← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 8401–8440 · переход к 8406.

стр. 8401

المواريث كذلك، وأن لا يقدم منهم مَن قرب رحمه على مَن كان أبعد رحمًا من الميت منه، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أشار بهذا الكلام إلى بيان الاختلاف في حكم الرد، وقد ذكر فيما مضى أن عبد الله بن مسعود كان لا يرد على هؤلاء المذكورين، وأن علي بن أبي طالب ﵁ كان يرد بقية المواريث على ذوي السهام من ذوي الأرحام. وأشار أيضًا إلى صحة قول علي ﵁ بشاهد النظر والقياس، وأشار أيضًا إلى أنه هو قول أبي حنيفة وصاحبيه وهو قول جمهور الصحابة ﵃، والحاصل أن مذهب جمهور الصحابة جواز الرد على ذوي الفروض بقدر حقوقهم إلا على الزوجين، وبه أخذ أصحابنا. وذكر صاحب "الغنية" أنه يرد على الزوجين في زماننا لفساد بيت المال، وقال زيد بن ثابت: الفاضل لبيت المال، وبه أخذ مالك، والشافعي، وروي عن عثمان ﵁: "أن الرد لا يجوز أصلًا" ولم يثبت هذا عن عثمان، وروي عن ابن عباس أنه قال: "لا يرد إلا على ثلاثة: على الزوجين مطلقًا، وعلى الجدة إذا كان معها ذو فرض ممن يرث بالرحم وإن لم يكن في المسألة ذو فرض آخر يرث بالرحم كأحد الزوجين أو مولى العتاقة أو مولى الموالاة، حينئذٍ يرد على الجدة دون أحد الزوجين. وعن ابن مسعود ﵁ يرد إلا على ستة نفر: ثلاثة هؤلاء، والرابع: بنت الابن مع بنت الصلب، والخامس: الأخت لأب مع الأخت لأبوين، والسادس: أولاد الأم معها، فيرد الباقي بعد أصحاب الفرائض على البنت والأخت لأبوين والأم. ص: وقد روي عن إبراهيم فيما ذكرناه عن رسول الله ﵇ في إعطائه ابنة حمزة النصف، وبنت مولاها النصف، أن ذلك إنما كان طعمة من رسول الله ﵇ لابنة حمزة.

стр. 8402

حدثنا بذلك فهدٌ، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا حسن بن صالح، عن منصور، عن إبراهيم. وهذا عندنا كلام فاسد؛ لأن ابنة مولى بنت حمزة إن كان قد وجب لها ميراث أبيها برحمها منه فمحال، أن يطعم النبي ﵇ شيئًا قد وجب لها ابنة حمزة، وإن كان ذلك لم يجب لها كله، وإنما وجب لها نصفه فما بقي بعد ذلك النصف راجع إلى مَن أعتقه وهي ابنة حمزة ﵁، فاستحال ما ذكر إبراهيم في ذلك، وثبت أن ما دفع رسول الله ﵇ إلى ابنة حمزة كان بالميراث لا بغيره. ش: ذكر هذا ليكون جوابًا عن سؤال مقدر، تقرير السؤال أن يقال: كيف تستدلون بقضية ابنة حمزة ﵄ في تقديم الولاء على ذوي الأرحام، وقد قال إبراهيم النخعي ﵁: إن النصف الذي أعطاه رسول الله ﷺ لابنة حمزة حين مات مولاها وترك ابنته إنما كان طعمة أطعمها رسول الله ﵇ إياها ولم يكن ذلك بحق الولاء؟. أخرجه الطحاوي، عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دُكين شيخ البخاري، عن حسن بن صالح بن حي الهمداني، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي. وأخرجه ابن أبي شيبة (١)، عن عبدة، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: "ذكر عنده حديث ابنة حمزة أن النبي ﵇ أعطاها النصف، فقال: إنما أطعمها إياه رسول الله ﵇ طعمة". وأجاب عنه بقوله: "وهذا عندنا فاسد. . . . إلى آخره"، وهو ظاهر. وقال البيهقي في هذا الموضع: إن هذا غلط، وقد قال شريك: تقحمًا إبراهيم هذا القول تقحمًا إلا أن يكون سمع شيئًا فرواه.

стр. 8403

ص: فإن قال قائل: فقد روي عن رسول الله ﷺ أيضًا في توريث مَن ليس بعصبة ولا رحم، فذكر ما حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أن حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت عوسجة مولى ابن عباس يحدث، عن ابن عباس ﵄: "أن رجلًا مات على عهد رسول الله ﵇ ولم يترك قرابةً إلا عبدًا هو أعتقه، فأعطاه النبي ﵇ ميراثه". قال: فهذا رسول الله ﵇ قد ورث المولى الأسفل من المولى الأعلى، وأنتم لا تقولون بهذا. قيل له: إنه ليس في هذا الحديث أن رسول الله ﵇ قال: المولى الأسفل يرث من المولى الأعلى، وإنما فيه أنه دفع ميراثه -وهو تركته- إليه، وليس مما روي عنه في الحال أنه وارث من لا وارث له، فقد يحتمل وجوهًا. منها أن يكون دفعه إليه؛ لأنه ورَّثه إياه بما للميت عليه من الولاء. ويحتمل أن يكون مولاه ذا رحم له فدفع إليه ماله بالرحم وورثه به لا بالولاء، ألا تراه يقول في الحديث: "ولم يترك قرابةً إلا عبدًا هو أعتقه" فأخبر أن العبد كان قرابةً له فورثه بالقرابة. ويحتمل أن يكون دفع إليه ميراثه؛ لأن الميت كان أمر بذلك، فوضع رسول الله ﵇ ماله حيث أمر بوضعه فيه، كما قد روي عن عبد الله بن مسعود ﵁. فإنه حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن الشعبي، عن عمرو بن شرحبيل، قال: قال عبد الله بن مسعود ﵁: "إنه ليس حي من العرب أحرى أن يموت الرجل منهم ولا يعرف له وارث منكم معشر همدان، فإذا كان ذلك فليضع ماله حيث أحب". قال الأعمش: فذكرت ذلك لإبراهيم، فقال: حدثني همام بن الحارث، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله مثله.

стр. 8404

حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي عمرو السيباني، عن عبد الله مثله. حدثنا سليمان، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله مثله. حدثنا سليمان، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن سلمة، قال: سمعت أبا عمرو السيباني يحدث عن ابن مسعود ﵁، قال: "السائبة يضع ماله حيث أحب". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر وأبو الوليد، قالا: ثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله مثله. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام، عن عمرو، عن عبد الله نحوه. حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا شعبة، عن سلمة، عن أبي عمرو السيباني، عن عبد الله مثله. ويحتمل أن يكون النبي ﵇ أطعمه المولى الأسفل؛ لفقره كما للإمام أن يفعل ذلك فيما في يده من الأموال التي لا ربَّ لها. وقد سمعت أن ابن أبي عمران يذكر أن هذا التأويل الأخير قد روي عن يحيى بن آدم، فلما احتمل هذا الحديث ما ذكرنا لم يكن لأحد أن يحمله على تأويل منها إلا بدليل يدل عليه، إما من كتاب الله ، وإما من سنة، وإما من إجماع. ش: تقرير السؤال أن يقال: إنكم تقدمون الولاء على ذوي الأرحام، وتورثون المولى الأعلى بالولاء، فما بالكم لا تورثون المولى الأسفل من المولى الأعلى وقد ورث رسول الله ﵇ المولى الأسفل من المولى الأعلى على ما في حديث ابن عباس؟.

стр. 8405

أخرجه عن علي بن شيبة، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار المكي، عن عوسجة المكي، عن ابن عباس ﵄. وأخرجه الأربعة. فأبو داود (١): عن إسماعيل بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن عوسجة. والترمذي (٢): عن ابن أبي عمر، عن سفيان، عن عمرو، عن عوسجة بمعناه، وقال: حسن. والنسائي (٣): عن قتيبة، عن سفيان به. وابن ماجه (٤): عن إسماعيل بن موسى، عن ابن عيينة به. فإن قيل: ما حال هذا الحديث؟ قلت: قد حسنه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن. وقال النسائي في عوسجة: ليس بالمشهور، ولا نعلم أحدًا يروي عنه غير عمرو. وقال البخاري: لم يصح حديثه. وقال البيهقي (٥): رواه حماد بن سلمة، وابن عيينة، عن عمرو، عن عوسجة، عن ابن عباس: "أن رجلًا مات. . . . إلى آخره". وخالفهما (٦) حماد بن زيد، فرواه عن عمرو بن دينار، عن عوسجة مولى ابن عباس: "أن رجلًا مات. . . ." الحديث.

стр. 8406

وكذلك (١) أرسله روح بن القاسم، عن عمرو، عن عوسجة، وقال: قال البخاري: عوسجة روى عنه عمرو ولم يصح حديثه، وروى عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، وهو خطأ. وتقرير الجواب أن يقال: لا نسلم أن يكون في الحديث دلالة على توريث المولى الأسفل من المولى الأعلى؛ لأنه لم يقل فيه: أنه ﵇ قال: المولى الأسفل يرث من المولى الأعلى، وإنما فيه: أعطاه النبي ﵇ ميراثه -يعني تركته- وهو يحتمل وجوهًا: الأول: يحتمل أن يكون دفعه المال إلى العبد بسبب ما كان للميت عليه من الولاء. الثاني: يحتمل أن يكون كان المولى ذا رحم للعبد، فدفع إليه ماله بسبب الرحم لا لأن المولى الأسفل يرث من المولى الأعلى بسبب الولاء. والدليل على هذا الاحتمال أنه أخبر في الحديث: "أنه لم يترك قرابةً إلا عبدًا هو أعتقه". فحينئذٍ يكون توريثه بالقرابة لا بالولاء. الثالث: يحتمل أن يكون الميت قد أوصى بأن يدفع ماله إليه لعدم وارثه، فأنفذ رسول الله ﵇ وصيته، ووضع ماله حيث أمر بوضعه فيه، وذلك كما جاء في حديث ابن مسعود ﵁ حيث قال: "إنه ليس حي من العرب. . . ." الحديث. الرابع: يحتمل أن يكون كان النبي ﵇ جعل ماله لعبده من بعده؛ طعمةً له لأجل فقره واستحقاقه؛ لأنه مال ليس له صاحب، والإمام له الخيار فيه حيث يتصرف فيه كيف يشاء، فرأى صرف ذلك إليه مصلحةً، لا لكونه يستحق ذلك بسبب الولاء. فإذا كان هذا الحديث يحتمل هذه الاحتمالات، لم يكن لأحد أن يحمله على

стр. 8407

تأويل واحد منها فيحتج به إلا بدليل يدل عليه من الكتاب أو السنة أو الإجماع، فإذا كان كذلك فقد سقط الاحتجاج به، فلا يصح توريث المولى الأسفل من المولى الأعلى. وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء من التابعين ومَن بعدهم، وروي عن الحسن البصري والحسن بن زياد أنهما قالا: يرث المولى الأسفل من المولى الأعلى، واحتجا على ذلك بالحديث المذكور، وقالا أيضًا: إن كان الولاء سبب يوجب الميراث من أحد الجانبين؛ فيجب أن يوجب من الجانب الآخر كما في النكاح. والصحيح قول العامة لقوله ﵇: "الولاء لمن أعتق"، ولقول علي وزيد ﵄: "لا ميراث للمعتق". وقد أجاب بعضهم عن حديث ابن عباس أنه منسوخ بهذا، والله أعلم. والقياس على النكاح فاسد لأنه أصل القرابات. ثم إنه أخرج أثر ابن مسعود ﵁ من سبع طرق رجاله كلهم ثقات. الأول: عن محمد بن عمرو بن يونس، عن يحيى بن عيسى بن عبد الرحمن الجرار الفاخوري، عن سليمان الأعمش، عن عامر الشعبي، عن عمرو بن شرحبيل الهمداني الكوفي، عن ابن مسعود ﵁. الثاني: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي الثقفي، عن شعبة بن الحجاج، عن سلمة بن كهيل، عن أبي عمرو السيباني -بفتح السين المهملة، وسكون الياء آخر الحروف، وفتح الباء الموحدة- نسبة إلى سيبان بن الغوث بن سعد. وأبو عمرو هذا اسمه زرعة، وثقه ابن حبان. الثالث: عن سليمان بن شعيب أيضًا، عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم النخعي، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله.

стр. 8408

الرابع: عن سليمان أيضًا، عن عبد الرحمن بن زياد، عن شعبة، عن سلمة ابن كهيل، عن أبي عمرو السيباني، عن ابن مسعود. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، قال: ثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي عمرو السيباني، قال: قال عبد الله: "السائبة يضع ماله حيث شاء" انتهى. "السائبة" هو العبد؛ لقول مولاه إذا أعتقه: هو سائبة. فلا عقل بينهما ولا ميراث، وأصله من تسييب الدواب وهو إرسالها تذهب وتجيء كيف شاءت، وفي كلام ابن مسعود أن العبد الذي يعتق سائبة لا يكون ولاؤه لمعتقه، ولا وارث له فيضع ماله حيث شاء، وهو الذي ورد النهي عنه. وقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه: المولى الأعلى يرث من الأسفل سواء كان أعتقه لوجه الله تعالى، أو لوجه الشيطان، أو أعتقه سائبةً، أو شرط أن لا الولاء عليه؛ لعموم قوله ﵇: "الولاء لمن أعتق" (٢). وقال مالك: إن أعتقه لغير وجه الله لا يرث؛ لأن هذه صلة شرعية، فإنما يستحق هذه الصلة من يعتق لوجه الله، وأما من أعتق لوجه غير الله فَجَانٍ في قصده، فيحرم هذه الصلة، وهو محجوج عليه بإطلاق الحديث. الخامس: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن بكر التنيسي أحد مشايخ الشافعي، وأبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، كلاهما عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم النخعي، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله. السادس: عن إبراهيم بن مرزوق أيضًا، عن بشر بن بكر، عن شعبة، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، عن همام بن الحارث النخعي الكوفي، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله.

стр. 8409

السابع: عن علي بن شيبة، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي عمرو زرعة السيباني -بالسين المهملة- عن عبد الله. قوله: "وقد سمعت ابن أبي عمران" هو أحمد بن موسى بن عيسى الفقيه البغدادي أحد أصحاب أبي حنيفة. ويحيى بن آدم بن سليمان القرشي الكوفي الفقيه الثقة، روى له الجماعة. ص: وقد روي في نحو من هذا ما حدثنا يونس ومحمد بن خزيمة، قالا: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا شريك، عن أبي بكر بن أحمر، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: "توفي رجل من خزاعة، فأتي النبي ﵇ بميراثه، فقال: اطلبوا له وارثًا أو ذا قرابة -هكذا قال يونس، وقال محمد بن خزيمة: أو ذا رحم- فطلبوا فلم يجدوا، فقال رسول الله ﷺ : ادفعوا إلى أكبر خزاعة". فهذا عندنا -والله أعلم- على ما قال يحيى بن آدم في الحديث الذي قبل هذا. ش: أي قد روي في مثل ما روي عن ابن عباس المذكور آنفًا الذي فيه: "أعطى النبي ﵇ ميراث المولى الأعلى للمولى الأسفل"، وهو حديث بريدة بن الحصيب. أخرجه بإسناد جيد: عن يونس بن عبد الأعلى ومحمد بن خزيمة بن راشد، كلاهما عن عمرو بن خالد الحراني شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله النخعي، عن أبي بكر بن أحمر -واسمه جبريل الجملي الكوفي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه بريدة بن الحصيب. وأخرجه أبو داود (١): ثنا عبد الله بن سعيد الكندي، قال: نا المحاربي، عن جبريل بن أحمر، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: "أتى النبي ﵇ رجلٌ، فقال: إن عندي ميراث رجل من الأزد، ولست أجد أزديًّا أدفعه إليه، قال: فاذهب فالتمس أزديًّا حولًا، قال: فأتاه بعد الحول، فقال: يا رسول الله، إني لم

стр. 8410

أجد أزديًّا أدفعه إليه، قال: فانطلق فانظر أول خزاعي تلقاه فادفعه إليه، فلما ولى قال: عَلَيَّ الرجلَ، فلما جاء قال: انظر كُبْرَ خزاعة فادفعه إليه". وقال أبو داود (١) أيضًا: ثنا الحسن بن الأسود العجلي، قال: ثنا يحيى بن آدم، قال: ثنا شريك، عن جبريل بن أحمر أبي بكر، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: "مات رجل من خزاعة، فأتي النبي ﵇ بميراثه، فقال: التمسوا له وارثًا أو ذا رحم، فلم يجدوا له وارثًا ولا ذا رحم، فقال رسول الله ﵇: أعطوه الكبر من خزاعة". قال يحيى: قد سمعته مرة يقول في هذا الحديث: "انظروا أكبر رجل من خزاعة". وأخرجه النسائي (٢) وقال: جبريل بن أحمر ليس بالقوي والحديث منكر. قلت: أبو داود قد سكت عنه، فذا دليل رضاه به، وجوابه أنه محمول على ما ذكره يحيى بن آدم في الحديث السالف. ص: وقد حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن مجاهد، عن عروة، عن عائشة ﵂: "أن مولى للنبي ﵇ وقع من نخلة فمات، فقال النبي ﵇: انظروا هل له وارث، فقالوا: لا، قال: أعطوه بعض القرابة". فقد يجوز أن يكون النبي ﵇ أراد بذلك قرابته هو، لا قرابة الميت فأراد أن يجعله فيهم صلةً منه لهم، والله أعلم. ش: ذكر هذا الحديث الذي هو أيضًا من جنس الحديث الذي قبله ليجيب عنه. وأخرجه بإسناد جيد: عن علي بن شيبة. . . . إلى آخره. ومجاهد هذا هو ابن وردان المدني وليس هو بمجاهد بن جبر المكي.

стр. 8411

وأخرجه أبو داود (١): ثنا مسدد قال: ثنا يحيى، قال: ثنا شعبة، المعنى. وثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا وكيع بن الجراح، عن سليمان، جميعًا عن ابن الأصبهاني، عن مجاهد بن وردان، عن عروة، عن عائشة: "أن مولى للنبي ﵇ مات وترك شيئًا ولم يدع ولدًا ولا حميمًا، فقال النبي ﵇: أعطوا ميراثه رجلًا من أهل قريته". وحديث سفيان أتم. وقال مسدد: فقال النبي ﵇: "هاهنا أحد من أهل أرضه؟ قالوا: نعم، قال: فأعطوه ميراثه". وأخرجه الترمذي (٢): عن بندار، عن يزيد بن هارون، عن سفيان، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن مجاهد وهو ابن وردان، عن عروة، عن عائشة: "أن مولى للنبي ﵇ وقع من عذق نخلة فمات، فقال النبي ﵇: انظروا هل له مِن وارث، قالوا: لا، قال: فادفعوه إلى بعض أهل القرية". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وأخرجه النسائي (٣): عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن شعبة. وعن عبد الله بن محمد، عن سفيان، جميعًا عن عبد الرحمن، به. وأخرجه ابن ماجه (٤): عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد، عن وكيع، عن سفيان، به نحوه.

стр. 8412

وأخرجه البيهقي (١): من طريق سفيان أيضًا نحوه، ثم قال: هذا يحتمل أن يكون مولى له بغير العتاق فلم يأخذ ميراثه، وجعله في أهل قريته على طريق العالة، والله أعلم.

стр. 8413

ص: كتاب المزارعة ش: أي هذا الكتاب في بيان أحكام المزارعة، وهي مفاعلة من الزرع والزراعة، وهي الحرث والفلاحة، وتسمى مخابرة، ومحاقلة، ويسميها أهل العراق: القراح. وفي الشرع: هي عقد على زرع ببعض الخارج. ص: حدثنا علي بن شيبة وفهد بن سليمان، قالا: ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: ثنا سفيان الثوري، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عمر يقول: سمعت رافع بن خديج يقول: "نهى رسول الله ﵇ عن المزارعة". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، سمعت ابن عمر يقول: "كنا نخابر ولا نرى بأسًا، حتى زعم رافع بن خديج أن رسول الله ﵇ نهى عن المخابرة، فتركناها". حدثنا نصر بن مرزوق وابن أبي داود، قالا: ثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم بن عبد الله: "أن عبد الله بن عمر كان يكري أرضه حتى بلغه أن رافع بن خديج الأنصاري كان ينهى عن كراء الأرض، فلقيه فقال: يا ابن خديج، ماذا تحدث عن رسول الله ﵇ في كراء الأرض؟ فقال: سمعت عمَّيَّ -وكانا قد شهدا بدرًا- يحدثان أهل الدار: أن رسول الله ﵇ نهى عن كراء الأرض. قال عبد الله: لقد كنت أعلم أن الأرض كانت تكرى على عهد رسول الله ﵇، ثم خشي عبد الله أن يكون رسول الله ﵇ أحدث في ذلك شيئًا لم يكن عليه، فترك كراء الأرض". ش: هذه ثلاث طرق صحاح: الأول: عن علي بن شيبة وفهد، كلاهما عن أبي نعيم. . . . إلى آخره. وفيه رواية صحابي عن صحابي.

стр. 8414

وأخرجه مسلم (١): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر نحوه. وأبو داود (٢): عن محمد بن كثير، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عمر يقول: "ما كنا نرى بالمزارعة بأسًا حتى سمعت رافع بن خديج يقول: إن النبي ﵇ نهى عنها". الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن إبراهيم بن بشار الرمادي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار. . . . إلى آخره. وأخرجه ابن ماجه (٣): عن هشام بن عمار، ومحمد بن الصباح، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر نحوه. قوله: "كنا نخابر" من المخابرة وهي المزارعة على نصيب معين كالثلث والربع وغيرهما، والخُبرة: النصيب، وقيل: هو من الخبار، وهي الأرض اللينة، وقيل: أصل المخابرة من خيبر؛ لأن النبي ﵇ أقرها في أيدي أهلها على النصف من محصولها، فقيل: خابرهم أي: عاملهم في خيبر. الثالث: عن نصر بن مرزوق، وإبراهيم بن أبي داود البرلسي، كلاهما عن أبي صالح عبد الله بن صالح -وراق الليث وشيخ البخاري- عن الليث بن سعد، عن عُقَيل -بضم العين- بن خالد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم. . . . إلى آخره. وفيه رواية صحابي عن صحابي عن صحابيين، الأول: عبد الله بن عمر، والثاني: رافع بن خديج، والثالث والرابع عمَّا رافع، وهما: ظهير وآخر لم يسم.

стр. 8415

والحديث أخرجه مسلم (١): حدثني عبد الملك بن شعيب بن الليث، قال: حدثني أبي، عن جدي، قال: حدثني عُقيل بن خالد، عن ابن شهاب، أنه قال: أخبرني سالم بن عبد الله: "أن عبد الله بن عمر كان يكري أرضه، حتى بلغه أن رافع بن خديج الأنصاري كان ينهى عن كراء الأرض، فلقيه عبد الله، فقال: يا ابن خديج ماذا تحدث عن رسول الله ﵇ في كراء الأرض؟ قال رافع ابن خديج لعبد الله: سمعت عمَّيَّ وكانا شهدا بدرًا يحدثان أهل الدار أن رسول الله ﵇ نهى عن كراء الأرض. قال عبد الله: لقد كنت أعلم في عهد رسول الله ﵇ أن الأرض تكرى! ثم خشي عبد الله أن يكون رسول الله ﵇ أحدث في ذلك شيئًا لم يكن علمه، فترك كراء الأرض". وأخرجه البخاري (٢) أيضًا: عن ابن بكير، عن الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن سالم. . . . إلى آخره نحوه. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن رافع بن خديج ﵁: "أن النبي ﵇ نهى عن الحقل". قال شعبة: قلت للحكم: ما الحقل؟ فقال: أن تكري الأرض -أراه قال-: بالثلث أو الربع. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا يحيى بن حماد، قال: ثنا أبو عوانة، عن سليمان، عن مجاهد، عن رافع بن خديج قال: "نهى رسول الله ﵇ عن أمرٍ كان لنا نافعًا، وأمرُ رسول الله أنفع لنا، قال: مَن كانت له أرض فَلْيَزرَعْها أو ليُزرِعْها". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عيسى بن إبراهيم، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا سعيد بن عبد الرحمن الزبيدي، قال: سمعت مجاهدًا، يقول:

стр. 8416

حدثني أسيد ابن أخي رافع بن خديج، قال: قال رافع بن خديج. . . . فذكر مثله، غير أنه قال: "فَلْيَزْرَعْها، فإن عجز عنها فَلْيُزْرِعْها أخاه". حدثنا يونس، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم الجزري، عن مجاهد، قال: "أخذت بيد طاوس حتى أدخلته على ابن رافع بن خديج، فحدثه عن أبيه، عن رسول الله ﵇: أنه نهى عن كراء الأرض. فأتى طاوس فقال: سمعت ابن عباس يقول: لا نرى بذلك بأسًا". حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا أبو الأحوص، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيب، عن رافع بن خديج، قال: "نهى رسول الله ﵇ عن المزابنة والمحاقلة، وقال: إنما يزرع ثلاثة: رجل له أرض فهو يزرعها، ورجل منح أخاه أرضًا فهو يزرع ما مُنح منها، ورجل اكترى أرضًا بذهب أو فضة". حدثنا أبو أمية، قال: ثنا أبو نعيم والمعلى بن منصور، قالا: ثنا أبو الأحوص. . . . ثم ذكر بإسناده مثله. حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني جرير بن حازم، عن يعلى بن حكيم، عن سليمان بن يسار، عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ كانت له أرض فَلْيَزرَعْها، أو ليُزرِعْها أخاه، ولا يكريها بالثلث ولا بالربع ولا بطعام مسمى". حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا بكير بن عامر، عن ابن أبي نعيم، قال: حدثني رافع بن خديج: "أنه زرع أرضًا، فمر به النبي ﵇ وهو يسقيها، فسأله: لمن الزرع ولمن الأرض؟ فقال: زرعي ببذري وعملي، لي الشطر ولبني فلان الشطر، فقال: أربيت، فَرُد الأرض إلى أهلها وخذ بنفقتك". حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا بكير، عن الشعبي، عن رافع مثله.

стр. 8417

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا عمر بن يونس، قال: ثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثني أبو النجاشي مولى رافع بن خديج، قال: "قلت لرافع: إن لي أرضًا أكريها، فنهاني رافع، وأراه قال لي: إن رسول الله ﵇ نهى عن كراء الأرض، وقال: إذا كان لأحدكم أرضًا فليزرعها أوليُزرِعْها أخاه، فإن لم يفعل فليدعها ولا يكريها بشيء، فقلت: أرأيت إن تركتها فلم أزرعها ولم أكرها بشيء فزرعها قوم فوهبوا إليَّ من نباتها شيئًا آخذه؟ قال: لا". ش: هذه عشر طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن مجاهد المكي، عن رافع بن خديج. وأخرجه النسائي (١): عن ابن مثنى ومحمد بن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن رافع: "نهى النبي ﵇ عن الحقل". قوله: "عن الحقْل" بفتح الحاء المهملة وسكون القاف وفي آخره لام، وقد فسره في الحديث. الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن يحيى بن حماد بن أبي زياد المصري ختن أبي عوانة، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن سليمان الأعمش، عن مجاهد، عن رافع. وأخرجه الترمذي (٢): عن هناد، عن أبي بكر بن عياش، عن ابن حصين، عن مجاهد، عن رافع. . . . إلى آخره نحوه. قال: وفيه اضطراب، يروى هذا الحديث عن رافع، عن عمومته، ويروى عنه عن ظهير بن رافع أحد عمومته، وقد روي هذا الحديث عنه على روايات مختلفة.

стр. 8418

قوله: "فليزرعها" من زرع الأرض. وقوله: "أو ليزرعها" من أزرعه أرضه، والمعنى ليزرعها بنفسه، أو ليجعلها لغيره مزرعة، يقال: أزرعه أرضًا إذا فعلت ذلك معه. الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عيسى بن إبراهيم بن سيار الشعيري، عن عبد الواحد بن زياد العبدي المصري، عن سعيد بن عبد الرحمن الزبيدي -بضم الزاي المعجمة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء وآخر الحروف- قاضي الري، عن مجاهد، عن أُسَيد -بضم الهمزة وفتح السين- ابن أخي رافع بن خديج. . . . إلى آخره. وأخرجه النسائي (١): نحوه عن إبراهيم بن يعقوب، عن عفان، عن عبد الواحد ابن زياد، عن سعيد بن عبد الرحمن، عن مجاهد، حدثني أسيد بن أخي رافع بن خديج، قال: قال رافع. . . . الحديث. وأخرجه أبو داود (٢): ثنا محمد بن كثير، قال: أنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، أن أسيد بن ظهير قال: "جاءنا رافع بن خديج، فقال: إن رسول الله ﵇ ينهاكم عن أمر كان لكم نافعًا، وطاعة رسول الله ﵇ أنفع لكم، إن رسول الله ﵇ ينهاكم عن الحقل، وقال: من استغنى عن أرضه فليمنحها أخاه أو يدع". قال أبو داود: هكذا رواه شعبة ومفضل بن مهلهل عن منصور. وقال شعبة: أسيد بن أخي رافع بن خديج. قلت: قال ابن منده وأبو نعيم: أسيد بن ظهير عم رافع بن خديج. وقال ابن الأثير: وليس كذلك، وإنما هو ابن عمه؛ لأن رافع بن خديج بن رافع بن عدي، وظهير بن رافع بن عدي.

стр. 8419

وهذا كما ترى قد وقع في رواية الطحاوي، والنسائي، وأبي داود في رواية شعبة: أسيد ابن أخي رافع بن خديج، وفي رواية أبي داود من طريق سفيان: أسد بن ظهير، وكذا في إحدى روايات النسائي. وهذا أيضًا يعني أن أسيدًا هو ابن عم رافع بن خديج مثلما قال ابن الأثير، وهذا كما ترى لا يخلو عن اضطراب. الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم، عن علي بن معبد بن شداد الرقي، عن عبيد الله بن عمرو الرقي، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن مجاهد قال: "أخذت بيد طاوس حتى أدخلته على ابن رافع بن خديج"، واسمه رفاعة بن رافع، ذكره ابن حبان في "الثقات". وأخرجه مسلم (١): نا يحيى بن يحيى، قال: أنا حماد بن زيد، عن عمرو: "أن مجاهدًا قال لطاوس: انطلق بنا إلى ابن رافع بن خديج فاسمع منه الحديث عن أبيه، عن النبي ﵇ قال: فانتهره، قال: إني والله لو أعلم أن رسول الله ﵇ نهى عنه ما فعلته، ولكني حدثني مَن هو أعلم به منهم -يعني ابن عباس ﵄- أن رسول الله ﵇ قال: لأن يمنح الرجل أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليها خراجًا معلومًا". الخامس: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الحنفي، عن طارق بن عبد الرحمن البجلي الأحمسي الكوفي، عن سعيد بن المسيب، عن رافع بن خديج. وأخرجه أبو داود (٢): ثنا مسدد، قال: نا أبو الأحوص، قال: ثنا طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيب، عن رافع بن خديج، قال: "نهى رسول الله ﵇ عن المحاقلة والمزابنة، وقال: إنما يزرع ثلاثة. . . ." إلى آخره نحوه.

стр. 8420

قوله: "عن المزابنة" هي بيع الرطب في رءوس النخل بالتمر، وأصله من الزبن وهو الدفع، كأن كل واحد من المتبايعين يزبن صاحبه عن حقه بما يزداد منه، وإنما نهي عنها لما يقع فيها من الغبن والجهالة. قوله: "والمحاقلة" والمحاقلة مختلف فيها، قيل: هي اكتراء الأرض بالحنطة، هكذا جاء مفسرًا في الحديث، وهو الذي يسميه الزَّرَّاعون: المحارثة، وقيل: هي المزارعة على نصيب معلوم كالثلث والربع ونحوهما، وقيل: هي بيع الطعام في سنبله بالبر، وقيل: هي بيع الزرع قبل إدراكه. وإنما نهي عنها لأنها من المكيل، ولا يجوز فيه إذا كانا من جنس واحد إلا مثلًا بمثل ويدًا بيد، وهذا مجهول لا يدرى أيهما أكثر، وفيه النسيئة، والمحاقلة: مفاعلة من الحقل، وهو الزرع إذا تشعب قبل أن يغلظ سوقه، وقيل: هي من الحقل وهي الأرض التي تزرع، ويسميه أهل العراق: القراح. قوله: "منح أخاه أرضًا" أي: أعارها إياه، وقد تقع المنحة على الهبة مطلقًا لا قرضًا ولا عارية، وهاهنا معناه العارية. السادس: عن أبي أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، وعن المعلى بن منصور الرازي أحد أصحاب أبي حنيفة، كلاهما عن أبي الأحوص سلام بن سليم، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيب، عن رافع بن خديج. وأخرجه النسائي (١): عن قتيبة، عن سعيد، عن أبي الأحوص. . . . إلى آخره نحوه. وابن ماجه (٢): عن هناد بن السري، عن أبي الأحوص نحوه.

стр. 8421

السابع: عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم، عن عبد الله بن وهب، عن جرير بن حازم، عن يعلى بن حكيم الثقفي المكي، عن سليمان بن يسار، عن رافع بن خديج. وأخرجه مسلم (١) نحوه: عن أبي الطاهر، عن عبد الله بن وهب، عن جرير ابن حازم، عن يعلى بن حكيم. . . . إلى آخره. وأبو داود (٢) وابن ماجه (٣) أيضًا. الثامن: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن بكير بن عامر البجلي الكوفي، عن عبد الرحمن بن أبي نعم البجلي الكوفي العابد، عن رافع. وأخرجه أبو داود (٤): عن هارون بن عبد الله، عن الفضل بن دكين، عن بكير بن عامر، عن ابن أبي نعم نحوه. قوله: "أربيت" أي فعلت الربا. التاسع: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن بكير بن عامر، عن عامر الشعبي، عن رافع بن خديج. العاشر: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن عمر بن يونس بن القاسم الحنفي اليمامي، عن عكرمة بن عمار العجلي اليمامي، عن أبي النجاشي عطاء بن صهيب مولى رافع بن خديج الأنصاري. وأخرجه مسلم (٥): عن محمد بن حاتم، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن عكرمة بن عمار، عن أبي النجاشي، عن رافع بن خديج نحوه.

стр. 8422

ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا حبان بن هلال. (ح) وحدثنا محمد بن علي بن داود، قال: ثنا عفان بن مسلم، قالا: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا سليمان الشيباني، قال: حدثني عبد الله بن السائب، قال: "سألت عبد الله بن معقل عن المزارعة، فقال: أخبرني ثابت بن الضحاك أن النبي ﵇ نهى عن المزارعة". حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، قال: ثنا علي بن مسهر، عن الشيباني، قال: أنا عبد الله بن السائب، فذكر بإسناده مثله. ش: هذه ثلاث طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن حَبَّان -بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة- بن هلال البصري، عن عبد الواحد بن زياد العبدي البصري، عن أبي إسحاق سليمان الشيباني، عن عبد الله بن السائب الكندي، ويقال: الشيباني الكوفي، عن عبد الله بن معقل بن مقرن المزني، عن ثابت بن الضحاك بن أمية الأنصاري الصحابي. وأخرجه مسلم (١): نا يحيى بن يحيى، قال: أنا عبد الواحد بن زياد. ونا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا علي بن مسهر، كلاهما عن الشيباني، عن عبد الله بن السائب، قال: "سألت عبد الله بن معقل عن المزارعة، فقال: أخبرني ثابت بن الضحاك، أن رسول الله ﵇ نهى عن المزارعة" وفي رواية ابن أبي شيبة: "نهى عنها"، وقال: سألت ابن معقل ولم يُسم عبد الله. الثاني: عن محمد بن علي بن داود، عن عفان بن مسلم الصفار، عن عبد الواحد بن زياد. . . . إلى آخره.

стр. 8423

وأخرجه الطبراني (١): ثنا محمد بن العباس المؤدب، نا عفان بن مسلم، نا عبد الواحد بن زياد، نا سليمان الشيباني، ثنا عبد الله بن السائب، قال: "سألت عبد الله بن معقل عن المزارعة، فقال: ثنا ثابت بن الضحاك، أن رسول الله ﵇ نهى عن المزارعة". الثالث: عن فهد بن سليمان، عن محمد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، عن علي بن مسهر القرشي الكوفي، عن أبي إسحاق سليمان الشيباني، عن عبد الله بن السائب، عن عبد الله بن معقل، عن ثابت بن الضحاك نحوه. ص: حدثنا ربيع المؤذن، ثنا بشر بن بكر، قال: ثنا الأوزاعي، قال: حدثني عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله ﵁، قال: "كان لرجال منا فضول أرضين على عهد رسول الله ﵇، فكانوا يؤاجرونها على النصف والثلث والربع، فقال رسول الله ﵇: مَن كانت له أرض فليزرعها أو ليمنح أخاه، فإن أبى فليمسك". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: ثنا عطاء، عن جابر مثله. حدثنا سليمان بن سعيد، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا همام، قال: قيل لعطاء: "هل حدثك جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: مَن كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه، ولا يؤاجرها؟ فقال عطاء: نعم". حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: ثنا همام، قال: سأل سليمانُ بن موسى عطاءً وأنا شاهد. . . . ثم ذكر بإسناده مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا خطاب بن عثمان الفوزي، قال: ثنا ضمرة، عن ابن شوذب، عن مطر، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله قال: "خطبنا رسول الله ﷺ . . . ." ثم ذكر مثله.

стр. 8424

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يحيى بن معين، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال ابن خثيم: حدثني عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "من لم يذر المخابرة فليؤذن بحرب من الله ". حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: أنا يحيى بن سليم الطائفي، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، فذكر بإسناده مثله، وزاد: "من الله ورسوله". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، عن سَلِيم بن حيان، عن سعيد بن ميناء، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: "مَن كان له فضل ماء أو فضل أرض فليزرعها أو ليزرعها، ولا تبيعوها، قال سَلِيم: فقلت له: يعني الكراء؟ قال: نعم". ش: هذه ثمان طرق صحاح: الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن بشر بن بكر التنيسي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح المكي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري. وأخرجه البخاري (١): عن محمد بن يوسف، عن الأوزاعي، عن عطاء. . . . إلى آخره نحوه. ومسلم (٢): عن الحكم بن موسى، قال: ثنا هِقْل -يعني: ابن زياد- عن الأوزاعي، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله، قال: "كان لرجال فضول أرضين من أصحاب رسول الله ﵇، فقال رسول الله ﵇: من كانت له فضل أرض فليزرعها أو يمنحها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه". قوله: "أو ليمنح أخاه" أي أو ليعر أرضه أخاه، والمنحة وإن كان معناها الهبة فقد تطلق على العارية أرضًا.

стр. 8425

الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله. وأخرجه ابن ماجه (١): من حديث عطاء، عن جابر نحوه. الثالث: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن الخَصِيب -بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد المهملة- بن ناصح الحارثي، عن همام بن يحيى، قال: قيل لعطاء، وهو عطاء بن أبي رباح. وأخرجه أحمد (٢): عن عفان، عن همام. . . . إلى آخره نحوه. الرابع: عن محمد بن خزيمة، عن عبد الله بن رجاء الغداني. . . . إلى آخره. وأخرجه مسلم (٣): ثنا شيبان بن فروخ، قال: ثنا همام، قال: سأل سليمان بن يونس عطاء، فقال: "أحدثك جابر بن عبد الله أن النبي ﵇ قال: مَن كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه ولا يكريها؟ قال: نعم". الخامس: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن خطاب بن عثمان الفوزي -بفتح الفاء وسكون الواو وبالزاي المعجمة- نسبة إلى فوز قرية من قرى حمص. عن ضمرة بن حبيب الحمصي، عن عبد الله بن شوذب الخراساني نزيل بيت المقدس، عن مطر بن طهمان الوراق الخراساني، عن عطاء بن أبي رباح. وأخرجه مسلم (٣): ثنا عبد بن حميد، نا محمد بن الفضل لقبه عارم، وهو ابن النعمان السدوسي، قال: ثنا مهدي بن ميمون، قال: نا مطر الوراق، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن كانت له أرض فليزرعها، فإن لم يزرعها فليزرعها أخاه".

стр. 8426

السادس: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن يحيى بن معين، عن عبد الله ابن رجاء المكي أبي عمران -وليس هو عبد الله بن رجاء الغداني، وكلاهما من رجال الصحيح، يروي عن ابن خثيم -وهو عبد الله بن عثمان بن خثيم القاري من القارة- أبو عثمان المكي. وأبو الزبير هو محمد بن مسلم المكي. والحديث أخرجه أبو داود (١): عن يحيى بن معين عن عبد الله ابن رجاء المكي، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر نحوه. وقد مرَّ تفسير المخابرة مرة. السابع: عن فهد بن سليمان، عن محمد بن سعيد الأصبهاني، عن يحيى بن سليم القرشي الطائفي الخزاز -بالراء المهملة ثم الزاي المعجمة- الحذاء المكي، أحد مشايخ الشافعي. عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا الجراح بن مخلد، ثنا يحيى بن سليم، نا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن لم يدع المخابرة فليأذن بحرب من الله ورسوله". الثامن: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن سَلِيم -بفتح السين وكسر اللام- ابن حيان -بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف- بن بسطام الهذلي، عن سعيد بن ميناء، عن جابر ﵁. وأخرجه مسلم (٢): حدثني حجاج بن الشاعر، قال: ثنا عبيد الله بن عبد المجيد، قال: ثنا سَلِيم بن حيان، قال: ثنا سعيد بن ميناء، قال: سمعت

стр. 8427

جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﵇ قال: "مَن كان له فضل أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه، ولا تبيعوها" فقلت لسعيد: ما: لا تبيعوها، يعني الكراء؟ قال: نعم". ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذه الآثار وكرهوا بها إجارة الأرض بجزء مما يخرج منها. ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء، ومجاهدًا، ومسروقًا، والشعبي، وطاوس بن كيسان، والحسن، ومحمد بن سيرين، والقاسم بن محمد، وأبا حنيفة، ومالكًا، والشافعي، وزفر؛ فإنهم قالوا: تكره إجارة الأرض بجزء مما يخرج منها، كالثلث والربع. اعلم أن هاهنا مذاهب للناس، فقال أبو عمر: لا يجوز كراء الأرض بشيء من الطعام، مأكولًا كان أو مشروبًا على حال؛ لأن ذلك في معنى بيع الطعام بالطعام نسيئة، وكذلك لا يجوز كراء الأرض بشيء مما يخرج منها وإن لم يكن طعاما مأكولًا ولا مشروبًا سوى الخشب، والقصب، والحطب؛ لأنه في معنى [المزابنة] (١). هذا هو المحفوظ عن مالك وأصحابه، وذكر ابن سحنون عن المغيرة بن عبد الرحمن: أنه لا بأس بكراء الأرض بطعام لا يخرج منها، وذكر ابن حبيب أن ابن كنانة يقول: لا تكرى الأرض بشيء إذا أُعِيدَ فيها نَبَت، ولا بأس أن تكرى بما سوى ذلك من جميع الأشياء مما يؤكل ومما لا يؤكل، خرج منها أو لم يخرج منها، قال: وكان ابن نافع يقول: لا بأس أن تكرى الأرض بكل شيء من طعام وغيره، خرج منها أو لم يخرج منها، ما عدا الحنطة وأخواتها فإنها المحاقلة. وأجمع مالك وأصحابه كلهم أن الأرض لا يجوز كراؤها على بعض ما يخرج منها مما يزرع فيها ثلثًا كان أو ربعًا، أو جزافًا كان؛ لأنه غرر ومحاقلة.

стр. 8428

وقال جماعة من أهل العلم: معنى المحاقلة: دفع الأرض على الثلث والربع، وعلى جزء مما يخرج منها؛ لأنه مجهول ولا يجوز الكراء إلا معلومًا. قالوا: وكراء الأرض بالذهب والورق وبالعروض كلها الطعام وغيره مما ينبت في الأرض وما لا ينبت فيها جائز، كما يجوز كراء المنازل وإجارة العبيد، هذا كله قول الشافعي ومَن تابعه. وهو قول أبي حنيفة وداود، وإليه ذهب محمد بن عبد الحكم من أصحاب مالك. وقال الليث بن سعد، والثوري، والأوزاعي، والحسن بن حي، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد بن حنبل: لا بأس أن يعطي الرجل أرضه على جزء مما تخرجه نحو الثلث والربع. وقال القاضي عياض: اختلف الناس في منع كراء الأرض على الإطلاق، فقال به طاوس والحسن؛ أخذًا بظاهر النهي عن المحاقلة، وفسرها الرازي بكراء الأرض، فأطلق. وقال جمهور العلماء: إنما يمنع على التقييد دون الإطلاق، واختلفوا في ذلك، فعندنا: إن كراها بالجزء لا يجوز من غير خلاف، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وقال بعض الصحابة وبعض الفقهاء بجوازه تشبيهًا بالقراض، وأما كراؤها بالطعام مضمونًا في الذمة فأجازه أبو حنيفة والشافعي. وقال ابن حزم في "المحلى": لا يرى عطاء، ومجاهد، ومسروق، والشعبي، وطاوس، والحسن، وابن سيرين والقاسم بن محمد كراء الأرض أصلًا لا بدنانير ولا بدراهم ولا بغير ذلك، وقال أيضًا: وممن أجاز إعطاء الأرض بجزء مسمى مما يخرج منها: أبو بكر، وعمر، وعلي، وعثمان، وابن عمر، وسعد، وابن مسعود، وخباب، وحذيفة، ومعاذ ﵃. وهو قول عبد الرحمن بن يزيد بن موسى، وابن أبي ليلى، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وابن المنذر.

стр. 8429

واختلف فيها عن الليث، وأجازها أحمد، وإسحاق، إلا أنهما قالا: إن البذر يكون من عند صاحب الأرض، وإنما على العامل البقر والآلة والعمل. وأجازها بعض أصحاب الحديث ولم يبال ممن جعل البذر منهما. وقال أيضًا: واتفق أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وزفر، وأبو سليمان، على جواز كراء الأرض، واختلفوا فيه أيضًا وفي المزارعة، فأجاز كل من ذكرنا -حاشى مالكًا وحده- كراء الأرض بالذهب والفضة، وبالطعام المسمى كيله في الذمة ما لم يشترط أن يكون مما تخرجه الأرض، وبالعروض كلها. وقال مالك بمثل ذلك إلا أنه لم يجز كراء الأرض بشيء مما يخرج منها، ولا بشيء من الطعام وإن لم يخرج منها كالعسل والملح والمري، ونحو ذلك. وأجاز كراءها بالخشب والحطب وإن كانا يخرجان منها. ومنع أبو حنيفة وزفر إعطاء الأرض بجزء مسمى مما يزرع فيها بوجه من الوجوه، وقال مالك: لا يجوز إعطاء الأرض بجزء مسمى مما تخرج إلا أن يكون أرض شجر، فيكون مقدار البياض من الأرض مقدار ثلث الجميع، ويكون السواد مقدار الثلثين من الجميع فيجوز حينئذٍ أن يعطى بالثلث أو الربع أو النصف على ما يعطى به ذلك السواد. وقال الشافعي: لا يجوز إعطاء الأرض بجزء مسمى مما تخرج إلا أن تكون في خلال الشجر لا يمكن سقيها ولا عملها إلا بعمل الشجر وحفرها وسقيها، فيجوز حينئذٍ إعطاؤها بثلث أو ربع أو نصف على ما تعطي به الشجر، وقال أبو بكر بن داود: لا يجوز إعطاء الأرض بجزء مسمى مما يخرج منها، إلا أن تعطى هي والشجر في صفقة واحدة، فيجوز ذلك حينئذٍ، والله أعلم. ص: وهذه الآثار فقد جاءت على معاني مختلفة، فأما ثابت بن الضحاك ﵁، فروى عن النبي ﵇ نهى عن المزارعة، ولم يبيِّن أي مزارعة هي؟

стр. 8430

فإن كانت هي المزارعة على جزء معلوم مما تخرج الأرض، فهذا الذي يختلف فيه هؤلاء المحتجون بهذه الآثار ومخالفوهم. وإن كانت تلك المزارعة التي نهي عنها هي المزارعة على الثلث والربع، وشيء غير ذلك مما يخرج مما يزرع في موضع من الأرض بعينه، فهذا مما يجمع الفريقان جميعًا على فساد المزارعة عليه، وليس في حديث ثابت هذا ما ينفي أن يكون النبي ﷺ أراد معنى من هذين المعنيين بعينه دون المعنى الآخر. وأما حديث جابر بن عبد الله فإنه قال فيه: "كان لرجال منا فضول أرضين، وكانوا يؤاجرونها على النصف والثلث والربع، فقال رسول الله ﵇: مَن كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه، فإن أبي فليمسك". ففي هذا الحديث أنه لم يُجز لهم إلا أن يزرعوها بأنفسهم أو يمنحوها من أحبوا، ولم يُبح لهم في هذا الحديث غير ذلك، فقد يحتمل أن يكون ذلك النهي كان على أن لا تؤاجر بثلث ولا بربع ولا بدراهم ولا بدنانير ولا بغير ذلك، فيكون المقصود إليه بذلك النهي: هو إجارة الأرض، وقد ذهب قوم إلى كراهة إجارة الأرض بالذهب والفضة. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر، قال: ثنا حماد بن زيد، قال: أخبرني عمرو بن دينار، قال: "كان طاوس يكره كراء الأرض بالذهب والفضة". فهذا طاوس يكره كراء الأرض بالذهب والفضة، ولا يرى بأسا بدفعها ببعض ما تخرج، وسنخبر بذلك فيما بعد إن شاء الله. فإن كان النهي الذي في حديث جابر وقع على الكراء أصلًا بشيء مما تخرج وبغير ذلك، فهذا معنًى يخالفه الفريقان جميعًا. وقد يحتمل أن يكون النهي وقع لمعنًى غير ذلك، فنظرنا هل روى أحد عن جابر في ذلك شيئا يدل على المعنى الذي كان من أجله كان النهي؟

стр. 8431

فإذا يونس قد حدثنا، قال: ثنا عبد الله بن نافع المدني، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير المكي، عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﵇ بلغه أن رجالا يكرون مزارعهم بنصف ما يخرج منها، وبثلثه بالماذيانات، فقال في ذلك رسول الله ﵇: مَن كانت له أرض فليزرعها، فإن لم يزرعها فليمنحها أخاه، فإن لم يفعل فليمسكها". حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني هشام بن سعد، أن أبا الزبير المكي حدثه، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: "كنا في زمن رسول الله ﵇ نأخذ الأرض بالثلث أو الربع بالماذيانات، فنهى رسول الله ﵇ عن ذلك". حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا زهير بن معاوية، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: "كنا نخابر على عهد رسول الله ﵇ فنصيب من كذا، فقال: مَن كانت له أرض فليزرعها أو ليجريها أخاه وإلا فليدعها". فأخبر أبو الزبير في هذا عن جابر بالمعنى الذي وقع النهي من أجله، وأنه إنما هو لشيء كانوا يصيبونه في الإجارة، فكأن النهي من قِبَل ذلك جاء، وقد يحتمل أن يكون معنى حديث ثابت بن الضحاك الذي ذكرنا كذلك، والله أعلم. وأما حديث رافع بن خديج فقد جاء بألفاظ مختلفة اضطرب علينا من أجلها. فأما حديث ابن عمر عنه فهو مثل حديث ثابت بن الضحاك: "أن رسول الله ﵇ نهى عن المزارعة"، فهو يحتمل أيضًا ما وصفنا من معاني حديث ثابت على ما ذكرنا وبيَّنا، وأما مَن رواه على مثل ما روى جابر، فيحتمل أيضًا ما وصفنا مما يحتمله حديث جابر ﵁. ش: لما أخرج الأحاديث المذكورة عن أربعة أنفس من الصحابة وهم: رافع بن خديج، وعبد الله بن عمر، وثابت بن الضحاك، وجابر بن عبد الله ﵃، وكانت مختلفة الألفاظ متباينة المعاني، ولم يكن بُيِّنَ فيها ما الذي نهى عنه، ولا

стр. 8432

المعنى الذي وقع النهي لأجله، فلذلك كثر اختلاف أقاويل العلماء فيه، شرع الآن يبين معنى كل واحد منها، فقال: وأما ثابت بن الضحاك. . . . إلى آخره، وأكثره ظاهر. فقوله: "هؤلاء المحتجون" إشارة إلى ما ذكره من قوله: "فذهب قوم إلى هذه الآثار" وهم: عطاء، ومجاهد، ومسروق، ومَن ذكرناهم معهم. قوله: "ومخالفوهم" أراد بهم: الليث بن سعد، والأوزاعي، والثوري، وأبا يوسف، ومحمدًا، ومَن ذكرنا معهم. قوله: "وقد ذهب قوم إلى كراهة إجارة الأرض" أراد بهم: عطاء، وطاوس بن كيسان، ومجاهدًا، والقاسم بن محمد، وآخرين؛ فإنهم كرهوا إجارة الأرض بالنقدين. وأخرج في ذلك لبيان مذهب طاوس بإسناد صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عمر حفص بن عمر، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار المكي، عن طاوس. وأخرجه النسائي (١) فقال: أنا محمد بن عبد الله بن المبارك، نا زكرياء بن عدي، أنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، قال: "كان طاوس يكره أن يؤاجر أرضه بالذهب والفضة، ولا يرى بالثلث والربع بأسا. . . ."، وإليه ذهب أهل الظاهر. وقال ابن حزم: وهذا نص قولنا. قوله: "فإذا يونس. . . ." إلى آخره أخرج هذا من ثلاث طرق: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن نافع المدني -فيه مقال- عن هشام بن سعد المدني، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي، عن جابر بن عبد الله.

стр. 8433

وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث هشام بن سعد، أن أبا الزبير حدثه، سمعت جابرًا يقول: "كنا في زمان رسول الله ﵇ نأخذ الأرض بالثلث أو الربع بالماذيانات، فقام رسول الله ﵇، فقال: مَن كانت له أرض فليزرعها، فإن لم يزرعها فليمنحها أخاه، فإن لم يمنحها أخاه فليمسكها". قوله: "وبالماذيانات" قال الإِمام: الماذيانات ما ينبت على الأنهار الكبار، وليس بالعربية، ولكنها سَوَادِيَّة، والسواقي دون الماذيانات. وقال القاضي: ضبطنا هذا الحرف في كتاب مسلم بكسر الذال، وضبطناه عن بعض شيوخنا في غير مسلم بفتحها، قيل: هي مسالات المياه، وقال سحنون: الماذيانات ما نبتت على حافتي سبيل الماء، وقيل: ما نبتت حول السواقي من الخصب. الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي، عن جابر. وأخرجه مسلم (٢): عن أبي الطاهر وأحمد بن عيسى جميعًا، عن ابن وهب -قال ابن عيسى: ثنا عبد الله بن وهب- قال: حدثني هشام بن سعد، أن أبا الزبير المكي حدثه، قال: سمعت جابر بن عبد الله، يقول: "كنا في زمن رسول الله ﵇ نأخذ الأرض بالثلث أو الربع، بالماذيانات، فقام رسول الله ﵇ في ذلك، فقال: مَن كانت له أرض فليزرعها، فإن لم يزرعها فليمنحها أخاه، فإن لم يمنحها أخاه فليمسكها". الثالث: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي الثقفي، عن زهير بن معاوية، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي، عن جابر. وهذا إسناد صحيح.

стр. 8434

وأخرجه مسلم (١) أيضًا: نا أحمد بن يونس، قال: نا زهير، قال: نا أبو الزبير، عن جابر، قال: "كنا نخابر على عهد رسول الله ﵇ فنصيب من القصري ومن كذا، فقال رسول الله ﵇: مَن كانت له أرض فليزرعها أو ليجريها أخاه وإلا فليدعها". قوله: "نخابر" من المخابرة وهي المزارعة. قوله: "من القِصرِي" بكسر القاف والراء وصاد مهملة. وعن الطبري: بفتح القاف والراء مقصور. وعن ابن الحذاء: بضم القاف مقصور، والصواب الأول، قال أبو عبيد: القصارة ما بقي من الحبوب في السنبل، وقال ابن دريد: القصارة ما بقي في السنبل بعد ما يداس، وأهل الشام يسمونه: القِصْرِي. ص: ثم نظرنا بعد ذلك هل نجد عن رافع معنى يدلنا على وجه النهي عن ذلك لِمَ كان؟ فإذا أبو بكرة قد حدثنا، قال: ثنا أبو عمر، قال: أنا حماد بن سلمة، أن يحيى بن سعيد الأنصاري أخبرهم، عن خالد بن قيس الزُرَقي، عن رافع بن خديج قال: "كنا بني حارثة أكثر أهل المدينة حقلا، وكنا نكري الأرض على أن ما سقى الماذيان والربيع فلنا، وما سقت الجداول فلهم، فربما سلم هذا وهلك هذا، وربما سلم هذا وهلك هذا، ولم يكن عندنا يومئذٍ ذهب ولا فضة فنعلم ذلك، فسألنا رسول الله ﵇ عن ذلك فنهانا". حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا حامد بن يحيى، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: أنا حنظلة بن قيس الزرقي، أنه سمع رافع بن خديج يقول: "كنا أكثر أهل المدينة حقلا، وكنا نقول للذي نخابره: لك هذه القطعة ولنا هذه القطعة تزرعها لنا، فربما أخرجت هذه القطعة ولم تخرج هذه

стр. 8435

شيئًا، وربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه شيئًا، فنهانا رسول الله ﵇ عن ذلك، فأما بِوَرِق فلم ينهنا عنه". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمد بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن زُريع، قال: ثنا ابن أبي عروبة، عن يعلى بن حكيم، عن سليمان بن يسار، عن رافع بن خديج، قال: "كنا نحاقل على عهد رسول الله ﵇-والمحاقلة أن يكري الرجل أرضه بالثلث أو الربع، أو طعام مسمى- فبينا أنا ذات يوم إذ أتى بعض عمومتي، فقال: نهانا رسول الله ﵇ عن أمر كان لنا نافعًا، وطاعة رسول الله ﵇ أنفع، قال: من كانت له أرض فليمنحها أخاه ولا يكريها بثلث ولا ربع، ولا طعام مسمى". فبيَّن رافع في هذا كيف كانوا يزارعون، فرجع معنى حديثه إلى معنى حديث جابر ﵁، وثبت أن النهي في الحديثين جميعًا، إنما كان لأن كل فريق من أرباب الأرضين والمزارعين كان يختص بطائفة من الأرض، فيكون له ما خرج منها مَن زرع، إن سلم فله، وإن عطب فعليه، وهذا مما أجمع على فساده، فهذا قد خرج معنى حديث رافع على أن النهي المذكور فيه كان للمعنى الذي وصفنا لا لإجارة الأرض بجزء مما يخرج منها. ش: لما لم يكن في أحاديث رافع المتقدم ذكرها ما يدل على وجه النهي في ذلك لأي شيء كان؟ أتى هاهنا بأحاديث أخرى رويت عنه، فيها بيان معنى النهي، ووجهه ما ذكره الطحاوي. وأخرج ذلك من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عمر حفص بن عمر الضرير -شيخ أبي داود وابن ماجه- عن حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن حنظلة بن قيس الزرقي المدني، عن رافع بن خديج.

стр. 8436

وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا يوسف القاضي، ثنا عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد، عن حنظلة بن قيس، عن رافع بن خديج، قال: "كُنَّا بني حارثة أكثر أهل المدينة حقلًا، وكنا نكري الأرض ونشترط على الإكراء أن ما سقى الماذيانات والربيع فلنا، وما سقي بالجداول فهو لكم، فربما هلك هذا وسلم هذا، وربما سلم هذا وهلك هذا، فنهى رسول الله ﵇ عن ذلك، ولم يكن عندنا يومئذٍ ذهب ولا فضة فنعلم ذلك". قوله: "بني حارثة" نصب على التخصيص، وهذا من قبيل قوله: "إنا معشر الأنبياء لا نورث". قوله: "حقلًا" أي زرعًا، وهو بسكون القاف: الزرع الذي يتشعب ورقه قبل أن تغلظ سوقه. و"الربيع" هو النهر الصغير ويجمع على أربعاء. و"الجداول" جمع جدول، وهو النهر الصغير أيضًا. الثاني: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن حامد بن يحيى البلخي شيخ أبي داود، عن سفيان الثوري، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن حنظلة بن قيس، عن رافع. وأخرجه مسلم (٢): ثنا عمرو الناقد، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن حنظلة الزرقي، أنه سمع رافع بن خديج، يقول: "كنا أكثر الأنصار حقلًا، قال: كنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه، فنهانا عن ذلك، وأما الورق فلم ينهنا". الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمد بن المنهال -شيخ

стр. 8437

البخاري ومسلم وأبي داود- عن يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن يعلى بن حكيم الثقفي، عن سليمان بن يسار، عن رافع. وأخرجه مسلم (١): حدثني علي بن حجر السعدي، ويعقوب بن إبراهيم، قالا: نا إسماعيل -وهو ابن علية- عن أيوب، عن يعلى بن حكيم، عن سليمان بن يسار، عن رافع بن خديج، قال: "كنا نحاقل الأرض على عهد رسول الله ﵇ فنكريها بالثلث والربع، والطعام المسمى، فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي، فقال: نهانا رسول الله ﵇ عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا، نهانا أن نحاقل بالأرض فنكريها بالثلث والربع، والطعام المسمى، وأَمَرَ رَبَّ الأرض أن يَزْرَعْها أو يُزرعها، وكره كراءها وما سوى ذلك". وأخرج أيضًا (٢): عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبدة، عن ابن أبي عروبة، عن يعلى بن حكيم بهذا الإسناد مثله. قوله: "كنا نحاقل" من المحاقلة، وفي تفسيرها أقوال، وقد ذكرنا بعضها، وقد فسرها في الحديث بقوله: "والمحاقلة أن يكري. . . ." إلى آخره. قوله: "إذ أتى بعض عمومتي" وهو ظهير بن رافع، والعمومة: جمع عَمّ، كالخئولة: جمع خال. ص: وقد أنكر آخرون على رافع ما روى من ذلك، وأخبروا أنه لم يحفظ أول الحديث. فحدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، عن الوليد بن أبي الوليد، عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت ﵁، قال: "يغفر الله لرافع بن خديج، أنا والله كنت أعلم بالحديث منه، إنما جاء رجلان

стр. 8438

من الأنصار إلى رسول الله ﵇ قد اقتتلا، فقال: إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع، فسمع قوله: لا تكروا المزارع". فهذا زيد بن ثابت ﵁ يخبر أن قول النبي ﵇: "لا تكروا المزارع" النهي الذي قد سمعه رافع لم يكن من النبي ﵇ على وجه التحريم، وإنما كان لكراهية وقوع الشر بينهم. ش: أي وقد أنكر جماعة آخرون على رافع بن خديج، وأراد بهم: زيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وطاوس بن اليمان ﵃، فإنهم أنكروا على رافع ما روى من الحديث المذكور، وقالوا: إنه لم يحفظ أول الحديث، وإنما لحق من النبي ﵇ آخر الحديث، وقد فاته أوله، فروى القدر الذي وقف عليه، وبيَّن ذلك بقوله: فحدثنا علي بن شيبة. . . . إلى آخره، بالفاء التفسيرية. أخرجه عن علي بن شيبة، عن يحيى بن يحيى النيسابوري شيخ مسلم، عن بشر بن المفضل بن لاحق البصري الثقة الحجة، عن عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد الله المدني -المختلف فيه- عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر العنسي، ذكره ابن أبي حاتم، وقال: سمعت أبي يقول: هو لا يسمى وهو منكر الحديث. يروي عن الوليد بن أبي الوليد، واسمه عثمان القرشي المدني مولى عمر بن الخطاب ﵁، وقيل: مولى عثمان بن عفان. وثقه أبو زرعة وابن حبان. يروي عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت ﵁. وأخرجه أبو داود (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا ابن علية. وثنا مسدد، قال: نا بشر -المعنى- عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار، عن الوليد بن أبي الوليد، عن عروة بن الزبير،

стр. 8439

قال: قال زيد بن ثابت: "يغفر الله لرافع بن خديج، أنا والله أعلم بالحديث منه، إنما أتاه رجلان -قال مسدد: من الأنصار- قد اقتتلا، فقال رسول الله ﵇: إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع". وأخرجه النسائي (١): عن حسين بن محمد البصري، عن ابن علية. . . . بإسناده نحوه. وعن (٢) عمرو بن علي، عن يزيد بن زريع. وعن (٣) إسماعيل بن مسعود، عن بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبي عبيدة بن محمد، عن الوليد، عن عروة، به. وخالفا ابن علية في قوله: الوليد بن أبي الوليد. وأخرجه ابن ماجه (٤): عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، عن إسماعيل بن علية. . . . فذكره. ص: وقد روي عن ابن عباس من ذلك شيء. حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا سفيان وحماد بن سلمة وحماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، قال: قلت له: "يا أبا عبد الرحمن لو تركت المخابرة فإنهم يزعمون أن رسول الله ﵇ نهى عنها، فقال: أخبرني أعلمهم -يعني ابن عباس- أن رسول الله ﵇ لم يَنْه عنها، ولكنه قال: لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ منها خراجًا معلومًا". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، عن عمرو. . . . فذكر بإسناده مثله.

стр. 8440

فبيَّن ابن عباس أن ما كان من النبي ﵇ في ذلك لم يكن للنهي؛ وإنما أراد الرفق بهم. ش: أي قد روي عن عبد الله بن عباس من المعنى الذي ذكره زيد بن ثابت في حديث رافع بن خديج شيء. أخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن سفيان بن عيينة والحمادين، عن عمرو بن دينار، عن طاوس بن كيسان. . . . إلى آخره. الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن إبراهيم بن بشار الرمادي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار. . . . إلى آخره. وأخرجه مسلم (١): ثنا ابن أبي عمر، قال: ثنا سفيان، عن عمرو وابن طاوس، عن طاوس: "أنه كان يخابر، قال عمرو: فقلت له: يا أبا عبد الرحمن، لو تركت هذه المخابرة؛ فإنهم يزعمون أن النبي ﵇ نهى عن المخابرة، فقال أي عمرو: أخبرني أعلمهم بذلك -يعني ابن عباس- أن النبي ﵇ لم ينه عنها، إنما قال: يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليه خرجًا معلومًا". وأخرجه البخاري (٢) أيضًا نحوه. وقال البيهقي: كأن ابن عباس وزيد بن ثابت ﵃ أنكروا إطلاق النهي، وعنى ابن عباس بما "لم ينه عنه" من ذلك كراءها بالذهب والفضة، وبما لا غرر فيه، وقد قيد بعض الرواة عن رافع الأنواع التي وقع النهي عنها، وبيَّن علة النهي وهي ما يخشى على الزرع من الهلاك، وذلك غرر في العوض، فوجب فساد العقد، وإن كان ابن عباس عنى بما "لم ينه عنه" كراءها ببعض ما يخرج منها
следующие страницы →