← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 8471–8510 · переход к 8476.

стр. 8471

ص: والدليل على صحة ذلك أيضًا ما قد روي عن رسول الله ﵇. حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أبو يوسف، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عروة، عن عروة بن الزبير أن رسول الله ﵇ قال: "من أحيى أرضًا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق". قال عروة: فلقد حدثني هذا الرجل الذي قد حدثني بهذا الحديث: "أنه قد رأى نخلًا يقطع أصولها بالفئوس". وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر الضرير، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عروة، عن أبيه، عن رجل من بني بياضة: "أن رسول الله ﵇ قد أمر بقطع النخل المغروس في غير حق بعدما قد نبت في الأرض، ولم يجعل ذلك لأرباب الأرض، فيوجب عليهم غرم ما أنفق فيه". فدل ذلك أن الزرع المزروع في الأرض أحرى أن يكون كذلك، وأن يقلع ذلك فيدفع إلى صاحب الزرع، كالنخل التي قد ذكرناها؛ إلا أن يشاء صاحب الأرض أن يمنع ذلك ويغرم له قيمة الزرع والنخل منزرعين مقلوعين، فيكون له ذلك. ش: أي الدليل على صحة ما ذكرنا من معنى الحديث المذكور على الوجه الذي شرحناه: ما قد روي عن النبي ﵇. أخرجه من طريقين رجالهما ثقات. الأول: مرسل: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن أبيه شعيب بن سليمان صاحب محمد بن الحسن، عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، عن محمد بن إسحاق المدني، عن يحيى بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام، أن رسول الله ﵇.

стр. 8472

وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث ابن إسحاق، عن يحيى بن عروة، عن أبيه، قال رسول الله ﵇: "من أحيا أرضًا ميتة لم تكن لأحد قبله فهي له، وليس لعرق ظالم حق، فلقد حدثني صاحب هذا الحديث أنه أبصر رجلين من بياضة يختصمان إلى رسول الله ﵇ في أجمة لأحدهما، غرس فيها الآخر نخلًا، فقضى رسول الله ﵇ لصاحب الأرض بأرضه، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله عنه، قال: فلقد رأيته يضرب في أصول النخل بالفئوس، وإنه لنخل عُمٌّ". قال يحيى بن آدم: العُمُّ، قال بعضهم: الذي ليس بالقصير ولا بالطويل. وقال بعضهم: العُمُّ: القديم. وقال بعضهم: الطويل. وروي عن أبي إسحاق قال: العُمُّ: الشباب. وأخرجه أبو داود (٢): حدثنا هناد السري، قال: ثنا عبدة، عن محمد -يعني: ابن إسحاق- عن عروة، عن أبيه، أن رسول الله ﵇ قال: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق، قال: ولقد أخبرني الذي حدّث أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﵇، غرس أحدهما نخلا في أرض الآخر، فقضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها، قال: فلقد رأيتها وإنها تضرب أصولها بالفئوس، وإنها لنخل عُمّ، حتى أخرجت منها". وقال (٣): ثنا أحمد بن سعيد الدارمي، قال: ثنا وهب، عن أبيه، عن ابن إسحاق، بإسناده ومعناه، إلا أنه قال عند قوله: "فكان الذي حدثني هذا"، "فقال رجل من أصحاب النبي ﵇-وأكبر ظني أنه أبو سعيد الخدري-: فأنا رأيت الرجل يضرب في أصول النخل".

стр. 8473

الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عمر حفص بن عمر الضرير، عن حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عروة، عن أبيه، عن رجل من بني بياضة، عن رسول الله ﵇. وأخرجه [. .] (١). قوله: "وليس لعرق ظالم حق" الرواية بالتنوين في قوله: "لعرقٍ"، وهو على حذف المضاف، أي: وليس لذي عرق ظالم، فجعل العرق نفسه ظالما، والحق لصاحبه، أو يكون الظالم من صفة صاحب الحق، وإن روي "عرق" بالإضافة فيكون الظالم صاحب الحق، والحق للعرق، وهو أحد عروق الشجرة، ومعناه: أن يجيء الرجل إلى أرض قد أحياها رجل قبله، فيغرس فيها غرسًا غصبًا يستوجب به الأرض. قوله: "بالفئوس" بضم الفاء جمع فأس وهو الذي يشق به الحطب. قوله: "وإنه لنخل عُمّ" بضم العين وتشديد الميم، أي: تامة في طولها والتفافها، وهو جمع عميمة، فلما جمع قيل: عُمَم، فسكن وأدغم. ص: وقد دل على ما ذكرنا في ذلك أيضًا، ما حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن الأوزاعي، عن واصل بن أبي جميل، عن مجاهد قال: "اشترك أربعة نفر على عهد رسول الله ﵇، فقال أحدهم: علي البذر، وقال الآخر: عليّ العمل، وقال الآخر: عليّ الأرض، وقال الآخر: علي الفدان، فزرعوا ثم حصدوا، ثم أتوا إلى النبي ﵇ فجعل رسول الله ﵇ الزرع لصاحب البذر، وجعل لصاحب العمل أجرًا، وجعل لصاحب الفدان درهما في كل يوم، وألغى الأرض". أفلا ترى أن رسول الله ﵇ لما أفسد هذه المزارعة لم يجعل الزرع لصاحب الأرض، بل جعله لصاحب البذر.

стр. 8474

ش: أي قد دل على ما ذكرنا من الوجه المذكور في الحديث المذكور أيضًا: ما حدثنا. . . . إلى آخره. وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، والأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو، وواصل بن أبي جميل الشامي أبو بكر السلاماني، من أهل جبل الجليل من أعمال صيدا وبيروت من ساحل دمشق، وثقه ابن حبان. وهذا حديث مرسل. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن الأوزاعي، عن واصل بن أبي جميل، عن مجاهد قال: "اشترك أربعة رهط على عهد رسول الله ﵇ في زرع، فقال أحدهم. . . ." إلى آخره نحوه. قوله: "عليَّ الفَدَّان" بفتح الفاء وتشديد الدال، قال الجوهري: الفدان آلة الثورين للحرث، وهو فَعَّال بالتشديد، وقال أبو عمر: وهي البقر التي تحرث، والجمع الفدادين مخفف. وقد استفيد من هذا الحديث: أن الأرض إذا كانت من واحد والبقر من آخر، والبذر من آخر، والعمل من آخر فسدت المزارعة، وكذا إذا كانت الأرض والبقر لواحد، والبذر والعمل للآخر، وهذا في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف جوازها في هذه الصورة. وكذا فسدت إذا كان البذر من واحد والباقي من الآخر. وقال الطحاوي في كتابه "اختلاف العلماء": حدثنا جعفر بن أحمد، قال: أنا بشر بن الوليد، قال: قال أبو يوسف في المزارعة: إذا كان البذر من عند رب الأرض، ومن عند الرجل الآخر البقر، والعمل بالنصف فهو جائز، وإن كان من عند رب الأرض البقر والأرض، ومن عند الدخيل البذر والعمل فهو جائز،

стр. 8475

وإن كان من عند رب الأرض البقر والعمل بنفسه، ومن عند الدخيل العمل بنفسه والبذر، فهذا فاسد والزرع لصاحب الأرض، ولصاحب الأرض أجر مثله، وأجر مثل بقره، والله أعلم. ص: وقد دل على ذلك أيضًا ما قد حكم به أصحاب رسول الله ﵇ وتابعوهم من بعده، فيمن بنى في أرض قوم بغير إذنهم بناء، فروي عنهم في ذلك ما قد حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر الضرير، قال: أنا حماد بن سلمة، أن عامرًا الأحول أخبرهم، عن عمرو بن شعيب: "أن عمر بن الخطاب قال في رجل بني في دار بناء، ثم جاء أهلها فاستحقوها، قال: إن كان بنى بأمرهم فله بيته، وإن كان بنى بغير إذنهم فله نقضه". وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر، قال: ثنا أبو عوانة، عن جابر الجعفي، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسعود ﵁ مثله. وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر الضرير، قال: ثنا أبو عوانة، عن جابر الجعفي، عن شريح. وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر الضرير، قال: قال حماد بن سلمة: عن حميد الطويل أخبرهم: "أن عمر بن عبد العزيز ﵁ قد كتب مثل ذلك فيمن بني بدار قوم، وفيمن غرس في أرض قوم". أفلا نرى أنهم قد جعلوا النقض لصاحب البناء، ولم يجعلوه لصاحب الأرض، فالزرع في النظر أيضًا كذلك، والذي قد حملنا عليه معنى حديث رافع بن خديج ﵁ الذي رويناه في هذا الباب أولى مما حمله عليه من خالفنا؛ ليتفق ذلك وما رواه البياضي عن رسول الله ﵇ ولا يتضادان، وقد روينا عن رافع بن خديج في باب "المزارعة" الذي قبل هذا الباب: "أن رسول الله ﵇ قد مر بزرع له، فسأله عنه، فقال: هو زرعي، والأرض لآل فلان، والبذر من قبلي بنصف ما يخرج، فقال له رسول الله ﵇: لقد أربيت، خذ نفقتك".

стр. 8476

فلم يكن ذلك على معنى خذ نفقتك من رب الأرض؛ لأن رب الأرض لم يأمره بالإنفاق لنفسه، ولكن معنى ذلك خذ نفقتك مما خرج من الزرع وتصدق بما بقي. فما قد رويناه عن رافع عن رسول الله ﵇ فيمن قد زرع في أرض غيره وفي جعله له نفقته كذلك أيضًا، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ﵏. ش: أي وقد دل على ما ذكرنا من جعل الزرع لصاحب البذر دون صاحب الأرض أيضًا ما قد حكمت به الصحابة والتابعون من بعد النبي ﵇ فيمن بنى في أرض قوم. . . . إلى آخره. وأخرج في ذلك عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وشريح القاضي، وعمر بن عبد العزيز ﵃. أما عن عمر فأخرجه بسند رجاله ثقات ولكنه منقطع. عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عمر حفص بن عمر الضرير. وأخرج ابن أبي شيبة (١) نحوه عن علي بن أبي طالب ﵁: عن حفص، عن أشعث، عن علي بن عبيد الله الغطفاني عنه. وأما عن عبد الله بن مسعود: فأخرجه عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عمر حفص بن عمر الضرير، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري عن جابر بن يزيد الجعفي فيه مقال، عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن جده عبد الله بن مسعود. وهذا أيضًا منقطع؛ لأن القاسم لم يدرك عبد الله.

стр. 8477

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا غندر، عن شعبة، عن جابر، عن القاسم، عن شريح وعبد الله: "كانا يقولان في رجل بنى في فناء قوم بغير إذنهم أن له النقض، وإن بنى بإذنهم فله النفقة". وأما عن شريح القاضي: فأخرجه عن أبي بكرة أيضًا بالإسناد المذكور. وأخرجه ابن أبي شيبة (٢): عن وكيع، عن المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن شريح قال: "من بني في حق قوم بغير إذنهم فله نقضه، ومن بني في حق قوم بإذنهم فله نفقته". وأما عن عمر بن عبد العزيز ﵁: فأخرجه عن أبي بكرة أيضًا، عن أبي عمر حفص بن عمر الضرير، عن حماد بن سلمة، عن حميد الطويل، أن عمر بن عبد العزيز ﵁. وبنحوه روى ابن أبي شيبة عن الشعبي (٣) والنخعي (٤). قوله: "أفلا ترى" توضيح لما ذكره من قبل. قوله: "من خَالَفَنَا" بفتح اللام والفاء.

стр. 8478

ص: كتاب الإجارات ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام الإجارات، وهو جمع إجارة، وهي فِعَالة أو إِعَالة على تقدير حذف فاء الفعل، وهي في الشرع بيع منفعة معلومة بأجر معلوم. ... ص: باب الاستئجار على تعليم القرآن هل يجوز أم لا ؟ ش: أي هذا باب في بيان حكم الاستئجار على تعليم القرآن، هل يجوز ذلك أم لا يجوز؟ ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن عبد الله بن أبي السفر، عن عامر الشعبي، عن خارجة بن الصلت، عن عمه أنه قال: "أقبلنا من عند رسول الله ﵇ فأتينا على حي من أحياء العرب، فقالوا: إنكم جئتم من عند هذا الحبر بخير، فهل عندكم دواء أو رقية، فإن عندنا معتوهًا في القيود؟ فقلنا: نعم، فجاءوا به، فجعلت أقرأ عليه بفاتحة الكتاب ثلاثة أيام غدوة وعشية، أجمع بزاقي ثم أتفل، فكأنما نُشِطَ من عقال، فأعطوني جعلًا، فقلت: لا، حتى أسأل رسول الله ﵇، فسألته فقال: كُلْ، فلعمري لمن أكل برقية باطل، لقد أكلت برقية حق". ش: إسناده جيد حسن، وعبد الله بن أبي السفر -بفتح السين المهملة والفاء- واسمه سعيد بن يحمد الثوري الكوفي، روى له الجماعة. وخارجة بن الصلت بن صحار التميمي، وثقه ابن حبان. وعمه علاقة بن صحار السليطي الصحابي.

стр. 8479

وأخرجه أبو داود في البيوع في باب "كسب المعالجين من الطب" (١): ثنا عبد الله بن معاذ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا شعبة، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبي، عن خارجة بن الصلت، عن عمه: "أنه مر بقوم فأتوه، فقالوا: إنك جئت من عند هذا الرجل بخير، فَارْقِ لنا هذا الرجل، فأتوه برجل معتوه في القيود، فرقاه بأم الكتاب ثلاثة أيام غدوة وعشية، كلما ختمها جمع بزاقه ثم تفل، فكأنما نشط من عقال، فأعطوه شيئًا، فأتى النبي ﵇ فذكر له، فقال رسول الله ﵇: كُلْ، فلعمري لمن أكل برقية باطل، لقد أكلت برقية حق". وأخرجه أيضًا (٢) في الطب في باب "كيف الرقى": حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: نا شعبة، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبي، عن جابر بن الصلت التميمي، عن عمه قال: "أقبلنا من عند رسول الله ﵇ فأتينا على حي من العرب، فقالوا: إنا أنبئنا أنكم قد جئتم من عند هذا الرجل بخير، فهل عندكم من دواء أو رقية، فإن عندنا معتوهًا في القيود؟ قال: فقلنا: نعم، قال: فجاءوا بالمعتوه في القيود، فقرأت عليه فاتحة الكتاب ثلاثة أيام غدوة وعشية، أجمع بزاقي ثم أتفل، قال: فكأنما نشط من عقال، فأعطوني جعلًا، فقلت: لا، حتى أسأل رسول الله ﵇، فقال: كُلْ، فلعمري من أكل برقية باطل لقد أكلت برقية حق". وقال أبو داود (٣) أيضًا: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى بن زكرياء، قال: حدثني عامر، عن خارجة بن يزيد بن الصلت التميمي، عن عمه: "أنه أتى رسول الله ﵇ فأسلم، ثم أقبل راجعًا من عنده، فمر على قوم عندهم مجنون موثق بالحديد، فقال أهله: إنا حُدِّثْنا أن صاحبكم هذا قد جاء بخير، فهل عندكم شيء نداويه به؟ فرقيته بفاتحة الكتاب فبرأ، فأعطوني مائة شاة، فأتيت رسول الله ﵇ فأخبرته،

стр. 8480

فقال: هل إلا هذا؟ -وقال مسدد في موضع آخر: هل قلت غير هذا؟ - قلت: لا، قال: خذها، فلعمري لمن أكل برقية باطل، لقد أكلت برقية حق". وأخرجه النسائي (١) في "اليوم والليلة": عن عمرو بن علي، عن غندر، عن شعبة. . . . إلى آخره نحوه. قوله: "على حي"، وهي الجماعة النازلون على موضع. قوله: "من عند هذا الحَبْر" بفتح الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة، أي العالم، وفي رواية أبي داود: "من عند هذا الرجل". قوله: "أو رقية" بضم الراء، وهي العوذة التي يرقي بها صاحب الآفة، كالحمى والصرع وغير ذلك من الآفات. قوله: "معتوهًا" المعتوه: المجنون المصاب بغفلة، وقد عُتِهَ فهو مَعْتُوه، وفي الحديث: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي، والنائم، والمعتوه" (٢). قوله: "ثم أتفل" من تَفَلَ يَتْفُلُ ويَتْفِلُ من باب ضَرَبَ يَضْرِب ونَصَرَ يَنْصُر، وهو بالتاء المثناة من فوق، من التَّفْل وهو البزق، وهو أقل من البزق، أوله البزق ثم التفل ثم النفث ثم النفخ، قال الجوهري: ومنه تفل الراقي. قوله: "فكأنما نشط من عقال" قال ابن الأثير: وكثير ما يجيء في الرواية كأنما نشط من عقال، وليس بصحيح، والصحيح كأنما أنشط أي حل من عقال، يقال: نَشَطْتُ العقدة إذا عقدتها، وأنشطتها وانتشطتها: إذا حللتها، و"العقال" بكسر العين وهو الحبل الذي يعقل به البعير، أي: يربط ويقيد. قوله: "جُعْلًا" بضم الجيم وسكون العين، وهو الأجرة على الشيء فعلًا أو قولًا، وكذلك الجعالة.

стр. 8481

قوله: "فقال: كل" أي كل الجعل الذي أُعطيتَه. قوله: "فَلَعَمْري" قسم، وهو مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف، والمعنى: لعمري قسمي، يعني أحلف ببقائي ودوامي، وأحلف بحياتي و"اللام" فيه للتأكيد، والعين فيه مفتوحة. قوله: "لقد أكلت برقية حق" جواب القسم. وقوله: "لمن أكل برقية باطل" جملة معترضة بين القسم وجوابه، كذا قيل، والصواب أن جواب القسم هو قوله: "لمن أكل برقية باطل لقد أكلت برقية حق" فالجميع هو جواب القسم. وقوله: "من أكل" كلمة "من" فيه تتضمن معنى الشرط، وجوابه قوله: "لقد أكلت برقية حق" كما جاء في حديث آخر: "من أخذ برقية باطل، فقد أخذت برقية حق". ويستنبط منه أحكام: جواز أخذ الأجرة على القرآن، وهو مسألة الباب كما يجيء تفصيلًا إن شاء الله تعالى، وإباحة الرقية بذكر الله وأسمائه. فإن قلت: ثبت في "الصحيح" (١): "لا يسترقون ولا يكتوون". قلت: ورد أيضًا: "استرقوا لها؛ فإن بها النظرة" (٢) أي اطلبوا لها من يرقيها، ووجه الجمع بينهما: أن الرقى يكره منها ما كان بغير اللسان العربي وبغير أسماء الله وصفاته وكلامه في كتبه المنزلة، وأن يعتقد أن الرقيا نافعة لا محالة فيتكل عليها، وإياها أراد بقوله: "ما توكل من استرقى" (٣)، ولا يكره منها ما كان في خلاف ذلك كالتعوذ بالقرآن وأسماء الله تعالى، والرقى المروية.

стр. 8482

وفيه إباحة الطب والعلاج؛ وذلك أن الرقية والقراءة والتفل فعل من الأفعال المباحة، وقد أباح له أخذ الأجرة عليها، فكذلك ما يفعله الطبيب من قول ووصف فعل لا فرق بينهما. وفيه فضيلة فاتحة الكتاب، وجواز الرقية بها، وجواز الحلف على تأكيد القول والفعل، والله أعلم. ص: حدثنا أبو العوام محمد بن عبد الله بن عبد الجبار المرادي، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: أنا هشيم، عن أبي بشر، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري ﵁: "أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا في غزاة، فمروا بحي من أحياء العرب، فقالوا: هل فيكم من راقٍ، فإن سيد الحي قد لدغ، أو قد عُرِضَ له؟ قال: فرقاه رجل بفاتحة الكتاب فبرأ، فأعطي قطيعًا من الغنم فأبى أن يقبله، فسأل عن ذلك رسول الله ﵇، فقال: بم رقيته؟ قال: بفاتحة الكتاب، قال: وما يدريك أنها رقية؟ ثم قال رسول الله ﵇: خذوها، واضربوا لي معكم بسهم فيها". ش: إسناده صحيح، ويحيى بن حسان بن حيان التنيسي أحد مشايخ الشافعي روى له الجماعة سوى ابن ماجه، وهشيم هو ابن بشير، وأبو بشر هو جعفر بن إياس اليشكري، وأبو المتوكل الناجي اسمه علي بن داود أو دؤاد روى له الجماعة، وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك. والحديث أخرجه الجماعة: فالبخاري (١): عن محمد بن الفضل، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد. ومسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، عن هشيم، عن أبي بشر. . . . إلى آخره.

стр. 8483

وأبو داود (١): عن مسدد، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن أبي المتوكل. والترمذي (٢): عن ابن المثنى، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة، عن أبي بشر، قال: سمعت أبا المتوكل. . . . فذكر نحوه. والنسائي (٣) في "اليوم والليلة": عن زياد بن أيوب، عن هشيم. وعن بندار (٤)، عن غندر، عن شعبة، جميعًا عن أبي بشر. وابن ماجه (٥): عن أبي كريب، عن هشيم، عن أبي بشر بمعناه، وأوله: "بعثنا في ثلاثين راكبًا. . . .". ص: فاحتج قوم بهذه الآثار، فقالوا: لا بأس بالجعل على تعليم القرآن. ش: أراد بالقوم هؤلاء: أبا قلابة، وطاوس بن كيسان، وعطاء بن أبي رباح، ومالكًا، والشافعي، وأحمد، وإسحاق؛ فإنهم قالوا: لا بأس بأخذ الأجرة على تعليم القرآن. وقال البيهقي: روينا عن عطاء وأبي قلابة: "كانا لا يريان بتعليم القرآن بالأجر بأسًا"، وعن الحسن: "إذا قاطع المعلم ولم يعدل كتب من الظلمة". وقال ابن حزم في "المحلى" (٦): والإجارة جائزة على تعليم القرآن، وعلى تعليم العلم مشاهرة، وعلى الرقى، وكل ذلك جائز، وعلى نسخ المصاحف، ونسخ كتب العلم، وهو قول مالك والشافعي وابن سليمان.

стр. 8484

ص: وخالفهم في ذلك آخرون؛ فكرهوا الجعل على تعليم القرآن كما يكره الجعل على تعليم الصلاة. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عبد الله بن شقيق، والأسود بن ثعلبة، وإبراهيم النخعي، وعبد الله بن يزيد، وشريح بن الحارث القاضي، والحسن بن حي، وأبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا؛ فإنهم قالوا: يكره أخذ الأجرة على تعليم القرآن، كما يكره على تعليم الصلاة، والجامع أن كلًّا منهما عبادة يتعين على الناس إقامتها. ص: وكان لهم من الحجة على أهل المقالة الأولى: أن الآثار الأول لم يكن الجعل المذكور فيها على تعليم القرآن، وإنما كان على الرقى التي لم يقصد بالاستئجار عليها إلى القرآن، فكذلك نقول نحن أيضًا: لا بأس بالاستئجار على الرقى والعلاجات كلها، وإن كنا نعلم أن المستأجر على ذلك قد يدخل فيما يرقي به بعض القرآن؛ لأنه ليس على الناس أن يرقي بعضهم بعضًا، فإذا استؤجروا على أن يعملوا ما ليس عليهم أن يعملوه جاز ذلك، وتعليم القرآن على الناس واجب أن يعلمه بعضهم بعضًا؛ لأن في ذلك التبليغ عن الله ، إلا أن مَنْ علمه منهم فقد أجزأ ذلك عن بقيتهم كالصلاة على الجنائز هي فرض على الناس جميعًا إلا أن من فعل ذلك منهم فقد أجزأ عن بقيتهم، ولو أن رجلًا استأجر رجلًا ليصلي على ولي له مات لم يجز ذلك؛ لأنه إنما استأجره على أن يفعل ما عليه أن يفعله، فلذلك تعليم الناس القرآن بعضهم بعضًا هو عليهم فرض، إلا أن من فعله منهم أجزأ فعله ذلك عن بقيتهم، فإذا استأجر بعضهم بعضًا على تعليم ذلك كانت إجارته تلك واستئجاره إياه باطلًا؛ لأنه إنما استأجره على أن يؤدي فرضًا هو عليه لله تعالى وفيما يفعله لنفسه؛ لأنه يسقط عنه الفرض بفعله إياه، والإجارات إنما تجوز وتملك بها الأبدال فيما يفعله المستأجرون للمستأجرين.

стр. 8485

ش: أي وكان لهؤلاء الآخرين من الدليل والبرهان على أهل المقالة الأولى، وخلاصة هذا: أن استدلالهم بالحديثين المذكورين على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن ليس بصحيح؛ لأن الجُعْل المذكور فيهما ليس على تعليم القرآن، وإنما كان على الرقية من غير قصد إلى الإجارة عليها إلى القرآن، ونحن أيضًا نقول به، وكلامنا في عدم جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن والباقي من الكلام ظاهر. ص: فإن قال قائل: فهل روي عن النبي ﵇ في ذلك شيء يدل على ما ذكرت في المنع من الاستعجال على تعليم القرآن؟ قيل له: نعم، قد روي عن النبي ﵇ في ذلك أنه قال: "لا تأكلوا بالقرآن". وعن عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال: "قد كنت أقرئ أناسًا من أهل الصفة القرآن فأهدى إليَّ رجل منهم قوسًا على أن أقبلها في سبيل الله، فذكرت ذلك لرسول الله ﵇، فقال: إن أردت أن يطوقك الله بها طوقًا من نار فاقبلها". وقد ذكرنا ذلك بأسانيده فيما تقدم من كتابنا هذا في باب: "التزويج على سورة من القرآن في كتاب النكاح". ش: الاستجعال: طلب الجُعْل. قوله: "لا تأكلوا بالقرآن" هذا حديث أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) مسندًا: حدثنا عفان بن مسلم، نا أبان بن يزيد العطار، حدثني يحيى بن أبي كثير، عن زيد هو ابن أبي سلام ممطور الحبشي، عن أبي راشد الحراني، عن عبد الرحمن بن شبل، سمعت رسول الله ﵇ يقول: "تعلموا القرآن ولا تغلوا فيه ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به".

стр. 8486

وأخرجه الطحاوي أيضًا في باب التزويج على سورة من القرآن: عن إبراهيم ابن مرزوق، عن أبي عامر العقدي، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير. . . . إلى آخره نحوه. قوله: "ولا تغلوا" من الغلو -بالغين المعجمة- وهو التشدّد والمجاوزة عن الحد. قوله: "ولا تجفوا عنه" أي تَعَاهدوه ولا تبعدوا عن تلاوته، وهو من الجفاء وهو البعد عن الشيء. قوله: "ولا تأكلوا به" أي بمقابلة القرآن، أراد: لا تجعلوا له عوضًا من سحت الدنيا. قوله: "وعن عبادة بن الصامت. . . . إلى آخره" أخرجه الطحاوي هناك أيضًا: عن أبي أمية، عن أبي عاصم، عن المغيرة بن زياد، عن عبادة بن نسي، عن الأسود بن ثعلبة، عن عبادة. وأخرجه أبو داود (١) أيضًا والحاكم في "مستدركه" (٢) وصححه. ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ في ذلك أيضًا ما قد حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن سعيد بن إياس الجريري، عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن أخيه المطرف بن الشخير، عن عثمان بن أبي العاص أنه قال: "قال لي رسول الله ﵇: اتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا". فكره رسول الله ﵇ الأذان بالأجر. ش: أي قد روي عن النبي ﵇ في أخذ الأجرة عن العبادة القولية مثل الأذان وقراءة القرآن.

стр. 8487

أخرجه بإسناد صحيح، عن سليمان بن شعيب الكيساني، والجريري -بضم الجيم وفتح الراء الأولى- نسبة إلى جُرير بن عباد أخي الحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. و"الشِّخِّير" بكسر الشين المعجمة وتشديد الخاء المعجمة. وأخرجه أبو داود (١): عن موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن سعيد الجريري عن أبي العلاء، عن مطرف، عن عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: "قلت يا رسول الله، اجعلني إمام قومي، قال: أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا". وأخرجه النسائي (٢) وابن ماجه أيضًا (٣). قوله: "اتخذ مؤذنًا" يعني اجعل مؤذنًا لا يأخذ على الأذان أجرة، وكلمة: "على" هاهنا للتعليل كاللام، والمعنى لا يأخذ لأجل أذانه أجرًا، نحو قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٤) أي لهدايته إياكم، وهذا قول أكثر العلماء. وكان مالك يقول: لا بأس به، وترخص فيه، وقال الأوزاعي: الإجارة مكروهة ولا بأس بالجعل. ومنع منه إسحاق بن راهويه، وقال الحسن: أخشى أن لا تكون صلاته خالصة لله، وكرهه الشافعي، وقال: لا يَرزُق الإمامُ المؤذنَ إلا من خمس الخمس سهم النبي ﵇؛ فإنه مرصد لمصالح الدين، ولا يرزقه من غيره، وكذلك عندنا أخذ الأجرة على الحج والإمامة وتعليم القرآن والفقه، ولكن المتأخرين جوزوا على التعليم والإمامة في زماننا لحاجة الناس إليه، وظهور التواني في الأمور الدينية، وكسل الناس في الاحتساب، وعليه الفتوى.

стр. 8488

ص: وقد روي في ذلك أيضًا عن عبد الله بن عمر ﵄ ما قد حدثنا أحمد بن أبي عمران، قال: ثنا عبيد الله بن محمد التيمي، قال: أنا حماد بن سلمة، عن يحيى البكاء: "أن رجلًا قال لابن عمر: إني أحبك في الله، فقال له ابن عمر: لكني أبغضك في الله؛ لأنك تبغي في أذانك أجرًا، وتأخذ على الأذان أجرًا". ش: أي وقد روي في كراهة أخذ الأجرة على الأذان أيضًا عن عبد الله بن عمر. أخرجه عن أحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي، وعبيد الله بن محمد التيمي البصري المعروف بالعيشي وبابن عائشة شيخ أبي داود، عن حماد بن سلمة، عن يحيى بن مسلم البكاء البصري -فيه مقال-: "أن رجلًا قال لابن عمر. . . ." إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن عمارة ابن زاذان، عن يحيى البكاء قال: "كنت آخذ بيد ابن عمر وهو يطوف بالكعبة، فلقيه رجل من مؤذني الكعبة، فقال: إني لأحبك في الله، فقال ابن عمر: إني لأبغضك في الله؛ إنك تحسن صوتك لأخذ الدراهم". ص: فثبت بما ذكرنا كراهة الاستجعال على الأذان، والاستجعال على تعليم القرآن كذلك أيضًا؛ لأن رسول الله ﵇ قد أُمِرَ بالتبليغ عن الله ، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٢)، وأوجب النبي ﵇ على أمته التبليغ عنه. ش: أي ثبت بما ذكرنا من الحديث المرفوع والحديث الموقوف كراهة طلب الجعل على الأذان، وأخذ الأجرة على تعليم القرآن ملحق به؛ لأنه ﵇ أمرنا بالتبليغ عن الله، وأمر النبي ﵇ أمته بالتبليغ عنه، فكان واجبًا عليهم، وأخذ الأجرة على الواجب لا يجوز، ومن جملة التبليغ: الأذان، وتعليم القرآن.

стр. 8489

ص: وقد قال رسول الله ﵇ في ذلك: ما حدثنا أبو بكرة وإبراهيم بن مرزوق جميعًا، قالا: ثنا أبو عاصم، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن أبي كبشة السلولي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار". فأوجب رسول الله ﵇ على أمته التبليغ كما أوجب الله التبليغ عنه، فكما لا يجوز للنبي ﵇ أخذ الأجرة، فكذلك لا يجوز لأمته، ثم فرق رسول الله ﵇ بين التبليغ عنه والحديث عن غيره، فقال: "وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"، أي ولا حرج عليكم أن لا تحدثوا عنهم، فالاستجعال على ذلك استجعال على الفرض، لأن من استجعل جعلًا على عمل يعمله فيما قد افترض الله عمله عليه فذلك عليه حرام؛ لأنه إنما يعمل ذلك لنفسه ليؤدي بذلك فرضًا عليها، ومن استجعل جعلًا على عمل يعمله لغيره من رقية أو غيرها وإن كانت بالقرآن أو علاج أو ما أشبه ذلك فذلك جائز، والاستجعال عليه حلال، فيصح بما ذكرنا معاني ما قد روي عن رسول الله ﵇ في هذا الباب من النهي ومن الإباحة، ولا يتضاد ذلك فيتنافى، وهذا كله رأي أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ﵏. ش: أي وقد قال ﵇ في وجوب التبليغ عنه ما حدثنا أبو بكرة بكار القاضي. . . . إلى آخره. وأبو عاصم الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، والأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو، وأبو كبشة السلولي الشامي لا يعرف له اسم. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه الترمذي (١): عن محمد بن يحيى، عن محمد بن يوسف، عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن حسان بن عطية، عن أبي كبشة، به.

стр. 8490

وعن (١) ابن بشار، عن أبي عاصم، عن الأوزاعي، عن حسان نحوه. وقال: حديث صحيح. قوله: "وحدثوا عن بني إسرائيل" هذا أمر إباحة أمرهم به ليعتبروا بما جرى لبني إسرائيل في أيامهم من العجائب والغرائب، وليقتدوا بما كان من ذلك من الخير، ويجتنبوا عما كان من الشر. قوله: "ولا حرج" أي ولا إثم عليكم، وقد فسر الطحاوي معناه بقوله: "أي ولا حرج عليكم أن لا تحدثوا عنهم"، وذلك لأن التحديث عنهم ليس بواجب عليهم حتى يكون عليهم حرج بتركه. قوله: "فليتبوأ" أي فليتخذ مقعده، أي: منزله من النار. قوله: "فالاستجعال" أي طلب الجعل، وباقي الكلام ظاهر.

стр. 8491

ص: باب الجعل على الحجامة هل يجوز ذلك أم لا ؟ ش: أي هذا باب في بيان حكم أخذ الأجرة على الحجامة هل يجوز ذلك للحجام أم لا يجوز؟ والجُعْل -بالضم- هو ما يأخذه الرجل في مقابلة عمله، وكذلك الجعالة. و"الحِجامة" بكسر الحاء. قال الجوهري: الحجم فعل الحاجم، وقد حَجَمَه يَحْجِمه، فهو محجوم، والاسم الحِجامة، والحَجْم والمحجم والمحجمة: قارورته. ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: ثنا هارون بن إسماعيل الخزاز، قال: ثنا علي بن المبارك، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، أن السائب بن يزيد حدثه، أن رافع بن خديج حدثه، أن رسول الله ﵇ قال: "إن كسب الحجام خبيث". حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا بشر بن بكر، قال: ثنا الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، قال: حدثني السائب بن يزيد، قال: سمعت رافع بن خديج يحدث، عن رسول الله ﵇. . . . مثله. ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق. . . . إلى آخره. و"الخزاز" بالمعجمات، وفيه رواية صحابي عن صحابي، الأول: السائب بن يزيد الكندي، والثاني: رافع بن خديج الأنصاري. وأخرجه مسلم في كتاب البيوع (١): عن محمد بن حاتم، عن يحيى القطان، عن محمد بن يوسف، قال: سمعت السائب بن يزيد يحدث، عن رافع بن

стр. 8492

خديج، عن النبي ﵇ يقول: "شر الكسب مهر البغي، وثمن الكلب، وكسب الحجام". وأخرج أيضًا (١): عن إسحاق بن إبراهيم، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني إبراهيم بن قارظ، عن السائب بن يزيد، قال: حدثني رافع بن خديج، عن رسول الله ﵇ قال: "ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وكسب الحجام خبيث". الثاني: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن بشر بن بكر التنيسي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي. . . . إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٢): عن موسى بن إسماعيل، عن أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير، عن إبراهيم بن عبد الله -يعني: ابن قارظ- عن السائب، عن رافع قال: قال النبي ﵇: "كسب الحجام خبيث. . . ." الحديث. وأخرجه الترمذي (٣): عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى، عن إبراهيم، به. وقال: حسن صحيح. وأخرجه النسائي في الصيد (٤): عن شعيب بن يوسف، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يوسف، عن السائب بن يزيد، نحوه. ص: حدثنا يزيد بن سنان وإبراهيم بن مرزوق، قالا: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا رباح بن أبي معروف، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "من السحت: كسب الحجام".

стр. 8493

حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا أبو شهاب، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇، مثله. ش: هذان طريقان: الأول: إسناده صحيح، وأبو عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، وعطاء هو ابن أبي رباح. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا أحمد بن ثابت، نا أبو عامر، نا رباح بن أبي معروف، عن عطاء، عن أبي هريرة، أن النبي ﵇ قال: "السحت: كسب الحجام، ومهر البغي، وثمن الكلب". الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ البخاري ومسلم، عن ابن شهاب الأصغر عبد ربه بن نافع الحناط -بالنون- الكوفي، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى فيه مقال، عن عطاء بن أبي رباح. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، قال: ثنا ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله ﵇ عن كسب الحجام". ص: حدثنا عبد الرحمن بن الجارود، قال: ثنا وهب بن بيان الواسطي، قال: ثنا يحيى بن سعيد العطار، قال: حدثني عبد العزيز بن زياد، عن أنس ابن مالك قال: "حرم رسول الله ﵇ كسب الحجام". ش: وهب بن بيان بن حيان -بفتح الحاء وتشديد الياء آخر الحروف- الواسطي شيخ أبي داود والنسائي، ثقة. ويحيى بن سعيد العطار -بالعين المهملة وفي آخره راء- الحمصي، فيه مقال كثير، حتى قال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به.

стр. 8494

وعبد العزيز بن زياد [. .] (١). ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: أنا شعبة، قال: ثنا عون بن أبي جحيفة، قال: "قد اشترى أبي حجامًا فكسر محاجمه، فقلت له: يا أبه، لم كسرتها؟ فقال: إن رسول الله ﵇ قد نهى عن ثمن الدم". ش: إسناده صحيح ورجاله ثقات، وأبو جحيفة اسمه وهب بن عبد الله السُّوَائي الصحابي ﵁. وأخرجه البخاري (٢): عن أبي موسى، عن غندر، عن شعبة، عن عون بن أبي جحيفة قال: "اشترى أبي عبدًا حجامًا، فأمر بمحاجمه فكسرت، وقال: إن رسول الله ﵇ نهى عن ثمن الكلب، وكسب البغي، وثمن الدم، ولعن الواشمة والمستوشمة، وآكل الربا ومؤكله، ولعن المصور". وأخرجه أبو داود أيضًا (٣). ص: قال أبو جعفر ﵀: وليس في هذا الحديث دليل على تحريم كسب الحجام، ولكنا إنما أتينا بذلك لئلا يتوهم متوهم أنا قد أغفلنا ذلك، وإنما في هذا الحديث هو كراهية أبي جحيفة ذلك فقط، فأما ما في ذلك من رسول الله ﵇ من نهيه عن ثمن الدم، فهو ما يباع به الدم لا غير ذلك.

стр. 8495

فذهب قوم إلى كراهة كسب الحجام، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. ش: أراد بهذا الحديث: حديث أبي جحيفة، يعني: لا يقال: هذا الحديث لا يدل على تحريم كسب الحجام، فَلِمَ ذكره هاهنا في معرض استدلال أهل المقالة الأولى؟ لأنا إنما أتينا به هاهنا لئلا يتوهم متوهم أنا قد تركنا ذلك. . . . إلى آخره. وأراد بالقوم في قوله: فذهب قوم: عطاء بن أبي رباح، وإبراهيم النخعي، ومنصورًا، وعون بن أبي جحيفة؛ فإنهم ذهبوا إلى كراهة كسب الحجام، واستدلوا على ذلك بالأحاديث المذكورة، وهو مذهب أهل الظاهر أيضًا. وقال ابن حزم (١): وروينا عن أبي هريرة تحريم أجرة الحجام، وروي عن عثمان أيضًا، وعن غيره من الصحابة. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، وقالوا: كسب الحجام كسب دنيء دنس، فيكره للرجل أن يدنس نفسه، فأما أن يكون في نفسه حرامًا فلا. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عكرمة وسالمًا والقاسم وابن سيرين والأوزاعي والثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا والشافعي وأصحابهم؛ فإنهم قالوا: كسب الحجام ليس بخبيث ولكنه دنيء، فيكره للرجل أن يدنس نفسه بالدناءة، وذكر ابن وضاح قال: سمعت أبا جعفر السبتي يقول: لم يكن النهي عن كسب الحجام للتحريم؛ وإنما كان على التنزيه، وكانت قريش تكره أن تأكل من كسب غلمانها من الحجامة. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا يونس والربيع المؤذن، قالا: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا وهيب، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن عبد الله بن عباس قال: "قد احتجم رسول الله ﵇ فأعطى الحجام أجره". وحدثنا الحسين بن الحكم الجبري، قال: ثنا عفان بن مسلم. ح

стр. 8496

وحدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا سهل بن بكار، قالا: ثنا وهيب. . . . فذكر بإسناده مثله، عن رسول الله ﵇. وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة، عن جابر الجعفي، قال: قد سمعت الشعبي يحدث، عن عبد الله بن عباس: "أن رسول الله ﵇ قد أرسل إلى غلام فحجمه، فأعطاه أجره مدًّا ونصف مد، ولو كان حرامًا لم يعطه". وحدثنا الحسين بن نصر، قال: ثنا الفريابي قال: ثنا سفيان، عن جابر الجعفي، عن عامر الشعبي، عن ابن عباس قال: "احتجم رسول الله ﵇ وأعطى الحجام أجره، ولو كان حرامًا لم يعطه". وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي طالب، عن ابن عباس: "أن حجامًا كان يقال له: أبو طيبة حجم النبي ﷺ ، فأعطاه رسول الله ﵇ أجره، وحط من غلته -أو وضع عنه أهله طائفة من غلته- فقال ابن عباس ﵄: لو كان حرامًا ما أعطاه رسول الله ﵇". ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث ابن عباس. وأخرجه من ستة طرق: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى وربيع بن سليمان المؤذن، كلاهما عن يحيى بن حسان، عن وهيب -بالتصغير- ابن خالد، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه طاوس، عن ابن عباس. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا عفان بن مسلم.

стр. 8497

ونا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا المخزومي، كلاهما عن وهيب، قال: نا ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ احتجم وأعطى الحجام أجره، واستعط". وأخرجه أبو داود (١) أيضًا: عن عثمان، عن أحمد بن إسحاق، عن وهيب. . . . إلى آخره نحوه. الثاني: أيضًا صحيح: عن الحسين بن الحكم بن مسلم الحبري -بكسر الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة- نسبة إلى بيع الحِبَر جمع حِبْرَة. عن عفان بن مسلم الصفار، عن وهيب بن خالد، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه طاوس، عن ابن عباس. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢) عن عفان. . . . إلى آخره. الثالث: عن أحمد بن داود المكي شيخ الطبراني، عن سهل بن بكار الدارمي شيخ البخاري وأبي داود، عن وهيب. . . . إلى آخره. الرابع: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن شعبة بن الحجاج، عن جابر بن يزيد الجعفي فيه مقال، عن عامر الشعبي. وأخرجه الترمذي في "الشمائل" (٣): عن هارون بن إسحاق، عن عبدة، عن سفيان الثوري، عن جابر الجعفي. . . . إلى آخره نحوه. الخامس: عن الحسين بن نصر بن المعارك، عن محمد بن يوسف الفريابي، عن سفيان الثوري، عن جابر الجعفي.

стр. 8498

وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): عن هاشم بن قاسم، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر، عن ابن عباس قال: "احتجم رسول الله ﵇ وأعطى الحجام أجره، ولو كان حرامًا لم يعطه، وكان يحتجم في الأخدعين، وكان يحجمه عبد لبني بياضة، وكان يؤخذ منه كل يوم مد ونصف، فَتَشَفَّعَ له النبي ﵇ إلى أهله فجعله مدًّا". السادس: عن محمد بن خزيمة، عن محمد بن عبد الله الأنصارى. . . . إلى آخره. وهذا إسناد صحيح. وأبو طالب الحجام الضبعي، لا يعرف له اسم، وثقه أبو زرعة وغيره، وأبو طبية ذكره في معجم البغوي، وقال: اسمه ميسرة. ص: حدثنا عبد الرحمن بن الجارود، قال: ثنا سعيد بن كثير بن عفير، قال: حدثني يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر: "أن رسول الله ﵇ احتجم، فأمر للحجام بصاع من طعام، وأمر مواليه أن يخففوا عنه من الخراج شيئًا". حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سليمان بن قيس، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁: "أن رسول الله ﵇ دعا أبا طيبة فحجمه، فسأله: كم ضريبتك؟ فقال: ثلاثة آصع، فوضع عنه صاعًا". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سليمان بن قيس، عن جابر، عن رسول الله ﵇. . . . فذكر بإسناده مثله. ش: هذه ثلاث طرق: الأول: إسناده صحيح. ويحيى بن أيوب هو الغافقي المصري. وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي.

стр. 8499

وأبو الزبير هو محمد بن مسلم المكي. الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري، عن سليمان بن قيس اليشكري، عن جابر. وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (١): نا عبد الواحد بن غياث، نا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سليمان بن قيس، عن جابر، قال: "بعث رسول الله ﵇ إلى أبي طيبة فحجمه. . . ." إلى آخره نحوه. وقد علل بعضهم هذا الحديث بأن أبا بشر لم يسمع من سليمان بن قيس؛ وذلك لأن سليمان بن قيس هذا قد مات في حياة جابر ﵁. الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن أبي عوانة الوضاح، عن أبي بشر جعفر، عن سليمان بن قيس، عن جابر. وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (٢) نحوه. ص: حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا آدم بن أبي إياس، قال: ثنا ورقاء بن عمر، عن عبد الأعلى، عن أبي جميلة، عن علي ﵁ قال: "احتجم رسول الله ﵇، وأعطى الحجام أجره، ولو كان به بأس لم يعطه". ش: إسناده حسن جيد، وأبو جميلة الطهوي الكوفي اسمه ميسرة، وثقه ابن حبان. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا وكيع، قال: ثنا أبو جناب، عن أبي جميلة الطهوي قال: سمعت عليًّا ﵁ يقول: "احتجم رسول الله ﵇ وأعطى أجرة، ولو كان به بأس لم يعطه".

стр. 8500

ص: حدثنا محمد بن النعمان، قال: ثنا الحميدي، قال: ثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر: "أن النبي ﵇ قال في كسب الحجام: اعلفه الناضح، أو قال: اعلف ذلك ناضحك". ش: إسناده صحيح، والحميدي هو عبد الله بن الزبير شيخ البخاري، وسفيان هو ابن عيينة، وأبو الزبير محمد بن مسلم المكي. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا سفيان، عن أبي الزبير، سمع جابرًا يقول: "إن النبي ﵇ سئل عن كسب الحجام فقال: اعلفه ناضحك". "الناضح": واحدة النواضح، وهي الإبل التي يُستقى عليها، وهذا يدل على أن النهي عن كسب الحجام نهي تنزيه لا تحريم إذ لو كان حرامًا لما أمره أن يطعمه الناضح؛ لأنه ﵇ لم يأمر أحدًا بإطعام الحرام، والدليل عليه ما جاء في حديث ابن محيصة: "أنه ﵇ أمره أن يعلفه نواضحه، ويطعمه رقيقه"، فلو كان حرامًا لم يأمره أن يطعمه رقيقه؛ لأنه متعبد فيه كما يتعبد في نفسه. وقال أبو عمر (٢): هذا قول الشافعي وأتباعه، وأظن بالكراهة منهم في ذلك لأنه ليس يخرج مخرج الإجارة؛ لأنه غير مقدر ولا معلوم، فربما لم تطب نفس العامل بما يعطيه المعمول له وهكذا دخول الحمام عند بعضهم إلا بشيء معلوم وإناء معلوم وشيء محدود يوقف عليه من تناول الماء وغيره، وهذا شديد جدًّا، وفي تواتر العمل بالأمصار في دخول الحمام وأجرة الحجام ما يرد قولهم. ص: وحدثنا إبراهيم بن أبي داود، ثنا عمرو بن عون. ح وحدثنا أبو أمية محمد بن إبراهيم، قال: ثنا المعلى بن منصور، قالا: ثنا خالد بن عبد الله، عن يونس بن عبيد، عن محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك أنه قال: "احتجم رسول الله ﵇، وأعطى الحجام أجره".

стр. 8501

وحدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا القاسم بن مالك، عن عاصم، عن أنس: "أن أبا طيبة قد حجم النبي ﵇ وهو صائم، فأعطاه أجره، ولو كان حرامًا لم يعطه ذلك". وحدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عبد الله بن بكر السهمي، قال: ثنا حميد الطويل، أنه قال: "سئل أنس بن مالك عن كسب الحجام، فقال: قد احتجم رسول الله ﵇، حجمه أبو طيبة الحجام، فأمر له رسول الله ﵇ بصاعين من الطعام، وكلم مواليه ليخففوا عنه من غلته شيئًا، ففعلوا ذلك". وحدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني سفيان الثوري، أن حميد الطويل قد حدثهم، عن أنس بن مالك، عن النبي ﵇، مثل ذلك سواء. وحدثنا يونس، قال: أنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني مالك بن أنس، عن حميد الطويل عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﵇، مثله. وحدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن جبر، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، عن النبي ﵇، مثله. ش: هذه سبع طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن عون الواسطي البزار شيخ البخاري في كتاب الصلاة، عن خالد بن عبد الله الطحان الواسطي، عن يونس بن عبيد البصري، عن محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك. وأخرجه ابن ماجه (١): عن عبد الحميد بن بيان، عن خالد بن عبد الله، عن يونس، عن ابن سيرين، عن أنس، نحوه. الثاني: عن أبي أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي، عن المعلى بن منصور الرازي، عن خالد بن عبد الله الطحان. . . . إلى آخره.

стр. 8502

وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا إسحاق بن شاهين الواسطي، ثنا خالد بن عبد الله الواسطي، ثنا يونس، عن ابن سيرين، عن أنس: "أن النبي ﵇ احتجم، وأعطى الحجام أجره". قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن يونس، عن ابن سيرين، عن أنس إلا خالدًا، وإنما يعرف عن السامري عن ابن عباس. الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن القاسم بن مالك المزني الكوفي، عن عاصم بن سليمان الأحول، عن أنس ﵁. الرابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الله بن بكر السهمي البصري، عن حميد الطويل، عن أنس. وأخرجه مسلم (١): ثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وعلي بن حجر، قالوا: ثنا إسماعيل -يعنون: أبا جعفر- عن حميد قال: "سئل أنس بن مالك عن كسب الحجام، فقال: احتجم رسول الله ﵇، حجمه أبو طيبة، فأمر له بصاعين من طعام، وكلم أهله فوضعوا عنه من خراجه. . . ." الحديث. الخامس: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن سفيان الثوري، عن حميد، عن أنس بن مالك. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمد بن مسكين، نا محمد بن يوسف، نا سفيان، عن حميد، عن أنس قال: "حجم أبو طيبة النبي ﵇، فأعطاه صاعًا أو صاعين من طعام، وكلم مواليه فخففوا عنه من غلته". السادس: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن حميد، عن أنس.

стр. 8503

وأخرجه مالك في "موطإه" (١): عن حميد، عن أنس، أنه قال: "احتجم رسول الله ﵇، حجمه أبو طيبة، فأمر له رسول الله ﵇ بصاع من تمر، وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه". السابع: عن نصر بن مرزوق، عن علي بن معبد بن شداد الرقي، عن إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري، عن حميد، عن أنس. وأخرج الترمذي (٢): عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن جعفر، قال: "سئل أنس عن كسب الحجام، قال أنس: احتجم رسول الله ﵇، حجمه أبو طيبة، فأمر له بصاعين من طعام، وكلم أهله فوضعوا عنه من خراجه. . . ." الحديث. وقال: هذا حديث حسن صحيح. ص: ففي هذه الآثار إباحة كسب الحجام، فاحتمل أن يكون ذلك تأخر عن النهي الذي ذكرناه، أو تقدمه. فنظرنا في ذلك فإذا يونس قد حدثنا، قال: ثنا عبد الله بن يوسف. ح وحدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قالا: ثنا الليث، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن ابن عفير الأنصاري، عن محمد بن سهل بن أبي حثمة الأنصاري، عن محيصة بن مسعود الأنصاري: "أنه كان له غلام حجام يقال له: نافع أبو طيبة، فانطلق إلى رسول الله ﵇ يسأله عن خراجه، فقال: لا تقربه، فردد على رسول الله ﵇، فقال: اعلف به الناضح، اجعلوه في كرشه". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا عمر بن يونس، قال: ثنا عكرمة بن عمار، قال: ثنا طارق بن عبد الرحمن: "أن رفاعة بن رافع -أو رافع بن رفاعة الشك منهم- جاء إلى مجلس الأنصار، فقال: نهى رسول الله ﵇ عن كسب الحجام، وأمرنا أن نطعمه ناضحنا".

стр. 8504

حدثنا فهد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن حرام بن سعد بن محيصة، عن محيصة رجل من بني حارثة كان له حجام، واسم الرجل محيصة: "سأل رسول الله ﵇ عن ذلك فنهاه أن يأكل كسبه، ثم عاد فنهاه، ثم عاد فنهاه، ثم عاد فنهاه، فلم يزل يراجعه حتى قال له رسول الله ﵇: اعلف كسبه ناضحك، وأطعمه رقيقك". حدثنا إسماعيل بن يحيى، قال: ثنا محمد بن إدريس، قال: ثنا ابن أبي فديك، قال: ثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن حرام بن سعد بن محيصة الحارثي، عن أبيه: "أنه سأل رسول الله ﵇. . . ." ثم ذكر مثله. حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن أبي ذئب. . . . فذكر بإسناده مثله. حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن ابن شهاب، عن حرام بن محيصة، حدثني حارثة، عن أبيه. . . . فذكر مثله. فدل ما ذكرنا أن ما كان من رسول الله ﵇ من الإباحة في هذا إنما كان بعد نهيه عنه نهيًا مطلقًا، على ما في الآثار الأُوَل، وفي إباحة النبي ﵇ أن يطعمه الرقيق والناضح دليل على أنه ليس بحرام، ألا ترى أن المال الحرام الدي لا يحل للرجل كله لا يحل له أيضًا أن يطعمه رقيقه ولا ناضحه؟ لأن رسول الله ﵇ قد قال في الرقيق: "أطعموهم مما تأكلون"، فلما ثبت إباحة النبي ﵇ لمحيصة أن يعلف ذلك ناضحه، ويطعم رقيقه من كسب حجامه، دل ذلك على نسخ ما كان تقدم من نهيه عن ذلك، وثبت حل ذلك لغيره، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وهذا هو النظر أيضًا عندنا؛ لأنا قد رأينا الرجل يستأجر الرجل ليفصد له عرقًا أو يبزغ له حمارًا فيكون ذلك جائزًا، والاستئجار على ذلك جائزًا، والحجامة أيضًا كذلك.

стр. 8505

ش: أراد بهذه الآثار الأحاديث المذكورة -يعني الأحاديث المذكورة تدل على إباحة كسب الحجام، ولكن يحتمل أن تكون متأخرة عن النهي الوارد فيه أو متقدمة، فنظرنا في ذلك فوجدنا أحاديث تدل على أن ما كان من الإباحة فيه إنما كان بعد نهيه نهيًا مطلقًا، فثبت أن أحاديث النهي منسوخة والقياس أيضًا يشهد بإباحته، أشار إليه بقوله: "لأنا قد رأينا الرجل يستأجر الرجل. . . . إلى آخره". قوله: "أو يبزغ له حمارًا" من البزغ بالباء الموحدة والزاي والغين المعجمة، وهو الشرط بالشرط، وهو المبزغ، وبزغ دمه: أي أساله. أما الأحاديث الدالة على تأخر الإباحة عن النهي؛ فأخرجها من وجوه ستة: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن يوسف التنيسي -شيخ البخاري- وعن ربيع بن سليمان المؤذن -صاحب الشافعي- عن شعيب بن الليث، كلاهما -أعني عبد الله وشعيبًا- عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب سويد المصري، عن سعيد بن كثير بن عفير الأنصاري، عن محمد بن سهل بن أبي حثمة الأنصاري الحارثي الأوسي، عن محيصة بن مسعود الأنصاري الصحابي، وهذا إسناد صحيح. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث الليث، عن يزيد بن أبي حبيب. . . . إلى آخره نحوه. قوله: "يقال له نافع" بالنون والفاء، ويقال: اسمه دينار، ويقال: ميسرة، وكنيته: أبو طيبة بفتح الطاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة. قوله: "اعلف به الناضح" قد ذكرنا أنه واحدة النواضح، وهي الإبل التي يستقى عليها.

стр. 8506

قوله: "في كرشه" الكرش لكل مجتر بمنزلة المعدة للإنسان، تؤنثها العرب، وفيها لغتان: كِرْش وكرش، مثل كبد وكبد. الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن عمر بن يونس بن القاسم الحنفي، عن عكرمة بن عمار اليمامي، عن طارق بن عبد الرحمن البجلي الأحمسي الكوفي، عن رفاعة بن رافع أو رافع بن رفاعة. . . . إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده": ثنا هاشم بن القاسم: ثنا عكرمة -يعني ابن عمار-: حدثني طارق بن عبد الرحمن القرشي، قال: جاء رافع بن رفاعة إلى مجلس الأنصار، فقال: "لقد نهانا رسول الله ﵇ عن شيء كان يرفق بنا، نهانا عن كراء الأرض، ونهانا عن كسب الحجام، وأمرنا أن نطعمه نواضحنا، ونهانا عن كسب الأمة إلا ما عملت بيدها، وقال هكذا بأصابعه: نحو الخبز والغزل والنقش". وهذا كما رأيته قد أخرجه أحمد عن رافع بن رفاعة بلا شك. وفي رواية الطحاوي بالشك، رفاعة بن رافع أو رافع بن رفاعة، فهو صحابي بلا خلاف، وهو ممن شهد بدرا، وأبوه أيضًا صحابي بدري، وكان نقيبا يومئذ. وأما رافع بن رفاعة، فقد قال أبو عمر بن عبد البر: لا تصح صحبته. والحديث المروي في كسب الحجام في إسناده غلط، ولكن رواية أحمد والطحاوي تدل على أن له صحبة، والله أعلم. والثالث: عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث وشيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي أمير مصر لهشام بن عبد الملك مولى الليث بن سعد من فوق، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن حرام ضد حلال بن سعد بن محيصة الأنصاري، عن جده محيصة بن مسعود رجل من بني حارثة. وهذا إسناد صحيح متصل؛ لأن حرام بن سعد أدرك جده وروى عنه، وجده صحابي كما ذكرنا غير مرة.

стр. 8507

الرابع: عن إسماعيل بن يحيى المزني، عن الإِمام الشافعي، عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك دينار المدني، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن حرام بن سعد بن محيصة الحارثي، عن أبيه أنه سأل رسول الله ﷺ . وهذا الإسناد رجاله ثقات، ولكن فيه نظر وقد نسب إلى الغلط، وذلك لأن أبا حرام ليس له صحبة، ولا حرام له صحبة، وإنما الصحبة لمحيصة فقط الذي هو جد حرام، فالحديث في الحقيقة مرسل وليس بمتصل؛ فافهم. وكذا أخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا يزيد، أنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن حرام بن سعد بن محيصة، عن أبيه: "أنه سأل النبي ﵇ عن كسب الحجام، فنهاه عنه، فذكر له حاجة، فقال: اعلفه نواضحك". وأخرجه الطبراني (٢) متصلًا على سنن الصواب: ثنا محمد بن علي الصائغ المكي، نا حسن بن علي الحلواني، ثنا يزيد بن هارون، ثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن حرام بن ساعدة بن محيصة بن مسعود، عن أبيه، عن جده محيصة قال: "كان لي غلام حجام يقال له: أبو طيبة، فكسب كسبًا كثيرًا، فلما نهى رسول الله ﵇ عن كسب الحجام، استرخص رسول الله ﵇ فأبى عليه، فلم يزل يكلمه ويذكر له الحاجة حتى قال له: أَلْقِ كسبه في باطن ناضحك". الخامس: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن أسد بن موسى، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن حرام بن سعد، عن أبيه أنه سأل رسول الله ﵇. وهذا إسناد أيضًا مثل ما قبله.

стр. 8508

السادس: عن يونس بن عبد الأعلى المصري شيخ مسلم، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن حرام بن محيصة، عن أبيه، أنه سأل رسول الله ﵇. هذا أيضًا مثل ما قبله. وأخرجه مالك في "موطإه": عن ابن شهاب، عن ابن محيصة، عن أبيه، هذا في رواية ابن وهب ومطرف وابن بكير وابن نافع والقعنبي. وفي رواية يحيى بن يحيى (١): عن مالك عن ابن شهاب، عن ابن محيصة الأنصاري، حدثني حارثة: "أنه استأذن رسول الله ﵇ في إجارة الحجام فنهاه عنها، فلم يزل به يستأذنه ويسأله حتى قال له: "اعلفه نضاحك" يعني رقيقك". وقال أبو عمر (٢): هكذا قال يحيى في هذا الحديث: "عن ابن محيصة أنه استأذن رسول الله" وتابعه على ذلك ابن القاسم، وذلك من الغلط الذي لا إشكال فيه عند أهل العلم، وليس لسعد بن محيصة صحبة. فكيف لابنه حرام، وهذا كله مرسل في رواية مالك. وقال أيضًا: قال القعنبي في هذا الحديث: "اعلفه ناضحك ورقيقك"، وهو يشبه رواية يحيى، وقال ابن بكير: "نضاحك"، وقال ابن القاسم في تفسير النضاح: الرقيق، قال: ويكون في الإبل. وقال الليث وغيره من أصحاب ابن شهاب في هذا الحديث: "فلم يزل به حتى قال: أطعمه رقيقك، واعلفه ناضحك"، وهذا هو الصواب، قال الخليل: والناضح: الجمل يستقى عليه. ص: وقد روي عمن بعد رسول الله ﷺ في ذلك أيضًا ما قد حدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني موسى بن عُلَي بن رباح اللخمي،

стр. 8509

عن أبيه أنه قال: "كنت عند عبد الله بن عباس ﵄، فأتته امرأة فقالت: إن لي غلامًا حجامًا، وإن أهل العراق يزعمون أني آكل ثمن الدم، فقال لها عبد الله بن عباس: لقد كذبوا، إنما تأكلين خراج غلامك". وما قد حدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا الليث، قال: حدثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن الرأي: "أن الحجامين قد كانت لهم سوق على عهد عمر بن الخطاب ﵁". وحدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا الليث، أنه قال: أخبرني يحيى بن سعيد الأنصاري: "أن المسلمين لم يزالوا مقرين بأجرة الحجام، فلا ينكرونها". ش: أي قد روي عن الصحابة والتابعين أيضًا في إباحة أجرة الحجام، وأخرج في ذلك عن ثلاثة أنفس، وهم: عبد الله بن عباس، وربيعة الرأي شيخ مالك، ويحيى بن سعيد الأنصاري المدني. والرجال المذكورون كلهم ثقات. وموسى بن عُلَي، بضم العين وفتح اللام. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) أيضًا وقال: ثنا موسى بن عُلَي بن رباح، عن أبيه قال: "كنت عند ابن عباس، فأتته امرأة فقالت: إني امرأة من أهل العراق، ولي غلام حجام، ويزعم أهل العراق أني آكل ثمن الدم، فقال: إنهم لا يزعمون شيئًا، إنما تأكلين خراج غلامك، ولست تأكلين ثمن الدم".

стр. 8510

ص: كتاب اللقطة والضالة ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام اللقطة والضالة. "اللُّقَطة" بضم اللام وفتح القاف، اسم المال المأخوذ أي الموجود، والالتقاط أن تعثر على الشيء من غير قصد وطلب. وقال بعضهم: اللقطة اسم كالضحلة والهمزة، وأما المال الملقوط فهو بسكون القاف والأول أكثر وأصح، والضالة بفتح اللام هي الضائعة من كل ما يقتنى من الحيوان وغيره، يقال: ضل الشيء إذا ضاع، وضل عن الطريق إذا حاد، وهي في الأصل فاعلة، ثم اتسع فيها فصارت من الصفات الغالبة، وتقع على الذكر والأنثى، والاثنين والجمع، وتجمع على ضوال، وقد تطلق الضالة على المعاني، كما في قوله ﵇: "الكلمة الحكمة ضالة المؤمن" (١)، وفي رواية: "ضالة كل حكيم" (٢)، أي لا يزال يتطلبها كما يتطلب الرجل ضالته. ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن أبي مسلم الجذمي، عن الجارود، قال: قال رسول الله ﷺ : "ضالة المسلم حَرَقُ النار". حدثنا محمد بن علي بن داود، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا همام، قال: ثنا قتادة، عن يزيد أخي مطرف، عن أبي مسلم الجذمي، عن الجارود، عن النبي ﵇، مثله. ش: هذان طريقان:
следующие страницы →