← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 8646–8685 · переход к 8651.

стр. 8646

وقال البيهقي (١): وسئل أبو علي عن حديث شعيب بن إسحاق، فقال: لم يسمعه الأوزاعي من عطاء، وهو في الأصل مرسل، رواه الثقات عن الأوزاعي، عن إبراهيم بن مرة، عن عطاء مرسلًا، وذكره الأثرم لأحمد فأنكره. ص: ومما رووا في ذلك مما لا طعن لأحد فيه: ما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره. وحدثنا إبراهيم بن مرزوق وصالح بن عبد الرحمن، قالا: ثنا القعنبي عبد الله بن مسلمة. وحدثنا محمد بن العباس، قال: ثنا القعنبي وإسماعيل بن سلمة، قالا: ثنا مالك بن أنس، عن عبد الله بن الفضل، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن ابن عباس قال: قال: رسول الله ﷺ : "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر في نفسها، وإذنها صماتها". وحدثنا الحسين بن نصر، قال: ثنا يوسف عدي، قال: ثنا حفص بن غياث، عن عبد الله بن عبد الله بن موهب، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس عن النبي ﵇ مثله. حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن ابن موهب. . . . فذكر بإسناده مثله. وحدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن سعد، عن عبد الله بن الفضل، سمع نافع بن جبير يحدث، عن ابن عباس، أن رسول الله ﵇ قال: "الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر في نفسها". ش: أي ومما روى أهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه من الأحاديث التي لا طعن لأحد فيها لأجل صحة إسناده ومتنه: ما روي عن ابن عباس ﵄.

стр. 8647

وأخرجه من ستة طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري شيخ مسلم، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن عبد الله بن الفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن عبد الله ابن عباس ﵄. وأخرجه مالك (١) في "موطإه". وابن ماجه (٢): عن إسماعيل بن موسى السدي، عن مالك. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق وصالح بن عبد الرحمن الأنصاري، كلاهما عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن مالك. وأخرجه أبو داود (٣): عن القعنبي، عن مالك. الثالث: عن محمد بن العباس بن الربيع المصري، عن إسماعيل بن مسلمة ابن قعنب القعنبي وعبد الله بن مسلمة المذكور، عن مالك. وأخرجه الترمذي (٤) والنسائي (٥) كلاهما عن قتيبة، عن مالك. الرابع: عن الحسين بن نصر، عن يوسف بن عدي. . . . إلى آخره. وأخرجه الطحاوي في باب: "النكاح بغير ولي" بعين هذا الإسناد، وقد ذكرنا هناك أن الطبراني أخرجه بهذا الإسناد (٦).

стр. 8648

وأخرجه الدارقطني (١) أيضًا: ثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا العباس بن محمد، ثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، ثنا عبد الله بن عبد الله بن موهب، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن عبد الله بن عباس، أن رسول الله ﵇ قال: "الأيم أحق بأمرها من وليها، والبكر تستأمر في نفسها، وصمتها إقرارها". الخامس: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن عبيد الله بن عبد الله بن موهب، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس عن النبي ﵇، نحوه. السادس: عن ربيع أيضًا، عن أسد، عن سفيان بن عيينة، عن زياد بن سعد، الخراساني نزيل مكة، عن عبد الله بن الفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس. وأخرجه مسلم (٢): نا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا سفيان، عن زياد بن سعد، عن عبد الله بن الفضل، سمع نافع بن جبير يخبر، عن ابن عباس، أن النبي ﵇ قال: "الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن، وإذنها سكوتها"، وفي رواية له: "والبكر يستأذنها أبوها في نفسها، وإذنها صماتها"، وربما قال: "وصمتها إقرارها". وأخرجه أبو داود (٣): عن أحمد بن حنبل، عن سفيان، عن زياد بن سعد، عن ابن الفضل، نحوه. والنسائي (٤): عن محمد بن منصور، عن سفيان، عن زياد بن سعد. . . . إلى آخره نحوه.

стр. 8649

وقال أبو عمر: اختلف في لفظ هذا الحديث، فبعضهم يقول: "الأيم أحق بنفسها"، وبعضهم يقول: "الثيب"، والذي في "الموطأ": "الأيم"، وقد يمكن أن يكون من قال: "الثيب"، قد جاء به على المعنى، وهذا موضع اختلف فيه العلماء وأهل اللغة، فقال قائلون: الأيم هي التي آمت من زوجها بموته أو طلاقه، وهي الثيب وبه قال الشافعي، واحتجوا بقول الشاعر: فقاتل حتى أنزل الله نصره ... وسعد بباب القادسية معصم فأبنا وقد آمت نساءٌ كئيرةٌ ... ونسوة سعد ليس فيهن أيم قالوا: يعني ليست منهن من قتل زوجها. وهذا الشعر لرجل من بني أسد قاله يوم القادسية حين كان سعد بن أبي وقاص عليلًا مقيمًا في قصره لم يقدر على النزول، ولم يشرف على القتال. وقال يزيد بن الحكم الثقفي: كلُّ امرئ ستئيم منـ ... ـه العرِسُ أو منها يئيمُ يريد سيموت عنها أو تموت عنه. وقال الآخرون الأيم كل من لا زوج لها من النساء، وكذلك رجل لا امرأة له أيم وهذا قول مالك وأبو حنيفة وقال آخرون: الأيم امرأة لا زوج لها بكر كانت أو ثيبًا، واستشهدوا بقول الشاعر وهو أمية بن أبي الصلت: لله دَرُّ بَنِي علي ... أيم منهم وناكح إن لم يغيروا غارةً ... شعواء بحجر كل نابحٍ وقد مر الكلام فيه مستوفى في باب: "النكاح بغير ولي عصبة". ص: فلما كانت الأيم المذكورة في الحديث هي التي وليها أيّ ولي كان من أب أو غيره، كانت كذلك البكر المذكورة فيه هي البكر التي وليها أي ولي كان من أب أو غيره.

стр. 8650

ش: أراد أن لفظة الأيم بعمومها تتناول من كان وليها أباها أو غيره فكذلك لفظة البكر بعمومها تتناول من كان وليها أباها أو غيره فإذا كان كذلك فالثيب البالغة لا يجبرها أحد مطلقًا على زواجها، وكذلك البكر البالغة، كما مر مستقصى مع بيان الخلاف فيه. ص: وقد روى هذا الحديث صالح بن كيسان، عن نافع بن جبير بلفظ غير هذا اللفظ. حدثنا فهد، قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن صالح بن كيسان، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس للأب مع الثيب أمر، والبكر تستأمر، وإذنها صماتها". فهذا معناه ومعنى الأول سواء، والبكر المذكورة في هذا الحديث هي البكر ذات الأب، كما الثيب المذكورة فيه كذلك، فهذا ما روي لنا في هذا الباب عن ابن عباس، عن النبي ﵇. ش: أشار بهذا الحديث إلى حديث ابن عباس المذكور. أخرجه بإسناد صحيح عن فهد بن سليمان. . . . إلى آخره. وأخرجه أبو داود (١): عن الحسن بن علي، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن صالح، عن نافع، عن ابن عباس. وأخرجه النسائي (٢): عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن معمر. . . . إلى آخره. وأخرجه البيهقي (٣): من حديث ابن المبارك، عن معمر، نحو رواية الطحاوي، ثم قال: قال الدارقطني (٤) وغيره: أخطأ فيه معمر، واستدل عل خطئه برواية

стр. 8651

ابن إسحاق وسعيد بن سلمة، عن صالح، عن عبد الله بن الفضل، عن نافع قال: سمعت ابن عباس يقول: قال رسول الله ﵇: "الأيم أحق بنفسها من وليها، واليتيمة تستأذن في نفسها، وإذنها السكوت". وقال الدارقطني في "سننه" (١): صالح لم يسمعه من نافع بن جبير، وإنما سمعه من عبد الله بن الفضل عنه، اتفق على ذلك ابن إسحاق وسعيد بن سلمة، عن صالح. قلت: سماع صالح بن كيسان عن نافع بن جبير صحيح، ذكره صاحب "الكمال" وغيره، ومعمر بن راشد ثقة جليل حتى قيل: إنه أثبت في الزهري من ابن عيينة، فلا يستدل عل خطئه برواية من هو دونه. ثم اعلم أن قوله ﵇: "البكر تستأمر" صريح في أن الأب لا يجبر البكر البالغة، ويدل عليه أيضًا حديث جرير، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، المذكور فيما مضى. وترك الشافعي منطوق هذه الأدلة واستدل بمفهوم حديث الثيب أحق بنفسها، وقال: هذا يدل على أن البكر بخلافها، وقال ابن رشد: العموم أولى من المفهوم بلا خلاف؛ لاسيما وفي حديث مسلم: "البكر يستأمرها أبوها" وهو نص في موضع الخلاف. وقال ابن حزم (٢): لا نعلم لمن أجاز على البكر البالغة إنكاح أبيها لها بغير رضاها متعلقًا أصلًا. وذهب ابن جرير الطبري أيضًا إلى أن البكر البالغة لا تجبر، وأجاب عن حديث: "الأيم أحق بنفسها" بأن الأيم من لا زوج لها، رجلًا كان أو امرأة، بكرًا أو ثيبًا، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٣) وكرر ذكر البكر

стр. 8652

بقوله: "والبكر تستأمر وإذنها صماتها" للفرق بين الإذنين: إذن الثيب، وإذن البكر، ومن أول الأيم بالثيب أخطأ في تأويله، وخالف سلف الأمة وخلفها في إجازتهم لوالد الصغيرة تزويجها بكرًا كانت أو ثيبًا من غير خلاف. وقال صاحب "التمهيد": قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي والحسن بن حيّ وأبو ثور وأبو عبيد: لا يجوز للأب أن يزوج ابنته البالغة بكرًا كانت أو ثيبًا إلا بإذنها والأيم التي لا بعل لها وقد تكون إن بكرًا أو ثيبًا، لحديث: "الأيم أحق بنفسها" وحديث: "لا تنكح البكر حتى تستأذن" على عمومها، خص منها الصغيرة لعقد عائشة ﵂. فإن قيل: قال البيهقي (١): حديث ابن عباس: "يستأمرها أبوها" يبين أن الأمر إلى الأب في البكر، وقال الشافعي: زاد ابن عيينة في حديثه: "البكر يزوجها أبوها" والمؤامرة قد تكون على استطابة النفس؛ لأنه يروى أن النبي ﵇ قال: "وأَمِّروا النساء في بناتهن" ثم رواه من حديث معاوية بن هشام عن الثوري، عن إسماعيل بن أمية، حدثني الثقة، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "وأَمِّرُوا النساء في بناتهن". قلت: "يزوجها أبوها" ليس في شيء من الحج المتداولة، ولم يذكر الشافعي سنده لننظر فيه، وحمل المؤامرة على استطابة النفس خروج عن الظاهر من غير دليل، بل قوله: "يستأمرها أبوها" خبر في معنى الأمر، وحديث: "لا تنكح البكر حتى تستأمر" يدل على ذلك، وكذا قوله ﵇: "إنكاح الأب" في حديث جرير بن حازم وغيره، ولو ساغ هذا التأويل لساغ في قوله ﵇ في "الصحيح": "لا تنكح الثيب حتى تستأمر" وأما حديث: "وأمروا النساء في بناتهن" فليس بحجة عند أهل الحديث حتى يسمى الثقة الذي في سنده، ولو صح فقد عدل فيه عن الظاهر للإجماع، فلا يعدل عن الظاهر في غيره من الأحاديث.

стр. 8653

ص: وأما عائشة ﵂ فقد روي في ذلك عنها عن النبي ﵇ ما حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: قال ذكوان مولى عائشة: سمعت عائشة ﵂ تقول: "سألت رسول الله ﵇ عن الجارية ينكحها أهلها أتستامر أم لا؟ قال: نعم تستأمر، فقلت: فإنها تستحي فتسكت، قال: فذاك إذنها إذا هي سكتت". فهذا رسول الله ﵇ قد سوى بين أهل البكر جميعًا في تزويجها ولم يفصل في ذلك بين حكم أبيها ولا بين حكم غيره من سائر أهلها. ش: إسناده صحيح، وأبو بشر الرقي عبد الملك بن مروان، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وابن أبي مليكة هو عبد الله بن عبيد الله ابن أبي مليكة المكي، وذكران أبو عمرو مولى عائشة من رجال الصحيحين. والحديث أخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج. ونا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع، جميعًا عن عبد الرزاق -واللفظ لابن رافع- قال: ثنا عبد الرزاق، قال: ثنا ابن جريج. . . . إلى آخره نحوه. ص: وأما أبو هريرة ﵁ فروي عنه في ذلك عن النبي ﵇ ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "لا تنكح الثيب حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن، قالوا: وكيف إذنها يا رسول الله؟ قال: الصمت". حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبد الرحمن بن عبد الوهاب، عن وكيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير. . . . فذكر بإسناده مثله. حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون، قال: ثنا الوليد بن مسلم.

стр. 8654

وحدثنا محمد بن الحجاج وربيع المؤذن، قالا: ثنا بشر بن بكر، قال: ثنا الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ مثله. ش: أخرج حديث أبي هريرة من أربع طرق صحاح: الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير الطائي عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري (١): عن معاذ بن فضالة وعن مسلم بن إبراهيم، كلاهما عن هشام، عن يحيى. . . . إلى آخره نحوه. الثاني: عن أحمد بن داود المكي، عن عبد الرحمن بن عبد الوهاب العمي البصري، عن وكيع بن الجراح، عن علي بن المبارك الهنائي، عن يحيى بن أبي كثير. . . . إلى آخره. وأخرجه مسلم (٢): عن خالد بن الحارث، عن هشام، عن يحيى نحوه. والنسائي (٣) عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن هشام، عن يحيى نحوه. الثالث: عن محمد بن عبد الله بن ميمون الإسكندراني شيخ أبي داود، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى. . . . إلى آخره. وأخرجه ابن ماجه (٤): عن دحيم، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن

стр. 8655

يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "لا تنكح الثيب حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن وإذنها الصموت". الرابع: عن محمد بن الحجاج الحضرمي وربيع بن سليمان المؤذن كلاهما، عن بشر بن بكر التنيسي، عن الأوزاعي، عن يحيى. وأخرجه الترمذي (١): عن إسحاق بن منصور، عن محمد بن يوسف، عن الأوزاعي، عن يحيى. . . . إلى آخره. ص: فقد جمع في ذلك بين سائر الأولياء ولم يجعل للأب في ذلك حكمًا زائدًا على حكم من سواه منهم، فدل أن المعنى الذي ذكرناه في حديث أبي هريرة الذي رويناه عن محمد بن عمرو في أول هذا الباب كما ذكرنا؛ ليوافق معناه معنى هذا الحديث ولا يضاده، ولئن كان هذا الأمر يؤخذ من طريق فضل بعض الرواة على بعض في الحفظ والإتقان والجلالة، فإن يحيى بن أبي كثير أجل من محمد بن عمرو وأتقن وأحج، لقد فضله أيوب السختياني على أهل زمان ذكره فيه. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا موسى بن إسماعيل المنقري، قال: ثنا وهيب بن خالد، قال: سمعت أيوب يقول: "ما بقي على وجه الأرض مثل يحيى بن أبي كثير". وليس محمد بن عمرو عندهم في هذه المرتبة ولا قريب منها، بل قد تكلم فيه جماعة منهم مالك، فروي عنه ما حدثني أحمد بن داود، قال: ثنا سليمان بن داود المنقري، قال: ثنا عبد الرحمن بن عثمان البكراوي، قال: كنت عند مالك بن أنس فَذُكِرَ عنده محمد بن عمرو، فقال: حمّلوه -يعني الحديث- فتحمل. ش: أي فقد جمع هذا الحديث في الحكم المذكور بين سائر الأولياء؛ لأن اللفظ عام شامل للكل.

стр. 8656

قوله: " فدل أن المعنى الذي ذكرناه في حديث أبي هريرة" أشار به إلى وجه التوفيق بين حديثي أبي هريرة: أحدهما: ما رواه محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. والآخر: ما رواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. قوله: "ولئن كان هذا الأمر" أي الاستدلال بالأحاديث، والباقي ظاهر. ص: وأما عدي الكندي فروي عنه في ذلك عن النبي ﵇ ما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: حدثني الليث بن سعد، عن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي حسين، عن عدي بن عدي الكندي، عن أبيه عدي، عن رسول الله ﵇ قال: "الثيب تعرب عن نفسها، والبكر رضاها صمتها". حدثنا بحر، عن شعيب، عن الليث. . . بإسناده نحوه. حدثنا يحيى بن عثمان، قال: ثنا عمرو بن الربيع بن طارق، قال: ثنا يحيى بن أيوب، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن عدي بن عدي، عن أبيه، عن العُرس وهو ابن عميرة، وكان من أصحاب رسول الله ﵇، عن رسول الله ﵇، مثله. فهذا كنحو ما روى يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇. فهذا تصحيح الآثار في هذا الباب، فدل أن أب البكر لا يزوجها بعد بلوغها إلا كما يزوجها سائر أوليائها بعده، وقد قدمنا من ذكر النظر في ذلك في أول هذا الباب ما يغنينا عن إعادته هاهنا، فبذلك كله نأخذ -أي لا يزوج أب البكر ابنته البكر البالغ إلا بعد استئماره إياها في ذلك، وعند صماتها عند ذلك الاستئمار، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: عدي هو ابن عميرة الكندي أبو زرارة له صحبة.

стр. 8657

وأخرج حديثه من ثلاث طرق: الأولان: عن نفسه عن النبي ﵇. والثالث: عنه عن أخيه العرس بن عميرة الكندي وهو أيضًا صحابي. أما الأول: فأخرجه (١). بإسناد فيه عبد الله بن لهيعة، وفيه مقال، وإبراهيم بن نعيم بن عبد الله النحام وثقه ابن حبان، وأبوه نعيم بن عبد الله النحام القرشي العدوي الصحابي، والنَّحَّام -بفتح النون وتشديد الحاء المهملة- لقب عبد الله، وإنما سمي به لأن النبي ﵇ قال: "دخلت الجنة فسمعت نحمة من نعيم" والنحمة السعلة وقيل: النحنحة الممدود آخرها، فبقى عليه. قوله: "لأترب لحمى" من ترب الشئ إذا لطخه بالتراب. قوله: "مكان هوى أمها" أي ميلها. ص: قيل لهم: لو كان هذا الحديث صحيحا ثابتا على ما روينا، وكيف يكون ذلك كذلك وقد رواه الليث بن سعد فخالف عبد الله بن لهيعة في إسناده ومتنه. حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن إبراهيم بن صالح بن عبد الله -واسمه الذي يعرف به: نعيم النحام، ولكن سماه رسول الله ﵇ صالحًا- أنه أخبره أن عبد الله بن عمر قال لعمر بن الخطاب ﵁: "اخطب عليَّ ابنة صالح، فقال له: إن له يتامى ولم يكن ليؤثرنا عليهم، فانطلق عبد الله إلى عمه زيد بن الخطاب ﵁ ليخطب عليه، فانطلق زيد إلى صالح فقال: إن عبد الله بن عمر أرسلني إليك يخطب ابنتك، فقال: لي يتامى ولم أكن لأترب لحمي وأرفع لحمكم، إني أشهدك أني قد أنكحتها فلانا، وكان هوى أمها في عبد الله بن

стр. 8658

عمر، فأتت رسول الله ﵇: يا نبي الله، خطب عبد الله بن عمر ابنتي فأنكحها أبوها يتيمًا لي في حجره ولم يؤامرها، فأرسل رسول الله ﵇ إلى صالح فقال: أنكحت ابنتك ولم تؤامرها؟ فقال: نعم، فقال رسول الله ﵇: أشيروا على النساء في أنفسهن وهن بكر، فقال: إنما فعلت هذا لما يصدقها ابن عمر؛ فإن لها في مالي مثل ما أعطاها". ففي هذا الحديث خلاف ما في الحديث الأول من الإسناد ومن المتن جميعًا؛ لأن هذا الحديث إنما هو موقوف على إبراهيم بن صالح، والأول قد جوز به إبراهيم بن صالح إلى أبيه وإلى ابن عمر، فقد كان ينبغي على مذهب هذا لمخالف لنا أن يجعل ما رواه الليث بن سعد في هذا أولى مما روى عبد الله بن لهيعة لتثبت الليث وضبطه، وقلة تخليط حديثه ولما في حديث عبد الله بن لهيعة من ضد ذلك. وأما ما في متن هذا الحديث مما يخالف حديث عبد الله بن لهيعة: فإن فيه أن رسول الله ﵇ قال لنعيم لما بلغه ما عقد على ابنته من النكاح بغير رضاها: "أشيروا على النساء في أنفسهن" فكان بذلك رادًّا على نعيم؛ لأن نعيما لم يشاور ابنته في نفسها؛ فهذا خلاف ما في حديث عبد الله بن لهيعة. ش: أي قيل لهولاء القوم، وأراد به الجواب عن الحديث المذكور، وهو في الحقيقة على وجهين: الأول: بطريق المنع، وهو أن يقال: هذا الحديث في سنده عبد الله بن لهيعة، وهو ضعيف عندكم، فحديثه ليس بصحيح، فلا يتم به استدلالكم. الثاني: على طريق التسليم، وهو أن يقال: قد روى هذا الحديث من هو أضبط وأثبت وأقوى من ابن لهيعة فخالفه في متنه وإسناده، وهو الليث بن سعد. أخرجه عن الربيع بن سليمان صاحب الشافعي، عن شعيب بن الليث، عن أبيه

стр. 8659

الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن إبراهيم بن صالح بن عبد الله، وصالح بن عبد الله هذا هو نعيم بن عبد الله النحام المذكور، وكان اسمه نعيمًا فسماه النبي ﵇ صالحًا ولكن شهرته بنعيم النحام، أنه أخبره، أن عبد الله بن عمر. . . . إلى آخره، وبقية الكلام ظاهرة لا تخفى. وأخرج البيهقي (١): من حديث محمد بن راشد، عن مكحول، عن سلمة بن أبي سلمة، عن أبيه: "أن ابن عمر ﵄ خطب إلى نعيم بن النحام ابنته وهي بكر، فقال له نعيم: إن في حجري يتيمًا لي لست مؤثرًا عليه أحدًا فانطلقت أم الجارية امرأة نعيم إلى رسول الله ﵇، فقالت: إن ابن عمر خطب ابنتي، وإن نعيمًا رده، وأراد أن ينكحها يتيمًا له، فأرسل إلى نعيم فقال له النبي ﵇: ارضها وارض بنتها". قال البيهقي (٢): ورويناه، عن عروة، عن ابن عمر. قال الشافعي: لم يختلف الناس أنه ليس لأمها أمر، لكن على معنى استطابة النفس. قلت: هذا كلام عدل به عن حقيقته بلا دليل، فلا يسمع. قوله: "والأول قد جوز به إبراهيم بن صالح" أراد أنه عَدَّى الحديث عنه إلى أبيه وإلى ابن عمر، فكان مرفوعًا. ص: فإن قال قائل: فليس في هذا الحديث أن النبي ﵇ فسخ النكاح. قيل له: ذلك عندنا والله أعلم لأن ابنة نعيم لم تحضر إلى النبي ﵇ فتسأله ذلك، وإنما كان الذي حضر أمها لا عن توكيل منها إياها بذلك، حتى كانت عند النبي ﵇ يجب لها به الكلام عنها، فكان من رسول الله ﵇ ما كان من الكلام لنعيم على جهة التعليم، فلم يفسخ النكاح إذ كان ذلك من جهة القضاء، وإن كان القضاء لا يجب إلا لحاضر، باتفاق المسلمين جميعًا.

стр. 8660

ولقد روى الوليد بن مسلم، عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رجلًا زوج ابنته وهي بكر وهي كارهة، فرد النبي ﵇ نكاحه عنها". فكيف يجوز أن يحمل حديث نعيم النحام على ما رواه عبد الله بن لهيعة، إذ كان قد رده إلى عبد الله بن عمر، وهذا نافع فقد روى عن ابن عمر خلاف ذلك. ش: تقرير السؤال أن يقال: كيف تستدلون بحديث الليث بن سعد المذكور على ما ذهبتم إليه؟ وليس فيه أنه ﵇ فسخ النكاح، ولو كان الأمر كما قلتم لكان ﵇ فسخ النكاح. والجواب عنه ما ذكره بقوله: "قيل له. . . . إلى آخره"، وهو ظاهر. قوله: "ولقد روى الوليد بن مسلم. . . . إلى آخره" ذكره تأييدًا لفساد حديث عبد الله بن لهيعة. أخرجه معلقًا عن الوليد بن مسلم القرشي الدمشقي، عن محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄. وأخرجه الدارقطني (١): حدثني عمر بن محمد بن القاسم الأصبهاني، ثنا محمد بن أحمد بن راشد، ثنا موسى بن عامر، ثنا الوليد، قال: قال ابن أبي ذئب: أخبرني نافع، عن ابن عمر: "أن رجلًا زوج ابنته بكرًا فكرهت ذلك، فأتت النبي ﵇ فرد نكاحها، وقال الدارقطني: لا يثبت هذا عن ابن أبي ذئب، عن نافع. والصواب: حديث ابن أبي ذئب، عن عمر بن حسين، عن نافع، عن ابن عمر. وقال (٢): ثنا أبو محمد بن صاعد، ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري، وأحمد بن الفرج بن سليمان أبو عتبة الحمصي، قالا: ثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، ثنا ابن أبي ذئب، عن عمر بن حسين، عن نافع، عن

стр. 8661

عبد الله بن عمر: "أنه تزوج بنت خاله عثمان بن مظعون، قال: فذهبت أمها إلى رسول الله ﵇، وقالت: إن ابنتي تكره ذاك، فأمره النبي ﵇ أن يفارقها ففارقها، وقال: لا تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن، فإذا سكتن فهو إذنها، فتزوجها عبد الله بن المغيرة بن شعبة". ص: ثم قد وجدنا حديثًا قد روي في أمر ابنة نعيم النحام يدل على أنها كانت أيمًا: حدثنا القاسم بن عبد الله بن مهدي، قال: ثنا أبو مصعب الزهري، قال: أنا حاتم بن إسماعيل، عن الضحاك بن عثمان، عن يحيى بن عروة، عن أبيه: "أن عبد الله بن عمر أتى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إني خطبت ابنة نعيم النحام، وأريد أن تمشي معي فتكمله لي، فقال عمر ﵁: إني أعلم بنعيم منك، إن عنده ابن أخ له يتيمًا، ولم يكن لينقض لحوم الناس وَيُترِّب لحمه، فقال: إن أمها قد خطبت إليّ، فقال عمر ﵁: إن كنت فاعلًا فاذهب بعمك زيد بن الخطاب، قال: فذهبا إليه فكلماه، قال: فكأنما سمع مقالة عمر ﵁، فقال: برضائك وأهلًا، وذكر من منزلته وشرفه، ثم قال: إن عندي ابن أخ لي يتيمًا، ولم أكن لأنفض لحوم الناس وأترِّب لحمي. قال: فقالت أمها من ناحية البيت: والله لا يكون هذا حتى يقضي به علينا رسول الله ﵇ أتحبس أيمًا بني عدي على ابن أخيك سفيه، قال: أو ضعيف، قال: ثم خرجت حتى أتت رسول الله ﵇ فأخبرته الخبر، فدعا نعيمًا فقص عليه كما قال لعبد الله بن عمر، فقال رسول الله ﵇ لنعيم: صل رحمك وارض أيمك وأمها؛ فإن لهما من أمرهما نصيبًا". ففي هذا الحديث أن ابنة نعيم النحام كانت أيمًا؛ لذلك أبعد أن يكون رسول الله ﵇ أجاز نكاح أبيها عليها وهي كارهة. ش: أخرجه بإسناد صحيح، عن القاسم بن عبد الله بن مهدي بن يونس

стр. 8662

الأنصاري المصري، عن أبي مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري قاضي مدينة الرسول ﵇ وشيخ الجماعة سوى النسائي، عن حاتم بن إسماعيل المدني، عن الضحاك بن عثمان بن عبد الله الأسدي الحزامي المدني الكبير، عن يحيى بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب. وأخرجه البيهقي (١): من حديث عروة، عن ابن عمر، نحوه، والله أعلم.

стр. 8663

ص: باب المقدار الذي يحرم على مالكيه أخذ الصدقة ش: أي هذا باب في بيان مقدار المال الذي يملكه الرجل فيحرم عليه أخذ الصدقة. ص: حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا أيوب بن سويد، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدثني ربيعة بن يزيد، عن أبي كبشة السلولي، قال: حدثني سهل بن الحنظلية، قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "من سأل الناس عن ظهر غنى فإنما يستكثر من جمر جهنم". قلت: يا رسول الله وما ظهر غنى؟ قال: أن يعلم أن عند أهله ما يغديهم أو ما يعشيهم". حدثنا الربيع المرادي، قال: ثنا بشر بن بكر، قال: حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر. . . . ثم ذكر مثله بإسناده. ش: هذان طريقان: الأول: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن أيوب بن سويد أبي مسعود الحميري السسيباني -بالسين المهملة- قال أحمد: ضعيف. وقال يحيى: ليس بشيء يسرق الأحاديث. وقال النسائي: ليس بثقة. يروي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي الشامي الدمشقي روى له الجماعة، عن ربيعة بن يزيد الدمشقي روى له الجماعة، عن أبي كبشة السلولي الشامي، وثقه العجلي، وقال: تابعي شامي ثقة. وقال أبو حاتم: لا أعلم أنه سُمي. روى له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. يروي عن سهل بن عمرو الأنصاري، والحنظلية أمه، وقيل: أم أبيه، وقيل: أم جده، واسمها أم إياس بنت أبان.

стр. 8664

وأخرجه أبو داود (١) بأتم منه: ثنا عبد الله بن محمد النفيلي، ثنا مسكين، نا محمد بن المهاجر، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي كبشة السلولي، نا سهل بن الحنظلية، قال: "قدم علي رسول الله عليه وسلم عيينة بن حصن والأقرع بن حابس فسألاه، فأمر لهما بما سألاه فأمر معاوية فكتب لهما بما سألاه، فأما الأقرع فأخذ كتابه فلفه في عمامته وانطلق، وأما عيينة فأخذ كتابه وأتى النبي ﵇ مكانه، فقال: يا محمد أتراني حاملًا إلى قومي كتابًا لا أدري ما فيه كصحيفة المتلمس؟ فأخبر معاوية بقوله رسول الله ﵇، فقال رسول الله ﵇: من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار -وقال النفيلي في موضع آخر- من جمر جهنم، فقالوا: يا رسول الله وما يغنيه؟ -وقال النفيلي في موضع آخر وما الغنى الذي لا ينبغي معه المسألة؟ - قال: قدر ما يغديه ويعشيه، -وقال النفيلي في موضع آخر- أن يكون له شبع يوم وليلة أو ليلة ويوم". الثاني: عن الربيع بن سليمان المؤذن المرادي المصري صاحب الشافعي، عن بشر بن بكر التنيسي، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الدمشقي، عن ربيعة بن يزيد. . . . إلى آخره. وأخرجه الطبراني (٢): عن يحيى بن عبد الباقي المصيصي، عن محمد بن مصفى، عن عمر بن عبد الواحد، عن ابن جابر، عن ربيعة بن يزيد قال: "قدم أبو كبشة السلولي دمشق فسأله عبد الله بن عامر اليحصبي: ما الذي أقدمك، لعلك أردت أن تسأل أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان؟ قال: والله لا أسأل أحدًا شيئًا، بعد الذي حدثني سهل بن الحنظلية، قال: كنت عند رسول الله ﵇. . . ." الحديث بطوله، وفيه: "من سأل الناس عن ظهر غنى فإنما يستكثر من جمر جهنم. فقلت: يا رسول الله، وما ظهر الغنى؟ قال: أن يعلم أن عند أهله ما يغديهم أو يعشيهم".

стр. 8665

ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن من ملك هذا المقدار حرمت عليه الصدقة ولم تحل له المسألة، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. ش: أراد بالقوم هؤلاء: جماعة من أهل الحديث منهم أحمد بن حنبل، روى عنه ذلك أبو عمر، وقال: ومِنْ أحسن ما رأيت من مذهب أهل الورع ما حكاه الأثرم عن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- يُسأل عن المسألة متى تحل؟ قال: إذا لم يكن عنده ما يغديه ويعشيه، على حديث سهل بن الحنظلية، قيل له: فإن اضطر إلى المسألة؟ قال: هي مباحة له إذا اضطر، قيل له: فإن تعفف؟ قال: ذلك خير له، ثم قال: لا أظن أحدًا يموت من الجوع، الله يأتيه برزقه. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: من ملك أوقية من الورق وهي أربعون درهمًا أو عدلها من الذهب حرمت عليه الصدقة ولم تحل له المسألة، ومن ملك ما دون ذلك لم تحرم عليه الصدقة. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم الحسن البصري، وأبا عبيد ومالكًا في رواية الوليد عنه، فإنهم قالوا: من ملك أربعين درهمًا أو ما يساويها من الذهب حَرُمت عليه الصدقة، وهو معنى قوله: "أو عدلها من الذهب" بفتح العين وبكسرها بمعنى المثل، وقيل: هو بالفتح ما عادله من جنسه، وبالكسر ما ليس من جنسه، وقيل بالعكس. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد قال: "أتيت رسول الله ﵇ فسمعته يقول لرجل يسأله: من سأل منكم وعنده أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافًا، والأوقية يومئذ أربعون درهمًا". وبما حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا مالك. . . . فذكر بإسناده مثله.

стр. 8666

وبما حدثنا يزيد، قال: ثنا محمد بن كثير، قال: ثنا سفيان الثوري، عن زيد بن أسلم. . . . ثم ذكر بإسناده مثله. ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث الرجل الأسدي. أخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد. وأخرجه مالك في "موطإه" (١) بأتم منه: عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد قال: "نزلت أنا وأهلي ببقيع الغرقد، فقال لي أهلي: اذهب إلى رسول الله ﵇ فسله لنا شيئًا نأكله، وجعلوا يذكرون من حاجتهم، فذهبت إلى رسول الله ﵇ فوجدت عنده رجلًا يسأله ورسول الله ﵇ يقول: لا أجد ما أعطيك، فتولّى الرجل وهو مغضب، وهو يقول: لعمري إنك لتعطي من شئت، فقال رسول الله ﵇: إنه ليغضب عليّ أني لا أجد ما أعطيه؟! من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافًا، فقال الأسدي: للقحتنا خير من أوقية، قال: والأوقية أربعون درهمًا، قال: فرجعت ولم أسأله، فقدم على رسول الله ﵇ بعد ذلك بشعير وزيت، فقسم لنا منه حتى أغنانا الله". الثاني: عن يزيد بن سنان القزاز، عن بشر بن عمر الزهراني، عن مالك. وأخرجه أبو داود (٢): عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن زيد بن أسلم. . . . إلى آخره نحوه. الثالث: عن يزيد أيضًا، عن محمد بن كثير العبدي شيخ البخاري وأبي داود، عن سفيان الثوري، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد.

стр. 8667

وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد قال: قال رسول الله ﷺ : "من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافًا". قوله: "وعنده أوقية" قد مر الكلام فيه مستوفى في كتاب الزكاة، وقال أبو عمر: الأوقية إذا أطلقت فإنما يراد بها الفضة دون الذهب وغيره، هذا قول العلماء، والأوقية أربعون درهمًا وهي بدراهمنا اليوم ستون درهمًا أو نحوها. قوله: "أو عدلها" يريد قيمتها، يقال: هذا عَدْل الشيء، أي: ما يساويه في القيمة، وهذا عِدْله -بكسر العين- أي: نظيره ومثله في الصورة والهيئة. قوله: "إلحافًا" من ألحف في المسألة: إذا بالغ فيها وألح، يقال: ألح وألحف، وقيل: ألحف شمل بالمسألة، ومنه اشتق اللحاف. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: من ملك خمسين درهمًا أو عدلها من الذهب حرمت عليه الصدقة، ولم تحل له المسألة، ومن ملك ما دون ذلك لم تحرم عليه الصدقة. ش: أي خالف الفريقين المذكورين جماعة آخرون فيما ذهبوا إليه، وأراد بهم: إبراهيم النخعي وسفيان الثوري والحسن بن حي وعبد الله بن المبارك ومالكًا في رواية وأحمد في الأصح والشافعي في قول وإسحاق؛ فإنهم قالوا: تحرم الصدقة على من يملك خمسين درهمًا أو عدلها من الذهب. وقال ابن قدامة: قال مالك والشافعي: لا حَدَّ للغنى معلومًا، وإنما يعتبر حال الإنسان بوسعه وطاقته، فإذا لم يكن محتاجًا حرمت عليه الصدقة، وهو اختيار أبي الخطاب من أصحابنا، وعن أحمد مثله. وقال أبو عمر: قال الشافعي: يعطى الرجل على قدر حاجته حتى يخرجه ذلك من حد الفقر إلى حد الغنى، كان ذلك يجب فيه الزكاة أو لا، ولا أحدُّ

стр. 8668

لذلك حدًّا. ذكره المزني والربيع عنه ولا خلاف عنه في ذلك، وكان الشافعي يقول أيضًا: قد يكون الرجل بالدرهم غنيًّا مع كسبه، ولا غنية الألف مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا الفريابي. وحدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، قالا: ثنا سفيان الثوري، عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يسأل عبد مسألة وله ما يغنيه إلا جاءت شيئًا أو كدوحًا أو خدوشًا في وجهه يوم القيامة. قيل: يا رسول الله، وما غناه؟ قال: خمسون درهمًا أو حسابها من الذهب". حدثنا أحمد بن خالد البغدادي، قال: ثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا يحيى بن آدم، قال: ثنا سفيان الثوري. . . . فذكر بإسناده مثله غير أنه قال: "كدوحًا في وجهه" ولم يشك، وزاد: فقيل لسفيان: لو كان غير حكيم؟ فقال: حدثنا زبيد، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد. ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن مسعود ﵁. وأخرجه من ثلاث طرق: الأول: عن حسين بن نصر، عن محمد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، عن محمد بن عبد الرحمن ابن يزيد النخعي الكوفي، عن أبيه عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي، عن عبد الله بن مسعود ﵁. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا وكيع، نا سفيان، عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 8669

"من سأل وله ما يغنيه جاءت يوم القيامة خدوشًا أو كدوحًا في وجهه، قالوا: يا رسول الله وما غناه؟ قال: خمسون درهمًا أو حسابها من الذهب". الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن سفيان الثوري. . . . إلى آخره. وأخرجه الدارمي في "مسنده" (١): أنا أبو عاصم ومحمد بن يوسف، عن سفيان، عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله، عن النبي ﵇. . . . بنحوه. الثالث: عن أحمد بن خالد البغدادي، عن أبي هشام محمد بن يزيد بن محمد ابن كثير الرفاعي شيخ مسلم والترمذي وابن ماجه، عن يحيى بن آدم بن سليمان القرشي الكوفي، عن سفيان الثوري. . . . إلى آخره. وأخرجه الأربعة من هذا الطريق: فقال أبو داود (٢): حدثنا الحسن بن علي، ثنا يحيى بن آدم، ثنا سفيان عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﵇: "من سأل وله ما يغنيه جاءت يوم القيامة خموش أو كدوح أو خدوش في وجهه، فقيل: يا رسول الله وما الغنى؟ قال: خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب". قال يحيى: فقال عبد الله بن عثمان لسفيان: حفظي أن شعبة لا يروي عن حكيم بن جبير، فقال سفيان: حدثناه زبيد عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد. وقال الترمذي (٣): ثنا محمود بن غيلان، قال: ثنا يحيى بن آدم. . . . إلى آخره نحوه.

стр. 8670

وقال النسائي (١): أنا أحمد بن سليمان، قال: ثنا يحيى بن آدم. . . . إلى آخره نحوه. وقال ابن ماجه (٢): حدثنا الحسن بن علي الخلال، قال: ثنا يحيى بن آدم. . . . إلى آخره. فإن قيل: ما حال هذا الحديث؟ قلت: قال الترمذي: حديث ابن مسعود حديث حسن، وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث. وقال ابن حزم: حكيم بن جبير ساقط، ولم يسنده زبيد، ولا حجة في مرسل. وقال الخطابي: ضعفوا هذا الحديث للعلة التي ذكرها يحيى بن آدم، قالوا: أما ما رواه سفيان فليس فيه بيان أنه أسنده، وإنما قال فيه: فقد حدثناه زبيد عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد حسب، قال أحمد: فكأنه أرسله أو كره أن يحدث به. وقال النسائي: لا نعلم أحدًا قال في هذا الحديث: زبيد، عن يحيى بن آدم، ولا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم بن جبير، وحكيم ضعيف، وسئل شعبة عن حديث حكيم فقال: أخاف النار، وقد كان روى عنه قديما، وسئل يحيى بن معين، هل يرويه أحد غير حكيم؟ فقال: نعم يرويه يحيى بن آدم، عن سفيان، عن زبيد، ولا أعلم أحدًا يرويه إلا يحيى بن آدم، وهذا وهم لو كان كذا لحدث الناس به جميعًا عن سفيان، ولكنه منكر. قوله: "إلا جاءت شينًا" الضمير في جاءت يرجع إلى المسألة، وقوله "شينًا" نصب على الحال، و"الشَّيْن" بفتح الشين المعجمة، خلاف الزيْن. قوله: "أو كُدوحًا" عطف عليه، وهو بضم الكاف بمعنى الخدوش، وكل أثر من خدش أو عضٍّ فهو كدح، ويجوز أن يكون الكدوح مصدرًا سُمِّي به الأثر القبيح في الوجه، وأن يكون جمع كدح.

стр. 8671

و"الخدوش" من خدشت المرأة وجهها إذا خمشتها بظفر أو حديد، وهو أيضًا إما مصدر أو جمع خدش. قوله: "فقيل لسفيان" قد فسر هذا القائل في رواية أبي داود: أنه عبد الله بن عثمان بن خثيم القاري. قوله: "حدثناه زُبيد" بضم الزاي وفتح الباء الموحدة، وسكون الياء آخر الحروف، وهو زبيد بن الحارث الكوفي الأيامي روى له الجماعة. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: من ملك مائتي درهم، حرمت عليه المسألة، ومن ملك دونها لم تحرم عليه المسألة، ولم تحرم عليه الصدقة أيضًا. ش: أي خالف الفرق الثلاثة المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عبد الله بن شبرمة وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا؛ فإنهم قالوا: يحرم السؤال على من ملك نصابًا من ذهب أو فضة، وإذا ملك أقل من ذلك لا يحرم عليه السؤال ولا الصدقة عليه أيضًا. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا عبد الحميد بن جعفر، قال: حدثني أبي، عن رجل من مزينة: "أنه أتى أمه فقالت: يا بني لو ذهبت إلى رسول الله ﵇ فسألته، قال: فجئت إلى النبي ﵇ وهو قائم يخطب الناس، وهو يقول: من استغنى أغناه الله، ومن استعف أعفه الله، ومن سأل الناس وله عدل خمس أواق سأل إلحافًا". ش: أي واحتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث الرجل المزني. أخرجه بإسناد صحيح: عن يزيد بن سنان القزاز، عن أبي بكر الحنفي واسمه عبد الكبير بن عبد المجيد روى له الجماعة، عن عبد الحميد بن جعفر الأنصاري الأوسي روى له الجماعة، البخاري مستشهدًا، عن أبيه جعفر بن عبد الله بن الحكم بن شيبان بن رافع الأنصاري الأوسي المدني روى له الجماعة عن رجل من مزينة ﵁.

стр. 8672

وجه الاستدلال به: أنه يخبر أن السؤال إنما يحرم إذا كان عنده عدل خمس أواق -أي قيمة خمس أواق- يريد ما يساوي خمس أواق في القيمة، وقد قلنا: إن الأوقية إذا أطلقت فالمراد بها أن تكون من الفضة، والأوقية أربعون درهمًا، فخمس أواق تكون مائتي درهم. ص: فلما اختلفوا في ذلك وجب الكشف عما اختلفوا فيه؛ لنستخرج من هذه الأقوال قولًا صحيحًا، فرأينا الصدقة لا تخلو من أحد وجهين: إما أن تكون حرامًا لا يحل منها إلا ما يحل من الأشياء المحرمات عند الضرورة إليها، أو تكون تحل إلى أن يملك مقدارًا من المال الحرام فتحرم على مالكه، فرأينا من ملك دون ما يغديه أو دون ما يعشيه كانت الصدقة له حلالًا باتفاق الفرق كلها، فخرج بذلك حكمها من حكم الأشياء المحرمات التي تحل عند الضرورة، ألا ترى أن من اضطر إلى الميتة أي الذي يحل له منها هو ما يمسك به نفسه لا ما يشبعه، حتى تكون له غداء أو حتى تكون له عشاء، فلما كان الذي يحل له من الصدقة هو بخلاف ما يحل من الميتة عند الضرورة، ثبت أنها إنما تحرم على مالك مقدار، فأردنا أن ننظر في ذلك المقدار ما هو؟ فرأينا من ملك دون ما يغدي أو دون ما يعشي لم يكن بذلك غنيًّا وكذلك من ملك أربعون درهمًا أو خمسين درهمًا أو ما هو دون مائتي درهم، فإذا ملك مائتي درهم كان بذلك غنيًّا؛ لأن رسول الله ﵇ قال لمعاذ بن جبل ﵁ في الزكاة: "خذها من أغنيائهم واجعلها في فقرائهم" فعقلنا بذلك أن مالك المائتين غني، وأن مالك ما دونها غير غني، فثبت بذلك أن الصدقة حرام على مالك المائتي درهم فصاعدًا، وأنها حلال لمن يملك ما دون ذلك، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي فلما اختلف أصحاب هذه المقالات الأربع في الحكم المذكور، وجب الكشف عن جهة اختلافهم فيه حتى يستخرج من أقوالهم القول الصحيح الذي يُعتمد عليه، وبين ذلك بقوله: "فرأينا الصدقة. . . . إلى آخره" وكل ذلك ظاهر،

стр. 8673

غير أن ابن حزم اعترض فيه بشيء لا يَرِد أصلًا، وملخص ما قاله: أن لا حجة لهم فيما ذكروا من وجوه: الأول: أنهم يقولون بالزكاة على من له خمس من الإبل أو أربعون شاة، فمن أين وقع لهم أن يجعلوا حد الغنى بمائتي درهم دون خمس من الإبل أو دون أربعين شاة؟!. الثاني: أنه يلزمهم أن من له الدور العظيمة والجوهر ولا يملك مائتي درهم أن يكون فقيرًا يحل له أخذ الصدقة. الثالث: أنه ليس في قوله ﵇: "تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم" دليل ولا نص بأن الزكاة لا تؤخذ إلا من غني ولا ترد إلا على فقير، وإنما فيه أنها تؤخذ من الأغنياء وترد إلى الفقراء فقط، وتؤخذ أيضًا بنصوص أخر من المساكين الذين ليسوا أغنياء، وترد على أغنياء كثيرين كالعامل، والغارمين، والمؤلفة قلوبهم، وفي سبيل الله، وفي ابن السبيل وإن كان غنيًّا في بلده؛ فهذه خمس طبقات أغنياء لهم حَقٌّ في الصدقة، وتؤخذ الصدقة من المسكين الذي ليس له إلا خمس من الإبل وله عشرة من العيال، وممن لم يصب إلا خمسة أوسق لعلها لا تساوي خمسين درهمًا، وله عشرة من العيال في عام سنة. قلت: هذه كلها تخاليط صادرة عن غير تروٍّ: الأول: أن قولهم: إن مالك المائتي درهم هو غني، ليس المراد منه أن يملك عين المائتين حتى يعد غنيًّا، بل الغني هو الذي يملك مائتي درهم أو ما يساوي مائتي درهم؛ فإنه يصير بذلك غنيًّا فتحرم عليه الصدقة، ألا ترى إلى ما قال في الحديث: "وله عدل خمس أواق" أي وله ما يساوي مائتي درهم، ومن ملك خمس من الإبل السائمة وأربعين شاة يصير غنيًّا فتحرم عليه الصدقة وتجب عليه الزكاة. الثاني: أن من له الدور العظيمة إذا لم يملك مائتي درهم وكان محتاجًا إلى المسكن في دوره لا يصير به غنيًّا، فيجوز له أخذ الصدقة وقد روي عن الحسن أنه قال: "يعطى من الصدقة الواجبة من له الدار والخدم إذا كان

стр. 8674

محتاجًا". وعن إبراهيم نحو ذلك، وعن سعيد بن جبير: "يعطى منها من له الفرس والدار والخدم". وعن مقاتل بن حيان: "يعطى منها من له العطاء في الديوان وله فرس". وهذا كله إذا كانت هذه الأشياء صاحبها محتاجًا إليها، حتى إذا كان غنى عنها فاضلًا عن حاجته الأصلية، وكان يساوي مائتي درهم يعد بذلك غنيًّا، فتحرم عليه الصدقة حينئذ، وأما الجوهر فلا يشبه هذه الأشياء؛ لأنه أعز الأموال وأنفسها، وليس هو من الحوج الأصلية، فصاحبه يعد غنيًّا إذا كان يساوي نصابًا. والثالث: تخليط أعظم من الأولين؛ وذلك لأن الذين عندهم أغنياء كالعامل ونحوه، ثم قال: تصرف إليهم الزكاة وهم أغنياء فليس كذلك. أما العامل فلأنه لا تصرف إليه الزكاة لكونه فقيرًا بل لأجل عمله حتى لا تصرف إليه إلا مقدار عمله، فيصير هذا في نفس الأمر جعالة إلا إذا كان العامل فقيرًا، فحيئنذ تصرف إليه أكثر من عمله. وأما الغارم فهو المديون المستغرق وهو فقير بل أشد الفقراء. وأما المؤلفة قلوبهم فقد سقطوا عن الزكاة، وأما الذي في سبيل الله فهو إما منقطع الحاج، أو منقطع الغزاة، وكل منهما في ذلك الوقت فقيرًا محتاجًا. وأما ابن السبيل، فإنه فقير بلا شك، وإن كان غنيًّا بالنسبة إلى ماله الغائب عنه. وأما الذين عندهم فقراء ثم قال: تؤخذ منهم الزكاة فليس كذلك؛ لأن من له خمس من الإبل السائمة أو خمسة أوسق تجب عليه الزكاة، فكيف يكون فقيرًا؟! والفقير من لا شيء له أو من له أدنى شيء؟ وهذا معه نصاب شرعي، فكيف يعد فقيرًا؟ ولو كان عنده عائلة مستكثرة، ألا ترى أنه لا تسقط عنه الزكاة لكثرة عياله؛ فافهم.

стр. 8675

ص: باب فرض الزكاة في الإبل السائمة فيما زاد على عشرين ومائة ش: أي هذا باب في بيان فرض الزكاة في الإبل السائمة إذا زادت على مائة وعشرين، وهذا آخر أبواب الزيادات التي ألحقها بالكتاب، وبه نختم الكتاب إن شاء الله تعالى. ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا حبيب بن أبي حبيب، قال: ثنا عمرو بن مرة، قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، قال: "لما استُخلف عمر بن عبد العزيز ﵁ أرسل إلى المدينة يلتمس كتاب رسول الله ﵇ في الصدقات، وكتاب عمر ﵁، فوجد عند آل عمرو بن حزم كتاب رسول الله ﵇ إلى عمرو بن حزم في الصدقات، ووجد عند آل عمر ﵁ في الصدقات مثل كتاب رسول الله ﵇ فنسخا، فحدثني عمرو أنه طلب محمَّد بن عبد الرحمن أن ينسخ ما في ذينك الكتابين، فنسخ له ما في هذا الكتاب، فقال مما في ذلك الكتاب: إن الإبل إذا زادت على تسعين واحدة ففيها حقتان طروقتا الفحل إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فإذا بلغت عشرين ومائة فليس فيما زاد فيها دون العشر شيء، فإذا بلغت ثلاثين ومائة فيها بنتا لبون وحقة إلى أن تبلغ أربعين ومائة، فإذا كانت أربعين ومائة ففيها حُقَّتان وابنة لبون إلى أن تبلغ خمسين ومائة، فإذا كانت خمسين ومائة ففيها ثلاث حقاق، ثم أجرى الفرض كذلك حتى تبلغ ثلاث مائة، فإذا بلغت ثلاثمائة ففيها من كل خمسين حقة، ومن كل أربعين ابنة لبون". ش: إسناده صحيح ورجاله ثقات. وحبيب بن أبي حبيب الجرمي البصري صاحب الأنماط، وإن كان تُكلم فيه فقد أخرج له مسلم في "صحيحه". وعمرو بن حزم الأزدي البصري من رجال مسلم أيضًا.

стр. 8676

ومحمد بن عبد الرحمن بن حارثة بن النعمان الأنصاري أبو الرجال روى له الجماعة (١). والحديث أخرجه الدارقطني في "سننه" (٢): نا إسماعيل بن محمَّد الصفار، نا محمَّد بن عبد الملك الدمشقي، ثنا يزيد بن هارون، ثنا حبيب بن أبي حبيب، عن عمرو بن هَرِم، أن محمَّد بن عبد الرحمن الأنصاري حدثه: "أن عمر بن عبد العزيز ﵁ حين اسْتُخلف أرسل إلى المدينة يلتمس كتاب رسول الله ﵇. . . ." الحديث إلى آخره نحوه. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٣): أيضًا من حديث يزيد بن هارون، أنا حبيب بن أبي حبيب، نا عمرو بن هَرِم، حدثني محمَّد بن عبد الرحمن -يعني أبا الرجال- قال: "لما استخلف عمر بن عبد العزيز ﵁. . . ." إلى آخره نحوه. قوله: "حقتان" الحقة والحُقُّ هو الذي استكمل السنة الثانية؛ قاله الهروي، وقال غيره: هو ما كان ابن ثلاث سنين وقد دخل في الرابعة، وقيل: هو ما دخل في السنة الرابعة إلى آخرها، وسميت حقة لأخها استحقت أن يضربها الفحل، وقيل: لأن أمها استحقت الحمل والركوب، وقيل: لأن أمها استحقت الحمل من العام المقبل، وطروقة الفحل معناها زوجة الفحل، وكل امرأة طروقة زوجها، وكل ناقة طروقة فحلها، واشتقاقها من الطرق وهو ماء الفحل، وقيل: هو الضراب، ثم سمي به الماء، واستطراق الفحل: استعارته للضراب، وإطراقه: إعارته. قوله: "ففيها بنتا لبون" هي ولد الناقة إذا استكملت الثانية ودخلت في الثالثة؛ لأن أمها قد وضعت غيرها فصار لها لبن.

стр. 8677

ويستفاد منه أحكام: الأول: أن الإبل إذا زادت على تسعين واحدة ففيها حقتان إلى مائة وعشرين، ولا خلاف في هذا. الثاني: أن الإبل إذا بلغت مائة وعشرين وزادت عليه ففيه خلاف، فقال مالك: إذا زادت الإبل على مائة وعشرين واحدة لا يجب في الزيادة شيء إلى تسع بل تجعل التسعة عفو، ويجب في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، فيجب في مائة وثلاثين حقة وبنتا لبون، وفي مائة وأربعين حقتان وبنت لبون، وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق، وفي مائة وستين أربع بنات لبون، وفي مائة وسبعين حقة وثلاث بنات لبون، وفي مائة وثمانين حقتان وبنتا لبون، وفي مائة وتسعين ثلاث حقاق وبنت لبون إلى مائتين، فإن شاء أدى من المائتين أربع حقاق وإن شاء خمس بنات لبون فتدار النصب على الخمسينات والأربعينات، والواجب يدور على الحقاق وبنات اللبون، وذهب مالك في ذلك إلى الحديث المذكور. الثالث: أن الإبل إذا بلغت ثلاثمائة ففيها في كل خمسين حقة، وفي كل أربعين ابنة لبون، فيدور على الخمسينات والأربعينات. ص: فذهب قوم إلى هذا الحديث فقالوا به. ش: أراد بالقوم هؤلاء: محمَّد بن إسحاق صاحب المغازي ومالك بن أنس وأبا عبيد القاسم بن سلام، وأحمد في رواية؛ فإنهم ذهبوا في فرض الإبل بعد المائة والعشرين إلى ما ذكر في الحديث المذكور. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ما زاد على العشرين والمائة ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين ابنة لبون، وتفسير ذلك: أنه إذا زادت الإبل بعيرًا واحدًا على عشرين ومائة وجب بزيادة هذا البعير حكم ثان غير حكم العشرين والمائة، فوجب في كل أربعين ابنة لبون، ثم يجرون ذلك كذلك حتى تبلغ الزيادة

стр. 8678

تمام المائة والثلاثين، فيجعلون فيها حقة وابنتي لبون، ثم يكون ذلك كذلك حتى تتناهى الزيادة إلى أربعين ومائة، فإذا كانت أربعين ومائة كان فيها حقتان وابنة لبون إلى خمسين ومائة، فإذا كانت خمسين ومائة كان فيها ثلاثة حقاق، ثم يجرون الفرض في الزيادة على ذلك كذلك أبدًا. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق؛ فإنهم قالوا: إذا زادت الإبل على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة. وقال ابن قدامة: ظاهرًا أنها إذا زادت على العشرين والمائة واحدة ففيها ثلاث بنات لبون، وقد بين ذلك بقوله: "وتفسير ذلك. . . . إلى آخره" وهو ظاهر. ص: واحتجوا في ذلك من الآثار بما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا محمَّد بن عبد الله الأنصاري، قال: حدثني أبي، عن ثمامة بن عبد الله، عن أنس ﵁: "أن أبا بكر الصديق ﵁ لما اسْتُخْلِف وَجَّهَ أنس بن مالك إلى البحرين فكتب له هذا الكتاب: هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﵇ على المسلمين التي أمر الله بها رسوله، فمن سُئِلَها من المؤمنين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعطه، فكان في كتابه ذلك: أن الإبل إذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين ابنة لبون، وفي كل خمسين حقة". وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر الضرير، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: "أرسلني ثابت البناني إلى ثمامة بن عبد الله بن أنس الأنصاري ليبعث إليه بكتاب أبي بكر الصديق ﵁ الذي كتبه لأنس بن مالك حين بعثه مصدقًا، قال حماد: فدفعه إليّ، فإذا عليه خاتم رسول الله ﵇، فإذا فيه ذكر فريضة الصدقات. . . ." ثم ذكر مثل حديث ابن مرزوق. وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الحكم بن موسى أبو صالح، قال: ثنا يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، قال: حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمَّد

стр. 8679

ابن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله ﵇ كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، ثم ذكر فيما زاد على العشرين والمائة من الإبل كذلك أيضًا". وحدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الله بن لهيعة، عن عمارة بن غزية الأنصاري، عن عبد الله بن أبي بكر الأنصاري، أخبره أن هذا كتاب رسول الله ﵇ لعمرو بن حزم في الصدقات، فذكر فيما زاد على العشرين والمائة من الإبل كذلك أيضًا. وحدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبد الله بن محمَّد بن أسماء، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله ﵇ كتب لعمرو بن حزم فرائض الإبل. . . ." ثم ذكر فيما زاد على العشرين والمائة كذلك أيضًا. وحدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: "نسخة كتاب رسول الله ﷺ الذي كتب في الصدقة وهي عند آل عمر بن الخطاب ﵁ أقرأنيها سالم بن عبد الله بن عمر ﵃، فوعيتها على وجهها، وهي التي نسخ عمر بن عبد العزيز من سالم وعبد الله ابني ابن عمر حين أُمِّرَ على المدينة، وأمر عماله بالعمل بها. . . ." ثم ذكر هذا الحديث. قالوا: وقد عمل بذلك عمر بن الخطاب ﵁، فذكروا في ذلك ما حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبد الله بن محمَّد بن أسماء، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: "أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يأخذ على هذا الكتاب، فذكر فرائض الإبل، وفيما ذكر منها: أن ما زاد على عشرين ومائة ففي كل أربعين ابنة لبون، وفي كل خمسين حقة". ش: أي واحتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بآثار وهي سبعة: الأول: أخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن محمَّد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري قاضيها وشيخ البخاري، عن أبيه

стр. 8680

عبد الله بن المثنى الأنصاري، عن ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري قاضيها، عن جده أنس بن مالك ﵁. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه البخاري (١): ثنا محمَّد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري، حدثني أبي، قال: حدثني ثمامة بن عبد الله بن أنس، أن أنسًا حدثه، أن أبا بكر ﵁ كتب له هذا الكتاب: "بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﵇ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله، فمن سُئِلَها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعطي، في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى، فإذا بلغت ستًّا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى، فإذا بلغت ستة وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت يعني ستًّا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة. . . ." الحديث بتمامه. وأخرجه ابن ماجه (٢) أيضًا نحوه. الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عمر حفص بن عمر، عن حماد بن سلمة. . . . إلى آخره. وهذا أيضًا إسناد صحيح. وأخرجه أبو داود (٣) مطولًا جدا: نا موسى بن إسماعيل، نا حماد، قال:

стр. 8681

"أخذت من ثمامة بن عبد الله بن أنس كتابًا زعم أن أبا بكر- ﵁ كتب لأنس وعليه خاتم رسول الله ﵇ حين بعثه مصدقًا، وكتب له، فإذا فيه: فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﵇ على المسلمين، التي أمر الله بها نبيه ﵇، فمن سُئِلَها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سُئِلَ فوقها فلا يعطه: فيما دون خمس وعشرين من الإبل الغنم في كل خمس ذود شاة، فإذا بلغت خمسًا وعشرين ففيها بنت مخاض إلى أن تبلغ خمسًا وثلاثين، فإن لم يكن فيها بنت مخاض فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستًّا وثلاثين ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإذا بلغت ستًّا وأربعين ففيها حقة طروقة الفحل إلى ستين، فإذا بلغت إحدى وستين ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا بلغت ستًّا وسبعين ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان طروقتا الفحل إلى عشرين ومائة، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة. . . ." الحديث. وأخرجه النسائي (١) أيضًا. الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي صالح الحكم بن موسى البغدادي شيخ مسلم وأبي داود، عن يحيى بن حمزة بن واقد الحضرمي الدمشقي، عن سليمان بن داود الخولاني الدمشقي، عن محمد بن مسلم الزهري، عن أبي بكر بن محمَّد. . . . إلى آخره. وقد تكلموا في هذا الحديث بسبب سليمان بن داود، قال ابن المديني: سليمان بن داود الذي يروي عن الزهري حديث عمرو بن حزم في الديات منكر الحديث. وقال ابن خزيمة: لا يحتج بحديثه إذا انفرد. والحديث أخرجه النسائي في "سننه" (٢) وقال: أخبرنا عمرو بن منصور،

стр. 8682

قال: أنا الحكم بن موسى، نا يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود الخولاني، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله ﵇ كتب إلى أهل اليمن مع عمرو بن حزم: بسم الله الرحمن الرحيم من محمَّد النبي إلى شرحبيل بن عبد كلال والحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال قَيْلِ ذي رعين ومعافر وهمدان، أما بعد: فقد رجع رسولكم وأعطيتم من المغانم خمس الله وما كتب الله على المؤمنين من العشر في العقار وما سقت السماء وكان سيحًا أو كان بعلًا ففيه العشر إذا بلغ خمسة أوسق، وما سقي بالرشاء والدالية ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق، وفي كل خمس من الإبل سائمة شاة إلى أن تبلغ أربعًا وعشرين، فإذا زادت واحدة على أربع وعشرين ففيها ابنة مخاض، فإن لم توجد ابنة مخاض فابن لبون ذكر إلى أن تبلغ خمسًا وثلاثين، فإذا زادت ففيها ابنة لبون، إلى أن يبلغ خمسًا وأربعين، فإذا زادت ففيها حقة طروقة الجمل، إلى أن تبلغ ستين، فإذا زادت ففيها جذعة إلى أن تبلغ خمسًا وسبعين، فإذا زادت ففيها ابنتا لبون إلى أن تبلغ تسعين، فإذا زادت ففيها حقتان طروقتا الجمل إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فما زاد على العشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة طروقة الجمل. . . ." الحديث. الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الله بن لهيعة، عن عمارة بن غزية الأنصاري، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم الأنصاري، أخبره أن هذا كتاب رسول الله ﵇. . . . إلى آخره. وأخرجه ابن وهب في "مسنده". وابن لهيعة فيه مقال. الخامس: عن أحمد بن داود بن موسى المكي، عن عبد الله بن محمَّد بن أسماء بن عبيد الضبعي البصري شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن عبد الله بن المبارك، عن معمر بن راشد، عن عبد الله بن أبي بكر. . . . إلى آخره.

стр. 8683

وهذا إسناد صحيح. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن معمر، عن عبد الله بن أبي بكر. . . . إلى آخره. السادس: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب، قال: نسخت كتاب رسول الله ﵇. . . . إلى آخره. وهذا إسناد صحيح ولكنه مرسل. وأخرجه أبو داود (٢): نا محمَّد بن العلاء، أنا ابن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال: "هذه نسخة كتاب رسول الله ﵇ الذي كتبه في الصدقة، وهي عند آل عمر بن الخطاب ﵁، أقرأنيها سالم بن عبد الله بن عمر فوعيتها على وجهها، وهي التي انتسخ عمر بن عبد العزيز ﵁ من عبد الله بن عبد الله بن عمر، وسالم بن عبد الله بن عمر ﵃. . . ." فذكر الحديث. قال: "فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون حتى تبلغ تسعًا وعشرين ومائة، فإذا كانت ثلاثين ومائة ففيها ابنتا لبون وحقة حتى تبلغ تسعًا وثلاثين ومائة، فإذا كانت أربعين ومائة ففيها حقتان وبنت لبون حتى تبلغ تسعًا وأربعين ومائة، فإذا كانت خمسين ومائة ففيها: ثلاث حقاق حتى تبلغ تسعًا وخمسين ومائة، فإذا كانت ستين ومائة ففيها أربع بنات لبون حتى تبلغ تسعًا وستين ومائة، فإذا كانت سبعين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون وحقة حتى تبلغ تسعًا وسبعين ومائة، فإذا كانت ثمانين ومائة ففيها حقتان وابنتا لبون حتى تبلغ تسعًا وثمانين ومائة، فإذا كانت تسعين ومائة ففيها ثلاث حقاق وابنة لبون حتى تبلغ تسعًا وتسعين ومائة، فإذا كانت مائتين ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون أَيُّ السنين وجدت. . . ." الحديث.

стр. 8684

السابع: عن أحمد بن داود المكي، عن عبد الله بن محمَّد بن أسماء شيخ البخاري، عن عبد الله بن المبارك، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب ﵁. وهذا إسناد صحيح موقوف. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، نا سفيان، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال عمر ﵁: "إذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون". قوله: "هذه فريضة الصدقة" معنى الفرض الإيجاب؛ وذلك أن الله تعالى أوجبها وأحكم فرضها في كتابه العزيز، ثم أمر رسوله بالتبليغ، فأضيف الفرض إليه بمعنى الدعاء إليه، وحمل الناس عليه، وقد فرض الله طاعته على الخلق فجاز أن يسمى أمره وتبليغه عن الله فرضًا على هذا المعنى. وقد قيل: معنى الفرض هاهنا بيان التقدير، ومنه فرض نفقة الأزواج، وفرض أرزاق الجند، ومعناه راجع إلى قوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢). وقيل: معنى الفرض هنا: السنة، ومنه ما روي: "أنه ﵇ فرض كذا" أي سَنَّهُ. قوله: "فمن سئلها" أي من سئل الصدقة من الزكاة، من المسلمين على وجهها أي على حسب ما سَنَّ رسول الله ﵇ من فرض مقاديرها. قوله: "ومن سئل فوقها" أي فوق الفريضة فلا يعطيه، والمعنى لا يعطي الزيادة على الواجب، وقيل: لا يعطي شيئًا من الزكاة لهذا المصدق؛ لأنه خان بطلبه فوق الواجب، فإذا ظهرت خيانته سقطت طاعته. قوله: "حين بعثه مُصَدِّقًا" نصب على الحال من الضمير المنصوب في بعثه، والمصدِّق -بكسر الدال المشددة- وهو عامل الزكاة الذي يستوفيها من أربابها،

стр. 8685

يقال: صدقهم يصدقهم، وقد جاءت اللغة مشددة الصاد والدال معًا، وكسر الدال في طالب الصدقة، وأنكره ثعلب، وقال الخطابي: المصدِّق بتخفيف الصاد: العامل. قوله: "فإذا عليه خاتم رسول الله ﵇" أي طابعه وعلامته؛ لأن خاتم الكتاب يصونه ويمنع الناظرين عما في باطنه، وتفتح تاؤه وتكسر على اللغتين. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: "ما زاد على العشرين من الإبل استؤنفت فيه الفريضة، فكان في كل خمس منهن شاة حتى تتناهى الزيادة إلى خمس وعشرين، فيكون فيها ابنة مخاض إلى تسع وأربعين ومائة، فإذا كانت خمسين ومائة ففيها ثلاث حقاق، ثم كذلك الزيادة ما كان دون الخمسين ففيها فرائض مستأنفات على حكم أول فرض الإبل، فإذا أكملت خمسين ففيها حقة". ش: أي خالف الفريقين المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: إبراهيم النخعي وسفيان الثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ﵏؛ فإنهم قالوا: إذا زادت الإبل على مائة وعشرين استؤنف فيها الفرض ففي الخمس شاة، وفي العشرين شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين ابنة مخاض إلى تسع وأربعين ومائة، فإذا صارت مائة وخمسين ففيها ثلاث حقاق في كل خمسين حقة، ثم يستأنف الفرض فلا شيء في الزيادة ما لم تبلغ خمسًا فيكون فيها شاة وثلاث حقاق وفي العشر شاتان وثلاث حقاق وفي خمسة عشر ثلاث شياه وثلاث حقاق، وفي عشرين أربع شياه وثلاث حقاق، فإذا بلغت مائة وخمسة وسبعين ففيها بنت مخاض وثلاث حقاق، فإذا بلغت مائة وستة وثمانين ففيها بنت لبون وثلاث حقاق إلى مائة وستة وتسعين ففيها أربع حقاق إلى مائتين، فإن شاء أدى منها أربع حقاق في كل خمسين حقة، وإن شاء أدى خمس بنات لبون في كل أربعين بنت لبون، ثم يستأنف الفرض أبدا في كل خمسين كما استؤنف في مائة وخمسين إلى مائتين فيدخل فيها بنت مخاض وبنت لبون مع الحقة والشاة.
следующие страницы →