← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

فإن قيل: من أين لكم أن عثمان لم يغتسل في صدر يومه ذلك؟ ومن أين لكم أن عمر ﵁ لم يأمر بالرجوع للغسل؟ قلت: من أين لكم أنه اغتسل في صدر يومه؟ ومن أين لكم أن عمر أمره بالرجوع؟ بل القرائن دلّت على ما ادّعينا، والأصل عدم الغسل من عثمان، وعدم الأمر بالرجوع له من عمر، فمن ادعى خلافة فعليه البيان. فإن قيل: قطع عمر الخطبة منكرًا على عثمان أن لم يوصل الغُسْلَ بالرواح، دليل على أن ذلك واجب عنده، وموافقة الصحابة أيضًا عمر ﵁ على قوله ذلك، حيث لم ينكروا عليه قطع خطبته، فهذا أيضًا يدل على أنه واجب عندهم. قلت: قَطْعُ عمر خطبته إنما كان للتعريف لعثمان بما فاته من فضل التهجير، وأنه وقت طيِّ الصحف، ولهذا قال: "أيَّة ساعةٍ هذه؟ " على طريق التوبيخ والتقريع؛ ليسمع الحاضرون ذلك ويبكروا إلى الجمعة، ولم يكن ذلك لأجل الأمر بالغسل ولا بغيره. فإن قيل: أليس هذا لغوًا، واللغو قد نهي عنه في الخطبة؟ قلت: ليس الأمر كذلك بل إنما هو أمر بالمعروف، وترغيب بالمبادرة إلى النداء، واللاغي مَنْ أعرض عن استماع الخطبة، وشغل نفسه عنها بكلام أو غيره مما يمنعه من السماع. ومن المعاني التي تدل على نفي وجوب الغسل: ما قاله ابن عباس ﵄ في قوله: "وسأخْبركم كيف كان بَدْءُ الغسل: كان الناس مجهودين ... " إلى آخره. ومنها: ما قالت عائشة ﵂: "كان الناس عُمَّال أنفسهم ... " إلى آخره أشار إلى ذلك بقوله: "وإنما لعلة ما قال ابن عباس وعائشة ﵃". ومنها: أن يكون ذلك لزيادة التنظيف والمبالغة في الطهارة. ومنها: تعظيم يوم الجمعة بمباشرة الطهارة الكبرى.

стр. 982

ومنها: تفضيل صلاة الجمعة على غيرها من الصلوات حيث يبُاشرها بالغسل. أشار إلى هذه المعاني بقوله: "أو لغير ذلك". ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ ما يدل على أن ذلك كان من طريق الاختيار، وإصابة الفضل. حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: أنا يعقوب الحضرمى، قال: أنا الربيع بن صَبيح، عن الحسن، وعن يزيد الرقاشى، عن أنس قال: قال رسول الله ﵇: "مَنْ توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فحسن". ش: أي: ما يدل على أن أمره ﵇ بالغسل يوم الجمعة، في الآثار المذكورة، كان أمر استحباب وفضيلة؛ وهو حديث أنس ﵁ فإنه صريح، بأن الغسل يوم الجمعة ليس بواجب، وإنما هو فضيلة وحسن. لا يقال: إنه حديث ضعيف، وأحاديث الأمر بالغسل صحاح؛ لأنا نقول فيما يُخَرِّجُه أيضًا أحاديث صحاح؛ كحديث سَمُرة، على ما يأتي، وغيره. على أنا لا نسلم أن يكون حديث أنس ضعيفًا لأجل يزيد بن أبان الرقاشي؛ فإن ابن عدي قال: أرجو أنه لا بأس به؛ لرواية الثقات عنه. وقال ابن حبان: كان من خيار عباد الله البكائين بالليل. أو لأجل الربيع بن صبيح، فإن أبا زرعة قال: شيخ صالح صدوق، وقال ابن عدي: له أحاديث مستقيمة صالحة، ولم أر له حديثا منكرًا جدًّا، وأرجو أنه لا بأس به، وصَبِيح بفتح الصاد. وأما يعقوب بن إسحاق الحضرمي أبو محمَّد البصري المقرئ النحوي فإنه من رجال صحيح مسلم. والحديث أخرجه ابن ماجه (١): نا نصر بن علي الجهضمي، نا يزيد بن هارون،

стр. 983

أنا إسماعيل بن مسلم المكي، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن النبي ﵇ قال: "مَنْ توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، يجزئ عنه الفريضة، ومن اغتسل فالغسل أفضل". قوله: "فبها" أي: فبهذه الفعلة أو الخصلة أخذ. وقال الأصمعي: معناه فبالسنة أخذ. و"نِعْمت" أي: نعمت الخصلة، والمخصوص بالمدح محذوف؛ أي: هي. قوله: "فحسن" أي: فهو حسنٌ، والجملة جواب الشرط. فإن قيل: إلام يرجع الضمير؟ قلت: إلى الغسل الذي دل عليه. قوله: "ومن اغتسل" كما في قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (١). أي: العدل أقرب للتقوى. ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال أنا عفان، قال: أنا همام ح. وحدثنا فهد، قال: نا أبو الوليد، حدثنا همام، عن قَتَادَةَ، عن الحسن، عن سَمُرة عن النبي ﵇ مثله، غير أنه قال: "ومن اغتسل فالغسل أفضل". ش: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه من طريقين. الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم البصري، عن همام بن يحيى البصري، عن قَتَادَةَ بن دعامة، عن الحسن البصري، عن سَمُرة، عن النبي ﵇. وأخرجه ابن أبى شيبة؛ في "مصنفه" (٢) قال: نا عفان، قال: ثنا همام، عن قَتَادَةَ،

стр. 984

عن الحسن، عن سَمُرة، أن النبي ﵇، قال: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فذلك أفضل". وأخرجه الدارمي في "سننه" (١) عن عفان ... إلى آخره نحوه. الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن همام ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٢): نا أبو الوليد الطيالسي ... إلي آخره نحوه. والترمذي (٣): عن ابن المثنى، عن سعيد بن سفيان الجَحْدري، عن شعبة، عن قَتَادَة، عن الحسن ... إلى آخره نحوه، وقال: حديث سَمُرة حديث (حسن صحيح) (٤). والنسائي (٥): عن ابن الأشعث، عن يزيد بن زريع، عن شعبة، عن قَتَادَة؛ ... إلى آخره نحوه، قال أبو عبد الرحمن: الحسن عن سَمُرة (كتاب (٦)) ولم يسمعِ الحسنُ من سَمُرة إلا حديث العقيقة. قلت: في سماع الحسن من سَمُرة ثلاثة مذاهب: الأول: أنه سمع منه مطلقًا، وهو قول ابن المدينى، ذكره عنه البخارى في أول تاريخه "الوسط" (٧)، فقال: نا الحميدي، ثنا سفيان، عن إسرائيل قال: سمعت الحسن يقول: "وُلِدْتُ لسنتين بقيتا من خلافة عمر ﵁" قال علىٌّ: سماع الحسن من سَمُرة صحيح.

стр. 985

ونقله الترمذي في "كتابه"، قال في باب: الصلاة الوسطي (١): قال محمَّد بن إسماعيل يعني البخاري، قال عليٌّ -يعني ابن المديني- سماع الحسن من سَمُرة صحيح. وقال الترمذي: سماع الحسن من سَمُرة صحيح عندي. واختار الحاكم هذا القول، وأخرج في كتابه عدَّة أحاديث من رواية الحسن عن سَمُرة، وقال في بعضها: على شرط البخاري. الثاني: أنه لم يسمع منه شيئًا، واختاره ابن حبان في "صحيحه"، فقال في النوع الرابع من القسم الخامس (٢)، بعد أن روى حديث الحسن عن سَمُرة: "إن النبي ﵇ كانت له سكتتان": والحسن لم يسمع من سَمُرة شيئًا، وقال صاحب التنقيح: قال ابن معين: الحسن لم يلق سَمُرة. وقال شعبة: لم يسمع من سَمُرة. وقال البَرْديجي: أحاديث الحسن عن سَمُرة كتاب، ولا يثبت عنه حديث قال فيه: سمعت سَمُرة. الثالث: أنه سمع منه حديث العقيقة فقط، قاله النسائي كما ذكرنا، وإليه مال الدارقطنى في "سننه"، فقال في حديث السكتتين: والحسن اختلف في سماعه من سَمُرة، ولم يسمع منه إلا حديث العقيقة، فيما قاله قريش بن أنس. واختاره عبد الحق في أحكامه، واختاره البزار في "مسنده"، وكذا قال ابن حزم في "المحلى": إنه ما سمع من سَمُرة إلا حديث العقيقة، والله أعلم (٣). ص: حدثنا أحمد بن خالد البغدادي، قال: نا علي بن الجعد، قال: أنا الربيع بن صبيح، وسفيان الثوري، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن النبي ﵇، مثله. ش: هذا طريق آخر في حديث أنس وكان الأنسب أن يذكر عقيبه، فوق حديث سَمُرة، ولعل ذاك من النُّسَّاخ.

стр. 986

وأخرجه عن أحمد بن خالد البغدادي المعروف بابن خَالوَيْه، عن علي بن الجعد ابن عبيد الجوهري، أحد مشايخ البخاري وأبي داود، واحد أصحاب أبي حنيفة، عن الربيع بن صبيح السَعْدي، وعن سفيان الثوري، كلاهما عن يزيد بن أبان الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن النبي ﵇. وأخرجه البزار، وقال: هذا الحديث إنما يعرف من حديث يزيد الرقاشي عن أنس، رواه غير واحد عنه. ص: حدثنا أحمد بن خالد، قال: نا عُبيد بن إسحاق العطار، قال: أنا قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر عن النبي ﵇ مثله. ش: سنده ضعيف جدًّا؟ لأن عبيد بن إسحاق ضعفه يحيى والدارقطني، وقال الأزدي: متروك الحديث، وأبو حاتم رضيه. وقيس بن الربيع الأسدي، أبو محمَّد الكوفي فيه مقال كثير وأكثرهم أسقطوه. والأعمش هو سليمان، وأبو سفيان هو طلحة بن نافع. وأخرجه ابن عدي في "الكامل" (١) في ترجمة عبيد بن إسحاق العطار من روايته، عن قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي ﵇، قال: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل"، وقال: لا أعلمه رواه عنه غير عبيد وهو ضعيف. قلت: لم يتفرد به عنه بل تابعه عليه محمَّد بن الصلت وهي رواية البزار وقال: حدثني ابن الصلت، قال: حدثني عمي محمَّد بن الصلت، نا قيس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر ﵁، قال: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل".

стр. 987

ص: حدثنا ابن أبى داود، قال: نا خالد بن خَلِيّ الحمصي، قال: نا محمَّد بن حَرْب، قال: حدثني الضحاك بن حُمزة الأملوكي، عن الحجاج بن أرطاة، عن إبراهيم بن المهاجر، عن الحسن بن أبي الحسن، عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﵇ قال: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، وقد أدى الفريضة، ومن اغتسل فالغسل أفضل". فبيَّن رسول الله ﵇ في هذا الحديث أن الفرض هو الوضوء، وأن الغسل أفضل؛ لما ينال به من الفضل لا على أنه فرض. ش: إسناده لا بأس به، وخالد بن خَلِىّ الكلاعي الحمصي القاضي، وثقه ابن حبان، وقال البخاري: صدوق. ومحمد بن حرب الخولاني المعروف بالأَبرْش، روى له الجماعة. والضحاك بن حُمْرة -بضم الحاء المهملة، وسكون الميم، بعدها راء مهملة- الأَمْلوكيِ، فيه اختلاف، ووثقه ابن حبان، والأُملوكي -بضم الهمزة- نسبة إلى أملوك بطن من رَدْمان، وردمان قبيلة من رعين. والحجاج بن أرطاة النخعي، روى له الأربعة ومسلم مقرونًا بغيره. وإبراهيم بن المهاجر بن جابر البجلي أبو إسحاق الكوفي، روى له الجماعة إلا البخاري. وذكر ابن حزم هذا في "المحلى"، وقال: هو من رواية الضحاك بن حُمْرة، وهو هالك، عن الحجاج بن أرطاة، وهو ساقط، عن إبراهيم بن المهاجر، وهو ضعيف. قلت: قد تعسَّف ذلك لأجل مذهبه، ولقد بينت لك ما قالت الجماعة فيهم. وهذا الباب كما قد رأيت قد أخرج فيه الطحاوي عن ثلاثة من الصحابة ﵃ وهم: أنس، وسمرة، وجابر ﵃. وفي الباب عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وعبد الرحمن بن سَمُرة، وابن عباس.

стр. 988

فحديث الخدري عند البيهقي (١) والبزار: عن أَسِيد بن زيد الجمال، عن شريك، عن عوف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﵇: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل". قلت: أَسِيد بن زيد شيعيّ يبُالغ ولكن احتمله الناس (٢)، وأبو نَضْرة، بالنون والضاد المعجمة، اسمه: المنذر بن مالك. وحديث أيضًا هريرة عند البزار (٣) أيضًا عن أبي بكر الهُذلي عن محمَّد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعًا نحوه. ورواه ابن عدي في "الكامل" (٤) وأعله بأبي بكر الهذلي، واسمه سُلْمَى بن عبد الله. وحديث عبد الرحمن بن سَمُرة عند الطبراني في "الأوسط" (٥) من حديث حفص بن عمر الرازي ثنا أبو حرة عن الحسن عن عبد الرحمن بن سَمُرة مرفوعًا، نحوه. وحديث ابن عباس عند البيهقي (٦): أنا أبو عبد الله الحافظ، نا أبو أحمد بن محمَّد بن إسحاق الصفار، ثنا أحمد بن نصر، نا عمرو بن طلحة [القنّاد] (٧)، نا أسباط بن نصر، عن السديّ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﵇ ... فذكر نحوه.

стр. 989

ص: فإن احتج محتج في وجوب ذلك بما روي عن علي وسعد وأبي قَتَادَة؛ وأبي هريرة ﵃: حدثنا ابن مرزوق، قال: نا وهب، قال: نا شعبة، عن يزيد بن أبى زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال: "كنت قاعدًا مع سَعْدٍ، فذكر الغسل يوم الجمعة، فقال ابنه: لم اغتسل، فقال سعد: ما كنت أرى مسلمًا يدع الغسل يوم الجمعة". حدثنا ابن مرزوق، قال: نا يعقوب بن إسحاق، قال: نا شعبة، قال: أخبرني عمرو بن مرة، عن زاذان قال: "سألت عليًّا ﵁ عن الغسل، فقال: اغتسل إذا شئت، قلت: إنما أسألك عن الغسل الذي هو الغسل، قال: غسل يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم الفطر، ويوم النحر". حدثنا يونس، قال: نا سفيان، عن عمرو، عن طاوس، قال: سمعت أبا هريرة يقول: "حقٌّ الله واجب على كل مسلم في كل سبعة أيام يغتسل، ويُغسِّل منه كل شيء، ويمس طيبا إن كان لأهله". حدثنا ربيع المؤذن، قال: أنا شعيب بن الليث، قال: نا الليث، عن يزيد بن أي حبيب، أن مصعب بن ثابت حدثه، أن ثابت ابن أبي قَتَادَة؛ حدثه، أن أبا قَتَادَة قال له: "اغتسل للجمعة فقال: لقد اغتسلت من جنابة، قال اغتسل للجمعة فإنك إنما اغتسلت للجنابة". حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا سعيد بن منصور، قال: نا سفيان عن عَبْدة بن أي لُبَابَة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أَبْزى: "أن أباه كان يُحدِثُ بعد ما يغتسل يوم الجمعة فيتوضأ ولا يعيد". ش: أي: فإن استدل أحد ممن يدعي وجوب الاغتسال يوم الجمعة بما روي عن هؤلاء الصحابة ﵃ الأربعة وهم: علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وأبو قَتَادَة الحارث بن ربعي الأنصاري، وأبو هريرة عبد الرحمن -على اختلاف في اسمه على ما ينيف على عشرة أسماء- فهذا كأنه اعتراض من جهة أهل المقالة الأولى أورده حتى يجيب عنه.

стр. 990

وقد أخرج عن كل واحد منهم خبرًا. أما خبر سعد: فأخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير البصري، عن شعبة بن الحجاج، عن يزيد بن أبي زياد القرشي، فيه اختلاف كثير، روى له مسلم مقرونًا بغيره، والأربعة. وأخرجه ابن أبى شيبة في "مصنفة" (١): نا هشيم، قال: نا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال: "كنت مع سعد، فجاء ابن له، فقال له: هل اغتسلت؟ قال: لا، توضأت ثم جئت، فقال له سعد: ما أحب أن أحدًا يدع الغسل يوم الجمعة". واسم ابن سعد: إبراهيم. فقدله: "ما كنت أرى مسلمًا يدع الغسل يوم الجمعة" أي: يتركه، يدل على أنه واجب، إذْ لو لم يكن واجبًا لما شدد هذا التشديد على تاركه. وأما خبر علي ﵁: فأخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن يعقوب بن إسحاق المقرئ النحوي، عن شعبة، عن عمرو بن مرة الجملي الأعمى، أحد مشايخ أبي حنيفة، عن زاذان الكوفي الضرير البزاز. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): نا حفص، عن حجاج، عن عمرو بن مرة، عن زاذان، قال:"سألت عليًّا عن الغسل يوم الجمعة، فقال: الغسل يوم الجمعة وفي العيدين ويوم عرفة".

стр. 991

قوله: "إنما أسألك عن الغسل الذي هو الغسل" أي: الغسل الذي لا بد منه ولا ينبغي تركه قال: "غسل يوم الجمعة ... " إلى آخره. وأما خبر أبي هريرة: فأخرجه عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار المكي، عن طاوس، وهذا صحيح على شرط مسلم، ورواه ابن حزم في "المحلى" (١). قوله: "حق" مرفوع بالابتداء، وهو نكرة، ولكنه تخصص بالصفة وهو قوله: "واجب"، وخبره قوله: "يغتسل" والأصوب أن يكون "يغتسل" مبتدءًا بتقدير "أن" ويكون قوله "حق" خبره. أي أن يغتسل حق، أي: غسله حق واجب لله تعالى. كما في قوله: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه (٢). قوله: "ويغسل منه" أي: من جسده كل شيء، ووقع في رواية ذكرها ابن الأثير في "جامعه": "ويغسل رأسه وجسده"، وأراد به الغسل الكامل كغسل الجنابة. قوله: "ويمس" بالرفع عطفًا على قوله: "يغتسل" وفي بعض النسخ: "وليمس" بلام الغائب، والأول: أصح. وأما خبر أبي قَتَادَةَ: فأخرجه عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن شعيب بن الليث، عن أبيه الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب سويد الأزدي المصري، عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي المدني، فيه مقال ووثقه ابن حبان، عن ثابت بن أبي قَتَادَة؛ الحارث بن ربعي ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٣): من رواية يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله ابن أبي قَتَادَة؛، قال: "دخل عليَّ أبي وأنا أغتسل يوم الجمعة، فقال: غسلك هذا من

стр. 992

جنابة أو للجمعة؟ قلت: من جنابة، قال: أعد غسلًا آخر؛ إني سمعت رسول الله ﵇ يقول: من اغتسل يوم الجمعة كان في طهارة إلى الجمعة الأخرى". وأما خبر عبد الرحمن بن أبزى فإنه خلاف خبر أبي قَتَادَة على ما نذكره عن قريب وكان ينبغي أن يذكره في الجواب عن أخبار هؤلاء، على أنه قال: وقد روينا عن عبد الرحمن بن أبزى خلاف ذلك. ويستفاد منه شيئان: الأول: عدم وجوب الغسل يوم الجمعة؛ لأنه لو كان واجبًا عنده لأعاده بعد الحدث، لأجل الصلاة به. والثاني: فيه حجة لمن يرى أن غسل يوم الجمعة لليوم لا للصلاة؛ إذْ لو كان للصلاة لكان عبد الرحمن بن أبزى يعيد غسله إذا أحدث، وإليه ذهب الحسن بن زياد من أصحابنا، وقال أبو يوسف: للصلاة، وهو قول طاوس وإبراهيم التيمي ومحمد بن سيرين. وقال ابن حزم في "المحلى": وغسل يوم الجمعة إنما هو لليوم لا للصلاة، فإن صلى الجمعة والعصر ولم يغتسل أجزأه ذلك، وأول وقته إثْر طلوع الفجر من يوم الجمعة إلى أن يبقى من قرص الشمس مقدار ما يتم غسله كله قبل غروب آخره، وأفضله أن يكون متصلًا بالرواح إلى الجمعة. وقال أبو حنيفة والليث وسفيان وعبد العزيز بن أبي سلمة والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وداود كقولنا، وقال طاوس والزهري وقَتَادَة ويحيي بن أبي كثير: من اغتسل للجمعة ثم أحدث، يستحب أن يعيد غسله. وقال مالك والأوزاعي: لا يجزئ غسله يوم الجمعة إلا متصلًا بالرواح، إلا أن الأوزاعي، قال: إن اغتسل قبل الفجر ونهض (إلى الجمعة) (١) أجزأه.

стр. 993

وقال مالك: إن بال أو أحدث بعد الغسل لم ينتقض غسله ويتوضأ فقط، فإن أكل أو نام انتقض غسله. وقال علي (١): ما نعلم مثل قول مالك عن أحد من الصحابة والتابعين ولا له حجة من قرآن أو سنة، ولا قياس ولا قول صاحب. ثم إسناد خبر عبد الرحمن بن أبزى صحيح ورجاله من رجال الصحيح ما خلا صالحًا. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): نا سفيان بن عيينة، عن عبدة بن أبي لبابة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه: "أنه كان يغتسل يوم الجمعة، ثم يحدث بعد الغسل ثم لا يعيد غسلًا". ص: قيل له: أما ما روي عن علي ﵁ فلا دلالة فيه على الفرض؛ لأنه لما قال له زاذان إنما أسألك عن الغسل الذي هو الغسل، أي: الذي في إصابته الفضل، قال: يوم الجمعة، ويوم الفطر، ويوم النحر، ويوم عرفة. فقرن بعض ذلك ببعض فكما كان ما ذكر مع غسل يوم الجمعة ليس على الفرض فكذلك غسل يوم الجمعة. وأما ما روي عن سعد ﵁ من قوله: "ما كنت أرى مسلمًا يدع الغسل يوم الجمعة" أي لما فيه من الفضل الكبير مع خفة مؤنته. وأما ما روي عن أبي هريرة من قوله: "حق الله واجب على كل مسلم يغتسل في كل سبعة أيام" فقد قرن ذلك بقوله: "ويمس طيبًا إن كان لأهله" فلم يكن مسيس الطيب على الفرض، فكذلك الغسل. وهو فقد سمع عمر يقول لعثمان ما ذكرنا, ولم يأمره بالرجوع بحضرته، فلم ينكر ذلك عليه؛ فذلك أيضًا دليل على أنه عنده كذلك.

стр. 994

وأما ما روي عن أبي قَتَادَة، مما ذكرنا عنه من ذلك، فهو إرادة منه للقصد بالغسل إلى الجمعة لإصابة الفضل في ذلك. وقد روينا عن عبد الرحمن بن أبزى خلاف ذلك. وجميع ما بيناه في هذا الباب قول أبي حنيفة وأبى يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى. ش: هذا جواب عما احتج به ذاك المحتج بأخبار هؤلاء المذكورين؛ أي: قيل للمحتج المذكور: أما ما روي عن علي ... إلى آخره. وهو ظاهر. فإن قيل: قد يجمع النظم قرائن الألفاظ والأسماء المختلفة الأحكام، والمعاني تنزلها منازلها وترتبها كما في قول عائشة ﵂: "إن النبي ﵇ كان يغتسل من أربع: من الجنابة ويوم الجمعة ومن الحجامة ومن غسل الميت". فأما الغسل من الجنابة فواجب بالاتفاق. وأما الاغتسال من الحجامة إنما هو لإماطة الأذى؛ لأنه لا يؤمن أن يكون قد أصاب المحتجمَ رشاشٌ من الدم، فالاغتسال منها استظهار بالطهارة، استحباب للنظافة. وأما الاغتسال من غَسْل الميت فقد اتفق الجمهور على أنه على غير الوجوب. فيبقى الكلام في غسل يوم الجمعة، فلم لا يجوز أن يكون كغسل الجنابة بقرينة الأوامر الواردة فيه، وكذلك في قول علي ﵁، يكون غسل يوم الفطر ويوم النحر ويوم عرفة مستحبًّا؛ لأن المراد منه الاستظهار بالنظافة في تلك الأيام، ويكون غسل يوم الجمعة فرضًا بقرنية الأوامر الدالة عليه في هذا الباب؟ قلت: لا نسلم ذلك؛ لأن الدليل قد قام أنه ﵁ كان يفعله ويأمر به استحبابًا، فسقط الوجوب حينئذٍ، فيكون كلام علي ﵁ على نسق واحدٍ في الدلالة على الاستحباب في الجميع.

стр. 995

فإن قيل: فلم لا يجوز أن يكون الكل على نسقٍ واحدٍ في الوجوب؟ قلت: لا؛ لعدم قيام الدليل عليه؛ لأنه لم ينقل عنه ﵇ أنه أوجب غسل يوم عرفة، أو يوم العيدين. قوله: "لما فيه من الفضل الكبير" أي: في الاغتسال للجمعة لما روي عن أبي هريرة وأبي سعيد أن رسول الله ﵇، قال: "من اغتسل يوم الجمعة واستاك ولبس أحسن ثيابه وتطيب بطيب -إن وجده- ثم جاء ولم يتخط الناس، فصلى ما شاء الله أن يصلي، فإذا خرج الإِمام سكت، فذلك كفارة إلى الجمعة الأخرى". رواه البيهقي (١) بإسناد صالح. قوله: "مع خفة مؤنته" أي: مع [خفه] (٢) مؤنة الغسل لعدم التكلف في تحصيل الماء؛ لأنه مبذول عادة. قوله: "فقد قرن ذلك بقوله ويمس طيبًا" والقران في النظم يوجب القران في الحكم، على اختلاف فيه، فكما أن مس الطيب ليس بفرض، فكذلك الغسل يوم الجمعة. قوله: "وهو فقد سمع": أي والحال أن أبا هريرة قد سمع عمر ﵁ حين قال لعثمان ما ذكر فيما مضى، ولم يأمره بالرجوع إلى الغسل، ولم ينكر أبو هريرة ولا غيره ذلك عليه، فدل ذلك أنه أيضًا لا يرى بوجوب الغسل. قوله: "فهو إرادة منه للقصد بالغسل إلى الجمعة لإصابة الفضل" كما روي عن أبي هريرة أنه قال: "لأغتسلن يوم الجمعة، ولو كأسٌ بدينار". رواه ابن أبي شيبة (٣): عن وكيع، عن ثور، عن زياد النميري ... عنه.

стр. 996

قوله: "وقد روينا عن عبد الرحمن بن أبزى خلاف ذلك". أي: خلاف ما روي عن أبي قَتَادَة، فإن أبا قَتَادَة أمر ابنه بإعادة الغسل لأجل الجمعة بعد أن اغتسل للجنابة وعبد الرحمن بن أبزى كان لا يعيده إذا أحدث، وهو خلاف ذاك. وكأنه أشار بذلك إلى أن خبر أبي قَتَادَةَ مُعَارَض بخبر عبد الرحمن بن أبزى، والمعارَض لا يصلح حجة.

стр. 997

ص: باب: الاستجمار ش: أي هذا باب في بيان حكم الاستجمار؛ وهو التمسح بالجمار. وهي الأحجار الصغار، ومنه سميت جمار الحج؛ للحصى التي يرمى بها، وأما موضع الجمار بمنى فسمي جمرة لأنها بالجمار. وقيل: لأنها مجمع الحصى التي ترمى بها من الجمرة. وقيل سميت به من قولهم: أجمر، إذا أسرع. وإنما سمي الاستنجاء استجمارًا؛ لأنه ينظف المحل، كما يطيبه الاستجمار بالبخور. وقد قيل في قوله: "من استجمر فليوتر": إنه البخور، من التجمير الذي يُوقد به. والمناسبة بين البابين ظاهرة؛ لأن الاستجمار لا بد منه للطهارة سواء كانت صغرى أو كبرى. ص: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا عبد الله بن وهب، أن مالكًا حدثه، ح. وحدثنا حسين بن نصر، قال: نا عبد الرحمن بن زياد، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﵇: "من استجمر فليوتر". حدثنا يونس، قالك أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ ... مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: نا الوَهْبيُّ، قال: أنا ابن إسحاق، قال: حدثنا الزهري، عن عائذ الله، قال سمعت أبا هريرة يقول ... مثله. حدثنا ابن مرزوق، قال: نا بشر بن عمر، قال: نا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن أبي إدريس، عن أبى هريرة، عن رسول الله ﵇ ... مثله.

стр. 998

حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: نا سعيد بن أبى مريم، قال: أنا أبو غسان، قال: حدثني ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: "كان رسول الله ﵇ يأمرنا إذا أتى أحدنا الغائط، بثلاثة أحجار". ش: هذه ستة طرق صحاح. الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن أبي الزناد -بالنون- عبد الله بن ذكوان، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري (١): نا عبد الله بن يوسف، قال: أنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه الماء ثم لينتثر، ومن استجمر فليوتر ... ". الثاني: عن حسين بن نصر، عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي، عن مالك ... إلى آخره، وعبد الرحمن هذا وثقه أبو حاتم. الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي إدريس عائذ الله الخولاني، عن أبي هريرة. وأخرجه مسلم (٢): نا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﵇ قال: "من توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر". وأخرجه النسائي (٣): أنا قتيبة، عن مالك ... إلى آخره نحوه.

стр. 999

الرابع: عن إبراهيم بن أبي داود، عن أحمد بن خالد الكندي الوَهبي، عن محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عائذ الله الخولاني، عن أبي هريرة. وأخرجه ابن أبى شيبة (١): من حديث الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "منْ توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر". الخامس: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر بن الحكم الزهراني، عن مالك بن أنس، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي إدريس عائذ الله الخولاني، عن أبي هريرة. وأخرجه ابن ماجه (٢): نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا زيد بن الحباب وداود بن عبد الله، قالا: ثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﵇: "مَنْ توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر". السادس: عن إبراهيم بن أبي داود، عن سعيد بن أبي مريم شيخ البخاري، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي الكوفي، عن محمَّد بن عجلان المدني، عن القَعْقاع بن حكيم الكناني، عن أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي هريرة. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٣) بأتم منه، عن ابن عُيَيْنة، عن محمَّد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﵇: "إنما أنا لكم مثل الوالد، أعلمكم، إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، وأمر بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث والرَّمة -يعني العظام- ونهى أن يستطيب الرجل بيمينه".

стр. 1000

وأخرجه أبو داود (١) والنسائي (٢) وابن ماجه (٣). قوله: "فليوتر" أمر من الإيتار، ومعناه: اجعل الأحجار التي تستنجي بها فردًا، إما واحدة أو ثلاثًا أو خمسًا، وأصله من الوتر وهو الفرد. قوله: "إذا أتى أحدنا الغائط" أي: موضع قضاء الحاجة، وفي الأصل هو اسم للمطمئن من الأرض. ص: حدثنا محمَّد بن حميد، قال: حدثني عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث بن سعد، قال: حدثني هشام بن سعد، عن أبي حازم، عن مسلم بن قرط، سمع عروة يقول: حدثتني عائشة، أن رسول الله ﵇ قال: "إذا خرج أحدكم إلى الغائط فليذهب بثلاثة أحجار ليستنظف بها، فإنها ستكفيه". ش: إسناده حسن جيد، وأبو حازم اسمه سلمة بن دينار المدني الأعرج. وأخرجه أبو داود (٤): نا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد، قالا: نا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم ... إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن فإنها تجزئ عنه". وأخرجه النسائي (٥): عن قتيبة، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن مسلم بن قُرط ... إلى آخره نحوه. وأخرجه الدارقطني (٦) أيضًا. قوله: "ليستنظف بها" أي: بالأحجار الثلاثة، الاستنظاف من النظافة، وأراد به الاستنجاء؛ لأنه ينظفه ويُطيبه.

стр. 1001

قوله: "فإنها" أي: فإن الأحجار الثلاثة ستكفيه في النظافة. قوله: "فليذهب بثلاثة أحجار" وفي رواية أبي داود "فليذهب معه بثلاثة أحجار" أي مصاحبة معه، وهيِ حال. ص: حدثنا: ابن أبي داود، قال: أنا سليمان بن حرب، قال: نا شعبة، عن منصور، ح. وحدثنا أبو بكرة، قال: أنا أبو الوليد، قال: نا شعبة، قال: قرأت على منصور، ح. وحدثنا ابن مرزوق، قال: نا وهب، نا شعبة، عن منصور، عن هلال بن يَسَاف، عن سلمة بن قيس، عن رسول الله ﵇ قال: "إذا استجمرت فأوتر". ش: أخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود، عن سليمان بن حرب، عن شعبة، عن منصور ابن المعتمر، عن هلال بن يَسَاف، عن سلمة بن قيس الأشجعي الغطفاني الصحابي، عن رسول الله ﵇. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): نا أبو مسلم الكشيّ، ثنا سليمان بن حرب ... إلى آخره. ولفظه: "إذا توضأت فانتثر، هذا استجمرت فأوتر". الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن شعبة، عن منصور، عن هلال ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني (٢) أيضًا: نا أبو مسلم الكشيّ، ثنا أبو الوليد الطيالسي ... إلى آخره نحوه.

стр. 1002

الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن منصور، عن هلال ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (١): عن جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن هلال بن يَسَاف، عن سلمة بن قيس، عن رسول الله ﵇ قال: "إذا استجمرت فأوتر". ص: حدثنا: أبو بكرة، قال: نا صفوان بن عيسى، قال: نا محمَّد بن عجلان، ح. وحدثنا علي بن عبد الرحمن بن محمَّد بن المغيرة الكوفي، قال: نا عفان، قال: نا وُهَيْب، عن ابن عجلان، قال: أنا القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: "كان رسول الله ﵇ يأمرنا بثلاثة أحجار، يعني في الاستحجار". ش: هذان طريقان صحيحان. الأول: عن أبي بكرة بكار، عن صفوان بن عيسى القرشي الزهري البصري، عن محمَّد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي هريرة. وأخرجه أبو داود (٢) بأتم منه: نا عبد الله بن محمَّد النُفَيلي، قال: ثنا ابن المبارك، عن محمَّد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﵇: "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها, ولا يتطيب بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث والرِمّة". الثاني: عن علي بن عبد الرحمن بن محمَّد بن المغيرة الكوفي، عن عفان بن مسلم، عن وُهَيْب -بالتصغير- بن خالد البصري، عن ابن عجلان ... إلى آخره.

стр. 1003

وأخرجه النسائي (١): أنا يعقوب بن إبراهيم، قال: نا يحيي -يعني ابن سعيد- عن محمَّد بن عجلان، قال: أخبرني القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "أنا لكم مثل الوالد، أعلمكم؛ إذا ذهب أحدكم إلى الخلاء فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها, ولا يستنجي بيمينة. وكان يأمر بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث والرمة". وأخرجه ابن ماجه (٢) والدارمي (٣) أيضًا في "سننيهما". ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: نا عبد الرحيم ابن سليمان، عن هشام بن عروة، عن عمرو بن خزيمة، عن عمارة بن خزيمة،. عن خزيمة بن ثابت، قال: قال رسول الله ﵇: "في الاستجمار ثلاثة أحجار ليس فيها رجيع". ش: إسناده حسن جيد، وعمرو بن خزيمة المزني وثقه ابن حبان. وعمارة بن خزيمة بن ثابت الأنصاري، وثقه النسائي وغيره. وخزيمة بن ثابت بن الفاكه الأنصاري، ذو الشهادتين. وأخرجه أبو داود (٤): نا عبد الله بن محمَّد النُفيْلي، قال: نا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن عمرو بن خزيمة، عن عمارة بن خزيمة، عن خزيمة بن ثابت، قال: "سئل رسول الله ﵇ عن الاستطابة، فقال: بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع". وأخرجه ابن ماجه (٥) أيضًا: عن محمَّد بن الصباح، عن سفيان بن عيينة. وعن علي بن محمَّد، عن وكيع، جميعًا عن هشام بن عروة ... إلى آخره، نحو رواية الطحاوي، غير أن لفظه: "في الاستنجاء".

стр. 1004

و"الرجيع" هو العذِرة والروث، سمي رجيعًا؛ لأنه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعامًا أو علفًا. ص: حدثنا فهد، قال: نا جَنْدَلُ بن وَالِقِ، قال: نا حفص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان ﵁، قال: "نُهينا أن نكتفي بأقل من ثلاثة أحجار". ش: إسناده حسن، وجندل بن والق التغلبي أبو علي الكوفي، قال أبو حاتم: صدوق. وحفص هو ابن غياث النخعي الكوفي، أحد أصحاب أبي حنيفة، روى له الجماعة. والأعمش هو سليمان، وإبراهيم هو النخعي. وعبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، أخو الأسود. والحديث أخرجه الجماعة (١) غير البخاري. ورواه ابن أبى شيبة في "مصنفه" (٢): نا وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان: "قال له بعض المشركين -وهم يستهزئون-: أرى صاحبكم وهو يعلمكم، حتى الخراءة! فقال سلمان: أجل، أمرنا أن لا نستقبل القبلة، ولا نستنجي بدون ثلاثة أحجار". ورواه مسلم (٣): عن أبي بكر بن أبي شيبة.

стр. 1005

ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن الاستجمار لا يجزئ بأقل من ثلاثة أحجار، واحتجوا في ذلك بهذا الآثار. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الشافعي وأحمد وإسحاق بن راهوية وأبا ثور؛ فإنهم قالوا: لا بد من ثلاث مَسَحَات بثلاثة أحجار، حتى لو مسح مرة أو مرتين فزالت النجاسة، وجبت مسحة ثالثة، واحتجوا في ذلك بالأحاديث المذكورة. وقال ابن حزم في "المحلى" (١): وتطهير القبل والدبر من البول والغائط والدم، من الرجل والمرأة، لا يكون إلا بالماء حتى يزول الأثر، وبثلاثة أحجار متغايرة؛ فإن لم تُنْقِ فعلى الوتر أبدًا يزيد كذلك، حتى تُنْقِى، لا أقل من ذلك، أو بالتراب أو الرمل بلا عدد، لكن ما أزال الأثر فقط على الوتر. وفي "المغني" (٢): وإن أنقى بدون الثلاثة لم يُجْزه حتى يأتي بالعدد، وإن لم يُنْق بثلاثة زاد حتى ينقي. ويشترط الأمران جميعًا: الإنقاء وإكمال الثلاثة، أيهما وجد دون صاحبه لا يكفي، وإذا زاد ذلك على الثلاثة استحب أن لا يقطع إلا على وتر؛ للحديث الوارد فيه. ص: وخالفهم في ذلك أخرون، فقالوا: ما استجمر به منها فأنقى به الأذى، ثلاثة كانت أو أكثر منها أو أقل، وترًا كانت أو غير وتر، فإن ذلك قد طهره. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا أو مالكا وداود والظاهرية؛ فإنهم قالوا: الشرطُ الإنقاء، دون العدد؛ حتى لو حصل الإنقاء بحجر واحدٍ أجزأه. وهو وجه للشافعية. قوله: "ما استجمر به" "ما" موصولة مبتدأ، واستجمر به صلتها. وقوله: "فأنقى" عطف عليه، "والأذى" مفعوله.

стр. 1006

قوله: "فإن ذلك قد طهره" جملة من المبتدأ والخبر مؤكدة بـ"إن" في محل الرفع على أنها خبر للمبتدأ؛ أعني قوله: "ما" في "ما استجمر"، ودخلت فيه الفاء لِتُضَمِّن المبتدأ معنى الشرط. قوله: "ثلاثةً" نصب، على أنها خبر كان؛ أي: سواء كانت الأحجار ثلاثة أو أكثر أو أقل، وكذا الكلام في انتصاب "وترًا". ص: وكان من الحجة لهم في ذلك: أن أمر النبي ﵇ في هذا بالوتر يحتمل أن يكون ذلك على الاستحباب منه للوتر، لا على أن ما كان غير وتر لا يُطّهر، ويحتمل أن يكون أراد به التوقيت الذي لا يطهر ما هو أقل منه. فنظرنا في ذلك هل نجد فيه شيئًا مما يدل على ذلك؟ فإذا يونس بن عبد الأعلى قد حدثنا، قال: أنا يحيى بن حسان، قال: نا عيسى بن يونس، قال: ثنا ثور بن يزيد، عن حصين الحُمْراني، عن أبي سعيد الخَيْر، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "من اكتحل فليوتر من فَعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن تخلل فليلفظ، ومن لاك بلسانه فليبلع، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج. ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا كثيبًا يجمعه فليستدبره؛ فإن الشيطان [يتلاعب]، (١) بمقاعد بني آدم". حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: أخبرنا أبو عاصم، عن ثور بن يزيد، قال: نا حصين الحِميْري، قال: حدثني أبو سعيد الخير، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ ... مثله، وزاد: "من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج". فدل ذلك أن رسول الله ﵇ إنما أمر بالوتر في الآثار الأُوَل استحبابًا منه للوتر لا أن ذلك من طريق الفَرض الذي لا يجزئ إلا هو.

стр. 1007

ش: أي: وكان من البرهان لأهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه؛ تقريره: أن أمر النبي ﵇ بالوتر في الآثار المذكورة يحتمل أن يكون على وجه الاستحباب كما يقوله أهل المقالة الثانية ويحتمل أن يكون على وجه التنصيص عليه. بحيث إنه إذا أحل لا يجوز، كما يقوله أهل المقالة الأولى فالمحتمل لا يصلح حجة إلا بمرجح لأحد المعنيين، فرأينا حديث أبي هريرة قد دل على الاحتمال الأول، فسقط الوجه الثاني. ففي هذا أيضًا إعمال الحديثين، وفيما قالوه إهمال لأحدهما، والعمل بالحديثين أصلى من إهمال أحدهما. ثم إنه أخرج حديث أبي هريرة من طريقين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن يحيى بن حسان التنّيسي، عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن ثور بن يزيد أبي خالد الشامي الحمصي، عن حُصَيْن الحمراني -بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين- والحمراني -بضم الحاء وسكون الميم- نسبة إلي حُمران بطن من حمير، وربما يقال له الحُبْراني بـ"الباء" موضع "الميم" ويقال له: الحميري أيضًا كما في الطريق الثاني، وهو يروي عن أبي سعيد الخير، وفي التهذيب: أبو سَعْد الخير، ويقال أبو سعيد الخير، ويقال: إنهما اثنان. يقال: اسمه زياد، ويقال: عامر بن سعد، ويقال: عمرو بن سعد. ذكره أبو عمر وأبو نعيم الأصبهاني وابن مندة وابن الأثير في "الصحابة" فتكون رواية صحابي عن صحابي. وأخرجه أبو داود في "سننه" (١): نا إبراهيم بن موسى الرازي، قال: أنا عيسى بن يونس ... إلى آخره نحوه، مع اختلاف يسير. الثانى: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن ثور بن يزيد ... إلى آخره.

стр. 1008

وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا سريج، نا عيسى بن يونس، عن ثور، عن الحصين -كذا قال-: عن أبي سعيد الخير -وكان من أصحاب عمر- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇ ... إلى آخره، نحوه. فإن قيل: ما حال هذا الحديث؟ قلت: رجاله ثقات، وهو صحيح. فإن قلت: قد قال أبو عمر وابن حزم والبيهقي: ليس إسناده بالقائم، فيه مجهولان، يَعْنون حصينًا الحُمْراني وأبا سعيد الخير. قلت: هذا كلام ساقط؛ لأن أبا زرعة الدمشقي قال في حصين هذا: شيخ معروف. وقال يعقوب بن سفيان في "تاريخه": لا أعلم إلا خيرًا، وقال أبو حاتم الرازي: شيخ، وذكره ابن حبان في "الثقات". وأما أبو سعيد الخير فإنه صحابي. والحديث أخرجه أيضًا ابن حبان في "صحيحه" (٢) وأحمد في "مسنده" (٣) كما ذكرنا. قوله: "من اكتحل فيوتر" أي: فليجعل الاكتحال فردًا، إما واحدة أو ثلاثا أو خمسًا، وإنما أُمِرنا بالوتر لقوله ﵇: "إن الله وتر يحب الوتر" (٤) وهذا الأمر من الأمور النَدْبية، كقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ (٥)، والأولى أن يكون للإرشاد، والفرق بينهما أن الندب لثواب الآخرة، والإرشاد لمنافع الدنيا، غير مشتمل على ثواب الآخرة، وقد علم في موضعه أن الأمر يستعمل في قريب من عشرين معنى.

стр. 1009

قوله: "من فعل فقد أحسن" أي: من فعل الإيتار فقد أحسن في فعله، أي أتى بالفعل الحسن. ولتضمن "مَن" معنى الشرط دخل في جوابه "الفاء". قوله: "ومن لا فلا حرج" أي: ومن لم يفعل الإيتار فلا حرج عليه أيِ: لا إثم عليه. وقد دل نفي الحرج على أن الإيتار ليس بواجب، وإنما هو مندوب كما ذكرناه. قوله: "ومن استجمر" أي: ومن تمسح بالحجارة فليوتر، أي: فليجعل الحجارة التي يستنجى بها فردًا، إما واحدة أو ثلاثًا أو خمسًا. وهذا حجة قوية لأبي حنيفة ومن تبعه في هذه المسألة؛ لأن الإيتار يقع على الواحد كما يقع على الثلاث. وقد قيل في قوله: "من استجمر فليوتر" إنه البخور، مأخوذ من الجَمْر الذي يُوقد به، وقد كان الإِمام مالك يقوله، ثم رجع عنه. قوله: "ومن تخلل فليلفظ" أي: من تخلل بالخِلال فيما بين أسنانه بعد الأكل، فليلفظ الذي يخرج منه، أي: فليرم؛ لأن اللفظ في اللغة من الرمي، يقال: أكلت التمرة ولفظت نواها، أي: رميتها. وهذا أيضًا من الأمور الإرشادية. قوله: "ومن لاك" من اللوك، يقال: لكت الشيء في فمي ألوكهُ، إذا علكته، وقد لاك الفرسُ اللجامَ. قوله: "فليبتلع" أمر من الابتلاع، البلع والابتلاع بمعنى. وإنما أمر في التخلل بالرمي -يعني رميِ الخُلالة- لأنها تُنْتن بين الأسنان فتصير مستقذرة. وروي عن ابن عمر أن تركها يُوهن الأضراس. وفي اللوك بالابتلاع (١)؛ لأن رميِ اللقمة بعد لوكها إسراف وبشاعة للحاضرين.

стр. 1010

قوله: "إلا كثيبًا": الكثيب من الرمل المستطيل المحُدَودب. قوله: "يجمعه" جملة وقعت صفة للكثيب. قوله: "فليستدبره" أي: فليستدبر الكثيب، أي: يجعله عند دبره. قوله: "فإن الشيطان [يتلاعب]، (١) بمقاعد بني أدم" أراد: أن الشياطين أن تحضر تلك الأمكنة وترصدها بالأذى والفساد؛ لأنها [مواضع] (٢) يهجر فيها ذكر الله تعالى، وتكشف فيها العورات. وهو معنى قوله: "إن هذه الحشوش محتضرة" (٣) فأمره بالتستر مهما أمكن، وألا يكون قعوده في براح من الأرض، تقع عليه أبصار الناظرين، أو تهب الريح عليه فيصيبه نشر البول، فيلوث بدنه أو ثيابه، وكل ذلك من لعب الشيطان به. و"المقاعد" مواضع قعود الناس في الأسواق وغيرها, ولعب الشيطان بمقاعد بني آدم كناية عن إيصاله الأذى والفساد. وقد استفيد منه أحكام كثيرة على ما لا يخفى: منها: جواز الاكتحال للرجال والنساء جميعًا، وقد روي عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﵇ قال: "اكتحلوا بالإثمد فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر"، وزعم "أن النبي ﵇ كانت له مِكْحَلة يكتحل منها كل ليلة، ثلاثةً في هذه، وثلاثةً في هذه". أخرجه الترمذي (٤). ومنها: أن الاستنجاء ليس فيه عدد مسنون؛ لأن الإيتار يقع على الواحد كما يقع على الثلاث.

стр. 1011

ومنها: أن الاستنجاء ليس بفرض كما ذهبت إليه الحنفية؛ لأن قوله: "من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج"، لا يقال مثل هذا في المفروض، وإنما يقال في المندوب إليه، إلا أنه إذا ترك الاستنجاء أصلًا وصلى يكره؛ لأن قليل النجاسة جعل عفوًا في حق جواز الصلاة دون الكراهة، وإذا استنجى زالت الكراهية. وقد قيل: إن نفي الحرج في تركه (١)، ولو كان فرضًا لكان في تركه حرج، فالحديث حجة على الشافعي ومن تبعه في قولهم بفرضية الاستنجاء. قلت: فيه نظر؛ لأن نفي الحرج في ترك الإيتار لا في ترك أصل الاستنجاء. وقال الخطابي: معنى الحديث التخيير بين الماء الذي هو الأصل، وبين الأحجار التي هي للترخيص. لكنه إذا استجمر بالحجارة فليجعل [وترًا ثلاثا] (٢) وإلا فلا حرج إن تركه إلى غيره. وليس معناه ترك التعبد أصلًا بدليل حديث سلمان "نهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار". قلت: قال الأستاذ فخر الدين: في التمسك بالحديث نفي الحرج عن تارك الاستنجاء، فدلّ أنه ليس بواجب، وكذلك ترك الإيتار لا يضر؛ لأن ترك أصله لما لم يكن مانعًا فما ظنك في ترك وصفه فدل الحديث على انتفاء المجموع. قلت: فيه النظر المذكور بعينه. وقال الخطابيّ: وفيه آخر، وهو رفع الحرج في الزيادة على الثلاث، وذلك أن مجاوزة الثلاث في الماء عدوان، وترك للسنة، والزيادة في الأحجار ليست بعدوان، وإن صارت شفعًا. قلت: هذا الوجه لا يفهم من هذا الكلام، على ما لا يخفى على [الفطن] ومجاوزة الثلاث في الماء كيف يكون عدوانًا إذا لم تحصل الطهارة بالثلاث؟! والزيادة في الأحجار وإن كانت شفعًا، كيف لا يصيرُ عدوانا، وقد نص على الإيتار؟!

стр. 1012

ص: وقد روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﵇ ما قد بين ذلك أيضًا: حدثنا أحمد بن داود، قال: نا مُسدّد، قال: أنا يحيي بن سعيد، عن زهير، قال: أخبرني أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: "كنت مع النبي ﵇ فأتى الغائط فقال: ائتني بثلاتة أحجار فالتمست فلم أجد إلا حجرين وروثةً، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: إنها ركس". حدثنا ابن أبي داود، قال: أنا زهير بن عباد، قال: نا يزيد بن عطاء، عن أبي إسحاق، عن علقمة والأسود، قالا: قال ابن مسعود ... فذكر نحوه. ففى هذا الحديث ما يَدلُّ أنَّ النبي ﵇ قعد للغائط في مكان ليس فيه أحجارٌ؛ لقوله لعبد الله ناوِلنيِ ثلاثة أحجار، ولو كان بحضرته شيء من ذلك لما احتاج إلى أن يناوله من غير ذلك امان، فلما أتاه عبد الله بحجرين وروثة، فألقى الروثة، وأخذ الحجرين، دلّ ذلك على استعماله الحجرين، وعلى أنه قد رأى أن الاستحجار لهما يجزى مما يجزى منه الاستجمار بالثلاث؛ لأنه لو كان لا يجزى للاستحجار بما دون الثلاث لما اكتفى بالحجرين، ولأمر عبد الله أن يَبْغِيه ثالثًا. ففي ذلك دليل على اكتفائه بالحجرين. ش: أي قد رُوِيَ عن ابن مسعود، عن النبي ﵇ ما قد بَيَّن ما قلنا من أن الأمر بالإيتار في الآثار المذكورة أمر ندب لا أمر وجوب، وذلك ظاهر لا يخفى. حاصلة أن العَدَد لو كان شرطًا، لسأل النبي ﵇ ابنَ مسعود ثالثًا؛ فحين اكتفى بالاثنين, ولم يسأل الثالث، علمنا أن المعتبى في هذا الباب الإنقاء دون العدد، ولا ينكر هذا إلا معاند. ثم إنه أخرج حديث ابن مسعود من طريقين: الأول: عن أحمد بن داود، عن مُسدّد، أحد مشايخ البخاري وغيره، عن يحيي بن سعيد القطان، عن زهُير بن معاوية بن حُديج الكوفي، أحد أصحاب

стр. 1013

أبي حنيفة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السَبيعي، عن عبد الرحمن بن الأسود بن [يزيد]، (١) بن قيس النخعي، عن أبيه الأسود بن يزيد، وكلهم رجال الصحيح ما خلا أحمد بن داود. وأخرجه البخاري (٢)، نا أبو نعيم، نا زهير، عن أبي إسحاق قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، سمع عبد الله يقول: "أتى رسول الله ﵇ الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال. هذا ركس". وأخرجه النسائي (٣)، نا أحمد بن سليمان، نا أبو نعيم، عن زهير، عن أبي إسحاق قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود ... إلى آخره، نحو رواية البخاري، وفي آخره قال أبو عبد الرحمن: "الركس طعام الجن". وأخرجه ابن ماجه (٤)، نا أبو بكر بن خلاد الباهلي، نا يحيي بن سعيد القطان، عن زهير، عن أبي إسحاق، قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود ... إلى آخره نحوه. وأخرجه الترمذي (٥) من حديث أبي عبيدة: نا هناد وقتيبة، قالا: نا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: "خرج النبي لحاجته، فقال: التمس لي ثلاثة أحجار، قال: فأتيته بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: إنها ركس".

стр. 1014

الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود، عن زهير بن عباد الرُؤاسي، ابن عم وكيع بن الجراح، عن يزيد بن عطاء بن يزيد الكندي، فيه مقال، عن أبي إسحاق عَمرو السَبيعي، عن علقمة بن قيس النخعي، وعن الأسود بن يزيد النخعي، عن ابن مسعود. وأخرجه الدارقطني (١): نا يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن بول، حدثني جدّي، ثنا أبي، عن أبي شيبة، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله قال: "خرجت يومًا مع رسول الله ﵇ قال: فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، قال: فأتيتهُ بحجرين وروثة، قال: فألقى الروثة وقال: إنها ركس فأتني بغيرها". وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (٢) من حديث علقمة بإسناد صحيح، قال: حدثنا أبو سعيد الأشج، ثنا زياد بن الحسن بن فرات عن أبيه، عن جده، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، عن عبد الله، قال: "أراد النبي ﵇ أن يتبرز، فقال: ائتني بثلاثة أحجار، فوجدت له حجرين وروثة حمار، فأمسك الحجرين، وطرح الروثة، وقال: هي رجس". فإن قلت: ما حال هذا الحديث؟ قلت: صحيح كما ترى. فإن قلت: قال ابن الشاذكوني: هذا الحديث مردود؛ لأنه مُدلَّس؛ لأن السبيعي لم يصرّح فيه بسماع، ولم يأت بصيغة معتبرة، وما سمعت بتدليس قط أعجب من هذا, ولا أخفي قال: أبو عبيدة لم يحدثني، ولكن عبد الرحمن، عن فلان، ولم يقل: حدثني، فجاز الحديث وسار. قلت: أبو إسحاق سمعه من جماعة، ولكنه كان غالبًا إنما يحدث به عن أبي عبيدة، فلما نشط يومًا قال: ليس أبو عبيدة الذي هو في ذهنكم أني حدثتكم

стр. 1015

عنه حدثني وحده، ولكن عبد الرحمن بن الأسود، ولعل البخاري لم ير ذلك متعارضًا وجعلهما إسنادين، أو أسانيد. وذكر الكرابيسي في كتاب "المدلسين": أبو إسحاق يقول في هذا الحديث مرةً: حدثني عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، ومرةً حدثني علقمة، عن عبد الله، ومرة حدثني أبو عبيدة، عن عبد الله، ومرةً يقول: ليس أبو عبيدة حدثنيه، حدثني عبد الرحمن بن الأسود، عن عبد الله، وهذا دليل واضح أنه رواه عن عبد الرحمن بن الأسود سماعًا فافهم. وقال ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة: اختلفوا في هذا الحديث، والصحيح عندي حديث أبي عبيدة بن عبد الله، عن أبيه. وزعم الترمذي أن أصح الروايات عنده حديث قيس بن الربيع وإسرائيل عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: لأن إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء، وتابعه على ذلك قيس، وزهير [في] (١) أبي إسحاق ليس بذاك؛ لأن سماعه منه بأخرة، سمعت أحمد بن الحسن، سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا سمعت الحديث عن زائدة، وزهير فلا تبالِ أن لا تسمعه من غيرهما، إلا حديث أبي إسحاق. ورواه زكرياء بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، وهذا حديث فيه إضطراب، قال: وسألت الدارمّي أي الروايات في هذا أصح عن أبي إسحاق؟ فلم يقض فيه بشيء، وسألت محمدًا عن هذا فلم يقض فيه بشيء، وكأنه رأى حديث زهير أشبه، ووضعه في جامعه، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، ولا نعرف اسمه. انتهى كلامه (٢).

стр. 1016

قلت: في كلامه نظر من وجوه: الأول: ترجيحه حديث إسرائيل على حديث زهير، وهو معارض بما حكاه الإسماعيلي في صحيحه؛ إذ رواه من حديث يحيى بن سعيد، ويحيي بن سعيد لا يرضى أن يأخذ عن زهير، عن أبي إسحاق، ما ليس بسماع لأبي إسحاق. وكذلك رواية أبي جعفر الطحاوي حيث رواه من حديث يحيي بن سعيد، عن زهير، عن أبي إسحاق. وقال الآجُرّيّ: سألت أبا داود، عن زهير وإسرائيل في أبي إسحاق؟ فقال: زهير فوق إسرائيل بكثير. وتابعه إبراهيم بن يوسف، عن أبيه كما قال البخاري في آخر الحديث المذكور، وقال إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق حدثني عبد الرحمن، وتابعه أبو حماد الحنفي، وأبو مريم، وشريك وزكرياء بن أبي زائدة، كذا قاله الدارقطني. الثاني: إسرائيل اختلف عليه؛ فرواه كرواية زهير، ورواه عباد القطواني، وخالد العبدي، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله. وروى الحميدي، عن ابن عيينة عنه، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، ذكره الدارقطني والعدني في "مسنده"، وزهير لم يختلف عليه. الثالث: اعتماده على متابعة قيس بن الربيع، وهي لا شيء لشدة ما رُمِيَ به من نكارة الحديث والضعف، وإضرابه عن متابعة يونس والثوري، وهما هما. الرابع: قوله: إن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه مردود، وقال أبو بكر بن أبي داود: قلت لأبي: أبو عبيدة سمع من أبيه، قال: يُقال: إنه لم يسمع منه قلت: فإن عبد الواحد بن زياد يروي عن أبي مالك الأشجعي، عن عبد الله بن أبي هند، عن أبي عبيد قال: "خرجت مع أبي لصلاة الصبح" فقال لي: ما أدري ما هذا، وما أدري ابن أبي هند من هو.

стр. 1017

وفي "المعجم الأوسط" (١) للطبراني: من حديث زياد بن سعد، عن أبي الزبير، قال: حدثني يونس بن [خباب] (٢) الكوفي، سمعت أبا عبيدة بن عبد الله يذكر أنه سمع أباه يقول: "كنت مع النبي ﵇ في سفر ... " الحديث. وأخرج الحاكم في "مستدركه" (٣) حديث أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن أبيه في ذكر يوسف ﵊، ثم صححّه. وكذلك الترمذيُّ حَسّنَ عِدّة أحاديث رواها أبو عبيدة، عن أبيه عبد الله، منها: "كان في الركعتين الأولين كأنه على الرَضْف" (٤)، ومن شرط الحديث أن يكون متصلًا عن المحدثين (٥). الخامس: قوله: "وأبو عبيدة لم يُعرف اسمه"، يرّده ما ذكره مسلم في كتاب "الكنى"، وابن حبان في كتاب "الثقات"، وأبو أحمد في "الكنى"، وغيرهم أن اسمه عامر. السادس: أنه أضرب عن الحديث المتصل الصحيح إلى منقطع -على زعمه- وهو قول الدارقطني: ثنا عمر بن أحمد الدقاق، نا محمَّد بن عيسى بن حبان، ثنا الحسن بن قتيبة، ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، وأبي الأحوص، عن ابن مسعود فذكره.

стр. 1018

السابع: قوله: "ورواه زكرياء بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن ابن يزيد، عن عبد الله"، ولم يزد على ذلك شيئًا, وليس كذلك فإن زكرياء روي عنه هذا على وجوه (١): منها رواية عبد الرحيم، والأزرق، وإسماعيل بن أبان. ومنها رواية سهل، عن يحيي، عنه، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، وقيل: عن منجاب، عن يحيي، عنه، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن الأسود، لم يذكر بين أبي إسحاق والأسود أحدًا، فيما ذكره الدارقطني (٢). قال: ورواه عمار بن رزيق، وورقاء، ومعتمر، وسليمان بن قَرْم، وإبراهيم الصائغ، وعبد الكبير بن دينار، وأبو شيبة، ومحمد بن جابر، وشعبة بن الحجاج، وصباح بن يحيى المزني، وروح بن مسافر، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله، وكذلك قال إسحاق الأزرق، عن شريك، وروي عن علي بن صالح بن حيّ، ومالك بن مِغول، ويوسف بن أبي إسحاق، وحُدَيج بن معاوية، وشريك، عن أبي إسحاق، عن أبي الأسود، عن عبد الله، ورواه أبو سنان، عن أبي إسحاق، عن هُبَيرة بن يريم، عن عبد الله وقفه شعبة، وسفيان، ورفعه عنه الثوري، وغيره، قال الدارقطني: قد اختلف فيه على أبي إسحاق اختلافًا شديدًا، والله أعلم (٣). وتعلقت الظاهرية بنص هذا الحديث أن الأحجار متعينة في الاستنجاء، لا يجزئ غيرها. والإجماع على أن الحجر ليس بمتعين، بل يقوم الخزف، والخشب، والمدر، والتراب، ونحوها مقامه؛ لأن المعنى فيه كونه مُزيلًا، وقد يحصل ذلك بغير الحجر، وإنما نص ﵇ على الحجر لكونه الغالب المتَيسِّر.

стр. 1019

ويدلّ على عدم تعيّنه أيضًا نهيهُ ﵇ عن العظم، والبعر، والرجيع؛ فلو كان معينًا لنهى عما سواه مطلقًا. ص: فهذا وجه الباب من طريق تصحيح معاني الآثار، وأما من طريق النظر فإنا رأينا الغائط والبول إذا غُسلا بالماء مرةً، فذهب بذلك أثرهما وريحهما حتى لم يبق شيء من ذلك، أن مكانهما قد طهر بذلك، ولو لم يذهب بذلك لونهما ولا ريحهما احتيج إلى غسله ثانيًا، فإن غسلا ثانيًا فذهب لونهما وريحهما طهر بذلك كما يطهر بالواحدة ولو لم يذهب لويهما ولا ريحهما بِغُسْل مرتين احتيج إلى أن يُغْسَلا بعد ذلك حتى يذهب لونهما وريحهما. فكان ما يراه في غسلهما معلومًا لا يُجزئِ ما هو أقل منه، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك الاستجمار بالحجارة، لا يراد من الحجارة في ذلك مقدار معلومٌ لا يجزئ الاستجمار بأقل منه، ولكن يُجْزئ من ذلك ما أذهب النجاسة، مما قل أو أكُثر فهذا هو النظر، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد ﵏. ش: أشار بهذا إلى ما قاله، من قوله: "ففي هذا الحديث ما يدُلّ أن النبي ﵇ قعد للغائط في مكان ليس فيه أحجار"، إلى قوله: "ففي تركه ذلك دليل على اكتفائه بالحجرين"، وإنما ذكر قوله للغائط في مكان إلى قوله من غير ذلك المكان تمهيدًا، وبسطًا لجواب سؤال يأتي من قبل الخصم، وهو أن يقول: يحتمل أن يكون اكتفاء النبي ﵇ بالحجرين، وعدم طلبه الثالث لكون الثالث موجودًا عنده، فلذلك لم يطلب منه الثالث، فقال: لا نُسَلِّم ذلك؛ لأن قعوده ﵇ للغائط كان في مكان ليس فيه أحجار، إذ لو كانت هناك أحجار لما قال له: ائتني بثلاثة أحجار؛ لأنه لا فائدة لطلب أحجار وهي حاصلة عنده وهذا معلوم بالضرورة. فإن قيل: لو لم يكن تعيين الثلاث مفيدًا، لما قال: ائتني بثلاثة أحجار.

стр. 1020

قلت: كان ذلك للاحتياط؛ لأن التطهير بواحد أو اثنين لم يكن محققًا، فلذلك نصّ على الثلاث، وبالثلاث يحصل التطهير غالبًا. ونحن أيضًا نقول: إذا تحقق شخص أنه لا يطهر إلا بالثلاث، تَعيَّن عليه الثلاث، والتعيّن ليس لأجل التوقيت فيه، وإنما هو للإنقاء الحاصل منه، حتى إذا احتاج إلى رابع أو خامس وهلمَّ جرّا، يتعين عليه ذلك. قوله: "وأما من طريق النظر" أي القياس الصحيح، وهو ظاهر لا يحتاج إلى بيان، وبالله المستعان في كل شأن.
следующие страницы →