← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

و"كذا" عبارة عن العهد المبهم. قوله: "سبحان الله" تعجب واستبعاد لفعلها ذلك. قوله: "هذا من الشيطان" له معنياه: الأول: مجازي، وهو أنه أنساها أيام حيضها حتى حصل لها تَلَبُّس في أمر دينها ووقت طهرها وصلاتها. والثاني: حقيقي بمعنى أنه ضَرَبها حتى فتق منها عرق الاستحاضة. قوله: "في مِرْكَنٍ" بكسر الميم وهي الإجانة. ويُستفاد منه حكمان: الأول: وجوب تكرار الغسل كما تقدم، قبل هذا. والثاني: فيه حجة من اعتبر التمييز باللون؛ لأن رؤيتها الصفرة دليل على انقطاع دم الحيض. قوله: "فقوله له فيما بين ذلك ... " إلى آخره كأنه جواب عن سؤال مقدر، تقريره، أن يقال: إن حديث أسماء بنت عميس الذي احتججتم به مخالف لأحاديث شعبة والثوري وابن عيينة التي احتججتم بها أولا من وجهين: الأول: أنه ليس فيها "وتتوضأ فيما بين ذلك". والثاني: فيها "وتغتسل للفجر"، وليس هذا في حديث أسماء بنت عميس. فأجاب عنه بقوله: "وتتوضأ فيما بين ذلك، يحتمل أن يكون المراد أنها تتوضأ لما يكون بها من الأحداث التي يُوجب بها نقض الطهارات" يعني: إذا أرادت أن تصلي فيما بين الصلوات صلاة أخرى تتوضأ ولا تكتفي بالاغتسال؛ لأنه للفرائض المختصة بالأوقات الخمس، ويحتمل أن يكون المراد: أنها تتوضأ لصلاة الصبح، فعلى كلا التقديرين، ليس فيه دليل على خلاف ما تقدمه من حديث شعبة الذي رواه عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: "أن امرأة استحيضت". ولا من

стр. 842

حديث سفيان وسفيان، وأراد بالأول: سفيان الثوري، وحديثه: عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمَّد، عن زينب ابنة جحش. وبالثاني: سفيان بن عُيينة، وحديثه: عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: "أن امرأة استحيضت ... " الحديث. قوله: "فهذه الآثار" أراد بها الآثار التي رواها شعبة وسفيان الثوري وسفيان بن عُيينة والزهري، عن عروة. قوله: "فبهذا نأخذ" أي: "بما في هذه الآثار, وهذا حكايته عن أهل المقالة الثانية، ثم بيَّنَ وجه الأخذ بهذه الآثار بقوله: "وهي أولى من الآثار الأُوَلِ" وهي التي احتجت بها أهل المقالة الأولى التي فيها وجوب الغسل لكل صلاة من الصلوات الخمس؛ وذلك لأنه قد رُوي عن النبي ﵇ ما يدل على أن هذا ناسخ لتلك الآثار. ثم أشار إلى الحديث الناسخ لتلك الأحاديث بقوله: "فذكروا ما حدثنا ابن أبي داود .. " إلى آخره، وهو حديث سهلة بنت سهيل. ثم بين وجه النسخ بقوله: "لأنه إنما أمر به بعد ذلك" أي: لأن النبي ﵇ أمر بما في حديث سهلة بنت سهيل بعد أن أمر بما في الأحاديث الأوُل، ولاشك أن مثل هذا نسخ؛ لأن النسخ هو رفع الحكم الأول، فلما أمر أولا بالاغتسال لكل صلاة من الصلوات الخمس، ثم أمر بعد ذلك أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل واحد، وبين المغرب والعشاء بغسل واحد، وتصلي الصبح بغسل واحد؛ دل أن هذا رَفعَ حكم الأول. ورجال هذا الحديث ثقات. والوهبي هو أحمد بن خالد بن محمَّد، أحد مشايخ البخاري، نسبه إلى والد عبد الله بن وهب.

стр. 843

وأخرجه أبو داود (١): ثنا عبد العزيز بن يحيى، قال: حدثني محمَّد بن سلمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂: "أن سهلة بنت سهيل استحيضت، فأتت النبي ﵇ فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة، فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل، وتغتسل للصُّبح". قوله "فلما جَهِدَهَا" بكسر الهاء، أي فلما شق عليها الاغتسال، من: جَهِده الشيء -بكسر الهاء- جَهدا -بالفتح- والجُهد -بالضم- الطاقة، وقيل: هما لغتان في الوِسْع والطاقة. ص: وقالوا: وقد رُوي ذلك أيضا عن علي وابن عباس ﵃ فذكروا ما حدثنا ابن أبي داود، قال: نا أبو معمر، قال: نا عبد الوارث، قال: نا محمَّد بن جحادة، عن إسماعيل بن رجاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "جاءته امرأة مستحاضة تسأله، لم يفتها وقال لها: سلي [غيري] (٢) قال: فأتت ابن عمر ﵄ فسألته، فقال لها: لا تصلي ما رأيت الدم. فرجعت إلى ابن عباس فأخبرته، فقال ﵀: إن كاد ليُكفِرْك، قال: ثم سألت علي بن أبي طالب فقال: تلك ركزة من الشيطان -أو قرحة في الرحم- اغتسلي عند كل صلاتين مرَّة وصلي. قال: فَلَقِيَت ابن عباس بعد فسَألتْه، فقال: ما أجد لك إلا ما قال علي ﵁. حدثنا ابن خزيمة، قال: أنا الحجاج، قال: أنا حماد، عن قيس بن سعد، عن مجاهد قال: "قيل لابن عباس: إن أرضنا أرض باردة. قال: تؤخر الظهر وتعجل العصر وتغتسل لهما غسلا، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل لهما غسلا وتغتسل للفجر غسلا". فذهب هؤلاء إلى الآثار التي ذكرنا.

стр. 844

ش: أي قال أهل المقالة الثانية أيضا: روي عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس مثل ما ذهبنا إليه، فذكروا ما رواه الطحاوي عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي معمر عبد الله بن عمرو المقعد البصري، شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الوارث بن سعيد البصري، عن محمد بن جُحَادة -بضم الجيم وفتح الحاء المهملة- الأودي الكوفي، عن إسماعيل بن رجاء الكوفي، عن سعيد بن جبير. وهذا على شرط مسلم. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): قال: ثنا حفص بن غياث، عن ليث، عن الحكم، عن علي ﵁: "في المستحاضة تؤخر من الظهر وتعجل من العصر، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء -قال: وأظنه قال: وتغتسل للفجر- قال: فذكرت ذلك لابن الزبير وابن عباس، فقالا: ما نجد لها إلا ما قال علي ﵁". وإسناد الأثر الثاني أيضا صحيح: عن محمَّد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد أبي عبد الملك المكي، عن مجاهد ... إلى آخره. وأخرجه الدارمي في "سننه" (٢): أنا الحسن بن ربيع، نا أبو الأحوص، عن عبد العزيز بن رفيع، عن عطاء، قال: "كان ابن عباس ﵄ يقول في المستحاضة: تغتسل غُسلا للظهر والعصر، وغُسلا للمغرب والعشاء، وكان يقول: تؤخر الظهر وتعجل العصر، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء". قوله: "إن كاد ليُكَفِرُك" أي إنه كاد، و"اللام" في "ليكفرك" للتأكيد، ومعناه أنه قارب أن يكفرك، بأمره لها بترك الصلاة، وهي من أفعال المقاربة، ولا يستعمل منه إلا الماضي والمضارع؛ إلا ما سمع نادرا، وحكمه حكم سائر الأفعال في أن معناه منفي إذا صحبها حرف نفي، فإذا قال القائل: كاد زيد يبكي،

стр. 845

فمعناه: قارب زيد البكاء، فالمقاربة ثابتة، ونفس البكاء منتف، وكذلك المعنى ها هنا: المقاربة ثابتة، ونفس التكفير منتف. قوله "تلك ركزة من الشيطان" بفتح الراء من ركزت الرمح أَرْكُزُهُ رَكْزا، إذا غرزته في الأرض، وهو يحتمل الحقيقة بأن يركز الشيطان في فرجها، ويفتق عرق الاستحاضة، ويحتمل المجاز بأن يكون المعنى أنه وَجَدَ بذلك طريقا إلى أن يُلبِّس عليها أمر دينها، بأن أنساها أيام عادتها وأقرائها. قوله: "أو قرحه في الرحم" أي جراحة وانكشاف لعرق في الرحم. قوله: "اغتسلي عند كل صلاتين" أراد بهما: الظُّهرين والعشاءين. ويستفاد منه: أن الواجب على المستحاضة أن تجمع بين كل صلاتين بغسل واحد، بأن تؤخر الظهر وتعجل العصر كما مرَّ بيانه. وأن ترك الصلاة قريب من الكفر. وأن لعلي بن أبي طالب مزية فضيلة على غيره في العلم، وجلالة قدر. قوله: "إن أرضنا" أراد بها أرض الكوفة لأن المستفتية كانت منها. قوله: "فذهب هؤلاء" أي أهل المقالة الثانية. "إلى هذه الآثار" وهي الأحاديث المذكورة عن شعبة والثوري وابن عيينة والزهري، عن عروة والقاسم بن محمَّد، عن عائشة، والأثر الذي روي عن علي وابن عباس ﵃. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: تدع المستحاضة الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصلي. ش: أي خالف أهل المقالة الأولى وأهل المقالة الثانية؛ جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري، وعبد الله بن المبارك، وعروة بن الزبير، وأبا سلمة بن عبد الرحمن،

стр. 846

وأبا حنيفة ومالكا والشافعي وأحمد وأصحابهم، "فإنهم قالوا: تدع"، أي: تترك، "المستحاضة الصلاة أيام أقرائها"، أي: حيضها. "ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصلي". وقال ابن حزم: وممن قال بإيجاب الوضوء على المستحاضة: عائشة أم المؤمنين وعلي بن أبي طالب وابن عباس وفقهاء المدينة وعروة بن الزبير وسعيد بن المسيب والقاسم بن محمَّد وسالم بن عبد الله ومحمد بن علي بن الحسن. و [عطاء بن أبي رباح، والحسن البصري] (١) وهو قول سفيان الثوري [وأبي حنيفة] (١) والشافعي وأحمد وأبي عبيد [وغيرهم] (١). ص: وذهبوا في ذلك إلى ما حدثنا محمَّد بن عمرو بن يونس السوسي، قال: نا يحيى بن عيسى، قال: نا الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة: "أن فاطمة بنت أبي حبيش أتت النبي ﵇ فقالت: يا رسول الله، إنني أستحاض فلا ينقطع عني الدم. فأمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة، وتصلي؛ وإن قطر الدم على الحصير قطرا". ش: أي ذهب هؤلاء الآخرون، فيما ذهبوا إليه من ترك الصلاة أيام الأقراء والاغتسال والتوضؤ لكل صلاة، إلى حديث عروة، عن عائشة ﵂ وإسناده على شرط مسلم. وأخرجه وابن ماجه (٢): ثنا علي بن محمَّد وأبو بكر بن أبي شيبة، قالا: ثنا وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: "جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﵇[فقالت] (٣): يا رسول الله،

стр. 847

إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال: لا إنما ذلك عرق، وليس بالحيضة، اجتنبي الصلاة أيام محيضك، ثم اغتسلي، وتوضئي لكل صلاة، وإن قطَر الدم على الحصير". وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١): ثنا محمَّد بن موسى بن سهل البربهاري، ثنا محمَّد بن معاوية بن صالح، ثنا علي بن هاشم، عن الأعمش، عن حبيب، عن عروة، عن عائشة قالت: "أتت فاطمة بنت أبي حبيش النبي ﵇ فقالت: يا رسول الله، إني استُحِضْتُ فما أطهر فقال: ذري الصلاة أيام حيضتك، ثم اغتسلي، وتوضئي عند كل صلاة؛ وإن قطر الدم على الحصير". ثم قال الدارقطني: [تابعه] (٢) وكيع الخُرَيبي وقرة بن موسى ومحمد بن ربيعة وسعيد بن محمَّد الوراق وابن نمير، عن الأعمش فرفعوه، ووقفه حفص بن غياث وأبو أسامة وأسباط بن محمَّد، وهم أثبات. ثم سرد الدارقطني سند المتابعين، وسند الواقفين. قلت: هذا الحديث صحيح عند الطحاوي؛ لأن رواته من رجال صحيح مسلم، ماخلا شيخه. وقال البيهقي (٣): وأشهر حديث روى فيه العراقيون -يعني في حكم المستحاضة- ما أخبرنا أبو علي الرُّوذَبَارِي، قال: أنا أبو بكر بن داسة، قال: ثنا أبو داود، قال: نا عثمان بن أبي شيبة، قال: نا وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة قالت: "جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﵇" فذكر خبرها، قال: "ثم اغتسلي، ثم توضئي لكل صلاة، وصلِّي" [قال الإِمام أحمد] (٤): وزاد فيه

стр. 848

غيره عن وكيع: "وإن قطر الدم على الحصير" وهذا حديث ضعيف، ضعفه يحيى بن سعيد القطان، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وقال سفيان الثوري: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير شيئًا. وقال أبو داود: حديث الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت ضعيف، ورواه حفص بن غياث عن الأعمش فوقفه على عائشة، وأنكر أن يكون مرفوعا، ووقفه أيضا أسباط عن الأعمش، ورواه أيوب أبو العلاء، عن الحجاج بن أرطأة، عن أم كلثوم، عن عائشة، وعن ابن شُبْرُمة، عن امرأة مسروق، عن عائشة، عن النبي ﵇ قال أبو داود: حديث أيوب أبي العلاء ضعيف لا يصح. انتهى. قلت: حاصل الكلام أنهم علّلوا الحديث من جهة المتن ومن جهة الإسناد، أما من جهة المتن فإنهم أنكروا أن يكون فيه الوضوء لكل صلاة، وأما من جهة الإسناد فإنهم أنكروا أن يكون هذا الحديث مرفوعا. والجواب عن ذلك: أنه إن كان حفص بن غياث وأسباط روياه موقوفا على عائشة، فكذلك رواه وكيع وسعيد بن محمَّد الوراق وعبد الله بن نمير والجُرَيْرِي مرفوعا، فترجح رواياتهم؛ لأنها زيادة ثقة، ولأنهم أكثر عددا، وتحمل رواية من وقفه على عائشة أنها سمعته من النبي ﵇ فروته مرة، وأفتت به مرة أخرى. فإن قيل: قال أبو داود: ودلّ على ضعف [حديث] (١) حبيب هذا أن رواية الزهري عن عروة عن عائشة، قالت: "فكانت تغتسل لكل صلاة" في حديث المستحاضة.

стр. 849

و (لذا علل البيهقي في تضعيف حديث حبيب) (١). قلت: هذا لا يدل على ضعف حديث حبيب؛ لأن الاغتسال لكل صلاة في رواية الزهري مضاف إلى فعلها، ويحتمل أن يكون اختيارا منها، بل الظاهر أنها فعلته تطوعا كما ذكرنا تحقيقه، والوضوء لكل صلاة في حديث حبيب مروي عنه ﵇، ومضاف إليه وإلى أمره، فافهم. فإن قلت: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة؛ لأن سفيان الثوري وغيره قالوا: لم يسمع حبيب من عروة شيئا. قلت: ادعى مسلم الاتفاق على أنه يكفي إمكان اللُّقيا في ثبوت السماع، وحبيب لا ينكر لقاؤه عروة؛ لروايته عمن هو أكبر من عروة وأجل وأقدم موتا، وقال أبو عمر: لا نشك أنه أدرك عروة. وقال أبو داود في كتاب "السنن" (٢) وقد روى حمزة الزيات، عن حبيب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة حديثا صحيحا انتهى كلامه. وهذا يدل ظاهرا على أن حبيبا سمع من عروة، وهو مثبت، فيقدم على ما زعمه الثوري لكونه نافيا. والحديث الذي أشار إليه أبو داود هو أنه ﵇ كان يقول: "اللهم عافني في جسدي وعافني في بصري" الحديث، ورواه الترمذي قال: حسن غريب (٣). ثم اعلم أنه قد روى هذا الحديث -أعني حديث فاطمة بنت حبيش- غير حبيب عن عروة، ورواه غير عروة عن عائشة، خرّجه الطحاوي على ما يأتي، وغيره أيضًا من المصنفين.

стр. 850

وذكر ابن رشد في "قواعده" حديث عائشة: "جاءت فاطمة ... " إلى آخره، ثم قال: وفي بعض رواياته: "وتوضئي لكل صلاة"، وصحح قوم من أهل الحديث هذه الزيادة. وقال في موضع آخر: صححها أبو عمر بن عبد البر، وجاء أيضا في حديث عثمان الكاتب، عن ابن أبي مليكة، في قصة فاطمة بنت أبي حبيش: "لتدع الصلاة في كل شهر أيام قرئها, ولتغتسل لكل يوم غسلا واحدا، ثم الطهور عند كل صلاة" (١). فإن قيل: قال البيهقي في "السنن" (٢): وعثمان ليس بالقوي، وتابعه الحجاج ابن أرطاة وليس بالقوي. وقال في باب المعتادة لا تميز بين الدمين (٣): حديث عثمان الكاتب ضعيف. قلت: خالف في ذلك شيخه الحاكم؛ فإنه أخرج حديث عثمان هذا في المستدرك (٤) وقال: صحيح لم يخرجاه بهذا اللفظ، وعثمان الكاتب بصري ثقة عزيز الحديث (٥). ثم اعلم أن الأئمة الأربعة ومن تابعهم استدلوا بهذا الحديث على أن المستحاضة تترك الصلاة أيام حيضها، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصلي، ولكن اختلفوا [في] (٦) أن وضوءها للصلاة أو لوقت الصلاة؟

стр. 851

فعند أبي حنيفة وأصحابه: لوقت الصلاة، حتى لو توضأت في أول الوقت فلها أن تصلي ما شاءت من الفرائض والنوافل، ما لم يخرج الوقت؛ وإن دام السيلان. وعند الشافعي: إن كان العذر من أحد السبيلين، كالاستحاضة وسلس البول وخروج الريح، تتوضأ لكل فرض وتصلي ما شاءت من النوافل. وقال مالك، في أحد قوليه: تتوضأ لكل صلاة. كذا في "البدائع" (١). وفي "المغني" (٢) لابن قدامة: وأكثر أهل العلم على أن الغسل عند انقضاء الحيض، ثم الوضوء لكل صلاة يُجْزِئْهَا، وقد قيل: لا يجب عليها الوضوء لكل صلاة، وهو قول مالك وربيعة وعكرمة؛ لأن ظاهر حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، في قصة فاطمة بنت أبي حُبيش، الغسل فقط؛ فإنه قال: "فاغتسلي وصلي", ولم يقل: "وتوضئي لكل صلاة"، وحديث الترمذي فيه: "وتوضئي لكل صلاة"، وهذه زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة. ثم قال: وحكم طهارة المستحاضة حكم التيمم، في أنها إذا توضأت في الوقت صلَّتْ صلاة الوقت، وقضت الفوائت، وتطوعت، حتى يخرج الوقت، نص أحمد على هذا. ومذهب الشافعي أنها لا تجمع بطهارتها بين فرضين؛ فلا تقضي فائتة، ولا تجمع بين صلاتين، كقولهم في التيمم وحجته. قوله ﵇: "توضئي لكل صلاة" ولنا أنه رُوي في بعض ألفاظ حديث بنت أبي حبيش: "توضئي لوقت كل صلاة". رُوي "التمهيد" (٣): كان عروة يفتي بأن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة، وذلك عند مالك على الاستحباب لا على الإيجاب، وروى مالك في موطئه عن هشام بن عروة عن أبيه قال: "ليس على المستحاضة إلا أن تغتسل غسلا واحدا، ثم تتوضأ

стр. 852

بعد ذلك لكل صلاة"، قال مالك: الأمر عندنا على حديث هشام بن عروة عن أبيه، وهو أحب ما سمعت إليّ في ذلك، وممن قال بأن الوضوء على المستحاضة غير واجب: ربيعة وعكرمة وأيوب وطائفة. وقال البيهقي في "المعرفة" (١): قال الشافعي في كتاب الحيض: قال يعني بعض العراقيين: أمَا إنَّا روينا أن النبي ﵇ أمر المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة قال الشافعي: نعم قد رويتم ذلك، وبه نقول، قياسا على سنة رسول الله ﵇ في الوضوء مما خرج من دبر أو ذكر أو فرج، ولو كان هذا محفوظا كان أحب إلينا من القياس. فأشار الشافعي إلى أن الحديث الذي رُوي فيه غير محفوظ. قلت: يلزم على قياس الشافعي أن لا تختص المستحاضة بفرض واحد كالوضوء مما يخرج من أحد السبيلين. فإن قال: الفرق أن حدث المستحاضة بعد الفرض موجود قائم. قلنا: فوجب أن لا [تصلي] (٢) بعد ذلك نافلة. وفي كون الشافعي لم يجوِّز لها أن تصلي فرضين بطهارة واحدة؛ دليل على أنه عمل بحديث المستحاضة تتوضأ لكل صلاة، لا بالقياس على ما ذكر، ثم إنه خصص العموم وجوز من النوافل ما شاءت، وجعل التقدير: لكل صلاة فرض، فلما أضمر ذلك، فلخصمه أن يُضْمر الوقت، ويقول: التقدير لوقت كل صلاة، كقوله ﵇ "إن للصلاة أولا وآخرا، وأينما أدركتني الصلاة تيممت" وذلك لأن ذهاب الوقت عُهِدَ مبطلا للطهارة، كذهاب مدة المسح. والخروج من الصلاة لم يعهد مبطلا للطهارة، وكذا الحدث يعم الفريضة والنافلة، وكذا القياس الذي ذكره الشافعي، فَعُلِمَ أنه لم يطرد القياس. وقال ابن حزم (٣): قول مالك في هذا الباب خطأ لأنه خلاف للحديث الوارد في

стр. 853

ذلك، وقول الشافعي وأحمد كذلك خطأ؛ لأن من المحال الممتنع في الدين الذي لم يأت به قط نص ولا دليل أن يكون إنسان طاهرا إن أراد أن يصلي تطوعا، ومحدثا غير طاهر في ذلك الوقت بعينه إن أراد أن يصلي فريضة، فإن كانت طاهرة فلها أن تصلي، ما شاءت من الفرائض والنوافل، وإن كانت محدثة فما يحل لها أن تصلي لا نافلة ولا فريضة. وقول أبي حنيفة فاسد أيضا؛ لأنه مخالف للخبر الذي تعلق به، ومخالف للمعقول والقياس، وما وجدنا قط طهارة تنتقض بخروج وقت، وتصح يكون الوقت قائما. قلت: تشنيعه على أبي حنيفة باطل؛ لأن قوله غير مخالف للخبر الذي تعلق به، فإن في بعض ألفاظه: "توضئي لوقت كل صلاة". على ما ذكره صاحب "المغني" (١). وكذا قوله: مخالف للمعقول والقياس باطل أيضا؛ لأن ذهاب الوقت قد عُهِدَ مبطلا للطهارة، كذهاب مدة المسح، فكيف يشنع ويقول: وما وجدنا قط طهارة تنتقض بخروج وقت (٢)؟! ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: نا عبد الله بن يزيد المقرى، قال: ثنا أبو حنيفة. وحدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: نا أبو حنيفة، عن هشام بن عروة، عن

стр. 854

أبيه، عن عائشة: "أن فاطمة بنت أبي حبيش أتت النبي ﵇ فقالت: إنني أحيض الشهر والشهرين، فقال ﵇: إن ذلك ليس بحيض، وإنما ذلك عرق من دمك، فإذا أقبل فدعى الصلاة، وإذا أدبر فاغتسلي لطهرك، ثم توضئي عند كل صلاة". ش: هذان طريقان صحيحان. الأول: عن صالح بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد القرشي المقرئ القصير، عن الإِمام أبي حنيفة نعمان بن ثابت الكوفي، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، عن عائشة. وأخرجه البيهقي (١) أيضا من حديث أبي حنيفة. الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم، عن أبي حنيفة ... إلى آخره. وأخرج السراج في "مسنده" عن هناد بن السري، عن أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، نحو رواية أبي حنيفة. فإن قيل: قال البيهقي في هذا الحديث: ورواه أبو حنيفة، عن هشام، وفيه: "توضئي لكل صلاة" الصحيح أن هذا من قول عروة. قلت: قد وصلها الحمادان وغيرهما بكلامه ﵇، أما حماد بن زيد فقد قال النسائي (٢): أخبرنا يحيى بن حبيب، قال: ثنا حماد -وهو ابن زيد- عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "استحيضت فاطمة بنت أبي حبيش، فسألت النبي ﵇ فقالت: يا رسول الله، إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال رسول الله ﵇: إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك أثر الدم وتوضئي، فإنما ذلك عرق وليست بالحيضة. قيل له: فالغسل؟ قال: ذلك لا يشك فيه أحد".

стр. 855

قال أبو عبد الرحمن (١): لا أعلم أحدا ذكر في هذا الحديث: "وتوضئي" غير حماد بن زيد، وقد روى غير واحد عن هشام ولم يذكر فيه: "وتوضئي". وأما حماد بن سلمة فقد قال الدارمي في "سننه" (٢): أنا حجاج بن منهال، نا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت: يا رسول الله، إني امرأة استحاض أفأترك الصلاة؟ قال [لا] (٣) إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، وإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وتوضئي وصلي". وأخرجه الترمذي (٤): وصححه من طريق وكيع وعَبدة وأبي معاوية، عن هشام ... وقال في آخره: وقال أبو معاوية في حديثه: "وقال: توضئي لكل صلاة". ورواه أبو عوانة أيضًا: عن هشام، أخرجه الطحاوي في كتاب "الرد على الكرابيسي" من طريقه بسند جيد، على أن حماد بن زيد لو انفرد بذلك لكان كافيا؛ لثقته وحفظه لا سيما في هشام، فإن صح السند الذي جعل فيه من كلام عروة، يحمل على أنه سمعها، فرواها مرة كذلك، ومرة أخرى أفتى بهذا، وهذا أولى من تخطئة من وصلها بكلامه ﵇ كيف وقد روي ذلك مرفوعا في رواية هشام عن عروة كما مرّ. ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: نا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على شريك، عن أبي اليقظان. وحدثنا فهد، قال: نا محمَّد بن سعيد الأصبهاني، قال: أنا شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵇ قال:

стр. 856

"المستحاضة تدع الصلاة أيام حيضها، ثم تغتسل، وتتوضأ لكل صلاة، وتصوم وتصلي". ش: هذان طريقان: أحدهما: عن علي بن شيبة بن الصلت الكوفي، عن يحيى بن يحيى النيسابوري شيخ البخاري ومسلم. قال: قرأت على شريك بن عبد الله النخعي، روى له الجماعة؛ البخاري مستشهدا، ومسلم في المتابعات. عن أبي اليقظان عثمان بن عمير البجلي الكوفي الأعمى، فيه كلام كثير، روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه. عن عدي بن ثابت الأنصاري الكوفي، وثقه أبو حاتم وأحمد، وقال أبو حاتم أيضا: صدوق، وكان إمام مسجد الشيعة وقاضيهم. وأبوه ثابت: وثقه ابن حبان، وذكره ابن أبي حاتم فيمن اسمه ثابت ولم يُنْسَب، وقال: ثابت الأنصاري، والد عدي بن ثابت، روى عنه ابنه عدي بن ثابت، وجده -أبو أمه- عبد الله بن يزيد. كذا قال ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل". وقال الترمذي (١): سألت محمدا عن هذا الحديث فقلت له: عدي بن ثابت عن أبيه عن جده، جد عدي ما اسمه؟ فلم يعرف محمَّد اسمه، وذكرت لمحمد قول يحيى بن معين: إن اسمه دينار، فلم يعبأ به. وقال الدارقطني: لا يصح من هذا كله شيء. وذكر ابن حبان في كتاب "الثقات" أن ثابتا هذا هو ابن عبيد بن عازب، ابن أخي البراء بن عازب الصحابي.

стр. 857

وقال أبو عمر: شهد عبيد وأخوه البراء مع علي ﵁ مشاهده كلها، وهو جد عدي بن ثابت، روى في الوضوء والحيض. والترمذي أخرجه من (١): هذا الطريق وقال: نا قتيبة، قال: نا شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵇ أنه قال في المستحاضة: "تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تحيض فيها، ثم تغتسل، وتتوضأ عند كل صلاة، وتصوم وتصلي". قال أبو عيسى: هذا حديث قد تفرد به شريك عن أبي اليقظان. الثاني: عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن سليمان الكوفي أبي جعفر الأصبهاني شيخ البخاري، عن شريك ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٢): نا محمَّد بن جعفر بن زياد، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵇ في المستحاضة: "تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتصلي، والوضوء عند كل صلاة" وزاد عثمان: "وتصوم وتصلي". وأخرجه ابن ماجه (٣): عن أبي بكر بن أبي شيبة وإسماعيل بن موسى، قالا: ثنا شريك ... إلى آخره نحوه. وأخرجه الدارمي في "سننه" (٤): عن محمَّد بن عيسى، عن شريك .. إلى آخره نحوه. وهذا الحديث من قبيل رواية الأبناء عن الآباء عن الأجداد، نحو عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وطلحة بن مصرف عن أبيه عن جده، وهذا النوع مما يحتج به أهل العلم. ولكنهم اختلفوا في عمرو بن

стр. 858

شعيب عن أبيه عن جده، وأكثرهم على الاحتجاج بحديثه، حملا لمطلق الجد فيه على الصحابي عبد الله بن عمرو بن العاص، دون ابنه محمَّد والد شعيب؛ لما ظهر من إطلاقه ذلك. وجدّ بهز: معاوية بن حَيْدَة القُشَيري. وجد طلحة: عمرو بن كعب اليامي. وجد عُدي: عبيد بن عازب، أو عبد الله بن يزيد على ما ذكرنا. وفيه حجة لأبي حنيفة في حمله القُرء على الحيض، خلافا للشافعي. ص: قالوا: وقد روي عن علي ﵁، ذلك فذكروا ما: حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد، قال: أنا شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي ابن ثابت، عن أبيه عن علي مثله، يعني مثل حديثه عن أبيه عن جده عن النبي ﵇ الذي ذكرناه في الفصل الذي قبل هذا، قالوا: فبما رويناه عن رسول الله ﵇ وعن علي ﵁ نقول. ش: أشار بهذا إلى أن الحديث المذكور كما روي مرفوعا، رُوي أيضا موقوفا على علي بن أبي طالب ﵇، برجال الطريق الثاني من الطريقين المذكورين آنفا. وقال أبو داود بعد أن أخرج حديث عدي بن ثابت عن أبيه عن جده: ورواه أبو اليقظان عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن علي ﵇، وقال الذهبي في "مختصر سنن البيهقي": صوابه: عدي بن أبان بن ثابت بن قيس الظفري، فنسب إلى جده: وأبان لا يعرف. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن علي ﵁ مثله. قوله: "قالوا" أي أهل المقالة الثالثة.

стр. 859

قوله: "نقول" مقول "قالوا"، والباء في "فبما" تتعلق به، أي نقول بالذي رويناه عن رسول الله ﵇ وعن علي بن أبي طالب ﵁. ص: فعارضهم معارض فقال: أما حديث أبي حنيفة الذي رواه عن هشام بن عروة فخطأ؛ وذلك لأن الحفاظ عن هشام رووه على غير ذلك، فذكروا ما: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث وسعيد بن عبد الرحمن ومالك بن أنس والليث، عن هشام بن عروة، أنه أخبرهم عن أبيه، عن عائشة ﵂: "أن فاطمة بنت أبي حبيش جاءت النبي ﵇ وكانت تستحاض- فقالت: يا رسول الله، إني والله ما أطهر أفأدع الصلاة أبدا؟ فقال رسول الله ﵇: إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، وإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم ثم صلي". حدثنا محمَّد بن علي بن داود، قال: نا سليمان بن داود الهاشمي، قال: أنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه وهشام كلاهما، عن عروة، عن عائشة مثله. قالوا: فهكذا روى الحفاظ هذا الحديث عن هشام بن عروة، لا كما رواه أبو حنيفة ﵁. فكان من الحجة عليهم في ذلك أن حماد بن سلمة قد روى هذا الحديث عن هشام فزاد حرفا يدل على موافقته لأبي حنيفة: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا حجاج ابن المنهال، قال: نا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﵇ بمثل حديث يونس عن ابن وهب، وحديث محمَّد بن علي عن سليمان ابن داود، غير أنه قال: "فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وتوضئي وصلي". ففي هذا الحديث أن النبي ﵇ أمرها بالوضوء مع أمره إياها بالغسل، فذلك الوضوء هو الوضوء لكل صلاة، فهذا معنى حديث أبي حنيفة، وليس حماد بن سلمة عندكم في هشام بن عروة، بدون مالك والليث وعمرو بن الحارث.

стр. 860

ش: أي عارض أهل المقالة الثالثة معارضٌ، بيان المعارضة: أن هذا الحديث رواه الحفاظ عن هشام بن عروة على غير الوجه الذي رواه أبو حنيفة؛ لأنهم رووه عن هشام بن عروة، وليس فيه الأمر بالوضوء عند كل صلاة، وإنما أبو حنيفة روى هذا عنه وتفرد به، ولم يتابعه عليه أحد، فلا يحتج به، وأراد بالحفاظ مثل عمرو بن الحارث وسعيد بن عبد الرحمن ومالك بن أنس والليث بن سعد. وأجاب عن هذا بقوله: "فكان من الحجة عليهم في ذلك" أي على المعارضين الطاعنين في حديث أبي حنيفة، أن حماد بن سلمة روى هذا الحديث عن هشام بن عروة فزاد فيه حرفا، فوافق بذلك أبا حنيفة، وليس حماد بن سلمة في روايته عن هشام، بدون هؤلاء الحفاظ المذكورين. فإن قلت: كيف يساوي حماد بن سلمة هؤلاء الحفاظ، أو يدانيهم، ولم يخرج له البخاري إلا مستشهدا؟ قلت: لا يلزم من ذلك ما ذكرتم، فإن مسلما احتج به، وكذلك الأربعة، وكيف وقد قال شعبة: حماد بن سلمة يفيدني. وعن وهيب: كان حماد بن سلمة سيدنا وكان أعلمنا. ذكره ابن أبي حاتم في كتابه على أنا نقول: ليس هذا بمخالفة من أبي حنيفة لرواية الحفاظ بل زيادة ثقة، وهي مقبولة ولا سيما من مثله. وخصوصا تابعه على ذلك حماد بن سلمة على ما ذكره الطحاوي، وتابعه أيضًا حماد بن زيد كما ذكرنا في حديث النسائي، وتابعه أيضا أبو عوانة الوضاح عن هشام، ذكره الطحاوي بسند جيد في كتاب "الرد على الكرابيسي" على ما ذكره عن قريب، وتابعه أبو حمزة السكري أيضا على ما قال ابن حبان في "صحيحه" (١): ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذه اللفظة تفرد بها أبو حمزة وأبو حنيفة.

стр. 861

أخبرنا محمد بن أحمد بن النضر قال: ثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبي يقول: حدثنا أبو عوانة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "سئل رسول الله ﵇ عن المستحاضة، فقال: تدع الصلاة أيامها، ثم تغتسل غسلا واحدا، ثم تتوضأ عند كل صلاة". أخبرنا (١) محمَّد بن أحمد بن النضر الخلقاني، قال: نا محمَّد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبي، قال: ثنا أبو حمزة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "أن فاطمة بنت أبي حبيش أتت النبي ﵇ فقالت: يا رسول الله، إني استحاض الشهر والشهرين. قال: ليس ذاك بحيض ولكنه عرق، فإذا أقبل الحيض فدعي الصلاة عدد أيامك التي كنت تحيضين فيه، فإذا أدبرت فاغتسلي، وتوضئي لكل صلاة لما انتهى. فهذا أبو حنيفة قد تابعه في ذلك حماد بن سلمة وحماد بن زيد وأبو عوانة وأبو حمزة، أربعة من الحفاظ الأجلاء، مع أن تفرد أبي حنيفة كاف لجلالة قدره وتعين إمامته. وأبو حمزة اسمه محمَّد بن ميمون المروزي السكري، روى له الجماعة، ولم يكن سُكَّريّا، وإنما قيل له: السُّكَّري لحلاوة كلامه، قاله عباس الدوري. ثم إن الطحاوي أخرج الحديث الذي عارضه به ذلك المعارض من طريقين صحيحين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث المصري وسعيد بن عبد الرحمن بن عبد الله المدني قاضي بغداد في عسكر المهدي زمن الرشيد، ومالك بن أنس المدني، والليث بن سعد المصري، كلهم عن هشام بن عروة ... إلى آخره.

стр. 862

وأخرجه الجماعة؛ فالبخاري (١): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك .. إلى آخره نحوه. ومسلم (٢): عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب، كلاهما، عن وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ... إلى آخره نحوه. وأبو داود (٣): عن أحمد بن يونس وعبد الله بن محمَّد النفيلي، كلاهما عن زهير، عن هشام ... إلى آخره نحوه. والترمذي (٤): عن هناد، عن وكيع وعَبدة وأبي معاوية، ثلاثتهم عن هشام ... إلى آخره نحوه، وقال في آخره: قال أبو معاوية في حديثه: "وقال: توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت". والنسائي (٥): عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبدة ووكيع وأبي معاوية، قالوا: ثنا هشام بن عروة .. إلى آخره، نحو رواية أبي داود. وابن ماجه (٦): عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمَّد، قالا: ثنا وكيع، عن هشام ... إلى آخره نحوه. والثاني: عن محمَّد بن علي بن داود أبي بكر البغدادي، عن سليمان بن داود ابن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي أبو أيوب، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد -بالنون- واسمه عبد الله بن ذكوان، عن أبيه عبد الله وعن هشام بن عروة، كلاهما عن عروة، عن عائشة، مثله. أي مثل الحديث المذكور.

стр. 863

قوله: "وإذا ذهب قدرها" بالدال المهملة أي قدر وقتها، ومنهم من صحف هذا وقال: "قَذرَهَا" بالذال المعجمة، وهو غلط. وهذا الحديث يدل على أن هذه المرأة كانت معتادة كما جاء في رواية أخرى: "ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي". واستدل به أبو حنيفة في أن الرد إلى الأيام التي هي عادتها سواء كانت مميزة أو غير مميزة، وبه قال الشافعي في قول. وأما إذا لم يكن لها عادة تعتمد عليها تجعل لها من كل شهر عشرة أيام حيضا والباقي استحاضة كما عرف ذلك في الفروع. وفيه ردّ لمن رأى الغسل لكل صلاة، ولمن رأى عليها الجمع بين الظهرين بغسل، والعشاءين بغسل. ولمن قال: بالاستظهار بيومين أو ثلاث، أو أقل أو أكثر. ولمن رأى عليها الغسل في كل يوم من ظهر إلى ظهر. وقال أبو عمر في "التمهيد" (١): وفيه ردّ على من أوجب الوضوء على المستحاضة، فإذا أحدثت المستحاضة حدثا معروفا معتادا، لزمها الوضوء لأجل ذلك، وأما دَمُ استحاضتها فلا يوجب وضوءا؛ لأنه كدم الجرح السائل، وكيف يجب من أجله وضوء وهو لا ينقطع، ومن كان مثل هذه، من سلس البول والمذي، لا يرتفع [بوضوئه حدثا] (٢) لأنه لا يتمه إلا وقد حصل ذلك الحدث في الأغلب، انتهى. وفيه تناقض لِمَا أنه قال: إن الوضوء في حديث عائشة صحيح. وهذا من أطراف حديثها المذكور، فلا رد حينئذ على من قال به، فافهم.

стр. 864

وأما حديث حماد الذي زاد فيه حرفا، فأخرجه عن محمَّد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن هشام ... إلى آخره. وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. وأخرجه الدارمي (١): عنَ حجاج، عن حماد، عن هشام .. إلى آخره نحوه. وأخرجه الترمذي: كما ذكرنا عن قريب، وفيه: "قال أبو معاوية في حديثه: توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت" ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، وهو قول غير واحد من أصحاب النبي ﵇ والتابعين، وبه يقول سفيان الثوري ومالك والشافعي وابن المبارك: أن المستحاضة إذا جاوزت أيام أقرائها، اغتسلت، وتوضأت لكل صلاة. قوله: "بمثل حديث يونس عن ابن وهب" أي بمثل حديث يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث وسعيد بن عبد الرحمن ومالك بن أنس والليث بن سعد، عن هشام بن عروة، أنه أخبرهم عن أبيه، عن عائشة. . . الحديث. قوله: "وحديث محمَّد بن علي" أراد به شيخه محمَّد بن علي بن داود البغدادي، عن سليمان بن داود الهاشمي، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه وهشام، كلاهما عن عروة، عن عائشة. قوله: "ففي هذا الحديث" أراد به حديث حماد بن سلمة. قوله: "أمرها" أي أمر فاطمة بنت أبي حبيش بالوضوء مع أمره إياها بالغسل، فذلك الوضوء الذي أمرها به هو الوضوء لكل صلاة. فإن قلت: من أين يُعلم أن الوضوء لكل صلاة؟

стр. 865

قلت: الحالة تدل على هذا, ولا سيما ورد في رواية أبي معاوية، في تخريج الترمذي: "توضئي لكل صلاة" وفي رواية أبي حنيفة ومن تابعه أيضًا: "ثم توضئي عند كل صلاة"، وفي حديث عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده: "وتتوضأ لكل صلاة". ص: فقد ثبت بما ذكرنا صحة الرواية عن النبي ﵇ في المستحاضة أنها تتوضأ في حال استحاضتها لكل صلاة، إلا أنه قد رُوي عن النبي ﵇ ما قد تقدم ذكرنا في هذا الباب، فأردنا أن ننظر في ذلك لنعلم ما الذي ينبغي أن نعمل به من ذلك؟ فكان ما رُوي عن النبي ﵇ مما رويناه في أول هذا الباب: "أنه أمر أم حبيبة بنت جحش بالغسل عند كل صلاة" فقد ثبت نسخ ذلك بما قد رويناه عن النبي ﵇ في الفصل الثاني من هذا الباب في حديث ابن أبي داود عن الوهبي في أمر سهلة بنت سهيل؛ فإن رسول الله ﷺ كان أمرها بالغسل لكل صلاة، فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، وبين المغرب والعشاء بغسل، وتغتسل للصبح غسلا، فكان ما أمرها به من ذلك ناسخا لما كان أمرها به قبل ذلك من الغسل لكل صلاة، فأرنا أن ننظر فيما رُوي في ذلك، كيف معناه؟ فإذا عبد الرحمن بن القاسم قد روى عن أبيه في المستحاضة التي استحيضت في عهد النبي ﵇ فاختلف عن عبد الرحمن في ذلك؛ فروى الثوري عنه، عن أبيه، عن زينب بنت جحش: "أن النبي ﵇ أمرها بذلك، وأن تدع الصلاة أيام أقرائها" ورواه ابن عيينة عن عبد الرحمن أيضا، عن أبيه، ولم يذكر زينب، إلا أنه وافق الثوري في معنى متن الحديث، فكان ذلك على الجمع بين كل صلاتين بغسل في أيام المستحاضة خاصة. فثبت بذلك أن أيام الحيض كان موضعها معروفا، ثم جاء شعبة فرواه عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، كما رواه الثوري وابن عيينة، غير أنه لم يذكر أيام الأقراء، وتابعه على ذلك محمَّد بن إسحاق.

стр. 866

فلما رُوِي هذا الحديث كما ذكرنا، واختلفوا فيه، [كشفناه] (١) لنعلم من أين جاء الاختلاف، فكان ذكر أيام الأقراء في حديث القاسم عن زينب وليس ذلك في [حديثه عن عائشة ﵂ فوجب أن يجعل روايته عن زينب غير روايته عن عائشة ﵂ فكان]، (٢) حديث زينب الذي فيه ذكر الأقراء حديثا منقطعا لا [يثبته] (٣) أهل الخبر؛ لأنهم لا يحتجون بالمنقطع، وإنما جاء انقطاعه؛ لأن زينب لم يدركها القاسم، ولم يُولد في زمنها؛ لأنها تُوفيت في عهد عمر بن الخطاب ﵁، وهي أول أزواج النبي ﵇ وفاة بعده، وكان حديث عائشة هو الذي ليس فيه ذكر الأقراء، وإنما فيه: أن النبي ﵇ أمر المستحاضة أن تجمع بين الصلاتين بغسل، على ما في ذلك الحديث، ولم يُبيِّن أي مستحاضة هي؛ فقد وجدنا المستحاضة قد تكون على معان مختلفة: فمنها: أن تكون مستحاضة قد استمر بها الدم، وأيام حيضها معروفة، فسبيلها أن تدع الصلاة أيام حيضها، ثم تغتسل، وتتوضأ بعد ذلك. ومنها: أن تكون مستحاضة؛ لأن دمها قد استمر بها فلا ينقطع عنها، وأيام حيضها قد خَفِيَتْ عليها، فسبيلُها أن تغتسل لكل صلاة؛ لأنه لا يأتي عليها وقت إلا احتمل أن تكون فيه حائضا، أو طاهرا من حيض، أو مستحاضة، فيحتاط (٤) لها، فتؤمر بالغسل. ومنها: أن تكون مستحاضة قد خفيت عنها أيام حيضها، ودمها غير مستمر بها، ينقطع ساعة ويعود بعد ذلك، هكذا هي في أيامها كلها، فيكون قد أحاط علمها أنها في وقت انقطاع دمها، إذا اغتسلت حينئذ غير طاهر من حيض طهرا

стр. 867

يُوجب عليها غسلا، فلها أن تصلي في حالها تلك ما أرادت من الصلوات بذلك الغسل إن أمكنها ذلك. فلما وجدنا المرأة قد تكون مستحاضة بكل وجه من هذه الوجوه التي معانيها مختلفة، وأحكامها مختلفة، واسم المستحاضة يجمعها, ولم نجد في حديث عائشة ﵂ ذلك تِبْيَانَ استحاضة تلك المرأة التي أمرها النبي ﵇ بما ذكرنا أيُّ استحاضة هي، لم يجز لنا أن نحمل ذلك على وجه من هذه الوجوه دون غيره إلا بدليل على ذلك. فنظرنا في ذلك، هل نجد فيه دليلا؟ فإذا بكر بن إدريس قد حدثنا، قال: أنا آدم، قال: نا شعبة، قال: نا عبد الملك بن ميسرة والمجالد بن سعيد وبيان، قالوا: سمعنا عامرا الشعبي يحدث عن قَمير -امرأة مسروق- عن عائشة: "أنها قالت في المستحاضة: تدع الصلاة أيام حيضها، ثم تغتسل غسلا واحدا، وتتوضأ عند كل صلاة". حدثنا حسين بن نصر وعلي بن شيبة، قالا: حدثنا أبو نعيم، قال: نا سفيان، عن فراس وبيان، عن الشعبي بإسناده. فلما رُوي عن عائشة ما ذكرنا من قولها الذي أفتت به بعد النبي ﵇، وكان ما ذكرنا من حكم المستحاضة أنها تغتسل لكل صلاة، وما ذكرنا أنها تجمع بين الصلاتين بغسل، وما ذكرنا أنها تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة، وقد روي ذلك كله عنها، ثبت بجوابها ذلك أن ذلك الحكم هو الناسخ للحكمين الآخرين؛ لأنه لا يجوز عندنا عليها أن تدع الناسخ وتفتي بالمنسوخ، ولولا ذلك لسقطت روايتها. فلما ثبت أن هذا هو الناسخ؛ لما ذكرنا، وجب القول به، ولم يجز خلافها، هذا وجه قد يجوز أن يكون معاني هذه الآثار عليه.

стр. 868

ش: ملخص هذا: أن النبي ﵇ رُوي عنه في المستحاضة ثلاثة أحكام، وقد ذهب إلى كل واحد منها طائفة من أهل العلم، كما ذُكِر مستقصى، وكل ذلك قد ورد بطرق مختلفة صحيحة وغير صحيحة، والسبيل في مثل هذا أن يُوَفَّق بينهما؛ دفعا للتضاد والاختلاف، وقد بيَّن فيما مضى أن حديث الغسل عند كل صلاة، الذي هو الحكم [الأول] (١) قد نسخه الحكم الثاني، وهو الجمع بين الصلاتين بغسل واحد، وبقي التوفيق بينه وبين الثالث الذي فيه الأمر بالاغتسال مرة والوضوء عند كل صلاة، ووجهه: أن كلا منهما قد رُوي عن عائشة بطرق صحيحة، ورُوي عنها أيضا أنها أفتت بعد النبي ﵇ في المستحاضة أن تغتسل غسلا واحدا وتتوضأ عند كل صلاة، كما في حديث قَمير امرأة مسروق، عنها، على ما يجيء الآن. فدل ذلك أنه ناسخ للحكم الأول والثاني، وذلك لأنه لا يجوز على مثل عائشة أن تترك الناسخ وتفتي بالمنسوخ، وإلا سقطت روايتها، فعلم أن حديث الأمر بالاغتسال مرة والوضوء عند كل صلاة هو الناسخ لجميع ما روي من الآثار في هذا الباب، وأن العمل عليه، كما ذهب إليه جمهور العلماء، ومعظم الفقهاء، والأئمة الأربعة. قوله: "فقد ثبت بما ذكرنا" أراد به ما ذكره من حديث محمَّد بن عمرو بن يونس السوسي، عن يحيى بن عيسى. ومن حديث علي ابن شيبة بن الصلت السَّدوسي، عن يحيى بن يحيى النيسابوري. ومن حديث محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن الحجاج ابن، (٢) منهال الأنماطي. قوله: "إلا أنه قد رُوي" أي: غير أن الشأن: قد رُوي عن النبي ﵇ ما قد تقدم ذكرنا له، يعني: في أول الباب، وأراد به أن تلك الأحاديث معارضة لما قد ثبت بما

стр. 869

ذكرنا، ثم بيَّن أن هذه منسوخة بقوله: "فأردنا أن ننظر في ذلك ... " إلي آخره: وهو طاهر بُيِّن فيما تقدم. قوله: "فأردنا أن ننظر فيما روى في ذلك" أي: في أمره ﵇ إياها بالجمع بين الظهرين بغسل، وبين العشائين بغسل، والصبح بغسل، كيف معناه؟ وكيف حال هذه المستحاضة. قوله: "فإذا عبد الرحمن" كلمة "إذا" ها هنا للمفاجأة، كما في قولك: "خرجت فإذا السبع واقف"، ولا يليها إلا الجملة الاسمية، فقوله: "عبد الرحمن" مبتدأ، وقوله: "قد روى" خبره. قوله: "فاختُلِفَ عن عبد الرحمن في ذلك"، أي فيما روى عن أبيه عن عائشة، فروى الثوري عنه عن أبيه عن زينب ابنة جحش ... إلي آخره. ورواه ابن عيينة عن عبد الرحمن أيضا عن أبيه، ولم يذكر "زينب" وخالفه فيه، ولكنهما متفقان في معنى متن الحديث، فثبت بذلك -أي باتفاقهما على متن الحديث- أن أيام حيضها كان موضعها معروفا؛ إذ لو لم يكن معروفا لما كانت تتمكن من ذلك على الحقيقة. ويدل على ذلك ما جاء في حديث آخر: "ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها". فإن قيل: من أين كانت تحفظ هذه المرأة عدد أيامها التي كانت تحيض فيها أيام الصحة؟ قلت: لو لم تكن تحفظ ذلك لم يكن لقوله ﵇: "تدع الصلاة أيام أقرائها" معنى؛ إذ لا يجوز. أن يردها إلى رأيها ونظرها في أمر هي غير عارفة بكنهه. قوله: "ثم جاء شعبة فرواه عن عبد الرحمن" أي: روى الحديث المذكور الذي رواه سفيانان (١)، غير أنه لم يذكر فيه أيام الأقراء.

стр. 870

"وتابعه على ذلك"، أي: تابع شعبة على مثل ما روى محمدُ بن إسحاق المدني، فحصل فيه الاختلاف حينئذ، فيحتاج إلى الكشف حتى يُعْلم من أين جاء الاختلاف؟ فكُشِفَ عن ذلك، فوُجدَ ذكر أيام الأقراء في حديث القاسم عن زينب، وهو الحديث الذي رواه الثوري، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن زينب، وليس في حديثه عن عائشة، أي: ليس ذكر أيام الإقراء في حديث القاسم عن عائشة الذي رواه شعبة ووافقه محمَّد بن إسحاق، فتباينت الروايتان، ولكن حديث زينب الذي فيه الأقراء حديث مئقطع؛ وذلك لأن القاسم لم يدرك زينب ولم يُولد في حياتها. بيان ذلك: أن القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق ﵁، مات في ولاية يزيد بن عبد الملك، بعد عمر بن عبد العزيز، سنة إحدى أو اثنتين ومائة. وقال خليفة بن خياط توفي سنة ستٍّ ومائة. وقال يحيى بن بكير: سنة سبع ومائة بقديد. وقال ابن المديني وابن معين: مات سنة ثمان ومائة. قال الواقدي: وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. فيكون تاريخ ميلاده على القول الأول: سنة ثلاثين من الهجرة، وسنة أربع وثلاثين على قول خليفة، وسنة سبع وثلاثين على قول يحيى بن بكير، وسنة ثمان وثلاثين على قول ابن المديني وابن معين، وعلى كل [التقدير] (١) لم يدرك القاسم زينت بنت جحش، أم المؤمنين ﵂؛ لأنها توفيت سنة عشرين من الهجرة، وصل عليها عمر بن الخطاب ﵁، وكانت أول نساء النبي ﵇ لحوقا به. فكان حديث القاسم، عن زينب منقطعا، فلا يحتج به.

стр. 871

فيكون العمل على حديث عائشة الذي ليس فيه الأقراء، وإنما فيه: "أنه ﵇ أمر المستحاضة أن تجمع بين الصلاتين بغسل"، ولكنه لم يبين أي مستحاضة هي؛ لأن المستحاضات كثيرة (١) على أنواع، كما بينها الطحاوي. ولم نعلم في حديث عائشة بيان تلك المستحاضة أيتها هي، فلم يجز حيئنذ أن نحمل ذلك على نوع من الأنواع؛ لبطلان الترجيح بلا مرجح، وهو الدليل يدل على خصوصية المراد فوجدنا ذلك في حديث قَمِير عن عائشة، وتبيَّن أن المراد من تلك المستحاضة هي التي لها أيام معتادة، لأنها أفتت بذلك حيث قالت: "تدع الصلاة أيام حيضها ثم تغتسل غسلا واحدا وتتوضأ عند كل صلاة", ولما روي هذا عن عائشة من قولها الذي أفتت به بعد النبي ﵇، والحال أنه قد روي عنها من أنها تغتسل لكل صلاة، ومن أنها تجمع بين الصلاتين بغسل، ثبت بفتواها هذه أن ما روي عنها من الحكمين الآخرين قد نسخ، إذ لا يجوز أن تفتي بالمنسوخ وتترك الناسخ كما ذكرنا. فلما ثبت أن هذا هو الناسخ، تعين المصير إليه، ووجب القول به، ولم يجز تركه إلى حكم من الحكمين الآخرين. ثم إنه أخرج حديث قمير عن عائشة من طريقين حسنين صحيحين: الأول: عن بكر بن إدريس بن الحجاج، ذكره ابن يونس وأثنى عليه، عن آدم بن أبي إياس التميمي، أحد مشايخ البخاري في الصحيح، عن شعبة بن الحجاج، عن عبد الملك بن ميسرة الهلالي، أبي زيد الكوفي؛ روى له الجماعة، وعن المجالد بن سعيد بن عمير الكوفي، روى له مسلم -مقرونا بغيره- والأربعة. وعن بيان بن بشر الأحمسي البجلي الكوفي المعلم، روى له الجماعة، ثلاثتهم عن عامر الشعبي، عن قَمير -بفتح القاف وكسر الميم- بنت عمرو الكوفية، امرأة مسروق ابن الأجدع، قال العِجْلي: تابعية ثقة. روى لها أبو داود والنسائي.

стр. 872

وأخرجه أبو داود (١): مُعَلَّقا، قال: روى عبد الملك بن ميسرة وبيان والمغيرة وفراس ومجالد، عن الشعبي حديث قمير، عن عائشة: "توضئي لكل صلاة". وأخرجه الدارمي في "مسنده" (٢): أنا جعفر بن عون، أنا إسماعيل، عن عامر، عن قمير، عن عائشة، في المستحاضة: "تنتظر أيامها التي كانت تترك الصلاة فيها، فإذا كان يوم طهرها [الذي] (٣) كانت تَطَهَّر فيه، اغتسلت ثم توضأت عند كل صلاة، وصلت". الثاني: عن حسين بن نصر بن المعارك وعلي بن شيبة، كلاهما عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري، عن فِراسٍ -بكسر الفاء- بن يحيى الهمداني الخَارفي الكوفي، وعن بيان بن بشر، كلاهما عن عامر الشعبي، بإسناده نحوه. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤): نا أبو خالد الأحمر، عن المجالد وداود، عن الشعبي، قال: "أرسلت امرأتي إلى امرأة مسروق فسألتها عن المستحاضة، فذكرت عن عائشة أنها قالت: تجلس أيام أقرائها، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة". وأخرجه البيهقي (٥): من حديث شعبة، عن بيان، سمعت الشعبي يحدث، عن قمير، عن عائشة، قالت: "المستحاضة تدع الصلاة أيام حيضها، وتغتسل وتستذفر وتتوضأ عند كل صلاة". ثم قال: ورواه زائدة، عن بيان، وفيه: "ثم تتوضأ لكل صلاة" وهكذا رواه عبد الملك بن ميسرة ومغيرة ومجالد وغيرهم عن الشعبي.

стр. 873

وروى داود بن أبي هند وعاصم، عن الشعبي، عن قمير، عن عائشة: "تغتسل كل يوم مرة". قوله: "فلما" بتشديد الميم. وقوله: "ثبت بجوابها ذلك" جواب "لمَّا". قوله: "وقد رُوي ذلك كله عنها، جملة وقعت حالا، أي: عن عائشة. قوله: "الحكمين الآخرين" بفتح الخاء، وأراد بهما حكم وجوب الغسل عند كل صلاة، وحكم وجوب الجمع بين الصلاتين بغسل. ص: وقد يجوز في هذا وجه آخر: يجوز أن يكون ما رُوي عن النبي ﵇، في فاطمة بنت أبي حُبَيْش، لا يُخالف ما رُوي عنه في أمر سهلة بنت سُهَيل؛ لأن فاطمة بنت أبي حبيش كانت أيامها معروفة، وسهلة كانت أيامها مجهولة، إلا أن دمها ينقطع في أوقات ويعود بعدها، وهي قد أحاط علمها أنها لم تخرج من الحيض بعد غسلها إلى أن صلت الصلاتين جميعا. فإن كان ذلك كذلك، فإنا نقول بالحديثين جميعًا، فنجعل حكم حديث فاطمة على ما صرفناه إليه، وحكم حديث سهلة على ما صرفناه إليه. وأما حديث أم حبيبة فقد رُوي مختلفا؛ فبعضهم يذكر عن عائشة أن رسول الله ﵇ أمرها بالغسل عند كل صلاة ولم يذكر أقرائها، فقد يجوز أن يكون أمرها بذلك ليكون ذلك الماء علاجا لها, لأنه يُقلِّصُ الدمَ في الرحم فلا يسيل، وبعضهم يرويه عن عائشة: أن النبي ﵇ أمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل لكل صلاة. فإن كان ذلك كذلك فقد يجوز أن يكون أراد به ما ذكرنا في الفصل الذي قبل هذا؛ لأن دمها سائل دائم السيلان، وليست صلاة إلا تحتمل أن تكون عندها طاهرا من حيض، ليس لها أن تصليها إلا بعد الاغتسال، فأمرها بالغسل لذلك، فإن كان

стр. 874

هذا هو معنى حديثها، فإنَّا كذلك نقول أيضًا فيمَنْ استمر بها الدم ولم تعرف أيامها، فلما احتملت هذه الآثارُ ما ذكرنا، وروينا عن عائشة من قولها بعد رسول الله ﵇ ما وصفنا، ثبت أن ذلك هو حكم المستحاضة التي تعرف أيامها، وثبت أن ما خالف ذلك مما رُوي عنها عن رسول الله ﵇ في مستحاضةٍ استحاضتُهَا غير استحاضة هذه، أو في مستحاضة استحاضتها مثل استحاضة هذه، إلا أن ذلك على أيَّ المعاني كان، كان فيما رُوي في أمر فاطمة بنت أبي حييش أولى؛ لأن معه الاختيار من عائشة ﵂ له بعد النبي ﵇، وقد علمت ما خالفه وما وافقه من قوله ﵇. وكذلك أيضا ما رويناه عن علي ﵁[أنها تغتسل لكل صلاة، وما رويناه عنه أنها تجمع بين الصلاتين بغسل، وما رويناه عنه] (١) أنها تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل، وتتوضأ لكل صلاة، إنما اختلفت أقواله في ذلك لاختلاف الاستحاضات التي أفتئ فيها بذلك. وأما ما رُوي عن أم حبيبة في اغتسالها لكل صلاة، فوجه ذلك عندنا -والله أعلم-: أنها كانت تتعالج به، فهذا حكم هذا الباب من طريق الآثار وهي التي يحتج بها فيه. ش: ملخص هذا الوجه أن يحمل كل حديث ورد في هذا الباب على وجه من الوجوه، فلا يبقى بينها لا تعارض ولا اختلاف، وهذا هو التوفيق فيما بينها, وليس فيه لا نسخ ولانظر إلى التقديم والتأخير. وبيان ذلك كله ظاهر من كلام الشيخ. قوله: "لأنه يقلص الدم" أي: لأن الماء يُجمِّد الدم في الرحم، فلا يُخَلِّيه يسيل، يقال: قَلَصَ الشيء يَقْلِصُ قلوصا: ارتفع، وقلَص وقلَّص، بالتخفيف والتشديد، وتقلَّص، كله بمعنى انضمَّ وانزوى.

стр. 875

قوله: "فإنا كذلك نقول أيضا فيمن استمر بها الدم ولم تعرف أيامها" يعني: نقول بأن تغتسل عند كل صلاة, لأنه لا يأتي عليها وقت إلا احتمل أن تكون فيه حائضا أو طاهرا من حيض أو استحاضة، فتؤمر بالغسل عند كل صلاة؛ احتياطا. قوله: "فأمرها بالغسل لذلك" أي: أمرها بالغسل عند كل صلاة لكون استمرار الدم بها مع الجهل بأيامها. قوله: "فلما احتملت هذه الآثار" أراد بها الآثار التي رُويت في فاطمة بنت أبي حبيش، وسهلة بنت سهيل، وأم حبيبة. قوله: "وروينا عن عائشة من قولها بعد رسول الله ﵇" أراد به ما روته قَمِير امرأة مسروق عنها، الذي مضى ذكره. قوله: "ثبت ذلك" أي الذي روينا عن عائشة من قولها. قوله: "وأما ما رُوي عن أم حبيبة ... " إلى آخره، جواب عن سؤال مقدر، تقريره أن يقال: سلمنا ما قلتم من وجه النظر بين هذه الأحاديث، وما حملتم كل حديث على معنى يليق لحال تلك المستحاضة، فما تقولون في اغتسال أم حبيبة عند كل صلاة في عهد النبي ﵇ كما ورد في رواية عائشة: فكانت هي تغتسل لكل صلاة؟ وتقرير الجواب: أنها إنما كانت تغتسل لكل صلاة تعالُجا به ليتقلص دم رحمها، أو لأنها كان استمر بها الدم، وخفيت عليها أيام قَرْئِها، فحكم مثل هذه المستحاضة أن تغتسل عندكم صلاة. ص: ثم اختلف الذين قالوا: إنها تتوضأ لكل صلاة؛ فقال بعضهم، تتوضأ لوقت كل صلاة، وهو قول أبي حنيفة وزُفَر وأبى يوسف ومحمد بن الحسن ﵏. وقال آخرون بل تتوضأ لكل صلاة، ولا يعرفون ذكر الوقت في ذلك.

стр. 876

فأردنا نحن أن نستخرج من القولين قولا صحيحا، فرأيناهم قد أجمعوا أنها إذا توضأت في وقت صلاة فلم تصل حتى خرج الوقت، فأرادت أن تصلي بذلك الوضوء، أنه ليس لها ذلك حتى تتوضأ وضوءا جديدا، ورأيناها لو توضأت في وقت صلاة فصَلَّت، ثم أرادت أن تتطوع بذلك الوضوء، كان ذلك لها مادامت في الوقت. فدل ما ذكرنا أن الذي ينقض طُهْرها هو خروجُ الوقت، وأن وضوءها يُوجبُه الوقت، لا الصلاة. وقد رأيناها لو فاتتها صلوات فأرادت أن تقضيهن، كان لها أن تجمعهن في وقت صلاة واحدة، بوضوء واحد، فلو كان الوضوء يجب عليها لكل صلاة، لكان يجب أن تتوضأ لكل صلاة من الصلوات الفائتات، فلما كانت تصليهن جميعها بوضوء واحد، ثبت بذلك أن الوضوء الذي يجب عليها هو لغير الصلاة، وهو الوقت. ش: أراد "بالذين قالوا": أهل المقالة الثالثة، وهم الأئمة الأربعة ومن تبعهم. قوله: "فقال بعضهم" أراد به: أبا حنيفة وأصحابه؛ فلذلك أوضحه بقوله: "وهو قول أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف ومحمد ﵏" وهو قول أحمد أيضا في الأصح عنه. قوله: "وقال أخرون" أي: جماعة آخرون، وأراد بهم: الشافعية ومن تبعهم. وأما مذهب مالك، فقد قال ابن حزم في "المحلى" (١): وقال مالك: لا وضوء عليها -أي على المستحاضة- في هذا الدم إلا استحبابا لا إيجابا، وهي طاهر ما لم تُحْدِث حدثا آخر. قوله: "من القولين" أراد بهما: قول الحنفية، وقول الشافعية، ثم ذكر ثلاث مسائل متفقا عليها، وقاس عليها مسائل المستحاضة المتنازع فيها، والجامع: كون وجوب الوضوء عليها للوقت لا للصلاة، فافهم.

стр. 877

ص: وحجة أخرى، وهي أَنَّا قد رأينا الطهارات تنتقض بأحداث: منها الغائط، والبول، وطهارات تنتقض بخروج أوقات وهي الطهارة بالمسح على الخفين ينقضها خروج وقت المسافر، وخروج وقت المقيم، وهذه الطهارات المتفق عليها لم نجد فيها ما تنقضها صلاة، وإنما ينقضها حدث، أو خروج وقت، وقد ثبت أن طهارة المستحاضة ينقضها الحدث وغير الحدث، فقال قوم: هذا الذي هو غير الحدث هو خروج وقت. وقال آخرون: هو فراغ من صلاة، ولم نجد الفراغ من الصلاة حدثا في شيء غير ذلك، وقد وجدنا خروج الوقت حدثا في غيره، فأولى الأشياء أن نرجع في هذا الحدث المختلف فيه، فنجعله كالحدث الذي قد أجمع عليه ووجد له أصل، ولا نجعله كما لم يُجمع عليه ولم نجد له أصلا. فثبت بذلك قول مَنْ ذهب إلى أنها تتوضأ لوقت كل صلاة، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ﵏. ش: ملخص هذه الحجة: أنَّ جَعْلَ الفراغ من الصلاة حدثا غيرُ واقع، وجعل خروج الوقت حدثا واقعٌ موجود متفق عليه، فقياس انتقاض وضوء المستحاضة على الأصل الموجود المتفق عليه، أصلى من قياسه على شيء غير واقع، فافهم. قوله: "فقال قوم" أراد بهم: الحنفية. وقوله: "وقال آخرون" أراد بهم: الشافعية. هذا الذي ذكره كله بطريق النظر والقياس، وأما إذا ثبت في الحديث: المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة، كان هذا (١) مزيدة توكيد للمذهب. وقد قال صاحب "المغني": روي في بعض ألفاظ حديث بنت أبي حبيش: "توضئي لوقت كل صلاة" ثم قال: وحديثهم محمول على الوقت كما قال

стр. 878

النبي ﵇: "أينما أدركتني الصلاة" أي: وقتها دون فحلها، وحديث حمنة ظاهر في الجمع بين الصلاتين بوضوء واحد، ألا ترى أنه لم يأمرها بالوضوء بينهما؟ وقال الكاساني (١): روى أبو حنيفة بإسناده عن النبي ﵇ أنه قال: "المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة"، وهذا نص في الباب، وهذا محكم، وقوله ﵇: "المستحاضة تتوضأ لكل صلاة" محتمل، فيحمل المحتمل على المحكم، توفيقا بين الدليلين، صيانة لهما عن التناقض. ثم إن المستحاضة إذا سأل منها الدم بعد الوضوء فذلك لا يمنع من أداء الصلاة ما بقي الوقت لقوله ﵇: "وإن قطر الدم على الحصير" وأما إذا سأل من موضع آخر أعاد الوضوء، وإن كان الوضوء باقيا؛ لأن هذا حدث جديد، وإذا أصاب ثوبها من دم الاستحاضة فعليها أن تغسله، والله أعلم بالصواب.

стр. 879

ص: باب: حكم بول ما يؤكل لحمه ش: أي هذا باب بيان حكم بول مأكول اللحم من الحيوان، وجه المناسبة بين البابين: اشتمال كل منهما على حكم التطهير، على ما لا يخفى. ص: حدثنا أبو بكرة بكَّار بن قتيية، قال: نا عبد الله بن بكر، قال: نا حميد، عن أنس قال: "قدم ناس من عُرَيْنةَ على النبي ﵇ المدينة فاجْتَوَوْها، فقال: لو خرجتم إلى ذوْدٍ لنا فشرِبتم من ألبانها"، قال: وذكر قتادة أنه قد حفظ عنه: "أبوالها". ش: إسناده صحيح، وأخرجه الجماعة بألفاظ مختلفة، مطولة ومختصرة، فالبخاري (١): عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، قال: "قدم ناس من عُكل أو عُرَيْنَةَ فاجتووا المدينة، فأمرهم النبي ﵇ بلقاحٍ وأن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا، فلما صَحُّوا قتلوا راعي النبي ﵇، واستاقوا النَّعم، فجاء الخبر [أول النهار] (٢) فبعث في آثارهم، فلما ارتفع النهار جيء بهم، فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم، وسُمِّرَتْ أعيُنُهم، وألقوا في الحَرَّة يستسقون فلا يُسقون. قال أبو قلابة فهؤلاء سرقوا وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله. ومسلم (٣): عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن هُشيم واللفظ ليحيى، قال: أنا هشيم، عن عبد العزيز بن صهيب وحميد، عن أنس بن مالك: "أن ناسا من عُرَيْنَه قدموا على رسول الله ﵇ المدينة فاجتووها، فقال لهم رسول الله ﵇: "إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها فافعلوا،

стр. 880

فَصَحُّوا، ثم مالوا على الرِّعاء فقتلوهم، وارتدُّوا عن الإِسلام، وساقوا زَوْدَ رسول الله ﵇ فبلغ ذلك النبي ﵇ فبعث في إثرهم، فأُتِيَ بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمَلَ أعينهم، وتركهم في الحرة حتى ماتوا". وأبو داود (١): عن سليمان بن حرب .. إلى آخره، نحو رواية البخاري سواء. والترمذى (٢): عن الحسن بن محمَّد الزعفراني، عن [عفان] (٣) بن مسلم، عن حماد بن سملة، قال: أنا حميد وثابت وقتادة، عن أنس: "أن ناسا من عُرَينة قدموا المدينة فاجتووْها، فبعثهم النبي ﵇ في إبل الصدقة، وقال: اشربوا من ألبانها وأبوالها". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. والنسائي (٤): عن محمَّد بن عبد الأعلى، عن يزيد بن زُريع، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا قتادة، أن أنس بن مالك حدثهم: "أن أناسا -أو رجالا- من عُكَل قدِموا على رسول الله ﵇ فتكلموا بالإِسلام، فقالوا: يا رسول الله إنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف، واستوخموا المدينة، فأمر لهم رسول الله ﵇ بذودٍ [وراع،] (٥)، وأمرهم أن يخرجوا فيها [فيشربوا] (٦) من ألبانها وأبوالها، فلما صَحُّوا وكانوا بناحية الحرة، كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعِيَ رسول الله ﵇ واستاقوا الذَّوْد، فبلغ النبي ﵇ فبعث الطلب في آثارهم، فأتي بهم، فسمروا أعينهم، وقطعوا أيديهم وأرجلهم، ثم تُركوا في الحرة على حالهم حتى ماتوا".
следующие страницы →