانًا قتل فلانا تجب القسامة كما ذكرنا والدية، أو وجد قتيل في زحام فالقسامة أيضًا والدية كما ذكرنا. وقال ابن حزم: قال أصحابنا: إن وجد قتيل في دار قوم أعداء له، فادعى أولياؤه على واحد منهم، حلف خمسون منهم واستحقوا القود أو الدية، ولا قسامة إلا في حُرٍّ مسلم. ص: قال أبو يوسف ﵀: فقد علمنا أن خيبر كانت للمسلمين لأنهم افتتحوها، وكانت اليهود عمالهم فيها، فلما وجد فيها هذا القتيل جعل رسول الله ﵇ القسامة فيه على اليهود السكان لا على المالكين، قال: فكذلك

стр. 7900

نقول: كل قتيل وُجد في دار قوم أو أرض فيها ساكن مستأجر أو مستعير فالقسامة في ذلك والدية على الساكن لا على ربها المالك. وكان أبو حنيفة ومحمد بن الحسن يقولان: الدية والقسامة في ذلك على المالك لا على الساكن. ش: بقول أبي يوسف قال مالك والشافعي وأحمد ﵏، والخلاف بين أبي يوسف وصاحبيه فيما إذا كان المالك ساكنًا، فلو لم يكن ساكنًا يدخل السكان جميعًا. ص: وكان من حجتنا لهما على أبي يوسف أن ذلك القتيل لم يذكر لنا في هذا الحديث أنه وجد بخيبر بعد ما افتتحت أو قبل ذلك، فقد يجوز أن يكون أصيب فيها بعدما افتتحت فيكون ذلك كما قال أبو يوسف، ويجوز أن يكون أصيب في حال ما كانت صلحًا بين النبي ﵇ وبين أهلها؛ فإن كان موجودًا في حال ما كانت صلحًا قبل أن تفتتح فلا حجة لأبي يوسف في هذا الحديث، وفي حديث أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن ما يدل أنها كانت يومئذ صلحًا، وذلك أن فيه أن رسول الله ﵇ قال للأنصار: "إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب" فلا يقال هذا إلا لمن كان في أمان وعهد في دار هي صلح بين أهلها وبين المسلمين. ش: أي وكان من دليلنا وبرهاننا لأبي حنيفة ومحمد فيما ذهبا إليه على أبي يوسف فيما ذهب إليه: أن ذلك القتيل وهو عبد الله بن سهل المذكور في الأحاديث السابقة، والباقي ظاهر. ص: وقد بين ذلك سليمان بن بلال في حديثه عن يحيى بن سعيد: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا عبد اللهَ بن مسلمة القعنبي، قال: ثنا سليمان ابن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار: "أن عبد الله بن سهل بن زيد ومحيصة بن مسعود بن زيد الأنصاري من بني حارثة خرجا إلى خيبر في زمن رسول الله ﵇ وهي يومئذ صلح وأهلها عود، فتفرقا لحاجتهما، فقتل عبد اللهَ بن

стр. 7901

سهل فوجد في شربة مقتولًا، فدفنه صاحبه ثم أقبل إلى المدينة، فمشى أخو المقتول عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة فذكروا لرسول الله ﵇ شأن عبد الله بن سهل وكيف قُتل، فزعم بُشير بن يسار وهو يحدث عمن أدرك من أصحاب رسول الله ﵇ أنه قال لهم: تحلفون خمسين يمينًا وتستحقون دم قاتلكم أو صاحبكم؟ فقالوا: يا رسول الله ما شهدنا ولا حضرنا، قال: أفتبرئكم يهود بخمسين يمينًا؟ فقالوا: يا رسول الله، وكيف نقبل أيمان قوم كفار؟ فزعم بشير أن رسول الله ﵇ عقله من عنده". فبيَّن لنا هذا الحديث أنها كانت في وقت وجود عبد الله بن سهل فيها قتيلًا دار صلح ومهادنة، فانتفى بذلك أن يلزم أبا حنيفة ومحمدًا شيء مما احتج به أبو يوسف عليهما من هذا الحديث؛ لأن فتح خيبر إنما كان بعد ذلك. ش: أي وقد بين ما ذكرنا من أمر خيبر يومئذٍ هل كانت دار صلح أو لا؟ سليمان بن بلال القرشي في حديثه عن يحيى بن سعيد الأنصاري. أخرجه عن محمد بن خزيمة، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي، شيخ الشيخين وأبي داود، عن سليمان بن بلال. . . . إلى آخره. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه مسلم: (١) نا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، قال: ثنا سليمان بن بلال. . . . إلى آخره نحوه سواء. قوله: "في شرَبَة" بفتح الشين المعجمة والراء والباء الموحدة، وهي حوض يكون في أصل النخلة وحولها تملأ ماءً لتشربه. ثم اعلم أن القتيل إذا وجد على الدابة كانت الدية على عاقلة السائق، وكذا القائد والراكب لو اجتمعوا كانت الدية على عاقلتهم، وعند مالك والشافعي

стр. 7902

وأحمد: على مالك الدابة لو كان هناك لوث، ولو وجد بين القريتين كانت الدية على أقربهما، وإن وجد في السفينة كانت القسامة على مَن فيها من السكان والملاحين بالإجماع، ولو وجد في مسجد محلة فعل أهلها بالإجماع، ولو وجد في الجامع أو الشارع الأعظم فلا قسامة عندنا، وتجب الدية في بيت المال، وعند مالك دمه هدر، وعند الشافعي: الزحام فيها لوث، ولو وجد في وسط الفرات أو النيل فهو هدر كما لو وجد في برية. وقال زفر: تجب القسامة على أقرب القرى والأراضي حيث وُجد كالمحتبس على شاطئ الفرات. وقال مالك والشافعي وأحمد: في البرية يعتبر اللوث بأن يكون هناك واحد على ثوبه دم. وقال ابن حزم: وسواء وجد القتيل في دار أعداء كفار أو أعداء مؤمنين أو أصدقاء كفار أو أصدقاء مؤمنين أو في دار أخيه أو أبيه أو حيثما وجد فالقسامة في ذلك. وهو قول ابن الزبير ومعاوية بحضرة الصحابة ﵃. قال: وسواء وُجد المقتول في مسجد أو في دار نفسه أو في المسجد الجامع أو في السوق أو في غار أو على دابة واقفة أو سائرة كل ذلك سواء، ومتى ادعى أولياؤه في كل ذلك على أحد فالقسامة في ذلك، كما حكم رسول الله ﵇. فإن قيل: بم يستدل في القتيل إذا وجد بين القريتين؟ قلت: بحديث أبي سعيد الخدري ﵁. أخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمَّد بن معمر، قال: ثنا الفضل بن دكين، نا أبو إسرائيل الملائي، عن عطية، عن أبي سعيد قال: "وجد قتيل بين قريتين، فأمر النبي ﵇ فذرع ما بينهم، فوجده أقرب إلى إحديهما، فكأني أنظر إلى شبر رسول الله ﵇-يعني أقرب إلى إحديهما بشبر- فألقاه على أقربهما".

стр. 7903

قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﵇ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وأبو إسرائيل ليس بالقوي في الحديث، وإنما نكتب من حديثه ما لا نحفظه عن غيره. وأخرجه ابن حزم (١) ثم قال: هذا الحديث هالك؛ لأنه انفرد به عطية بن سعد العوفي وهو ضعيف جدًّا، ضعفه هشيم والثوري وابن معين وأحمد بن حنبل، وما ندري أحدًا وثقه، وذكر أحمد بن حنبل عنه أنه بلغه عنه أنه كان يأتي إلى الكلبي الكذاب فيأخذ عنه الأحاديث ثم يكنيه بأبي سعيد ويحدث بها عن أبي سعيد، فيوهم الناس أنه الخدري وهذا من تلك الأحاديث -والله أعلم- فهو ساقط. ثم هو أيضًا من رواية أبي إسرائيل الملائي، وهو إسماعيل بن أبي إسحاق، فهو بلية عن بلية. والملائي هذا ضعيف جدًّا. وليس في الذرع بين القريتين خبر غير هذا، لا مسند ولا مرسل. قلت: روي عن يحيى بن معين أنه قال: عطية بن سَعْد صالح. وقال أبو زرعة: لين. وقال ابن عدي: وقد روى عنه جماعة من الثقات وهو مع ضعفه يكتب حديثه. واحتج به أبو داود والترمذي والنسائي، وهذا البزار قد روى له ولم يتعرض إليه بشيء. والله أعلم. ص: قال أبو يوسف ﵀: والنظر يدل على ما قلنا أيضًا، وذلك أنا رأينا الدار المستأجرة والمستعارة في يد مستأجرها ومستعيرها لا في يد ربها، ألا ترى أنهما وربها لو اختلفا في ثوب وُجد فيها أن القول فيه قولهما لا قول رب الدار؟! فكذلك ما وُجد فيها من القتلى فهم موجودون فيها، وهي في يد مستأجرها ومستعيرها لا في يد ربها، فما وجب بذلك من قسامة ودية فهي على مَن هي في يده لا على من ليست في يده، وإن كان ملكها له.

стр. 7904

ش: أي القياس يدل على ما قلنا من أن القسامة والدية إذا وجد القتيل في دار على ساكنها المستأجر أو المستعير لا على ربها المالك، وبيَّن وجه القياس بقوله: "وذلك أنا رأينا. . . ." إلى آخره. قوله: "ألا ترى". توضيح لما قبله. ص: فكان من حجة محمَّد بن الحسن ﵀ في ذلك: أن قال: رأيت إجماعهم قد دل على أن القسامة تجب على المالك لا على الساكن؟ وذلك أن رجلًا وامرأته لو كانت في أيديهما دار يسكنانها وهي للزوج، فوجد فيها قتيل كانت القسامة والدية على عاقلة الزوج خاصةً دون عاقلة المرأة، وقد علمنا أن أيديهما عليها، وأن ما وجد فيها من ثياب فليس أحدهما أولى به من الآخر إلا لمعنى ليس من قِبَل الملك واليد في شيء، فلو كانت القسامة يحكم بها على مَن الدار في يده لحكم بها على المرأة والرجل جميعًا، لأن الدار في أيديهما، ولأنهما سكانها، فلما كان ما يجب في ذلك على الزوج خاصةً دون المرأة؛ إذْ هو المالك لها؛ كانت القسامة والدية في كل المواضع الموجود فيها القتلى على مالكيها لا على ساكنيها. والله أعلم. ش: أي فكان من دليل محمَّد بن الحسن فيما ذهب إليه من أن القسامة تجب على مالك الدار إذا وجد فيها القتيل دون المستأجر والمستعير. قوله: "أن قال" في محل الرفع أنه اسم "كان". وقوله: "من حجة محمَّد بن الحسن". مقدمًا خبره، وبيَّن وجه حجته بقوله: "وذلك أن رجلًا. . . ." إلى آخره. وهذه العبارة تدل على أن ما ذهب إليه محمَّد مختار الطحاوي على ما لا يخفى.

стр. 7905

ص: باب: القسامة كيف هى ؟ ش: أي هذا باب في بيان كيفية القسامة. ص: قال أبو جعفر ﵀: اختلف الناس في القتيل الموجود في محلة قوم كيف القسامة الواجبة فيه، فقال قوم: يحلف المدعى عليهم بالله ما قتلنا، فإن أبوا أن يحلفوا استحلف المدعون واستحقوا ما ادعوا. واحتجوا في ذلك بحديث سهل بن أبي حثمة الذي ذكرنا في الباب الذي قبل هذا الباب. ش: أراد بالقوم هؤلاء: يحيى بن سعيد وأبا الزناد عبد الله بن ذكوان وربيعة ومالكًا والشافعي وأحمد والليث بن سعد؛ فإنهم قالوا: يستحلف المدعون بالدم، فإذا حلفوا استحقوا ما ادعوا. وقال أبو عمر: المدعون بالدم يبدءون بالأيمان في القسامة، وهذا في القسامة خاصةً، وهو يخصّ قوله ﵇: "البينة على المدعي واليمين على مَن أنكر"، وقد روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﵇: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في القسامة". وقال البيهقي أيضًا في "الخلافيات" أن حديث: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" مخصوص بما أخبرنا علي بن بشران، أنا علي بن محمَّد المصري، نا عبدة بن سليمان، نا مطرف بن عبد الله، ثنا الزنجي عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﵇ قال: "البينة على من ادعى واليمين على مَن أنكر إلا في القسامة" (١). قلت: هذا الحديث معلول من خمس وجوه: الأول: أن الزنجي هو مسلم بن خالد، شيخ الشافعي، ضعيف. كذا قال

стр. 7906

البيهقي نفسه في "سننه" (١): في باب من زعم أن التراويح بالجماعة أفضل. وقال ابن المديني: ليس بشيء. وقال أبو زرعه والبخاري: منكر الحديث. الثاني: أن ابن جريج لم يسمع من عمرو. حكاه البيهقي أيضًا في "سننه" (٢): في باب وجوب زكاة الفطر على أهل البادية. عن البخاري: أن ابن جريج لم يسمع من عمرو. الثالث: أن الاحتجاج بعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مختلف فيه. الرابع: أن الزنجي مع ضعفه خالفه عبد الرزاق وحجاج وقتادة، فرووه عن ابن جريج عن عمرو مرسلًا. كذا ذكره الدارقطني في "سننه" (٣). الخامس: أن الزنجي اختلف عليه، قال الذهبي: قال عثمان بن محمَّد الرازي، ثنا مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة أن رسول الله ﵇ قال: "البينة على مَن ادعى واليمين على مَن أنكر إلا في القسامة". قوله: "واحتجوا في ذلك" أي احتج هؤلاء القوم فيما ذهبوا إليه بحديث سهل بن أبي حثمة المذكور في الباب السابق، وقال البيهقي (٤): البداية في القسامة مع اللوث بأيمان المدعين، ثم احتج على ذلك بحديث سهل بن أبي حثمة الذي أخرجه مالك، المذكور في الباب السابق، وبحديث الليث عن يحيى بن سعيد عن سهل بن أبي حثمة الذي أخرجه مسلم، وبحديث سعيد بن عبيد الطائي، عن بشير بن يسار الذي أخرجه الشيخان، وقد مر ذكره أيضًا في الباب السابق. ثم قال (٥): أخرجه مسلم من حديث سعيد بن عبيد ولم يسُق متنه لمخالفته

стр. 7907

رواية يحيى بن سعيد وقال: قال مسلم: رواية سعيد غلط، ويحيى بن سعيد أحفظ منه. ثم قال البيهقي: وإن صحت رواية سعيد فهي لا تخالف رواية يحيى، لأنه قد يريد بالبينة الأيمان مع اللوث، كما في رواية يحيى، ثم يردها على المدعى عليهم عند نكول المدعين. قلت: لا وجه لتشكيك البيهقي بقوله: "وإن صحت رواية سعيد" مع نفيه، وإخراج البخاري حديثه هذا، وأخرجه مسلم أيضًا ولم يشك في صحته، وإنما رجح يحيى على سعيد، وقد جاءت أحاديث تقوي رواية سعيد وتعضدها، منها: ما رواه أبو داود (١) بسند حسن عن رافع بن خديج قال: "أصبح رجل من الأنصار مقتولًا بخيبر، فانطلق أولياؤه إلى النبي ﵇ فذكروا ذلك له، فقال: ألكم شاهدان يشهدان على قاتل صاحبكم؟ فقالوا: يا رسول الله لم يكن به أحد من المسلمين، وإنما هم يهود وقد يجترئون على أعظم من هذا، قال: فاختار منهم خمسين، فاستحلفهم فأبوا، فوداه رسول الله ﵇ من عنده". ومنها: ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ على ما يجيء عن قريب، وهذا هو الذي تشهد له الأصول من أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، فكان الوجه ترجيح هذه الأدلة على ما يعارضها، وتأويل البيهقي لرواية سعيد تعسف ومخالفة للظاهر، وحين قالوا: "ما لنا بينة" عقّب ﵇ ذلك بقوله: "فيحلفون لكم" فكيف يقول البيهقي: وقد يطالبهم بالبينة ثم يعرض عليهم الأيمان، ثم يردها على المدعى عليهم؟! ص: وقال آخرون: بل يستحلف المدعى عليهم، فإذا حلفوا غرموا الدية. ش: أي قال جماعة آخرون، وأراد بهم: عثمان البتي والحسن بن صالح وسفيان الثوري وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الله بن شبرمة وعامرًا الشعبي

стр. 7908

وإبراهيم النخعي وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ﵏ فإنهم قالوا: يُبدأ بأيمان المدعى عليهم فيحلفون، ثم يغرموا الدية. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁. ص: وقالوا: قول رسول الله ﷺ للأنصار: "أتحلفون وتستحقون" إنما كان على النكير منه عليهم، كأنه قال: أتدعون وتأخذون، وذلك أن رسول الله ﵇ قال لهم: "أفتبرئكم عود بخمسين يمينًا بالله ما قتلنا؟ قالوا: كيف نقبل أيمان قوم كفار؟! فقال لهم رسول الله ﵇: أتحلفون وتستحقون" أي إن اليهود وإن كانوا كفارًا فليس عليهم فيما يدعون عليهم غير أيمانهم. ش: أي قال أهل المقالة الثانية في جواب ما قاله أهل المقالة الأولى، بيانه: أن حديث سهل بن أبي حثمة مؤل، وأن استدلالهم به فيما ذهبوا إليه غير صحيح، وبيَّن ذلك بقوله: قول رسول الله ﵇ للأنصار: "أتحلفون" إنما خرج على سبيل الإنكار منه ﵇ عليهم، فكأنه قال: كيف تدَّعون وتأخذون وليس لكم عليهم غير أيمانهم، فكما أنه لا يقبل منكم وإن كنتم مسلمين أيمانكم ولا تستحقون بها شيئًا، فكذلك اليهود وإن كانوا كفارًا لا يجب بدعواكم عليهم غير أيمانهم. ص: والدليل على صحة هذا التأويل: ما قد حكم به عمر بن الخطاب ﵁ بعد رسول ﵇ بحضرة أصحابه، فلم ينكره عليه منهم مُنكِر، ومحال أن يكون عند الأنصار من ذلك علم ولاسيما مثل محيصة وقد كان حيًّا يؤمئذٍ وسهل بن أبي حثمة فلا يخبرونه به ويقولون: ليس هكذا قضى رسول الله ﵇ لنا على اليهود. فمما روي عن عمر ﵁ في ذلك: ما حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن الحارث بن الأزمع أنه قال لعمر ﵁: "أما ندفع أموالنا عن أيماننا ولا أيماننا عن أموالنا، قال: لا، وعقله".

стр. 7909

حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا أبو إسحاق، عن الحارث بن الأزمع قال: "قتل قتيل بين وادعة وحي آخر، والقتيل إلى وادعة أقرب، فقال عمر ﵁ لوادعة: يحلف خمسون رجلًا منكم بالله ما قتلنا، ولا نعلم له قاتلًا، ثم أغرموا، فقال له الحارث: نحلف وتغرمنا؟! قال: نعم". حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عثمان بن مطر، عن أبي حرِيز، عن الشعبي، عن الحارث الوادعي قال: "أصابوا قتيلًا بين قريتين، فكتبوا في ذلك إلى عمر بن الخطاب ﵁، فكتب عمر ﵁: أن قيسوا بين القريتين، فأيهما كان إليه أدنى فخذوا قسامة يحلفون بالله ثم غرموا الدية، قال الحارث: فكنت فيمن أقسم ثم غرمنا الدية. فهذه القسامة التي حكم بها أصحاب رسول الله ﵇. ش: أي الدليل على صحة تأويل أهل المقالة الثانية المذكور: ما حكم به عمر بن الخطاب ﵁ بعد النبي ﵇ ما ذهبوا إليه. وأخرجه من ثلاث طرق: الأول: إسناده صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة بن الحجاج، عن الحكم بن عتيبة، عن الحارث بن الأزمع الهمداني الكوفي، وثقه ابن حبان، وذكره في التابعين، وذكره أبو عمر وغيره في الصحابة. وأخرجه عبد الرزاق (١): عن الثوري، عن منصور، عن الحكم، عن الحارث ابن الأزمع نحوه. الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي، شيخ البخاري، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن الحارث بن الأزمع.

стр. 7910

وهذا أيضًا إسناد صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا وكيع، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث بن الأزمع قال: "وُجد قتيل باليمن بين وادعة وأرحب، فكتب عامل عمر بن الخطاب ﵁، إليه فكتب إليه عمر ﵁: أن قس ما بين الحيين فإلى أيهما كان أقرب فخذهم به، قال: فقاسوا فوجدوه أقرب إلى وادعة، فأُخذنا وأُغرمنا وأُحلفنا، فقلنا: يا أمير المؤمنين أتحلفنا وتغرمنا؟ قال: نعم، قال: فأحلف منا خمسون رجلًا بالله، ما فعلت ولا علمت له قاتلا. الثالث: عن محمَّد بن خزيمة، عن يوسف بن عدي، شيخ البخاري، عن عثمان بن مطر الشيباني أبي الفضل البصري، عن أبي حَرِيز -بفتح الحاء المهملة، وكسر الراء المهملة، بعدها ياء ساكنة، وفي آخره زاي معجمة- واسمه عبد الله بن حسين الأزدي البصري. عن عامر الشعبي. وهذا إسناد معلول بعثمان بن مطر، فإنه ضعفه يحيى وأبو داود والنسائي، وعن يحيى: ليس بشيء. وأبو حريز وثقه ابن حبان ويحيى في رواية، وضعفه في أخرى، وقال أبو داود: ليس حديثه بشيء. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): نا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن الشعبي: "أن قتيلًا وجد باليمن بين حيين، قال: فقال عمر ﵁: انظروا أقرب الحيين إليه فأحلِفوا منهم خمسين رجلًا بالله ما قتلنا ولا علمنا قاتلًا، ثم تكون عليهم الدية". وأخرجه عبد الرزاق: عن أبي بكر بن عبد الله، عن أبي الزناد، عن سعيد بن

стр. 7911

المسيب أن عمر بن الخطاب ﵁ "قال في القتيل يؤخذ في الحي: يقسم خمسون -من الحي الذين وُجد فيهم- بالله ما قتلنا ولا علمنا قاتلًا، فإن حلفوا برئوا وإن لم يحلفوا أقسم من هؤلاء خمسون بالله: إن دمنا فيكم ثم يغرمون الدية". وأخرج البيهقي (١): من حديث أبي عوانة، عن مغيرة، عن عامر: "أن قتيلًا وُجد في خربة من خرب وادعة همدان، فرفع إلى عمر ﵁، فأحلفهم خمسين يمينًا: ما قتلنا ولا علمنا قاتلًا، ثم غرمهم الدية، ثم قال: يا معشر همدان حقنتم دماءكم بأيمانكم، فما يبطل دم هذا الرجل المسلم؟ ". وأخرج من حديث الشافعي (٢): عن سفيان، عن منصور، عن الشعبي: "أن عمر ﵁ كتب في قتيل وُجد بين خيوان ووادعة: أن يقاس بين القريتين، فإلى أيهما كان أقرب أخرج إليه منهم خمسين رجلًا حتى يوافوه بمكة، وأدخلهم الحجر فأحلفهم، ثم قضى عليهم بالدية، قالوا: ما دفعت أموالنا أيماننا ولا أيماننا أموالنا، قال عمر ﵁: كذلك الأمر". قال البيهقي: فذكر الشافعي في الجواب عنه: ما يخالفون عمر في هذه القضية من الأحكام. ثم قيل: أفثابت هو؟ قال: لا، إنما رواه الشعبي عن الحارث الأعور، والحارث مجهول، ونحن نروي عن رسول الله ﵇ بالإسناد الثابت: "أنه بدأ بالمدعين فلما لم يحلفوا قال: فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا" وإذْ قال: "تبرئكم يهود" فلا يكون عليهم غرامة، ولما لم يقبل الأنصار أيمانهم، وداه النبي ﵇ ولم يجعل على يهود والقتيل بين أظهرهم شيئًا. ثم قال البيهقي: قال الربيع المرادي: أخبرني بعض أهل العلم، عن جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، قال الحارث الأعور: كان كذابًا.

стр. 7912

قال: وروي عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن عمر، ومجالد غير محتج به. وروي عن مطرف، عن أبي إسحاق، عن الحارث بن الأزمع، عن عمر، وأبو إسحاق لم يسمعه منه. روى ابن المديني عن أبي زيد، عن شعبة، سمعت أبا إسحاق يحدث حديث الحارث بن الأزمع: "أن قتيلًا وجد بين وادعة وخيوان" فقلت: يا أبا إسحاق، مَن حدَّثك؟ قال: مجالد، عن الشعبي، عن الحارث بن الأزمع فعادت رواية أبي إسحاق إلى مجالد، واختلف فيه على مجالد. قلت: أما مخالفتهم عمر ﵁ في تلك الأحكام، لأنه قامت عندهم فيها أدلة أقوى من أدلة عمر ﵁، وقد ذكر عيسى بن أبان في كتاب الحج أن مخالفه قال: قد تركتم من حديث عمر أشياء، لأنه كتب إلى عامله باليمن أن ابعث بهم إلى مكة، وأنتم تقولون: يدفع في الحكومة إلى أقرب القضاة. وفيه: أنه استحلفهم في الحِجْر، وأنتم تنكرون أن يستحلف إلا في مجلس الحكم حيث كان. وفيه: أنه قال لعامله: أبعث إليَّ بخمسين رجلًا. وعندكم الخيار للمدعي. وفيه: حقنتم بأيمانكم دماءكم. وأنتم تقولون: إن لم يحلفوا لم يقتلوا. ثم أجاب ابن أبان عن ذلك بما ملخصه: أنه أراد أن يتولى الحكم، وأن عامله لا يقوم فيه مقامه لينتشر في البلاد ويعمل بها مَن بعده، ولهذا فعله في أشهر المواضع وهو الحِجْر ليراه أهل الموسم وينقلوه إلى الآفاق، ولا شك أن نوابَه كانوا يقضون في البلاد الثانية، ولو وجب حمل كل أحد إليه لم يكتب إلى موسى وغيره في الأحكام، ولهذا لم يستحلف عمر ﵁ والأئمة بعده أحدًا في الحجر، وإنما كتب عمر ﵁ أن لا يقتل دونه احتياطًا واستعظامًا بالدم، ولم يقل: ابعث إليَّ بخمسين تتخيرهم أنت، ولم يكن يولي جاهلًا فإنما كتب إلى من

стр. 7913

يعلم أن الخيار للمدعين؛ لأنه لم يستحلف، فكيف يستحلف من لا يريدونه؟ وإنما قال: "حقنتم بأيمانكم دماءكم"؛ لأنهم لو لم يحلفوا حبسوا حتى يقروا فيقتلوا أو يحلفوا، فأيمانهم حقنت دماءهم إذ تخلصوا بها من القتل أو الحبس، كقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ (١)، فلو لم تلاعن حبست حتى تلاعن فتنجو أو تقر فترجم. وأما قوله: "أفثابت هو عندك؟ " أي: قضية عمر ﵁. . . . إلى آخره. فنقول: لم يذكر أحد -فيما علمنا- أن الشعبي رواه عن الحارث الأعور غير الشافعي، ولم يذكر سنده في ذلك، وقد رواه الطحاوي بسنده عن الشعبي، عن الحارث الوادعي كما مرَّ ذكره عن قريب، وكذلك مجالد رواه عن الشعبي. ورواية أبي إسحاق لهذا الأثر عن الحارث هذا، عن عمر ﵁ أمارة على أنه هو الواسطة لا الحارث الأعور كما زعم الشافعي. ورواه في أيضًا عبد الرزاق (٢): عن الثوري، عن منصور، عن الحكم، عن الحارث ابن الأزمع، والحارث هذا ذكره أبو عمر في الصحابة ﵃ كما ذكرناه. وذكره ابن حبان في "الثقات" التابعين، ثم إن الحارث الأعور وإن تكلموا فيه فليس بمجهول كما زعم الشافعي، بل هو معروف، روى عنه: الضحاك والشعبي وأبو إسحاق السبيعي وغيرهم. ص: وقد وافق ذلك ما قد رويناه عن رسول الله ﷺ في غير هذا الموضع أنه قال: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناسٌ دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه". فسوى رسول الله ﷺ في ذلك بين الأموال والدماء، وحكم فيها بحكم واحد، فجعل اليمين في ذلك كله على المدعى عليه، فثبت بذلك أن معنى حديث سهل هذا أيضًا على ما قد تأولناه.

стр. 7914

ش: أي قد وافق ما ذكرناه أن ابتداء اليمين بالمدعى عليه في باب القسامة ما قد رويناه عن رسول الله ﵇ من قوله: "لو يعطى الناس بدعواهم. . . . الحديث". أخرجه الطحاوي مسندًا عن ابن عباس في باب: الرجل يقول عند موته: إن مت ففلان قتلني. وأخرجه مسلم (١): أيضّا وقد ذكرناه هناك، وهذا فيه قد سوى ﵇ بين الأموال والدماء وجعل حكمهما حكمًا واحًدا حيث جعل وظيفة المدعى عليه في الجميع اليمين فلا يجوز تخصيصه بغير دليل. فإن قيل: قد خصصه قوله ﵇: "البينة على المدعي واليمين على مَن أنكر إلا في القسامة". رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵇. قلت: قد ذكرنا الجواب عنه في هذا الباب: أن هذا الحديث ضعيف ومعلول من وجوه كثيرة، فلا يعارض به الحديث الصحيح الثابت. ص: وقد دل على ذلك أيضًا ما قد ذكرناه في الباب الذي قبل هذا الباب، عن سعيد بن عبيد، عن بُشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة: "أن رسول الله ﷺ دعاهم بالبينة، فلما ذكروا أن لا بينة لهم قال: أفيحلفون لكم؟ ". فدل ما ذكرنا أن ما كان من حكم رسول الله ﵇ من ذلك هو هذا، وكان ما زاد عليه مما في حديث يحيى بن سعيد وأبي ليلى بن عبد الله ليس على الحكم، ولكن على المعنى الذي تأولناهما عليه. ش: أي وقد دل على ما ذكرنا أيضًا من أن اليمين على المدعى عليه في الأموال والدماء جميعًا: ما ذكرنا من حديث سعيد بن عبيد. . . . إلى آخره. قوله: "وكان ما زاد عليه" أي وكان الذي زاد على حديث سعيد بن عبيد الذي رواه عنه أبو نعيم الفضل بن دُكين، عن الذي في حديث يحيى بن

стр. 7915

سعيد، عن بشير بن يسار، وحديث أبي ليلى الذي رواه عنهما مالك بن أنس وأراد بقوله: وكان ما زاد عليه هو قوله ﵇: "أتحلفون خمسين يمينًا وتستحقون دم قاتلكم" بأن فيه ابتداء اليمين بالمدعي، وتعلقت به أهل المقالة الأولى حيث قالوا: يُستحلف المدعون بالدم، فإذا حلفوا استحقوا ما ادعوا. قوله: "ليس على الحكم" يعني قوله ﵇: "أتحلفون خمسين يمينًا" ليس على أنه حكم قد شرع لكم، و"لكن على المعنى الذي تأولناهما" وهو أن المراد منه: إنكاره ﵇ عليهم ذلك، وقد ذكرناه مستوفًى. والضمير المنصوب في "تأولناهما" يرجع إلى حديث يحيى بن سعيد وأبي ليلى، فافهم. ص: ثم هذا الزهري قد علم بقضاء رسول الله ﷺ بالقسامة، فمما روي عنه في ذلك: ما قد حدثنا يونس، قال: ثنا أيوب بن سويد، عن الأوزاعي، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة وسليمان بن يسار، عن أناس من الأنصار من أصحاب رسول الله ﵇: "أن القسامة كانت في الجاهلية، فأقرها رسول الله ﵇ على ما كانت عليه، وقضى بها رسول الله ﵇ بين أناس في قتيل ادعوه على اليهود". حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا بشر بن بكر، قال: ثنا الأوزاعى، قال: ثنا الزهري، قال: ثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار، عن أناس من الأنصار من أصحاب رسول الله ﵇ مثله. ثم قال الزهري في القسامة أيضًا ما قد حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا أبو معاوية الضرير، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري: "أن رسول ﵇ قضى بالقسامة على المدعى عليهم". فدل ذلك على أن القسامة على المدعى عليهم لا على المدعى، على ما بيَّن الزهري في حديثه هذا، وإنما كان أخَذَ القسامة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن
следующие страницы →