← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 8436–8475 · переход к 8441.

стр. 8436

وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا يوسف القاضي، ثنا عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد، عن حنظلة بن قيس، عن رافع بن خديج، قال: "كُنَّا بني حارثة أكثر أهل المدينة حقلًا، وكنا نكري الأرض ونشترط على الإكراء أن ما سقى الماذيانات والربيع فلنا، وما سقي بالجداول فهو لكم، فربما هلك هذا وسلم هذا، وربما سلم هذا وهلك هذا، فنهى رسول الله ﵇ عن ذلك، ولم يكن عندنا يومئذٍ ذهب ولا فضة فنعلم ذلك". قوله: "بني حارثة" نصب على التخصيص، وهذا من قبيل قوله: "إنا معشر الأنبياء لا نورث". قوله: "حقلًا" أي زرعًا، وهو بسكون القاف: الزرع الذي يتشعب ورقه قبل أن تغلظ سوقه. و"الربيع" هو النهر الصغير ويجمع على أربعاء. و"الجداول" جمع جدول، وهو النهر الصغير أيضًا. الثاني: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن حامد بن يحيى البلخي شيخ أبي داود، عن سفيان الثوري، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن حنظلة بن قيس، عن رافع. وأخرجه مسلم (٢): ثنا عمرو الناقد، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن حنظلة الزرقي، أنه سمع رافع بن خديج، يقول: "كنا أكثر الأنصار حقلًا، قال: كنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه، فنهانا عن ذلك، وأما الورق فلم ينهنا". الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمد بن المنهال -شيخ

стр. 8437

البخاري ومسلم وأبي داود- عن يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن يعلى بن حكيم الثقفي، عن سليمان بن يسار، عن رافع. وأخرجه مسلم (١): حدثني علي بن حجر السعدي، ويعقوب بن إبراهيم، قالا: نا إسماعيل -وهو ابن علية- عن أيوب، عن يعلى بن حكيم، عن سليمان بن يسار، عن رافع بن خديج، قال: "كنا نحاقل الأرض على عهد رسول الله ﵇ فنكريها بالثلث والربع، والطعام المسمى، فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي، فقال: نهانا رسول الله ﵇ عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا، نهانا أن نحاقل بالأرض فنكريها بالثلث والربع، والطعام المسمى، وأَمَرَ رَبَّ الأرض أن يَزْرَعْها أو يُزرعها، وكره كراءها وما سوى ذلك". وأخرج أيضًا (٢): عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبدة، عن ابن أبي عروبة، عن يعلى بن حكيم بهذا الإسناد مثله. قوله: "كنا نحاقل" من المحاقلة، وفي تفسيرها أقوال، وقد ذكرنا بعضها، وقد فسرها في الحديث بقوله: "والمحاقلة أن يكري. . . ." إلى آخره. قوله: "إذ أتى بعض عمومتي" وهو ظهير بن رافع، والعمومة: جمع عَمّ، كالخئولة: جمع خال. ص: وقد أنكر آخرون على رافع ما روى من ذلك، وأخبروا أنه لم يحفظ أول الحديث. فحدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، عن الوليد بن أبي الوليد، عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت ﵁، قال: "يغفر الله لرافع بن خديج، أنا والله كنت أعلم بالحديث منه، إنما جاء رجلان

стр. 8438

من الأنصار إلى رسول الله ﵇ قد اقتتلا، فقال: إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع، فسمع قوله: لا تكروا المزارع". فهذا زيد بن ثابت ﵁ يخبر أن قول النبي ﵇: "لا تكروا المزارع" النهي الذي قد سمعه رافع لم يكن من النبي ﵇ على وجه التحريم، وإنما كان لكراهية وقوع الشر بينهم. ش: أي وقد أنكر جماعة آخرون على رافع بن خديج، وأراد بهم: زيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وطاوس بن اليمان ﵃، فإنهم أنكروا على رافع ما روى من الحديث المذكور، وقالوا: إنه لم يحفظ أول الحديث، وإنما لحق من النبي ﵇ آخر الحديث، وقد فاته أوله، فروى القدر الذي وقف عليه، وبيَّن ذلك بقوله: فحدثنا علي بن شيبة. . . . إلى آخره، بالفاء التفسيرية. أخرجه عن علي بن شيبة، عن يحيى بن يحيى النيسابوري شيخ مسلم، عن بشر بن المفضل بن لاحق البصري الثقة الحجة، عن عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد الله المدني -المختلف فيه- عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر العنسي، ذكره ابن أبي حاتم، وقال: سمعت أبي يقول: هو لا يسمى وهو منكر الحديث. يروي عن الوليد بن أبي الوليد، واسمه عثمان القرشي المدني مولى عمر بن الخطاب ﵁، وقيل: مولى عثمان بن عفان. وثقه أبو زرعة وابن حبان. يروي عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت ﵁. وأخرجه أبو داود (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا ابن علية. وثنا مسدد، قال: نا بشر -المعنى- عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار، عن الوليد بن أبي الوليد، عن عروة بن الزبير،

стр. 8439

قال: قال زيد بن ثابت: "يغفر الله لرافع بن خديج، أنا والله أعلم بالحديث منه، إنما أتاه رجلان -قال مسدد: من الأنصار- قد اقتتلا، فقال رسول الله ﵇: إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع". وأخرجه النسائي (١): عن حسين بن محمد البصري، عن ابن علية. . . . بإسناده نحوه. وعن (٢) عمرو بن علي، عن يزيد بن زريع. وعن (٣) إسماعيل بن مسعود، عن بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبي عبيدة بن محمد، عن الوليد، عن عروة، به. وخالفا ابن علية في قوله: الوليد بن أبي الوليد. وأخرجه ابن ماجه (٤): عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، عن إسماعيل بن علية. . . . فذكره. ص: وقد روي عن ابن عباس من ذلك شيء. حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا سفيان وحماد بن سلمة وحماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، قال: قلت له: "يا أبا عبد الرحمن لو تركت المخابرة فإنهم يزعمون أن رسول الله ﵇ نهى عنها، فقال: أخبرني أعلمهم -يعني ابن عباس- أن رسول الله ﵇ لم يَنْه عنها، ولكنه قال: لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ منها خراجًا معلومًا". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، عن عمرو. . . . فذكر بإسناده مثله.

стр. 8440

فبيَّن ابن عباس أن ما كان من النبي ﵇ في ذلك لم يكن للنهي؛ وإنما أراد الرفق بهم. ش: أي قد روي عن عبد الله بن عباس من المعنى الذي ذكره زيد بن ثابت في حديث رافع بن خديج شيء. أخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن سفيان بن عيينة والحمادين، عن عمرو بن دينار، عن طاوس بن كيسان. . . . إلى آخره. الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن إبراهيم بن بشار الرمادي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار. . . . إلى آخره. وأخرجه مسلم (١): ثنا ابن أبي عمر، قال: ثنا سفيان، عن عمرو وابن طاوس، عن طاوس: "أنه كان يخابر، قال عمرو: فقلت له: يا أبا عبد الرحمن، لو تركت هذه المخابرة؛ فإنهم يزعمون أن النبي ﵇ نهى عن المخابرة، فقال أي عمرو: أخبرني أعلمهم بذلك -يعني ابن عباس- أن النبي ﵇ لم ينه عنها، إنما قال: يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليه خرجًا معلومًا". وأخرجه البخاري (٢) أيضًا نحوه. وقال البيهقي: كأن ابن عباس وزيد بن ثابت ﵃ أنكروا إطلاق النهي، وعنى ابن عباس بما "لم ينه عنه" من ذلك كراءها بالذهب والفضة، وبما لا غرر فيه، وقد قيد بعض الرواة عن رافع الأنواع التي وقع النهي عنها، وبيَّن علة النهي وهي ما يخشى على الزرع من الهلاك، وذلك غرر في العوض، فوجب فساد العقد، وإن كان ابن عباس عنى بما "لم ينه عنه" كراءها ببعض ما يخرج منها

стр. 8441

فقد روينا عمن سمع نهيه عنه، فالحكم له دونه، وقد روينا عن زيد بن ثابت ما يوافق رواية رافع وغيره، فدل أن ما أنكره غير ما أثبته، ومن العلماء من على ما لو وقعت بشروط فاسدة كالجداول والماذيانات وهي الأنهار، ونحو شرط القصارة وهي ما بقي من الحب في السنبل بعد الدرس، ويقال فيه: القِصْرِي، ونحو شرط ما سقى الربيع وهو النهر الصغير والسرى ونحوه. وجمع الربيع أربعاء. قالوا: وكانت هذه شروطًا بعد الشرط على الثلث أو النصف، فنرى أنه ﵇ نهى عن المزارعة لهذه الشروط؛ لأنها مجهولة، فإذا كانت الحصص معلومة نحو النصف والثلث والربع، وعدمت الشروط الفاسدة؛ صحت المزارعة، وإلي هذا ذهب أحمد بن حنبل، وأبو عبيد، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وغيرهم. ومن أهل الرأي: أبو يوسف، ومحمد بن الحسن. والأحاديث التي وردت في معاملة أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من تمر أو زرع حجة لهم في هذه المسألة. وضعف أحمد حديث رافع وقال: هو كثير الألوان. وقال الخطابي: وقد عقل ابن عباس المعنى من الخبر وأن ليس المراد به تحريم المزارعة بشطر ما تخرج الأرض، فإنما أراد بذلك أن يتمانحوا أراضيهم وأن يَرْفق بعضهم بعضًا، وقد ذكر رافع في رواية أخرى عنه في هذا الباب النوع الذي حُرِمَ منها، والعلة التي من أجلها نُهي عنها، وذلك قوله: "كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله ﵇ على الماذيانات وأقبال الجداول وأشياء من الزرع. . . ." الحديث. فأعلمك في هذا الحديث أن المنهي عنه هو المجهول منه دون المعلوم، وأنه كان من عادتهم أن يشترطوا فيها شروطًا فاسدة، وأن يستثنوا من الزرع ما على السواقي والجداول، ويكون خاصًّا لرب الأرض والمزارعة، وحصة الشريك لا يجوز أن تكون مجهولة، وقد يَسلم ما على السواقي والجداول، ويهلك سائر الزرع، فيبقى

стр. 8442

المزارع ولا شيء له، وهذا خطر، وإذا شرط رب المال على المضارب دراهم لنفسه زيادة على حصة الربح المعلومة فسدت المضاربة؛ فهذا وذلك سواء، وأصل المضاربة في السنة: المزارعة أو المساقاة، فكيف يجوز أن تصح الفروع وتبطل الأصول. وقال أيضًا: وقد أنعم محمد بن إسحاق بن خزيمة وجوَّد وصنف في المزارعة مسألة ذكر فيها علل الأحاديث التي وردت فيها. ص: وقد يحتمل أيضًا أن يكون كره لهم أخذ الخراج؛ لما وقع بين الرجلين في حديث زيد فقال: "لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ منه خراجًا معلومًا؛ لأن ما كان وقع بين ذينك الرجلين من الشر إنما كان في الخراج الواجب لأحدهما على صاحبه، فرأى أن المنحة التي لا تجري بينهم فيها ذلك خير لهم من المزارعة التي توقع بينهم مثل ذلك". ش: هذا وجه آخر في معنى النهي الوارد في حديث رافع بن خديج ﵁، وهو ظاهر. ص: وقد جاء بعضهم بحديث رافع على لفظ حديث ابن عباس ﵃ هذا. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، عن شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، قال: سمعت مجاهدًا، عن رافع بن خديج قال: "نهانا رسول الله ﵇ عن أمرٍ كان لنا نافعًا، وأمرنا بخير منه، فقال: مَن كان له أرض فليزرعها أو ليمنحها، قال: فذكرت ذلك لطاوس، فقال: قال ابن عباس: إنما قال رسول الله ﵇ ليمنحها أخاه خير له أو يمنحها خير له. فيحتمل أن يكون وجه هذا الحديث على ذلك أيضًا، فيكون في قوله: "نهانا عن أمر كان لنا نافعًا" يريد ما ذكر زيد بن ثابت أن رافعًا سمعه وأمرنا بكذا، فأما ابن عباس فلم يكن لجميع ما سمع في الحقيقة نهيٌ لكراء الأرض بالثلث والربع. ش: أي بعض الرواة من المحدثين، وأشار بهذا إلى بيان أن جميع ما سمع

стр. 8443

رافع بن خديج في هذا الباب ليس له حقيقة في النهي عن كراء الأرض بالثلث والربع؛ لأن حديثه الذي روي من لفظ حديث ابن عباس يدل على هذا. أخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة بن الحجاج، عن عبد الملك بن ميسرة الهلالي العامري الكوفي الزراد، عن مجاهد المكي، عن رافع بن خديج. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): قال: ثنا يوسف القاضي، ثنا عمرو بن مرزوق، وثنا محمد بن عبدوس، ثنا علي بن الجعد، قال: أنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن مجاهد، عن رافع بن خديج قال: "خرج علينا رسول الله ﵇ فنهانا عن أمر كان لنا نافعًا، وأمر رسول الله ﵇ خير، قال: مَن كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أو ليذرها، فذكرنا ذلك لطاوس، فقال: إن ابن عباس كان أعلم. قال: قال ابن عباس: لأن يمنح الرجل أخاه أرضه خيرٌ له". قوله: "ليمنحها أخاه خيرٌ له" أي ليعرها أخاه. وارتفاع "خير" على أنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: ليمنحها أخاه، ومنحها إياه خير له، وكذلك التقدير في قوله: "أو يمنحها خير له". ص: وقد روي عن سعد بن أبي وقاص وابن عمر ﵃ في النهي عن ذلك: أنه إنما كان لبعض المعاني التي تقدم ذكرنا لها. حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، قال: ثنا إبراهيم بن سعد، قال: حدثني محمد بن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث، عن محمد بن عبد الرحمن بن لُبَيْبة، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "كان الناس يُكرون المزارع بما يكون على السواقي وبما سُعِدَ بالماء مما حول البئر، فنهى رسول الله ﵇ عن ذلك، وقال: اكروها بالذهب والوَرِق".

стр. 8444

حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا حسان بن غالب، قال: ثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة، عن نافع، أن رافع بن خديج أخبر عبد الله بن عمر وهو متكئ على يدي: "أن عمومته جاءوا إلى رسول الله ﵇ ثم رجعوا، فقالوا: إن رسول الله ﵇ نهى عن كراء المزارع. فقال ابن عمر ﵄: قد علمنا أنه كان صاحب مزرعة يُكريها على عهد رسول الله ﵇ على أن له ما في ربيع السواقي الذي تفجر منه الماء، وطائفة من التبن، ولا أدري ما هو". فبيَّن سعد ﵁ في هذا الحديث نهي النبي ﵇ لم كان؟ وأنه كان لأنهم قد كانوا يشترطون ما على ربيع الساقي وذلك فاسد في قول الناس جميعًا، وحمل ابن عمر النهي على أنه قد يجوز أن يكون على ذلك المعنى أيضًا، وزاد حديث سعد على غيره من هذه الأحاديث إباحة النبي ﵇ إجارة الأرض بالذهب والورق، فقد بان بنهي رسول الله ﵇ عن المزارعة في الآثار المتقدمة لم كان؟ وما الذي نهى عنه من ذلك؟ ولم يثبت في شيء منها النهي عن إجارة الأرض ببعض ما يخرج إذا كان ثلثًا أو ربعًا أو ما أشبه ذلك. ش: أي قد روي عن سعد، وعبد الله بن عمر ﵃ في النهي عن المزارعة أنه إنما كان لبعض المعاني الذي مضى ذكره، وهو إدخال الشرط الفاسد، وهو أنهم كانوا يشترطون ما على ربيع الساقي، وهذا الشرط فاسد في قول العلماء جميعًا، وإليه أشار بقوله: "فبيَّن سعد ﵁ في هذا الحديث نهي النبي ﵇ لم كان؟ ". يعني بيَّن علة النهي في ذلك، وهي ما ذكرناه. وكذلك حديث ابن عمر على هذا المعنى، فهذان الحديثان بيَّنا وجه النهي عن ذلك في الأحاديث المتقدمة؛ لأن الأحاديث بعضها يُفسر بعضًا، ومع هذا لم يثبت في شيء من الأحاديث المذكورة النهي عن إجارة الأرض ببعض ما يخرج منها إذا كان ثلثًا أو ربعًا أو ما أشبه ذلك. وأخرج حديث سعد: عن أحمد بن داود المكي شيخ الطبراني، عن يعقوب بن حميد بن كاسب المدني شيخ ابن ماجه، فيه مقال.

стр. 8445

عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن محمد بن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة القرشي المخزومي المدني، عن محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة -ويقال: ابن أبي لبيبة- ويقال: لبية أمه وأبو لبية أبوه، واسمه وردان -قال يحيى: ليس حديثه بشيء. وذكره ابن حبان في "الثقات". وهو يروي عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي وقاص. وأخرجه أبو داود (١): ثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة، عن سعيد بن المسيب، عن سعد قال: "كنا نكري الأرض بما على السواقي من الزرع، وما سُعد بالماء منها، فنهى رسول الله ﵇ عن ذلك، وأمرنا أن نكريها بذهب أو فضة". وأخرجه النسائي (٢) أيضًا. وأخرج حديث ابن عمر، عن ربيع بن سليمان الجيزي الأعرج شيخ أبي داود والنسائي، عن حسان بن غالب بن نجيح الرعيني المصري، وثقه ابن يونس، وضعفه آخرون. عن يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد المدني القارِّي، عن موسى بن عقبة، عن نافع، أن رافع بن خديج. . . . إلى آخره. وأخرجه الطبراني (٣): ثنا عبدان بن أحمد، ثنا أبو الأشعث، ثنا الفضيل بن سليمان، عن موسى بن عقبة، عن نافع: "أن رافع بن خديج أخبر عبد الله بن

стр. 8446

عمر وهو متكئ على يدي، أن عمومته جاءوا إلى النبي ﵇، ثم رجعوا إلى رافع بعده، ورووا أن النبي ﵇ نهى عن كراء المزارع". وأخرجه النسائي (١) بمعناه. قوله: "وبما سُعِدَ بالماء" أي وبما جاء من الماء سَيْحًا لا يحتاج إلى دالية. وقيل: معناه ما جاء من غير طلب، قال الأزهري: السعيد: النهر، مأخوذ من هذا وجمعه سُعُد، ومنه الحديث: "كنا نزارع على السعيد" والسواعد مجاري الماء في النهر أو في البحر، ومجاري المخ في العظم. قوله: "والوَرِق" بفتح الواو وكسر الراء، وهو الفضة. قوله: "ما في ربيع الساقي" من إضافة الموصوف إلى الصفة أي النهر الذي يسقي الزرع. ص: وقد احتج قوم في ذلك لأهل المقالة الأولى بما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، عن أبيه، عن جعفر بن ربيعة، عن ابن هرمز، عن أسيد بن رافع بن خديج، سمعه يذكر: "أنهم منعوا من المحاقلة، وهي أن تكرى أرضٌ على بعض ما فيها". حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا حامد، قال: ثنا سفيان، قال: سمعت عمرو بن دينار يقول: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: "كنا نخابر ولا نرى بذلك بأسًا، حتى زعم رافع بن خديج أن رسول الله ﵇ نهى عنها، فتركناها من أجل قوله". حدثنا فهد، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا محمد بن مسلم الطائفي، قال: أخبرني إبراهيم بن ميسرة، قال: أخبرني عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "نهى رسول الله ﵇ عن المخابرة، والمزابنة، والمحاقلة. فالمخابرة: على الثلث

стр. 8447

والربع والنصف من بياض الأرض. والمزابنة: بيع الرطب في رءوس النخل بالتمر، وبيع العنب في الشجر بالزبيب. والمحاقلة: بيع الزرع قائمًا على أصوله بالطعام". حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، عن سليم بن حيان، عن سعيد بن ميناء، عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﵇ نهى عن المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة". حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا سعيد بن عُفير، قال: حدثني يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن عطاء وأبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله ﵇ مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن عمه واسع بن حَبَّان، عن جابر بن عبد الله قال: "نهى رسول الله ﵇ عن المحاقلة والمزابنة". حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت ﵃، عن رسول الله ﵇ مثله. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عمر بن يونس بن القاسم، قال: ثنا أبي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك ﵁، عن رسول ﵇ مثله. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا حسين بن حفص الأصفهاني، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا سعد بن إبراهيم، قال: حدثني عمر بن أبي سلمة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇، مثله. قال: "والمحاقلة: الشرك في الزرع. والمزابنة: التمر بالتمر في رءوس النخل. قالوا: فقد نهى النبي ﵇ عن المحاقلة وهي كراء الأرض بالثلث والربع. ونهى أيضًا عن المخابرة وهي كذلك أيضًا. ش: أراد بالقوم هؤلاء: جماعة من أصحاب مالك وطائفة من أصحاب الشافعي، وزفر بن الهذيل؛ فإنهم احتجوا في فساد المزارعة نصرةً لأهل المقالة الأولى الذين ذكرناهم فيما مضى بأحاديث رويت عن أسيد بن رافع بن خديج،

стр. 8448

وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وزيد بن ثابت، وأنس بن مالك، وأبي هريرة ﵃. فإن النبي ﵇ نهى عن المحاقلة والمخابرة في أحاديثهم، وهي كراء الأرض بالثلث والربع ونحو ذلك. أما حديث أُسَيْد، بضم الهمزة وفتح السين، كذا قاله ابن ماكولا، وقال: أخرجه البخاري في باب أَسِيد وأُسَيْد -يعني بفتح الهمزة وضمها- وقال الدارقطني: والصواب الضم. فأخرجه عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن شعيب بن الليث، عن أبيه الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة المصري، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أسيد بن رافع بن خديج. وأخرجه الطبراني (١): ثنا الحسين بن إسحاق التستري، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شهاب، عن أسيد بن رافع، عن أبيه قال: "نهانا النبي ﵇ أن نكري الأرض ببعض ما فيها". وأما حديث ابن عمر فأخرجه: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن حامد بن يحيى البلخي شيخ أبي داود، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبد الله بن عمر. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه مسلم (٢): ثنا يحيى بن يحيى، وأبو الربيع العتكي -قال أبو الربيع: ثنا، وقال يحيى: أنا- حماد بن زيد، عن عمرو، قال: سمعت ابن عمر ﵄

стр. 8449

يقول: "كنا لا نرى بالخَبر بأسًا حتى كان عام أول؛ فزعم رافع أن نبي الله ﵇ نهى عنه". وأخرجه أيضًا (١): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار بهذا الإسناد عنه، وزاد: "فتركناه من أجله". وأما حديث جابر فأخرجه من أربع طرق صحاح: الأول: عن فهد بن سليمان، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن محمد بن مسلم الطائفي المكي، عن إبراهيم بن ميسرة الطائفي نزيل مكة، عن عمرو بن دينار، عن جابر. وأخرجه النسائي (٢): عن محمد بن عامر، عن شريح، عن محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو به، نحوه. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن سَلِيم -بفتح السين وكسر اللام- بن حيان -بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف- الهذلي، عن سعيد بن ميناء -بكسر الميم- المكي، عن جابر. وأخرجه مسلم (٣): ثنا عبد الله بن هاشم، قال: ثنا بهز، قال: ثنا سَليم بن حيان، قال: ثنا سعيد بن ميناء، عن جابر بن عبد الله قال: "نهى رسول الله ﵇ عن المزابنة، والمحاقلة، والمخابرة، وعن بيع الثمرة حتى تشقح. قال: قلت لسعيد: وما تشقح؟ قال: تحمارّ وتصفارّ، ويؤكل منها". الثالث: عن ربيع الجيزي، عن سعيد بن كثير بن عفير شيخ البخاري، عن يحيى بن أيوب المصري، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن عطاء بن أبي رباح المكي وأبي الزبير محمد بن مسلم المكي، كلاهما عن جابر.

стр. 8450

وأخرجه مسلم (١): عن عبد بن حميد، عن أبي عاصم، عن ابن جريج، عن عطاء وأبي الزبير، أنهما سمعا جابر بن عبد الله يقول: "نهى رسول الله ﵇ عن المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة. . . ." الحديث. الرابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن خالد الوهبي الكندي، عن محمد بن إسحاق بن يسار، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان -بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة- عن عمه واسع بن حَبَّان، عن جابر. وأخرج البيهقي في "سننه" (٢): من حديث ابن إسحاق، عن محمد بن يحيى ابن حَبَّان، عن عمه واسع، عن جابر: "نهى رسول الله ﵇ عن المحاقلة، والمزابنة. . . ." الحديث. وأما حديث زيد بن ثابت ﵁: فأخرجه عن علي بن شيبة، عن يزيد بن هارون، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، عن زيد بن ثابت، عن رسول الله ﵇. وأخرجه الترمذي (٣): عن هناد، عن عبدة، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت: "أن النبي ﵇ نهى عن المحاقلة، والمزابنة، إلا أنه قد أذن لأهل العرايا أن يبيعوها بمثل خرجها". قال أبو عيسى: حديث زيد بن ثابت هكذا روى محمد بن إسحاق هذا الحديث، وروى أيوب وعبيد الله بن عمر ومالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر: "أن النبي ﵇ نهى عن المحاقلة والمزابنة". وبهذا الإسناد عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت، عن النبي ﵇: "أنه رخص في العرايا".

стр. 8451

وهذا أصح من حديث محمد بن إسحاق. وأما حديث أنس بن مالك: فأخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن عمر بن يونس بن القاسم الحنفي اليمامي، عن أبيه يونس بن القاسم الحنفي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن زيد بن سهل الأنصاري المدني، عن أنس بن مالك. وأخرجه البخاري (١): من حديث أنس ﵁، وقد مرَّ هذا مرةً بغير هذا الإسناد في باب "بيع الثمار قبل أن تتناهى". وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه عن أبي بكرة بكار القاضي، عن حسين بن حفص الأصبهاني، عن سفيان الثوري، عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن عمر بن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه أبي سلمة، عن أبي هريرة. وعمر بن أبي سلمة ليس بالقوي. وأخرجه النسائي (٢): عن عمرو بن علي، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁. ص: قيل لهم: أما ما ذكرتم عن النبي ﵇ من نهيه عن المحاقلة فقد صدقتم، ونحن نوافقكم على صحة ذلك، وأما تأويلكم إياه على أنه المزارعة بالثلث والربع فهذا تأويل منكم، وليس عندكم عن النبي ﵇ في ذلك دليل يدل أن تأويله كما تأولتم، وقد يحتمل عندنا ما ذكرتم، ويحتمل أن يكون كما قال مخالفكم: إنه بيع الحنطة كيلًا بحنطة هذا الحقل الذي لا يدرى ما كيله، فهذا عندنا وعندكم فاسد، وهذا أشبه لأنه مقرون بالمزابنة، والمزابنة هي بيع الثمر المكيل بما في رءوس النخل من الثمر. فهذا الحديث يحتمل ما تأوله الفريقان جميعًا عليه، ولا حجة فيه لأحد الفريقين على الآخر.

стр. 8452

ش: أي قيل للقوم الذين احتجوا بالأحاديث المذكورة لأهل المقالة الأولى، وأراد به الجواب عما قالوه، وحاصله أن الأحاديث المذكورة تحتمل ما تأوله هؤلاء، وتحتمل ما تأوله خصمهم، ولا ترجيح لأحد التأويلين على الآخر، فلا يكون حجةً لأحد الفريقين على الآخر؛ لأن أحدهم إذا احتج بأحد التأويلين، يحتج خصمه بالتأويل الآخر، فلا تبقى حجة لهما، فافهم. ص: وقد جاءت آثار غير هذه الآثار فيها إباحة المزارعة بالثلث والربع، فمنها: ما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا يحيى بن زكرياء، عن الحجاج بن أرطاة، عن الحكم، عن أبي القاسم مقسم، عن ابن عباس قال: "أعطى رسول الله ﵇ خيبر بالشطر، ثم أرسل ابن رواحة فقاسمهم". حدثنا محمد بن عمرو بن يونس، قال: ثنا عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع وابن عمر: "أن رسول الله ﵇ عامل أهل خيبر بشطر ما تخرج من الزرع". حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر قال: "كانت المزارع تكرى على عهد رسول الله ﵇ على أن لرب الأرض ما على ربيع الساقي من الزرع وطائفة من التبن، لا أدري كم هو؟ قال نافع: فجاء رافع بن خديج وأنا معه فقال: إن رسول الله ﵇ أعطى خيبر يهودًا على أنهم يعملونها ويزرعونها بشطر ما تُخرج من ثمر أو زرع". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عون الزيادي -وهو محمد بن عون- قال: ثنا إبراهيم بن طهمان، قال: ثنا أبو الزبير، عن جابر قال: "أفاء الله خيبر، فأقرهم رسول الله ﵇ كما كانوا، وجعلها بينه وبينهم، فبعث ابن رواحة فخرصها عليهم". حدثنا أبو أمية، قال: ثنا محمد بن سابق، قال: ثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر مثله.

стр. 8453

ففي هذه الآثار دفع النبي ﵇ خيبر بالنصف من ثمرها وزرعها، فقد ثبت بذلك جواز المزارعة والمساقاة ولم يضاد ذلك ما تقدم ذكرنا له من خبر جابر، ورافع، وثابت ﵃ لما قد ذكرنا من حقائقها. ش: أي قد جاءت أحاديث عن النبي ﵇ خلاف الأحاديث المذكورة فيها إباحة المزارعة بالثلث والربع، وهي حجة على أهل المقالة الأولى الذين ذهبوا إلى فساد المزارعة بجزء مما يخرج من الأرض، وهي عن ابن عباس، وابن عمر، وجابر ﵃. أما حديث ابن عباس: فأخرجه عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة، عن الحجاج بن أرطاة النخعي فيه مقال، عن الحكم بن عتيبة، عن أبي القاسم مقسم بن بجرة، عن ابن عباس. وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا إسماعيل بن توبة، نا هشيم، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ أعطى خيبر أهلها على النصف؛ نخلها وأرضها". قوله: "بالشطر" أي بالنصف. قوله: "ثم أرسل ابن رواحة" وهو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة الأنصاري. وأما حديث ابن عمر فأخرجه من طريقين: الأول: إسناده صحيح عن محمد بن عمرو بن يونس، عن عبد الله بن نمير الهمداني الكوفي، عن عبيد الله بن عمر بن حفص، عن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن نافع، عن عبد الله بن عمر. وأخرجه أبو داود (٢): عن أحمد بن حنبل، عن يحيى بن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "أن النبي ﵇ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع".

стр. 8454

وأخرجه الترمذي (١): عن إسحاق بن منصور، عن يحيى به. وقال: حسن صحيح. وأخرجه ابن ماجه (٢): عن ابن الصباح وسهل بن أبي سهل وإسحاق بن منصور، عن يحيى، به. الثاني: عن يزيد بن سنان القزاز شيخ النسائي، عن أبي بكر عبد الكبير بن عبد المجيد الحنفي، عن عبد الله بن نافع فيه مقال. عن أبيه نافع مولى ابن عمر، عن عبد الله بن عمر. وأخرجه الطبراني (٣): ثنا أحمد بن رشدين، نا عبد الأعلى بن عبد الواحد الكلاعي، ثنا يزيد بن شعيب، عن أسامة بن زيد، عن نافع: "أن ابن عمر لما سمع حديث رافع بن خديج: نهى رسول الله ﵇ عن كراء الأرض، قال ابن عمر: إنما كنا نكريها على ربيع الساقي وببعض ما يخرج منها من التبن". وأما حديث جابر فأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمد بن عون الزيادي -بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف- البصري، شيخ أبي حاتم وأبي زرعة الرازيين. عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي، عن جابر. وأخرجه أبو داود (٤): عن محمد بن أبي خلف، عن محمد بن سابق، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ قال: "أفاء الله على رسوله ﵇ خيبر، فأقرهم رسول الله ﵇ كما كانوا وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبد الله بن رواحة فخرصها عليهم".

стр. 8455

الثاني: عن أبي أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي، عن محمد بن سابق التميمي البزار الكوفي، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁. قوله: "أفاء الله" من الفيء وهو ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد، وأصل الفيء الرجوع يقال: فاء يفيء فيئة وفُيُوءًا، كأنه كان في الأصل لهم فرجع إليهم، ومنه قيل للظل الذي يكون بعد الزوال: فيء؛ لأنه يرجع من جانب الغرب إلى جانب الشرق. قوله: "فخرصها" من خَرَص النخل والكرمة يَخْرِصُها خرصًا إذا حزر ما عليهما من الرطب تمرًا، ومن العنب زبيبًا، وهو من الخرص: الظن؛ لأن الحزر إنما هو تقدير بظن، والاسم الخِرص -بالكسر- والفاعل الخارص. قوله: "ولم يضاد ذلك" أي المذكور من الأحاديث ما قد تقدم ذكرنا له من حديث جابر بن عبد الله، ورافع بن خديج، وثابت بن الضحاك ﵃. وهذا في الحقيقة جواب عما يقال: إن بين أحاديث ابن عباس وابن عمر وجابر المذكورة هاهنا وبين أحاديث جابر ورافع وثابت تضادًّا ظاهرًا؛ لأن أحاديث ابن عباس وابن عمر وجابر هذه تخبر بإباحة المزارعة بالثلث والربع، وأحاديث هؤلاء تمنع عن هذا. وتحقيق الجواب يفهم مما ذكره من معاني هذه الأحاديث وتنزيلها على تأويلات صحيحة. ص: فاحتج محتج في ذلك، فقال: قد عورضت هذه الآثار أيضًا بما روي عن النبي ﵇ من النهي عن بيع الثمار قبل أن تكون بما قد وصفنا في باب "بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها"، قال: فإذا نهى النبي ﵇ عن الابتياع بالثمار قبل أن تكون، دخل في ذلك الاستئجار قبل أن يكون، فكما كان البيع بها قبل كونها باطلًا؛ كان الاستئجار بها قبل كونها كذلك أيضًا.

стр. 8456

ألا ترى أن النبي ﵇ قد نهى عن بيع ما ليس عندك، فكان الاستئجار بذلك غير جائز، إذ كان الابتياع به غير جائز، فكذلك كما كان الابتياع بما لم يكن غير جائز كان الاستئجار به أيضًا غير جائز. ش: أي احتج محتج من أهل المقالة الأولى في فساد المزارعة بجزء مما يخرج منها، وقال: قد عارض هذه الأحاديث المروية عن ابن عباس وابن عمر وجابر بن عبد الله ﵃ ما روي من الأحاديث التي فيها النهي عن بيع الثمار قبل أن تكون، وقد مرت في باب: "بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها"، فإذا نهي عن شراء الثمار قبل كونها، دخل في ذلك الاستئجار أيضًا؛ لأنه بيع أيضًا؛ لأنه بيع المنافع، فإذا بطل بيع الأعيان بطل بيع المنافع أيضًا؛ قياسًا عليه. ص: قيل له: إنه لو لم تُروَ هذه الآثار التي ذكرنا في إجازة المزارعة بالثلث والربع كان الأمر كذلك ما ذكرت، ولكن لما روي عن النبي ﵇ إباحتها، وعمل بها المسلمون بعده؛ احتمل أن لا يكون الاستئجار بما لم يكن داخلًا في الابتياع بما لم يكن، ويكون مستثنى من ذلك، ولئن لم يبين في الحديث، كما قد أبيح السلم ولم يحرمه النهي عن بيع ما ليس عندك، وإنما وقع النهي في ذلك على بيع ما ليس عندك غير السلم، فكذلك يحتمل أن يكون النهي عن بيع الثمار قبل أن تكون ذلك، على ما سوى المزارعة بها والمساقاة. ش: أي قيل لهذا المحتج "أنه"، أي أن البيان، وأراد به الجواب عما قاله هذا المحتج، وهو ظاهر. ص: وقد عمل بالمزارعة والمساقاة أصحاب رسول الله ﵇ من بعده. حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر، قال: سمعت أبي يذكر عن موسى بن طلحة، قال: "أقطع عثمان ﵁ نفرًا من أصحاب النبي ﵇: عبد الله بن مسعود، والزبير بن العوام، وسعد بن مالك، وأسامة ﵃؛ فكان جَارَيَّ منهم سعد بن مالك وابن مسعود يدفعان أرضيهما بالثلث والربع".

стр. 8457

حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: نا شريك، عن إبراهيم بن المهاجر، قال: "سألت موسى بن طلحة عن المزارعة، فقال: أقطع عثمان عبد الله أرضًا، وأقطع سعدًا أرضًا، وأقطع خبابًا أرضًا، وأقطع صهيبًا أرضًا، فكلا جاريَّ كانا يزارعان بالثلث والربع". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر الضرير، قال: ثنا حماد بن سلمة، أن يحيى بن سعيد الأنصاري أخبرهم، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن عمر بن عبد العزيز: "أن عمر بن الخطاب ﵁ بعث يعلى بن منية إلى اليمن، فأمره أن يعطيهم الأرض البيضاء على أنه إن كان البقر والبذر والحديد من عمر ﵁ فله الثلثان ولهم الثلث، وإن كان البقر والبذر والحديد منهم، فلعمر الشطر ولهم الشطر، وأمره أن يعطيهم النخل والكرم، على أن لعمر ﵁ الثلثين ولهم الثلث". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر، قال: أنا عبد الواحد بن زياد، قال: أنا الحجاج بن أرطاة، عن أبي جعفر محمد بن علي، قال: "كان أبو بكر الصديق ﵁ يعطي الأرض على الشطر". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر، قال: أنا حماد بن سلمة، أن الحجاج بن أرطاة أخبرهم، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، أنه قال: "كان حذيفة بن اليمان يكري الأرض على الثلث والربع". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس: "أن معاذا قدم اليمن وهم يخابرون، فأقرهم على ذلك". حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا حماد بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن طاوس: "أن معاذا لما قدم اليمن كان يكري الأرض والمزارع على الثلث والربع، أو قال: قدم اليمن وهم يفعلونه، فأمضى ذلك.

стр. 8458

حدثنا محمد بن عمرو بن يونس، قال: حدثني أسباط بن محمد، عن كليب بن وائل، أنه قال: "قلت لعبد الله بن عمر: أتاني رجل له أرض ومال وليس له بذر ولا بقر، أخذت أرضه بالنصف فزرعتها ببذري وبقري فناصفته، فقال: حسن". ش: ذكر هذه الآثار عن الصحابة شاهدة لقوله: "وعمل بها المسلمون من بعده". الأول: عن عثمان بن عفان ﵁ وأخرجه من طريقين: الأول: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر، فيه مقال، قال البخاري: فيه نظر. يروي عن أبيه إبراهيم بن المهاجر بن جابر البجلي الكوفي، اختلف فيه ولكن مسلمًا أخرج له. وهو يروي عن موسى بن طلحة بن عبيد الله التيمي المدني الثقة، قال: "أقطع عثمان ﵁. . . .". وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث أبي عوانة، نا إبراهيم بن مهاجر، عن موسى بن طلحة: "أن عثمان ﵁ أقطع خمسة من أصحاب رسول الله ﵇: الزبير، وسعد بن مالك، وابن مسعود، وخبابا، وأسامة بن زيد ﵃، فرأيت جَارَيَّ سعدًا وابن مسعود يعطيان أرضيهما بالثلث". الثاني: عن فهد بن سليمان أيضًا، عن محمد بن سعيد الأصبهاني، عن شريك بن عبد الله النخعي، عن إبراهيم بن مهاجر، عن موسى بن طلحة. وهذا إسناد صحيح.

стр. 8459

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا شريك بن عبد الله، عن إبراهيم بن المهاجر، قال: سألت موسى بن طلحة فحدثني: "أن عثمان ﵁ أقطع خبابًا أرضًا، وعبد الله أرضًا، وسعدا أرضًا، وصهيبًا أرضًا، فكلا جَارَيَّ قد رأيته يعطي أرضه بالثلث والربع؛ عبد الله وسعدًا". قوله: "وأقطع عثمان نفرًا" يعني أعطى لهم من الأرض؛ قطع لينتفعوا بها، والإقطاع بكسر الهمزة، قد يكون تمليكًا وقد يكون غير تمليك؛ بأن يمكن الإِمام رجلًا من قطعة أرض لينتفع بمنافعها زراعة وإجارة ولا يملكه رقبتها، وذلك كما جرت العادة في هذا الزمان في القطائع السلطانية. الثاني: عن عمر بن الخطاب ﵁ أخرج عنه بسند رجاله ثقات، ولكنه مرسل منقطع. عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عمر حفص بن عمر الضرير، عن حماد ابن سلمة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، عن إسماعيل بن أبي حكيم القرشي الأموي، عن عمر بن عبد العزيز أحد الخلفاء الراشدين ﵃، بعث يعلى بن منية، وهو يعلى بن أمية بن أبي عبيدة المكي، ومنية اسم أمه، ويقال: جدته؛ وهي منية بنت غزوان أخت عتبة بن غزوان. ويعلى هذا أسلم يوم الفتح وشهد الطائف وحنينًا وتبوك مع النبي ﵇. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث حماد بن سلمة، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن عمر بن عبد العزيز: "أن رسول الله ﵇ قال في مرضه الذي مات فيه: قاتل الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لا يبقين دينان بأرض العرب، فلما استخلف عمر بن الخطاب ﵁ أجلى أهل نجران إلى البحرانية، واشترى عقرهم وأموالهم، وأجلى أهل فدك وتيماء وأهل خيبر،

стр. 8460

واستعمل يعلى بن منية، فأعطى البياض على إن كان البذر والبقر والحديد من عمر فلعمر الثلثان ولهم الثلث، وإن كان منهم فلعمر الشطر، وأعطى النخل والعنب على أن لعمر الثلثين ولهم الثلث. وأشار إليه البخاري (١) في ترجمة الباب، وقال: قال قيس بن مسلم، عن أبي جعفر: "ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع". قال البخاري: وزارع عليّ وسعد وابن مسعود، وعمر بن عبد العزيز والقاسم وعروة وآل أبي بكر، وآل عمر، وآل علي وابن سيرين. الثالث: عن أبي بكر الصديق ﵁، وأخرجه عنه بإسناد مرسل فيه الحجاج بن أرطاة، وفيه مقال. وأبو جعفر هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢) بسند أحسن منه وقال: نا ابن أبي زائدة، عن حجاج، عن أبي جعفر محمد بن علي قال: "عامل رسول الله ﵇ أهل خيبر بالشطر، ثم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، ثم أهلوهم إلى اليوم يعطون الثلث والربع". الرابع: عن حذيفة بن اليمان ﵁ أخرج عنه بسند فيه الحجاج بن أرطاة وفيه مقال. وأخرجه ابن حزم (٣): من طريق حماد بن سلمة، عن الحجاج بن أرطاة، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، عن موسى بن طلحة: "أن خبابًا وحذيفة بن اليمان وابن مسعود ﵃ كانوا يعطون أرضهم البياض على الثلث والربع". الخامس: عن معاذ بن جبل ﵁ وأخرج عنه من طريقين صحيحين:

стр. 8461

الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن إبراهيم بن بشار الرمادي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار عن طاوس. وأخرجه بن أبي شيبة في "مصنفه" (١) بنحو منه: ثنا جرير، عن ليث، عن طاوس، قال: "جاءنا معاذ ونحن نعطي أرضنا بالثلث والربع، فلم يعب ذلك علينا". الثاني: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن يحيى بن يحيى النيسابوري شيخ مسلم، عن حماد بن زيد، عن عمرو، عن طاوس. وأخرج ابن حزم (٢) بنحو منه: من طريق حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء، أنه سمع طاوسًا يقول: "قدم علينا معاذ بن جبل فأعطى الأرض على الثلث والربع، فنحن نعملها إلى اليوم". وقال ابن حزم: مات رسول الله ﵇ ومعاذ باليمن على هذا العمل. السادس: عن عبد الله بن عمر ﵄ أخرج عنه بسند صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة (٣): نا يحيى بن أبي زائدة وأبو الأحوص، كلاهما عن كليب بن وائل قال: "قلت لابن عمر: رجل له أرض وماء وليس له بذر ولا بقر، فأعطاني أرضه بالنصف، فزرعتها ببذري وبقري، ثم قاسمته على النصف، قال: حسن". وأخرجه سعيد بن منصور أيضًا في "سننه": عن أبي الأحوص وعبيد الله بن زياد بن لقيط، كلاهما عن كليب بن وائل، مثله. ص: ثم إنه قد اختلف التابعون من بعدهم في ذلك: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا شعبة، عن حماد

стр. 8462

أنه قال: "سألت سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وسالم بن عبد الله ومجاهدًا عن كراء الأرض بالثلث والربع، فكرهوه". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن حماد أنه قال: "سألت مجاهدًا وسالمًا عن كراء الأرض بالثلث والربع فكرهاه، وسألت عن ذلك طاوسًا فلم ير به بأسًا، قال: فذكرت ذلك لمجاهد -وكان يشرفه ويوقره- فقال: إنه يزرع". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر، قال: ثنا أبو عوانة، عن منصور، أنه قال: "كان إبراهيم يكره كراء الأرض بالثلث والربع". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، مثله. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر، قال: ثنا أبو عوانة، عن منصور بن المعتمر، عن سعيد بن جبير، مثله. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر، قال: أنا حماد بن سلمة، أن قيس بن سعد أخبرهم، عن عطاء، مثله. حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن حميد ويونس، عن الحسن: "أنه كان يكره أن يكري الأرض من أخيه بالثلث والربع". ش: أي أن الشأن قد اختلف التابعون من بعد الصحابة ﵃ في حكم المزارعة بالثلث والربع ونحو ذلك، وإنما كان اختلافهم لاختلاف الآثار في هذا الباب. وأخرج في ذلك عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ومجاهد بن جبر المكي وطاوس بن كيسان اليماني وإبراهيم النخعي والحسن البصري.

стр. 8463

وهؤلاء من سادات التابعين، وقد تكرر ذكر الرجال الذين هاهنا وكلهم ثقات. وبشر بن عمر بن الحكم الزهراني روى له الجماعة، وأبو بكرة هو بكار القاضي، وأبو داود هو سليمان بن داود الطيالسي، وأبو عمر هو حفص بن عمر الضرير البصري، وأبو عوانة هو الوضاح اليشكري، ومنصور هو ابن المعتمر، وحميد هو الطويل، ويونس هو ابن عبيد البصري. ص: وأما وجه هذا الباب من طريق النظر: فلما قال أهل المقالة الأولى: إن ذلك لا يجوز في المزارعة والمساقاة إلا بالدراهم والدنانير والقروض، وذلك أن الذين أجازوا المساقاة قد زعموا أنهم شبهوها بالمضاربة، وهي المال يدفعه الرجل إلى الرجل على أن يعمل به على النصف أو الثلث أو الربع، فكل قد أجمع على جواز ذلك، وقام ذلك مقام الاستئجار بالمال المعلوم، قالوا: فكذلك المساقاة تقوم النخل المدفوعة مقام رأس المال في المضاربة، ويكون الحادث عنها من الثمر مثل الحادث عن المال من الربح. ش: أي وأما وجه حكم المزارعة من طريق النظر والقياس. . . . إلى آخره. حاصله: أن القياس يشهد لصحة ما ذهب إليه أهل المقالة الأولى الذين قالوا بفساد إجارة الأرض بجزء مما يخرج منها، وهو قول أبي حنيفة أيضًا، فإنه أيضًا أخذ في هذا الباب بالقياس ولم يرجح المزارعة ولا المساقاة كما هو مقرر في كتب أصحابنا، وبَيَّنَ وجه ذلك بقوله: وذلك أن الذين أجازوا. . . . إلى آخره، وهو ظاهر. ص: فكانت حجتنا عليهم في ذلك أن المضاربة إنما يثبت فيها الربح بعد سلامة رأس المال ووصوله إلى يد ربِّ المال، ولم نر المزارعة ولا المساقاة فُعِلَ فيهما ذلك، ألا ترى أن المساقاة في قول من يجيزها لو أبرت النخل فجدَّ عنها الثمر، ثم احترقت النخل وسلم الثمر كان ذلك الثمر بين رب النخل والمساقي على ما اشترطا فيهما، ولم يمنع من ذلك عدم النخل المدفوع كما يمنع عدم رأس المال في

стр. 8464

المضاربة من الربح، وكانت المساقاة والمزارعة إذا عقدتا إلا إلى وقت معلوم كانتا فاسدتين، ولا تجوز إلا إلى وقت معلوم، وكانت المضاربة تجوز لا إلى وقت معلوم، وكان المضارب له أن يمتنع بعد أخذه المال للمضاربة من العمل به متى أحب، ولا يجبر على ذلك، وكان لرب المال أيضًا أن يأخذ المال من يده متى أحب، شاء ذلك المضارب أو أبى. وليست المساقاة والمزارعة كذلك؛ لأنا قد رأينا المساقي إذا أبى العمل بعد وقوع عقد المساقاة أجبر على ذلك، وإن أراد ربّ النخل أخذها منه وقبض المساقاة لم يكن له ذلك حتى تنقضي المدة التي تعاقدا عليها، فكان عقد المضاربة عقدًا لا يوجب إلزام واحد من رب المال ولا من المضارب، وإنما يعمل المضارب بذلك المال ما كان هو ورب المال متفقين، وكانت المساقاة تجبر على الوفاء بما يوجب عقدها كل واحد من رب النخل والمساقي، فأشبهت المضاربة الشركة فيما ذكرنا، وأشبهت المساقاة الإجارة فيما قد وصفنا. ش: أي فكانت دليلنا وبرهاننا على أهل المقالة الأولى في قياسهم المزارعة والمساقاة على الإجارة في عدم صحة كرائها إلا بالدراهم والدنانير والعروض، وأراد بذلك منع قياسهم المذكور وبيان فساده بقوله: "إن المضاربة إنما ثبت فيها الربح بعد سلامة رأس المال. . . . إلى آخره"، وبين ذلك من أوجه: أشار إلى الوجه الأول بقوله: "إن المضاربة إنما تثبت فيها الربح. . . . إلى آخره". وإلى الثاني بقوله: "وكانت المساقاة والمزارعة إذا عقدتا. . . . إلى آخره". وإلى الثالث بقوله: "وكان المضارب له أن يمتنع بعد أخذه المال للمضاربة. . . . إلى آخره". وإلى الرابع بقوله: "ونقض المساقاة لم يكن له ذلك. . . . إلى آخره". وإلى الخامس بقوله: "وكانت المساقاة تجبر على الوفاء. . . ." إلى آخره. وبين بهذه الوجوه فساد قياسهم المزارعة على المضاربة؛ فافهم.

стр. 8465

ص: ثم رجعنا إلى حكم الإجارات كيف هو؟ لنعلم بذلك كيف حكم المساقاة التي قد أشبهها من حيث وصفنا؟ فرأينا الإجارات تقع على وجوه مختلفة، فمنها إجارات على بلوغ مساقاة معلومة بأجر معلوم فهي جائزة، فهذا وجه من الإجارات. ومنها ما يقع على عمل معلوم مثل خياطة هذا القميص، وما أشبه ذلك، بأجر معلوم أيضًا. ومنها ما يقع على مدة معلومة، كالرجل يستأجر الرجل على أن يخدمه شهرًا بأجر معلوم؛ فذلك جائز أيضًا. فاحتيج في الإجارات كلها إلى الوقوف على ما قد وقع عليها منها العقد، فلم يجز في جميع ذلك إلا على شيء معلوم، إما المساقاة معلومة وإما عملا معلومًا، وقد كانت المضاربة تقع على عمل بالمال غير معلوم لا إلى وقت معلوم، فكان العمل فيها مجهولًا، والبدل منه مجهول أيضًا، فقد ثبت في هذه الأشياء التي قد وصفناها في الإجارات والمضاربات أن حكم كل واحد منهما حكم بدله، فما كان بدله معلومًا فلا يجوز أن يكون ذلك في نفسه إلا معلومًا، وما كان في نفسه غير معلوم، فجائز أن يكون بدله غير معلوم، ثم رأينا المساقاة والمزارعة لا تجوز واحدة منهما إلا إلى وقت معلوم في شيء معلوم، فالنظر على ذلك أن لا يجوز البدل منهما إلا معلومًا، وأن يكون حكمها كحكم البدل منها، كما كان حكم الأشياء التي ذكرنا في الإجارات والمضاربات حكم أبدالها. فقد ثبت بالنظر الصحيح أن لا تجوز المزارعة ولا المساقاة إلا بالدراهم والدنانير وما أشبهها من العروض، وهذا كله قول أبي حنيفة ﵁. ش: لما قال: أشبهت المساقاة الإجارة فيما قد وصفنا، بَيَّنَ حكم الإجارة كيف هو؟ حتى نعلم بذلك حكم المساقاة التي قد أشبهها، وبَيَّنَه بقوله: "فرأينا الإجارات. . . . إلى آخره"، وهو ظاهر.

стр. 8466

ص: وأما أبو يوسف ومحمد فذهبا إلى جوازهما جميعًا وتركا النظر في ذلك، واتبعا ما روينا في هذا الباب من الآثار عن رسول الله ﵇ وعن أصحابه بعده، وقلداها في ذلك والله أعلم. ش: أي إلى جواز المزارعة والمساقاة جميعًا وتركا النظر أي القياس الذي أخذ به أبو حنيفة، واتبعا في ذلك الأحاديث التي وردت في هذا الباب الناطقة بجوازهما، وقلدا ما روي عن الصحابة بعد النبي ﵇ وعن التابعين ﵃، وهو مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، وعليه العمل اليوم، والله أعلم.

стр. 8467

ص: باب الرجل يزرع في أرض القوم بغير إذنهم، كيف حكمهم في ذلك؟ وما يروى عن رسول الله ﵇ في ذلك ش: أي هذا باب في بيان حكم من زرع في أرض غيره بغير إذنه كيف يكون الحكم فيه؟ وفي بيان ما روي عن النبي ﵇ في هذا الباب. ص: حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال: ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن عطاء، عن رافع بن خديج، أنه قال: قال رسول الله ﵇: "من زرع زرعًا في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء، وترد عليه نفقته". ش: رجاله ثقات، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، وعطاء هو ابن أبي رباح. وأخرجه أبو داود (١): عن قتيبة، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن عطاء، عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله ﵇: "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء، وله نفقته". والترمذي (٢): عن قتيبة أيضًا نحوه، وقال: حسن غريب، وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن، وقال: لا أعرفه من حديث أبي إسحاق إلا من رواية شريك. وابن ماجه (٣): عن عبد الله بن عامر بن زرارة، عن شريك، بإسناده مثله. قال الخطابي: حديث رافع هذا لا يثبت عند أهل المعرفة بالحديث، وحدثني الحسن بن يحيى، عن موسى بن هارون الحمال أنه كان ينكر هذا الحديث

стр. 8468

ويضعفه ويقول: لم يروه عن أبي إسحاق غير شريك، ولا رواه عن عطاء غير أبي إسحاق، وعطاء لم يسمع من رافع شيئًا. وضعفه البخاري أيضًا، ويقول: لم يروه عن أبي إسحاق غير شريك، ولا رواه عن عطاء غير أبي إسحاق، وشريك يهم كثيرًا أو أحيانًا. وقال البيهقي: قال الشافعي في كتاب "البويطي": هو منقطع؛ لم يلق عطاء رافعًا. وقال ابن عدي: كنت أظن أن عطاء عن رافع مرسل حتى تبين لي أن أبا إسحاق أيضًا عن عطاء مرسل. قلت: ذكر صاحب "الكمال": أن عطاء سمع رافع بن خديج. وقال الترمذي: هذا الحديث حسن، وسأل عنه البخاري وحسنه. وأخرج البخاري (١) في كتاب الحج في "صحيحه": من حديث أبي إسحاق قال: سألت مسروقًا وعطاء ومجاهدًا فقالوا: "اعتمر رسول الله ﵇ في ذي الحجة قبل أن يحج". وهذا تصريح بسماع أبي إسحاق من عطاء. ص: فذهب قوم إلى أن من زرع في أرض قوم زرعًا بغير إذنهم كان ذلك الزرع لأرباب الأرض، وغرموا للمزارع ما أنفق فيه، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب وأحمد بن حنبل وإسحاق؛ فإنهم قالوا: من زرع في أرض غيره بغير إذنه كان ذلك الزرع لرب الأرض وغرم رب الأرض للزارع ما أنفق فيه. وقال الخطابي: قال أحمد: إن كان الزرع قائمًا فهو لرب الأرض، وإن حُصِدَ فإنما تكون له الأجرة.

стр. 8469

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: أصحاب الأرض بالخيار: إن شاءوا خلوا بين الزارع وأخذ زرعه ذلك، وضمنوه نقصان أرضهم إن كان زرعه نقصها شيئًا. وإن شاءوا منعوا الزارع من ذلك، وغرموا له قيمة زرعه مقلوعًا. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم عامة الفقهاء، ومنهم: أبو حنيفة وأصحابه، ومالك وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وأحمد في رواية؛ فإنهم قالوا: أصحاب الأرض بالخيار. . . . إلى آخره. قال الخطابي: الزرع في قول عامة الفقهاء لصاحب البذر؛ لأنه تولد من عين ماله ويكون منه، وعلى الزارع كراء الأرض. ص: وكان من الحجة لهم في ذلك: أن هذا الحديث قد روي على غير ما ذكروا. حدثنا أحمد بن أبي عمران، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن عطاء، عن رافع بن خديج أنه قال: قال رسول الله ﵇: "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فله نفقته، وليس له من الزرع شيء". وقد روى هذا الحديث أيضًا يحيى بن آدم، عن شريك وقيس، جميعًا عن أبي إسحاق، وقد ذكر ذلك عنهما في كتاب "الخراج". كما قد حدثني أحمد بن أبي عمران أيضًا، لا كما قد حدثناه فهد بن سليمان. فمعنى هذا الحديث عندنا غير معنى ما قد روى الحماني؛ لأن ما روى الحماني هو قوله: "فليس له من الزرع شيء، وترد عليه نفقته". فوجه ذلك: أن غيره يعطيه النفقة التي أنفقها في ذلك، فيكون له الزرع لا بما يعطى من ذلك. وهذا محال عندنا؛ لأن النفقة التي قد خرجت في ذلك الزرع ليست قائمة، ولا لها بدل قائم، وذلك أنها إنما دفعت في أجر عمال وغير ذلك مما قد فعله الزارع بنفسه، فاستحال أن يجب له ذلك على رب الأرض لا بعوض يتعوضه منه رب الأرض في ذلك.

стр. 8470

ولكن أصل الحديث عندنا والله أعلم: إنما هو على ما قد رواه أبو بكر بن أبي شيبة، لا على ما رواه الحماني، ووجهه عندنا على أن الزارع لا شيء له في الزرع يأخذه لنفسه فيملكه كما يملك الزرع الذي يزرعه في أرض نفسه، أو في أرض غيره ممن قد أباحه الزرع فيها، ولكنه يأخذ نفقته وبذره ويتصدق بما بقي، هكذا وجه هذا الحديث عندنا، والله أعلم. وقد حكى ذلك يحيى بن آدم عن حفص بن غياث. ش: أي وكان من الدليل والبرهان للآخرين فيما ذهبوا إليه، وأراد بها الجواب عن الحديث الذي احتجت به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه. بيان ذلك: أن هذا الحديث مضطرب، وأصله على ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة. أخرجه عن أحمد بن أبي عمران موسى بن عيسى الفقيه البغدادي، عن أبي بكر عبد الله بن أبي شيبة، عن شريك بن عبد الله، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عطاء بن أبي رباح عن رافع بن خديج. . . . إلى آخره. وأخرجه أبو بكر في "مصنفه" (١). قوله: "وقد روى هذا الحديث أيضًا يحيى بن آدم" وهو يحيى بن آدم بن سليمان القرشي الأموي أبو زكرياء الكوفي شيخ أحمد ويحيى بن معين، وأبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة، وهو أحد أصحاب أبي حنيفة. يروي عن شريك بن عبد الله النخعي، وقيس بن وهب الهمداني، كلاهما عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عطاء بن أبي رباح، عن رافع بن خديج. قوله: "وقد ذكر ذلك عنهما" أي عن شريك وقيس في كتاب "الخراج"، وأراد به كتاب "الخراج" لأبي يوسف، وباقي الكلام ظاهر.

стр. 8471

ص: والدليل على صحة ذلك أيضًا ما قد روي عن رسول الله ﵇. حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أبو يوسف، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عروة، عن عروة بن الزبير أن رسول الله ﵇ قال: "من أحيى أرضًا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق". قال عروة: فلقد حدثني هذا الرجل الذي قد حدثني بهذا الحديث: "أنه قد رأى نخلًا يقطع أصولها بالفئوس". وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر الضرير، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عروة، عن أبيه، عن رجل من بني بياضة: "أن رسول الله ﵇ قد أمر بقطع النخل المغروس في غير حق بعدما قد نبت في الأرض، ولم يجعل ذلك لأرباب الأرض، فيوجب عليهم غرم ما أنفق فيه". فدل ذلك أن الزرع المزروع في الأرض أحرى أن يكون كذلك، وأن يقلع ذلك فيدفع إلى صاحب الزرع، كالنخل التي قد ذكرناها؛ إلا أن يشاء صاحب الأرض أن يمنع ذلك ويغرم له قيمة الزرع والنخل منزرعين مقلوعين، فيكون له ذلك. ش: أي الدليل على صحة ما ذكرنا من معنى الحديث المذكور على الوجه الذي شرحناه: ما قد روي عن النبي ﵇. أخرجه من طريقين رجالهما ثقات. الأول: مرسل: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن أبيه شعيب بن سليمان صاحب محمد بن الحسن، عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، عن محمد بن إسحاق المدني، عن يحيى بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام، أن رسول الله ﵇.

стр. 8472

وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث ابن إسحاق، عن يحيى بن عروة، عن أبيه، قال رسول الله ﵇: "من أحيا أرضًا ميتة لم تكن لأحد قبله فهي له، وليس لعرق ظالم حق، فلقد حدثني صاحب هذا الحديث أنه أبصر رجلين من بياضة يختصمان إلى رسول الله ﵇ في أجمة لأحدهما، غرس فيها الآخر نخلًا، فقضى رسول الله ﵇ لصاحب الأرض بأرضه، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله عنه، قال: فلقد رأيته يضرب في أصول النخل بالفئوس، وإنه لنخل عُمٌّ". قال يحيى بن آدم: العُمُّ، قال بعضهم: الذي ليس بالقصير ولا بالطويل. وقال بعضهم: العُمُّ: القديم. وقال بعضهم: الطويل. وروي عن أبي إسحاق قال: العُمُّ: الشباب. وأخرجه أبو داود (٢): حدثنا هناد السري، قال: ثنا عبدة، عن محمد -يعني: ابن إسحاق- عن عروة، عن أبيه، أن رسول الله ﵇ قال: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق، قال: ولقد أخبرني الذي حدّث أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﵇، غرس أحدهما نخلا في أرض الآخر، فقضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها، قال: فلقد رأيتها وإنها تضرب أصولها بالفئوس، وإنها لنخل عُمّ، حتى أخرجت منها". وقال (٣): ثنا أحمد بن سعيد الدارمي، قال: ثنا وهب، عن أبيه، عن ابن إسحاق، بإسناده ومعناه، إلا أنه قال عند قوله: "فكان الذي حدثني هذا"، "فقال رجل من أصحاب النبي ﵇-وأكبر ظني أنه أبو سعيد الخدري-: فأنا رأيت الرجل يضرب في أصول النخل".

стр. 8473

الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عمر حفص بن عمر الضرير، عن حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عروة، عن أبيه، عن رجل من بني بياضة، عن رسول الله ﵇. وأخرجه [. .] (١). قوله: "وليس لعرق ظالم حق" الرواية بالتنوين في قوله: "لعرقٍ"، وهو على حذف المضاف، أي: وليس لذي عرق ظالم، فجعل العرق نفسه ظالما، والحق لصاحبه، أو يكون الظالم من صفة صاحب الحق، وإن روي "عرق" بالإضافة فيكون الظالم صاحب الحق، والحق للعرق، وهو أحد عروق الشجرة، ومعناه: أن يجيء الرجل إلى أرض قد أحياها رجل قبله، فيغرس فيها غرسًا غصبًا يستوجب به الأرض. قوله: "بالفئوس" بضم الفاء جمع فأس وهو الذي يشق به الحطب. قوله: "وإنه لنخل عُمّ" بضم العين وتشديد الميم، أي: تامة في طولها والتفافها، وهو جمع عميمة، فلما جمع قيل: عُمَم، فسكن وأدغم. ص: وقد دل على ما ذكرنا في ذلك أيضًا، ما حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن الأوزاعي، عن واصل بن أبي جميل، عن مجاهد قال: "اشترك أربعة نفر على عهد رسول الله ﵇، فقال أحدهم: علي البذر، وقال الآخر: عليّ العمل، وقال الآخر: عليّ الأرض، وقال الآخر: علي الفدان، فزرعوا ثم حصدوا، ثم أتوا إلى النبي ﵇ فجعل رسول الله ﵇ الزرع لصاحب البذر، وجعل لصاحب العمل أجرًا، وجعل لصاحب الفدان درهما في كل يوم، وألغى الأرض". أفلا ترى أن رسول الله ﵇ لما أفسد هذه المزارعة لم يجعل الزرع لصاحب الأرض، بل جعله لصاحب البذر.

стр. 8474

ش: أي قد دل على ما ذكرنا من الوجه المذكور في الحديث المذكور أيضًا: ما حدثنا. . . . إلى آخره. وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، والأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو، وواصل بن أبي جميل الشامي أبو بكر السلاماني، من أهل جبل الجليل من أعمال صيدا وبيروت من ساحل دمشق، وثقه ابن حبان. وهذا حديث مرسل. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن الأوزاعي، عن واصل بن أبي جميل، عن مجاهد قال: "اشترك أربعة رهط على عهد رسول الله ﵇ في زرع، فقال أحدهم. . . ." إلى آخره نحوه. قوله: "عليَّ الفَدَّان" بفتح الفاء وتشديد الدال، قال الجوهري: الفدان آلة الثورين للحرث، وهو فَعَّال بالتشديد، وقال أبو عمر: وهي البقر التي تحرث، والجمع الفدادين مخفف. وقد استفيد من هذا الحديث: أن الأرض إذا كانت من واحد والبقر من آخر، والبذر من آخر، والعمل من آخر فسدت المزارعة، وكذا إذا كانت الأرض والبقر لواحد، والبذر والعمل للآخر، وهذا في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف جوازها في هذه الصورة. وكذا فسدت إذا كان البذر من واحد والباقي من الآخر. وقال الطحاوي في كتابه "اختلاف العلماء": حدثنا جعفر بن أحمد، قال: أنا بشر بن الوليد، قال: قال أبو يوسف في المزارعة: إذا كان البذر من عند رب الأرض، ومن عند الرجل الآخر البقر، والعمل بالنصف فهو جائز، وإن كان من عند رب الأرض البقر والأرض، ومن عند الدخيل البذر والعمل فهو جائز،

стр. 8475

وإن كان من عند رب الأرض البقر والعمل بنفسه، ومن عند الدخيل العمل بنفسه والبذر، فهذا فاسد والزرع لصاحب الأرض، ولصاحب الأرض أجر مثله، وأجر مثل بقره، والله أعلم. ص: وقد دل على ذلك أيضًا ما قد حكم به أصحاب رسول الله ﵇ وتابعوهم من بعده، فيمن بنى في أرض قوم بغير إذنهم بناء، فروي عنهم في ذلك ما قد حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر الضرير، قال: أنا حماد بن سلمة، أن عامرًا الأحول أخبرهم، عن عمرو بن شعيب: "أن عمر بن الخطاب قال في رجل بني في دار بناء، ثم جاء أهلها فاستحقوها، قال: إن كان بنى بأمرهم فله بيته، وإن كان بنى بغير إذنهم فله نقضه". وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر، قال: ثنا أبو عوانة، عن جابر الجعفي، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسعود ﵁ مثله. وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر الضرير، قال: ثنا أبو عوانة، عن جابر الجعفي، عن شريح. وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر الضرير، قال: قال حماد بن سلمة: عن حميد الطويل أخبرهم: "أن عمر بن عبد العزيز ﵁ قد كتب مثل ذلك فيمن بني بدار قوم، وفيمن غرس في أرض قوم". أفلا نرى أنهم قد جعلوا النقض لصاحب البناء، ولم يجعلوه لصاحب الأرض، فالزرع في النظر أيضًا كذلك، والذي قد حملنا عليه معنى حديث رافع بن خديج ﵁ الذي رويناه في هذا الباب أولى مما حمله عليه من خالفنا؛ ليتفق ذلك وما رواه البياضي عن رسول الله ﵇ ولا يتضادان، وقد روينا عن رافع بن خديج في باب "المزارعة" الذي قبل هذا الباب: "أن رسول الله ﵇ قد مر بزرع له، فسأله عنه، فقال: هو زرعي، والأرض لآل فلان، والبذر من قبلي بنصف ما يخرج، فقال له رسول الله ﵇: لقد أربيت، خذ نفقتك".
следующие страницы →