← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 8611–8650 · переход к 8616.

стр. 8611

خادمه طعامه، ثم جاءه به وقد ولي حره ودخانه؛ فليقعده معه فليأكل، فإن كان الطعام مشفوهًا قليلًا؛ فليضع في يده منه أكلة أو أكلتين". قال داود: يعني لقمة أو لقمتين. قوله: "فليروغها" أي: فليشربها من دسم الطعام، ثم ليطعمها إياه، ومادته: راء مهملة، وواو، وغين معجمة. قال الهروي: يقال: روغ فلان طعامه ومرغه وسغبله، إذا رواه دسمًا. قوله: "أُكلة" بضم الهمزة: اللقمة. قوله: "إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه" جواب إذا محذوف تقديره: إذا أتى أحدكم خادمه بطعام، فليجلسه معه فليناوله أكلة. والجملة الثانية انتصبت قريبة على الحذف؛ فافهم. قوله: "أفلا ترى. . . . إلى آخره" توضيح للمعنى الذي ذكره فيما سبق. قوله: "ثم يستأثر هو" أي: يخص نفسه بما بقي من الطعام بعد اللقمة التي تناولها منه عبده. قوله: "وأما ما فعل أبو اليسر" جواب عن قوله: "وبما رويناه من مذهب أبي اليسر"؛ فافهم، والله أعلم.

стр. 8612

ص: باب إنشاد الشعر في المساجد ش: أي: هذا باب في بيان حكم إنشاد الشعر في المساجد، هل يجوز أم لا؟ والإنشاد من أنشد الشعر: إذا قاله، والنشيد: الشعر، والشعر: كلام موزون مقفى على طريق القصد. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثني الليث، قال: حدثني محمد بن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله ﷺ نهى أن تنشد الأشعار في المساجد، وأن تباع فيه السلع، وأن يتحلق فيه قبل الصلاة". ش: رجاله ثقات، وقد تقدم الكلام غير مرة في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، والصحيح: أنه إذا كان رجال سنده ثقات فهو صحيح. والحديث أخرجه الأربعة. فقال أبو داود (١): ثنا مسدد: نا يحيى، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله ﵇ نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه الضالة، وأن ينشد فيه شعر، ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة". وقال الترمذي (٢): ثنا قتيبة، قال: ثنا الليث، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله ﵇: "أنه نهى عن تناشد الأشعار في المسجد، وعن البيع والشراء فيه، وأن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة". وقال النسائي (٣): أنا قتيبة، قال: ثنا الليث. . . . إلى آخره نحوه.

стр. 8613

وأخرجه أيضًا (١): عن إسحاق بن إبراهيم، عن يحيى بن سعيد، وليس فيه إنشاد الشعر. وقال ابن ماجه (٢): ثنا عبد الله بن سعيد الكندي، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: "نهى رسول الله ﵇ عن البيع والابتياع وعن تناشد الأشعار في المساجد". قوله: "السِّلَع" بكسر السين وفتح اللام، جمع سلعة. قوله: "وأن يتحلق فيه" أي: ونهى أيضًا عن التحلق في المسجد، وهو: اتخاذ الحلقة، وفي رواية: "ونهى عن الحَلَق" بفتح الحاء وفتح اللام، جمع الحَلْقة بسكون اللام، مثل هَضَبَة وهضب. وفي "المحكم": الحلقة: كل شيء استدار كحلقة الحديد والذهب والفضة، وكذلك هو في الناس، والجمع حِلاق على الغالب، وحِلَق على النادر. والحَلَق عند سيبويه: اسم للجمع، ليس يجمع؛ لأن فَعْلَة ليست مما يُكَسَّر على فَعَل، وقد حكى سيبويه في الحَلْقة: فتح اللام، وأنكرها ابن السكيت وغيره. وقال اللحياني: حَلْقة الباب وحَلَقته، بإسكان اللام وفتحها، وقال كراع: حَلْقة القوم وحَلَقتهم. وحكى يونس عن أبي عمرو: حَلَقَة في الواحد بالتحريك، والجمع حلقات. وقال الجوهري: الجمع حَلَق، على غير قياس، وقال كراع: الجمع حَلق وحِلق وحِلَاق. ويستفاد من الحديث: النهي عن تناشد الأشعار في المساجد، وسيجيء مزيد الكلام فيه.

стр. 8614

والنهي عن بيع السلع فيها؛ لأنها لم تبن لذلك، وقال الشيخ محيي الدين: ويتعلق به ما في معناه من نحو الإجارة، وعقد المضاربة، والمزارعة، ونحو ذلك من العقود. والنهي عن التحلق فيها قبل الصلاة، وذلك حتى يتأهبوا للصلاة، وسواء كان التحلق للعلم والمذاكرة أو غير ذلك، ولا يكره التحلق بعد الفراغ من الصلاة، ومورد الحديث في التحليق قبل الصلاة يوم الجمعة، ولهذا بوب أبو داود رحمة الله عليه قال: باب: "التحليق يوم الجمعة قبل الصلاة"، ثم روى الحديث المذكور. وفيه النهي عن إنشاد الضالة، يقال: أنشدت الضالة إذا طلبتها، وأنشدتها إذا عرفتها. وقد ثبت: "من سمع من ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليه، فإن المساجد لم تبن لهذا". وكذا يكره رفع الصوت في المسجد، وقال القاضي: قال مالك وجماعة من العلماء: يكره رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره. وأجاز أبو حنيفة، ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك رفع الصوت فيه بالعلم والخصومة وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس؛ لأنه مجمعهم ولابد لهم منه. ص: فذهب قوم إلى كراهة إنشاد الشعر في المساجد، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. ش: أراد بالقوم هؤلاء: مسروق بن الأجدع، والحسن البصري، وعمرو بن شعيب؛ فإنهم كرهوا إنشاد الشعر مطلقًا ولاسيما في المساجد. قال القاضي: قوله ﵇: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا، خير له من أن يمتلئ شعرًا" احتج به وشبهة من نهى عن الشعر ومنعه جملة، قليله وكثيره، وإليه ذهب الحسن، ومسروق، وعبد الله بن عمرو بن العاص في آخرين، والكافة على خلافه.

стр. 8615

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فلم يروا بأسًا بإنشاد الشعر في المساجد إذا كان ذلك الشعر مما لا بأس بروايته، وإنشاده في غير المساجد. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون؛ وأراد بهم: جمهور الفقهاء من التابعين ومن بعدهم، منهم الأئمة الأربعة وأصحابهم؛ فإنهم قالوا: لا بأس بإنشاد الشعر في المساجد وغيرها إذا كان مما ليس فيه فحش، ولا هجو لمسلم، ولا تعريض لامرأة معينة، وإلى هذا ذهب أهل الظاهر، وقال ابن حزم: وإنشاد الشعر في المسجد مباح. ص: واحتجوا في ذلك بما روينا عن رسول الله ﵇ في غير هذا الموضع، أنه وضع لحسان ﵁ منبرًا في المسجد ينشد عليه الشعر، ومما رويناه من ذلك من حديث حسان حين مر به عمر ﵁ وهو ينشد الشعر في المسجد فزجره عمر، فقال: قد كنت أنشد فيه الشعر مع من هو خير منك، وذلك بحضرة أصحاب رسول الله ﵇ فلم ينكر عليه أحد منهم، ولا أنكره عليه أيضًا عمر ﵁. ش: أي واحتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بما رويناه عن رسول الله ﵇ في غير هذا الموضع؟ أراد به: باب: "رواية الشعر؛ هل هي مكروهة أم لا؟ " فإنه روى فيه عن ابن أبي عمران، عن أبي إبراهيم الترجمان، عن ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة ﵂: "أن رسول الله ﵇ وضع لحسان بن ثابت منبرًا في المسجد ينشد عليه الشعر". وأخرجه أبو داود، والترمذي، وقد ذكرناه هناك. قوله: "قد رويناه" أي: واحتجوا أيضًا بما قد رويناه مع ذلك من حديث حسان ﵁. . . . إلى آخره. أخرج ذلك في باب "رواية الشعر": عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب "أن عمر بن الخطاب ﵁ مرّ على حسان وهو يُنشد في مسجد رسول الله ﵇-

стр. 8616

فانتهره عمر ﵁، فأقبل عليه حسان فقال: قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك، فانطلق عنه عمر ﵁. . . ." الحديث. وأخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣) والنسائي (٤) وقد ذكرناه هناك. ص: وكان حديث يونس الذي قد بدأنا بذكره في أول هذا الباب قد يجوز أن يكون رسول الله ﵇ أراد بذلك الشعر الذي نهى عنه أن ينشد في المسجد، هو الشعر الذي كانت قريش تهجوه به. ويجوز أن يكون من الشعر الذي تؤبن فيه النساء وترزأ فيه الأموات، على ما قد ذكرناه في باب "رواية الشعر" من جواب الأنصاري من أصحاب رسول الله ﵇ لابن الزبير بذلك حين أنكر عليهم إنشاد الشعر حول الكعبة. وقد يجوز أن يكون أراد بذلك: الشعر الذي يغلب على المسجد حين يكون كل من فيه -أو كثر من فيه- متشاغلًا بذلك، كمثل ما تأول عليه ابن عائشة وأبو عبيد قول رسول الله ﵇: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرًا" على ما قد ذكرنا ذلك عنهما في غير هذا الموضع. فيكون الشعر المنهي عنه في هذا الحديث هو خاص من الشعر، وهو الذي فيه معنى من هذه المعاني الثلاثة التي ذكرنا؛ حتى لا يضاد ذلك ما قد رويناه عن رسول الله ﵇ من إباحة ذلك، وما عمل به أصحابه من بعده. ش: أشار بذلك إلى وجه التوفيق بين الحديث الذي احتجت به أهل المقالة الأولى، وهو حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وبين الحديث الذي احتجت به أهل المقالة الثانية لوجود التعارض بينهما ظاهرًا، وبَيَّنَ ذلك من ثلاثة أوجه:

стр. 8617

الأول: هو قوله: "قد يجوز أن يكون رسول الله ﵇ أراد بذلك الشعر الذي نهى عنه. . . ." إلى آخره. والثاني: هو قوله: "ويجوز أن يكون من الشعر الذي تؤبن فيه النساء" من: أَبَنَهُ يأْبُنْهُ إذا رماه بخلة سوء. قوله: "وترزأ" أي: تنتقص فيه الأموات ويعابون فيه، من الرزأ، والازدراء هو الاحتقار والانتقاص، ومادته زاي معجمة ثم راء ثم همزة، وفي بعض النسخ: وبذر فيه الأموال. قوله: "من جواب الأنصاري من أصحاب رسول الله ﵇" أراد به ما ذكره في باب "رواية الشعر": عن سليمان بن شعيب، عن يحيى بن حسان، عن إبراهيم بن سليمان التيمي، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي قال: "كنا جلوسًا بفناء الكعبة -أحسبه قال-: مع ناس من أصحاب رسول الله ﵇ فكانوا يتناشدون الأشعار، فوقف بنا عبد الله بن الزبير ﵄ فقال: في حرم الله وحول كعبة الله تتناشدون الأشعار؟! فقال رجل منهم: يا ابن الزبير، إن رسول الله ﵇ إنما نهى عن الشعر إذا أبنت فيه النساء وتزدرى فيه الأموات". وأخرجه البيهقي (١) نحوه، وفي روايته: "وبذر فيه الأموال". والثالث: هو قوله: "وقد يجوز أن يكون أراد بذلك الشعر الذي يغلب على المسجد. . . ." إلى آخره. قوله: "كمثل ما تأول عليه ابن عائشة وأبو عبيد" أراد بابن عائشة عبيد الله بن محمد بن حفص التيمي، شيخ أبي داود، وأراد بأبي عبيد: القاسم بن سلام [. . . .] (٢) صاحب التصانيف المشهورات، أنهما أوَّلا قوله ﵇: "لأن يمتلئ جوف أحدكم. . . ." الحديث، على [. . . .] (٢) من الشعر بحيث لا يكون فيه قرآن ولا تسبيح ولا غيره؛ فإن هذا هو الداخل في قوله ﵇، وأما ما [. . . .] (٢)

стр. 8618

القرآن والشعر مع ذلك فليس ممن امتلئ جوفه شعرًا، فهو خارج من قوله ﵇: "لأن يمتلئ جوف. . . ." الحديث. قال الطحاوي في باب "رواية الشعر": سمعت ابن أبي عمران أيضًا وعلي بن عبد العزيز يذكران ذلك عن أبي عبيد. والله أعلم. ص: فإن قال قائل فإذا كان كما ذكرت فلم قصد إلى المسجد؟ والذي ذكرت من هجي النبي ﵇ والذي أبنت فيه النساء ورزأت فيه الأموات مكروه في غير المسجد كما هو مكروه في المسجد، ولو كان كما ذكرت لم يكن لذكره المسجد معنى؟ قيل له: قد يجيء الكلام كثيرًا بذكر معنى فلا يكون ذلك المعنى بذلك الحكم الذي جرى في ذلك الذكر مخصوصًا، من ذلك: قول الله : ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (١) فذكر الربيبة التي كانت في حجر ربيبها فلم تكن ذلك على خصوصيتها لأنها كانت في حجره بذلك الحكم، وأخرجها منه إذا لم تكن كانت في حجره، ألا ترى أنها لو كانت أكبر منه أنها عليه حرام كحرمتها لو كانت صغيرة في حجره؟ وقال في الصيد: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٢) فأجمع العلماء -إلا من شذ منهم- أن قتله إياه ساهيًا كذلك في وجوب الجزاء، فلم تكن ذكره ما ذكرنا من هاتين الآيتين بموجب خصوص الحكم، فكذلك ما رويناه من ذكر المسجد في الشعر المنهي عن روايته ليس فيه دليل على خصوصية المسجد بذلك، وكذلك أيضًا ما نهى عنه من البيع في المسجد هو البيع الذي يعمه أو يغلب عليه حتى يكون كالسوق فذلك مكروه، فأما ما سوى ذلك فلا.

стр. 8619

ش: تقرير السؤال أن يقال: إذا كان المنهي عنه من الشعر ما فيه أبن النساء وانتقاص الأموات والفحش والخنى ونحو ذلك يستوي فيه المسجد وغيره، وكذلك ما أبيح منه مما ليس فيه ما ذكرنا يستوي فيه المسجد وغيره، فما الفائدة من ذكر المسجد وتخصيصه بالذكر في الحديث المذكور؟. وتقرير الجواب أن يقال: إن ذكر المسجد هاهنا لا يتعلق به الحكم كما أن ذكر الجمهور في قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ. . . .﴾ (١) الآية، لا يتعلق به تحريم الربائب، وكما لا يتعلق الحكم بقوله: متعمدًا في قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ (٢) فإن أكثر العلماء أن ربيبة الرجل تحرم عليه وإن لم تكن في حجره فلا يشترط كونها في الحجر كما لا يشترط تربيته إياها، ألا ترى أنها لو كانت أسن منه تحرم عليه كما لو كانت صغيرة، وهي في حجره. فإن قيل: إذا لم يتعلق بذكر الحجر حكم، فما الفائدة في ذكره؟ قلت: هو كلام خرج على الأعم الأغلب من كون الربيبة في حجر الزوج، وهذا كما في قوله ﵇: "في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض، وفي ست وثلاثين بنت لبون"، وليس كون المخاض أو اللبن شرطًا في المأمور، وإنما ذكره لأن الأغلب أنها إذا دخلت في السنة الثانية كانت بأمها مخاض، وإذا دخلت في الثالثة كانت بأمها لبن وإنما أخرج الكلام على غالب الحال، كذلك قوله تعالى: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ (١) على هذا، وكذلك قيد العمدية في الآية ليس لكونها شرطا بل لكون الغالب الأعم في العمد أو يكون بأن ورد النص فيمن تعمد وألحق به الخطأ للتغليظ وكذلك ذكر المسجد ليس لأنهم كانوا في غالب الأحوال يتناشدون في المساجد بما فيه الفحش والخنى وأبن النساء ورزأ الأموات فغلب النهي لذلك، فافهم. ص: وقد روينا عن رسول الله ﷺ ما يدل على إباحة العمل الذي ليس من القرب في المسجد.

стр. 8620

حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد بن الأصبهاني، قال: أنا شريك، عن منصور، عن ربعي بن حراش عن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "يا معشر قريش ليبعثن الله عليكم رجلًا امتحن الله به الإيمان، يضرب رقابكم على الدين، فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: "لا" فقال عمر ﵁: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا، ولكنه خاصف النعل في المسجد، قال: وكان قد ألقى إلى علي ﵁ نعله يخصفها". أفلا ترى أن رسول الله ﵇ لم ينه عليًّا عن خصف النعل في المسجد، وأن الناس لو اجتمعوا حتى يعموا المسجد بخصف النعال كان ذلك مكروهًا، فلما كان ما لا يعم المسجد من هذا غير مكروه، وما يعمه منه أو يغلب عليه مكروهًا كان كذلك البيع وإنشاد الشعر والتحلق فيه قبل الصلاة، ما عمه من ذلك فهو مكروه، وما لم يعمه منه ولم يغلب عليه فليس بمكروه. ش: ذكر حديث علي ﵁ شاهدًا لصحة قوله: "وكذلك أيضًا ما نهى عنه من البيع. . . ." إلى آخره. وأخرجه بإسناد صحيح: عن فهد بن سليمان، عن محمد بن سعيد بن الأصبهاني، عن شريك بن عبد الله، عن منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حراش، بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء وفي آخره شين معجمة. وأخرجه الترمذي (١): نا سفيان بن وكيع، قال: ثنا أبي، عن شريك، عن منصور، عن ربعي بن حراش، قال: ثنا علي بن أبي طالب ﵁ بالرحبة فقال: "لما كان يوم الحديبية خرج إلينا ناس من المشركين فيهم سهيل بن عمرو، وأناس من رؤساء المشركين، فقالوا: يا رسول الله خرج إليك من أبنائنا وإخواننا وأرقائنا وليس لهم فقه في الدين [وإنما خرجوا فرارًا من أموالنا وضياعنا فارددهم إلينا. قال: فإن لم يكن لهم فقه في الدين] (٢) سنفقههم، فقال

стр. 8621

النبي ﵇: يا معشر قريش لتنتهن أو ليبعثن الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين، قد امتحن الله قلبه على الإيمان. قالوا: من هو يا رسول الله؟ فقال أبو بكر: من هو يا رسول الله؟ وقال عمر: من هو يا رسول الله؟ قال: هو خاصف النعل. وكان أعطى عليًّا ﵁ نعله يخصفها، قال: ثم التفت إلينا عليّ ﵁ فقال: إن رسول الله ﵇ قال: من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث ربعي عن علي ﵁. وأخرجه البزار في "مسنده" (١): ثنا صالح بن محمد وأحمد بن يحيى، قالا: ثنا أبو غسان، قال: ثنا يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن منصور، عن ربعي، عن علي ﵁ قال: "اجتمعت قريش إلى النبي ﵇ فقالوا: إن أرقاءنا لجئوا إليك ودخل معك في هذا الأمر من ليس له بأهل؛ ارددهم إلينا، فغضب رسول الله ﵇ حتى رؤي الغضب في وجهه ثم قال: لتنتهن يا معشر قريش أو ليبعثن الله رجلًا منكم امتحن الله قلبه بالإيمان يضرب رقابكم على الدين، فقيل: يا رسول الله، أبو بكر؟ قال: لا. قيل: فعمر؟ قال: لا، ولكنه خاصف النعل الذي في الحجرة، قال علي ﵁: فكنت أنا خاصف النعل، قال علي: فاستفظع الناس ذلك من عليّ، فقال: أما إني سمعته يقول: لا تكذبوا عليَّ، فإنه من يكذب عليَّ متعمدًا فليلج النار". قوله: "امتحن الله قلبه للإيمان" يعني صفى قلبه وهذبه للإيمان، ومنه ما جاء في الحديث: "فذلك الشهيد الممتحن" أي المصفى المهذب، من محنت الفضة إذا صفيتها وخلصتها بالنار. قوله: "ولكنه خاصف النعل" من خصف النعل إذا خرزها، والخصف: الضم والجمع، ومن هذا سمي علي ﵁ خاصف النعل، وهي نعل النبي ﵇.

стр. 8622

وفي الحديث من الدلالة البينة على فضيلة علي ﵁، وقد احتج به الشيعة على تفضيل علي ﵁ على أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ وسائر الصحابة، [. . . .] (١) ومذهب أهل السنة: أن أفضل الناس بعد نبينا ﵇ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵁، ومنهم من يفضل علي على غيره. قوله: "أفلا ترى أن رسول الله ﵇. . . . إلى آخره" توضيح لما ذكره من المعنى؛ وباقي الكلام ظاهر، فافهم.

стр. 8623

ص: باب شراء الشيء الغائب ش: أي هذا باب في بيان حكم شراء الشيء الغائب هل يجوز أم لا؟ ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عمر بن يونس بن القاسم اليمامي، قال: حدثني أبي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك ﵁ قال: "نهى رسول الله ﵇ عن الملامسة والمنابذة". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ مثله. حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن رسول الله ﵇ مثله. حدثنا المزني، قال: ثنا الشافعي، عن سفيان، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﵇ مثله. حدثنا الربيع بن سليمان الجيزي، قال: ثنا حسان بن غالب ويحيى بن عبد الله ابن بكير، قالا: ثنا يعقوب بن عبد الرحمن القاري، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي ﵇ مثله. ش: هذه خمسة أسانيد صحاح: أحدها عن أنس، واثنان عن أبي سعيد الخدري، واثنان عن أبي هريرة. الأول: أخرجه بعينه في باب: "بيع الثمار قبل أن تتناهى" بأتم منه، فقال: "نهى رسول الله ﵇ عن المحاقلة والمزابنة والمخاضرة والملامسة والمنابذة. . . ." الحديث. وأخرجه البخاري (١)، وقد استوفينا الكلام فيه هناك.

стр. 8624

وإسنادان عن أبي هريرة: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن أبي الزناد -بالنون- عبد الله بن ذكوان، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة. وأخرجه مالك في "موطإه" (١): عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ نهى عن الملامسة والمنابذة". وأخرجه البخاري (٢): عن إسماعيل، عن مالك. ومسلم (٣): عن يحيى بن يحيى، عن مالك. والنسائي (٤): عن قتيبة، عن مالك. والترمذي (٥): عن أبي كريب ومحمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان، عن أبي الزناد، به، وقال: حسن صحيح. الثاني: عن الربيع بن سليمان الجيزي الأعرج، عن حسان بن غالب بن نجيح الرعيني، وعن يحيى بن عبد الله بن بكير شيخ البخاري، كلاهما عن يعقوب بن عبد الرحمن القاري المدني، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي هريرة. وحسان بن غالب وإن كان فيه مقال، ولكنه ذكر متابعة، فلا يضر صحة الإسناد، على أنه قد وثقه ابن يونس. والحديث أخرجه مسلم (٦): عن قتيبة، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن سهيل، عن أبيه أبي صالح، عن أبي هريرة: "أن النبي ﵇ نهى عن الملامسة والمنابذة".

стр. 8625

وإسنادان عن أبي سعيد الخدري ﵁: أولهما: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبي سعيد الخدري سعد بن مالك. وأخرجه البخاري (١): عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد، عن أبي سعيد: "أن النبي ﵇ نهى عن لبستين وبيعتين: الملامسة والمنابذة". وأخرجه مسلم (٢): عن أبي الطاهر وحرملة، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب. . . . إلى آخره، نحوه. والثاني: عن إسماعيل بن يحيى المزني، عن محمد بن إدريس الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد. وأخرجه البخاري (٣) من حديث معمر، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد ﵁. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن الرجل إذا ابتاع ما لم يره، لم يجز ابتياعه إياه، وذهبوا في ذلك إلى تأويل تأولوه في هذا الحديث، فقالوا: الملامسة ما لمسه مشتريه بيده من غير أن ينظر إليه بعينه، قالوا: والمنابذة هي من هذا المعنى أيضًا، وهو قول الرجل للرجل: انبذ إليَّ ثوبك وأنبذ إليك ثوبي، على أن كل واحد منهما مبيع لصاحبه من غير نظر من كل واحد من المشتريين إلى ثوب صاحبه، وممن ذهب إلى هذا التأويل مالك بن أنس ﵀.

стр. 8626

ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي وأبا الزناد ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق فإنهم قالوا: إذا اشترى الرجل ما لم يره، فشراؤه فاسد. وعن مالك وأحمد: يصح بالوصف، ويثبت له الخيار إذا لم يكن بهذه الصفة. وهو قول الشافعي في القديم، وهو مختار الشافعية. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: من اشترى شيئًا غائبًا عنه فالبيع جائز، وله فيه خيار الرؤية، إن شاء أخذه وإن شاء تركه، وذهبوا في تأويل الحديث الأول أن الملامسة المنهي عنها فيه هي بيع كان أهل الجاهلية يتبايعونه فيما بينهم، فكان الرجلان يتراوضان على الثوب، فإذا لمسه المساوم به كان بذلك مبتاعًا له، ووجب على صاحبه تسليمه إليه. وكذلك المنابذة كانوا أيضًا يتقاولون في الثوب وفيما أشبهه، ثم يرميه ربه إلى الذي قاوله عليه، فيكون ذلك بيعًا منه إياه ثوبه، ولا يكون له بعد ذلك نقضه، فنهى رسول الله ﵇ عن ذلك، وجعل الحكم في البياعات أن لا يجب إلا بالمعاقدات المتراضى عليها، فقال: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" فجعل إلقاء أحدهما إلى صاحبه الثوب قبل أن يفارقه غير قاطع لخياره، ثم اختلف الناس بعد ذلك في كيفية تلك الفرقة، على ما قد ذكرنا من ذلك في موضعه من كتابنا هذا، وممن ذهب إلى هذا التأويل أبو حنيفة ﵁. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الشعبي والنخعي والزهري وابن شبرمة والحسن وابن سيرين ومكحولًا وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وزفر ﵏، فإنهم قالوا: يجوز للرجل أن يشتري شيئًا غائبًا، وله خيار الرؤية إذا رآه إن شاء أخذه وإن شاء تركه، وهو مذهب أهل الظاهر أيضًا، إلا أنهم قالوا: إذا اشترى بالصفة ثم وجده كما وصف له فالبيع لازم، وإن وجده بخلاف ذلك فلا بيع بينهما إلا بتجديد صفقة أخرى برضاهما جميعًا. قوله: "وذهبوا في تأويل الحديث الأول" أي ذهب هؤلاء الآخرون في تأويل الحديث الأول الذي احتجت به أهل المقالة الأولى، وهو ما رواه أنس وأبو هريرة

стр. 8627

وأبو سعيد الخدري ﵃: "أنه ﵇ نهى عن الملامسة، والمنابذة" وقالوا: إن المنابذة التي نهى عنها ﵇ هي بيع كان أهل الجاهلية يتبايعونه فيما بينهم، وكان الرجلان يتراوضان على الثوب، وهو من المراوضة، وهو التجاذب في البيع والشراء، وهو ما يجري بين المتابعين من الزيادة والنقصان، كأن كل واحدٍ منهما يروض صاحبه، من رياضة الدابة. وقيل: هو المواصفة بالسلعة، وهو أن يصفها ويمدحها عنده، ومنه حديث ابن المسيب: "أنه كره المراوضة". وهو أن تواصف الرجل بالسلعة ليست عندك، وسمي بيع المواصفة. قوله: "ثم اختلف الناس بعد ذلك في كيفية الفرقة" أي الفرقة المفهومة من قوله ﵇: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" فقال إبراهيم النخعي والثوري وربيعة وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن: المراد به هو التفرق بالأقوال، فإذا قال البائع: قد بعت، وقال المشتري: قد قبلت، فقد تفرقا، ولا يبقى لهما خيار بعد ذلك، ويتم البيع، ولا يقدر المشتري على رد البيع إلا بخيار العيب أو الرؤية أو خيار الشرط، وقال أبو يوسف وعيسى بن أبان: هي الفرقة بالأبدان وذلك أن الرجل إذا قال لآخر: قد بعتك عبدي بألف درهم، فللمخاطَب بذلك القول أن يقبل ما لم يفارقه صاحبه فإذا افترقا لم يكن له بعد ذلك أن يقبل. وقال سعيد بن المسيب، والزهري، وعطاء بن أبي رباح، وابن أبي ذئب، وابن عيينة، والأوزاعي، والليث بن سعد، وابن أبي مليكة، والحسن البصري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وأبو سليمان، ومحمد بن جرير الطبري، وأهل الظاهر: الفرقة المذكورة في الحديث هي الفرقة بالأبدان فلا يتم البيع حتى يوجد التفرق بالأبدان، وقد استوفينا الكلام فيه باب: "خيار البيعين حتى يتفرقا". ص: ولما اختلفوا في ذلك أردنا أن ننظر فيما سوى هذا الحديث من الأحاديث، هل فيه ما يدل على أحد القولين اللذين ذكرناهما؟ فنظرنا في ذلك، فإذا إبراهيم

стр. 8628

ابن محمد الصيرفي قد حدثنا، قال: ثنا أبو الوليد الطيالسي، قال: ثنا حماد، عن حميد، عن أنس ﵁ قال: "نهى رسول الله ﵇ عن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد". فدل على إباحة بيعه بعدما يشتد وهو في سنبله؛ لأنه لو لم يكن كذلك لقال حتى يشتد ويرى في سنبله، فلما جعل العلة في البيع المنهي عنه هي شدته ويبوسته؛ دل ذلك أن البيع بعد ذلك بخلاف ما كان عليه في البدء. فلما جاز بيع الحب المغيب في السنبل الذي لم يَيْنعَ دَلَّ هذا على جواز بيع ما لم يراه المتبايعان إذا كانا يرجعان إلى معلوم كما يرجعان في الحنطة المبيعة المغيبة في السنبل إلى حنطة معلومة، فأولى الأشياء بنا في مثل هذا إذا كنا قد وقفنا على تأويل هذا الحديث واحتمل الحديث الآخر موافقته أو مخالفته؛ أن نحمله على موافقته لا على مخالفته. وقد حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب في تفسير الملامسة والمنابذة قال: "كان القوم يتبايعون السلع لا ينظرون إليها ولا يخبرون عنها، والمنابذة أن يتنابذ القوم السلع لا ينظرون إليها ولا يخبرون عنها؛ فهذا من أبواب القمار". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ربيعة قال: "كان هذا من أبواب القمار، فنهى عنه رسول الله ﵇". فهذا الزهري وهو أحد من روي عنه هذا الحديث قد أجاز للرجل أن يشتري ما قد أخبر عنه، وإن لم يكن عاينه، ففي ذلك دليل على جواز ابتياع الغائب. ش: أي ولما اختلف أهل المقالة الأولى، وأهل المقالة الثانية في الحكم المذكور أردنا أن ننظر هل نجد حديثًا غير هذا الحديث المذكور؛ يدل على صحة أحد القولين؟ فنظرنا في ذلك فوجدنا حديث أنس ﵁ يدل على صحة ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية.

стр. 8629

أخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن محمد الصيرفي المصري شيخ أبي القاسم البغوي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن حميد الطويل، عن أنس. وأخرجه الطحاوي بهذا الإسناد بعينه في باب: "بيع الثمار قبل أن تتناهى". وأخرجه البيهقي (١) نحوه، وقد ذكرناه هناك مستوفى. ووجه استدلالهم بهذا قد بينه مشروحًا. قوله: "الذي لم يينع" من يَنَعَ الثمر يَيْنَع وأَيْنَع يُوِنعُ فهو يَانع ومُونِع: إذا أدرك ونضج، وأَيْنَع أكثر استعمالًا. قوله: "وقد حدثنا يونس. . . . إلى آخره". أخرجه من طريقين صحيحين شاهدًا لصحة ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية من التأويل الذي أولوه: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. والثاني: عن يونس أيضًا نحوه، ولكن عن ربيعة الرأي شيخ مالك ﵀، والباقي ظاهر. ص: فقال قائل ممن ذهب إلى التأويل الذي قدمنا ذكره في أول هذا الباب: من أين أجزتم بيع الغائب وهو مجهول؟ قيل له: ما هو مجهول في نفسه؛ لأنه متى رجع إليه رجع إلى معلوم بنفسه، كبيع الحنطة في سنبلها المرجوع منها إلى حنطة معلومة، وإنما الجهل في هذا هو جهل البائع والمشتري، فأما المبيع في نفسه فغير مجهول، وإنما المجهول الذي لا يجوز بيعه هو المجهول في نفسه الذي لا يرجع منه إلى معلوم كبعض طعام غير

стр. 8630

مسمى باعه رجل من رجل، فذلك البعض غير معلوم وغير مرجوع منه إلى معلوم، فالعقد على ذلك غير جائز، وقد وجدنا البيع يجوز عقده على طعام بعينه على أنه كذا وكذا قفيزًا والبائع والمشتري لا يعلمان حقيقة كيله، فيكون من حقوق البيع وجوب الكيل للمشتري على البائع ولا يكون جهلهما به يوجب وقوع العقد على شيء مجهول، إذا كانا يرجعان منه إلى طعام معلوم فهذا هو النظر في هذا الباب، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر ومحمد بن الحسن ﵏. ش: أراد بالقائل المذكور: الشافعي؛ فإنه قال: بيع الغائب كيف يجوز وهو مجهول؟! فأجاب عنه بقوله: "قيل له" أي لهذا القائل. . . . إلى آخره وهو ظاهر. فإن قلت: قد نهى ﵇ عن بيع ما ليس عند الإنسان. قلت: نعم والغائب هو عند بائعه لا مما ليس عنده؛ لأنه لا خلاف في لغة العرب صدق من يقول: عندي ضياع وعندي دور وعندي رقيق، والحال أنها ليست عنده، والمراد من الحديث ما ليس في ملكه. وقال ابن حزم: والبرهان على فساد قول الشافعي قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١) وقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) فبيع الغائب داخل فيما أحل الله وفي التجارة التي يتراضى بها المتبايعان، وكل ذلك حلال إلا بيعًا حرمه الله، على لسان رسوله ﵇ في القرآن أو في سنة ثابتة، وما نعلم للشافعي في المنع من بيع الغائبات الموصوفات سلفًا. ص: وقد روينا فيما تقدم من كتابنا هذا: "أن عثمان وطلحة ﵄ تبايعا مالًا بالكوفة فقال عثمان ﵁: لي الخيار لأني بعت ما لم أر، وقال طلحة ﵁: لي

стр. 8631

الخيار لأني ابتعت ما لم أر، فحكَّما بينهما جبير بن مطعم ﵁ فقضى أن الخيار لطلحة، ولا خيار لعثمان". فاتفق هؤلاء الثلاثة بحضرة أصحاب رسول الله ﵇ على جواز بيع شيء غائب عن بائعه ومشتريه. ش: أخرج الطحاوي في باب: "تلقي الجلب" في كتاب البيوع: عن أبي بكرة ومحمد بن شاذان، قالا: ثنا هلال بن يحيى بن مسلم، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن رباح بن أبي معروف المكي، عن ابن أبي مليكة، عن علقمة بن وقاص الليثي قال: "اشترى طلحة بن عبيد الله من عثمان بن عفان ﵄ مالًا، فقيل لعثمان: إنك قد غيبت وكان المال بالكوفة، قال: وهو مال آل طلحة الآن بها، وقال عثمان: لي الخيار لأني بعت ما لم أر، وقال طلحة: لي الخيار لأني اشتريت ما لم أر، فحكم بينهما جبير بن مطعم، فقضى أن الخيار لطلحة، ولا خيار لعثمان". وأخرجه البيهقي (١) نحوه. قوله: "فاتفق هؤلاء الثلاثة" أراد بهم: عثمان وطلحة وجبير بن مطعم، وأشار بهذا إلى أن هؤلاء الثلاثة لما اتفقوا بحضرة الصحابة على جواز بيع شيء غائب، ولم ينكر عليهم أحد من الصحابة، وقع موقع الإجماع، فلا يجوز خلافه. ص: وقد حدثنا فهد، قال: ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: أخبرني سالم: "أن عبد الله بن عمر ﵄ ركب يومًا مع عبد الله بن بحينة -وهو رجل من أزد شنوءة حليف لبني عبد المطلب وهو من أصحاب النبي ﵇ إلى أرض له بريم، فابتاعها منه عبد الله بن عمر على أن ينظر إليها، وريم من المدينة على قريب من ثلاثين ميلًا". فهذا عبد الله بن عمر، وعبد الله بن بحينة قد تبايعا ما هو غائب عنهما، ورأيا ذلك جائزًا.

стр. 8632

ش: ذكر هذا تأييدًا لصحة: ما ذكره من قبل من جواز بيع شيء غائب. وأخرجه بإسناد صحيح: عن فهد بن سليمان، عن أبي اليمان الحكم بن نافع شيخ البخاري، عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن مسلم الزهري. . . . إلى آخره. وعبد الله بن بُحَيْنة -بضم الباء الموحدة وفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح النون- وهي أمه، وهي بحينة بنت الأرت، وعبد الله هو ابن مالك بن القشب الأزدي الصحابي. قوله: "بريم" أي في ريم -بكسر الراء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره ميم- وقد فسره في الحديث بقوله: وريم من المدينة على قريب من ثلاثين ميلًا. ص: فإن قال قائل: إنما جاز ذلك لاشتراط ابن عمر الخيار. قيل له: إن ذلك الخيار لم يجب لابن عمر من جهة الاشتراط، ولو كان من جهة الاشتراط وجب؛ لكان البيع فاسدًا، ألا ترى أن رجلًا لو اشترى من رجل عبدًا أو أرضًا على أنه بالخيار فيها لا إلى وقت معلوم كان البيع فاسدًا؟ وابن عمر ﵄ في الحديث الذي رويناه عنه لم يشترط خيار الرؤية إلى وقت معلوم، فدل ذلك أن الخيار الذي اشترطه هو خيار يجب له بحق العقد، وهو خيار الرؤية الذي ذهب إليه طلحة وجبير ﵄ فيما رويناه عنهما، لا خيار شرط. ش: تقرير السؤال أن يقال: جواز البيع في حديث عبد الله بن عمر ليس على ما ذكرتم من بيع شيء غائب، وإنما هو لأجل اشتراط عبد الله بن عمر الخيار وجوابه ظاهر. ص: وقد حدثنا فهد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، قال: قال ابن عمر ﵄: "كنا إذا تبايعنا، كان كل واحد منا بالخيار ما لم يتفرق المتبايعين، قال: فتبايعت أنا وعثمان ﵁ فبعته مالًا لي بالوادي بمال له بخيبر، قال: فلما بايعته طفقت أنكص على عقبي القهقرى خشية أن يترادَّني في البيع عثمان قبل أن أفارقه.

стр. 8633

فهذا عثمان بن عفان وعبد الله بن عمر ﵃ قد تبايعا ما هو غائب عنهما، ورأيا ذلك جائزًا، وذلك بحضرة أصحاب رسول الله ﵇ فلم ينكره عليهما مُنكِرٌ. ش: ذكر هذا شاهدًا لصحة جواز بيع الغائب عن المتبايعين أو عن أحدهما. أخرجه بإسناد صحيح: عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن صالح شيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم ابن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر ﵃. وأخرجه البخاري (١) معلقًا، وقال: قال الليث: حدثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر قال: "بعت من عثمان مالًا بالوادي بماله بخيبر، فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى خرجت من بيته خشية أن يرادَّني البيع، وكانت السنة أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا". وأخرجه البيهقي (٢) من طريق ابن زنجويه والرمادي والفسوي، قالوا: ثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث بهذا. ثم قال: ورواه أبو صالح أيضًا ويحيى بن بكير، عن الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، بمعناه. قوله: "طفقت أنكص على عقبي القهقرى" أي أخذت أتأخر وأرجع إلى ورائي، وطفقت من أفعال المقاربة يقال: طَفِقَ الرجل يفعل كذا، يعني أخذ في الفعل، وجعل يفعل. قوله: "أنكص" من النكوص وهو الرجوع إلى الوراء وهو القهقرى، والقهقرى هنا منصوب على أنه مفعول مطلق لقوله: "أنكص" من قبيل قولك: قعدت جلوسًا.

стр. 8634

ص: وحدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن محمد بن عمير قال: قال أبو هريرة: "نهى رسول الله ﵇ عن بيعتين: أن يقول الرجل للرجل: انبذ إليَّ ثوبك وأنبذ إليك ثوبي، من غير أن يقلبا أو يتراضيا، أو يقول: دابتي بدابتك من غير أن يقلبا أو يتراضيا". ففي هذا الحديث: إجازة البيع بالتراضي، ودليل على أن المنابذة المنهي عنها ما ذهب إليه أبو حنيفة لا ما ذهب إليه مخالفه. ش: ذكر هذا الحديث بيانًا أن تفسير المنابذة التي نهى عنها رسول الله ﵇ هو ما ذهب إليه أبو حنيفة لا ما ذهب إليه مخالفه، وهو الشافعي ومن معه؛ وشاهدًا لإجازة البيع بالتراضي وإن كان المبيع غائبًا عنهما أو عن أحدهما. وأخرجه بإسناد صحيح: عن ربيع المؤذن، عن أسد بن موسى، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الحنفي، عن أشعث بن أبي الشعثاء سليم الكوفي، عن محمد بن عمير المحاربي، عن أبي هريرة. ومحمد بن عمير وثقه ابن حبان، وقال ابن أبي حاتم في ترجمته: روى عن أبي هريرة، قال: "نهى النبي ﵇ عن بيعتين". وسكت عنه.

стр. 8635

ص: باب تزويج الأب ابنته البكر هل يحتاج في ذلك إلى استئمارها ؟ ش: أي هذا باب في بيان حكم تزويج الابنة إذا أراد أبوها أن يزوجها، هل يحتاج في ذلك إلى أن يستأذنها؟ ص: حدثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، قال: ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه قال: قال رسول الله ﵇: "تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فقد أذنت، وان أنكرت لم تكره". ش: إسناده صحيح. وأبو نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، وأبو بردة اسمه عامر بن عبد الله ابن قيس، وقيل: اسمه الحارث، روى له الجماعة، وأبوه أبو موسى الأشعري اسمه عبد الله بن قيس. وأخرجه الطبراني (١): ثنا معاذ بن المثنى، نا مسدد، نا عيسى بن يونس، قال: سمعت أبي، سمع أبا بردة يحدث، عن أبيه، أن النبي ﵇ قال: "تستأمر اليتيمة فإن سكتت فهو إذن، وإن أنكرت لم تكره". ثنا سعيد بن أبي إسرائيل القطيعي، ثنا حِبَّان بن موسى المروزي، نا ابن المبارك، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﵇. . . . إلى آخره نحوه. قوله: "تستأمر" أي تستأذن، واليتيمة من اليتم، واليتم -بالضم والفتح-: الانفراد، وقيل: الغفلة، وقد يَتِمَ الصبي -بالكسر- وييتم فهو يتيم، والأنثى

стр. 8636

يتيمة، وجمعها أيتام ويتامى، وقد يجمع اليتيم على يُتَامى كأسير وأسارى، وإذا بلغا زال عنهما اسم اليتم حقيقة وقد يطلق عليهما مجازًا بعد البلوغ باعتبار ما كان، كما كانوا يسمون النبي ﵇ وهو كبير يتيم أبي طالب؛ لأنه ربَّاه بعد موت أبيه. وأراد باليتيمة هاهنا البكر البالغة التي مات أبوها قبل بلوغها، فلزمها اسم اليتم، فدعيت به وهي بالغة مجازًا، وقيل: المرأة لا يزول عنها اسم اليتم ما لم تتزوج، فإذا تزوجت ذهب عنها، ومنه حديث الشعبي: "أن امرأة جاءت إليه، فقالت: إني امرأة يتيمة، فضحك أصحابه، فقال: النساء كلهن يتامى" أي ضعائف ثم معنى اليتم بين الناس فقد الصبي أباه قبل البلوغ، وفي الدواب فقد الأم. ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبيد الله بن محمد التيمي، قال: أنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﵇ قال: "اليتيمة تستأمر، فإن رضيت فلها رضاها، وان أنكرت فلا جواز عليها". حدثنا ابن أبي داود، قال: أنا مسدد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن عمرو، قال: حدثني أبو سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ مثله. ش: هذان طريقان صحيحان، ورجالهما قد ذكروا غير مرة، وأبو سلمة عبد الله ابن عبد الرحمن بن عوف. وأخرجه أبو داود (١): ثنا أبو كامل، ثنا يزيد بن زريع. ونا موسى بن إسماعيل، نا حماد -المعني قال يزيد-: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "تستأمر اليتيمة في نفسها؛ فإن سكتت فهذا إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها". وأخرجه الترمذي (٢): عن قتيبة، عن عبد العزيز الدراوردي، عن محمد بن

стр. 8637

عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "اليتيمة تستأمر، في نفسها، فإن صمتت فهو إذنها وإن أبت فلا جواز عليها". وقال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن. وأخرجه النسائي (١): عن عمرو بن علي، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ نحوه. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن للرجل أن يزوج ابنته البكر البالغ بغير أمرها ولا استئذانها ممن رأى، ولا رأي لها في ذلك معه عندهم، قالوا: ولما قصد النبي ﵇ في الأثرين المذكورين في أول هذا الباب بما ذكرنا فيهما من الصمات والمحكوم له بحكم الإذن إلى اليتيمة، وهي التي لا أب لها، دَلَّ ذلك على أن ذات الأب في ذلك بخلافها، وأن أمر أبيها عليها أوكد من أمر سائر أوليائها بعد أبيها، وممن ذهب إلى هذا القول مالك بن أنس ﵀. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري وإبراهيم النخعي والليث بن سعد وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وإسحاق؛ فإنهم قالوا: يجوز للرجل أن يزوج ابنته البكر البالغ رضيت بذلك أو لم ترض، وممن قال بذلك: مالك بن أنس. وقال أبو عمر (٢): أجمع العلماء على أن للأب أن يزوج ابنته الصغيرة ولا يشاورها؛ لتزويج رسول الله ﵇ عائشة ﵂ وهي بنت ست سنين، إلا أن العراقيين قالوا: لها الخيار إذا بلغت، وأبى ذلك أهل الحجاز، واختلفوا في الأب هل يجبر ابنته الكبيرة على النكاح أم لا؟ فقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى: إذا كانت المرأة بكرًا؛ كان لأبيها أن يجبرها على النكاح ما لم يكن ضررًا بيِّنًا، وسواء كانت صغيرة أو كبيرة؛ وبه قال أحمد وإسحاق.

стр. 8638

وقال ابن قدامة (١): قال ابن المنذر: أجمع كل من حفظ عنه من أهل العلم أن نكاح الأب ابنته البكر الصغيرة جائز إذا زوجها من كفؤ، يجوز له تزويجها مع كراهتها وامتناعها، وأما البكر البالغة العاقلة فعن أحمد روايتان: إحداهما: له إجبارها على النكاح، ويزوجها بغير إذنها كالصغيرة، وهذا مذهب مالك، وابن أبي ليلى والشافعي وإسحاق. والثانية: ليس له ذلك، واختارها أبو بكر، وهو مذهب الأوزاعي والثوري وأبي عبيد وأصحاب الرأي وابن المنذر. وفي "المحلى" (٢) قال ابن شبرمة: لا يجوز إنكاح الأب ابنته الصغيرة إلا حتى تبلغ وتأذن، ورأى أمر عائشة ﵂ خصوصًا للنبي ﵇. قوله: "وقالوا" أي هؤلاء القوم، وهذا إشارة إلى وجه استدلالهم بحديث أبي موسى وأبي هريرة المذكورين فيما مضى فيما ذهبوا إليه، وهو استدلال بالمفهوم المخالف، وهو ليس بحجة فافهم. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ليس لولي البكر أبًا كان أو غيره أن يزوجها إلا بعد استئمارها. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الأوزاعي والثوري والحسن بن حَيّ وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وأحمد -في رواية، وهي اختيار أبي بكر من أصحابه- وأبا عبيد، وأبا ثور وأهل الظاهر، فإنهم قالوا: ليس للأب أن يجبر ابنته البالغة على زواجها، ولا يزوجها إلا بإذنها، وكذلك غير الأب من أوليائها، والأصل في هذا الموضع أن علة الإجبار الصغر عند هؤلاء، والبكارة عند أهل المقالة الأولى، فتُجْبر البكر عندهم وإن كانت بالغة، ولا تُجْبر الثيب وإن كانت صغيرة، وأما البكر الصغيرة فتجبر إجماعًا، والثيب الكبيرة لا تجبر إجماعًا.

стр. 8639

ص: وقالوا: ليس في قصد النبي ﵇ في الأثرين المرويين في ذلك في أول هذا الباب إلى اليتيمة ما يدل أن غير اليتيمة في ذلك على خلاف حكم اليتيمة، قد يجوز أن يكون أراد بذلك سائر الأبكار اليتامى وغيرهن، وخص اليتيمة بالذكر؛ إذ كان لا فرق بينها في ذلك وبين غيرها؛ ولأن السامع ذلك منه في اليتيمة البكر يستدل به على حكم البكر غير اليتيمة، وقد رأينا مثل هذا في القرآن، قال الله فيما حرم من النساء: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي في حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ (١) فذكر الربيبة التي في حجر الزوج، فلم يكن ذلك على تحريم الربيبة التي في حجر الزوج دون الربيبة التي هي أكبر منه، بل كان التحريم عليهما جميعًا، فكذلك ما ذكرنا عن رسول الله ﵇ في البكر اليتيمة ليس على اليتيمة البكر خاصة، بل هو على البكر اليتيمة وغير اليتيمة، وكان ما سمع أصحاب رسول الله ﵇ من ذلك في اليتيمة البكر دليلًا لهم أن ذات الأب فيه كذلك، إذا كانوا قد علموا أن البكر قبل بلوغها إلى أبيها عقد البياعات على أموالها وعقد النكاح على بِضْعِها، ورأوا بلوغها يرفع ولاية أبيها عليها في العقود على أموالها، فكذلك يرفع عنها العقود على بِضْعها. ش: أي قال هؤلاء الآخرون. . . . إلى آخره، وهذا جواب عما احتج به أهل المقالة الأولى في الحديثين [. . . .] (٢). ص: ومع هذا فقد روى أهل هذا المذهب لمذهبهم آثارا احتجوا له بها، غير أن في بعضها طعنا على مذهب أهل الآثار وأكثرها سليم من ذلك، وسنأتي بها كلها وبعللها وفساد ما يفسده أهل الآثار منها في هذا الباب إن شاء الله تعالى. فمما روي في ذلك مما طعن فيه أهل الآثار: ما حدثنا أبو أمية ومحمد بن علي بن داود، قالا: ثنا الحسين بن محمد المروزي، قال: ثنا جرير بن

стр. 8640

حازم، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن رجلًا زوج ابنته وهي بكر وهي كارهة، فأتت النبي ﵇ فخيرها". فكان من طعن من يذهب إلى الآثار والتمييز بين رواتها وتثبيت ما روى الحافظ منهم وإسقاط ما روى من هو دونه: أن قالوا: هكذا روى هذا الحديث جرير بن حازم، وهو رجل كثير الغلط، وقد رواه الحفاظ عن أيوب على غير ذلك، منهم سفيان الثوري وحماد بن زيد وإسماعيل بن علية، فذكروا في ذلك ما حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبد الرحمن ابن عبد الوهاب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن أيوب السختياني، عن عكرمة: "أن النبي ﵇ فرق بين رجل وبين امرأته زوجها أبوها وهي كارهة وكانت ثيبًا". فثبت بذلك عندهم خطأ جرير في هذا الحديث من وجهين: أما أحدهما: فإدخاله ابن عباس فيه، وأما الآخر: فذكره أنها كانت بكرًا، وإنما كانت ثيبًا. ش: أي ومع ما ذكرنا من الدليل لأهل المقالة الثانية "فقد روى أهل هذا المذهب" وأراد بهم: أهل المقالة الثانية "لمذهبهم آثارًا"، أي أحاديث "احتجوا له"، أي لمذهبهم "بها" أي بهذه الآثار، وأراد بذلك أنهم لم يكتفوا بالجواب عن حديثي أبي موسى وأبي هريرة وبمنعهم استدلال أهل المقالة الأولى بذلك، بل مع هذا رووا أحاديث وآثارًا لما ذهبوا إليه من عدم جواز إجبار الأب ابنته البالغة على زواجها. قوله: "غير أن في بعضها" أي في بعض الآثار التي احتجت بها أهل المقالة الثانية "طعنا على مذهب أهل الآثار" وأراد بذلك من جهة حال الإسناد والمتن، فإن أهل الآثار مذهبهم في هذين الفصلين بخلاف مذهب الفقهاء؛ فإن أكثرهم يحتجون بالآثار ولا يتعرضون للإسناد ولا للمتن، فلذلك قال: "على مذهب أهل الآثار". قوله: "وأكثرها سليم من ذلك" أي وأكثر الآثار التي احتجت بها أهل المقالة الثانية سليم من الطعن على مذهب أهل الآثار، وإن كانوا قد طعنوا في بعضها.

стр. 8641

قوله: "وسنأتي بها" أي بالآثار والأحاديث التي رويت في هذا الباب "مع بيان عللها وبيان فساد ما يفسده أهل الآثار منها" أي من الآثار المروية "في هذا الباب إن شاء الله تعالى". قوله: "فمما رووا في ذلك" أي فمن الآثار التي روى أهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه مما طعن فيه أهل الآثار: ما حدثنا أبو أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي، ومحمد بن علي بن داود المعروف بابن أخت غزال، كلاهما عن الحسين بن محمد المروذي نزيل بغداد روى له الجماعة، نسبته إلى مروالروذ، يروي عن جرير بن حازم البصري روى له الجماعة، عن أيوب السختياني روى له الجماعة، عن عكرمة مولى ابن عباس روى له الجماعة مسلم مقرونًا بغيره، عن ابن عباس. وأخرجه أبو داود (١): ثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا حسين بن محمد، قال: ثنا جرير بن حازم، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن جارية بكرًا أتت النبي ﵇ فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها". قوله: "فكان من طعن. . . . إلى آخره" إشارة إلى بيان طعن أهل الآثار في الحديث المذكور. قوله: "أن قالوا" في محل النصب على أنه خبره و"أن" مصدرية. وقوله: "من هو دونه" أي دون الحافظ، وحاصل هذا الطعن في حديث ابن عباس المذكور من وجهين: أحدهما: أن جرير بن حازم رجل كثير الغلط، وقد أدخل في هذا الحديث ابن عباس فجعله متصلًا، وهو مرسل منقطع، أشار إليه بقوله: "وقد رواه الحفاظ عن أيوب على غير ذلك" أي على غير ما رواه جرير بن حازم يعني رواه الحفاظ منقطعًا، منهم: سفيان الثوري، وحماد بن زيد، وإسماعيل ابن علية؛ فإنهم رووه عن أيوب، عن عكرمة، عن النبي ﵇.

стр. 8642

أما الذي رواه سفيان، عن أيوب، عن عكرمة عن النبي ﵇: فأخرجه عن أحمد بن داود المكي، عن عبد الرحمن بن عبد الوهاب البصري، عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن أيوب، عن عكرمة: "أن النبي ﵇. . . ." إلى آخره. وأما الذي رواه حماد بن زيد عن أيوب: فأخرجه أبو داود (١): ثنا محمد بن عبيد، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن النبي ﵇ بهذا الحديث، ولم يذكر ابن عباس. قال أبو داود: وكذلك يروى مرسلًا معروف. الوجه الثاني: أن جريرًا ذكر أن المرأة المذكورة كانت بكرًا، وإنما كانت ثيِّبًا، وقد أشار إلى الوجهين المذكورين بقوله: "فثبت بذلك عندهم خطأ جرير في هذا الحديث من وجهين". ولما أخرج البيهقي هذا الحديث في "سننه" (٢) قال: أخطأ فيه جرير على أيوب، والمحفوظ مرسل. قال: وروي أيضًا (٣) موصولًا: أنا طلحة بن علي، أنا الشافعي، نا محمد بن سعيد القاضي بعسقلان، ثنا أبو سلمة المسلم بن محمد الصنعاني، ثنا عبد الملك ابن عبد الرحمن الذماري، ثنا الثوري عن هشام الدستوائي، عن يحيى، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ رد نكاح بكر وثيب أنكحهما أبوهما وهما كارهتان". قال الدارقطني (٤): هذا وهم والصواب عن يحيى، عن المهاجر، عن عكرمة مرسل، وَهِمَ فيه الذماري وليس بالقوي.

стр. 8643

قال البيهقي (١): وهو في "جامع الثوري" مرسلًا، وكذا رواه عامة أصحابه عنه، وكذا رواه غير الثوري عن هشام. قلت: هذا الذي ذكره الطحاوي عنهم وسكت عن ذلك فكأنه رضي به أو لم يظفر بما يرد به عليهم، فنقول: جرير بن حازم ثقة جليل من رجال "الصحيح" وقد زاد الرفع فلا يضره إرسال من أرسله، وكيف وقد تابعه الثوري وزيد بن حبان فروياه عن أيوب كذلك مرفوعًا، كذا قال الدارقطني. وأخرج رواية زيد كذلك النسائي (٢) وابن ماجه (٣) في "سننهما" من حديث معمر بن سليمان، عن زيد، عن أيوب. والرواية التي ذكرها البيهقي (٤) عن طلحة بن علي تشهد لهذه الرواية بالصحة. على أن في سند الرواية الذماري، وقد قال البيهقي عن الدارقطني: إنه ليس بالقوي. قلت: الذماري روى له الحاكم في "مستدركه" وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكر صاحب "الكمال" عن عَمْرو بن علي أنه وثقه [. . . .] (٥) هذا متصلًا من طريق النسائي، عن محمد بن داود، عن حسين بن محمد، عن جرير بن حازم، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس. . . الحديث، وحكم له بالصحة. ص: ومما روي في ذلك أيضًا ما حدثنا أحمد بن أبي عمران، وإبراهيم بن أبي داود، وعلي بن عبد الرحمن، قالوا: ثنا أبو صالح الحكم بن موسى، قال: ثنا شعيب بن إسحاق الدمشقي، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله: "أن رجلًا زوج ابنته وهي بكر بغير أمرها، فأتت النبي ﵇ ففرق بينهما".

стр. 8644

ش: أي ومن الذي روي في هذا الباب حديث جابر بن عبد الله أخرجه [. .] (١). وأخرجه الدارقطني (٢): نا أبو محمد بن صاعد، نا الحسن بن محمد الزعفراني وأحمد بن منصور والعباس بن محمد وأبو إبراهيم الزهري. وحدثنا ابن مخلد، نا العباس بن محمد الدوري، وأحمد بن صالح الصوفي وغيرهم، قالوا: نا الحكم بن موسى، نا شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن جابر: "أن رجلًا زوج ابنته بكرًا ولم يستأذنها، فأتت النبي ﵇ فرد نكاحها". لفظ أبي بكر: وقال ابن صاعد: "وهي بكر من غير أمرها، فأتت النبي ﵇ ففرق بينهما". ص: فكان من حجة من يذهب في ذلك إلى تتبع الأسانيد: أن هذا الحديث لا نعلم أن أحدًا ممن رواه عن شعيب ذكر فيه جابرًا غير أبي صالح هذا، فممن رواه فأسقط منه جابرًا: علي بن معبد. حدثنا محمد بن عباس، عن علي بن معبد، عن شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن النبي ﵇ مثله، ولم يذكر جابرًا. وقد رواه عمرو بن أبي سلمة، عن الأوزاعي، فبين من فساد هذا الحديث أكثر من هذا. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: ثنا الأوزاعي، عن إبراهيم بن مرة، عن عطاء بن أبي رباح، عن النبي ﵇ بذلك. . . . فصار هذا الحديث عن الأوزاعي، عن إبراهيم بن مرة، عن عطاء. وإبراهيم بن مرة هذا ضعيف الحديث، ليس عند أهل الآثار من أهل العلم أصلًا.

стр. 8645

ش: أي فكان من دليل أهل التتبع في أسانيد الأحاديث: أن هذا الحديث مرسل منقطع، لا نعلم أن أحدًا من الرواة الذين رووا عن شعيب بن إسحاق ذكر فيه جابر بن عبد الله غير أبي صالح الحكم بن موسى، وبَيَّن ذلك بقوله: "فممن رواه فأسقط منه جابرًا: علي بن معبد بن شداد الرقي". أخرجه عن محمد بن عباس، عن علي بن معبد، عن شعيب بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح، عن النبي ﵇ نحوه، ولم يذكر جابر بن عبد الله. وكذا أخرجه أبو المغيرة، عن الأوزاعي. قال الدارقطني (١): ثنا عبد الغافر بن سلامة، ثنا عيسى بن خالد، ثنا أبو المغيرة، عن الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح قال: "فرق رسول الله ﵇ بين امرأة وزوجها، وهي بكر أنكحها أبوها وهي كارهة" وأشار الطحاوي إلى فسادٍ آخر: في إسناده ضعف أقوى من الأول بقوله: "وقد رواه عمرو بن أبي سلمة. . . . إلى آخره". أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن أبي سلمة التنيسي الدمشقي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن إبراهيم بن مرة الدمشقي، عن عطاء، عن النبي ﵇ نحوه. وأخرجه الدارقطني (٢): ثنا ابن مخلد، نا أبو بكر بن صالح، نا نعيم بن حماد، ثنا ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن إبراهيم بن مرة، عن عطاء بن أبي رباح: "أن رجلًا زوج ابنته. . . ." فذكر نحوه، ثم قال الدارقطني: الصحيح مرسل، وقول شعيب وَهْم.

стр. 8646

وقال البيهقي (١): وسئل أبو علي عن حديث شعيب بن إسحاق، فقال: لم يسمعه الأوزاعي من عطاء، وهو في الأصل مرسل، رواه الثقات عن الأوزاعي، عن إبراهيم بن مرة، عن عطاء مرسلًا، وذكره الأثرم لأحمد فأنكره. ص: ومما رووا في ذلك مما لا طعن لأحد فيه: ما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره. وحدثنا إبراهيم بن مرزوق وصالح بن عبد الرحمن، قالا: ثنا القعنبي عبد الله بن مسلمة. وحدثنا محمد بن العباس، قال: ثنا القعنبي وإسماعيل بن سلمة، قالا: ثنا مالك بن أنس، عن عبد الله بن الفضل، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن ابن عباس قال: قال: رسول الله ﷺ : "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر في نفسها، وإذنها صماتها". وحدثنا الحسين بن نصر، قال: ثنا يوسف عدي، قال: ثنا حفص بن غياث، عن عبد الله بن عبد الله بن موهب، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس عن النبي ﵇ مثله. حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن ابن موهب. . . . فذكر بإسناده مثله. وحدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن سعد، عن عبد الله بن الفضل، سمع نافع بن جبير يحدث، عن ابن عباس، أن رسول الله ﵇ قال: "الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر في نفسها". ش: أي ومما روى أهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه من الأحاديث التي لا طعن لأحد فيها لأجل صحة إسناده ومتنه: ما روي عن ابن عباس ﵄.

стр. 8647

وأخرجه من ستة طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري شيخ مسلم، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن عبد الله بن الفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن عبد الله ابن عباس ﵄. وأخرجه مالك (١) في "موطإه". وابن ماجه (٢): عن إسماعيل بن موسى السدي، عن مالك. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق وصالح بن عبد الرحمن الأنصاري، كلاهما عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن مالك. وأخرجه أبو داود (٣): عن القعنبي، عن مالك. الثالث: عن محمد بن العباس بن الربيع المصري، عن إسماعيل بن مسلمة ابن قعنب القعنبي وعبد الله بن مسلمة المذكور، عن مالك. وأخرجه الترمذي (٤) والنسائي (٥) كلاهما عن قتيبة، عن مالك. الرابع: عن الحسين بن نصر، عن يوسف بن عدي. . . . إلى آخره. وأخرجه الطحاوي في باب: "النكاح بغير ولي" بعين هذا الإسناد، وقد ذكرنا هناك أن الطبراني أخرجه بهذا الإسناد (٦).

стр. 8648

وأخرجه الدارقطني (١) أيضًا: ثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا العباس بن محمد، ثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، ثنا عبد الله بن عبد الله بن موهب، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن عبد الله بن عباس، أن رسول الله ﵇ قال: "الأيم أحق بأمرها من وليها، والبكر تستأمر في نفسها، وصمتها إقرارها". الخامس: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن عبيد الله بن عبد الله بن موهب، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس عن النبي ﵇، نحوه. السادس: عن ربيع أيضًا، عن أسد، عن سفيان بن عيينة، عن زياد بن سعد، الخراساني نزيل مكة، عن عبد الله بن الفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس. وأخرجه مسلم (٢): نا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا سفيان، عن زياد بن سعد، عن عبد الله بن الفضل، سمع نافع بن جبير يخبر، عن ابن عباس، أن النبي ﵇ قال: "الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن، وإذنها سكوتها"، وفي رواية له: "والبكر يستأذنها أبوها في نفسها، وإذنها صماتها"، وربما قال: "وصمتها إقرارها". وأخرجه أبو داود (٣): عن أحمد بن حنبل، عن سفيان، عن زياد بن سعد، عن ابن الفضل، نحوه. والنسائي (٤): عن محمد بن منصور، عن سفيان، عن زياد بن سعد. . . . إلى آخره نحوه.

стр. 8649

وقال أبو عمر: اختلف في لفظ هذا الحديث، فبعضهم يقول: "الأيم أحق بنفسها"، وبعضهم يقول: "الثيب"، والذي في "الموطأ": "الأيم"، وقد يمكن أن يكون من قال: "الثيب"، قد جاء به على المعنى، وهذا موضع اختلف فيه العلماء وأهل اللغة، فقال قائلون: الأيم هي التي آمت من زوجها بموته أو طلاقه، وهي الثيب وبه قال الشافعي، واحتجوا بقول الشاعر: فقاتل حتى أنزل الله نصره ... وسعد بباب القادسية معصم فأبنا وقد آمت نساءٌ كئيرةٌ ... ونسوة سعد ليس فيهن أيم قالوا: يعني ليست منهن من قتل زوجها. وهذا الشعر لرجل من بني أسد قاله يوم القادسية حين كان سعد بن أبي وقاص عليلًا مقيمًا في قصره لم يقدر على النزول، ولم يشرف على القتال. وقال يزيد بن الحكم الثقفي: كلُّ امرئ ستئيم منـ ... ـه العرِسُ أو منها يئيمُ يريد سيموت عنها أو تموت عنه. وقال الآخرون الأيم كل من لا زوج لها من النساء، وكذلك رجل لا امرأة له أيم وهذا قول مالك وأبو حنيفة وقال آخرون: الأيم امرأة لا زوج لها بكر كانت أو ثيبًا، واستشهدوا بقول الشاعر وهو أمية بن أبي الصلت: لله دَرُّ بَنِي علي ... أيم منهم وناكح إن لم يغيروا غارةً ... شعواء بحجر كل نابحٍ وقد مر الكلام فيه مستوفى في باب: "النكاح بغير ولي عصبة". ص: فلما كانت الأيم المذكورة في الحديث هي التي وليها أيّ ولي كان من أب أو غيره، كانت كذلك البكر المذكورة فيه هي البكر التي وليها أي ولي كان من أب أو غيره.

стр. 8650

ش: أراد أن لفظة الأيم بعمومها تتناول من كان وليها أباها أو غيره فكذلك لفظة البكر بعمومها تتناول من كان وليها أباها أو غيره فإذا كان كذلك فالثيب البالغة لا يجبرها أحد مطلقًا على زواجها، وكذلك البكر البالغة، كما مر مستقصى مع بيان الخلاف فيه. ص: وقد روى هذا الحديث صالح بن كيسان، عن نافع بن جبير بلفظ غير هذا اللفظ. حدثنا فهد، قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن صالح بن كيسان، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس للأب مع الثيب أمر، والبكر تستأمر، وإذنها صماتها". فهذا معناه ومعنى الأول سواء، والبكر المذكورة في هذا الحديث هي البكر ذات الأب، كما الثيب المذكورة فيه كذلك، فهذا ما روي لنا في هذا الباب عن ابن عباس، عن النبي ﵇. ش: أشار بهذا الحديث إلى حديث ابن عباس المذكور. أخرجه بإسناد صحيح عن فهد بن سليمان. . . . إلى آخره. وأخرجه أبو داود (١): عن الحسن بن علي، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن صالح، عن نافع، عن ابن عباس. وأخرجه النسائي (٢): عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن معمر. . . . إلى آخره. وأخرجه البيهقي (٣): من حديث ابن المبارك، عن معمر، نحو رواية الطحاوي، ثم قال: قال الدارقطني (٤) وغيره: أخطأ فيه معمر، واستدل عل خطئه برواية
следующие страницы →