← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 8331–8370 · переход к 8336.

стр. 8331

يرون أنه أبو لهب الذي قاله -فقال: يا علي اصنع رجل شاة بصاع من طعام واعدد قعبًا من لبن. قال: ففعلت، قال: يا علي اجمع لي بني هاشم فجمعتهم، فأكلوا وشربوا، فبدرهم رسول الله ﷺ فقال: أيكم يقضي عني ديني؟ قال: فسكت وسكت القوم، فأعاد رسول الله ﵇ المنطق، فقلت: أنا يا رسول الله، قال: أنت يا علي أنت يا علي". ص: وقد روي عنه أيضًا في ذلك ما حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن قبيصة بن مخارق وزهير بن عمرو، قالا: "لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١) انطلق رسول الله ﵇ إلى رضمة من جبل فعلا أعلاها، ثم قال: يا بني عبد مناف إني نذير". ففي هذا أنه قصد بني أبيه الرابع. ش: أي: وقد روي عن النبي ﵇ أيضًا في معنى القرابة في الأب الرابع. وأخرجه بإسناد صحيح، عن أحمد بن داود المكي، عن مسدد بن مسرهد شيخ البخاري، عن يزيد بن زريع، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان عبد الرحمن ابن مل النهدي، عن قبيصة بن مخارق الهلالي الصحابي وزهير بن عمرو الهلالي الصحابي ﵄. وأخرجه مسلم (٢): ثنا أبو كامل، ثنا يزيد بن زريع، عن سليمان بن طرخان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن قبيصة وزهير قالا: "لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١) انطلق نبي الله ﵇ إلى رضمة من جبل، فعلا أعلاها، ثم قال: يا بني عبد مناف، إني نذير، إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يربأ أهله، فخشي أن يسبقوه، فجعل يهتف: يا صباحاه".

стр. 8332

قوله: "إلى رضمة" الرضمة واحدة الرضم والرضام وهي دون الهضاب، وقيل: صخور بعضها على بعض. ص: وقد روي عنه أيضًا في ذلك ما حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا أبو الأسود وحيان بن غالب، قالا: ثنا ضمام، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ أنه قال: "يا بني هاشم، يا بني قصي، يا بني عبد مناف، أنا النذير، والموت المغير، والساعة الموعود". ففي هذا الحديث أنه دعا بني أبيه الخامس. ش: أي وقد روي عن النبي ﷺ أيضًا في معنى القرابة في الأب الخامس. وأخرجه عن ربيع بن سليمان الجيزي، عن أبي الأسود النضر بن عبد الجبار المرادي، وحسان بن غالب بن نجيح المصري ضعيف ومتروك، كلاهما عن ضمام -بكسر الضاد المعجمة- بن إسماعيل البصري الثقة، عن موسى بن وردان القرشي المصري القاضي، عن أبي هريرة ﵁. وهذا الحديث عند المصريين. ص: وقد روي عنه أيضًا في ذلك ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد وعفان، عن أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة قال: "لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١) قام نبي الله ﵇ فنادى: يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها". ففي هذا الحديث أنه دعى معهم بني أبيه السابع لأب، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي.

стр. 8333

ش: أي: قد روي عن النبي ﵇ أيضًا في معنى القرابة في الأب السابع. أخرجه بإسناد صحيح عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، وعفان بن مسلم الصفار، شيخ أحمد، كلاهما عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن عبد الملك بن عمير، عن موسى ابن طلحة بن عبيد الله التيمي المدني، عن أبي هريرة. وأخرجه مسلم (١): نا قتيبة وزهير بن حرب، قالا: ثنا جرير، عن عبد الملك ابن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة قال: "لما نزلت هذه الآية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٢) دعى رسول الله ﵇ قريشًا فاجتمعوا، فَعَمَّ وخَصَّ، فقال: يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها". وأخرجه أيضًا (١): عن القواريري، عن أبي عوانة. . . . إلى آخره نحو رواية الطحاوي. وأخرجه الترمذي (٣) والنسائي (٤) أيضًا. قوله: "أنقذوا" من الإنقاذ وهو التخليص والإنجاء، يقال: أنقذه من فلان واستنقذه منه وينقذه بمعنى، أي نجَّاه وخلَّصه.

стр. 8334

قوله: "سأبلها ببلالها" أي أصلكم في الدنيا ولا أغني عنكم من الله شيئًا. والبلال جمع بلل، وقيل: هو كل ما بلَّ الحلق من ماء أو لبن أو غيره. قال عياض في "شرح مسلم": رويناه بكسر الباء. قال أبو عمر: يقال: بللت رحمي بلًّا وبلالًا وبللًا. قال الأصمعي: وصلتها ونديتها بالصلة، وقال الخطابي: بِبَلالها بالفتح كالمِلَال، وقال الهروي: البلال جمع بَلَل كجمل وجمال. ص: وقد روي عنه أيضًا في ذلك ما حدثنا فهد، قال: ثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: "لما أنزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١) صعد رسول الله ﵇ على الصفا فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي، يا بني فلان، لبطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر. وجاء أبو لهب وقريش فاجتمعوا، فقال: أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقيّ؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد". ففي هذا الحديث أنه دعى بطون قريش كلها. ش: أي: وقد روي عن رسول الله ﵇ أيضًا في معنى القرابة في الآباء القريبة والبعيدة كلهم. أخرجه بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن عمر بن حفص شيخ البخاري، عن أبيه حفص بن غياث، عن سليمان الأعمش، عن عمرو بن مرة. . . . إلى آخره. وأخرجه مسلم (٢): ثنا أبو كريب محمد بن العلاء، قال: ثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: "لما

стр. 8335

نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١) ورهطك منهم المخلصين" خرج رسول الله ﵇ حتى صعد الصفا فهتف: يا صباحاه، فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد. فاجتمعوا إليه، فقال: يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب، فاجتمعوا إليه، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبًا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، قال: فقال أبو لهب: تبًّا لك أما جمعتنا إلا لهذا؟! ثم قام، فنزلت هذه السورة "تبت يدا أبي لهب وقد تب" (٢) كذا قراءة الأعمش .. إلى آخر السورة". ص: وقد روي مثل ذلك أيضًا عن أبي هريرة ﵁. حدثنا يونس، قال: ثنا سلامة بن روح، قال: ثنا عقيل، حدثني الزهري قال: قال سعيد وأبو سلمة بن عبد الرحمن: إن أبا هريرة ﵁ قال: "قال رسول الله ﵇ حين نزل عليه ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١): يا معشر قريش استبرءوا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف استبرءوا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة بنت رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا". حدثثا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد وأبو سلمة، أن أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵇. . . . ثم ذكر مثله، غير أنه قال: "يا صفية، يا فاطمة". ففي هذا الحديث أيضًا أن رسول الله ﵇ لما أمره الله أن ينذر عشيرته الأقربين دعى عشائر قريش، وفيهم من يلقاه عند أبيه الثاني، وفيهم من يلقاه

стр. 8336

عند أبيه الثالث، وفيهم من يلقاه عند أبيه الرابع، وفيهم من يلقاه عند أبيه الخامس، وفيهم من يلقاه عند أبيه السادس، وفيهم من يلقاه عند أبائه الذين فوق ذلك إلا أنه ممن جمعته وآبائه قريش، فبطل بذلك قول أهل هذه المقالة، وثبتت إحدى المقالات الأخرى. ش: أي: وقد روي مثل ما روي عن ابن عباس عن أبي هريرة. وأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم، عن سلامة بن روح بن خالد الأيلي، عن عمه عُقيل -بضم العين- بن خالد الأيلي، عن محمد بن مسلم الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، كلاهما عن أبي هريرة. وأخرجه النسائي (١): عن محمد بن خالد، عن بشر بن شعيب، عن أبيه، عن الزهري، عنهما نحوه. الثاني: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم الزهري. . . . إلى آخره. وأخرجه مسلم (٢): عن حرملة بن يحيى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: "قال رسول الله ﵇ حين أنزل الله عليه ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٣): يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئتِ لا أغني عنك من الله شيئًا".

стр. 8337

قوله: "اشتروا أنفسكم من الله" قد تكون بمعنى بيعوا؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ (١) وقد يكون على وجه: أن أنقذوها من عذابه. ص: فنظرنا في قول من بدأ منهم مَن قرب رحمه على مَن هو أبعد رحمًا منه؛ فوجدنا رسول الله ﵇ لما قسم سهم ذوي القربى عمَّ به بني هاشم وبني المطلب، وبعض بني هاشم أقرب إليه من بعض، وبعض بني المطلب أيضًا أقرب إليه من بعض، وبنو هاشم أقرب إليه من بني المطلب، فلما لم يقدم رسول الله ﵇ في ذلك مَنْ قَربت رحمه منه على مَن هو أبعد إليه رحمًا منه، وجعلهم كلهم قرابة له يستحقون ما جعل الله لقرابته فكذلك من قربت رحمه في الوصية لقرابة فلان لا يستحق بقرب رحمه منه شيئًا مما جعل الله لقرابته إلا كما يستحق سائر قرابته ممن رحمه منه أبعد من رحمه؛ فهذه حجة. ش: لما أبطل الطحاوي ﵀: المقالة الرابعة بقوله: فبطل بذلك قول أهل هذه المقالة. وأشار إلى ثبوت إحدى المقالات الأخر بقوله: وثبت إحدى المقالات الأخر وهي المقالة الأولى والثانية والثالثة والخامسة؛ بيَّن هاهنا تلك المقالة الصحيحة التي كان نص عليها مجملًا؛ وذلك بطريق الاستنباط من الأحاديث المذكورة فنص أن المقالة الصحيحة من تلك المقالات الخمس هي المقالة الخامسة وهي التي ذهب إليها مالك والشافعي وأحمد، وأوضح بطلان بقية المقالات التي ذهب إليها أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وغيرهم، وهذا الذي سلكه هو طريق المجتهدين المستنبطين للأحكام من الكتاب والسنة، ألا ترى أن اجتهاده لما أدى إلى ما نص عليه بطريق الاستنباط الصحيح من الأحاديث المذكورة ترك تقليده لأبي حنيفة وصاحبيه. وأيضًا فهذا يدل على أنه لا يقلد أحدًا إلا فيما وافق اجتهاد ذلك المقلَّد اجتهاده، حتى إذا كان اجتهاد ذلك المقلَّد خلاف ما أدى إليه اجتهاده ترك ذلك

стр. 8338

وصار الاجتهاد بنفسه فهذه هي غاية درجات المجتهدين ممن يقتدى بهم في الدين، ﵃ أجمعين. ص: وحجة أخرى: أن أبا طلحة ﵁ لما أمره رسول الله ﵇ أن يجعل أرضه في فقراء قرابته جعلها لحسان وأُبي، وإنما يلتقي هو وأُبي عند أبيه السابع، ويلتقي هو وحسان عند أبيه الثالث؛ لأن حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام، وأبا طلحة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام، فلم يقدِّم أبو طلحة في ذلك حسانًا لقرب رحمه منه على أُبي ﵁ لبعد رحمه منه، ولم يرَ واحدًا منهما مستحقًا بقرابته منه في ذلك إلا لما يستحق منه الآخر فثبت بذلك أيضًا فساد هذا القول. ش: أي: ودليل آخر في بطلان قول أهل المقالة الرابعة: أن أبا طلحة زيد بن سهل ﵁. . . . إلى آخره. وهو ظاهر. وأشار بقوله: "فساد هذا القول" إلى القول المنسوب لأهل المقالة الرابعة. ص: ثم رجعنا إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة ﵁ فرأينا رسول الله ﵇ لما قسم سهم ذوي القربى أعطى بني هاشم جميعًا، وفيهم من رحمه منه رحم محرمة، وفيهم من رحمه منه رحم غير محرمة، وأعطى بني المطلب معهم، وأرحامهم جميعًا منه غير محرمة. وكذلك أبو طلحة أعطى أبيًّا وحسانًا ما أعطاهما على أنهما قرابة ولم يخرجهما من قرابته ارتفاع الحرمة من رحمهما منه، فبطل بذلك أيضًا ما ذهب إليه أبو حنيفة ﵀. ش: بطلان ما ذهب إليه أبو حنيفة في هذا الباب ظاهر؛ لأن قسمة النبي ﵇ سهم ذوي القربى، وإعطاء أبي طلحة أُبيًّا وحسانًا على الوجه المذكور يفسدان ما ذهب إليه من أن القرابة هم كل ذي رحم محرم من فلان، من قبل أبيه أو من قبل أمه، غير أنه يبدأ في ذلك من كانت قرابته منه من قبل أبيه على مَن كانت قرابته من قبل أمه.

стр. 8339

ص: ثم رجعنا إلى ما ذهب إليه أبو يوسف ومحمد، فرأينا رسول الله ﵇ أعطى سهم ذوي القربى بني هاشم وبني المطلب، ولا يجتمع هو وواحد منهم إلى أب منذ كانت الهجرة، إنما يجتمع هو وهم عند أباء كانوا في الجاهلية، وكذلك أبو طلحة وأُبَي وحسان لا يجتمعون عند أب إسلامي إنما يجتمعون عند أب كان في الجاهلية، ولم يمنعهم ذلك أن يكونوا له قرابة فيستحقون ما جعل للقرابة، فكذلك قرابة الموصي لقرابته لا يمنعهم من تلك الوصية أن لا يجمعهم واياه أب منذ كانت الهجرة، فبطل بذلك قول أبي يوسف ومحمد، وثبت القول الآخر، فثبت أن الوصية في ذلك لكل مَن توقف على نسبه أبا عن أب، أو أمًّا عن أم، حتى يلتقي هو والموصي لقرابته إلى جد واحد في الجاهلية أو في الإسلام، بعد أن يكون أولئك الآباء آباء قد يستحق بالقرابة لهم المواريث في حال، وتقوم بالإنسان منهم الشهادات على سياقه ما بين الموصي لقرابته وبينهم من الآباء أو من الأمهات. فهذا القول عندنا هو أصح ما وجدناه في هذا الباب. ش: بطلان ما ذهب إليه أبو يوسف ومحمد أيضًا ظاهر على ما لا يخفى، فافهم.

стр. 8340

ص: كتاب الفرائض ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام الفرائض، وهو جمع فريضة معني مفروضة، والمراد بها السهام المقدرة، وذكر هذا الكتاب عقيب كتاب الوصية رعاية لمناسبة لطيفة، وهي أن الوصية أخت الميراث؛ لأن كلاًّ منهما تمليك للمال بعد الموت، وإنما أخر الفرائض عن الوصية لأن علمها متعلق بأحكام الموت وهي متأخرة عن أحكام الأحياء. * * * ص: باب الرجل يموت ويترك ابنةً وأختًا وعصبةً سواها ش: أي: هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يموت ويترك ابنةً وأختًا وعصبةً، كيف يكون ميراثه؟ والعصبة في اللغة تشتمل على معنى الإحاطة يقال: عَصَبَ القوم بفلان: أحاطوا به، وعَصَبت رأسه بالعصابة وهي ما يعصب به الرأس، واعتصب فلان بالتاج والعمامة وبه سميت العَصَبة، وهم قرابة الإنسان لأبيه يحيطون به قربًا وحراسةً وديًّا، فالابن طرف، والأب طرف، والأخ جانب، والعم جانب. وفي اصطلاح الفرضيين: العَصَبة: كل من يأخذ الباقي من الفريضة مع صاحب الفرض، ويحوز الجميع عند الانفراد، والعَصَبة الحقيقية: هو العَصَبة بنفسه، ويسمى من يشابهه: عصبةً مجازًا. ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا المعلى بن أسد، قال: ثنا وهيب بن خالد، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﵇: "ألحقوا المال بالفرائض، فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر".

стр. 8341

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أمية بن بسطام، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا روح بن القاسم، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن النبي ﵇ مثله. ولم يذكر ابن عباس. حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا سفيان الثوري. . . . فذكر بإسناده مثله. حدثنا علي بن زيد، قال: ثنا عبدة بن سليمان، قال: أنا ابن المبارك، قال: أنا معمر وسفيان، عن ابن طاوس. . . . فذكر بإسناده مثله. ش: هذه خمس طرق: الأول: إسناده صحيح. أخرجه البخاري (١): ثنا سليمان بن حرب، نا وهيب، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ قال: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر". وأخرجه الترمذي (٢): ثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: أنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا وهيب، قال: نا ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ قال: "ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر". وقال الترمذي: هذا حديث حسن. الثاني: أيضًا صحيح. عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أمية بن بسطام العيشي البصري شيخ

стр. 8342

البخاري ومسلم، عن يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم العنبري، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس. وأخرجه مسلم (١): ثنا أمية بن بسطام العيشي، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا روح بن القاسم، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، عن رسول الله ﵇ قال: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما تركت الفرائض فلأولى رجل ذكر". وأخرجه أبو داود (٢): ثنا أحمد بن صالح ومخلد بن خالد -وهذا حديث مخلد وهو أشبع- قالا: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﵇: "اقسم المال -يعني أهل الفرائض- على كتاب الله ، فما تركت الفرائض فَلأَولى ذكر". الثالث: مرسل عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه طاوس، عن النبي ﵇. وأخرجه النسائي (٣): نحوه مرسلا؛ عن أحمد بن سليمان، عن أبي داود، عن الثوري، عن ابن طاوس، عن أبيه عن النبي ﵇. وقال النسائي: حديث الثوري أشبه بالصواب. الرابع: أيضًا مرسل. وأخرجه الترمذي (٤) معلقًا قال: وقد رواه بعضهم عن ابن طاوس، عن أبيه، عن النبي ﵇ مرسل.

стр. 8343

الخامس: أيضًا مرسل. عن علي بن زيد بن عبد الله الفرضي، عن عبدة بن سليمان المروزي صاحب ابن المبارك، عن عبد الله بن المبارك، عن معمر بن راشد وسفيان الثوري، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه طاوس، عن النبي ﵇. قوله: "ألحقوا المال بالفرائض" هكذا وقع هذا اللفظ أيضًا في رواية الدارقطني (١): من حديث ربيعة بن صالح، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، أن النبي ﵇ قال: "ألحقوا المال بالفرائض فما تركت فلأولى ذكر" أي بأصحاب الفرائض والمضاف محذوف، ولا يستقيم المعنى إلا بذلك، والمعنى: أعطوا مال الميت لأصحاب الفرائض الذين بينهم الله في كتابه العزيز، وهم الذين لهم سهام مقدرة وهم اثني عشرة نفرًا عشرة من النسب واثنان من السبب. أما العشرة من النسب فثلاثة من الرجال وسبع من النساء. وأما الاثنان من السبب فالزوج والزوجة. وأما الثلاثة من الرجال فهم الأب والجد الصحيح والأخ لأم. وأما السبع من النساء فهن: البنت، وبنت الابن، والأم والجدة الصحيحة كأم الأم وأن علت، وأم الأب وإن علا، والأخوات لأب وأم، والأخوات لأب، والأخوات لأم، فهؤلاء أصحاب الفروض. قوله: "فما أبقت الفرائض" أي: فما أبقت أصحاب الفرائض، والمضاف محذوف. قوله: "فلأولى رجل ذكر" فيه حذف أيضًا أي: فهو لأولى رجل ذكر أي الباقي مما أحدثه أصحاب الفرائض المقدرة، لأولى رجل أي لأقرب رجل من الميت، والمعنى: أقرب العَصَبات إلى الميت يكون أحق بما أبقته أصحاب

стр. 8344

الفرائض كالأخ والعم؛ فالأخ أولى لأنه أقرب إلى الميت، وكالعم وابن العم؛ فالعم أولى لأنه أقرب من ابن العم. وقال الخطابي: ومعنى أولى: أقرب من الوَلي وهو القرب، ولو كان معنى قوله: أولى بمعنى أحق لبقي الكلام منهما لا يستفاد منه بيان الحكم؛ إذ كان لا يدرى من الأحق ممن ليس بأحق فعلم أن معناه: قرب النسب. واستفيد من هذا الحديث أحكام: الأول: أن أصحاب الفرائض يقدمون على العَصَبَات وإن كانت العصوبة أقوى سببًا وذلك لأن المراد من قوله: فلأولى رجل ذكر: هو العصبة، والدليل عليه ما جاء في بعض الروايات: "فلأولى عصبة ذكر". فإن قلت: ما فائدة توصيف الرجل بِذَكَر، وكذلك قوله: عصبة ذكر، والرجل لا يطلق إلا على الذكور؟ قلت: لأن الرجل ذكر من بني آدم جاوز حد الصغر، فوصفه بالذكورة ليدخل غير البالغين؛ لأن صفة الذكورة أعم من صفة الرجلية. فإن قلت: إذا حلف لا يكلم رجلًا فكلم صبيًّا يحنث؟ قلت: مبنى اليمين على العرف. فإن قلت: ما تقول في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ (١) فإن اسم الرجل يصدق هاهنا على الصبي؟. قلت: يجوز أن يطلق الرجل ويراد به الذكر ليعم الصبي والبالغ، أو تقول: إن التوصيف بالذكورة يكون من قبيل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (٢) وقوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ (٣) فافهم.

стр. 8345

الثاني: احتجت به أصحابنا في المسألة التي تلقب مشركة وحمارية وهي: زوج وأم، وأخوان لأم، وأخوان لأب وأم. فللزوج النصف، وللأم السدس، وللأخوين لأم الثلث، ولا شيء للأخوين لأبوين؛ لأن ظاهر قوله ﵇: "فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر" يقتضي الحكم هكذا؛ وذلك لأن الله تعالى فرض للزوج النصف عند عدم الولد، وللأم السدس عند وجود الإخوة، وفرض لقوم الأم فرضًا مقدرًا وهو السدس حالة الانفراد، والثلث حالة الاجتماع، سواء اتسع المال أو لا فوجب أن لا ينقص عن فروضهم شيء في الحالين؛ عملًا بظاهر الحديث. فإذا أخذ الزوج النصف والأم السدس والأخوان لأم الثلث، لم يبق شيء حتى يأخذ الأخوان لأبوين. الثالث: مسألة الكتاب على ما يجيء الآن. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن رجلًا لو مات وترك بنته، وأخاه لأبيه، وأمه، وأخته لأبيه، وأمه؛ كان لابنته النصف، وما بقي فلاخيه لأبيه وأمه دون أخته لأبيه وأمه. واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وقالوا أيضًا: لو لم يكن مع البنت أخ وكانت معهما أخت وعَصَبة كان للابنة النصف، وما بقي فللعَصَبة وإن بعدوا. ش: أراد بالقوم هؤلاء: طاوس بن كيسان ومسروقًا وإسحاق بن راهويه، والظاهرية؛ فإنهم قالوا في الصورة المذكورة: إن الأخت لا ترث شيئًا، وإنما البنت تأخذ النصف بحق الفرض والأخ الشقيق يأخذ النصف الباقي بطريق التعصيب، ولا يبقى شيء للأخت الشقيقة، وروي ذلك عن ابن عباس وابن الزبير ﵃. ص: واحتجوا في ذلك أيضًا بما روي عن ابن عباس، كما حدثنا علي بن زيد، قال: ثنا عبدة بن سليمان، قال: أنا ابن المبارك، عن معمر، عن ابن طاوس قال: أخبرني أبي، عن ابن عباس أنه قال: "قال الله : ﴿إِنِ امْرُؤٌ

стр. 8346

هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ (١) قال ابن عباس: فقلتم أنتم: لها النصف؛ وإن كان له ولد". ش: أي: واحتج هؤلاء القوم فيما ذهبوا إليه أيضًا بحديث ابن عباس. أخرجه بإسناد صحيح عن علي بن زيد الفرائضي، عن عبدة بن سليمان المروزي، عن عبد الله بن المبارك، عن معمر بن راشد، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه طاوس، عن ابن عباس. وأخرجه عبد الرزاق (٢): عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ابن عوف، قيل لابن عباس: "ترك ابنته، وأخته لأبيه وأمه، فقال ابن عباس: لابنته النصف، وليس لأخته شيء مما بقي، وهو لعصبته، فقال له السائل: إن عمر ﵁ قضى بغير ذلك: جعل للابنة النصف وللأخت النصف، فقال ابن عباس: أأنتم أعلم أم الله؟! قال معمر: فذكرت ذلك لابن طاوس، فقال لي ابن طاوس: أخبرني أبي أنه سمع ابن عباس يقول: قال الله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ (١) قال ابن عباس: فقلتم أنتم: لها النصف وإن كان له ولد". فوجه استدلالهم بالحديث ظاهر، وهو أنه ﵇ عيَّن ما أبقته أصحاب الفرائض لأولى رجل ذكر، وهاهنا البنت صاحبة الفرض وهو النصف، والباقي وهو النصف الآخر يكون للأخ الشقيق؛ لأنه أولى رجل ذكر -يعني أقرب إلى الميت- وبأثر ابن عباس ظاهر أيضًا؛ لأن الله تعالى أعطى للأخت النصف إذا لم يكن للميت ولد؛ فافهم. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل للابنة النصف، وما بقي فبين

стр. 8347

الأخ والأخت، للذكر مثل حظ الأنثيين، وإن لم يكن مع البنت غير الأخت كان للابنة النصف وللأخت ما بقي. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم شريحًا القاضي، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، وأبا حنيفة وأبا يوسف، ومحمدًا، ومالكًا، والشافعي، وأحمد، وجماهير العلماء من التابعين ومَن بعدهم، فإنهم قالوا: للابنة النصف، وما بقي فبين الأخ والأخت أثلاثًا وإن كان الميت خلف ابنةً وأختًا فقط كان للبنت النصف وللأخت النصف. ص: وكان من الحجة لهم في ذلك: أن حديث ابن عباس الذي ذكروا على ما قد ذكرناه في أول هذا الباب ليس معناه عندنا على ما حملوه عليه، ولكن معناه عندنا -والله أعلم- على ما أبقت الفرائض بعد السهام فلأولى رجل ذكر كعمٍّ وعمة فالباقي للعم دون العمة؛ لأنهما في درجة واحدة متساويان في النسب، وفضل العمُّ على العمَّة في ذلك بأن كان ذكرًا، فهذا معنى قوله: "فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر" وليس الأخت مع أخيها داخلين في ذلك، والدليل على ما ذكرنا من ذلك أنهم قد أجمعوا في بنت وبنت ابن، وابن ابن. أن للابنة النصف، وما بقي فبين ابن الابن وابنة الابن للذكر مثل حظ الأنثيين، ولم يجعلوا ما بقي بعد نصيب الابنة لابن الابن خاصةً دون ابنة الابن، ولم يكن معنى قول رسول الله ﵇: "فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر" على ذلك إنما هو على غيره. فلما ثبت أن هذا خارج منه باتفاقهم، وثبت أن العم والعمة داخلان في ذلك باتفاقهم، إذ جعلوا ما بقي بعد نصيب البنت للعم دون العمة. ثم اختلفوا في الأخت مع الأخ، فقال قوم: هما كالعمة والعم. وقال آخرون: هما كابن الابن وابنة الابن؛ فنظرنا في ذلك لنعطف ما اختلفوا فيه منه على ما أجمعوا عليه؛ فرأينا الأصل المتفق عليه أن ابن الابن وبنت

стр. 8348

الابن لو لم يكن غيرهما كان المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين. فإذا كانت معهما ابنة، كان لها النصف، وكان ما بقي بعد ذلك النصف بين ابن الابن وابنة الابن على مثل ما يكون لهما من جميع المال لو لم يكن معهما ابنة، وكان العم والعمة لو لم يكن معهما ابنة كان المال باتفاقهم للعم دون العمة، فإذا كانت هناك ابنة كان لها النصف وما بقي بعد ذلك فهو للعم دون العمة، فكان ما بقي بعد نصيب البنت للذي كان يكون له جميع المال لو لم تكن بنت. فلما كان ذلك كذلك وكان الأخ والأخت لو لم يكن معهما ابنة كان المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، فالنظر على ذلك أن يكونا كذلك إذا كانت معهما ابنة، فوجب لها نصف المال لحق فرض الله لها، وأن يكون ما بقي بعد ذلك النصف بين الأخ والأخت كما كان يكون لهما جميع المال لو لم تكن بنت؛ قياسًا ونظرًا على ما ذكرنا من ذلك. ش: أي: وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه. وأراد بها الجواب عما احتجت به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه بحديث ابن عباس المذكور في أول الباب، وهو ظاهر. قوله: "ثم اختلفوا" أي الفريقان المذكوران فيما إذا خَلَّف الميت أخاه وأخته مع بنته، فقال قوم، وهم أهل المقالة الأولى: هما كالعم والعمة، يعني الأخ يأخذ ما بقي بعد نصيب البنت ولا تأخذ الأخت شيئًا، كما إذا خلف بنته وعمه وعمته فإن العم يأخذ ما بقي بعد نصيب البنت ولا تأخذ العمة شيئًا. وقال آخرون -أي قوم آخرون- وهم أهل المقالة الثانية: هما كابن الابن وابنة الابن -يعني الأخت مع الأخ كابن الابن مع بنت الابن مثلًا- إذا خلف بنتًا وابن ابنة وبنت ابنة، فالبنت لها النصف، والباقي بين ابن الابن وبنت الابن؛ للذكر مثل حظ الأنثيين. وباقي الكلام ظاهر. ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ أيضًا ما قد دل على ما ذكرنا.

стр. 8349

حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، وعبيد الله بن موسى العبسي. وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمد بن يوسف الفريابي، قالوا: أنا سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل بن شرحبيل: "أُتي سليمان بن ربيعة وأبو موسى الأشعري في ابنة، وابنة ابن، وأخت، فقالا: للابنة النصف، وللأخت النصف، ثم قالا: ائت عبد الله بن مسعود فإنه سيتابعنا، فأتاه فقال عبد الله: لقد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين ولكن سأقضي فيها بما قضي به رسول الله ﵇؛ للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن أبي قيس، عن هزيل مثله. ففي هذا الحديث أن رسول الله ﵇ جعل الأخوات من قبل الأب مع الابنة عصبة، فصرن مع البنات في حكم الذكور مع الإخوة من قِبَل الأب، فصار قول رسول الله ﵇ "فما أبقت الفرائض فلأولى ذكر رجل" لأنه عَصَبَة ولا عَصَبَة أقرب منه، فإذا كانت هناك عَصَبة هي أقرب من ذلك الرجل فالمآل لها، وعلى هذا ينبغي أن يحمل هذا الحديث حتى لا يخالف حديث ابن مسعود ﵁ هذا ولا يضاده، وسبيل الآثار أن تحمل على الاتفاق ما وجد السبيل إلى ذلك، ولا تحمل على التنافي والتضاد، ولو كان حديث ابن عباس على ما حمله عليه المخالف لنا لما وجب -على مذهبه- أن يضاد به حديث ابن مسعود؛ لأن حديث ابن مسعود هذا مستقيم الإسناد صحيح المجيء، وحديث ابن عباس مضطرب الإسناد؛ لأنه قطعه من ليس بدون مَن قد رفعه على ما قد ذكرنا في أول هذا الباب. ش: أشار بهذا إلى صحة ما قاله من وجه النظر في توريث الأخت مع البنت في الصورة المتنازع فيها، وتأكيد ذلك بالآثار الصحيحة، فمن ذلك حديث ابن مسعود ﵁ فإنه صريح في أنه ﵇ قد جعل الأخوات مع البنات عصبةً.

стр. 8350

وأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن يزيد بن هارون الواسطي وعبيد الله ابن موسى العَبْسي -بفتح العين المهملة، وسكون الباء الموحدة، وبالسين المهملة شيخ البخاري، كلاهما عن سفيان الثوري، عن أبي قيس عبد الرحمن ابن ثروان الأودي الكوفي، عن هزيل بن شرحبيل الأودي الكوفي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل بن شرحبيل قال: "جاء رجل إلى أبي موسى وسليمان بن ربيعة، فسألهما عن ابنة، وابنة ابن، وأخت لأب، وأم، فقال: للابنة النصف، وما بقي للأخت، وائت ابن مسعود فإنه سيتابعنا. قال: فأتى الرجل ابن مسعود فسأله، وأخبره بما قالا، قال: لقد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين، ولكن سأقضي بما قضى به رسول الله ﵇؛ للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت". الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن أبي قيس. . . . إلى آخره. وأخرجه الترمذي (٢): ثنا الحسن بن عرفة، ثنا يزيد بن هارون، عن سفيان الثوري، عن أبي قيس، عن هزيل بن شرحبيل قال: "جاء رجل إلى أبي موسى وسلمان بن ربيعة. . . . إلى آخره". وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه ابن ماجه (٣): ثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن أبي قيس الأودي. . . . إلى آخره نحوه.

стр. 8351

وأخرجه أبو داود (١): ثنا عبد الله بن عامر بن زرارة، قال: حدثني علي بن مسهر، عن الأعمش، عن أبي قيس الأودي، عن هزيل بن شرحبيل الأودي قال: "جاء رجل إلى أبي موسى الأشعري وسلمان بن ربيعة. . . ." إلى آخره نحوه. الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة بن الحجاج، عن أبي قيس، عن هزيل. . . . إلى آخره نحوه. وأخرجه البخاري (٢): ثنا آدم، ثنا شعبة، ثنا أبو قيس، سمعت هزيل بن شرحبيل قال: "سئل أبو موسى عن ابنة، وابنة ابن، وأخت، فقال: للابنة النصف، وللأخت النصف، وائت ابن مسعود فسيتابعني، فسئل ابن مسعود ﵁ وأُخْبِر بقول أبي موسى ﵁ فقال: لقد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي ﵇؛ للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت، فأتيا أبا موسى فأخبراه بقول ابن مسعود، فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم". قوله: "لقد ضللت إذًا" أراد به الإنكار على أبي موسى الأشعري وسلمان بن ربيعة فإنهما أفتيا بخلاف ما حكم به رسول الله ﵇، ولهذا قال ابن مسعود: لقد ضللت إذًا. يعني إذا أفتيت بخلاف ما حكم به رسول الله ﵇ كنت من الضالين، ثم يبين لهم حكم رسول الله ﵇ وبيَّن أن الأخوات يصرن عصبة مع البنات ويرثن معهن. وهو قول جماعة الصحابة والتابعين والفقهاء إلا ابن عباس؛ فإنه خالف عامة الصحابة في ذلك وكان يقول في رجل، وأخته لأبيه، وأمه: النصف للابنة، وليس للأخت شيء. وذهبت إليه طائفة شاذة كما قدمناه. قوله: "فصار قول رسول الله ﵇: فما أبقت الفرائض. . . . إلى آخره". إشارة إلى وجه التوفيق بين حديث ابن عباس هذا وبين حديث ابن مسعود، وقد أشار

стр. 8352

إليه بقوله: وعل هذا المعنى ينبغي أن يحمل هذا. . . . الحديث، يعني حديث ابن عباس المذكور في أول الباب. قوله: "ما وجد السبيل" أي ما دام السبيل موجودة. قوله: "لأنه قطعه". أي لأن حديث ابن عباس قطعه مَنْ ليس بدون من رفعه أي من ليس أدنى حالًا من الذي وصله، وذلك أن سفيان الثوري قد رواه عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن النبي ﵇، وهو مقطوع وإنما وصله وهيب ابن خالد عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، عن النبي ﵇. وكذلك وصله روح بن القاسم ومعمر بن راشد، وسفيان ليس بدون هؤلاء بل هو أجل مرتبة منهم وأضبط، ولهذا قال النسائي: حديث الثوري أشبه بالصواب. ص: وأما ما احتجوا به من قول الله ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ (١)، فقالوا: فإنما ورث الله الأخت إذا لم يكن له ولد، فالحجة عليهم في ذلك أن الله قد قال أيضًا: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ (١)، وقد أجمعوا على أنها لو تركت بنتها وأخاها لأبيها كان للابنة النصف، وما بقي فللأخ؛ فإن معنى قوله : ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ (١) إنما هو على ولد يحوز كل الميراث لا على الولد الذي لا يحوز كل الميراث، فالنظر على ذلك أيضًا أن يكون قوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ (١) هو على الولد الذي يحوز جميع الميراث لا على الولد الذي لا يحوز جميع الميراث. ش: هذا جواب عما احتجت به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه من قوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ (١)، بيان احتجاجهم بهذه الآية الكريمة أن الله تعالى ورث الأخت إذا لم يكن للهالك

стр. 8353

ولد، وفيما نحن فيه الهالك له بنت، فلا ترث أخته لوجود البنت، وإنما ترث عَصَبته، وشرط توريث الأخت فقدان الولد، والولد يشمل الذكور والإناث. وبيان الجواب أن يقال: إن المراد من قوله: ﴿لَيسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي ليس له أبناء، فإن المراد بالولد الذكور دون الإناث. وقال الخطابي: وجه ما ذهب إليه الصحابة من الكتاب مع بيان السنة التي رواها ابن مسعود ﵁: أن الولد المذكور في الآية إنما هو الذكور من الأولاد دون الإناث، وهو الذي يسبق إلى الأفهام ويقع في المعارف عندما يقرع السمع، فقيل: ولد فلان، وإن كان الإناث أيضًا في الحقيقة كالذكور، يدل على ذلك قوله حكاية عن بعض الكفار: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ (١)، وقوله: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ (٢) و ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (٣) فكان معلومًا أن المراد بالولد في هذه الآي كلها الذكور دون الإناث، إذ كان مشهورًا من مذاهب القوم أنهم لا يكترثون بالبنات ولا يرون فيهم موضع نفع وعز، وكان من مذاهبهم وَأْدهن ودفنهن أحياء والتعفية لآثارهن، وجرى التخصيص في هذا الاسم كما يجري ذلك في اسم المال إذا أطلق الكلام فإنما يختص عرفًا بالإبل دون سائر أنواع المال، ومشهور في كلامهم أن يقال غدا مال فلان وراح، يريدون سارحة الإبل والمواشي دون ما سواها من أصناف الأموال. وإذا ثبت أن المراد بالولد الذكور في قوله سبحانه: ﴿لَيسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (٤) الذكور من الأولاد دون الإناث، لم يمنع الأخوات الميراث مع البنات؟

стр. 8354

فإن قيل: قد قال ابن حزم: والعجب من تجاهر بعض القائلين هاهنا: إنه إنما عنى ولدًا ذكرًا، وهذا إقدام على الله بالباطل وقولٌ عليه بما لا يعلم، بل ما يعلم أنه باطل، وليت شعري أي فرق بين قوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ (١) وبين قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (٣). فلم يختلفوا في جميع هذه الآيات في أن الولد سواء كان ذكرًا أو أنثى، أو ولد الولد كذلك، فالحكم واحد، ثم بدا لهم في ميراث الأخت أن الولد إنما أريد به الذكر. قلت: ابن حزم قد حفظ شيئًا وغابت عنه أشياء ولم يقل أحد أن الولد لا يطلق إلا على الذكور خاصة، وإنما يطلق على الذكور والإناث كما في الآيات التي ذكرها ابن حزم، ولكن قد يخص ويقيد في بعض المواضع بالذكور، بدليل يقوم عليه كما في الآية المذكورة وهي قوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (١) وقد قام الدليل هاهنا أن المراد بالولد هاهنا الذكور خاصة، وهو شيئان: الأول: نسق التلاوة في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَآ﴾ (١) يعني الأخ يرث الأخت إن لم يكن لها ولد، ومعناه ولدٌ ذكر عند الجميع إذ لا خلاف بين الصحابة ﵃ أنها إذا تركت ولدًا أنثى وأخًا أن للبنت النصف والباقي للأخ، والولد المذكور هاهنا هو المذكور بذا في أول الآية، وأيضًا قال الله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (٣) معناه عند الجميع ولد ذكر؛ لأنه لا خلاف بين الصحابة ومن بعدهم من الفقهاء أنه لو

стр. 8355

ترك ابنةً من أبوين أن للبنت النصف وللأبوين السدسان والباقي للأب؛ فيأخذ الأب في هذه الحال مع الولد الأنثى أكثر من السدس فدل قوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (١) على أنه ولد ذكر، وكذلك لو ترك أبا وابنةً كان للبنت النصف، وللأب النصف، فقد أخذ في هاتين المسألتين أكثر من السدس مع الولد. الثاني: حديث ابن مسعود ﵁ فإنه بين أن المراد من الولد في قوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (٢) أي ولد ذكر، وليس هذا من قبيل البيان؛ لأن الآية ليست مجملة، بل هو من قبيل التخصيص والتقييد. فإن قلت: تقييد الكتاب بخبر الواحد نسخ وذا لا يجوز. قلت: هذا خبر قد تلقته الأمة بالقبول فلحق بالمشهور، فافهم. فإن قيل: الوجه الأول فيه نظر؛ لأن الذكور في الموضعين شرطان كل واحد منهما ذكر في حادثة على حدة، فبقيام الدليل على أن المراد من أحدهما الذكر لا يتبين أن المراد من الثاني الذكر. قلت: بل هما شرط واحد، بيانه أنه ذكر أولًا كون الأخ هو الميت فجعل للأخت النصف، ثم قلب القضية فجعل الأخت ميتة والأخ هو الوارث فجعل له جميع المال، فتبين أن الشرط واحد وهو عدم الولد، ثم إن المراد في أحد الموضوعين الذكر دون الأنثى، فكذا في الموضع الآخر، ولئن سلمنا أن المراد مطلق الولد ولكن عدم الولد شرط أخذ الأخت النصف والأختين الثلثين فرضًا، وبه نقول؛ لأنا لا نورثهن مع البنت فرضًا، بل تعصيبًا، حتى لو لم يبق لهن شيء بعد فرض دون الفروض لم يكن لهن شيء، كما إذا تركت زوجًا، وأمًّا، وبنتين، وأختًا لأب، وأم، أو لأب؛ لأن المسألة عالت إلى ثلاثة عشر؛ فافهم.

стр. 8356

ص: وأما ما احتجوا به من مذهب ابن عباس ﵄ في ذلك، فإنه قد خالفه فيه سائر أصحاب رسول الله ﷺ سواه، فمما روي عنهم في ذلك: ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا ابن لهيعة، عن عقيل، أنه سمع ابن شهاب يخبر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن زيد بن ثابت: "أن عمر بن الخطاب ﵁ قسم الميراث بين الابنة والأخت نصفين". حدثنا علي بن زيد الفرائضي، قال: ثنا عَبْدة بن سليمان، قال: أنا ابن المبارك، قال: أنا يحيى بن أيوب، قال: أنا يزيد بن أبي حبيب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: "أن عمر بن الخطاب ﵁ قسم المال شطرين بين الابنة والأخت". حدثنا علي، قال: ثنا عَبْدة، قال: أنا ابن المبارك، قال: أنا إسرائيل، عن جابر، عن الشعبي، عن علي وعبد الله ﵁: "في ابنة وأخت: للابنة النصف وللأخت النصف. وقال أصحاب محمد ﷺ مثل ذلك إلا ابن عباس وابن الزبير ﵃. حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون وأبو نعيم، قالا: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن مسروق، عن عبد الله: "في ابنة وأخت وجد، قال: من أربعة". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن أشعث بن أبي الشعثاء، قال: سمعت الأسود بن يزيد يقول: "قضى فينا معاذ ﵁ باليمن في رجل ترك ابنته وأخته، فأعطى الابنة النصف، وأعطى الأخت النصف" قال شعبة: وأخبرني الأعمش، قال: سمعت إبراهيم يحدث، عن الأسود قال: "قضى فينا معاذ باليمن ورسول الله ﷺ حيٌّ. . . ." فذكر مثله. حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا سفيان الثوري، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن الأسود بن يزيد قال: "قضى ابن الزبير ﵄ في ابنة وأخت، فأعطى الابنة النصف وأعطى العَصَبة سائر المال، فقلت له: إن معاذ ﵁ قضى فينا باليمن، فأعطى الابنة النصف وأعطى الأخت النصف، فقال عبد الله

стр. 8357

ابن الزبير: فأنت رسول إلى عبد الله بن عتبة فتحدثه بهذا الحديث، وكان قاضي أهل الكوفة". فهذا عبد الله بن الزبير قد رجع عن قوله الذي وافق فيه ابن عباس ﵃ في هذا إلى قول الآخرين. حدثنا صالح بن عبد الرحمن صروح بن الفرج، قالا: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن الأسود بن يزيد قال: "قدم معاذ ﵁ إلى اليمن، فسئل عن ابنة وأخت، فأعطى الابنة النصف، والأخت النصف". حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا سفيان الثوري، عن معبد بن خالد، عن مسروق، عن عائشة ﵂ في ابنتين وبنات ابن وبني ابن، وفي أختين لأب وأم، وإخوة وأخوات لأب، أنها أشركت بين بنات الابن وبني الابن، وبين الأخوة والأخوات من الأب فيما بقي. قال: وكان عبد الله لا يشرك بينهم". ش: هذا جواب ما احتج به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه من مذهب ابن عباس، بيانه أن يقال إن ابن عباس ﵄ وإن كان روى غير ما احتجوا به، فقد خالفه سائر أصحاب رسول الله ﵇، ذكر منهم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وعبد الله بن الزبير وأم المؤمنين عائشة ﵃. أما عمر بن الخطاب ﵁ فأخرج عنه من طريقين. الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن خالد الحراني شيخ البخاري، عن عبد الله بن لهيعة المصري، عن عُقَيل -بضم العين- بن خالد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن زيد بن ثابت الأنصاري الصحابي، عن عمر بن الخطاب ﵃.

стр. 8358

الثاني: عن علي بن زيد الفرائضي نزيل طرسوس، عن عبدة بن سليمان المروزي نزيل المصيصة، عن عبد الله بن المبارك المروزي، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، عن يزيد بن أبي حبيب سويد المصري، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن، عن عمر بن الخطاب ﵁. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا زيد بن حباب، قال: حدثني يحيى ابن أيوب المصري، قال: ثنا يزيد بن أبي حبيب، عن أبي سلمة: "أن عمر ﵁ جعل المال بين الابنة والأخت نصفين". فإن قيل: الطريق الأول معلول بابن لهيعة، والطريق الثاني منقطع؛ لأن أبا سلمة لم يدرك عمر بن الخطاب ﵁. قلت: كل واحدة من الطريقين تأيدت بالأخرى، والأولى بَيَّنَت أن بين أبي سلمة وعمر بن الخطاب زيد بن ثابت الأنصاري، وأبو سلمة سمع منه، على أن هذا من التوابع للروايات الأخرى. وأما علي بن أبي طالب ﵁ فأخرج عنه، عن علي بن زيد الفرائضي أيضًا، عن عبدة بن سليمان، عن عبد الله بن المبارك، عن إسرائيل بن يونس، عن جابر الجعفي، عن عامر الشعبي، عن علي بن أبي طالب. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر قال: "كان علي وابن مسعود ومعاذ ﵃ يقولون في ابنة وأخت: النصف والنصف، وهو قول أصحاب محمد ﵇ إلا ابن الزبير وابن عباس ﵃". وأما عبد الله بن مسعود فأخرج عنه بطريق صحيح، عن علي بن شيبة، عن يزيد بن هارون، وأبي نعيم الفضل بن دُكين شيخ البخاري، كلاهما عن سفيان

стр. 8359

الثوري، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن مسروق بن الأجدع، عن عبد الله بن مسعود. وأخرج ابن أبي شيبة (١): عن وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله: "في أخت وجدٍّ: النصف والنصف". وأخرج أيضًا (٢): عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله: "أنه قال في ابنة وأخت وجدٍّ: أعطى الابنة النصف، وجعل ما بقي بين الجد والأخت له نصف، ولها نصف". قلت: هذا تفسير لما في رواية الطحاوي من قوله: "من أربعة" وهو أن الصورة المذكورة يقسم الميراث بها من أربعة أسهم سهمان وهو النصف للبنت، والباقي -وهو سهمان- بين الأخت والجدِّ، لكل واحد منهما سهم. وأما معاذ بن جبل ﵁ فأخرج عنه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن أشعث بن أبي الشعثاء سليم المحاربي الكوفي، عن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٣): من حديث أبي داود، عن شعبة، عن الأشعث ابن أبي الشعثاء، سمعت الأسود بن يزيد يقول: "قضى فينا معاذ ﵁ باليمن في رجل ترك ابنته وأخته، فأعطى الابنة النصف، والأخت النصف". قال أبو داود: قال شعبة: وأخبرني الأعمش، سمعت إبراهيم يحدث، عن الأسود قال: "قضى فينا معاذ ﵁ باليمن ورسول الله ﷺ حيٌّ في رجل ترك ابنته وأخته، فأعطى الابنة النصف والأخت النصف".

стр. 8360

قال والأول أصح وهو رواية غندر. وأخرجه البخاري (١): من حديث شيبان، عن أشعث موقوفا. الثاني: عن ابن مرزوق، عن أبي داود سليمان الطيالسي، عن شعبة، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، عن معاذ ﵁. الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن وروح بن الفرج القطان المصري، كلاهما عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سُليم الكوفي، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن الأسود بن يزيد. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا وكيع، عن سفيان، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن الأسود بن يزيد قال: "قضى معاذ ﵁ باليمن في ابنة، وأخت لأب وأم: للأخت النصف، وللابنة النصف". وأما عبد الله بن الزبير ﵄ فأخرج عنه من طريق صحيح، عن علي بن شيبة، عن يزيد بن هارون، عن سفيان الثوري، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن الأسود بن يزيد قال: "قضى عبد الله بن الزبير. . . .". وأخرجه البيهقي في "سننه" (٣): من حديث الثوري، عن أشعث. . . . إلى آخره نحوه، وفي آخره: "وكان قاضيًا على الكوفة". وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤): ثنا وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن وبرة بن عبد الرحمن، عن الأسود قال: "كان ابن الزبير ﵄ لا يعطي للأخت مع الابنة شيئًا، حتى حدثته أن معاذًا ﵁ قضى باليمن في ابنة وأخت لأب وأم: للابنة النصف وللأخت النصف، فقال: أنت رسولي إلى ابن عتبة، فَمُرْهُ بذلك".

стр. 8361

وهذا يدل على أن ابن الزبير ﵄ قد رجع عن قوله الذي يوافق قول ابن عباس في منع الأخت من الميراث مع البنت إلى أقوال سائر الصحابة ﵃. وأشار إليه بقوله: "فهذا عبد الله بن الزبير قد رجع عن قوله الذي وافق فيه ابن عباس ﵁ في هذا إلى قول الآخرين" أي إلى قول الجماعة الآخرين من الصحابة ﵃. وعبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي هو ابن أخي عبد الله بن مسعود، أدرك زمان النبي ﵇، وهو والد عبيد الله بن عبد الله أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وكان قاضيًا على الكوفة لابن الزبير ﵃. وأما عائشة ﵂ فأخرج عنها من طريق صحيح، عن علي بن شيبة، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن سفيان الثوري، عن معبد بن خالد الجدلي القيسي، عن مسروق بن الأجدع، عن عائشة ﵂. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن سفيان، عن معبد بن خالد، عن مسروق، عن ابن مسعود: "أنه كان يجعل للأخوات والبنات الثلثين، وجعل ما بقي للذكور دون الإناث، وأن عائشة ﵂ أشركت بينهم، فجعلت ما بقي بعد الثلثين للذكر مثل حظ الأنثيين". وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث الثوري، عن معبد بن خالد، عن مسروق، عن عائشة: "في ابنتين، وبنات ابن، وبني ابن، وأختين لأبوين، وإخوة وأخوات لأب: أنها أشركت بين بنات الابن وبني الابن، وبين الإخوة والأخوات لأب فيما بقي -يعني للذكر مثل حظ الأنثيين- قال: وكان عبد الله لا يشرك بينهم، يجعل ما بقي للذكور".

стр. 8362

ص: وقد قال قوم في بنت وعَصَبَة: إن للابنة جميع المال، ولا شيء للعصبة، فكفى بهم جهلًا في تركهم قول كل الفقهاء إلى قول لم نعلم أن أحدًا قال به قبلهم من أصحاب رسول الله ﵇ ولا مِن تابعيهم، مع أن ما ذهبوا إليه من ذلك يدفعه نص القرآن؛ لأن الله قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (١). فبين الله لنا بذلك كيف حكم الأولاد في المواريث إذا كانوا ذكورًا وإناثًا. ثم قال : ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ (١) فبين لنا تبارك وتعاك حكم الأولاد إذا كانوا نساء. ثم قال : ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ (١) فبين لنا ميراث الابنة الواحدة. فلما بيَّن لنا مواريث الأولاد على هذه الجهات؛ علمنا بذلك أن حكم ميراث الواحدة لا يخرج عن هذه الجهات الثلاث، واستحال أن يسمي الله للابنة النصف وللبنات الثلثين ولهن أكثر من ذلك إلا لمعنى آخر بينه في كتابه أو على لسان رسوله ﵇، كما أبان في مواريث ذوي الأرحام. ولو كانت الابنة ترث المال كله دون العصبة لما كان لذكر الله النصف معنى، ولأهمل أمرها كما أهمل أمر الابن، فلما بيَّن لها ما ذكرنا كان توقيفًا منه إيانا على أن ما سمى لها من ذلك هو سهمها كما كان ما سمى للأخوات من قبل الأم بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ (٢). فكان ما بقي بعد ما سمى لهن للعَصَبَة وكذلك ما سمي للزوج والمرأة فما بقي

стр. 8363

بعد الذي سمى لهما للعَصَبَة فكذلك البنت ما بقي بعد الذي سمى لها للعَصَبَة. هذا دليل قائم صحيح في هذه الآية، ثم رجعنا إلى قوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ (١) فلم يبين لنا هاهنا مَن ذلك الولد؟ فدلنا ما تقدم من قوله في الآية التي ذكرنا التي وقفنا فيها على أنصباء الأولاد؛ أن ذلك الولد هو بخلاف الولد الذي سمي له الفرض في الآية الأخرى. ثم قد روي عن رسول الله ﵇ فيما ذكرنا أيضًا ما حدثنا يونس بن عبد الأعلى وبحر بن نصر، قالا: ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني داود بن قيس، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله: "أن امرأة سعد بن الربيع أتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن سعدًا قُتل معك وترك ابنتيه وأخاه فأخذ أخوه ماله، وإنما تتزوج النساء لما لهن، فدعاه رسول الله ﵇ فقال: أعط امرأته الثُمن، وابنتيه الثلثين، ولك ما بقي". حدثنا يونس، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، عن النبي ﵇ مثله. فقد وافق هذا أيضًا ما ذكرنا، وبهذا كان أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمدٌ ﵏ يقولون به، وبه يقول أيضًا أكثر الفقهاء. ش: أراد بالقوم هؤلاء [. .] (٢) فإنهم قالوا: إذا مات رجل وخلف بنته وعَصَبَة، المال كله للبنت دون العصبة. وهذا مذهب فاسد، وقد بيَّن فساده بقوله: يكفي بهم جهلًا. . . . إلى آخره، وهو ظاهر. قوله: "ثم رجعنا إلى قوله : ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ﴾ (١). . . . إلى آخره". أشار بهذا الكلام إلى بيان الفرق بين الولد المذكور في قوله تعالى:

стр. 8364

﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ وبين الولد المذكور في قوله : ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (١)؛ وذلك لأن توقيف الله تعالى إيانا في هذه الآية على أنصباء الأولاد يدل على أن الولد المذكور في قوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ هو الولد الذكور خاصةً دون الإناث؛ لأنه بيَّن في تلك الآية أنصباء الأولاد الذكور والإناث بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (١). ثم إذا قلنا: إن المراد من الولد في الآية الأخرى الذكور والإناث جميعًا؛ للزم أن تكون أنصباء الأولاد الذكور والإناث قد بينت على نوعين مختلفين وليس كذلك. فدل أن المراد من الولد في قوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ (٢) الذكور دون الإناث؛ فافهم. والله أعلم. قوله: "ثم قد روي عن رسول الله ﵇ فيما ذكرنا .. إلى آخره". ذكره تأكيدًا لصحة ما بينه من بطلان المذهب المذكور، ولصحة ما ذهب إليه الجمهور من توريث العصبة مع البنت. ثم إنه أخرج حديث جابر ﵁ من طريقين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري وبحر بن نصر بن سابق الخولاني، كلاهما عن عبد الله بن وهب، عن داود بن قيس الفراء الدباغ، عن عبد الله بن محمد عقيل بن أبي طالب القرشي -فيه مقال- عن جابر بن عبد الله. وأخرجه أبو داود (٣): ثنا ابن السرح، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني داود بن قيس وغيره من أهل العلم، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله ﵄: "أن امرأة سعد بن الربيع قالت: يا رسول الله، إن سعدًا هلك وترك ابنتين. . . . الحديث" نحوه.

стр. 8365

الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى أيضًا، عن علي بن معبد بن شداد الرقي، عن عبيد الله بن عمرو الرقي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر. وأخرجه الترمذي (١): ثنا عبد بن حميد، قال: أخبرني زكرياء بن عدي، أنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله قال: "جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله ﵇ فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك يوم أُحُد شهيدًا، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالًا، ولا تنكحان إلا ولهما مال، قال: يقضي الله في ذلك، فنزلت آية المواريث، فبعث رسول الله ﵇ إلى عمهما فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك". قال أبو عيسى: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل. وقد رواه شريك أيضًا عن عبد الله بن محمد بن عقيل". قوله: "إن امرأة سعد". هو سعد بن الربيع بن عمرو الأنصاري قتل يوم أحد شهيدًا، وامرأته النوار بنت مالك بن مخرمة من بني عدي بن النجار، وهي أم زيد بن ثابت الأنصاري، وذكر في بعض كتب الفرائض وشروحها: "أن امرأة سعد بن الربيع لما استشهد يوم بدر، وفي شرح جواهر زاده: "يوم أحد" وهو الأصح على ما نصَّ عليه الترمذي في روايته. وقيل: كان هذا أول ميراث قسم في الإسلام. قوله: "وبهذا كان أبو حنيفة". أي بما ذكرنا من قول أهل المقالة الثانية أخذ أبو حنيفة. . . . إلى آخره. وهو قول جماهير العلماء من التابعين ومَن بعدهم والله أعلم.

стр. 8366

ص: باب مواريث ذوي الأرحام ش: أي هذا باب في مواريث ذوي الأرحام، والمواريث جمع ميراث، والأرحام جمع رحم وهو خلاف الأجنبي، وهو في الأصل منبت الرجل، ثم سميت القرابة والوصلة من جهة الولادة رحمًا لهذا. وفي الشريعة عبارة عن كل قريب ليس بذي سهم ولا عَصَبَة، وقال ابن الأثير في "النهاية": ذو الرحم: الأقارب، ويقع على كل من يجمع بينك وبينه نسب، ويطلق في الفرائض على الأقارب من جهة النساء. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن نافع، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: "أن رجلًا من الأنصار جاء إلى رسول الله ﵇ فقال: يا رسول الله، رجل هلك وترك عمته وخالته، فسأل النبي ﵇ وهو واقف على حماره، فوقف ثم رفع يديه وقال: اللهم مات رجل وترك عمته وخالته فيسأله الرجل ويفعل النبي ﵇ ذلك -ثلاث مرات- ثم قال: لا شيء لهما". حدثنا بحر بن نصر، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني حفص بن ميسرة وهشام بن سعد وعبد الرحمن بن زيد، عن زيد بن أسلم: "أن رسول الله ﵇ دعي إلى جنازة من الأنصار، حتى إذا جاءها قال لهم رسول الله ﵇: ما ترك؟ قالوا: ترك عمته وخالته، ثم تقدم فقال: قفوا الحمار، فوقف فقال: اللهم رجل ترك عمته وخالته فلم ينزل عليه شيء، فقال رسول الله ﵇: لا أجد لهما شيئًا". حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم ومحمد بن عبد الرحمن بن المجبرَّ، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار قال: "أتى رجل من أهل العالية رسول الله ﵇، فقال:

стр. 8367

يا رسول الله، إن رجلًا هلك وترك عمته وخالته، فانطلق يقسم ميراثه، فتبعه رسول الله ﵇ على حمار، فقال: يا رب رجل ترك عمةً وخالةً، ثم سار هنيَّة ثم قال: يا رب رجل ترك عمةً وخالةً، ثم سار هنيَّة، ثم قال: يا رب رجل ترك عمةً وخالةً، ثم قال: لا أرى ينزل عليَّ شيء؛ لا شيء لهما". ش: هذه ثلاث طرق منقطعة: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى. . . . إلى آخره، ورجاله ثقات. وأخرجه أبو داود في "المراسيل" (١): نا عبد الله بن مسلمة، نا عبد العزيز -يعني ابن محمد- عن زيد بن أسلم، عن عطاء: "أن رسول الله ﵇ ركب إلى قباء يستخير في ميراث العمة والخالة، فأنزل الله عليه: لا ميراث لهما". الثاني: عن بحر بن نصر. . . . إلى آخره. وعبد الرحمن بن زيد هو ابن زيد بن أسلم، ضعفه جماعة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا وكيع، قال: ثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم قال: "دعي رسول الله ﵇ إلى جنازة رجل من الأنصار، فجاء على حمار فقال: ما ترك؟ قالوا: ترك عمةً وخالةً، قال رسول الله ﵇: رجل مات وترك عمةً وخالةً، ثم سار، ثم قال: رجل مات وترك عمةً وخالةً، ثم قال: لم أجد لهما شيئًا". الثالث: عن علي بن شيبة. . . . إلى آخره. ومحمد بن مطرف -ويقال: ابن طريف، ومطرف أصح- أبو غسان الليثي المدني روى له الجماعة. ومحمد بن عبد الرحمن بن المجبر -بالجيم والباء الموحدة- فيه مقال، فعن يحيى: ليس بشيء. وقال أبو زرعة: واهي الحديث. وقال ابن حبان: لا يحتج به.

стр. 8368

وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث محمد بن مطرف .. إلى آخره نحوه. قوله: من "أهل العالية". قد ذكرنا غير مرة أن العالية أماكن بأعلى أرض المدينة، وأدناها من المدينة على أربعة أميال، وتجمع على عوالي. قوله: "هنية" أي قليلًا من الزمان، وهو تصغير هنة، ويقال له: هنيهة أيضًا. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن الرجل إذا مات وترك ذا رحم ليس بعَصَبَة ولم يترك عَصَبَةً غيره أنه لا يرث من ماله شيئًا. واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. ش: أراد بالقوم هؤلاء: سعيد بن المسيب، ومكحولًا، والأوزاعي، ومالكًا، والشافعي، وأهل المدينة، وأهل الظاهر، فإنهم قالوا: لا ميراث لذوي الأرحام، فمن مات ولم يخلف وارثًا ذا فرض أو عَصَبَة فماله لبيت المال، إلا أن أصحاب الشافعي يفتون اليوم بتوريث ذوي الأرحام على قول أهل التنزيل لفساد بيت المال، ونقلوا مذهبهم ذلك عن أبي بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير ﵃. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: يرث ذو الرحم إذا لم يكن عصبة بالرحم التي بينه وبين الميت، كما يورث بالرحم التي يُدْلي بها، فيكون للعمة الثلثان، وللخالة الثلث؛ لأنها تدلي برحم الأم. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الشعبي، والنخعي وشريحًا القاضي، ومسروق بن الأجدع، وعلقمة بن الأسود، وطاوسًا، والثوري، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، ويحيى بن آدم، وضرار بن صرد، ونوح بن دراج، وأبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه؛ فإنهم قالوا بتوريث ذوي الأرحام، وهو قول عامة الصحابة ﵃ منهم: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس في أشهر الروايتين، ومعاذ بن

стр. 8369

جبل، وأبو الدرداء، وأبو عبيدة بن الجراح، وحكى القاضي أبو خازم أنه مذهب الخلفاء الأربعة. ثم اعلم أن القائلين بتوريث ذوي الأرحام ثلاث فرق: الأولى: يسمون أهل القرابة وهم: أبو حنيفة وصاحباه، وزفر، وعيسى بن أبان؛ وسموا بذلك؛ لأنهم يقدمون الأقرب فالأقرب، والأقوى فالأقوى. الثانية: يسمون أهل التنزيل وهم: الشعبي، ومسروق، والنخعي، ونعيم ابن حماد، وأبو نعيم، وابن أبي ليلى، ومحمد بن سالم، والثوري، وضرار بن صرد، ويحيى بن آدم، والحسن بن زياد، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وشريك؛ وسموا بذلك لأنهم ينزلون المدلى منزلة المدلى به في الاستحقاق، وهو مذهب علي وابن مسعود أيضًا. الثالثة: يسمون أهل الرحم، منهم: نوح بن دراج؛ سموا بذلك لأنهم سووا بين القريب والبعيد، والذكر والأنثى؛ فورثوا بالرحم وعلقوه بأصل الرحم. قوله: "فيكون للعمة الثلثان وللخالة الثلث". مذهب أهل التنزيل؛ فإنهم رووا عن علي وعبد الله بن مسعود في عمة وخالة: أن المال بينهما أثلاثًا: ثلثاه للعمة وثلثه للخالة، إقامةً لهما مقام من يدليان به. ص: وكان من الحجة لهم في ذلك: أن هذا الحديث الذي احتج به عليهم مخالفهم حديث منقطع، ومن مذهب هذا المخالف لهم أن لا يحتج بالمنقطع، فكيف يحتج عليهم بما لو احتجوا به عليهم لم يسوغُهم إياه؟!. ش: أي وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه، وأراد بها الجواب عن الحديث المذكور الذي احتج به أهل المقالة الأولى، بيانه أن يقال: إن هذا الحديث منقطع؛ لأنه رواية عطاء بن يسار عن النبي ﵇، وهؤلاء المخالفون لا يحتجون بالمنقطع لأنفسهم، فكيف يحتجون هاهنا على حجتهم بما لو احتج به هؤلاء عليهم لما سوغوه ذلك؟!

стр. 8370

فإن قيل: قد أخرجه الحاكم موصولًا (١) وقال: أنا أبو بكر بن أبي دارم الحافظ بالكوفة، ثنا أحمد بن موسى بن إسحاق التميمي، ثنا أبو نعيم ضرار بن صرد، نا عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: "أن رسول الله ﵇ ركب حمارًا إلى قباء فقال: أستخير الله في ميراث العمة والخالة، فأوحى الله إليه أن لا ميراث لهما". قلت: ذكر هذا البيهقي في "الخلافيات" وقال: والصحيح أن الحديث مرسل، وسكت عن ضرار بن صرد وهو متروك الحديث، كذا قال النسائي، وكان ابن معين يكذبه، ثم وإن سلمنا اتصاله وصحته، فمعناه ما ذكره عبد الحق في "أحكامه" بعد ذكر هذا الحديث فقال: قال أبو داود: معناه لا سهم لهما، ولكنهم يورثون للرحم. فإن قيل: قد روى الدارقطني في "سننه" (٢): ثنا إسماعيل بن علي الحطني، ثنا موسى بن إسحاق الأنصاري، ثنا الربيع بن ثعلب، نا مسعدة بن اليسع الباهلي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "سئل رسول الله ﵇ عن ميراث العمة والخالة، فقال: لا أدري حتى يأتيني جبريل ﵇، ثم قال: أين السائل عن ميراث العمة والخالة؟ قال: فأتى الرجل، فقال: سارني جبريل ﵇ أنه لا شيء لهما". قلت: قال الدارقطني: لم يسنده غير مسعدة عن محمد بن عمرو وهو ضعيف، والصواب مرسل. فإن قيل: روي البيهقي في "سننه" (٣): من حديث شريك بن أبي نمر، أخبرني الحارث بن عبد: "أن رسول الله ﵇ سئل عن ميراث العمة والخالة فسكت، فنزل عليه جبريل ﵇، فقال: حدثني جبريل ﵇ أن لا ميراث لهما".
следующие страницы →