قوله: "من الجُرُف" بضم الجيم والراء، وهو اسم موضع قريب من المدينة، وأصله ما تجرفه السيول من الأودية و"الجَرْف" بفتح الجيم وسكون الراء: أخذك الشيء عن وجه الأرض بالمجرفة.
وزعم الزبير أن الجُرُف على ميل من المدينة، وقال ابن إسحاق على فرسخ، وهناك كان المسلمون يعسكرون إذا أرادوا الغزو.
وزعم ابن قرقول أنه على ثلاثة أميال إلى جهة الشام، به مال عمر وأموال أهل المدينة، وتعرف ببئر جُشم وبئر الجمل (١).
قوله: "بالمِرْبَد" بكسر الميم وفتح الباء، من ربد بالمكان إذا أقام فيه، وربده إذا حبسه، وأراد به الموضع الذي تحبس فيه الإبل والغنم، وبه سمى مِرْبَد البصرة والمدينة.
والمربد أيضًا الموضع الذي يجعل فيه التمر لينشف، كالْبَيْدَر للحِنطة. وزعم ابن قرقول: أن المربد على ميلين من المدينة، وقال السفاقسي: رويناه بفتح الميم، وهي في اللغة بكسرها.
وفي "المحكم": المربد: مَحْبس الإبل، وقيل: هي خشبة أو عصًا تعترض صدور الإبل فتمنعها من الخروج. ومربد البصرة من ذلك؛ لأنهم يحبسون فيه الإبل.
والمربد: فضاء وراء البيوت [يُرْتَفَقُ] (٢) به، والمربد كالحجرة في الدار، ومربد التمر: جَرِينة الذي يوضع فيه بعد الِجذاذ ليَيْبَس، قال سيبويه: هو اسم كالمطبخ، وإنما مثل به لأن الطبخ [يُيبِّسُ] (٣)، وقال السهيلي: المربد والجَرِين والمِسْطح والبَيْدر والأَنْدَر والجرجاذ لغات بمعنى واحد.
стр. 947
وقال محمَّد بن سلمة: إنما تيمم ابن عمر بالمربد؛ لأنه خاف فوت الوقت.
لعله يريد فوات الوقت المستحب، وهو أن تصفَرَّ الشمس.
فإن قيل: قال البخاري في "جامعه" وأقبل ابن عمر من أرضه بالجرف، فحضرت العصر بمِرْبَد الغنم، فصلى، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يُعِدْ.
قلت: قوله: "والشمس مرتفعه" يحتمل أن تكون مرتفعة عن الأفق، والصفرة دخلتها. ويحتمل أن يكون ظَنَّ أنه لا يدخل المدينة حتى يخرج الوقت، فتيمم على ذلك الاجتهاد.
وعن ابن القاسم: "من رجا إدراك الماء في آخر الوقت، فتيمم في أوله وصلى أجزأه، ويُعيد في الوقت استحبابًّا". فيحتمل أن يكون ابن عمر كان يرى هذا.
وقال سحنون في شرح "الموطأ": كان ابن عمر على وضوء؛ لأنه كان يتوضأ لكل صلاة، فجعل التيمم عند عدم الماء عوضًا من الوضوء. وقيل: كان ابن عمر يرى أن الوقت إذا دخل حل التيمم، وليس عليه أن يؤخر لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (١).
وقال عبد العزيز ابن بُزيزة: الحاضر الصحيح يَعْدِم الماء، هل يتيمم أم لا؟ قالت طائفة: يتيمم، وهو مذهب ابن عمر وعطاء والحسن، وجمهور العلماء. وقال قوم من العلماء: لا يتيمم. وعن أبي حنيفة: يُستحب لعادم الماء، وهو يرجوه، أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت، ليقع الأداء بأكمل الطهارتين. وعن محمَّد: إن خاف فوت الوقت يتيمم. وفي شرح الأقطع: التأخير، عن أبي حنيفة ويعقوب حَتْم. كأنه يشُير إلى ما رواه الدارقطني (٢) من حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي: "إذا أجنب الرجل في السفر تَلَوَّمَ ما بينه وبين آخر الوقت، فإن لم يجد الماء، تيمم وصلى".
стр. 948
ولفظ البيهقي (١): "اطلب الماء حتى يكون آخر الوقت، فإن لم تجد الماء تَيَمَّمْ، ثم صَلِّ".
قال ابن حزم (٢): وبه قال سفيان بن سعيد وأحمد بن حنبل وعطاء. وقال مالك: لا يعجل ولا يؤخر، ولكن في وسط الوقت. وقال مرة: إن أيقن بوجود الماء قبل خروج الوقت آخَّره إلى وسط الوقت، وإن كان موقنًا أنه لا يجد الماء حتى يخرج الوقت فليتيمم في أول الوقت ويصلي، وعن الأوزاعي: كل ذلك سواء.
وعند مالك إذا وجد الحاضر الماء في الوقت هل يعيد أم لا؟ فيه قولان في "المدونة"، وقيل: إنه يعيد أبدًا.
قلت: مَنْ صلى بالتيمم، ثم وجد الماء قبل خروج الوقت، لا إعادة عليه؛ لما روى أبو داود في "سننه" (٣): نا محمَّد بن إسحاق المُسَيَّبيِّ، قال: نا عبد الله بن نافع، عن الليث بن سَعْد، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: "خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة، وليس معهما ماء.
فتيمما صعيدًا طيبًا، فصليا. ثم وَجَدَا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﵇[فذكرا] (٤) ذلك له فقال للذي لم يُعِد: أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك، وقال للذي توضأ وأعاد: لك الأجر مرتين".
وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وسفيان وإسحاق والشعبي، وقال عطاء وطاوس وابن سيرين ومكحول والزهري: يعيد الصلاة. واستحبه الأوزاعي ولم يوجبه.
فإن قيل: قال أبو داود: ذكرُ أبي سعيد الخدري في هذا الحديث ليس بمحفوظ، هو مرسل.
стр. 949
قلت: أسنده أبو الوليد الطيالسي، عن الليث، عن عمرو بن الحارث وعميرة بن أبي ناجية، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري. وقال أبو علي بن السكن: تفرد به أبو الوليد ولم يُسْنِد عميرة غير هذا الحديث.
وأخرجه الحكم (١) مسندًا وقال: صحيح على شرطهما، فإن ابن نافع ثقة، وقد وصل هذا الإسناد عن الليث، وقد أرسله غيره.
وقال الطبراني في "الأوسط" (٢): لم يروه متصلًا إلا ابن نافع، تفرد به المسيَّبي.
وقال الدارقطني (٣): تفرد به ابن نافع عن الليث بهذا الإسناد متصلًا، وخالفه ابن المبارك وغيره، فلم يذكروا أبا سعيد.
فإن قيل: قال ابن القطان: عميرة مجهول الحال.
قلت: ليس كذلك؛ لأن النسائي لما ذكره في التمييز، قال: ثقة، وقال ابن يونس: كانت له عبادة وفضل، وقال ابن بكير: هو ثقة. وسئل أحمد بن صالح عنه وعن ابن شريح، فقال: هما متقاربان في الفضل، وذكره ابن حبان في الثقات.
ص: حدثنا فهد بن سليمان، قال: نا أبو نعيم، قال: نا عَزْرَة بن ثابت، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "أتاه رجل فقال أصابتني جنابة، وإنني تمعكت في التراب، فقال: أَصرْتَ حمارًا؟! فضرب بيديه إلى الأرض فمسح وجهه، ثم ضرب بيده إلى الأرض فمسح بيديه إلى المرفقين، وقال: هكذا التيمم".
ش: إسناده صحيح، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وعَزْرَةَ -بفتح العين المهملة، وسكون الزاي المعجمة وفتح الراء- وأبو الزبير محمَّد بن مسلم بن تدْرُس المكي.
وأخرجه الدارقطني (٤): عن محمَّد بن مخلد وإسماعيل بن علي وعبد الباقي بن
стр. 950
قانع، كلهم عن إبراهيم الحربي، عن أبي نعيم، عن عزرة ... إلى آخره نحوه، وليس في روايته: "أصرت حمارًا".
وكذلك أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن وكيع، عن عَزْرَة ... إلى آخره.
ورواه الدارقطني (٢) مرفوعًا أيضًا: نا محمَّد بن مخلد وإسماعيل بن علي وعبد الباقي ابن قانع، قالوا: نا إبراهيم بن إسحاق الحربي، ثنا عثمان بن محمَّد الأنماطي، نا حرميُّ بن عمارة، عن عَزْرة بن ثابت، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﵇، قال: "التيمم ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين".
وأخرجه البيهقي (٣) مرفوعًا أيضًا.
وأخرجه الحكم (٤): من حديث [إبراهيم بن] (٥) إسحاق الحربي نحوه، وقال هذا إسناد صحيح، وقال الذهبي أيضًا: إسناده صحيح، ولا يلتفت إلى قول من يمنع صحته.
قوله: "تمعكت" أي تمرغت.
ص: وقد روي مثل ذلك عن الحسن:
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا حماد، عن قَتَادة، عن الحسن، أنه قال: "ضربة للوجه والكفين، وضربة للذراعين إلى المرفقين".
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا حجاج بن المنهال، قال: أنا أبو الأشهب، عن الحسن، مثله، ولم يَقُل: "إلي المرفقين".
стр. 951
ش: أي: قد روي عن الحسن البصري مثل ما روي عن ابن عمر وجابر.
وأخرجه بطريقين صحيحين:
أولهما: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن حجاج بن المنهال، عن حماد بن سلمة، عن قَتَادَة.
الثاني: عن محمَّد، عن حجاج، عن أبي الأَشْهب جَعْفر بن حَيَّان الأسدي السَعْدي العُطاردي البصري الخزَّاز الأعمى، عن الحسن.
وروى الدارقطنى (١): ثنا القاضيان الحسن بن إسماعيل وأبو عمر محمَّد بن يوسف، قالا: نا إبراهيم بن هانئ، نا موسى بن إسماعيل، نا أبان، قال: "سئل قَتَادَةُ عن التيمم في السفر، فقال: كان ابن عمر يقول: إلى المرفقين، وكان الحسن وإبراهيم النخعي يقولان: إلى المرفقين".
وروى عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن الثوري، عن يونس، عن الحسن، وقاله: عن معمر عن الحسن أيضًا، قال: "مرة للوجه، ومرة لليدين إلى المرفقين" انتهى.
قلت: وروي عن إبراهيم وطاوس وسالم والشعبي وسعيد ابن المسيب نحوه.
فروى محمَّد عن أبي حنيفة، قال: نا حماد، عن إبراهيم، في التيمم قال: "تضع راحتيك في الصعيد فتمسح وجهك، ثم تضعهما الثانية فتمسح يديك وذراعيك إلى المرفقين" قال محمَّد وبه نأخذ.
وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): نا ابن مهدي، عن زمعة، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين".
стр. 952
نا ابن عُلَية (١) عن أيوب، قال: "سألت سالمًا عن التيمم، قال: فضرب بيديه على الأرض (٢) ضربة أخرى فمسح بهما يديه إلى المرفقين".
نا ابن عُليَّة، عن داود، عن الشعبي، قال: "التيمم ضربة للوجه ولليدين إلى المرفقين".
نا أبو داود الطيالسي (٣)، عن حماد، عن قَتَادةَ، عن ابن سيرين وصالح أبي الخليل أنهما قالا: "التيمم الوجه والكفان".
وقال سعيد بن المسيب وابن عمر: "الوجه والذراعان".
وروي عن أبي أمامة وعائشة مرفوعًا.
أما حديث أبي أمامة: فأخرجه الطبراني (٤) بإسناده إليه، عن النبي ﵇، قال: "التيمم ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين". وفي إسناده جعفر بن الزبير، قال شعبة: وضع أربع مائة حديث.
وأما حديث عائشة فأخرجه البزار (٥) بإسناده عنها، عن النبي ﵇، قال في التيمم: "ضربتين: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين"، وفي إسناده الحَرِيشُ بن حُرَيْث، ضعفه أبو حاتم وأبو زرعة والبخاري.
стр. 953
ص: باب: غسل يوم الجمعة
ش: أي: هذا باب في بيان حكم الغسل يوم الجمعة.
والمناسبة بين البابين أن ما قبله طهارة صغرى وهذا طهارة كبرى.
و"الجُمُعة" بضم الجيم والميم، وسكون الميم أيضًا، مشتقة من اجتماع الناس للصلاة، قاله ابن دُرَيْد. وقال غيره: بل لاجتماع الخليقة فيه وكمالها.
وفي "المطالع": وروي عن النبي ﵇ أنها إنما سميت بذلك لاجتماع آدم فيه مع حواء، يعني في الأرض.
ص: حدثنا محمَّد بن علي بن محرز، قال: نا يعقوب بن إبراهيم، قال: نا أبي، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن طاوس، قال: قلت لابن عباس: "ذكروا أن النبي ﵇ قال: اغتسلوا يوم الجمعة واغسلوا رؤوسكم، وإن لم تكونوا جنُبَا، وأصيبوا من الطيب. فقال ابن عباس ﵄: أما الغسل فنعم، وأما الطيب فلا أعلمه".
حدثنا ابن أبى داود، قال: نا أبو اليمان، قال: أنا شعيب بن أبى حمزة، عن الزهري، قال: قال طاوس، قلت لابن عباس ... ثم ذكر مثله.
حدثنا أبو بكرة قال: ثنا أبو عاصم النبيل، قال: أنا ابن جريج، عن إبراهيم بن مَيْسرة، عن طاوس، عن ابن عباس ... مثله.
ش: هذه ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن محمَّد بن علي بن محرز البغدادي، وثقه ابن يونس وابن الجوزي.
عن يعقوب بن إبراهيم المدني.
عن أبيه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف.
عن محمَّد بن إسحاق المدني.
стр. 954
عن محمَّد بن مسلم الزهري.
عن طاوس بن كيسان اليماني.
وأخرجه البزار في "مسنده": عن الفضل بن سهل، عن يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثني أبي، عن ابن إسحاق ... إلى آخره نحوه.
الثانى: عن إبراهيم بن أبي داود، عن أبي اليمان الحكم بن نافع البَهْراني، عن شعيب بن أبي حمزة دينار القرشي الحمصي، عن الزهري عن طاوس ... إلى آخره.
وأخرجه البخاري (١): عن أبي اليمان ... إلى آخره، نحو رواية الطحاوي.
الثالث: عن أبي بكرة بكار، عن أبي عاصم النَّبِيل، بفتح النون وكسر الباءالموحدة، من النبالة، وهي الفضل، من: نَبُل -بضم عين الفعل- فهو نَبيل، واسمه: الضحاك بن مَخْلَد.
عن عبد الملك ابن جريج، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس.
وأخرجه مسلم (٢): عن محمَّد بن رافع، عن عبد الرزاق، قال: أنا ابن جريج، قال: أخبرني إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عباس: "أنه ذكر قول النبي ﵇ في الغسل يوم الجمعة، قال طاوس: فقلت لابن عباس: ويَمسّ طيبًا أو دهنًا إن كان عند أهله؟ قال: لا أعلمه".
قوله: "جُنبًا" منصوب على أنه خبر "إن لم تكونوا" وقد ذكرنا أن الجنب يطلق على الواحد والمثنى والجمع، والمذكر والمؤنث.
قوله: "وأصيبوا" أي: مِن: أَصَاب يُصِيب.
[إصابة] (٣) وكلمة "مِن" في: "مِن الطيب" للتبعيض، والطِيب
стр. 955
اسم لما يُتَطَيَّب به حتى الماء فإنه يطلق عليه الطيب كما ورد في الحديث: "فإن الماء طيب" (١)، وسيجيء ذكره إن شاء الله تعالى.
وذلك لأن الطَيِّب في اللغة خلاف الخبيث، يُقال: طاب الشيء يطيب طِيبه وتَطيابَّاَ. وفي العُباب: وطِيبًا أيضًا.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: أنا عفان بن مسلم، قال: نا شعبة، عن أبي إسحاق، عن يحيى بن وثَّاب، قال: "سمعت رجلًا سأل ابن عمر عن الغسل يوم الجمعة، فقال: أمرنا به رسول الله ﷺ ".
حدثنا فهد، قال: نا أبو نعيم، قال: نا إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن نافع وعن يحيى بن وثاب، قالا: سمعنا ابن عمر يقول: سمعت رسول الله ﵇ يقول ذلك.
حدثنا ابن مرزوق، قال: نا أبو داود، قال: نا شعبة، عن الحكم أنه سمع نافعًا يحدث، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ بذلك.
حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: أنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن الزهري عن حديث سالم بن عبد الله، عن عبد الله، عن حديث رسول الله ﵇ بذلك.
حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇، بذلك.
حدثنا ابن أبي داود، قال: نا سليمان بن حرب، قال: أنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ بذلك.
حدثنا أبو بكرة، قال: نا إبراهيم بن أبي الوزير، قال نا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﵇ بذلك.
стр. 956
حدثنا عبد الرحمن بن الجارود أبو بشر البغدادي، قال: نا ابن أبي مريم، قال: نا الليث بن سعد، قال: حدثني ابن شهاب، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﵇ بذلك.
ش: أخرج حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ من ثمان طرق صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم الصفار، عن شعبة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن يحيى بن وثاب الأسدي ... إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا حجاج، أنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمعت يحيي بن وثاب: "سألت ابن عمر عن الغسل يوم الجمعة، قال: أمرنا به رسول الله ﵇".
الثانى: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق عمرو السبيعي، عن نافع، وعن يحيى بن وثاب، كلاهما عن ابن عمر ﵄.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): نا شريك وأبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن يحيى بن وثاب، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵇: "مَنْ أتى الجمعة فليغتسل".
نا (٣) ابن عياش، عن أبي إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇، بمثله.
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن الحكم بن عُتَيْبة، عن نافع.
стр. 957
وأخرجه البزار في "مسنده": نا عمرو بن علي، نا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن الحكم، عن نافع، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "من أتى الجمعة فليغتسل".
الرابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد، عن عبد الملك بن جريج، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله.
وأخرجه أحمد في "مسند" (١): نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﵇ وهو على المنبر يقول: "من جاء منكم الجمعة فليغتسل".
الخامس: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر.
وأخرجه مالك في "موطإه" (٢): عن نافع، عن عبد الله ابن عمر، أن رسول الله ﵇ قال: "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل".
السادس: عن إبراهيم بن أبي داود، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): نا محمَّد بن جعفر، عن شعبة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇: "إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل".
السابع: عن أبي بكرة بكار، عن إبراهيم بن أبي الوزير، هو إبراهيم بن عمر بن مطرف الهاشمي المكي، المعروف بابن أبي الوزير، عن سفيان الثوري، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سالم، عن أبيه عبد الله.
стр. 958
وأخرجه أبو عبد الله العدني في "مسنده": نا سفيان عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أنه سمع النبي ﵇، وهو على المنبر يقول: "من جاء منكم الجمعة فليغتسل".
الثامن: عن عبد الرحمن بن الجارود أبي بشر البغدادي، عن سعيد ابن الحكم بن سالم، المعروف بابن أبي مريم الجمحي المصري، شيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر.
وأخرجه مسلم (١): نا قتيبة بن سعيد، ثنا ليث.
ونا ابن رمح، نا ليث، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله ﵇ أنه قال وهو قائم على المنبر: "مَنْ جاء منكم الجمعة فليغتسل".
ص: حدثنا محمَّد بن عبد الله بن ميمون، قال: أنا الوليد بن مسلم، قال: أنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال حدثني أبو سلمة، عن أبي هريرة، قال: سمعت عمر ﵁ على المنبر يقول: "ألم تسمعوا النبي ﵇ يقول: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل؟ ".
ش: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.
وأخرجه البخاري (٢): نا أبو نعيم، نا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "أن عمر ﵁ بينما يخطب يوم الجمعة إذ دخل رجل، فقال عمر: لم تحتبسون عن الصلاة؟ فقال الرجل: ما هو إلا سمعت النداء فتوضأت، فقال: ألم تسمعوا النبي ﵇ قال: إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل؟ ".
стр. 959
وأخرجه مسلم (١): أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، قال حدثني يحيى بن أبي كثير، قال حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: حدثني أبو هريرة قال: "بينما عمر بن الخطاب ﵁ الجمعة إذ دخل عثمان بن عفان ﵁ قال: ما بال رجال يتأخرون بعد النداء، فقال عثمان: يا أمير المؤمنين ما زدت حين سمعت النداء أن توضأت ثم أقبلت. فقال عمر: والوضوء أيضًا؟! ألم تسمعوا رسول الله ﵇، يقول: إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل".
وأخرجه أبو داود (٢): عن أبي توبة الربيع بن نافع، عن معاوية، عن يحيى، عن أبي سلمة ... إلي آخره، نحو رواية البخاري، وفيه: "والوضوء أيضًا" بدل قوله: "أو لم تسمعوا".
وأخرجه الترمذي من طريق الزهري، عن سالم، عن أبيه: "بينما عمر ... " الحديث.
ص: حدثنا محمَّد بن حميد بن هشام الرعيني، قال: حدثني يحيى بن عبد الله بن بُكَيْر، قال: ثنا المفضل بن فضالة، عن عياش بن عباس، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن نافع مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، عن حفصة زوج النبي ﵇، عن النبي ﵇ أنه قال: "على كل محتلم الرَّواح إلى الجمعة، وعلى من راح الجمعة الغسل".
ش: إسناده صحيح على شرط مسلم.
وعياش -بالياء آخر الحروف المشددة وبالشين المعجمة- بن عباس -بالباء الموحدة والسين المهملة- القِتْبَانيّ.
стр. 960
وأخرجه أبو داود (١): ثنا أيزيد، (٢) بن خالد الرملي، ثنا المفضل -يعني: ابن فضالة- عن عياش ... إلى آخره، نحوه سواء.
قوله: "الرواح" أصل الرواح أن يكون بعد الزوال، ولكن المراد منه ها هنا الذهاب مطلقًا، يقال: راح القوم وتروّحوا، إذا ساروا أيَّ وقت كان.
وقال الأزهري: لغة العرب أن الرواح الذهاب، سواء كان أول النهار أو آخره، أو في الليل.
والمراد من "المحتلم" البالغ المدرك، وأصله من الحُلُم بضم الحاء وهو العقل، وأراد به من بلغ العقل، وجرى عليه حكم الرجال، سواء احتلم أو لم يحتلم.
ص: حدثنا روح بن الفرج القطان، قال: أنا يحيى بن عبد الله ويزيد بن مَوْهب وعبد الله بن عباد البصري، قالوا: نا المفضل فذكر بإسناده مثله.
ش: هذا طريق آخر، عن روح بن الفرج القطان أبي الزنباع المصري، عن يحيى بن عبد الله بن بكير المصري، وعن يزيد بن مَوْهب الشامي، وثقه ابن حبان. وعن عبد الله بن عباد البصري، قال في الميزان: ضعيف، ثلاثتهم قالوا: حدثنا المفضل بن فضالة فذكر روح الحديث بإسناده مثل المذكور.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٣)، وقال: ثنا أبو الزنباع روح بن الفرج، ثنا يحين بن بكير، حدثني مفضل بن فضالة، عن عياش بن عباس القِتْبَانيّ، عن بُكَيْر بن عبد الله بن الأشج، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة، قالت: قال رسول الله ﵇: "الرواح يوم الجمعة واجب على كل محتلم، والغسل كاغتساله من الجنابة".
стр. 961
ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: نا أبو غسان، قال: أنا محمَّد بن بِشْر، قال: نا زكريا بن أبي زائدة، عن مصعب بن شيبة، عن طَلْق بن حبيب، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة ﵃: "أن رسول الله ﵇ كان يأمرنا بالغسل يوم الجمعة".
ش: إسناده صحيح، وأبو غسان مالك بن إسماعيل الكوفي شيخ البخاري في "الصحيح"، وطلق بن حبيب العنزي البصري روى له الجماعة؛ البخاري في الأدب.
وأخرجه أبو داود (١): نا محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة، قال: نا محمَّد بن بشر، قال: نا زكريا بن أبي زائدة، ثنا مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب العنزيّ، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة أنها حدثته: "أن النبي ﵇ كان يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت".
ثم أخرجه في باب "الجنائز"، وقال: هذا منسوخ.
قوله: "كان يأمرنا" أرادت به أمر استحباب، لأجل التنظيف؛ لأن يوم الجمعة يوم ازدحام، فأمرهم بالغسل لئلا يتأذى بعضهم برائحة البعض، وليس المراد منه أمر الوجوب؛ لأن الأحاديث التي وردت بخلافه تدل على ذلك، على ما يجيء.
ص: حدثنا فهد، قال: نا أبو نعيم، قال: أنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن رجل من أصحابي النبي ﵇ من الأنصار قال: قال رسول الله ﵇: "حق على كل مسلم أن يغتسل يوم الجمعة ويتطيب من طيب، إن كان عنده".
ش: إسناده صحيح، وأبو نُعيم الفضل بن دكين، وسفيان هو الثوري.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): نا وكيع، عن سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن شيخ من الأنصار، قال: قال رسول الله ﵇: "حق على كل مسلم الغسل والطيب والسواك يوم الجمعه".
стр. 962
وتعلقت الظاهرية به، فقالوا: هذه الثلاثة فرض يوم الجمعة.
والجواب عنه أنه منسوخ كما يأتي.
ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: نا مُسدد، قال: نا خالد بن عبد الله، عن داود بن أبي هند، ح.
وحدثنا فهد قال: نا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا أبو خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبى الزبير، عن جابر، عن النبي ﵇، قال: "الغسل واجب على كل مسلم، في كل أسبوع يومًا، وهو يوم الجمعة".
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن أحمد بن داود المكي، عن مُسدد بن مُسَرْهَد، عن خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن الطحان الواسطي، عن داود بن أبي هند البصري، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم بن تَدْرُس المكي، عن جابر.
والثانى: عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي خالد سليمان ابن حَيان -بالياء آخر الحروف- الكوفي المعروف بأبي خالد الأحمر ... إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن أبي خالد، إلى آخره نحوه، غير أن لفظه: فيه: "في كل سبع".
قوله: "أُسبوع" بضم الهمزة، ويقال: سُبُوع بلا ألف، وهي لغة قليلة، وهو اسم للأيام السبعة.
ص: حدثنا يونس، قال: نا سفيان، عن صفوان بن سُلَيم، عن عطاء بن يَسار، عن أبي سعيد الخدري، يبلغ به النبي ﵇: "الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم".
стр. 963
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدَّثه، عن صفوان ... فذكر بإسناده، مثله.
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عُيَيْنة، عن صفوان بن سُلَيم المدني، عن عطاء بن يسار الهلالي المدني، عن أبي سعيد الخدري، واسمه سعد بن مالك.
وأخرجه البزار في "مسنده": نا أحمد بن إياس القرشي، نا عبد العزيز بن محمَّد وعبد الله بن محمَّد بن أبي فروة، أبو علقمة الفروي، قالا: نا صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﵇: "الغسل واجب على كل محتلم يوم الجمعة"، وهذا الحديث قد رواه مالك وابن عيينة.
الثاني: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن صفوان ... إلى آخره.
وأخرجه البخاري (١): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك.
ومسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، عن مالك.
وأبو داود (٣): عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك.
والنسائي (٤): عن قتيبة، عن مالك.
ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث، قال: نا سعيد بن منصور، قال: نا هشيم، قال: نا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من الحق على المسلم أن يغتسل
стр. 964
يوم الجمعة، وأن يمس من طيب، إن كان عند أهله، فإن لم يكن عندهم طيب، فإن الماء طيب".
ش: إسناده حسن، ورجاله ثقات.
وأخرجه الترمذي (١): نا علي بن الحسن الكوفي، قال: نا أبو يحيي إسماعيل بن إبراهيم التيمي، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، قال: قال رسول الله ﵇: "حق على المسلمين أن يغتسلوا يوم الجمعة، وليمس أحدهم من طيب أهله، فإن لم يجد فالماء له طيب".
وقال: حديث البراء حديث حسن.
قوله: "إن من الحق" أي: من بَعْضه، وكلمة "من" للتبعيض.
قوله: "أن يغتسل" في محل النصب بتأويل المصدر على أنه اسم "إن"، والتقدير: أن غسل يوم الجمعة من الحق.
قوله: "وأن يمس" بالمصدر عطفا على "أن يغتسل"، من: مَسِسْتُ الشيء أَمَسُّه مسًّا: إذا لَمَسْتَه بيدك.
قوله: "إن كان عند أهله": أي: زوجته، ومنه يقال للمتزوج: الآهِل، وشرط فيه التمكن من وجوده، والتأكيد أيضًا، فإن طيب المرأة مكروه للرجل، وهو ما ظهر لونه وخفي ريحه فأباحه ها هنا للرجل للضرورة لعدم غيره حتى لو كان عنده من طيب الرجال، وهو ما ظهر ريحه وخفي لونه لا يعدل عنه إلى طيب النساء.
قوله: "فإن الماء طيب" معناه: أنه مُطهر مُزيل للروائح الكريهة، وأيّ طيب يكون أشد إزالة للروائح الكريهة منه، والقصد منه أنه إن لم يظفر بطيب، لا يترك الاغتسال بالماء، ليكون ذلك أقوى في النظافة والطهارة.
стр. 965
وهذا كما رأيت، أخرج الطحاوي هذه الأحاديث عن تسعة من الصحابة، وهم: ابن عباس، وابن عمر، وعمر بن الخطاب، وحفصة، وعائشة، ورجل من الأنصار، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، والبراء بن عازب.
ولما أخرج الترمذي حديث ابن عمر في باب "ما جاء في الاغتسال يوم الجمعة" قال: وفي الباب عن عمر، وأبي سعيد، وجابر، والبراء، وعائشة، وأبي الدرداء.
قلت: وفي الباب عن أنس، وبريدة بن الحُصَيْب، وثوبان، وسهل بن حبيب، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن مسعود، وأبي أمامة ﵁.
فحديث ابي الدرداء عند الطبراني في "الكبير" (١)، وأحمد في "مسنده" (٢): من رواية حرب بن قيس، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ : "من اغتسل يوم الجمعة ثم لبس ثيابه ومَسَّ طيبًا إن كان عنده، ثم مشى إلى الجمعة وعليه السكينة، ولم يتخط أحدًا, ولم يؤذ، وركع ما قضى له، ثم انتظر حتى ينصرف الإِمام، غفر له ما بين الجمعتين".
وحرب بن قيس عن أبي الدرداء: مرسل، قاله أبو حاتم.
وحديث أنس عند ابن عدي في "الكامل" في ترجمة الفضل بن المختار (٣)، عن أبان، عن أنس، ويْ ترجمة أبان أيضًا (٤)، وفي ترجمة الفضل أيضًا عن تمام بن حسان، عن الحسن، عن أنس بلفظ: "من جاء منكم إلى الجمعة فليغتسل".
وأبان بن أبي عياش متروك، والفضل بن المختار لا يتابع على حديثه.
стр. 966
وحديث بُريدة عند البزار (١): من رواية أبي هلال، عن عبد الله بن بُريدة، عن أبيه، عن النبي ﵇، قال: "مَنْ أتى الجمعة فليغتسل".
وحديث ثوبان عند البزار (٢) أيضًا: من رواية يزيد بن ربيعة، عن أبي الأشعث، عن أبي عثمان، عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﵇: "حق على كل مسلم السواك، وغسل الجمعة، وأن يمس من طيب أهله إن كان".
ويزيد بن ربيعة الرحبي: ضعيف، وأبو الأشعث اسمه: شراحيل بن آدَة، وأبو عثمان اسمه: شراحيل بن مرثد.
وحديث سهل بن حنيف عند الطبراني في "الكبير" (٣): من رواية يزيد بن عياض، عن أشعث بن مالك، عن عثمان بن أبي أمامة، عن سهل بن حنيف، عن رسول الله ﵇: "من حق الجمعة: السواك والغسل، ومَنْ وجد طيبًا فليس منه".
ويزيد بن عياض بن جُعْدُبة: ضعيف، قاله ابن المديني وابن معين وغيرهما.
وحديث عبد الله بن الزبير ﵁ عند الطبراني أيضًا في "الكبير" (٤): من رواية إبراهيم بن يزيد، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﵇: "من أتى الجمعة فليغتسل"، وإبراهيم بن يزيد -الظاهر أنه الخوزي- وهو ضعيف.
стр. 967
وحديث عبد الله بن مسعود عند البزَّار (١) من رواية وبرة، عن همام، عن عبد الله، قال: "من السنة الغسل يوم الجمعة".
وحديث أبي أمامة عند الطبراني في "الأوسط" (٢): من رواية يحيى بن الحارث، عن القاسم، عن أبي أمامة: "أن رسول الله ﵇ قام في أصحابه، قال: "اغتسلوا يوم الجمعة""،الحديث.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى إيجاب الغسل يوم الجمعة واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، والمسيب بن رافع، ومالكًا -في رواية- وجماعة الظاهرية، فإنهم قالوا بوجوب الغسل يوم الجمعة بالأحاديث المذكورة.
وقال ابن حزم في "المحلى" (٣): وممن قال بوجوب الغسل يوم الجمعة: عمر بن الخطاب بحضرة الصحابة، لم يخالفه فيه أحد منهم، وأبو هريرة، وابن عباس وأبو سعيد الخدري، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وعمرو بن سليم [وعطاء] (٤)، وكعب، والمسيب بن رافع.
قال: ولا نعلم أنه يصح عن أحد من الصحابة إسقاط فرض الغسل يوم الجمعة.
وقال القاضي عياض: اختلف السلف والعلماء في غسل الجمعة؛ فروي عن بعض الصحابة وجوبه، وبه قال أهل الظاهر، وتأول ابن المنذر أنه مذهب مالك، وحكاه الخطابي عنه وعن الحسن.
стр. 968
وعامَّة فقهاء الأمصار على أنه سُنّة، وهو حقيقة مذهب مالك، والمعروف من قوله، ومعظم قول أصحابه وجاء عنه ما دل أنه مستحب، وقال به طائفة من العلماء.
وقال بعضهم: الطيب يجزئ عنه.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، وقالوا: ليس الغسل يوم الجمعة بواجب، ولكنه مما قد أمر به رسول الله ﵇ لمعان قد كانت فمنها: ما رُوي عن ابن عباس في ذلك:
حدثنا فهد بن سليمان، قال: نا ابن أبي مريم، قال: أنا الدراورديُّ ح.
وحدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا القعنبيُّ، قال: نا الدراوردي، قال: حدثني عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، قال: "سئل ابن عباس ﵁ عن الغسل يوم الجمعة؛ أواجب هو؟ قال: لا, ولكنه طهور وخير، فمن اغتسل فحسنٌ، ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب. وسأخبركم (كيف) (١) بَدْءُ الغُسْل: كان الناس مجهودين، يلبسون الصوف ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقًا مُقارب السقف، إنما هو عريش، فخرج رسول الله ﵇ في يوم حرٍّ وقد عَرِقَ الناس في ذلك الصوف، حتى ثارت رياح، حتى آذى بعضُهم بعضًا، فوجد رسول الله ﵇ تلك الرياح، فقال: أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا, وليمس أحدكم أمثل ما يجد من دُهْنه وطيبه، قال ابن عباس: ثم جاء الله بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكُفُوا العملَ وَوُسِّع مسجدُهم".
فهذا ابن عباس يخبر أن ذلك الأمر الذي كان من رسول الله ﵇ بالغسل لم يكن للوجوب عليهم، وإنما كان لعلة ثم ذهبت تلك العلة فذهب الغسل، وهو أحد من روي عنه عن رسول الله ﵇: "أنه كان يأمر بالغسل".
стр. 969
ش: أي: خالف القوم المذكورين جماعةٌ آخرون، وأراد بهم جمهور العلماء من التابعين وغيرهم، والأئمة الأربعة وأصحابهم؛ فإنهم قالوا: الغسل يوم الجمعة ليس بواجب، وإنما كان النبي ﵇ أمر به لعلة، وقد زالت، فزال وجوب الغسل معها. وقد بيَّنها ابن عباس ﵄ في حديثه المذكور، وقد علم أن الحكم ينتهي بانتهاء علته.
قوله: "لمعان" أي لعلل، واختار لفظ المعاني كراهة لذكر اصطلاح الفلاسفة.
قوله: "فمنها" أي فمن تلك المعاني، ما روي عن ابن عباس ﵄، وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن فهد بن سليمان النحاس، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم شيخ البخاري في "الصحيح"، عن عبد العزيز بن محمَّد الدراوردي نسبته إلى درَاوَرْد، بفتح الدال، قرية بخراسان، عن عمرو بن أبي عمرو مَيْسرة، ابن عمار المدني.
الثاني: عن محمد بن خزيمة، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي، عن الدراوردي ... إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (١): عن عبد الله بن مسلمة، عن الدراوردي، عن عمرو -يعني ابن أبي عمرو- عن عكرمة: "أن ناسًا من أهل العراق جائوا فقالوا: يا ابن عباس، أترى الغسل يوم الجمعة واجبًا؟ قال: لا, ولكنه أطهر وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب، وسأخبركم" ... إلى آخره نحوه.
قوله: "طهور" أي: مطهر للبدن، وخير لمن اغتسل في الثواب.
قوله: "كيف بَدْء الغسل" أي: كيف كان ابتداؤه.
قوله: "مجهودين" من قولهم جُهِدَ الرجل فهو مجهودٌ، إذا وجد مشقةً.
стр. 970
قوله: "إنما هو عريش" العريش: كُلُّ ما يُستظل به، والمراد أن سقفه كان من الجريد، والسَعَف.
قوله: "حتى ثارت" أي هاجت، من: ثار يثور ثَوْرًا، وثَوَرانًا، إذا سطع.
قوله: "أمثل ما يجد" أي: أفضل ما يجده.
قوله: "من دهنه" يتناول الزيت، ودهن السمسم، وغيرهما من الأدهان الطيبة، وكذلك الطيب: يتناول سائر أنواع الطيب، مثل المسك والعنبر، والعالية ونحوها.
قوله: "ثم جاء اللهَ بالخير" إشارة إلى أن الله تعالى فتح الشام ومصر وعراق على أيدي الصحابة ﵃، وكثرت أموالهم وخدمهم و [حشمهم] (١)، فغيروا اللَّبِنَ، والبناء وغير ذلك.
وقد خبَّط ابن حزم هنا تخبيطًا عظيمًا لترويج مذهبه، فقال (٢): وأما حديث ابن عباس فقد روي من طريقين:
أحدهما: من طريق محمَّد بن معاوية النَيْسابوري، وهو معروف بوضع الأحاديث والكذب.
والثاني: من طريق عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، وهو ضعيف لا يحتج به.
ثم لو صح من حديث عمرو بن أبي عمرو فليس فيه حجة لهم بل حجة لنا عليهم؛ لأنه ليس فيه من كلام النبي ﵇ إلا الأمر بالغسل وإيجابه، وكل ما تعلقوا به في إسقاط وجوب الغسل فليس من كلامه ﵇، وإنما هو من كلام ابن عباس وظنِّه، ولا حجة في أحدٍ دونه ﵇.
قلت: الطريق الذي أخرجه الطحاوي وأبو داود صحيح، وعمرو بن أبي عمرو احتجت به الجماعة، فلا التفات إلى تضعيف ابن حزم إياه.
стр. 971
وقوله: "فليس فيه حجة لهم" كلام ساقط؛ لأن ابن عباس ﵄ لو لم يدر عدم وجوب الغسل يوم الجمعة لما قال: "لا"، حين سئل عنه. وكيف وقد رَوَى عنه ﵇: أنه كان يأمر به، ولو لم يثبت عنده أن هذا الأمر كان لعلة، وأنها قد زالت فزال الوجوب، لما علَّل عدم الوجوب بما ذكره، ولا يُظَن في حق ابن عباس أنه عرف وجوب الغسل وحقيقته، ثم ترك وذهب! إلى عدم الوجوب. وكيف وهو أعلم الناس بمواقف النصوص، وعللها ومواردها، وما يتعلق بأحكامها؟!.
ص: وقد روي عن عائشة ﵂ في ذلك شيء:
حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا أنس بن عياض، عن يحيي بن سعيد ح.
وحدثنا محمَّد بن الحجاج، قال: أنا علي بن معبد، قال: أنا عبيد الله -يعني ابن عمرو الجزري- عن يحيي بن سعيد قال: "سألت عمرة عن غسل يوم الجمعة، فذكرت أنها سمعت عائشة تقول كان الناس عُمَّال أنفسهم، فيروحون بهيئتهم، فقال: لو اغتسلتم".
فهذه عائشة ﵂ تخبر أن رسول الله ﵇ إنما كان ندبهم إلى الغسل للعلة التي أخبر بها ابن عباس ﵄، وأنه يجعل ذلك عليهم حتمَا. وهي أحد مَنْ روينا عنه في الفصل الأول أن النبي ﵇ كان يأمر بالغسل في ذلك اليوم.
ش: أي قد روي عن أم المؤمنين عائشة ﵂ في المعنى الذي ذكره ابن عباس شيء؛ حيث قالت: "كان الناس عمال أنفسهم ... " إلى آخره، أرادت: إنما أمرهم رسول الله ﵇ بالغسل للمعنى الذي ذكره ابن عباس، وذلك المعنى قد زال، فزال الوجوب؛ على أن عائشة ﵂ هي أحد من روى عنه أنه ﵇ كان يأمر بالغسل يوم الجمعة.
ثم إنه أخرج حديث عائشة من طريقين صحيحين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن أنس بن عياض بن ضمرة المدني، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: "سألت عَمْرَة ... ".
стр. 972
وأخرجه البخاري (١): نا عبدان قال: أنا عبد الله، قال: أنا يحيى بن سعيد: "أنه سأل عمرة عن الغسل يوم الجمعة، فقالت: قالت عائشة ﵂: كان الناس مهنة أنفسهم، وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم".
الثانى: عن محمَّد بن الحجاج الحضرمي، عن علي بن معبد بن شداد العبدي، عن عبيد الله بن عمرو أبي الوليد الجزري الرقيّ، [عن يحيى بن سعيد الأنصاري] (٢)، عن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية.
وأخرجه مسلم (٣): نا محمَّد بن رمح، قال: أنا الليث، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة ﵂، أنها قالت: "كان الناس أهل عمل ولم يكن لهم كُفاة، فكانوا يكون لهم التَّفَلُ، فقيل لهم: لو اغتسلتم".
وأخرجه أبو داود (٤): نا مسدد، قال: نا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة ﵂، قالت: "كان [الناس] (٥) مُهَّان أنفسهم، فيروحون إلى الجمعة بهيئتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم".
قوله: "عُمَّال أنفسهم" بضم العين وتشديد الميم، جمع عامل، وأراد أنهم كانوا يخدمون أنفسهم ويعملون أعمالهم بأنفسهم، لم يكن لهم مَنْ يخدمهم. والإنسان إذا باشر العمل الشاق بنفسه حَمِيَ بدنه وعَرِق، ولا سيما في البلاد الحارة، فربما يكون منه الرائحة الكريهة، فأمروا بالاغتسال تنظيفًا للبدن، وقطعًا للرائحة.
و"المَهَنة" بالفتحات -جمع ماهِن، وهو الخادم، كالكتبة جمع كاتب، وكذلك المهَّان -بضم الميم وتشديد الهاء- جمع ماهِن، ككُتَّاب جمع كاتب، وقال الحافظ
стр. 973
أبو موسى: "مِهَان" بكسر الميم والتخفيف: جمع [ماهِن] (١) كصِيَام جمع صائِم، وقِيَام جمع قائِم.
قوله: "راحوا في هيئتهم" أي: في صفتهم التي كانوا عليها، والعرق والغبار والرائحة الكريهة.
قوله: "لو اغتسلتم" جوابه محذوف، أي: لو اغتسلتم لكان زال منكم ما يُكره ويؤذي جاره، أو لكان أحب.
قوله: "ولم يكن لهم كُفاة" بضم الكاف، جمع كافي، كقضاة جمع قاضي، وأراد بهم العبيد والخدم الذين يكفونهم الخدمة والعمل.
قوله: "فكانوا يكون لهم التَّفَل" بفتح التاء المثناة من فوق، وفتح الفاء، وأراد به: الرائحة الكريهة.
قوله: "يكون لهم التفل" جملة في محل النصب على أنها خبر قوله: "فكانوا".
ص: وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ ما يدل على أن ذلك لم يقع عِنْدَهُ موقع الفرض.
حدثنا علي بن شيبة، قال: نا يزيد بن هارون، قال: أنا هشام بن حسان، عن محمَّد بن سيرين، عن ابن عباس: "أن عمر ابن الخطاب بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ أقبل رجل فدخل المسجد فقال له عمر الآن توضأت، قال: ما زدت حين سمعت الأذان على أن توضأت ثم جئت. فلما دخل أمير المؤمنين ذكَّرته، فقلت: يا أمير المؤمنين أما سمعمت ما قال؟ قال: وما قال؟ قلت: قال: ما زدت على أن توضأت حين سمعت النداء، ثم أقبلت. فقال: أما إنه قد علم أنَّا أمرنا بغير ذلك. قلت: وما هو؟ قال: الغسل، قلت: أنتم أيها المهاجرون الأولون أم الناس جميعًا. قال: لا أدري".
стр. 974
ش: أي قد روي عن عمر- ﵁ ما يدل على أن الأمر بالغسل يوم الجمعة لم يقع موقع الفرض عنده بل وقع موقع الاستحباب؛ وذلك لأن قوله: "لا أدري"، يدل على ذلك، حين قال له ابن عباس "أنتم أيها المهاجرون الأولون أم الناس جميعًا".
ورجاله رجال "الصحيح" ما خلا علي بن شيبة.
وأخرجه ابن أبي شيبةَ في "مصنفه" (١): نا يزيد بن هارون، عن هشام ... إلى آخره نحوه.
ونا هشيم (٢)، عن منصور، عن ابن سيرين، قال: "أقبل رجل من المهاجرين يوم الجمعة، فقال له عمر: هل اغتسلت؟ قال: لا، قال: لقد علمت أنا أُمِرْنَا بغير ذلك، قال الرجل بم أمرتم؟ قال: بالغسل، قال: أنتم معشر المهاجرين أم الناس؟ قال: لا أدري".
قوله: "بينما" ظرف زمان، يعني المفاجأة، وأصله "بين" زيدت فيه الألف والميم.
قوله: "إذْ أقبل" جوابه: قوله "ذكّرته"، بالتشديد، وفاعله ابن عباس، أي: ذكرت عمر ما قاله ذلك الرجل.
قوله: "أما سمعت ما قال"، أي: ما قال ذلك الرجل.
قوله: "قال: قال: وما قال" أي: قال ابن عباس: قال عمر: ما قال ذلك الرجل؟
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، قال: "دخل رجل من أصحاب النبي ﵇ المسجد يوم الجمعة، وعمر بن الخطاب ﵁ يخطب، فقال عمر: أيَّة ساعةٍ هذه؟ فقال: يا أمير المؤمنين، انقلبت من السوق فسمعت النداء فما زدت على أن توضأت. فقال عمر: الوضوء أيضًا، وقد علمت أن رسول الله ﵇ كان يأمر بالغسل؟ ".
стр. 975
قال مالك: والرجل عثمان ﵁.
ش: هذا مرسل، وأخرجه مالك في "موطإه" (١) مرسلًا أيضًا، هكذا أكثر الرواة.
ووصله رَوْح بن عبادة، وإبراهيم بن طهْمان، والقعنبي في رواية إسماعيل بن إسحاق عنه، فجعلوه عن سالم عن ابن عمر ﵃.
قال الترمذي (٢): وسألت محمدًا عن هذا فقال: الصحيح حديث الزهري عن سالم عن أبيه، أراد أن المسند هو الصحيح.
قوله: "آية ساعة هذه" على طريق التقريع والبيان والتعريف للداخل.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: جواز أمر الإِمام في خطبته بالمعروف ونهيه عن المنكر، وسؤاله من يحتاج سؤاله في أمور الناس، وجواب الآخر له، وأنه ليس أحد منهم لاغيًا، وإنما اللاغي من أعرض عن استماع الخطبة، وشغل نفسه عنها بكلام أو غيره مما يمنعه من السماع.
الثانى: فيه جواز العمل يوم الجمعة قبل النداء، والتجارة والمبايعات. وقد كان أصحاب النبي ﵇ يكرهون ترك العمل يوم الجمعة كي لا يُتَشَبه باليهود.
الثالث: فيه حجة لمن لا يرى الأوامر على الوجوب إلا بقرينة، بدليل فعل عثمان، وإقرار عمر، وترك إنكار الصحابة ﵃ ترك الغسل مع اعترافهم بالأمر به.
الرابع: فيه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكونا بالتلطف، وترك المواجهة بخشن القول وصريح الإنكار، ألا ترى كيف قال عمر- ﵁ في الحديث الآخر: "ما بال رجال يتأخرون بعد النداء؟ " وكثيرًا ما كان النبي ﵇ يفعل مثل هذا, ولا سيما لأهل الفضل ولمن لا يظُن به إلا الخير، ومَنْ له عذر.
стр. 976
الخامس: فيه دليل أن السعي إنما يجب بالنداء وبسماعه؛ حيث قال عثمان ﵁: "سمعت النداء"، وأن شهود الخطبة ليس بواجب.
قال القاضي: هذا على مقتضى قول أكثر أصحابنا, ولا يشترط في صحة صلاة الجمعة، على قول آخرين.
السادس: فيه دليل على جواز شهود الأخيار والفضلاء السوق، ومعاناة التَجْر (١) فيه، وهكذا كان المهاجرون يعانون المتاجر؛ لأنهم لم تكن لهم حيطان ولا غلات يعتمرونها إلا بعد حين، وكانت الأنصار ينظرون في أموالهم ويعتمرونها.
السابع: فيه دليل على طلب الرزق والتعرض له والتحرف.
الثامن: هو المقصود منه ها هنا: أن فيه دليلًا على أن أمره ﵇ بالغسل ليوم الجمعة ليس بفرض؛ لأن عمر- ﵁ في هذا الحديث لم يأمر عثمان بالانصراف للغسل، ولا انصرف عثمان حين ذكره عمر بذلك، ولو كان الغسل واجبًا للجمعة ما أجزأت الجمعة إلا به، ما لا تجزئ الصلاة إلا بالوضوء للحديث، أو بالغسل للجنب.
وفي هذا ما يوضح (أن) قوله ﵇ في حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم، كغسل الجنابة"، أنه وجوب سنة واستحباب وفضيلة، وأن قوله: "كغسل الجنابة"؛ أراد به الهيئة والحال، والكيفية، فمن هذا الوجه وقع التشبيه له بغسل الجنابة، لا من جهة الوجوب.
وقد أجمع علماء المسلمين قديمًا وحديثًا على أن غسل الجمعة ليس بفرض واجب، وفي ذلك ما يكفي ويفي عن الإكثار، ولا يجوز على الأمة بأسرها جهل معنى السنة ومعنى الكتاب (٢). والله أعلم بالصواب.
стр. 977
فائدة: قال أبو عمر- ﵁: أول من دُعِيَ بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ -وإنما، كان يقال لأبي بكر- ﵁: خليفة رسول الله ﷺ ، وكان السبب في ذلك أنه كتب إلى عامل العراق: أن أبعث إلى برجلن "جَلِيدَيْن" (١) نبيلين نَسْأَلُهما عن العراق وأهله، فبعث إليه عاملُ العراق بلبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم. فلما قدما المدينة أناخا راحلتَيْهما بفناء المسجد، ثم دخلا المسجد، فإذا هما بعمرو بن العاص، فقالا له: استأذن لنا يا عمرو على أمير المؤمنين. فقال عمرو: أنتما والله أصبتما اسمه، نحن المؤمنون وهو الأمير. فوثب عمرو فدخل، فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال عمر- ﵁: ما بدا لك يا ابن العاص في هذا الاسم؟ قال: إن لبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم قدما، فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد، ثم دخلا المسجد فقالا لي: استأذن لنا يا عمرو على أمير المؤمنين، فهما والله أصابا اسمك؛ أنت الأمير ونحن المؤمنون. قال: فجرى الكتاب من يومئذ (٢)، وقد روي أن عمر- ﵁ هو الذي [سمي]، (٣) نفسه أمير المؤمنين. والله أعلم.
ص: حدثنا ابن أب داود، قال: أنا عبد الله بن محمَّد بن أسماء جويرية، عن مالك، عن الزهري عن سالم عن أبيه مثله، غير أنه لم يذكر قول مالك: إنه عثمان ﵁.
ش: هذا طريق آخر وهو مسند صحيح.
وأخرجه البخاري (٤): نا عبد الله بن محمَّد بن أسماء، قال: أنا جويرية، عن مالك، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر- ﵁، عن ابن عمر- ﵁: "أن
стр. 978
عمر بن الخطاب ﵁ بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة، إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين، من أصحاب رسول الله ﵇، فناداه عمر: أيَّه ساعة هذه؟ قال: إني شُغِلْت فلم أَنْقِلب إلى أهلي حتى سمعت المنادي، فلم أزد أن توضأت. فقال: والوضوء أيضًا وقد علمت أن رسول الله ﵇ كان يأمر بالغسل؟! ".
وأخرجه مسلم (١): عن حرملة بن يحيي، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني سالم بن عبد الله، عن أبيه: "أن عمر بن الخطاب ﵁ بينا هو يخطب الناس يوم الجمعة دخل رجل ... الحديث".
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا حُسَين بن مهدي، قال: نا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، مثله.
ش: هذا طريق أخر، وهو أيضًا صحيح عن أبي بكرة بكار.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا عبد الرزاق، نا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: "أن عمر بن الخطاب بينا هو قائم يخطب يوم الجمعة، فدخل رجل من أصحاب النبي ﵇، فناداه عمر: أيَّة ساعة هذه ... " إلى آخره نحو رواية البخاري.
ص: حدثنا محمَّد بن عبد الله بن ميمون، قال: نا الوليد، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ح.
وحدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود، قال: نا حرب بن شداد، قال: حدثني يحيى -يعني ابن أبي كثير- قال: حدثني أبو سلمة، قال: حدثني أبو هريرة، قال: "بينما عمر بن الخطاب ﵁ يخطب الناس إذ دخل عثمان بن عفان فعرّض به عمر، فقال: ما بال رجال يتأخرون بعد النداء ... " ثم ذكر مثله.
ش: هذا وجه آخر من حديث أبي هريرة.
стр. 979
وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن محمَّد بن عبد الله بن ميمون، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ابن عوف، عن أبي هريرة.
وأخرجه مسلم (١): ثنا إسحاق بن إبراهيم، قالك أنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: حدثني أبو هريرة، قال: "بينما عمر بن الخطاب يخطب الناس يوم الجمعة، إذ دخل عثمان بن عفان، فعرض به عمر، فقال: ما بال رجال يتأخرون بعد النداء، فقال عثمان: يا أمير المؤمنين، ما زدت حين سمعت النداء أن توضأت ثم أقبلت، فقال عمر: والوضوء أيضًا؟! ألم تسمعوا رسول الله ﵇ يقول: إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل؟ ".
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن حرب بن شداد ... إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسند" (٢): نا عبد الصمد، نا حرب بن شداد، نا يحيي، نا أبو سلمة، نا أبو هريرة، قال: "بينا عمر بن الخطاب (يخطب) (٣) إذْ جاء رجل فجلس، فقال عمر: لم تحتبسون عن (الصلاة) (٤)؟ فقال الرجل يا أمير المؤمنين، ما هو إلا أن سمعت النداء فتوضأت ثم أقبلت. فقال عمر: والوضوء أيضًا؟ ألم تسمعوا رسول الله ﵇ يقول: إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل؟ ".
стр. 980
ص: حدثنا فهد، قال: نا أبو غسان، قال: نا جويرية، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رجلًا من المهاجرين الأولين دخل المسجد وعمر ﵁ يخطب، فناداه عمرك أيَّة ساعة هذه؟ فقال: ما كان إلا الوضوء ثم الإقبال. فقال عمر: والوضوء أيضًا؟ لقد علمت أنا كنا نؤمر بالغسل".
ش: هذا وجه آخر صحيح من حديث ابن عمر، عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي الكوفي، عن جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، إلى آخره.
قوله: "ثم الإقبال" أي: التوجه إلى الصلاة.
ص: ففي هذه الآثار غيرُ معنى يَنْفِي وجوب الغسل:
أما أحدها: فإن عثمان بن عفان ﵁ لم يغتسل، واكتفى بالوضوء، ولم يأمره عمر أيضًا بالرجوع لأمر رسول الله ﵇ إياه بالغسل، ففي ذلك دليل على أن الغسل الذي كان أمره به لم يكن عندهما على الوجوب، وإنما كان لِعِلَّةِ ما قال ابن عباس وعائشة ﵃، أو لغير ذلك، ولولا ذلك لما تركه عثمان ولا سكت عمر عن أمره إياه بالرجوع حتى يغتسل، وذلك بحضرة أصحاب النبي ﵇ الذين قد سمعوا ذلك من النبي ﵇ كما سمعه عمر، وعلموا معناه الذي أراده، فلم ينكروا من ذلك شيئًا، ولم يأمروا بخلافة، ففي هذا إجماع منهم على نفي وجوب الغسل.
ش: أي: الآثار المروية عن عمر ﵁.
قوله: "غير معنى" كلام إضافي، مبتدأ وخبره.
قوله: "ففي هذه الآثار" والمعنى: أن في هذه الآثار معانٍ كثيرةٌ تدل على نفي وجوب الغسل يوم الجمعة.
"أما أحدها" أي: أما أحد المعاني التي تدل على نفي وجوب الغسل، "فإن عثمان ... " إلى آخره، وهذا المعنى ظاهر.
стр. 981
فإن قيل: من أين لكم أن عثمان لم يغتسل في صدر يومه ذلك؟ ومن أين لكم أن عمر ﵁ لم يأمر بالرجوع للغسل؟
قلت: من أين لكم أنه اغتسل في صدر يومه؟ ومن أين لكم أن عمر أمره بالرجوع؟ بل القرائن دلّت على ما ادّعينا، والأصل عدم الغسل من عثمان، وعدم الأمر بالرجوع له من عمر، فمن ادعى خلافة فعليه البيان.
فإن قيل: قطع عمر الخطبة منكرًا على عثمان أن لم يوصل الغُسْلَ بالرواح، دليل على أن ذلك واجب عنده، وموافقة الصحابة أيضًا عمر ﵁ على قوله ذلك، حيث لم ينكروا عليه قطع خطبته، فهذا أيضًا يدل على أنه واجب عندهم.
قلت: قَطْعُ عمر خطبته إنما كان للتعريف لعثمان بما فاته من فضل التهجير، وأنه وقت طيِّ الصحف، ولهذا قال: "أيَّة ساعةٍ هذه؟ " على طريق التوبيخ والتقريع؛ ليسمع الحاضرون ذلك ويبكروا إلى الجمعة، ولم يكن ذلك لأجل الأمر بالغسل ولا بغيره.
فإن قيل: أليس هذا لغوًا، واللغو قد نهي عنه في الخطبة؟
قلت: ليس الأمر كذلك بل إنما هو أمر بالمعروف، وترغيب بالمبادرة إلى النداء، واللاغي مَنْ أعرض عن استماع الخطبة، وشغل نفسه عنها بكلام أو غيره مما يمنعه من السماع.
ومن المعاني التي تدل على نفي وجوب الغسل: ما قاله ابن عباس ﵄ في قوله: "وسأخْبركم كيف كان بَدْءُ الغسل: كان الناس مجهودين ... " إلى آخره.
ومنها: ما قالت عائشة ﵂: "كان الناس عُمَّال أنفسهم ... " إلى آخره أشار إلى ذلك بقوله: "وإنما لعلة ما قال ابن عباس وعائشة ﵃".
ومنها: أن يكون ذلك لزيادة التنظيف والمبالغة في الطهارة.
ومنها: تعظيم يوم الجمعة بمباشرة الطهارة الكبرى.
стр. 982
ومنها: تفضيل صلاة الجمعة على غيرها من الصلوات حيث يبُاشرها بالغسل.
أشار إلى هذه المعاني بقوله: "أو لغير ذلك".
ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ ما يدل على أن ذلك كان من طريق الاختيار، وإصابة الفضل.
حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: أنا يعقوب الحضرمى، قال: أنا الربيع بن صَبيح، عن الحسن، وعن يزيد الرقاشى، عن أنس قال: قال رسول الله ﵇: "مَنْ توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فحسن".
ش: أي: ما يدل على أن أمره ﵇ بالغسل يوم الجمعة، في الآثار المذكورة، كان أمر استحباب وفضيلة؛ وهو حديث أنس ﵁ فإنه صريح، بأن الغسل يوم الجمعة ليس بواجب، وإنما هو فضيلة وحسن.
لا يقال: إنه حديث ضعيف، وأحاديث الأمر بالغسل صحاح؛ لأنا نقول فيما يُخَرِّجُه أيضًا أحاديث صحاح؛ كحديث سَمُرة، على ما يأتي، وغيره.
على أنا لا نسلم أن يكون حديث أنس ضعيفًا لأجل يزيد بن أبان الرقاشي؛ فإن ابن عدي قال: أرجو أنه لا بأس به؛ لرواية الثقات عنه. وقال ابن حبان: كان من خيار عباد الله البكائين بالليل.
أو لأجل الربيع بن صبيح، فإن أبا زرعة قال: شيخ صالح صدوق، وقال ابن عدي: له أحاديث مستقيمة صالحة، ولم أر له حديثا منكرًا جدًّا، وأرجو أنه لا بأس به، وصَبِيح بفتح الصاد.
وأما يعقوب بن إسحاق الحضرمي أبو محمَّد البصري المقرئ النحوي فإنه من رجال صحيح مسلم.
والحديث أخرجه ابن ماجه (١): نا نصر بن علي الجهضمي، نا يزيد بن هارون،
стр. 983
أنا إسماعيل بن مسلم المكي، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن النبي ﵇ قال: "مَنْ توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، يجزئ عنه الفريضة، ومن اغتسل فالغسل أفضل".
قوله: "فبها" أي: فبهذه الفعلة أو الخصلة أخذ. وقال الأصمعي: معناه فبالسنة أخذ.
و"نِعْمت" أي: نعمت الخصلة، والمخصوص بالمدح محذوف؛ أي: هي.
قوله: "فحسن" أي: فهو حسنٌ، والجملة جواب الشرط.
فإن قيل: إلام يرجع الضمير؟
قلت: إلى الغسل الذي دل عليه.
قوله: "ومن اغتسل" كما في قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (١).
أي: العدل أقرب للتقوى.
ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال أنا عفان، قال: أنا همام ح.
وحدثنا فهد، قال: نا أبو الوليد، حدثنا همام، عن قَتَادَةَ، عن الحسن، عن سَمُرة عن النبي ﵇ مثله، غير أنه قال: "ومن اغتسل فالغسل أفضل".
ش: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
وأخرجه من طريقين.
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم البصري، عن همام بن يحيى البصري، عن قَتَادَةَ بن دعامة، عن الحسن البصري، عن سَمُرة، عن النبي ﵇.
وأخرجه ابن أبى شيبة؛ في "مصنفه" (٢) قال: نا عفان، قال: ثنا همام، عن قَتَادَةَ،
стр. 984
عن الحسن، عن سَمُرة، أن النبي ﵇، قال: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فذلك أفضل".
وأخرجه الدارمي في "سننه" (١) عن عفان ... إلى آخره نحوه.
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن همام ... إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (٢): نا أبو الوليد الطيالسي ... إلي آخره نحوه.
والترمذي (٣): عن ابن المثنى، عن سعيد بن سفيان الجَحْدري، عن شعبة، عن قَتَادَة، عن الحسن ... إلى آخره نحوه، وقال: حديث سَمُرة حديث (حسن صحيح) (٤).
والنسائي (٥): عن ابن الأشعث، عن يزيد بن زريع، عن شعبة، عن قَتَادَة؛ ... إلى آخره نحوه، قال أبو عبد الرحمن: الحسن عن سَمُرة (كتاب (٦)) ولم يسمعِ الحسنُ من سَمُرة إلا حديث العقيقة.
قلت: في سماع الحسن من سَمُرة ثلاثة مذاهب:
الأول: أنه سمع منه مطلقًا، وهو قول ابن المدينى، ذكره عنه البخارى في أول تاريخه "الوسط" (٧)، فقال: نا الحميدي، ثنا سفيان، عن إسرائيل قال: سمعت الحسن يقول: "وُلِدْتُ لسنتين بقيتا من خلافة عمر ﵁" قال علىٌّ: سماع الحسن من سَمُرة صحيح.
стр. 985
ونقله الترمذي في "كتابه"، قال في باب: الصلاة الوسطي (١): قال محمَّد بن إسماعيل يعني البخاري، قال عليٌّ -يعني ابن المديني- سماع الحسن من سَمُرة صحيح. وقال الترمذي: سماع الحسن من سَمُرة صحيح عندي.
واختار الحاكم هذا القول، وأخرج في كتابه عدَّة أحاديث من رواية الحسن عن سَمُرة، وقال في بعضها: على شرط البخاري.
الثاني: أنه لم يسمع منه شيئًا، واختاره ابن حبان في "صحيحه"، فقال في النوع الرابع من القسم الخامس (٢)، بعد أن روى حديث الحسن عن سَمُرة: "إن النبي ﵇ كانت له سكتتان": والحسن لم يسمع من سَمُرة شيئًا، وقال صاحب التنقيح: قال ابن معين: الحسن لم يلق سَمُرة. وقال شعبة: لم يسمع من سَمُرة. وقال البَرْديجي: أحاديث الحسن عن سَمُرة كتاب، ولا يثبت عنه حديث قال فيه: سمعت سَمُرة.
الثالث: أنه سمع منه حديث العقيقة فقط، قاله النسائي كما ذكرنا، وإليه مال الدارقطنى في "سننه"، فقال في حديث السكتتين: والحسن اختلف في سماعه من سَمُرة، ولم يسمع منه إلا حديث العقيقة، فيما قاله قريش بن أنس.
واختاره عبد الحق في أحكامه، واختاره البزار في "مسنده"، وكذا قال ابن حزم في "المحلى": إنه ما سمع من سَمُرة إلا حديث العقيقة، والله أعلم (٣).
ص: حدثنا أحمد بن خالد البغدادي، قال: نا علي بن الجعد، قال: أنا الربيع بن صبيح، وسفيان الثوري، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن النبي ﵇، مثله.
ش: هذا طريق آخر في حديث أنس وكان الأنسب أن يذكر عقيبه، فوق حديث سَمُرة، ولعل ذاك من النُّسَّاخ.