← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

فأردنا نحن أن نستخرج من القولين قولا صحيحا، فرأيناهم قد أجمعوا أنها إذا توضأت في وقت صلاة فلم تصل حتى خرج الوقت، فأرادت أن تصلي بذلك الوضوء، أنه ليس لها ذلك حتى تتوضأ وضوءا جديدا، ورأيناها لو توضأت في وقت صلاة فصَلَّت، ثم أرادت أن تتطوع بذلك الوضوء، كان ذلك لها مادامت في الوقت. فدل ما ذكرنا أن الذي ينقض طُهْرها هو خروجُ الوقت، وأن وضوءها يُوجبُه الوقت، لا الصلاة. وقد رأيناها لو فاتتها صلوات فأرادت أن تقضيهن، كان لها أن تجمعهن في وقت صلاة واحدة، بوضوء واحد، فلو كان الوضوء يجب عليها لكل صلاة، لكان يجب أن تتوضأ لكل صلاة من الصلوات الفائتات، فلما كانت تصليهن جميعها بوضوء واحد، ثبت بذلك أن الوضوء الذي يجب عليها هو لغير الصلاة، وهو الوقت. ش: أراد "بالذين قالوا": أهل المقالة الثالثة، وهم الأئمة الأربعة ومن تبعهم. قوله: "فقال بعضهم" أراد به: أبا حنيفة وأصحابه؛ فلذلك أوضحه بقوله: "وهو قول أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف ومحمد ﵏" وهو قول أحمد أيضا في الأصح عنه. قوله: "وقال أخرون" أي: جماعة آخرون، وأراد بهم: الشافعية ومن تبعهم. وأما مذهب مالك، فقد قال ابن حزم في "المحلى" (١): وقال مالك: لا وضوء عليها -أي على المستحاضة- في هذا الدم إلا استحبابا لا إيجابا، وهي طاهر ما لم تُحْدِث حدثا آخر. قوله: "من القولين" أراد بهما: قول الحنفية، وقول الشافعية، ثم ذكر ثلاث مسائل متفقا عليها، وقاس عليها مسائل المستحاضة المتنازع فيها، والجامع: كون وجوب الوضوء عليها للوقت لا للصلاة، فافهم.

стр. 877

ص: وحجة أخرى، وهي أَنَّا قد رأينا الطهارات تنتقض بأحداث: منها الغائط، والبول، وطهارات تنتقض بخروج أوقات وهي الطهارة بالمسح على الخفين ينقضها خروج وقت المسافر، وخروج وقت المقيم، وهذه الطهارات المتفق عليها لم نجد فيها ما تنقضها صلاة، وإنما ينقضها حدث، أو خروج وقت، وقد ثبت أن طهارة المستحاضة ينقضها الحدث وغير الحدث، فقال قوم: هذا الذي هو غير الحدث هو خروج وقت. وقال آخرون: هو فراغ من صلاة، ولم نجد الفراغ من الصلاة حدثا في شيء غير ذلك، وقد وجدنا خروج الوقت حدثا في غيره، فأولى الأشياء أن نرجع في هذا الحدث المختلف فيه، فنجعله كالحدث الذي قد أجمع عليه ووجد له أصل، ولا نجعله كما لم يُجمع عليه ولم نجد له أصلا. فثبت بذلك قول مَنْ ذهب إلى أنها تتوضأ لوقت كل صلاة، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ﵏. ش: ملخص هذه الحجة: أنَّ جَعْلَ الفراغ من الصلاة حدثا غيرُ واقع، وجعل خروج الوقت حدثا واقعٌ موجود متفق عليه، فقياس انتقاض وضوء المستحاضة على الأصل الموجود المتفق عليه، أصلى من قياسه على شيء غير واقع، فافهم. قوله: "فقال قوم" أراد بهم: الحنفية. وقوله: "وقال آخرون" أراد بهم: الشافعية. هذا الذي ذكره كله بطريق النظر والقياس، وأما إذا ثبت في الحديث: المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة، كان هذا (١) مزيدة توكيد للمذهب. وقد قال صاحب "المغني": روي في بعض ألفاظ حديث بنت أبي حبيش: "توضئي لوقت كل صلاة" ثم قال: وحديثهم محمول على الوقت كما قال

стр. 878

النبي ﵇: "أينما أدركتني الصلاة" أي: وقتها دون فحلها، وحديث حمنة ظاهر في الجمع بين الصلاتين بوضوء واحد، ألا ترى أنه لم يأمرها بالوضوء بينهما؟ وقال الكاساني (١): روى أبو حنيفة بإسناده عن النبي ﵇ أنه قال: "المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة"، وهذا نص في الباب، وهذا محكم، وقوله ﵇: "المستحاضة تتوضأ لكل صلاة" محتمل، فيحمل المحتمل على المحكم، توفيقا بين الدليلين، صيانة لهما عن التناقض. ثم إن المستحاضة إذا سأل منها الدم بعد الوضوء فذلك لا يمنع من أداء الصلاة ما بقي الوقت لقوله ﵇: "وإن قطر الدم على الحصير" وأما إذا سأل من موضع آخر أعاد الوضوء، وإن كان الوضوء باقيا؛ لأن هذا حدث جديد، وإذا أصاب ثوبها من دم الاستحاضة فعليها أن تغسله، والله أعلم بالصواب.

стр. 879

ص: باب: حكم بول ما يؤكل لحمه ش: أي هذا باب بيان حكم بول مأكول اللحم من الحيوان، وجه المناسبة بين البابين: اشتمال كل منهما على حكم التطهير، على ما لا يخفى. ص: حدثنا أبو بكرة بكَّار بن قتيية، قال: نا عبد الله بن بكر، قال: نا حميد، عن أنس قال: "قدم ناس من عُرَيْنةَ على النبي ﵇ المدينة فاجْتَوَوْها، فقال: لو خرجتم إلى ذوْدٍ لنا فشرِبتم من ألبانها"، قال: وذكر قتادة أنه قد حفظ عنه: "أبوالها". ش: إسناده صحيح، وأخرجه الجماعة بألفاظ مختلفة، مطولة ومختصرة، فالبخاري (١): عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، قال: "قدم ناس من عُكل أو عُرَيْنَةَ فاجتووا المدينة، فأمرهم النبي ﵇ بلقاحٍ وأن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا، فلما صَحُّوا قتلوا راعي النبي ﵇، واستاقوا النَّعم، فجاء الخبر [أول النهار] (٢) فبعث في آثارهم، فلما ارتفع النهار جيء بهم، فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم، وسُمِّرَتْ أعيُنُهم، وألقوا في الحَرَّة يستسقون فلا يُسقون. قال أبو قلابة فهؤلاء سرقوا وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله. ومسلم (٣): عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن هُشيم واللفظ ليحيى، قال: أنا هشيم، عن عبد العزيز بن صهيب وحميد، عن أنس بن مالك: "أن ناسا من عُرَيْنَه قدموا على رسول الله ﵇ المدينة فاجتووها، فقال لهم رسول الله ﵇: "إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها فافعلوا،

стр. 880

فَصَحُّوا، ثم مالوا على الرِّعاء فقتلوهم، وارتدُّوا عن الإِسلام، وساقوا زَوْدَ رسول الله ﵇ فبلغ ذلك النبي ﵇ فبعث في إثرهم، فأُتِيَ بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمَلَ أعينهم، وتركهم في الحرة حتى ماتوا". وأبو داود (١): عن سليمان بن حرب .. إلى آخره، نحو رواية البخاري سواء. والترمذى (٢): عن الحسن بن محمَّد الزعفراني، عن [عفان] (٣) بن مسلم، عن حماد بن سملة، قال: أنا حميد وثابت وقتادة، عن أنس: "أن ناسا من عُرَينة قدموا المدينة فاجتووْها، فبعثهم النبي ﵇ في إبل الصدقة، وقال: اشربوا من ألبانها وأبوالها". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. والنسائي (٤): عن محمَّد بن عبد الأعلى، عن يزيد بن زُريع، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا قتادة، أن أنس بن مالك حدثهم: "أن أناسا -أو رجالا- من عُكَل قدِموا على رسول الله ﵇ فتكلموا بالإِسلام، فقالوا: يا رسول الله إنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف، واستوخموا المدينة، فأمر لهم رسول الله ﵇ بذودٍ [وراع،] (٥)، وأمرهم أن يخرجوا فيها [فيشربوا] (٦) من ألبانها وأبوالها، فلما صَحُّوا وكانوا بناحية الحرة، كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعِيَ رسول الله ﵇ واستاقوا الذَّوْد، فبلغ النبي ﵇ فبعث الطلب في آثارهم، فأتي بهم، فسمروا أعينهم، وقطعوا أيديهم وأرجلهم، ثم تُركوا في الحرة على حالهم حتى ماتوا".

стр. 881

وابن ماجه (١): عن أبي بكر بن أبي شيبة ... إلى آخره، نحو مسلم. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن أنس، نحو رواية النسائي .. وفي آخره: قال قتادة: "فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٣). قوله: "من عُرَيْنَهَ" بضم العين، وفتح الراء، وسكون الياء آخر الحروف، بعدها نون مفتوحة، وهو ابن نذير بن قَسْر بن عَبْقَر بن أَنْمار بن أراش بن عمرو ابن الغوث بن طيئ بن أُدَدَ، وزعم السكريّ أنه عرينة بن عَرِين بن يزيد. وأما عكل فهم خمس قبائل، وذلك أن عوف بن عبد مناة ولد قيسا، فولد قيسُ ابن عوف وائلا وعوانة، فولد وائلٌ عوفا وثعلبة، ويقال لثعلبة: ركبة القلوص، فولد عوف بن وائل الحارث وجُشَما وسعدا وعليّا وقيسا وأمهم بنت ذي اللحية، لأنه كان ثَطا (٤) بلا لحية، فحضنتهم أمة سوداء يقال لها: عكل -قاله الكلبي- فغلبت عليهم وهم جملة الرباب الذين تحالفوا على بني تميم. قوله: "فاجتووها" أي كرهوها للمرض الذي أصابهم بها، وأصله من الجَوى -بالجيم- وهو داء الجوف إذا تطاول، وقيل: اجتووها: استوْبلوها، ومنهم من فرق بين اجتووا واستوبلوا؛ فجعل استوبلوا: إذا لم يوافقهم وإن أحَبُّوا، واجتووا: كرهوا الوضع وإن وافق. وقال ابن الأثير (٥): فاجتوو المدينة أي أصابهم الجوى وهو المرض، وداء الجوف

стр. 882

إذا تطاول، وذلك إذا لم يوافقهم هواها واستوخموها، يقال: اجتويت البلد: إذا كرهت المقام فيه، وإن كنت في نعمة. قوله: "إلى ذَوْدٍ": بفتح الذال المعجمة وسكون الواو، وفي آخره: دال مهملة، وهي: الإبل ما بين الثِّنْتَيْنِ إلى التسع، وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر، واللفظة مؤنثة (١)، ولا واحد لها من لفظها كالنَّعم. وقال أبو عُبَيد: الذَّود من الإناث دون الذكور. فإن قيل: كم كان عدد الإبل التي أرسلهم ﵇ إليها ليشربوا ألبانها وأبوالها؟ قلت: جاء في رواية ابن سعد مُصرَّحا أنها خمسة عشر لِقْحَة، على ما ذكره في الطبقات (٢): وقال: أرسل رسول الله ﵇ في إثرهم كُرْزَ بن جابر الفهري، وعشرون فارسا، وكان العُرَنِيُّون ثمانية، وكانت اللقاح ترعى بذي الجَدْر، ناحيةَ قُبَاء، قريبا من عَيْر، على ستة أميال من المدينة، فلما عَرَوْا على اللِّقاح، أدركهم يَسار مولى النبي ﵇ وكان نُوبِيَّا أصابه رسول الله ﵇ في غزوة محارب، فلما رآه يحسن الصلاة أعتقه - ومعه نفر، فقاتلهم فقطعوا يده ورجْله، وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات، ففعل بهم النبي ﵇ كذلك، وأُنْزِلَ عليه ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٣) الآية فلم يَسْمُل بعد ذلك عينا. وكانت اللِّقاح خمس عشرة (٤) لِقْحَة غِزَارا، ففقد منها لقحة تُسَمَّى الحناء، فسأل عنها فقيل نحروها، وحُمِل يسارُ مَيْتا، ودفنوه بقباء. وقال ابن عقبة: كان أمير السرية سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل. فإن قيل: قد جاء في رواية: قال لهم النبي ﵇ "هذه نعم لنا"، وفي رواية: "أنها

стр. 883

لقاح النبي ﵇" وفي رواية: "أنها إبل الصدقة"، وفي رواية: "ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بإبل النبي ﵇", فكيف وجه هذه الروايات؟ قلت: طريق الجمع: أن النبي ﵇ كانت له إبل من نصيبه من الغُنْم، وكان يشرب لبنها، وكانت ترص مع إبل الصدقة، فأخبره مرة عن إبله، ومرة عن إبل الصدقة لاجتماعهما في موضع واحد. فإن قيل: ما وجه الترديد في رواية البخاري وغيره: "من عُكْل، أو عُرَيْنَة"، فهل هم كانوا من عكل كما صرح به الطحاوي في روايته، أو كانوا من عرينة، أو كانوا منهم ومنهم؟ قلت: قالوا: إنهم كانوا سبعة: أربعة من عرينة، وقيل: كانوا ثمانية، على ما صرح به ابن سعد في روايته على ما ذكرناه أيضا، وزعم الرشاطي أنهم من غير عرينة التي في قضاعة، وجاء في رواية عبد الرزاق: "كانوا من بني فزارة" وفي كتاب ابن الطلاع (١): أنهم كانوا من بني سُليم. وفيه نظر؛ لأن هؤلاء القبيلتين لا يجتمعان مع عرينة. فإن قيل: متى كانت قضية العرنيين؟ قلت: كانت في شوال سنة ست من الهجرة. فإن قيل: قال الطبري (٢): نا محمَّد بن خلف، نا إسحاق بن حماد، عن عمير ابن هاشم، عن موسى بن عبيدة، عن محمَّد بن إبراهيم، عن جرير، قال: "قدم قوم من عرينة حفاة، فلما صَحُّوا واشتدوا، قتلوا رعاة اللقاح، ثم خرجوا باللقاح، فبعثني رسول الله ﵇ فلما أدركناهم بعد ما أشرفوا على بلادهم -إلى أن قال-: فجعلوا يقولون: الماء الماء، ورسول الله ﵇ يقول: النار النار".

стр. 884

قلت: هذا مشكل على تقدير صحته؛ لأن إسلام جرير كان في السنة العاشرة، وقضية العرنيين كانت في سنة ست على ما ذكرنا, ولكن ذكر الطبراني في "الأوسط" وابن قانع أن جريرا أسلم قديما، فإن صح ما قالاه فلا إشكال. قوله "سمرت أعينهم" وفي رواية: "سملت" قيل: هما معنى واحد، والراء بدلت من اللام، وقيل اللام للشوك وغيره، وقد تكون بحديدة محماة تُدني من العين. وقد تكون مسمارا لتتفق الروايتان. قوله: "وألقوا في الحرَّة" بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء وهي الأرض ذات الحجارة السود، وتجمع علي حَرّ، وحِرَار (١) حرّات وحَرين وإحرين، وهو من المجموع النادرة كثُبِين، وقلين في جمع ثبة وقلة، وزيادة الهمزة في أوله بمنزلة الحركة في أرضين وتغيير أول سنين، وقيل: إن واحد إحرين: إحرة (٢). والحرة هذه أرض بظاهر المدينة، بها حجارة سود كثيرة، وكان بها الوقعة المشهورة أيام يزيد بن معاوية. قوله: "أهل ضْرع" الضَّرْع لكل ذات ظلف أو خُفّ، أراد به أنهم كانوا أهل إبل وغنم. قوله: "ولم نكن أهل ريف" الريف كل أرض فيها زرع ونخل، أرادوا أنهم كانوا من أهل البادية، لا من أهل المدن. ص: حدثنا عبد الله بن محمد بن خُشيش، قال: ثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، قال: نا حماد بن سلمة، عن ثابت وقتادة وحميد، عن أنس، عن النبي ﵇ مثله وقال: "من أبوالها وألبانها". ش: هذا طريق أخر، وهو أيضا صحيح. وأخرجه الترمذي (٣) نحوه، وقد ذكرناه.

стр. 885

ص: فذهب قوم إلى أن بول ما يؤكل لحمه طاهرٌ وأن حكم ذلك حكم لحمه، وممن ذهب إلى ذلك محمَّد بن الحسن، وقالوا لما جعل ذلك النبي ﵇ دواء لما بهم، ثبت أنه حلال؛ لأنه لو كان حراما لم يُدَاوِهم به؛ لأنه داء وليس شفاء. ش: أراد بالقوم المذكورين: الشعبي وعطاء والنخعي والزهري وابن سيرين والحكَم بن عتيبة والثوري، فإنهم استدلوا بالحديث المذكور على طهارة بول ما يؤكل لحمه وممن ذهب إلى ذلك محمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة، والإصطخري والرُّويَانيُّ من أصحاب الشافعي، وإليه ذهب مالك وأحمد. وقال في داود وابن عُليَّة: بول كل حيوان ونَجْوه -وإن كان لا يؤكل- طاهر غير بول الآدمي. ص: كما قال في حديث علقمة بن وائل بن جُحْر؛ حدثنا ربيع المؤذن، قال: نا يحيى بن حسان، قال: نا حماد بن سلمة (ح). وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن طارق بن سُوَيد الحضرمي، قال: "قلت: يا رسول الله، إن بأرضنا أعنابا نعتصرها أفنشرب منها؟ فقال: لا. فراجعته، فقال: لا. فقلت: يا رسول الله إنا نستشفي بها للمريض، قال: ذاك داء وليس شفاء". ش: إشار به إلى الاستدلال بأن الحرام لا يجوز أن يداوى به، ولو كانت أبوال الإبل ونحوها حراما، لَمَا أمرهم ﵇ أن يتداوو به، والدليل عليه حديث طارق بن سويد، فإنه يدل على أن التداوي بالحرام غير جائز، ألا ترى كيف قال رسول الله ﵇: "ذاك داء وليس شفاء" حتى قال له طارق: "أنا نستشفي بها للمريض"؟ فلو كانت أبوال الإبل ونحوها حراما؛ لما أمر النبي ﵇ بالتداوي به، فأَمْرُه بذلك دَلَّ على أنه حلال، فيكون طاهرا.

стр. 886

ثم إنه أخرج حديث طارق من طريقين صحيحين: الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن يحيى بن حسان التنيسي، عن حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل بن حجر الكوفي، عن طارق بن سويد -ويقال: سويد بن طارق- الحضرمي، ويقال: الجُعْفي الصحابي. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا بهز وأبو كامل، قالا: ثنا حماد بن سلمة .. إلى آخره نحوه. وأخرجه مسلم (٢): ولفظه: "أن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي ﵇ عن الخمر، فنهاه، أو كره أن يصنعها [قال إنما أصنعها] (٣) للدواء- فقال: إنه ليس بدواء ولكنه داء". وأخرجه أبو داود (٤): ولفظه: "أنه سأل النبي ﵇ عن الخمر، فنهاه، ثم سأله فنهاه، فقال: يا نبي الله، إنها دواء. فقال النبي ﵇: "لا, ولكنها داء". وأخرجه الترمذي (٥): ولفظه: "أنه شهد النبي ﵇ وسأله سويد بن طارق -أو طارق بن سويد- عن الخمر، فنهاه، فقال: إنا نتداوى بها، فقال رسول الله ﵇ إنها ليست بدواء ولكنها داء". الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البُرُلُّسِي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٦): عن زكريا بن يحيى الساجي، عن هُدْبة بن خالد، عن حماد بن سلمة .. إلى آخره نحو رواية أحمد سواء.

стр. 887

قوله: "أفنشرب منها" الهمزة فيه للاستفهام. قوله: "فراجعته" وفي رواية: "فعادوته" وكذا في رواية أحمد. "نستشفي "أي: نطلب الشفاء بها. ص: وكما قال عبد الله بن مسعود ﵁ وغيره من أصحاب النبي ﵇: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: نا وهب، قال: نا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، قال: قال عبد الله: "ما كان الله ليجعل في رجس -أو فيما حرم- شفاء". حدثنا حسين بن نصر، قال: نا أبو نعيم، قال: نا سفيان، عن عاصم، عن أبي وائل، قال: "اشتكى رجل مِنَّا، فَنُعِتَ له السَّكَرُ، فأتينا عبد الله فسألناه، فقال: إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم". حدثنا ابن مرزوق، قال: حدثنا أبو عاصم عن عثمان بن الأسود، عن عطاء، قال: قالت عائشة ﵂: "اللهم لا تشف مَنْ استَشْفى بالخمر". قالوا: فلما ثبت بهذه الآثار أن الشفاء لا يكون فيما حُرِّم على العباد، ثبت بالأثر الأول الذي جعل النبي ﵇ بول الإبل فيه دواء أنه طاهر غير حرام، وقد روي عن النبي ﵇ في ذلك أيضا ما قد حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن، قال: نا أسد، قال: نا ابن لهيعة، قال: نا ابن هُبَيرة، عن حنش بن عبد الله، عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في أبوال الإبل وألبانها شفاء للذَّرِبة بطونهم". قالوا: ففي ذلك أيضا تثبيت ما وصفناه، أيضا. ش: هذا عطف على قوله: "كما قال في حديث علقمة" أي وكقول عبد الله ابن مسعود وغيره من الصحابة في حرمة الاستشفاء بالحرام. وأخرج في هذا عن ابن مسعود من طريقين صحيحين: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السَّبيعي، عن أبي الأحوص عوف بن مالك الكوفي، عن عبد الله.

стр. 888

وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): بأتم منه: ثنا أبو خليفة، نا أبو الوليد الطيالسي ومحمد بن كثير، قالا: نا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص: "أن رجلا أتى عبد الله، فقال: إن أخي مريض، اشتكى بطنه، وإنه نُعِتَ له الخمر، أفأسقيه؟ قال عبد الله: سبحان الله! ما جعل الله شفاء في رجس، إنما الشفاء في شيئين: العسل شفاء للناس، والقرآن شفاء لما في الصدور". قوله: "في رجس" بكسر الراء أي: في نجس، قال ابن الأثير: الرجس القذر، وقد يُعَبَّر به عن الحرام، والفعل القبيح، والعذاب، واللعنة، والكفر، والمراد ها هنا: القذر والحرام. والثاني: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن عبد الله. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): نا جرير، عن منصور، عن أبي وائل: "أن رجلا أصابه الصَّفَرُ، فَنُعِتَ له السَّكَرُ، فسُئِل عبد الله عن ذلك، فقال: إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم". قوله: "فنُعتَ له" أي وصف له "السَّكَرُ"، وهو بفتح السين والكاف، وهو الخمر المعتصر من العنب -قاله ابن الأثير- وقال الجوهري: السَكَرُ: نبيذ التمر. وفي التنزيل ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ (٣) والسَكَّارُ: النَبَّاذ. قوله: "الصَّفَر" بفتح الصاد والفاء، قال الجوهري: الصَفَّر فيما يزعم العرب: حَيّة في البطن تعض الإنسان إذا جاع، واللدغ الذي يجده عند الجوع من لدغه، ولكن المراد ها هنا ما ذكره ابن الأثير، وهو اجتماع الماء في البطن كما يَعْرِضُ للمُسْتَسْقَى، يقال:

стр. 889

صُفِرَ فهو مصفور وصفِر صَفَرا فهو صَفِرٌ، والصَّفَر أيضا، دود [يقع] (١) في الكبد وشراسيف الأضلاع، فيصفرُّ عنه الإنسان جدّا، وربما قتله. وأخرج في هذا عن عائشة ﵂، عن إبراهيم بن مرزوق عن أبي عاصم النبيل، الضحاك بن مخلد، عن عثمان بن الأسود بن موسى المكي، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة. وهذا أيضا إسناد صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن معاوية بن هشام عن أبي ذئب، عن الزهري، أن عائشة ﵂ كانت تقول: "مَنْ تداوى بالخمر فلا شَفَاه الله". وأخرج عن ابن عباس مرفوعا، عن الربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن عبد الله بن لهيعة المصري، عن عبد الله بن هُبَيرة الشيباني، عن حنش بن عبد الله أبي رِشْدين الصنعاني، عن عبد الله بن العباس. ورجاله ثقات إلَّا أن في ابن لهيعة مقالا. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٣): نا بكر بن سهل، نا عبد الله بن يوسف، نا ابن لهيعة .. إلى آخره، نحوه. قوله: "للذرِبَة بطونهم" من الذَّرَب بالتحريك، وهو الداء الذي يعرض للمعدة فلا تهضم الطعام، ويَفْسُد فيها فلا تمسكه، يتهال: ذَرِبت معدته، تَذْرَبُ، ذَرَبا: فسدت. قوله: "بطونهم" مرفوع بإسناد الذربة إليه، والذَّرِبَة ها هنا صفة مشبهة، بفتح الذال المعجمة وكسر الراء، تقول: رجل ذَرِبٌ، ومَعِدة ذَرِبَة.

стр. 890

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: أبوال الإبل نجسة وحكمها حكم دمائها, لا حكم لحومها. ش: أي: خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: أبا حنيفة وأبا يوسف والشافعي وأبا ثور وآخرين كثيرين؛ فإنهم قالوا: أبوال الإبل نجسة وحكمها حكم دمائها في النجاسة، لا حكم لحومها. وقال ابن حزم في "المحلى" (١): والبول كله من كل حيوان، إنسان أو غير إنسان، مما يؤكل لحمه أو لا يؤكل لحمه، [ونَجْو كل ما ذكرنا] (٢) كذلك، أو من طائر، يؤكل لحمه أو لا يؤكل لحمه، فكل ذلك حرام كله وشربه، إلَّا لضرورة تداوي أو إكراه، أو جوع أو عطش فقط، وفرضٌ اجتنابه في الطهارة والصلاة، إلَّا ما لا يمكن التحفظ منه إلَّا بحَرَجٍ (٣)، فهو معفو عنه كونيم الذباب، ونَجْو البراغيث. وقال داود (٤): بول كل حيوان ونَجْوُه، أكل لحمه أو لم يؤكل فهو طاهر، حاشي بول الإنسان ونجْوه فقط؛ فهما نجسان. ص: وقالوا: أما ما رويتموه من حديث العرنيين فذلك إنما كان للضرورة، فليس في ذلك دليل أنه مباح في غير حال الضرورة؛ لأَنَّا قد رأينا أشياء أُبيحت في الضرورات، ولم تُبَح في غير الضرورات. ش: أي: قال أهل المقالة الثانية مجيبين عما احتج به أهل المقالة الأولى. بيانه: أن ما رويتم من حديث العرنيين كان ذلك لأجل الضرورة، فما أبيح في الضرورة لا يباح في غيرها، كما في لبس الحرير، فإنه حرام على الرجال، وقد

стр. 891

أبيح لبسه في الجرب، أو للحكة، أو لشدة البرد إذا لم يجد غيره، وله أمثال كثيرة في الشرع. والجواب المقنع في ذلك: أنه ﵇ عرف بطريق الوحي شفاءَهم، والاستشفاء بالحرام جائز عند التيقن بحصول الشفاء؛ كتناول الميتة عند المخمصة، والخمر عند العطش وإساغة اللقمة، وإنما لا يباح مالا يسْتيقن حصول الشفاء فيه. وقال ابن حزم (١): صح يقينا أن رسول الله ﵇ إنما أمرهم بذلك على سبيل التداوي من السقم الذي كان أصابهم، وأنهم صحت أجسامهم بذلك، والتداوي منزلة ضرورة؛ وقد قال : ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٢)؛ فما اضطُّر المرء إليه فهو غير محرم عليه من المآكل والمشارب. وقال شمس الأئمة: حديث أنس ﵁ قد رواه قتادة عنه: أنه رخص لهم في شرب ألبان الإبل، ولم يذكر الأبوال، وإنما ذكره في رواية, حميد الطويل عنه، والحديث حكايته حال، فإذا دار بين أن يكون حجة أو لا يكون حجة، سقط الاحتجاج به. ثم نقول: خصَّهم رسول الله ﵇ بذلك؛ لأنه عرف من طريق الوحي أن شفاءهم فيه، ولا يوجد مثله في زماننا، وهو كما خص الزبير ﵁ بلبس الحرير لحكة كانت به، وهي القمل، فإنه كان كثير القمل. أو لأنهم كانوا كفارا في علم الله تعالى، ورسوله ﵇ علم من طريق الوحي أنهم يموتون على الرِّدَّة، ولا يبعد أن يكون شفاء الكافر بالنجس, انتهى. فإن قيل: هل لأبوال الإبل تأثير في الاستشفاء حتى أمرهم ﵇ بذلك؟ قلت: قد كانت إبله ﵇ ترعى الشِّيحَ والقَيْصَوم، وأبوال الإبل التي ترعى ذلك وألبانها تدخل في علاج نوع من أنواع الاستشفاء، فإذا كان كذلك كان

стр. 892

الأمر في هذا أنه ﵇ عرف بطريق الوحي كون هذه شفاء، وعرف أيضا مرضهم الذي تُزيله هذه الأبوال، فأمرهم لذلك، ولا يوجد هذا في زماننا، حتى إذا فرضنا أن أحدا عرف مرض شخص بقوة العلم، وعرف أنه لا يزيله إلَّا تناول المحرم، يباح له حينئذ أن يتناوله، كما يباح شرب الخمر عند العطش الشديد، وتناول الميتة عند المخمصة. ص: ورُوِيَت فيها الآثار عن النبي ﵇: حدثنا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أنا همام. (ح). وحدثنا عبد الله بن محمَّد بن خُشيش، قال: حدثنا الحجاج ابن منهال، قال: نا همام، قال: نا قتادة، عن أنس: "أن الزبير وعبد الرحمن ابن عوف ﵄ شَكَوَا إلى النبي ﵇ القمل، فرخص لهما في قميص الحرير في غزاة لهما، قال أنس: فرأيت على كل واحد منهما قميصا من حرير". ش: أي: رُويت في إباحة الأشياء في الضرورات الآثار عن النبي ﵇ ثم بين ذلك بقوله: حدثنا .. إلى آخره. وأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن حسين بن نصر، عن يزيد بن هارون الواسطي أحد مشايخ أحمد، واحد أصحاب أبي حنيفة، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس. والثاني: عن عبد الله بن محمَّد بن خُشيش -بالمعجمات وضم الأول- عن الحجاج بن منهال، عن همام ... إلى آخره. وأخرجه الجماعة: فالبخاري (١): عن محمَّد، عن وكيع، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس قال: "رخص النبي ﵇ للزبير وعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير لحكة بهما".

стр. 893

ومسلم (١): عن أبي كريب، عن أبي أسامة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة؛ أن أنس بن مالك أنبأهم: "أن رسول الله ﵇ رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في القُمُص الحرير في السفر، في حكة كانت بهما، أو وجع كان بهما". وأبو داود (٢): عن النفيلي، عن عيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عروبة .. إلى آخره نحوه، وليس في لفظه: "أو وجع كان بهما". والترمذي (٣): عن محمود بن غيلان، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن همام، عن قتادة، عن أنس بن مالك: "أن عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام شكيا القمل إلى رسول الله ﵇ في غزاة لهما، فرخص لهما في قمص الحرير، قال: ورأيته عليهما". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي (٤): عن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس، عن سعيد .. إلى آخره، نحو رواية أبي داود. وابن ماجه (٥): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمَّد بن بشر، عن سعيد .. إلى آخره، نحو رواية مسلم. قوله: "شَكَوَا" تثنية شكى مثل غَزَوَا في تثنية غزا، ووقع في رواية الترمذي: "شَكَيَا" مثل رَميَا في تثنية رمى، والأصل أن يقال بالواو؛ لأنه من النواقص الواوية تقول: شكوت فلانا، أشكوه شَكْوا وشكاية، وشَكِيَّة وشَكَاة، إذا أخبرت عنه بسوء فعله بك، فهو مَشْكُوُّ ومَشْكِيُّ، والاسم: الشَّكْوى.

стр. 894

قوله: "في قميص الحرير" وفي رواية غيره: "في قُمُص الحرير" على لفظ الجمع. قوله: "في غزاة لهما" وفي رواية أبي داود ومسلم: "في السفر"، وهذا أعم؛ لتناوله الغَزَاة وغيرهَا. ص: قال أبو جعفر ﵀: فهذا رسول الله ﷺ قد أباح الحريرَ لمن أباح له لبسه من الرجال للحكة التي كانت، فكان ذلك من علاجها, ولم يكن في إباحته ذلك لهم للعلل التي كانت بهم ما يدل على أن ذلك كان مباحا في غير تلك العلل، فكذلك أيضا ما أباحه رسول الله ﵇ للعُرَنِيِّين للعلل التي كانت بهم، فليس في إباحته ذلك لهم دليل على أن ذلك مباح في غير تلك العلل، ولم يكن في تحريم لبس الحرير ما ينفي أن يكون حلالا في حال الضرورة، فكذلك حُرْمة البول في غير حال الضرورة ليس فيه دليل أنه حرام في حال الضرورة، فثبت بذلك أن قول النبي ﵇ في الخمر: "إنها داء وليس شفاء"، إنما هو لأنهم كانوا يتشفون بها لأنها خمرٌ؛ فذلك حرام، وكذلك قول عبد الله -عندنا-: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم" إنما هو لما كانوا يفعلون بالخمر، لأعظامهم إياها, ولأنهم كانوا يعدونها شفاء في نفسها، فقال لهم: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم". فهذه وجوه هذه الآثار, فلما احتملت ما ذكرنا ولم يكن فيها دليل على طهارة الأبوال، احتجنا أن نُراجع، فنلتمس ذلك من طريق النظر، فنعلم كيف حكمه؟ فنظرنا في ذلك، فإذا لحوم بني آدم كلُّ قد أجمع أنها لحوم طاهرة، وأن أبوالهم حرام نجسه، فكانت أبوالهم باتفاقهم محكوما لها بحكم دمائهم، لا بحكم لحومهم، فالنظر على ذلك أن تكون كذلك أبوال الإبل يُحكم لها بحكم دمائها لا بحكم لحومها. فثبت بما ذكرنا أن أبوال الإبل نجسة، فهذا هو النظر، وهو قول أبي حنيفة: ش: النُّسَخ في هذا الموضع مختلفة، وأحسنها ما كتبناه، وهو ظاهر لا يحتاج إلى البيان.

стр. 895

قوله: "فثبت بذلك أن قول النبي ﵇، في الخمر: إنها داء وليس بشفاء"، جواب عن حديث طارق بن سويد الحضرمي. وقد طغى ابن حزم فيه (١)، قال: إنما جاء من طريق سماك بن حرب، وهو يَقْبلُ التلقين، شهد بذلك شعبة وغيره (٢)، ثم لو صحَّ لم يكن فيه حجة؛ لأن فيه أن الخمر ليست دواء. ولا خلاف بيننا أن ما ليس دواء، فلا يحل تناوله إذا كان حراما] (٣) وإنما خالفناهم في الدواء، وجميع الحاضرين لا يقولون بهذا، بل أصحابنا والمالكيون يُبيحون للمختنق شربَ الخمر إذا لم يجد ما يُسيغ أكلته به غيرها، والحنفيون والشافعيون يُبيحونها عند شدة العطش. قوله: "وكذلك قول عبد الله"، جواب عن أثر عبد الله بن مسعود، وهو ظاهر. وذكر ابن حزم في "المحلى" قول ابن مسعود، وجعله حديثا عن النبي ﵇، فقال: رُوِيَ من طريق جرير، عن [سليمان] (٤) الشيباني، عن حسان بن المخارق، عن أم سلمة، عن النبي ﵇ أنه قال: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم" ثم قال: هذا حديث باطل؛ لأن [سليمان] (٥) الشيباني مجهول (٦).

стр. 896

قلت: أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (١) وصححه، قال: أنا أحمد بن علي بن المثنى، قال: نا أبو خيثمة، قال: ثنا جرير، عن الشيباني، عن حسان بن المخارق قال: "قالت أم سلمة: اشتكت ابنة لي، فنبذت لها في كوز، فدخل النبي ﵇ وهو يغل، فقال: ما هذا؟ فقلت: إن ابنتي اشتكت فنبذنا لها هذا، فقال ﵇: إن الله لم يجعل شفاءكم في حرام". قوله: "كل قد أجمع" أي: كل واحد من أهل المقالتين. ص: وقد اختلف المتقدمون في ذلك، فمما روي عنهم في ذلك: ما حدثنا حسين بن نصر قال: نا الفِريابيُّ، قال: نا إسرائيل، قال: نا جابر، عن محمَّد بن علي، قال: "لا بأس بأبوال الإبل والبقر والغنم، أن يتداوى بها". قال أبو جعفر: فقد يجوز أن يكون ذهب إلى ذلك؛ لأنها عنده طاهرة في الأحوال كلها، كما قال محمَّد بن الحسن، وقد يجوز أن يكون أباح العلاج بها للضرورة إليها، لا لأنها طاهرة في نفسها, ولا مباحة في غير حال الضرورة إليها. حدثنا حسين بن نصر، قال: نا الفِرْيابيُّ، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، قال: "كانوا يستشفون بأبوال الإبل، لا يرون بها بأسا". فقد يحتمل هذا أيضا ما احتمله قول محمَّد بن علي ﵁. حدثنا حسين بن نصر، قال: نا الفريابي، قال: أنا سفيان، عن عبد الكريم، عن عطاء قال: "كل ما أكل لحمه فلا بأس ببوله". قال أبو جعفر ﵀: فهذا مكشوف المعنى. حدثنا بكر بن إدريس، قال: نا آدم، قال: نا شعبة، عن يونس، عن الحسن: "أنه كره أبوال الإبل والبقر والغنم، أو كلاما هذا معناه".

стр. 897

ش: أراد بالمتقدمين التابعين؛ فإنهم أيضا اختلفوا في ذلك، أي في حكم بول الإبل ونحوه، هل يجوز به التداوي أم لا؟ وأخرج في ذلك عن أبي جعفر محمَّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ القرشي الهاشمي، المدعو بالباقر، وهو أحد الأئمة الاثنى عشر في اعتقاد الإمامية، سمي باقرا لأنه تَبَقَّر في العلم، أي توسمع، والتَّبَقُّر: التوسع، وهو ممن روى له الجماعة. وإبراهيم النخعيِّ، وعطاءٍ، والحسن البصريِّ. فالأول: عن حسين بن نصر، عن محمَّد بن يوسف الفريابي (١) شيخ البخاري، عن إسماعيل بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي. عن جابر بن يزيد الجعفي، فيه مقال كثير ة فعن أبي حنيفة: ما لقيت -فيمن لقيت- أكذب من جابر الجعفي، ما أتيته بشيء من رأي، إلَّا جاء فيه بأثر. وعن جرير بن عبد الحميد: كان يؤمن بالرجعة. وقال عباس الدُّوري: كان كذابا، ليس بشيء. وعن زائدة: رافضِيّ يشتم أصحاب النبي ﷺ ووثقه آخرون. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن أبي جعفر، قال: "لا بأس بأبوال الإبل أن يتداوى بها". والثاني: عن حسين بن نصر، عن الفِرْيابيّ أيضا، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي.

стр. 898

وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، قال: "لا بأس أن يستنشق [من] (٢) أبوال الإبل". والثالث: عن حسين أيضا، عن الفِرْيابى، عن سفيان، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن عطاء بن أبي رباح. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): عن وكيع، عن سفيان، عن عبد الكريم، عن عطاء، قال: "ما أكل لحمه فلا بأس ببوله". والرابع: عن بكر بن إدريس، عن آدم بن أبي إياس، عن شعبة، عن يونس ابن أبي إسحاق، عن الحسن. وأخرجه محمَّد بن الحسن في "آثاره" (٤): أنا أبو حنيفة، نا رجل من أهل البصرة، عن الحسن البصري، أنه قال: "لا بأس ببول كل ذات كرش". قال محمَّد: وكان أبو حنيفة يكرهه ويقول: إذا وقع في وَضُوءٍ أفسدهُ، وإن أصاب الثوب منه شيء ثم صل فيه، أعاد الصلاة. قال محمَّد: ولا أرى به بأسا؛ لا يفسد ماء ولا وضوءا ولا ثوبا. قوله: "أو كلاما هذا معناه" أشار به إلى أن هذا الأثر قد روي عن الحسن بغير هذا اللفظ، على ما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٥) قال: نا ابن إدريس، عن هشام، عن الحسن، قال: "كان يرى أن تغسل الأبوال كلها". نا (٦) فضيل عن أشعث، عن الحسن: "أنه كان يغسل البول كله، وكان يرخص في أبوال ذات الكروش" -والله أعلم-.

стр. 899

ص: باب: صفة التيمم كيف هي ؟ ش: أي هذا في بيان صفة التيمم كيف هي؛ هل هي ضربة واحدة، أو ضربتان، أو أكثر؟ وكيف ماهية الضرب؟ وأصل التيمم من الأَمِّ، وهو القصد، تقول: أَمَّةُ يَؤُمه أَمّا إذا قصده، ويقال: أَمَّ، وتَأمّم، ويَمّم، وتَيْمّم، بمعنى واحد. ذكره أبو محمَّد في "الكتاب الواعي" وفي "المحكم": وايتمّه. والتيمم أصله من ذلك؛ لأنه يقصد التراب فيتمسح به. وفي "الجامع" عن الخليل: التيمم يجري مجرى التوخي، تقول: تيَمَّمْ أطيبَ ما عندك فأطْعِمْنَا منه، أي: توخَّاه (١) وقال الفراء: ولم أسمع: "يَمَمْتُ" بالتخفف، وفي "التهذيب" لأبي منصور: التعمد. قلت: التيمم في اللغة مطلق القصد. قال الشاعر (٢): ولا أَدْرِي إذا يَمَّمْتُ أَرْضا ... أُريِدُ الْخيرَ أَيُّهُمَا يَلِيني أَأَلْخيرُ الذي أَنَا أَبْتَغِيه ... أَمِ الشَّرُّ الّذي هو يَبتَغِيني وفي الشرع: قصد الصعيد الطاهر، واستعماله بصفة مخصوصة لإقامة الخبر (٣). وإنما لم يقل: كتاب صفة التيمم؛ لأن كتاب الطهارة يشمله، فلا يحتاج إلى ذكر الكتاب، وهو نوع من الطهارة فلا يُذكر إلا بالباب.

стр. 900

ولما فرغ من أحكام الوضوء الذي هو طهارة صغرى، وما يتعلق به، شرع يذكر التيمم الذي هو خَلَفٌ عنه، والخلف أبدا يلي الأصل. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: أنا الوهبي، قال: نا ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن عمار، قال: "كنت مع النبي ﷺ حين نزلت آية التيمم، فضربنا ضربة واحدة للوجه، ثم ضربنا ضربة لليدين إلى المنكبين، ظهرا وبطنا". ش: الوهبي: هو أحمد بن خالد الكندي، ونسبته إلى وهب والد عبد الله بن وهب. وابن إسحاق: هو محمَّد بن إسحاق بن يَسار المدني. والزهري: هو محمَّد بن مسلم الزهري. وعُبَيد الله: هو ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود، الفقيه الأعمى المدني، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وكلهم ثقات أئمة أجلاء. وأخرجه أبو داود منقطعا وموصولا: أما المنقطع (١): فقد قال: نا أحمد بن صالح، نا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، حدثه عن عمار بن ياسر: "أنه كان يحدث أنهم تمسحوا، وهم مع رسول الله ﵇ بالصعيد لصلاة الفجر، فضربوا بأكفهم الصعيد، ثم مسحوا بوجوههم مسحة واحدة، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط، من بطون أيديهم". وإنما قلنا: إنه منقطع؛ لأن عبيد الله بن عبد الله لم يدرك عمارا، قاله الشيخ زكي الدين المنذري.

стр. 901

وأما الموصول (١): فقد قال: نا محمد بن أحمد بن أبي خلف ومحمد بن يحيى النيسابوري -في آخرين- قالوا: نا يعقوب، قال: ثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمار بن ياسر ﵃: "أن رسول الله ﷺ عَرّس بأولات الجيش ومعه عائشة، فانقطع عِقْد لها من جزع ظفار، فحبس الناسَ ابتغاءُ عقدِها ذلك، حتى أضاء الفجر، وليس مع الناس ماء، فتغيظ عليها أبو بكر ﵁ وقال: حبست الناس وليس معهم ماء، فأنزل الله على رسوله رخصة التطهير بالصعيد بالصعيد الطيب، فقام المسلمون مع رسول الله ﵇، فضربوا بأيديهم إلى الأرض، ثم رفعوا ولم يقبضوا من التراب شيئا، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط. وأخرجه النسائي (٢): أيضا موصولا هكذا. وأخرجه ابن ماجه (٣): منقطعا وليس فيه: "المناكب". قوله: "للوجه" أي لأجل مسح الوجه. قوله: "إلى المنكبين" تثنية مَنْكِب بفتح الميم وكسر الكاف وهو مجمع عظم العضد والكتف. قوله: "ظهرا وبطنا" منصوبان على التمييز، يعني من حيث الظهر ومن حيث البطن؛ لأن قوله: "لليدين إلى المنكبين" يحتمل أن يكون في ظاهر اليدين إلى المنكبين بدون باطنهما، ويحتمل أن يكون في باطنهما دون ظاهرهما، فلما قال: ظهرا وبطنا زال ذلك الاحتمال. ص: حدثنا ابن أبي داود ومحمد بن النعمان، قالا: نا عبد العزيز بن عبد الله الأوَيْسي، قال، نا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب ... فروي بإسناده مثله.

стр. 902

ش: هذا طريق آخر ورجاله ثقات، عن إبراهيم بن أبي داود البُرُلُّسي ومحمد بن النعمان السقطي، كلاهما عن عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى بن عمرو بن أُوَيْس، القرشي العامري الأُوَيْسي، أبي القاسم المدني، أحد مشايخ البخاري في الصحيح. عن إبراهيم بن سعد الزهري أبي إسحاق المدني. عن صالح بن كيسان أبي محمَّد المدني، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عبيد الله ابن عبد الله .. إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح، عن الزهري .. إلى آخره. كما أخرجه أبو داود، وقد ذكرناه الآن (٢). ص: وحدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا عبد الله بن محمَّد بن أسماء، قال: أنا جويرية، عن مالك، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، أنه أخبره عن أبيه، عن عمار، قال: "تمسحنا مع النبي ﵇ بالتراب، فمسحنا وجوهنا وأيدينا إلى المناكب". ش: هذا طريق آخر عن إبراهيم بن أبي داود، عن عبد الله بن محمَّد بن أسماء بن عبيد الله بن مخارق البصري، ابن أخي جويرية بن أسماء شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن جويرية بن أسماء بن عبيد، عن مالك بن أنس، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه عبد الله ابن عتبة ابن مسعود، عن عمار بن ياسر. ورجاله رجال الصحيح، ما خلا إبراهيم. وأخرجه النسائي (٣): أنا العباس بن عبد العظيم، قال: ثنا عبد الله بن محمَّد بن

стр. 903

أسماء، قال: نا جويرية، عن مالك، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أنه أخبره عن أبيه، عن عمار، قال: "تيممنا مع رسول الله ﵇[بالتراب] (١) فمسحنا بوجوهنا وأيدينا إلى المناكب". قوله: "تمسحنا" أي: تيممنا كما جاء في قوله: "تمسحوا بالأرض" أراد به التيمم، وكما وقع في رواية النسائي: "تيممنا". ص: حدثنا محمَّد بن علي بن داود، قال: نا سعيد بن داود، قال: نا مالك، أن ابن شهاب حدثه، أن عبيد الله -هو ابن عبد الله-[أخبره] (٢) عن أبيه عن عمار مثله. ش: هذا طريق آخر عن محمَّد بن علي بن داود المعروف بابن أخت غزال، وثقه ابن يونس. عن سعيد بن داود بن سعيد بن أبي زَنْبَر، عن [أبي] (٣) عثمان المدني، روى عنه البخاري في الصحيح، وضعفه ابن حبان وغيره. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا إبراهيم بن بشار، قال: حدثني سفيان بن عُيينة، قال: نا عمرو بن دينار، عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن أبيه، عن عمار، قال: "تيممنا مع النبي ﵇ إلى المناكب". ش: هذا طريق آخر عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن إبراهيم بن بشار الرمادي أحد مشايخ أبي داود، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار المكي، عن محمَّد ابن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبيد الله، عن أبيه عبد الله بن عتبة، عن عمار بن ياسر ﵁.

стр. 904

وأخرجه البزار في "مسنده" (١): ثنا محمَّد بن عمرو بن العباس الناجي، ثنا سفيان بن عُيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه، عن عمار، قال: "تيممنا مع رسول الله ﵇ إلى المناكب والآباط". ولا تعلم [روى] (٢) عبد الله بن عتبة، عن عمار إلَّا هذا الحديث. ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: نا يزيد بن هارون، قال: أنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عمار بن ياسر، قال: "كنا مع النبي ﵇ في سفر، فهلك عقد لعائشة ﵂ فطلبوه حتى أصبحوا, وليس مع القوم ماء، فنزلت الرخصة في التيمم بالصُّعُدَات، فقام المسلمون فضربوا بأيديهم إلى الأرض، فمسحوا بها وجوههم، وظاهر أيديهم إلى المنكب، وباطنها إلى الآباط. ش: رجاله ثقات وإسناده منقطع؛ لأن عبيد الله لم يدرك عمارا كما ذكرناه. وأخرجه أبو داود نحوه وقد ذكرناه (٣)، وابن أبي ذئب: هو محمَّد بن عبد الرحمن ابن أبي ذئب. وأخرج البخاري (٤)، ومسلم (٥)، والنسائي (٦): حديث عائشة في انقطاع العقد، وليس فيه كيفية التيمم. قوله: "في سفر" أراد سفر الحج أو الغزاة، ولكن جاء في بعض ألفاظ الصحيح أنه ضاع عقدها في غزوة المُرَيْسِيع التي كانت فيها قصة الإفك، قال أبو عُبَيد البكري في حديث الإفك: فانقطع عقد لها من جزع ظفار، فحبس الناس ابتغاؤه.

стр. 905

وقال ابن سعد: خرج رسول الله ﵇ إلى المُرَيْسيع يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان سنة خمس. ورجحه أبو عبد الله في "الإكليل" وقال البخاري: عن أبي إسحاق سنة ست، قال البخاري: قال موسى بن عقبة: سنة أربع. واختلفوا متى نزلت آية التيمم؟ فزعم ابن التين أنها نزلت في المريسيع سنة ست، وكذا قاله الإِمام عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد بن بَزِيزَة في شرح كتاب "الأحكام الصغرى" لأبي محمَّد الإشبيلي وزعم ابن الجوزي أن ابن حبيب قال: سقط عقدها في السنة الرابعة في عزوة ذات الرقاع، وفي غزوة بني المصطلق سنة ست قصةُ الإفك. قلت: يعارض هذا ما رواه الطبراني (١): من أن الإفك قبل التيمم فقال: نا القاسم بن حماد، نا محمد بن حميد الرازي، نا سلمة بن الفضل وإبراهيم بن المختار، عن محمَّد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة قالت: "لما كان من أمر عقدي ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا، خرجت مع رسول الله ﵇ في غزوة أخرى، فسقط أيضًا عقدي، حتى حبس الناس على التماسه وطلع الفجر، فلقيت من أبي بكر ما شاء الله وقال: يا بنية: في كل سفر تكونين عناء وبلاء؟! ليس مع الناس ماء، فأنزل الله الرخصة في التيمم، فقال أبو بكر: إنك ما [علمتٌ] (٢) لمباركه. قلت: إسناده جيد حسن. وزعم البكري أن سقوطه كان بمكان يقال له: "الصُّلْصُل" بالمهملتين، قيل: وهو الصحيح.

стр. 906

وأما الجوهري فكذلك ذكره بالمهملتين، وفي "العباب"، الصُّلْصُل موضع على طريق المدينة، وصُلْصُل ماء قرب اليمامة لبني العجلان، وصلصل ماء في جوف هضبة حمراء، ودَارَةُ صُلْصُل لبني عمرو بن كلاب، وهي بأعلى دارها، ذكر كل ذلك في المهملة (١). قوله: "فهلك عقد" أي: ضاع وسقط، وهو من الهلك بالتحريك، وهو الشيء الذي يهوي ويسقط، ولهذا جاءت في رواية أخروى: قالت عائشة: "سقط قلادة لي بالبيداء" وفي رواية: "انقطع عقد لي"، والعِقْدُ بكسر العين وسكون القاف: القلادة، وذكر السفاقسي أن ثمنه كان يسيرا، وقيل: كان ثمنُه اثني عشر درهما، وفيه دلالة على حرمة الأموال الحلال، [وأَلَّا تضاع] (٢). وذكر ابن مسلمة المالكي في مبسوطه: فيه (جواز) (٣) حفظ الأموال وإن أدى إلى عدم الماء في الوقت، وعلى هذا يجوز للإنسان سلوك طريق يتيقين فيه عدم الماء طلبا للمال. قوله: "وليس مع القوم ماء" جملة خبرية وقعت حالا. قوله: "فنزلت الرخصة" أراد آية التيمم، وقال أبو بكر بن العربي: هذه مُعْضِلة ما وجدت لدائها من دواء؛ [هما] (٤) آيتان فيهما ذكر التيمم: في النساء والمائدة فلا نعلم أيتها عنت عائشة ﵂ بقولها: "فأنزلت آية التيمم".

стр. 907

وقال السفاقسي كلاما طويلا ملخصه: [أن الوضوء] (١) كان لازما لهم، وآية التيمم إما المائدة أو النساء، وهما مدنيتان، ولم تكن صلاة قبل إلَّا بوضوء، فلما نزلت آية التيمم لم يُذكر الوضوء لكونه متقدما متلوّا؛ لأن حكم التيمم هو الطارئ على الوضوء وقيل: يحتمل أن يكون نزل أولا أول الآية، وهو فرض الوضوء، ثم نزل عقب هذه الواقعة آية التيمم، وهو تمام الآية وهو: ﴿كُنْتُمْ مَرْضَى أَو﴾ أو: يحتمل أن يكون كان بالسُّنَّة لا بالقرآن، ثم أنزلا معا فعبرت عائشة بالتيمم؛ إذ كان هو المقصود. وقال القرطبي أرادت به آية النساء؛ لأن آيتها لا ذكر فيها للوضوء. قلت: لو رأى هؤلاء ما ذكره أبو بكر الحميدي في "جَمْعِه" في حديث عمرو بن الحارث عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ... فذكر الحديث، وفيه فتزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى﴾ الآية إلى قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢) لما احتاجوا إلى الترخص والله أعلم. قوله: "بالصُّعُدات" بضم الصاد والعين جمع: صُعُد وهو جمع صعيد، كطريق وطرق وطرقات، وقيل: هي جمع صُعْدَة، كظُلْمة تجمع على ظلمات. قوله: "إلى الآباط" بمد الهمزة المفتوحة جمع إبط بكسر الهمزة والباء، ويجوز فيه تسكين الباء (٣). ص: حدثنا ابن أبي داود ومحمد بن النعمان، قالا: ثنا الأُوَيْسيُّ، قال: نا إبراهيم ابن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﵃ عن عمار بن ياسر ﵁ عن النبي ﷺ مثله.

стр. 908

ش: هذا طريق أخر وهو متصل صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود، عن عبد العزيز بن عبد الله الأويسي ونسبته إلى جدِّه أُوَيْس بضم الهمزة. ص: قال أبو جعفر ﵀: قد ذهب قوم إلى هذا، فقالوا: هكذا التيمم ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المناكب والآباط. ش: أراد بالقوم: محمَّد بن مسلم الزهري ومن تبعه، وقد قيل: إن هذا المذهب، وهو مذهب الزهري فقط ولم يقل غيره. قلت: نقل ابن بزيزة أن هذا مذهب ابن مسلمة والزهري أيضا، وقال ابن حزم في "المحلى" (١): وقد ذهب قوم إلى أن التيمم إلى المناكب، ثم قال: وبه كان يقول عمار والزهري. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فافترقوا فرقتين. فقالت فرقة منهم: التيمم للوجه واليدين إلى المرفقين. وقالت فرقة: التيمم للوجه والكفين. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون؛ وأراد بهم جماهير العلماء، والأئمة الأربعة وأصحابهم فإن أحدا منهم لم يقل إن التيمم إلى الآباط. ثم افترق هؤلاء فرقتين: فقالت فرقة منهم: التيمم للوجه واليدين إلى المرفقين؛ وهو مذهب الأكثرين، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه، وهو قول الشافعي ومالك -في رواية- والثوري والشعبي والحسن. وإليه ذهب علي بن أبي طالب وعبد الله بن عُمَرَ، وابنه سالم بن عبد الله. وقالت فرقة: التيمم للوجه والكفين، وهو مذهب عطاء ومكحول والأوزاعي وأحمد وإسحاق وابن المنذر، وعامة أصحاب الحديث.

стр. 909

وعن ابن سيرين: لا يجزئه أقل من ثلاث ضربات، ضربة للوجه، وضربة ثانية لكفيه، وثالثة لذراعيه، وعنه: ثلاث ضربات؛ الثالثة لهما جميعا. وفي "القواعد" لابن رشد: روي عن مالك الاستحباب إلى ثلاث، والفرض اثنتان وفي "شرح الأحكام" لابن بزيزة: قالت طائفة من العلماء: يضرب أربع ضربات، ضربتان للوجه، وضربتان لليدين، قال ابن بزيزة وليس له أصل من السنة. وقال أبو عمر (١): اختلف العلماء في كيفية التيمم، فذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي وأصحابهم، وابن أبي سلمة والليث: إلى المرفقين. وقال الأوزاعي: التيمم ضربتان، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الكوعين وهما الرُّسْغان، والفرض عند مالك إلى الكوعين، الاختيار إلى المرفقين، وروى عن الأوزاعي -وهو أشهر قوليه-: التيمم ضربة واحدة يمسح بها وجهه ويديه إلى الكوعين، وهو قول عطاء والشعبي في رواية, وبه قال أحمد وإسحاق والطبري، وهو أثبت ما روي في ذلك عن عمار، رواه شقيق، عن أبي موسى، عن عمار ولم يختلف في حديث أبي وائل هذا، وسائر أحاديث عمار مختلف فيها. وحكاه الخطابي عن عامة أصحاب الحديث. وقال الحسن بن حَيّ وابن أبي ليلى: التيمم ضربتان يمسح بكل ضربة منهما وجهه وذراعيه ومِرفقيه (٢)، ولم يقل ذلك أحد من أهل العلم غيرهما في علمي. وفي "المغني" (٣) لابن قدامة: المسنون عند أحمد التيمم بضربة واحدة، فإن تيمم بضربتين جاز، وقال القاضي: الإجزاء يحصل بضربة، والكمال بضربتين انتهى.

стр. 910

ويدخل المرفقان في التيمم عند أبي حنيفة والشافعي ومالك، وهو قول ابن عمر وابنه سالم والحسن والشعبي. وعن مالك: التيمم إلى الكوعين: وهو قول الشافعي في القديم، وأحمد في رواية. وعن مالك: أنه في الجنابة إلى الكوعين، وفي الحدث الأصغر إلى المنكبين. ص: فكان من الحجة لهاتين الفرقتيق على الفرقة الأولى: أن عمار بن ياسر ﵁ لم يذكر أن النبي ﵇ أمرهم أن يتيمموا كذلك، وإنما أنزل منها ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا﴾ (١) ولم يبين لهم كيف يتيمموا، فكان ذلك عندهم على كل ما فعلوا في التيمم، لا وقَّت في ذلك وقتا, ولا عضوا مقصودا به إليه بعينه، حتى نزلت بعد ذلك ﴿بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا﴾ (٢). ش: هذا جواب عن حديث عمار الذي احتج به الزهري ومن تابعه فيما ذهبوا إليه، وهو ظاهر، وهذا يُشعر باعتراف الطحاوي بصحة حديث عمار، فلذلك حمله على هذا المحمل، وصححه أيضا ابن حزم. وقال الترمذي: وضعّف بعض أهل العلم حديث عمار. وفي "التمهيد" (٣): كُلُّ ما يروى عن عمار في هذا مضطرب مختلف فيه، وأكثر الآثار المرفوعة عنه ضربة واحدة للوجه واليدين خلافه، وإن كان عن أمر فهو منسوخ، وناسخه حديث عمار أيضا: "إنما يكفيك أن تفعل هكذا". فإن قيل: فلو كان عمار حفظ التيمم في أول الأمر، وكان الثاني بعد الأول، كما زعمتم، لما اضطر عمار إلى التمرغ.

стр. 911

قلت: إنما أشكل على عمر وعمار لحصول الجنابة، فاعتزل عمر ﵁ وتمعك عمار؛ ظنّا منه أن حالة الجنابة تخالف حالة الحدث الأصغر. وعندي جواب حسن عن هذا الحديث، وهو أنهم أجروا اسم اليد على ظاهر الاسم؛ لأن اليد لغة: من رؤوس الأنامل إلى الآباط، ولم يكن عندهم دليل الخصوص، فأجروا الحكم على ظاهره، ولكن قام دليل الإجماع في إسقاط ما وراء المرفقين، فسقط، وما دونهما بقي على الأصل؛ لاقتضاء الاسم إياه، ويؤيده أن التيمم بدل عن الوضوء والبدل لا يخالف المبدل. وقال الكاساني في "البدائع" (١): وحديث عمار معارض، والمعارض لا يصلح حجة. وقد قال إسحاق بن إبراهيم قريبا من كلام الطحاوي، وهو أن حديثه "تيممنا مع النبي ﵇ إلى المناكب والآباط" ليس بمخالف لحديث الوجه والكفين؛ لأن عمارا لم يذكر أن النبي ﵇ أمرهم بذلك، وإنما قال: فعلنا كذا وكذا، فلما سأل النبي ﵇ أمره بالوجه والكفين، فانتهى إلى ما عَلَّمه رسول الله ﵇، والدليل على ذلك ما أفتى به عمار بعد النبي ﵇ في التيمم أنه قال: الوجه والكفين. وقال الشافعي: ذكر عمار تيممهم مع النبي ﵇ إلى المناكب منسوخ عنده؛ لأنه رَوى عنه ﵇ أنه أمر بالتيمم على الوجه والكفين، فإن لم يرو عنه إلَّا تيمما واحدا فاختلف رواته عنه، فتكون رواية ابن الصمَّة التي لم تختلف أثبت، وإذا لم تختلف فأولى أن يؤخذ بها؛ لأنها أوفق لكتاب الله من الروايتين اللتين رويتا مختلفتين، أو يكون إنما سمعوا آية التيمم عند حضور الصلاة، فتيمموا واحتاطوا وأتوا على غاية ما يقع عليه اسم اليد؛ لأن ذلك لا يضرهم، كما لا يضرهم لو فعلوه في الوضوء، فلما صاروا إلى سؤاله ﵇ أخبرهم أنه يجزئهم أقل مما فعلوا.

стр. 912

ص: ومما يدل على ما قلنا من ذلك ما: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمي عبد الله بن وهب، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، حدثه أنه سمع عروة يخبر، عن عائشة ﵂ قالت: "أقبلنا مع النبي ﵇ في غزوة [له] (١) حتى إذا كنا بالمعرَّس، قريبا من المدينة، نَعَسْتُ من الليل، وكانت عليَّ قلادة تدعي السِمْط، تبلغ السُّرّةَ، فجعلت أَنْعُسُ، فخرجتْ من عنقي، فلما نزلتُ مع النبي ﵇ لصلاة الصبح، قلت: يا رسول الله، خرَّت قلادتي. فقال للناس: إن أمكم قد ضلّت قلادتها فابتغوها، فابتغاها الناس، ولم يكن معهم ماء، فاشتغلوا بابتغائها إلى أن حضرتهم الصلاة، ووجدوا القلادة، ولم يقدروا على ماء، فمنهم من تيمم إلى الكف، ومنهم من تيمم إلى المنكب، وبعضهم تيمم على (جلده) (٢) فبلغ ذلك رسول الله ﵇ فأنزلت آية التيمم. ففي هذا الحديث: أن نزول آية التيمم كان بعد ما تيمموا هذا التيمم المختلِف، الذي بعضه إلى المناكب، فعلمنا بتيممهم أنهم لم يفعلوا ذلك إلا وقد تقدم عندهم أصل التيمم، وعلمنا بقولها: "فأنزل الله آية التيمم" الذي نزل بعد فعلهم هو صفة التيمم، فهذا وجه حديث عمار عندنا. ش: أي: من الذي يدل على ما قلنا من ذلك، أي: من قولنا، فقد يحتمل أن تكون الآية لما أنزلت لم تنزل بتمامها .. إلى آخره. وجه دلالة هذا الحديث على ما قاله، أن نزول آية التيمم كان بعد ما تيمموا تيمما مختلفا في نفسه، من غير أن يحيطوا علما بصفته وكيفيته، ثم لما نزلت آية التيمم علموا صفة التيمم ما هي، وحديث عمار الذي فيه ذكر الآباط والمناكب محمول على هذا المعنى؛ لأنه أخبر عن التيمم الذي وقع منهم قبل نزول آية التيمم، ولهذا روى عمار بعد هذا أن التيمم للوجه والكفين، على ما يجيء إن شاء الله.

стр. 913

وجواب آخر عن حديث عمار: أنه لما اختلفت أحاديثه في هذا الباب، واتفقوا أن التيمم إلى المناكب غير ثابت الحكم مع ذلك، على أن عمارا لم يَعْزُ ذلك إلى النبي ﵇ وإنما حكى فعل نفسه، فلم يثبت التيمم إلى المناكب وإن كان له وجه في الاحتمال، وهو أنه جائز أن يكون عمار ذهب في ذلك مذهب أبي هريرة في غَسْلِه ذراعيه في الوضوء إلى إبطيه، على وجه المبالغة فيه، لقول النبي ﵇: "إنكم الغُرُّ المحجلون من آثار الوضوء، فمن أراد منكم أن تطول غرته فليفعل. فقال أبو هريرة: إني أحب أن أطيل غُرَّتي" (١). ثم بقي من أخبار عمار ما عزاه إلى النبي ﵇ الوجه والكفان، ونصف الذراع إلى المرفقين، فكانت رواية من روى إلى المرفقين أولى؛ لوجوه: إحداها: أنه زائد على روايات الآخرين، وخبر الزائد أولى. والثاني: أن آية الوضوء تقتضي اليدين إلى المنكبين، لدخولهما تحت الاسم، ولا يخرج منه شيء إلا بدليل، وقد قامت الدلالة على خروج ما فوق المرفقين، فبقي حكمه إلى المرفقين. والثالث: أن في حديث أبي عامر وجابر والأسلع: التيمم إلى المرفقين من غير اختلاف عنهم في رواياتهم. ثم رجال حديث عائشة ﵂ ثقات، غير أن في عبد الله بن لهيعة مقالا. وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب أبو عبد الله المصري، بَحْشَل، ابن أخي عبد الله ابن وهب، روى عنه مسلم وابن جرير الطبري وابن خزيمة. وعمه عبد الله بن وهب. وأبو الأسود عبد الرحمن المدني. وحديث انقطاع العقد حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود، وليس في حديثهم ذكر صفة التيمم.

стр. 914

فقال البخاري (١): نا عبد الله بن يوسف، أنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﵇ قالت: "خرجنا مع رسول الله ﵇ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء -أو بذات الجيش- انقطع عقد لي، فأقام رسول الله ﵇ على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟! أقامت بالناس والنبي ﵇ وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر، ورسول الله ﵇ واضع رأسه على فخذي، فدنا ثم قال: أحبست رسول الله ﵇، والناس ليسوا على ماء، وليس معهم ماء؟! قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يَطْعَنُنِي بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﵇ على فخذي. [فقام رسول الله ﵇] (٢) حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا فقال أُسَيْد بن حُضَير: مَا هي بأول بركتكم، يا آل أبي بكر. قالت: فبعثنا البعيرَ، فأصبنا العقد تحته". وفي لفظ: (٣) استعارت من أسماء قلادة، فهلكت، فبعث رسول الله ﵇ رجلا فوجدها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﵇ فأنزل الله تعالى آية التيمم، فقال أسيد لعائشة: جزاك الله خيرا، والله ما نزل بك أمر تكرهينه، إلَّا جعل الله تعالى ذلك لك وللمسلمين فيه خيرا". وأخرج مسلم الروايتين: الأولى: (٤) عن يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك ... إلى آخره. والثانية: (٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة قال: نا أبو أسامة، وعن أبي كريب، قال: نا

стр. 915

أبو أسامة وابن بشر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "أنها استعارت قلادة من أسماء فهلكت .. إلى، آخره نحوه". وأخرجه النسائي (١): عن قتيبة، عن مالك .. إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٢): عن النفيلي، عن أبي معاوية. وعن عثمان بن أبي شيبة، قال: أنا عبدة -المعنى واحد- عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "بَعَثَ رسول الله ﵇ أسيد بن حضير وأناسا معه في طلب قلادة أضلتها عائشة، فحضرت الصلاة فصلوا بغير وضوء، فأتوا النبي ﵇ فذكروا ذلك له، فأُنزلت آية التيمم" زاد ابن نفيل: "فقال لها أسيد: رحمك الله، ما نزل بك أمر تكرهينه إلَّا جعل الله للمسلمين ولك فيه فرجا". قوله: "في غزوة له" هي غزوة المُرَيْسيع، وقد مَرَّ الكلام فيه مستوفي عن قريب. قوله: "حتى إذا كنا بالمُعَرَّس" بضم الميم وفتح العين والراء المشددة، وهو موضع التعريس، وبه سُمِّيَ مُعَرَّس ذي الحليفة، عرَّس به النبي ﵇ وصلى فيه الصبح، ثم رحل. والتعريس هو النزول في آخر الليل، نزل للنوم والاستراحة، يقال فيه: عَرَّس يُعِّرس تَعْريسا، ويقال فيه: أعرس. فعلى هذا يجوز أن يقال في قوله: "حتى إذا كنا بالمُعْرَس" بضم الميم وسكون العين وفتح الراء المخففة. قوله: "قريبا من المدينه" بيان لقوله "بالمعرس"، وانتصابه على أنه حال منه. قوله: "نَعَسْت" من: نَعَسَ، يَنْعُسُ -من باب نَصَرَ يَنْصُر (٣) - نُعاسا
следующие страницы →