ص: باب ما يجوز فيه الوصايا من الأموال، وما يفعله المريض في مرضه الذي يموت فيه من الهبات والصدقات والعتاق
ش: أي هذا باب في بيان ما يجوز فيه الوصية من الأموال، وبيان ما يوصي المريض في مرض موته من الهبة والصدقة والعتق.
ص: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: "مرضت عام الفتح مرضًا أشفيت منه على الموت، فأتاني رسول الله ﵇ يعودني، فقلت: يا رسول الله، إن لي مالًا كثيرًا وليس يرثني إلا ابنتي، أفأتصدق بمالي كله؟ قال: لا، قلت: أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: فالشطر؟ قال: لا، قلت: فالثلث؟ قال الثلث، والثلث كثير".
حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال ثنا الحسين بن علي عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: "عادني رسول الله ﵇ فقلت: أوصي بمالي كله؟ قال: لا، قلت: فالنصف؟ قال: لا، قلت: فالثلث؟ قال: نعم، والثلث كثير".
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، قال: قال سعد. . . . ثم ذكر نحوه.
ش: هذه ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري. . . . إلى آخره.
وأخرجه الجماعة، فالبخاري (١): عن أبي نعيم، نا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص قال: "جاء النبي ﵇
стр. 8297
يعودني وأنا بمكة وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها، قال: يرحم الله ابن عفراء. قلت: يا رسول الله أوصي بمالي كله؟ قال: لا، قلت: فالشطر؟ قال: لا، قلت: الثلث؟ قال: فالثلث والثلث كثير؛ إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالةً يتكففون الناس في أيديهم، وإنك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة حتى اللقمة التي ترفعها إلى في امرأتك، وعسى الله أن يرفعك فينتفع بك ناس ويُضَرُّ بك آخرون، ولم يكن له يومئذ إلا ابنة".
وأخرجه أيضًا (١): عن محمد بن عبد الرحيم، عن زكرياء بن عدي، عن مروان، عن هاشم بن هاشم، عن عامر بن سعد، عن أبيه.
ومسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، قال: أنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: "عادني رسول الله ﵇ في حجة الوداع من وجع أشفيت منه على الموت، قلت: يا رسول الله بلغني ما ترى من الوجع، وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: لا، الثلث والثلث كثير. . . ." الحديث.
وأبو داود (٣): عن عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عامر، به نحوه.
والترمذي (٤): عن ابن أبي عمر، قال: ثنا سفيان، عن الزهري به.
وقال: حسن صحيح.
والنسائي (٥): عن عمرو بن عثمان، عن سفيان، عن الزهري.
стр. 8298
وابن ماجه (١): عن هشام بن عمار والحسين بن الحسن المروزي وسهل بن أبي سهل الرازي، عن سفيان، عن الزهري به.
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي شيبة، عن الحسين ابن علي بن الوليد الجعفي الكوفي المقرئ، عن زائدة بن قدامة، عن عبد الملك بن عمير بن سويد التجيبي، عن مصعب بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص.
وأخرجه مسلم (٢): عن القاسم بن زكرياء، عن حسين بن علي، عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: "عادني النبي ﵇ فقلت: أوصي. . . ." إلى آخره نحوه.
الثالث: عن فهد أيضًا، عن أبي بكر بن أبي شيبة أيضًا، عن محمد بن فضيل ابن غزوان الضبي، عن عطاء بن السائب بن مالك الكوفي، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي الكوفي، عن سعد بن أبي وقاص.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣).
قوله: "مرضت عام الفتح" أراد به فتح مكة شرفها الله، وهذا انفرد به ابن عيينة، عن ابن شهاب حيث قال: "عام الفتح" وغيره كلهم قالوا فيه: عن ابن شهاب "عام حجة الوداع" قالوا: هو الأصوب، ذكره يعقوب بن شيبة، عن علي بن المديني.
قال أبو عمر (٤): روى عفان بن مسلم، قال: ثنا وهيب بن خالد، قال: ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن عمرو القاري، عن أبيه، عن جده عمرو القاري: "أن رسول الله ﵇ قدم مكة فخلَّف سعدًا مريضًا حين خرج إلى حنين،
стр. 8299
فلما قدم ومن الجعرانة دخل عليه وهو وجع مغلوب، فقال سعد: يا رسول الله، إن لي مالًا وإنني أورث كلالة؛ أفأوصي بمالي كله أو أتصدق به، قال: لا. . . ." وذكر الحديث.
فهذا يعضد ما قال ابن عيينة وفيه: "أفأوصي بمالي كله أو أتصدق" على الشك.
وأما حديث ابن شهاب فلم يختلف عنه أصحابه لا ابن عيينة ولا غيره أنه قال فيه: "أفأتصدق" ولم يقل: "أفأوصي".
فإن قلت: هذه اللفظة: "أفأتصدق" كان في ذلك حجة قاطعة لما ذهب إليه الجمهور من أهل العلم في هبات المريض وصدقاته وعتقه، أن ذلك كله من ثلثه لا من جميع ماله ماله.
قوله: "أشفيت منه" أي أشرفت من أجله على الموت، من الإشفاء وهو الإشراف على الشيء.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فتكلم الناس في الرجل هل يسعه أن يوصي بثلث ماله أو ينبغي أن يقصر عن ذلك؟ فقال قوم: له أن يوصي بالثلث كاملًا فيما أحب مما يجوز فيه الوصايا، واحتجوا في ذلك بإجازة النبي ﵇ لسعد ﵁ أن يوصي بثلث ماله بعد منعه إياه أن يوصي بما هو أكثر من ذلك على ما ذكرنا في هذه الآثار.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: شريحًا القاضي، ومحمد بن سيرين، والثوري، وأبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا، والشافعي وأحمد؛ فإنهم قالوا: للرجل أن يوصي بثلث ماله كله لا فيما أحب مما يجوز فيه الوصايا. واحتجوا فيه ذلك بحديث سعد بن أبي وقاص.
ص: وبما حدثنا يونس بن عبد الأعلى وبحر بن نصر، قالا: ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله جعل لكم ثلث أموالكم من آخر أعماركم زيادة لكم في أعمالكم".
стр. 8300
ش: أي واحتجوا أيضًا بما حدثنا يونس. . . . إلى آخره، وهؤلاء كلهم ثقات غير أن طلحة بن عمرو الحضرمي المكي فيه مقال، فعن البخاري: ليس بشيء. وعن النسائي: متروك الحديث. وعن أبي داود: ضعيف.
والحديث أخرجه ابن ماجه (١): ثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادةً لكم في أعمالكم".
وأخرجه البيهقي أيضًا في "سننه" (٢): من طريق ابن وهب، نحوه.
فإن قيل: هذا حديث ضعيف لا يصح الاستدلال به.
وقال أبو عمر: استحبت جماعة الوصية بالثلث، واحتجوا بحديث ضعيف عن النبي ﵇ أنه قال: "جعل الله في الوصية ثلث أموالكم زيادة في أعمالكم" وهو حديث انفرد به طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن أبي هريرة، وطلحة ضعيف، روى عنه هذا الخبر وكيع وابن وهب وغيرهما.
قلت: الاستدلال بحديث سعد المذكور الذي اتفق على صحته كاف. والحديث الضعيف إذا قرن بالصحيح يزداد قوةً ويرتفع اعتضادًا.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ينبغي للموصي أن يقتصر في وصيته عن ثلث ماله؛ لقول رسول الله ﵇: "الثلث والثلث كثير".
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عطاء، وإبراهيم النخعي، والشعبي، ومطرفًا، والضحاك، وطاوسًا، ومالكًا، وإسحاق؛ فإنهم قالوا: ينبغي للرجل أن يقتصر في وصيته عن ثلث ماله؛ لأن قوله ﵇: "الثلث والثلث كثير" دليل على أنه الغاية التي تنتهي إليها الوصية، فالتقصير عنها أفضل لقوله: "والثلث كثير".
стр. 8301
ص: فمما روي في ذلك عن مَن ذهب إليه من المتقدمين ما حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن هشام بن عروة، عن عروة قال: كان ابن عباس ﵄ يقول: "استقصروا عن قول رسول الله ﵇ إنه لكثير".
ش: أي فمن الذي روي في اقتصار الوصية عن الثلث ما روي عن عبد الله ابن عباس.
أخرجه بإسناد صحيح.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن ابن عباس قال: "وددت أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع؛ لأن رسول الله ﵇ قال: الثلث كثير".
ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، قال: أنا حميد، عن بكر بن عبد الله قال: "أوصيت إلى حميد بن عبد الرحمن الحميري فقال: ما كنت لأقبل وصية رجل له ولد يوصي بالثلث".
ش: إسناده صحيح.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا ابن علية، عن حميد، عن بكر، قال حميد بن عبد الرحمن: "ما كنت لأقبل وصية رجل يوصي بالثلث وله ولد".
ص: من الحجة لأهل المقالة الأولى على أهل هذه المقالة: أن الوصية بالثلث لو كان جورًا إذًا لأنكر رسول الله ﵇ ذلك على سعد، ولقال له: قصِّر عن ذلك، فلما ترك ذلك كان قد أباحه إياه، وفي ذلك ثبوت ما ذهب إليه أهل المقالة الأولى.
وممن ذهب إلى ذلك أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي فمن الدليل والبرهان لأهل المقالة الأولى على أهل المقالة الثانية، وأراد بهذا: الجواب عما قاله أهل المقالة الثانية.
стр. 8302
واعلم أن هذا فيما إذا كان له وارث، وأما إذا لم يكن له وارث فله أن يوصي بجميع ماله إن شاء. صح ذلك عن ابن مسعود وغيره. وهو قول الحسن البصري، وأبي حنيفة وأصحابه، وشريك القاضي، وإسحاق، وعبيدة السلماني، ومسروق.
واختلف في ذلك قول أحمد وهو المشهور عنه.
وقال مالك وابن شبرمة، والأوزاعي، والحسن بن حي، والشافعي، وأبو سليمان: له أن يوصي بأكثر من الثلث كان له وارث أو لم يكن. قاله ابن حزم في "المحلى".
وقال أبو عمر: أجمع فقهاء الأمصار: أن الوصية بأكثر من الثلث إذا أجازها الورثة جازت، وإن لم يجزها الورثة لم يجز منها إلا الثلث. وقال أهل الظاهر: الوصية بأكثر من الثلث لا تجوز؛ أجازها الورثة أو لم تجزها. وهو قول عبد الله بن كيسان، وإليه ذهب المزني.
وقال الجصاص في "أحكامه" (١): قد اختلف الفقهاء فيمن أوصى بأكثر من الثلث فأجازه الورثة قبل الموت؛ فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن صالح، وعبيد الله بن الحسن: إذا أجازوه في حياته لم يجز ذلك حتى يجيزوه بعد الموت، وروي نحو ذلك عن عبد الله بن مسعود وشريح وإبراهيم.
وقال ابن أبي ليلى وعثمان البتي: ليس لهم أن يرجعوا فيه بعد الموت، وهي جائزة عليهم.
وقال مالك: إذا استأذنهم فكل وارث بائن عن الميت مثل الولد الذي قد بان عن أبيه، والأخ وابن العم الذين ليسوا في عياله؛ فإنهم ليس لهم أن يرجعوا.
وأما امرأته وبناته اللاتي لم يَبِنَّ منه وكل مَن في عياله وإن كان قد احتلم فلهم أن يرجعوا، وكذلك العم وابن العم. وبه قال الليث بن سعد.
стр. 8303
ولا خلاف بين الفقهاء أنهم إذا أجازوه بعد الموت فليس لهم أن يرجعوا فيه، وروي عن طاوس وعطاء أنهم إذا أجازوه في الحياة جاز عليهم.
ص: ثم تكلم الناس بعد هذا في هبات المريض وصدقاته إذا مات من مرضه ذلك. فقال قوم -وهم أكثر العلماء-: هي من الثلث كسائر الوصايا.
وممن ذهب إلى ذلك: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: جمهور العلماء من التابعين وبعدهم منهم: الليث بن سعد، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، ومالك، وأحمد، وأصحابهم، وعامة أهل الحديث؛ فإنهم قالوا: هبات المريض وصدقاته وعتقه من ثلث ماله لا من جميع ماله.
ص: وقالت فرقة: هو من جميع المال كأفعاله وهو صحيح.
وهذا قول لم نعلم أحدًا من المتقدمين قاله.
ش: أراد بهؤلاء الفرقة: داود الظاهري ومن تبعه، قيل: وعطاء أيضًا؛ فإنهم قالوا: كل ذلك يعتبر من جميع المال. وهؤلاء شذوا عن أقوال السلف، وخالفوا الجمهور، فلا يقبل منهم.
ص: وقد روينا فيما تقدم من كتابنا هذا عن عائشة ﵂ أنها قالت: "نحلني أبو بكر ﵁ جداد عشرين وسقًا من ماله بالعالية فلما مرض قال: إني كنت نحلتك جداد عشرين وسقًا من مالي بالعالية فلو كنت جددته وحزته كان لكِ وإنما هو اليوم مال وارث، فاقسموه بينكم على كتاب الله تعالى".
فأخبر أبو بكر الصديق ﵁ أنها لو قبضت ذلك في الصحة تم لها ملكه، وأنها لا تستطيع قبضه في المرض قبضًا يتم لها به ملكه، وجعل ذلك غير جائز كما لا تجوز الوصية لها، ولم تُنكر ذلك عائشة على أبي بكر ﵄، ولا سائر أصحاب النبي ﵇، فدل ذلك أن مذهبهم جميعًا كان فيه مثل مذهبه، فلو لم يكن لمن ذهب إلى ما ذكرنا من الحجة لقوله الذي ذهب إليه إلا ما في هذا الحديث، وما ترك
стр. 8304
أصحاب رسول الله ﵇ من الإنكار في ذلك على أبي بكر، لكان فيه أعظم الحجة، فكيف وقد روي عن رسول الله ﵇ ما يدل على ذلك؟!
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا منصور بن زاذان، عن الحسن، عن عمران بن حصين: "أن رجلًا أعتق ستة أعبد له عند الموت لا مال له غيرهم، فأقرع رسول الله ﵇ بينهم فأعتق اثنين وأرقَّ أربعة".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، قال: ثنا عطاء الخراساني، عن سعيد بن المسيب وأيوب، عن محمد بن سيرين، عن عمران بن حصين.
وقتادة وحميد وسماك بن حرب، عن الحسن، عن عمران بن حصين. . . . فذكر مثله.
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا مسدد وسليمان بن حرب، قالا: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين، عن رسول الله ﵇ مثله.
فهذا رسول الله ﵇ قد جعل العتاق في المرض من الثلث، فكذلك الهبات والصدقات.
ش: ذكر حديث عائشة المذكور في باب: "الرجل ينحل بعض بنيه دون بعض" مسندًا عن يونس، عن ابن وهب، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أنها قالت: "إن أبا بكر الصديق ﵁ نحلها جَدّ عشرين وسقًا من ماله بالعالية. . . ." الحديث. وقد مر الكلام فيه هناك مستوفى. قوله: "جداد عشرين" أي قطعها من الجد وهو القطع.
стр. 8305
قوله: "بالعالية" أي في العالية، وهي أماكن بأعلى أراضي المدينة، وأدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جهة نجد ثمانية. وتجمع على عوالي.
قوله: فكيف وقد روي عن رسول الله ﵇ ما يدل على ذلك" أي على ما ذكرنا من أن العتاق والهبات والصدقات في المرض تكون من الثلث، وهو حديث عمران بن حصين فإنه ﵇ قد جعل هذه الأشياء في المرض من الثلث.
وأخرجه من ست طرق صحاح:
الأول: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن هشيم بن بشير، عن منصور بن زاذان، عن الحسن البصري، عن عمران بن الحصين.
وأخرجه النسائي (١): عن علي بن حجر، عن هشيم، عن منصور، عن الحسن، عن عمران، نحوه.
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن روح بن عبادة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين: "أن رجلًا من الأنصار أعتق رؤسًا ستة عند موته ولم يكن له مال غيرهم، فبلغ ذلك رسول الله ﵇ فأغلظ له، فدعى بهم رسول الله ﵇ فأقرع بينهم فأعتق اثنين وردَّ أربعةً في الرق".
الثالث: عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن المنهال، عن حماد بن سلمة، عن عطاء الخراساني، عن سعيد بن المسيب، عن عمران بن حصين.
стр. 8306
وأخرجه أحمد (١): عن عفان، عن حماد، عن عطاء الخراساني، عن سعيد بن المسيب، عن عمران، نحوه.
الرابع: عن محمد بن خزيمة، عن حجاج، عن حماد، عن أيوب، عن محمد ابن سيرين، عن عمران.
الخامس: عن محمد بن خزيمة، عن حجاج، عن حماد، عن قتادة وحميد الطويل وسماك بن حرب، عن الحسن، عن عمران.
وأخرجه أحمد (١): عن عفان، عن حماد، عن حبيب ويونس وقتادة وسماك ابن حرب، عن الحسن، عن عمران، عن النبي ﵇: "أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته، ليس له مال غيرهم؛ فأقرع النبي ﵇ بينهم، فرد أربعة في الرق وأعتق اثنين".
وأخرجه النسائي (٢) أيضًا: عن ابن بشار، عن حجاج بن منهال، عن حماد، عن قتادة وحميد وسماك، عن الحسن، عن عمران.
السادس: عن أحمد بن داود المكي، عن مسدد وسليمان بن حرب -شيخي البخاري- كلاهما عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، عن أبي المهلب الجرمي عم أبي قلابة -قيل: اسمه عمرو بن معاوية، وقيل: عبد الرحمن بن معاوية، وقيل: معاوية بن عمرو، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو، وقيل: النضر بن عمرو.
وأخرجه مسلم (٣): ثنا إسحاق بن راهويه وابن أبي عمر، قالا: عن عبد الوهاب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن الحصين: "أن رجلًا أوصى
стр. 8307
عند موته فأعتق ستة مملوكين لم يكن له مال غيرهم فدعا بهم رسول الله ﵇ فجزأهم أثلاثًا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرقَّ أربعة وقال له قولًا شديدًا".
وأخرجه أبو داود (١): عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب به.
وأخرجه الترمذي (٢): عن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب به.
وقال: حسن صحيح.
وأخرجه النسائي (٣): عن قتيبة، عن حماد بن زيد. . . . إلى آخره.
وأخرجه ابن ماجه (٤): عن نصر بن علي ومحمد بن المثنى، عن عبد الأعلى ابن عبد الأعلى، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، نحوه.
ص: وقد احتج بعض من ذهب إلى هذه المقالة أيضًا بحديث الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه: "أن رسول الله ﵇ عاده في مرضه، فقال: أتصدق بمالي كله؟ فقال: لا، حتى رده إلى الثلث".
على ما قد ذكرنا في أول هذا الباب.
قال: ففي هذا الحديث أنه جعل صدقته في مرضه من الثلث كوصاياه بعد موته، فيدخل مخالفه عليه أن مصعب بن سعد روى هذا الحديث عن أبيه أن سؤاله رسول الله ﵇ عن ذلك إنما كان على الوصية بالصدقة بعد الموت، على ما ذكرنا عنه في أول هذا الباب أيضًا، فليس ما احتج به هو من حديث عامرٍ بأولى مما احتج به عليه مخالفه من حديث مصعب.
стр. 8308
ش: أي استدل بعض العلماء ممن ذهبوا إلى المقالة الثانية بحديث محمد بن مسلم الزهري الذي رواه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، وهو المذكور في أول الباب، وقد ذكرنا أن هذا الحديث روي على ثلاثة أوجه.
الأول: ما رواه الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه. وفيه: "أتصدق بمالي كله".
الثاني: ما رواه مصعب بن سعد، عن أبيه. وفيه: "أوصي بمالي كله".
الثالث: ما رواه عمرو القاري. وفيه: "أفأوصي بمالي كله أو أتصدق به" على الشك، ورد الطحاوي على هذا المُسْتَدِل بقوله: فيدخل مخالفه عليه. . . . إلى آخره. وهو ظاهر.
ص: ثم تكلم الناس بعد هذا فيمن أعتق ستة أعبد له عند موته ولا مال له غيرهم فأبى الورثة أن يجيزوا، فقال قوم: يعتق منهم ثلثهم ويسعون فيما بقي من قيمتهم. وممن قال ذلك: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏.
ش: الواو في قوله: "ولا مال له" للحال، أي: والحال أنه لا مال لهذا المعتق غير هؤلاء العبيد الستة.
وأراد بالقوم هؤلاء: سفيان الثوري، وإبراهيم النخعي، وعبد الله بن المبارك وأبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا؛ فإنهم قالوا في هذه الصورة: يعتق من كل واحد من العبيد ثلثه ويجب عليه السعي في الباقي.
ص: وقال آخرون: يعتق منهم ثلثهم ويكون ما بقي منهم رقيقًا لورثة المعتق.
ش: أي وقال قوم آخرون، وأراد بهم: مالكًا، وأحمد في رواية، وطائفة من الشافعية، فإنهم قالوا: يعتق من العبيد ثلثهم ويكون الباقي على الرقبة.
стр. 8309
وقال ابن حزم في "المحلى" (١): قال مالك: من أوصى بعتق جزء من عبده لم يعتق منه إلا ما وصى بعتقه ورق باقيه، سواء حمله الثلث كله أو قصر عنه، فإن لم يحمل الثلث ما وصى بعتقه منه لم يعتق منه إلا ما حمل الثلث مما أوصى بعتقه منه ورق سائره، فإن أوصى بعتق عبيده أو دبرهم فإنه يعتق من كل واحد منهم ما حمله الثلث فقط ويرق سائره، فلو دبَّر في صحته أو في مرضه؛ بدئ بالأول فالأول على رتبته في تدبيره لهم، فإذا تم الثلث رقَّ الباقون ورقَّ ما بقي ممن لم يحمل الثلث جميعه.
ص: وقال آخرون: يقرع بينهم فيعتق منهم من قرع من الثلث، ويرق من بقي.
ش: أي: وقال قوم آخرون، وأراد بهم: الشافعي وأحمد وإسحاق؛ فإنهم قالوا في الصورة المذكورة: يقرع بينهم، فيعتق منهم من قرع -يعني من خرجت له القرعة- من الثلث، ويرق الباقون.
ص: واحتجوا في ذلك بما ذكرنا عن رسول الله ﵇ في حديث عمران ﵁.
ش: أي احتج هؤلاء الآخرون وهم أهل المقالة الثالثة فيما ذهبوا إليه بما روي عن عمران بن الحصين المذكور في هذا الباب، وهو ما رواه الحسن البصري عنه: "أن رجلًا أعتق ستة أعبد له عند الموت لا مال له غيرهم فأقرع رسول الله ﷺ بينهم، فأعتق اثنين وأرقَّ أربعةً".
ص: فكان من الحجة لأهل المقالتين الأوليين على أهل هذه المقالة: أن ما ذكروا من القرعة المذكورة في حديث عمران منسوخ؛ لأن القرعة قد كانت في بدء الإِسلام تستعمل في أشياء فيحكم بها فيها، ويجعل ما قرع منها وهو الشيء الذي كانت القرعة من أجله لعينه.
стр. 8310
ش: أي فكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الأولى والثانية على أهل المقالة الثالثة وهم: الشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وأراد بهذا: الجواب عن حديث عمران الذي احتجوا به فيما ذهبوا إليه من الاقتراع، وبيانه أنه منسوخ؛ لأن القرعة قد كانت في ابتداء الإِسلام وكانوا يحكمون بها في أشياء، ثم نسخ ذلك وردت الأشياء إلى المقادير المعلومة التي فيها التعديل.
ص: من ذلك ما كان علي بن أبي طالب ﵁ حكم به في زمن رسول الله ﵇ باليمن، فإنه حدثنا إسماعيل بن إسحاق الكوفي، قال: ثنا جعفر بن عون أو يعلى بن عبيد -أنا أشك- عن الأجلح، عن الشعبي، عن عبيد الله بن الخليل الحضرمي، عن زيد بن أرقم ﵁ قال: "بينا أنا عند رسول الله ﵇؛ إذ أتاه رجل من اليمن وعليّ ﵁ يومئذٍ بها، فقال: يا رسول الله أتى عليًّا ثلاثة نفر يختصمون في ولد قد وقعوا على امرأة في طهرٍ واحد، فأقرع بينهم، فقرع أحدهم فدفع إليه الولد، فضحك رسول الله ﵇ حتى بدت نواجذه أو قال: أضراسه".
فهذا رسول الله ﵇ لم ينكر على علي ﵁ ما حكم به بالقرعة في دعوى النفر بالولد، فدل ذلك أن الحكم كان حينئذ كذلك، ثم نسخ ذلك بعد باتفاقنا واتفاق هذا المخالف لنا، ودل على نسخه ما قد رويناه في باب القافة من حكم علي ﵁ في مثل هذا بأن جعل الولد بين المدعيين جميعًا يرثهما ويرثانه. فدل ذلك أن الحكم كان يوم حكم علي ﵁ بما حكم في كل شيء، مثل النسب الذي يدعيه النفر، أو المال الذي يوصي به للنفر بعد أن يكون قد أوصى به لكل واحد على حدة، أو العتاق الذي يعتق به العبيد في مرض معتقهم أن يقرع بينهم؛ فأيهم قرع استحق ما ادعى وما كان وجب بالوصية والعتاق، ثم نسخ ذلك بنسخ الربا، إذ رُدَّت الأشياء إلى المقادير المعلومة التي فيها التعديل الذي لا زيادة فيه ولا نقصان.
ش: أشار بهذا إلى أن القرعة كان يعمل بها في ابتداء الإسلام، ثم نسخ لما
стр. 8311
نسخ حكم الربا، وبيَّن ذلك بقوله: "من ذلك ما كان علي بن أبي طالب حكم به" أي بالاقتراع لما كان في اليمن، وكان ﵇ أرسله حاكمًا.
أخرج ذلك عن إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل الكوفي المعروف بترنجة، عن جعفر بن عون الكوفي أو يعلى بن عبيد الإيادي الكوفي، والشك فيه من الطحاوي، عن الأجلح بن عبد الله الكوفي، عن عامر الشعبي، عن عبد الله بن الخليل الحضرمي الكوفي، عن زيد بن أرقم.
وهؤلاء ثقات غير أن ابن الخليل قد قال البخاري فيه: لا يتابع على حديثه. قال أحمد: حديث القافة أحب إليَّ من هذا الحديث، وقد تكلم بعضهم فيه.
وقال البيهقي: الأجلح قد روى عنه أئمة لكن ما احتج به الشيخان، وعبد الله ابن الخليل ينفرد به، قال البخاري: عبد الله بن الخليل عن زيد في القرعة لم يتابع عليه.
قلت: لم يلزم من ترك الشيخين الاحتجاج بالأجلح تضعيفه؛ ولهذا أخرجه الحاكم هذا الحديث في "مستدركه" (١) وصححه.
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا مسدد، ثنا يحيى، عن الأجلح، عن الشعبي، عن عبد الله بن الخليل، عن زيد بن أرقم قال: "كنت جالسًا عند النبي ﵇، فجاء رجل من أهل اليمن فقال: إن ثلاثة نفر من أهل اليمن أتوا عليًّا يختصمون إليه في ولد وقعوا على امرأة في طهر واحد، فقال للاثنين منهما: طيبا بالولد لهذا، فغليا، ثم قال للاثنين: طيبا بالولد لهذا فغليا، فقال: أنتم شركاء متشاكسون، إني مقرع بينكم، فمن قرع فله الولد وعليه لصاحبيه ثلثا الدية، فأقرع بينهم فجعله لمن قرع، فضحك رسول الله ﵇ حتى بدت أضراسه، أو قال: نواجذه".
стр. 8312
وأخرجه أيضًا (١): عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة، عن سلمة، سمع الشعبي، عن الخليل أو ابن قال: "أتي علي ﵁ في امرأة ولدت من ثلاثة. . . ." نحوه. ولم يذكر النبي ﵇ ولا زيدًا فيه".
وأخرجه النسائي (٢): عن علي بن حُجر، عن علي بن مسهر، عن الأجلح، عن الشعبي، عن ابن الخليل، عن زيد نحوه.
وأخرجه أيضًا (٣): عن إسحاق بن شاهين، عن خالد، [عن الشيباني، عن الشعبي، عن رجل من حضرموت، عن زيد بن أرقم قال: "بعث رسول الله عليًّا إلى اليمن، فأُتي بغلام تنازع فيه ثلاثة. . . ." وساق الحديث] (٤).
وقال الخطابي: في هذا الحديث دليل على أن الولد لا يلحق بأكثر من أب واحد، وفيه إثبات القرعة في أمر الولد، وممن ذهب إلى ظاهر هذا الحديث: إسحاق بن راهويه وقال: هو السنة في دعوى الولد. وبه قال الشافعي في القديم.
قلت: حكم هذا الحديث منسوخ وبين ذلك الطحاوي بقوله: ودلَّ على نسخه ما قد رويناه في باب "القافة" من حكم علي ﵁. . . . إلى آخره. وهو ظاهر.
стр. 8313
ص: وبعد هذا فليس يخلو ما حكم به رسول الله ﵇ -من العتاق في المرض من القرعة وجعله إياه من الثلث- من أحد وجهين: إما أن يكون حكمًا دليلًا على سائر أفعال المريض في مرضه من عتاقه وهباته وصدقاته، أو يكون ذلك حكمًا في عتاق المريض خاصةً دون سائر أفعاله من هباته وصدقاته، فإن كان خاصًّا في العتاق دون ما سواه فينبغي أن لا يكون ما جعل النبي ﵇ في هذا الحديث من العتاق في الثلث دليلًا على الهبات والصدقات أنها كذلك؛ فثبت قول الذي يقول: إنها من جميع المال إذْ كان النظر يشهد له، وإن كان هذا لا يدرك فيه خلاف ما قال إلا بالتقليد، ولا شيء في هذا الباب يقلده غير هذا الحديث، فإن كان جعل النبي ﵇ ذلك العتاق في الثلث دليلًا لنا على هبات المريض وصدقاته كذلك، فكذلك هو دليل لنا على أن القرعة قد كانت في ذلك كله جارية محكومًا بها، ففي ارتفاعها عندنا وعند هذا المخالف لنا من الهبات والصدقات دليل على ارتفاعها أيضًا في العتاق؛ فبطل بذلك قول من ذهب إلى القرعة، وثبت أحد القولين الآخرين.
ش: هذا جواب آخر عن حكم حديث عمران بن الحصين ﵁: السَّبْر والتقسيم، وهو ظاهر لا يحتاج إلى كثير الكلام.
ص: فقال مَن ذهب إلى تثبيت القرعة: وكيف تكون القرعة منسوخة وقد كان رسول الله ﵇ يعمل بها فيما قد أجمع المسلمون على العمل بها فيه من بعده، فذكروا ما حدثنا يونس قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن إسحاق بن راشد، عن الزهري، عن عروة وسعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وعلقمة بن وقاص، عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﵇ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه؛ فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه".
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب. . . . فذكر بإسناده مثله.
стр. 8314
حدثنا فهد، قال: ثنا يوسف بن بهلول، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، قال: ثنا محمد بن مسلم، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂.
وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة وعن علقمة بن وقاص وسعيد بن المسيب وعبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة.
ويحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة مثله.
حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا سعيد بن عيسى بن تليد، قال: ثنا المفضل بن فضالة القِتباني، عن أبي الطاهر عبد الملك بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمه عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال: حدثتني خالتي عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة مثله.
قالوا: فهذا ما ينبغي للناس أن يفعلوه إلى اليوم وليس بمنسوخ، فما تُنكرون أن تكون القرعة في العتاق في المرض أيضًا كذلك؟.
ش: أراد بقوله: "من ذهب إلى تثبيت القرعة" أهل المقالة الثالثة، وهم: الشافعي وأحمد وإسحاق، حاصله أنهم ادعوا بقاء حكم القرعة، وأنكروا النسخ، وقالوا: إذا كانت القرعة ثابتةً في المسافرة بإحدى زوجاته، فلا يُنكر أن يكون الحكم كذلك في العتاق في المرض، وذكروا في ذلك حديث عائشة.
أخرجه من أربع طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن علي بن معبد بن شداد، عن عبيد الله ابن عمرو الرقي، عن إسحاق بن راشد الجزري، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عروة بن الزبير بن العوام وسعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وعلقمة بن وقاص العتواري المدني، أربعتهم عن عائشة ﵂.
وأخرجه البخاري (١) مطولًا جدًّا في حديث الإفك: ثنا عبد العزيز بن عبد الله، ثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: حدثني عروة بن الزبير
стр. 8315
وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عائشة زوج النبي ﵇ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا. . . . الحديث.
وفيه قالت عائشة: "كان رسول الله ﵇ إذا أراد سفرًا أقرع بين أزواجه فأيَّتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﵇".
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي صالح عبد الله بن صالح وراق الليث، عن الليث بن سعد، عن يونس بن زيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة وسعيد وعبيد الله وعلقمة، عن عائشة.
وأخرجه مسلم (١) أيضًا مطولًا: ثنا حبان بن موسى، أنا عبد الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عائشة، وفيه قالت: "كان رسول الله ﵇ إذا أراد أن يخرج سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﵇. . . ." الحديث.
الثالث: عن فهد أيضًا، عن يوسف بن بهلول التميمي الأنباري شيخ البخاري، عن عبد الله بن إدريس الأودي، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة.
وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة وعن علقمة بن وقاص وسعيد بن المسيب وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة.
وعن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة.
أما رواية الزهري عن عروة، عن عائشة فأخرجها أبو داود (٢): عن ابن السرح، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: "كان النبي ﵇ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه".
стр. 8316
وأما رواية الزهري عن سعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله، ثلاثتهم عن عائشة.
فأخرجها البخاري (١) ومسلم (١) وقد ذكرناها.
وأما رواية عمرة، عن عائشة فأخرجها أحمد في "مسنده" (٢): عن يعقوب، عن أبيه، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن ما خرج سهمها خرج بها".
الرابع: عن محمد بن حميد بن هشام الرعيني، عن سعيد بن عيسى بن تليد الرعيني المصري شيخ البخاري، عن المفضل بن فضالة القتباني المصري، عن أبي الطاهر عبد الملك بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن خالته عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة ﵂.
ص: قيل لهم: قد ذكرنا ذلك في موضعه ما يغني، ولكن نذكر هاهنا أيضًا ما فيه دليل أن لا حجة لكم في هذا إن شاء الله تعالى.
أجمع المسلمون أن للرجل أن يسافر إلى حيث أحب وإن طال سفره ذلك وليس معه أحد من نسائه، وأن حكم القسم مرتفع عنه بسفره، فلما كان ذلك كذلك كانت قرعة النبي ﵇ بين نسائه في وقت احتياجه إلى الخروج بإحداهن ليُطَيِّب نفس من لا يخرج بها منهن، وليُعلم أنه لم يحاب التي خرج بها عليهن؛ لأنه لما كان له أن يخرج ويخلفهن جميعًا كان له أن يخرج ويخلف من شاء منهن.
فثبت بما ذكرنا أن القرعة إنما تستعمل فيما لمستعملها تركها، وفيما له أن يمضيه بغيرها.
стр. 8317
ش: هذا جواب عما قاله من ذهب إلى تثبيت القرعة، وحاصله أن قرعة النبي ﵇ في حديث عائشة إنما كانت لتطييب قلوب نسائه ولم تكن واجبةً عليه، ونحن أيضًا نقول بذلك على هذا الوجه.
قوله: "في موضعه" أراد به باب: "القافة" فإنه استوفى الكلام فيه هناك.
ص: ومن ذلك: الخصمان يحضران عند الحاكم فيدعي كل واحد منهما على صاحبه دعوى، فينبغي للقاضي أن يقرع بينهما، فأيهما قرع بدأ بالنظر في أمره، وله أن ينظر في أمر من شاء منهما بغير قرعة، فكان أحسن به لبعد الظن به، في هذا استعمال القرعة كما استعملها رسول الله ﵇ في أمر نسائه.
ش: أي ومن القبيل المذكور -وهو استعمال القرعة لتطييب القلوب-: الخصمان يحضران عند القاضي ويتخاصمان في شيء، فإن القاضي له أن يقرع بينهما في البداءة بالنظر في أمرهما، فمن خرجت قرعته بدأ بالنظر في أمره، فإن ذلك أيضًا لتطييب قلبهما ومع هذا له أن ينظر في أمر من شاء منهما بغير قرعة، وهذا لا خلاف فيه.
فدل أن القرعة ليست بواجبة.
ص: وكذلك عَمِلَ المسلمون في أقسامهم بالقرعة بما عدلوه بين أهلهم، فيما لو أمضوه بينهم لا عن قرعة كان ذلك مستقيمًا، فأقرعوا بينهم لتطمئن به قلوبهم، وترتفع الظنة عمن تولى لهم قسمته، ولو أقرع بينهم على طوائف من المتاع الذي لهم قبل أن يعدل ويسوي قيمته على أملاكهم منه كان ذلك القسم باطلًا، فثبت بذلك أن القرعة إنما فعلت بعد أن تقدمها ما يجوز القسم به، وأنها إنما أريدت لانتفاء الظن لا بحكم يجب بها، فكذلك نقول: كل قرعة تكون كمثل هذا فهي حسنة، وكل قرعة يراد بها وجوب حكم وقطع حقوق متقدمة، فهي غير مستعملة.
ش: أي وكذلك -لتطييب القلوب- عمل المسلمون في أقسامهم بالقرعة وهو جمع قِسْم بكسر القاف.
стр. 8318
وملخص هذا الكلام: أن القرعة إذا أريد بها تطييب القلوب ودفع التهمة كان ذلك حسنًا، ونحن نقول به أيضًا، وإذا أريد بها وجوب حكم أو قطع حق فلا نقول بها حينئذٍ؛ لأن هذا إنما كان ثم نسخ، فافهم.
ص: ثم رجعنا إلى القولين الآخرين، فرأينا رسول الله ﵇ قد حكم في العبد إذا كان بين اثنين فأعتقه أحدهما أنه حر كله ويضمن إن كان موسرًا، وإن كان معسرًا ففي ذلك من الاختلاف ما قد ذكرنا في كتاب العتاق، ثم وجدنا في حديث أبي المليح الهذلي عن أبيه: "أن رجلًا أعتق شقصًا له في مملوك فقال رسول الله ﷺ : هو حر كله، ليس لله شريك".
فبيَّن رسول الله ﵇ العلة التي لها عتق نصيب الشريك الذي لم يتولّ العتاق لما عُتق نصيب صاحبه، فدل ذلك أن العتاق متى وقع في بعض العبد انفش في كله.
وقد رأينا رسول الله ﵇ أيضًا حكم في العبد بين اثنين إذا أعتقه أحدهما ولا مال له يحكم عليه فيه بالضمان بالسعاية على العبد في نصيبه الذي لم يعتق، فثبت بذلك أن حكم هؤلاء العبيد المعتقين في المرض كذلك وأنه لما استحال أن يجب على غيرهم ضمان ما جاوز الثلث الذي للميت أن يوصي به، ويُمَلِّكه في مرضه من أحب من قيمتهم، وجب عليه السعاية في ذلك للورثة. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أراد بالقولين الآخرين: قول أهل المقالة الأولى وهم: أبو حنيفة ومن معه، وقول أهل المقالة الثانية وهم: مالك ومَن معه.
وحديث أبي المليح الهذلي أخرجه الطحاوي في باب: "العبد يكون بين الرجلين فيعتقه أحدهما" عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي الوليد، عن همام، عن قتادة، عن أبي المليح، عن أبيه.
стр. 8319
وأخرجه أبو داود (١): عن أبي الوليد، عن همام، وعن محمد بن كثير، عن همام، عن قتادة، عن أبي المليح، عن أبيه: "أن رجلًا أعتق شِقيصًا من غلام، فذكر ذلك للنبي ﵇، فقال: ليس لله شريك".
وأخرجه النسائي (٢): عن ابن المثنى عن أبي الوليد وعن محمد بن معمر، عن حبان بن هلال، عن همام، عن قتادة، عن أبي المليح، عن أبيه نحوه.
وأبو المليح اسمه عامر، وقيل: زيد، روى عن أبيه أسامة بن عمير الهذلي الصحابي البصري ﵁، والله أعلم.
стр. 8320
ص: باب الرجل يوصي بثلث ماله لقرابته أو لقرابة فلان، مَنْ هم ؟
ش: أي هذا باب في بيان حكم الوصية للقرابة، وبيان أن القرابة مَن هم؛ حتى يصرف إليهم ما يوصي به لهم.
القرابة في الأصل مصدر، سميت الأقارب بها، كالصحابة فإنها في الأصل مصدر، وسميت أصحاب رسول الله ﵇ بها.
قال الجوهري: القرابة: القربى في الرحم، وهو في الأصل مصدر، تقول: بيني وبينه قَرَابة وقُرْبٌ وقُرْبَى ومَقْرُبة وقُرْبة وقُرُبة بضم الراء، وهو قَرِيبي وذو قَرَابتي، وهم أَقْرِبائي وأَقَارِبي، والعامة تقول: هم قرابتي، وهم قراباتي.
ص: قال أبو جعفر ﵀: اختلف الناس في الرجل يوصي بثلث ماله لقرابة فلان، مَن القرابة الذين يستحقون تلك الوصية؟.
فقال أبو حنيفة ﵁: هم كل ذي رحم محرم من فلان من قِبَل أبيه أو من قِبَل أمه، غير أنه يبدأ في ذلك مَن كانت قرابته من قِبَل أبيه على مَن كانت قرابته من قِبَل أمه.
وتفسير ذلك أن يكون الموصي لقرابته عمٌ وخال فقرابة عمه من قبل أبيه كقرابة خاله منه من قبل أمه فيبدأ في ذلك عمه على خاله فتجعل الوصية له.
ش: إذا أوصى رجل بثلث ماله لقرابة فلان فمن هم قرابته الذين يستحقون ذلك الثلث الموصى به؟ فقد اختلفت العلماء فيه على أقوال:
الأول: قول أبي حنيفة ﵁ وهو أن الوصية تكون للأقرب فالأقرب من كل ذي رحم محرم من فلان، ولا يدخل الوالدان والولد.
أما اعتبار الأقرب فلأن الوصية أخت الميراث وفيه يعتبر الأقرب فالأقرب، حتى لو كان لفلان عمان وخالان فالوصية للعمين، ولو كان له عم وخالان فللعم النصف وللخالين النصف، ولو كان له عم واحد فله نصف الثلث، ولو
стр. 8321
كان له عم وعمة وخال فالوصية للعم والعمة سواء لاستوائهما في القرابة وهي أقوى من الخولة والعمة، وإن لم يكن وارثه يستحق الوصية بلفظة القرابة كما لو كان القريب عبدًا أو كافرًا، وأما عدم دخول الوالدين والولد؛ فلأن الله تعالى عطف الأقربين على الوالدين، والمعطوف يُغاير المعطوف عليه، ولأن الوالد والولد لا يسميان قرابتين عرفًا وحقيقة أيضًا؛ لأن الأب أصل والولد فرعه وجزءه، والقريب من يقرب من غيره لا من نفسه، فلا يتناوله اسم القريب.
فإن قلت: إذا لم يدخل الوالد والولد في هذه الوصية فهل يدخل فيها الجد وولد الولد؟
قلت: ذكرنا في الزيادات أنهما يدخلان، ولم نذكر فيه خلافًا.
وذكر الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنهما لا يدخلان. وهكذا روي عن أبي يوسف وهو الصحيح؛ لأن الجد بمنزلة الأب وولد الولد بمنزلة الولد.
ص: وقال زفر ﵀: الوصية لكل من قرب منه من قِبَل أبيه أو من قِبَل أمه دون من كان أبعد منهم، وسواء في ذلك بين مَن كان منهم ذا رحم محرم وبين من كان ذا رحم غير محرم.
ش: هذا هو القول الثاني، وهو قول زفر بن الهذيل ﵀، وهو أن الوصية تكون لكل من قرب من فلان من قِبَل أبيه أو من قِبَل أمه دون مَن كان أبعد من فلان منهم، وسواء كان من ذوي الرحم المحرم أو كان من ذوي الرحم غير المحرم، حتى لو كان لفلان عمان وخالان فالوصية بينهم أرباعًا، ولو كان له عم وخالان فالوصية بينهم أثلاثًا وعلى هذا. . . .
ص: وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن -رحمهما الله-: الوصية في ذلك لكل من جمعه وفلانًا أب واحد، منذ كانت الهجرة من قبل أبيه أو من قبل أمهن، وسَوَّيَا في ذلك بين مَن بعد منهم ويبن من يقرب، وبين من كانت رحمه محرمة وبين مَن كانت رحمه غير محرمة، ولم يفصلا في ذلك مَن كانت رحمه من قبل الأب على مَن كانت رحمه من قبل الأم.
стр. 8322
ش: هذا هو القول الثالث. وهو قول أبي يوسف ومحمد وهو أن الوصية تكون لكل من جمع بين الفلان وبين رحمه أبٌ واحد، سواء كان أقصى أب له في الإسلام وهو أول أب أسلم أو أول أب أدرك الإسلام وإن لم يسلم على حسب ما اختلف فيه المشايخ، حتى لو أوصى للعلوية والعباسية بصرف الثلث إلى من اتصل بعلي وعباس ﵄ لا إلى مَن فوفهما من الآباء وهما يقولان: إن القريب مشتق من القرب فيتناول الرحم المحرم وغيره، والقريب والبعيد، وصار كما لو أوصى لإخوة فلان أنه يدخل الإخوة لأب وأم، والإخوة لأب والإخوة لأم فدلَّ على أن الاسم يتناول كل قريب إلا أنه لا يمكن العمل بعمومه لتعذر إدخال أولاد آدم ﵇ فيه فيعتبر النسبة إلى أقصى أب في الإسلام؛ لأنه لما ورد الإسلام صارت المعرفة بالإسلام والشرف به، فصار الجد المسلم هو النسب فشرفوا به، فلا يعتبر من كان قبله.
ص: وقال آخرون: الوصية في ذلك لكل من جمعه وفلانًا أبوه الرابع إلى ما هو أسفل من ذلك.
ش: أي قال قوم آخرون. وهو القول الرابع من الأقوال المذكورة وهو أن الوصية تكون لكل من جمعه وفلانًا أبوه الرابع، إلى ما هو أسفل من ذلك، وهو قول طائفة من أهل الحديث وجماعة من الظاهرية.
ص: وقال آخرون: الوصية في ذلك لكل من جمعه وفلانًا أبٌ واحد في الإسلام أو في الجاهلية ممن يرجع بآبائه أو بأمهاته إليه أبا عن أب أو أمًّا عن أم إلى أب يلقاه بما تثبت به المواريث وتقوم به الشهادات.
ش: أي وقال قوم آخرون وهو القول الخامس، وهو قول مالك والشافعي وأحمد: إن الوصية في ذلك لكل من جمعه وفلانًا أبٌ واحد في الإسلام أو في الجاهلية.
وتحقيق مذهب الشافعي ما ذكره في الروضة: إذا أوصى لأقارب زيد، دخل فيه الذكر والأنثى، والفقير والغني، والوارث وغيره، والمحرم وغيره، والقريب والبعيد، والمسلم والكافر، لشمول الاسم.
стр. 8323
ولو أوصى لأقارب نفسه ففي دخول ورثته وجهان:
أحدهما: المنع؛ لأن الوارث لا يوصى له، فعلى هذا يختص بالباقين. وبهذا قطع المتولي ورجحه الغزالي، وهو محكي عن الصيدلاني.
والثاني: الدخول؛ لوقوع الاسم ثم يبطل نصيبهم ويصح الباقي لغير الورثة. وهل يدخل في الوصية لأقارب زيد أصوله وفروعه؟ فيه أوجه: أصحها عند الأكثرين: لا يدخل الوالدان والأولاد، ويدخل الأجداد والأحفاد.
والثاني: لا يدخل أحد من الأصول والفروع.
والثالث: يدخل الجميع. وبه قطع المتولي، ولو أوصى لأقارب حُسَنِيُّ أو أوصى حُسَنيٌ لأقارب نفسه لم يدخل الحُسَنِيون، وكذلك وصية المأموني لأقاربه، والوصية لأقارب المأمون لا يدخل فيها أولاد المعتصم وسائر العباسية، والوصية لأقارب الشافعي في زمانه تصرف إلى أولاد شافع ولا يدخل فيها أولاد علي والعباس ﵄ وإن كان شافع وعلي والعباس كلهم أولاد السائب بن عبيد، انتهى.
وفي "الجواهر" للمالكية: ولو أوصى لأقارب زيد دخل فيه الوارث والمحرم وغير المحرم، ويدخل فيه كل قريب من جهة الأب والأم، ويؤثر ذو الحاجة، ولا يؤثر الأقرب على الأبعد، بل يؤثر الأحوج على غيره.
ص: وإنما جوَّز أهل هذه المقالات الوصية للقرابة على ما ذكرنا من قول كل واحد منهم إذا كانت تلك القرابة قرابة تحصى وتعرف، فإن كانت لا تحصى ولا تعرف فإن الوصية لها باطلة في قولهم جميعًا، إلا أن يوصي بها لفقرائهم فتكون جائرةً لمن رأى الوصي دفعها إليه منهم، وأقل من يجوز له أن يجعلها له منهم اثنان فصاعدًا في قول محمد بن الحسن ﵀.
وقد قال أبو يوسف: إن دفعها إلى واحد منهما أجزأه ذلك.
ش: أراد بأهل هذه المقالات: المقالات الخمس المذكورة مفصلة، والمعنى أن أصحاب هذه المقالات على اختلاف أقوالهم إنما جوزوا الوصية للقرابة إذا كانوا
стр. 8324
يُحْصَون ويعرفون، وإلا تكون الوصية باطلةً لجهالة الموصى إليهم، اللهم إلا إذا عينها للفقراء منهم فتصح حينئذٍ كما في الوصية إلى فقراء المسلمين، فالوصي حينئذٍ يدفعها إلى مَن شاء منهم، وأقل من يجوز أن يجعلها له منهم اثنان فصاعدًا عند محمد؛ لأن الفقراء اسم جمع وأقل الجمع الصحيح ثلاثة، إلا أنه قام الدليل على أن الاثنين في باب الوصية يقومان مقام الثلاث؛ لأن الوصية أخت الميراث، والله تعالى أقام البنتين من البنات مقام الثلاث منهن في استحقاق الثلثين، وكذا الاثنان من الإخوة والأخوات يقومان مقام الثلاث في نقص حق الأم من الثلث إلى السدس.
ومذهب أبي يوسف أنه إذا دفعها إلى واحد منهم أجزأه ذلك؛ لأن هذا النوع من الوصية وصية بالصدقة وهي إلزام المال حقًّا لله تعالى وجنس الفقراء مصرف ما يجب لله تعالى من الحقوق المالية فكان ذكر الفقراء لبيان المصرف لا لإيجاب الحق لهم فيجب الحق لله ثم يصرف إلى ما ظهر رضا الله تعالى بصرف حقه المالي إليه، وقد جعل يصرفه إلى فقير واحد ولهذا جاز صرف ما وجب من الصدقات الواجبة بإيجاب الله تعالى إلى فقير واحد، وإن كان المذكور بلفظ الجماعة فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (١).
ص: فلما اختلفوا في القرابة مَن هم؟ هذا الاختلاف، وجب أن ننظر في ذلك لنستخرج من أقاويلهم هذه قولًا صحيحًا، فنظرنا في ذلك، فكان من حجة الذين ذهبوا إلى أن القرابة هم الذين يلتقون هم ومن يقاربونه عند أبيه الرابع فأسفل من ذلك إنما قالوا ذلك فيما ذكروا، لأن رسول الله ﵇ لما قسم سهم ذوي القربى؛ أعطى بني هاشم وبني المطلب وإنما يلتقي هو وبنو المطلب عند أبيه الرابع لأنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، والآخرون بنو المطلب بن هاشم بن عبد مناف يلتقون هم وهو عند عبد مناف وهو أبوه الرابع.
стр. 8325
ش: أي فلما اختلف أصحاب هذه المقالات الخمس المذكورة في القرابة مَنْ هُم؟ هذا الاختلاف، وجب أن ينظر في ذلك إلى دليل كل واحد منهم الذي يعتمد عليه فيما ذهب إليه ليعرف أي قول أصح من بين هذه الأقوال، فذكر الطحاوي أولًا حجة أهل المقالة الرابعة وهم الذين قالوا: إن مَن أوصى إلى قرابة فلان تكون الوصية لكل من جمعه وفلانًا أبوه الرابع، وبيَّن حجتهم بقوله، لأن رسول الله ﷺ لما قسم سهم ذوي القربى. . . . إلى آخره، وهو ظاهر.
ص: فمن الحجة عليهم في ذلك للآخرين: أن رسول الله ﷺ لما أعطى بني هاشم وبني المطلب قد حرم بني أمية وبني نوفل، وقرابتهم منه كقرابة بني المطلب، فلم يحرمهم لأنهم ليسوا قرابةً، ولكن لمعنى غير القرابة، فكذلك مَن فوقهم لم يحرمهم لأنهم ليسوا قرابة ولكن لمعنى غير القرابة.
ش: أي فمن الدليل والبرهان على أهل المقالة الرابعة فيما ذهبوا إليه للآخرين أي لأصحاب المقالات الأربع.
وأراد بذلك منع استدلالهم بقسمة رسول الله ﵇ سهم ذوي القربى.
بيانه: أنه ﵇ لما أعطى بني هاشم وبني المطلب حرم بني أمية وبني نوفل ولم يعط لهم شيئًا، والحال أن قرابتهم منه ﵇ كقرابة بني المطلب، وليست العلة في عدم صرفه ﵇ إليهم عدم كونهم قرابة، بل هم قرابته ولكن حرمهم لمعنى آخر، وهو معنى قوله: فلم يحرمهم؛ لأنهم ليسوا قرابةً، يعني فلم يحرم النبي ﵇ بني أمية وبني نوفل لكونهم غير قرابة وإنما حرمهم لمعنى غير ذلك.
قوله: "فكذلك مَن فوقهم" أبي من فوق بني أمية وبني نوفل.
ص: ثم قد روي عن رسول الله ﵇ في القرابة من غير هذا الوجه ما قد حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: ثنا حميد، عن أنس ﵁ قال: "لما نزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا
стр. 8326
تُحِبُّونَ﴾ (١) قال: أو قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (٢) جاء أبو طلحة ﵁ فقال: يا رسول الله، حائطي الذي مكان كذا وكذا له تعالى، ولو استطعت أن أسره لم أعلنه فقال: اجعله في فقراء قرابتك أو فقراء أهلك".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا محمد بن عبد الله، قال: حدثني أبي، عن ثمامة، قال: قال أنس ﵁: "كانت لأبي طلحة أرض، فجعلها لله فأتى النبي ﵇ فقال له: اجعلها في فقراء قرابتك، فجعلها لحسان وأُبَيٍّ ﵄". قال أبي، عن ثمامة، عن أنس قال: "وكانا أقرب إليه مني".
فهذا أبو طلحة ﵁ قد جعلها لأُبيّ وحسان، وإنما يلتقي هو وأبي عند أبيه السابع؛ لأن أبا طلحة اسمه زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار.
وأُبي بن كعب بن قيس بن عتيك بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، فلم ينكر رسول الله ﵇ على أبي طلحة ما فعل من ذلك، فدل ما ذكرنا على أن مَن كان يلقى الرجل إلى أبيه الخامس أو السادس أو إلى مَن فوق ذلك من الآباء المعروفين؛ قرابة له، كما أن من يلقاه إلى أب دونهم قرابة أيضًا.
ش: أي روي عن النبي ﵇ في معنى القرابة غير ما ذكر من الوجه المذكور، وأراد بذلك منع ما قال مَن قال: القرابة هم الذين يلتقون هم ومن يقاربونه عند أبيه الرابع فأسفل من ذلك.
وجه المنع: أن حديث أنس هذا يدل على أن من كان يلقى الرجل إلى أبيه الخامس أو السادس أو إلى مَن فوق ذلك من الآباء المعروفين؛ قرابة له.
وأخرجه من طريقين صحيحين:
стр. 8327
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله ابن أنس بن مالك الأنصاري البصري قاضيها، عن حميد الطويل، عن أنس.
وأخرجه الترمذي (١): ثنا إسحاق بن منصور، قال: أنا عبد الله بن بكر السهمي، قال: ثنا حميد، عن أنس قال: "لما نزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٢) قال: أو قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (٣) قال أبو طلحة: وكان له حائط فقال: يا رسول الله، حائطي لله، ولو استطعت أن أسره لم أعلنه، فقال: اجعله في قرابتك أو أقربتك".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وأخرجه ابن أبي شيبة (٤): عن حفص، عن حميد، عن أنس نحوه.
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن محمد بن عبد الله الأنصاري المذكور، عن أبيه عبد الله بن المثنى، عن عمه ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك البصري قاضيها، عن جده أنس بن مالك.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٥): من حديث أبي حاتم، ثنا محمد بن عبد الله، حدثني أبي، عن عمه ثمامة، عن أنس قال: "لما نزلت: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ. . . .﴾ الآية و ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (٣) قال أبو طلحة: يا رسول الله، حائطي بكذا وكذا وهو لله، وإن استطعت أن أسره لم أعلنه. قال: اجعله في فقراء أهلك، فجعله في حَسَّان وأُبَي ﵄".
стр. 8328
قوله: "حائطي"، الحائط: البستان من النخيل إذا كان عليه جدار، ويجمع على حوائط.
قوله: "مكان كذا وكذا" قد سماه ذلك في رواية البخاري ومسلم والنسائي من حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس: "كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالًا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بئرًا تسمى بيرحاء كانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله ﵇ يدخلها ويشرب من ماء كان فيها طيب، فلما نزلت ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (١). . . ." الحديث.
وأخرجه أبو داود (٢): عن موسى، ثنا حماد، عن ثابت، عن أنس قال: "لما نزلت: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قال أبو طلحة: يا رسول الله أرى ربنا سألنا من أموالنا، فإني أشهدك أني جعلت أرضي بأريحاء له، فقال رسول الله ﵇ اجعلها في قرابتك، فقسمها بين حسان بن ثابت وأُبي بن كعب".
وأخرجه مسلم (٣) والنسائي (٤) أيضًا نحوه.
قوله: "بأريحاء" بفتح الباء الموحدة، بعدها ألف ساكنة، وبراء مكسورة بعدها ياء آخر الحروف ساكنة، وبحاء مهملة ممدودة، والمشهور بيرحاء، وقد اختلفوا في ضبطها اختلافًا شديدًا، فقال القاضي: هو حائط يسمى بهذا الاسم وليس اسم بئر، وكان بقرب المسجد، ويقال: هذا موضع يعرف بقعر بني جديلة قبل المسجد.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الصدقة على الأقارب أفضل من الأجانب إذا كانوا محتاجين وأن القرابة يراعى حقها في صلة الأرحام وإن لم يجتمعوا إلا في أب
стр. 8329
بعيد؛ لأنه ﵇ أمر أبا طلحة أن يجعل صدقته في الأقربين، فجعلها في أُبي بن كعب وحسان بن ثابت، وإنما يجتمعان معه في الجد السابع.
ص: وقد أمر الله نبيه ﵇ أن ينذر عشيرته الأقربين، فروي عنه في ذلك ما حدثنا محمد بن عبد الله بن مخلد الأصبهاني، قال: ثنا عباد بن يعقوب، قال: ثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله: قال: قال علي ﵁: "لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١) قال لي رسول الله ﵇: يا علي اجمع لي بني هاشم وهم أربعون رجلًا أو أربعون إلا رجلًا. . . ." ثم ذكر الحديث.
ش: أراد بهذا الحديث وما بعده أن ما كان يلقى الرجل إلى أبيه الثالث والرابع والخامس والسادس والسابع وإلى ما فوق ذلك من الآباء المعروفين؛ قرابة. ففي هذا الحديث قصد بني أبيه الثالث.
أخرجه عن محمد بن عبد الله بن مخلد الأصبهاني، عن عباد بن يعقوب الأسدي الكوفي شيخ البخاري والترمذي وابن ماجه، عن عبد الله بن عبد القدوس التميمي السعدي، فيه مقال كثير، فقال أحمد: ليس بشيء رافضي خبيث. وعن أبي داود: ضعيف الحديث. وعن النسائي: ليس بثقة. وقال البخاري: هو في الأصل صدوق إلا أنه يروي عن أقوام ضعفاء. وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: ربما أغرب. وهو يروي عن سليمان الأعمش، عن المنهال بن عمرو الأسدي الكوفي عن عباد بن عبد الله الأسدي الكوفي، عن علي بن أبي طالب ﵁.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه": عن شريك، عن الأعمش عن المنهال، عن عباد بن عبد الله الأسدي، عن علي ﵁ نحوه.
ص: وقد روي عنه أيضًا في ذلك ما حدثنا محمد بن عبد الله بن مخلد، قال: ثنا محمد بن حميد الرازي، قال: ثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق،
стр. 8330
عن عبد الغفار بن قاسم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، عن علي ﵃، عن النبي ﵇ مثله. غير أنه قال: "اجمع لي بني عبد المطلب، قال: وهم أربعون رجلًا يزيدون رجلًا أو ينقصونه". ففي هذا الحديث أنه قصد بني أبيه الثاني.
ش: أي وقد روي عن النبي ﵇ أيضًا فيما ذكرنا من معنى القرابة في الأب الثاني.
وأخرجه عن محمد بن عبد الله بن مخلد الأصبهاني، عن محمد بن حميد بن حيان الرازي شيخ الترمذي وابن ماجه، عن سلمة بن الفضل الأبرش الأزرق الرازي قاضي الري، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الغفار بن قاسم بن قيس الأنصاري، فيه مقال كثير حتى نسب إلى الوضع.
وهو يروي عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث البصري نسيب محمد ابن سيرين وختنه على أخته عن عبد الله بن عباس، عن علي بن أبي طالب ﵃.
وأخرجه البزار في "مسنده" (١) بأتم منه: ثنا علي بن حرب الكندي، ثنا إسحاق بن إبراهيم ختن سلمة بن الفضل، عن سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، عن عبد الغفار بن القاسم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، عن علي ﵃ قال: "لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٢) قال رسول الله ﵇: يا علي، اصنع رِجْل شاة بصاع من طعام، واجمع لي بني هاشم -وهم يومئذٍ أربعون رجلًا أو أربعين غير رجل- قال: فدعى رسول الله ﵇ بالطعام فوضعه بينهم، فأكلوا حتى شبعوا -وإن منهم مَن يأكل الجذعة بإدامها- ثم تناول القدح فشربوا منه حتى رووا -يعني من اللبن- فقال بعضهم: ما رأينا كالسحر.
стр. 8331
يرون أنه أبو لهب الذي قاله -فقال: يا علي اصنع رجل شاة بصاع من طعام واعدد قعبًا من لبن. قال: ففعلت، قال: يا علي اجمع لي بني هاشم فجمعتهم، فأكلوا وشربوا، فبدرهم رسول الله ﷺ فقال: أيكم يقضي عني ديني؟ قال: فسكت وسكت القوم، فأعاد رسول الله ﵇ المنطق، فقلت: أنا يا رسول الله، قال: أنت يا علي أنت يا علي".
ص: وقد روي عنه أيضًا في ذلك ما حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن قبيصة بن مخارق وزهير بن عمرو، قالا: "لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١) انطلق رسول الله ﵇ إلى رضمة من جبل فعلا أعلاها، ثم قال: يا بني عبد مناف إني نذير".
ففي هذا أنه قصد بني أبيه الرابع.
ش: أي: وقد روي عن النبي ﵇ أيضًا في معنى القرابة في الأب الرابع.
وأخرجه بإسناد صحيح، عن أحمد بن داود المكي، عن مسدد بن مسرهد شيخ البخاري، عن يزيد بن زريع، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان عبد الرحمن ابن مل النهدي، عن قبيصة بن مخارق الهلالي الصحابي وزهير بن عمرو الهلالي الصحابي ﵄.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا أبو كامل، ثنا يزيد بن زريع، عن سليمان بن طرخان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن قبيصة وزهير قالا: "لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١) انطلق نبي الله ﵇ إلى رضمة من جبل، فعلا أعلاها، ثم قال: يا بني عبد مناف، إني نذير، إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يربأ أهله، فخشي أن يسبقوه، فجعل يهتف: يا صباحاه".
стр. 8332
قوله: "إلى رضمة" الرضمة واحدة الرضم والرضام وهي دون الهضاب، وقيل: صخور بعضها على بعض.
ص: وقد روي عنه أيضًا في ذلك ما حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا أبو الأسود وحيان بن غالب، قالا: ثنا ضمام، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ أنه قال: "يا بني هاشم، يا بني قصي، يا بني عبد مناف، أنا النذير، والموت المغير، والساعة الموعود".
ففي هذا الحديث أنه دعا بني أبيه الخامس.
ش: أي وقد روي عن النبي ﷺ أيضًا في معنى القرابة في الأب الخامس.
وأخرجه عن ربيع بن سليمان الجيزي، عن أبي الأسود النضر بن عبد الجبار المرادي، وحسان بن غالب بن نجيح المصري ضعيف ومتروك، كلاهما عن ضمام -بكسر الضاد المعجمة- بن إسماعيل البصري الثقة، عن موسى بن وردان القرشي المصري القاضي، عن أبي هريرة ﵁.
وهذا الحديث عند المصريين.
ص: وقد روي عنه أيضًا في ذلك ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد وعفان، عن أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة قال: "لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١) قام نبي الله ﵇ فنادى: يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها".
ففي هذا الحديث أنه دعى معهم بني أبيه السابع لأب، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي.
стр. 8333
ش: أي: قد روي عن النبي ﵇ أيضًا في معنى القرابة في الأب السابع.
أخرجه بإسناد صحيح عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، وعفان بن مسلم الصفار، شيخ أحمد، كلاهما عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن عبد الملك بن عمير، عن موسى ابن طلحة بن عبيد الله التيمي المدني، عن أبي هريرة.
وأخرجه مسلم (١): نا قتيبة وزهير بن حرب، قالا: ثنا جرير، عن عبد الملك ابن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة قال: "لما نزلت هذه الآية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٢) دعى رسول الله ﵇ قريشًا فاجتمعوا، فَعَمَّ وخَصَّ، فقال: يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها".
وأخرجه أيضًا (١): عن القواريري، عن أبي عوانة. . . . إلى آخره نحو رواية الطحاوي.
وأخرجه الترمذي (٣) والنسائي (٤) أيضًا.
قوله: "أنقذوا" من الإنقاذ وهو التخليص والإنجاء، يقال: أنقذه من فلان واستنقذه منه وينقذه بمعنى، أي نجَّاه وخلَّصه.
стр. 8334
قوله: "سأبلها ببلالها" أي أصلكم في الدنيا ولا أغني عنكم من الله شيئًا. والبلال جمع بلل، وقيل: هو كل ما بلَّ الحلق من ماء أو لبن أو غيره.
قال عياض في "شرح مسلم": رويناه بكسر الباء. قال أبو عمر: يقال: بللت رحمي بلًّا وبلالًا وبللًا. قال الأصمعي: وصلتها ونديتها بالصلة، وقال الخطابي: بِبَلالها بالفتح كالمِلَال، وقال الهروي: البلال جمع بَلَل كجمل وجمال.
ص: وقد روي عنه أيضًا في ذلك ما حدثنا فهد، قال: ثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: "لما أنزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١) صعد رسول الله ﵇ على الصفا فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي، يا بني فلان، لبطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر. وجاء أبو لهب وقريش فاجتمعوا، فقال: أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقيّ؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد".
ففي هذا الحديث أنه دعى بطون قريش كلها.
ش: أي: وقد روي عن رسول الله ﵇ أيضًا في معنى القرابة في الآباء القريبة والبعيدة كلهم.
أخرجه بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن عمر بن حفص شيخ البخاري، عن أبيه حفص بن غياث، عن سليمان الأعمش، عن عمرو بن مرة. . . . إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا أبو كريب محمد بن العلاء، قال: ثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: "لما
стр. 8335
نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١) ورهطك منهم المخلصين" خرج رسول الله ﵇ حتى صعد الصفا فهتف: يا صباحاه، فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد. فاجتمعوا إليه، فقال: يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب، فاجتمعوا إليه، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبًا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، قال: فقال أبو لهب: تبًّا لك أما جمعتنا إلا لهذا؟! ثم قام، فنزلت هذه السورة "تبت يدا أبي لهب وقد تب" (٢) كذا قراءة الأعمش .. إلى آخر السورة".
ص: وقد روي مثل ذلك أيضًا عن أبي هريرة ﵁.
حدثنا يونس، قال: ثنا سلامة بن روح، قال: ثنا عقيل، حدثني الزهري قال: قال سعيد وأبو سلمة بن عبد الرحمن: إن أبا هريرة ﵁ قال: "قال رسول الله ﵇ حين نزل عليه ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١): يا معشر قريش استبرءوا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف استبرءوا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة بنت رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا".
حدثثا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد وأبو سلمة، أن أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵇. . . . ثم ذكر مثله، غير أنه قال: "يا صفية، يا فاطمة".
ففي هذا الحديث أيضًا أن رسول الله ﵇ لما أمره الله أن ينذر عشيرته الأقربين دعى عشائر قريش، وفيهم من يلقاه عند أبيه الثاني، وفيهم من يلقاه