بمعنى إضافة ما لكل من المتعدد إليه لا ذكر المتعدد ثم الإضافة.
(فالأول) أي الجمع قبل التقسيم (كقوله) أي أبي الطيب في مدح سيف الدولة (١):
(حتّى أقام على أرباض خرشنة ... تشقى به الرّوم والصّلبان والبيع
للسّبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنّهب ما جمعوا والنّار ما زرعوا)
(حتى) للعطف على قاد المقانب في البيت السابق، وليس بحرف جر كما توهمه عبارة الشارح، متعلق بالفعل في البيت السابق؛ أعني قاد المقانب، لأن الجار لا يدخل على الفعل (أقام) أي سيف الدولة، واختاره على أحاط؛ إشارة إلى تصميم عزمه على فتح القلاع والحصون؛ حتى أنه يتوطن حولها ولا يفارقها، حتى تفتح، ولتضمين معنى الاستعلاء أي مستعليا على الأرباض، كما هو شأن أهل الجرأة في محاربة الحصون.
قال: (على أرباض) وهي جمع ربض بمعنى السور، وهذا التضمين ألطف من تضمين التسليط كما جاء به الشارح (خرشنة) على وزن دحرجة: بلدة من بلاد الروم (تشقى به الرّوم) جنس للرومي، كما أن التمر جنس بالتمرة (والصّلبان) كغفران جمع صليب هو معبود النصارى (والبيع) جمع بيعة كقطعة، بمعنى: متعبدهم، يعني: قاد المقانب جمع مقنب، وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين من الخيل، حتى أقام حول هذه المدينة العظيمة حال كونه تشقي به شقاوة مستمرة هذه الأشياء بجميع أنواع الشقاوة؛ من السبي والقتل والنهب والإتلاف، فجمع الشقاوات تحت تشقى، ثم بقوله فصله (للسّبي ما نكحوا) أي: نكوحهن، أتى بلفظ (ما) لأنه قصد إلى مفهوم الصفة أي المنكوحة، وكذا في أخواته فهو على أصله، فلا حاجة إلى ما قال الناظرون برمتهم إنه لمراعاة الموافقة، بما جمعوا وما زرعوا، أو لإهانتهم بتنزيلهم منزلة غير العقلاء. وفي نكحوا تغليب أي ما نكحوا وينكحون لو بقوا، ليشمل من كانت من نسائهم صبية.
(والقتل ما ولدوا) من الذكور بقرينة ما يقابله، ولو قرئ «ولدوا» مجهولا
стр. 1017
أي ولدوا منهم لصار مخصوصا بالذكور (والنّهب ما جمعوا والنّار ما زرعوا) أي:
للنار ما زرعوا، فأشجارهم للإحراق تحت القدر، ومزروعاتهم للطبخ، وحمله على كونه للإحراق والتضييع لا يناسب لمن همه فتح الحصن، إنما هو شأن العاجز عنه، القانع بمجرد إضرار أهل الحصن، ولم يلتفت المصنف إلى جعل التقسيم لما دخل تحت قوله: (وأرضهم لك مصطاف) أي: منزل للصيف (ومرتبع) أي:
منزل الربيع، في قوله الدهر معتذر، والسيف منتظر، وأرضهم لك مصطاف ومرتبع من الأرض، وما فيها في كونها خالصة للممدوح، كما في المفتاح؛ لأن نسخ ديوان أبي الطيب غير مختلفة في أن هذا البيت بعد قوله: للسبي إلخ بعدة أبيات؛ لا قبله كما في المفتاح.
(والثاني) أي التقسيم قبل الجمع (كقوله) أي حسان:
(قوم إذا حاربوا ضرّوا عدوّهم ... أو حاولوا النّفع في أشياعهم نفعوا
(سجيّة) خبر (تلك منهم) صفة سجية، فصل بين الصفة والموصوف بمبتدأ الموصوف (غير محدثة إنّ الخلائق) جمع خليقة بمعنى الطبيعة والخلق أو الناس، وعلى الأول أشرها صاحب البدع (فاعلم) اعتراض بالفاء (شرّها البدع) (١) على وزن عنب جمع بدعة على وزن حكمة، مؤنث بدع كعلم بمعنى الأمر الذي وجد أولا، وقد جاء بمعنى الحدث في الدين بعد الاستكمال، أو ما استحدث بعد النبي ﷺ من الأهواء والأعمال، والمناسب هنا الأول، ولا حاجة إلى جعله مجازا عن المستحدثات متفرعا على المعنى الثاني كما في الشرح، ولا يخفى أن المصراع الأخير يفيد أن شر الخلائق مسلوبة عنهم، وهو لا يليق بمقام المدح؛ واللائق إثبات خير الخلائق لهم؛ إلا أن يقال: المقصود تعريض مخالفتهم بأن لهم شر الخلائق، فصل في البيت الأول ما تحت سجية منهم غير محدثة.
(ومنه: الجمع مع التفريق والتقسيم) قد عرفت وجه عدم تعريفه (كقوله تعالى: (يوم) منصوب بتقدير: اذكر، أو بقوله: لا تكلم (يأت) أي أمر الله، بجعل الضمير لله؛ فحذف المضاف، أو يأتي اليوم أي هوله؛ بجعل الضمير
стр. 1018
لليوم، وحذف المضاف كذا قيل، ولك أن تجعل: لا تَكَلَّمُ- بتأويل عدم التكلم- فاعل- يأتي كما جعلوا (تسمع بالمعيديّ) مبتدأ (نفس) بشيء إِلَّا بِإِذْنِهِ (١) أي: بإذن الله، وقول الشارح أي: لا تكلم نفس بما ينفع من جواب أو شفاعة- يوجب أن لا يكون نفي التكلم مطلقا بغير إذنه؛ بل كانوا يتكلمون بما لا ينفع، وظاهر الآية يخالفه، فلا يعدل عنه إلا لداع، والمستثنى منه محذوف: أي لا تكلم بشيء بسبب من الأسباب إلا بإذن الله، ولا يبعد أن يراد بإذنه ما أذن فيه، فيكون مستثنى من شيء، ولا يحتاج إلى تقدير غيره، ولا تدل الآية على ثبوت الإذن حتى تنافى قوله تعالى: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٢) لجواز أن لا يكون التكلم إلا بإذنه، وينبغي الإذن فينبغي التكلم فنفي الإذن في الآية الأخرى لا ينافيه؛ بل يكشف عن حاله، فلا حاجة إلى ما قيل إن في هذا اليوم مواقفا؛ فالإذن في موقف، ونفيه في آخر، أو المأذون فيه الكلام الحق، والممنوع عنه العذر الباطل، وإلى ما يمكن أن يقال الإذن في بعض اليوم، والمنع في بعض آخر.
فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ تفريق لا جمع تحت النفس التي عمت بوقوعها في سياق النفي، والمراد بالشقي: الشقي المطلق، وكذا بقوله: وَسَعِيدٌ (٣)، فيكون التفريق ظاهرا؛ لكن لا يكون حاصرا، ولا بأس به؛ لأنه ليس في النظم ما يدل على إرادة الحصر. وقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (٤) أي: احتباس النفس بحيث يدخل ويخرج بشدة، ويشقه أو صوت الحمير خالِدِينَ فِيها ... الآية تقسيم وإضافة ما لكل منهما إليه بالتعيين ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ (٥) قيل: هو في العرف للتأبيد، فلذا أكد به الخلود، وقيل: المراد سماوات الآخرة وأرضها، وهي أبدية، وردّ بأن تأكيد الخلود بما لا يعرف تأبيده لا يليق، ويمكن أن يجاب، بأنه جاز أن تكون معروفة فيما بين
стр. 1019
المؤمنين، قبل نزول هذه الآية، أو بأنه مما يعرف بالقياس إلى سماوات الدنيا وأرضها الباقية ببقائها، ونحن نقول جاز أن يكون المراد بالسماوات الجهات العلوية، وبالأرض مقابلها.
إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١) أي: غير مقطوع، بل ممتد إلى غير النهاية، وهذا الاستثناء مما أعمل فيه العرب أفكارهم، واختلفت في توجيهه المعتزلة وأهل السنة، وأكثر كل منهما على الآخر إنكارهم، ولبيانه مقام آخر سنبينه في مقامه إن وفقنا والأجل تأخر؛ لكن مما لا أثر له فيما بينهم ويخاف أن يفوت ما قد وهبنا الحي الذي لا يموت فنذكره لك، وهو أن الغرض من الاستثناء تعليق الخلودين بمشيئة الله، لا إخراج زمان من أزمنة كون الفريقين في الدارين، إلا أنه يخرج من أزمنة خلود بعض الأشقياء في النار بعض الأزمنة؛ للعلم بتعلق مشيئة الله به من الشرع، ولا يخرج من أزمنة الخلود في الجنة شيء للعلم بعدم ذلك التعلق به.
(وقد يطلق التقسيم على أمرين آخرين) فله ثلاثة معان: ولا يخفى أن الأنسب أن لا يفصل بين المعاني بشيء، إلا أن يقال أخره عن الجمع مع التفريق والتقسيم؛ ليعلم أن التقسيم المعتبر في هذا القسم هو الأول دون شيء من الآخرين.
(أحدهما: أن يذكر أحوال الشيء مضافا إلى كل ما يليق به) يرد عليه أنه يصدق على بعض ما هو لفّ ونشر مرتب كأن يقال: [ثقال خفاف إذا لاقوا أو دعوا] فلا بد من قيد الإضافة بقولنا على التعيين، ومع ذلك يصدق على ذكر متعدد من الأحوال ثم إضافة ما لكل إليه على التعيين، كأن يقال: لي كسب علم وكسب مال، فذلك للآخرة، والثاني للدنيا، مع أنه تقسيم بالمعنى الأول إلا أن لا يحترز عن صدقه على هذه الأمور، والأظهر أن المراد ذكر أحوال الشيء مضافا إلى كل، مع ذكره ما يليق، وهو المتبادر فافهم.
(كقوله) أي: أبي الطيب (ثقال) صفة مشايخ في البيت السابق أي ثقال
стр. 1020
لشدة وطأتهم على الأعداء، أو ثباتهم على اللقاء (إذا لاقوا) أي: حاربوا، (خفاف) مسرعين إلى الإجابة (إذا دعوا) إلى كفاية بهم (كثير إذا شدّوا) لأن واحدا منهم يقوم مقام جماعة (قليل إذا عدّوا) (١) ذكر أحوال المشايخ مضافا إلى كل منها ما يناسبها، والإضافة إلى كل ما يناسبه يتحقق فيما إذا كان المناسب للأحوال واحدا، وأضيف إلى الجميع فلا يجب في التقسيم كون المناسب على قدر الحال.
(والاستيفاء أقسام الشيء) أي: التقسيم الحاصر (كقوله تعالى: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً ككتاب جمع أنثى ووَ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً (٢) هو على وزن الغفران كالذكور جمع الذكر خلاف الأنثى، والتزويج بمعنى الإنكاح يتعدى إلى مفعولين بنفسه، وبمعنى التقريب إلى الثاني بالباء، قال تعالى: وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٣) أي: قربناهم، وهو المناسب في الآية فقوله تعالى: ذُكْراناً وَإِناثاً منصوبان بنزع الخافض ولو قال ويزوج من يشاء لتعين الواو فلما عدل إلى الضمير الراجع إلى (من) في الجمل السابقة تبدل الواو ياء، وللتنافي بين التزويج والإفراد بالنسبة إلى فرقة واحدة والتوافق بالنسبة إلى فرقتي، وعلق التزويج بالفرقتين السابقتين حتى احتاج إلى العطف بأو، ولم يعلق بفرقة ثالثة؛ ليعطف بالواو كما في الجمل الباقية تنبيها على أن المشيئتين السابقتين ليس شيء منهما واجبا عليه تعالى، ولا هذه المشيئة، فتدبر. كذا أفاده المحقق شريف زمانه.
وفيه بحث؛ لأن التنافي مطلقا لا ينافي الواو، ولا يجامع أو، ألا ترى أنه لو قيل يهب زيدا إناثا إن شاء، ويهبه الذكور إن شاء يتعين الواو مع أن المقيس عليه واحد، فينبغي أن يجعل مناط اختيار الواو والتنافي مع التصريح بالشرط، وفي تحقيق استيفاء الأقسام في الآية نظر، وإن بينه الشارح المحقق بأن الإنسان إما أن يكون له ولد أو لا يكون، وإذا كان فإما أن يكون ذكرا أو أنثى؛ لأنه فرق بين ما ذكره الشارح وبين ما في الآية؛ لأن في الآية إما أن يكون له إناث أو
стр. 1021
ذكور، أو كلاهما، وإما أن يكون عقيما، يبقى ما يكون له أنثى واحدة وذكر واحد ويكون له كلاهما، وإرادة الجنس بالجمع المنكر بعيد، وأيضا إذا جعل ضمير (يزوجهم) للفرقتين السابقتين بقي قسم آخر وهو تزويج الذكور والإناث لغيرهما، ويمكن دفعه بأن من يشاء سابقا مأخوذا على وجه لا يخرج عنه شيء.
هذا ثم في الآية تقسيمان: أحدهما استيفاء أقسام الإنسان وثانيهما استيفاء أقسام الولود. قال صاحب الكشاف: إنما قدم ذكر الإناث لأن سياق الآية يدل على أنه تعالى يفعل ما يشاء لا ما يشاءه الإنسان، فكان ذكر الإناث الآتي من جملة ما لا يشاءه الإنسان أهم، لكنه يجبر تأخير الذكور، عرفهم لأن في التعريف تنويها بالذكر، وكأنه قال: ويهب لمن يشاء الفرسان الذين لا يخفى عليكم، ثم أعطى كلا الجنسين حقهما من التقديم والتأخير تنبيها على أن تقديم الإناث لم يكن لتقدمهن؛ بل لمقتضى آخر.
هذا ويمكن أن يقال: سوق الآية يدل على أن الأولاد ذكورا كانوا أو إناثا، مواهبه تعالى، يجب الشكر عليها، ولما كانوا يبغضون الإناث قدمهن في جعلها موهبة، لأنها أهم في المقام وأحرى بالاهتمام، ونكرها لأن اللائق بشأنهن الستر والمجهولية، بخلاف الذكور؛ فإن اللائق بهم التعين والظهور، ثم ذكرهما على ما يقتضيه أنفسهما من التنكير والتقديم والتأخير.
[ومنه التجريد]
(ومنه: التجريد، وهو أن ينتزع من أمر ذي صفة آخر مثله فيها): لا يشمل بظاهره نحو: لقيت من زيد وعمرو أسدين، ولا نحو: لقيت من زيد أسدين أو أسودا، فالأولى أن يقال: من أمر ذي صفة، أو أكثر أمر آخر، أو أكثر مثله.
[ومنه المبالغة المقبولة]
(مبالغة لكمالها فيه) (١) أي لأجل المبالغة بكمال تلك الصفة، ولو قلت:
لقيت من فلان في ذلك الأمر حتى كأنه بلغ من الاتصاف بتلك الصفة، إلى
стр. 1022
حيث ينتزع منه موصوف آخر بتلك الصفة، ولو قلت: لقيت من فلان أسدا؛ للتهكم كما تقول للجبان ما أشبهه بالأسد- لا يصح فيه إنه انتزع منه مبالغة لكمالها فيه؛ بل مبالغة لنقصانها فيه، فيلزم خروجه عن تعريف التجريد إلا أن يتكلف بإنه لأجل المبالغة في الكمال تهكما، ولزم من تلك المبالغة المبالغة في النقصان، وبعد يتجه أنه كما إن التجريد يفيد المبالغة الاستعارة أيضا تفيد المبالغة، فالذي أوجب جعل الثاني من دواخل البلاغة والأول من توابعها، وأنه لا معنى لجعل التجريد مقابلا للمبالغة المقبولة- وعد كل منهما محسنا برأسه، بل هو أيضا من صور المبالغة، ومبني هذا التعريف على أن التجريد بدعوى إمكان الانتزاع من أمر ذي صفة آخر مثله. وأما لو كان بدعوى تجسم الشجاعة في زيد مثلا وصيرورته أسدا، وكذلك تجسم صفات كمال أخرى فيه وجعلها أجساما أخر حتى صار زيد كجماعة فتقول: لقيت من زيد أسدا أي أسد بعض زيد هو جماعة من الأسد، والبحر، والحاتم، مثلا بدعوى أنه تجسم فيه الشجاعة بالأسد والعلم والبحر والكرم لحاتم، فإذا لقيته لقيت جماعة كلا منهم الأسد، وتقول لقيت فيه أسدا، ولقيت فيه بمعنى فيه أسد على ما أظن لم ينطبق عليه التعريف، ولا يخفى أن اعتبارنا أقرب وأدق فاحفظه قاطعا ربقة التقليد فإنه أحب، وبالمصلحة أوفق.
(وهو) أي: التجريد (أقسام: منها نحو قولهم: لي من فلان صديق حميم) يريد بهذا القسم ما يكون بكلمة (من) وبعض النحاة جعل التجريد من نواحيها، وبعضهم جعله راجعا إلى الابتداء، وقد جعلناها تبعيضية فتذكر، وأيّا يعجبك اختر، والصديق الجيب يستوي فيه الواحد والواحدة والتثنية والجمع، وقد يفرق بين المذكر والمؤنث بالتاء، والحميم القريب، وقد يكون للجمع والمؤنث.
(أي بلغ من الصداقة) أي المحبة (حدا أي طرفا أصبح معه) أي مع ذلك الحد (أن يستخلص منه) أي: من فلان (آخر) أي صديق حميم (مثله فيها) أي: في الصداقة الكائنة مع القرابة.
(ومنها نحو قولهم: لئن سألت فلانا) يحتمل أن يكون سؤال رفع الحاجة فيكون التشبيه بالبحر في السماحة، وأن يكون سؤال رفع الجهل فيكون التشبيه
стр. 1023
بالبحر في كثرة العلم (لتسألن به البحر) وأراد بنحو قولهم ما يكون بالباء الداخلة على المنتزع منه إذ ما يكون مع الباء الداخلة على المنتزع قسم آخر في مقابلة هذا القسم، وإنما لم يجعل التجريد مع «من» قسمين كالباء؛ لأنه لم يجد فيه القسم الثاني. وجعل بعضهم «الباء» للتجريد، وبعضهم للسببية، وقد جعلناها بمعنى «في» فتذكر. وقال الرضى: إن نحو: لقيت من زيد أسدا، ونحو: لتسألن به البحر، على حذف مضاف. أي: لقيت من لقاء زيد ومن جهته أسدا ولتسألن بسؤاله البحر، والغرض: التشبيه بالأسد والبحر.
وقال الشارح المحقق: هذا التقدير ضعيف في مثل قولنا: لي من فلان صديق حميم؛ لفوات المبالغة في تقدير حصل لي من حصوله صديق هذا، يعني:
تشبيهه بالصديق يفوت المبالغة في الصداقات، وهو صديق.
قلت: يفوت المبالغة لو كان هذا الكلام في حق الصديق الحميم، أما لو كان في حق الصديق الذي ليس بحميم، أو في حميم ليس بصديق، أو في من ليس شيئا منهما، فالمبالغة متحققة، فيجوز أن لا يقع مثله إلا في من ليس متصفا بمدخول حرف التجريد، ويكون شبيها به.
(ومنها نحو قوله: ) في كون المنتزع مما دخله «باء» المعية (وشوهاء) أي:
ربّ شوهاء، وهي من الخيل: الطويلة الرائعة، أو المفرطة رحب الشدقين والمنخرين، وكل منهما صفة محمودة في الخيل. (تعدو بي) أي: تسرع. (إلى صارخ الوغى) أي: مستغيث في الوغى: وهو الحرب (بمستلئم) أي: لابس لامة وهي: الدرع، و «الباء» للملابسة أو المصاحبة. (مثل الفنيق) هو:
الفحل المكرم عند أهله (المرحّل) من رحل البعير: أشخصه عن مكانه وأرسله.
أي: تعدو بي ومعي من نفسي لابس درع لكمال استعدادي للحرب.
بالغ في استعداده للحرب حتى انتزع منه مستعدا آخر لابس درع، هذا هو المشهور.
ويمكن أن يكون: (بمستلئم) متعلقا بقوله: صارخ الوغى. أي: مستغيث في الحرب مستعد له، بحيث ينتزع منه مستعد آخر، وذلك أبلغ في وصفه بالشجاعة؛ لأنه جعله في غاية الكمال إلى أن بلغ بحيث يسرع إلى مستغيث
стр. 1024
يستغيث مع كمال استعداده، ولا يخاف ممن اضطر في يده مثل ذلك المستغيث، وعلى التقديرين يحتمل أن يريد بالفنيق: المرحل، المنتزع منه، فيكون مشبها للصورة المنتزعة بالمنتزع منه، في كونه فحلا مكرما، مشخصا من مكانه، مرسلا إلى جانب العدو.
(ومنها) ما يكون بدخول «في» على المنتزع منه (نحو قوله تعالى: لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ (١) أي: في جهنم وهي دار الخلد).
قال الشارح: لكنه انتزع منها دارا أخرى، وجعلها معدة في جهنم لأجل الكفار؛ تهويلا لأمرها ومبالغة في اتصافها بالشدة، هذا وفيه نظر، لأن انتزاع دار الخلد يفيد المبالغة في الخلود، لا في الشدة، ثم إنه يمكن أن لا تكون «في» للانتزاع، بل تكون لإفادة أن دار الكفار ومنزلهم بعض من جهنم، وكيف لا، وكثير منها مشغول بالفساق من المسلمين، بل هي أوسع أن يشغلها جميع من دخلها قال تعالى: هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٢).
(ومنها نحو قوله: ) أي: قول قتادة بن مسلمة الحنفي. قال الشارح: أي ما يكون بدون توسط حرف هذا، ولا يخفى أنه لا تقابل بينه وبين ما سيأتي، فالمراد: ما يكون بدون توسط حرف ومدخلية كناية، ومن غير مخاطبة الإنسان لنفسه. (فلئن بقيت لأرحلنّ) رحل كمنع. بمعنى: انتقل (بغزوة تحوي الغنائم) أي: تجمعها صفة غزوة، والفاعل ضميرها أو الضمير محذوف، أي:
تحوى فيها الغنائم، وهو التفات من المتكلم إلى الخطاب، ففي البيت ثلاثة التفاتات كل منها من قسم، وروي «نحو الغنائم» وجعله في شرح الحماسة أصلا.
وقوله: «تحوي الغنائم» رواية بعض، وهو يوجب كون: (أو يموت كريم) لغوا مستغنى عنه بقوله: «فلئن بقيت» فإنه منصوب بمعنى: إلا أن يموت كريم، وحينئذ يجب أن يجعل الاستثناء من جميع الغنائم، لا من الرحلة وإلا لغا، فتأمل.
стр. 1025
ولو لم تتحقق الرواية من الشاعر بالنصب لأمكن أن يرفع عطفا على (تحوي) أي: غزوة تجمع الغنائم أو أستشهد فيها، عبر عن قتله بالموت إشارة إلى أنه أرفع من أن يقتله الخصم، بل يموت لتحقق الأجل، وبالجملة عبر عن نفسه بالكريم إشارة إلى أنه بلغ في الكرم إلى حدّ صح أن ينتزع منه كريم آخر مثله، ولهذا لم يقل: أو أموت.
قال الشارح المحقق: وهذا بخلاف قوله: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ (١) إذ لا معنى للانتزاع فيه، هذا كلامه.
والفرق خفي، ويجوز أن يكون: «أو يموت كريم» من وضع الظاهر موضع المظهر للتعظيم. فتأمل.
(وقيل: تقديره: أو يموت مني كريم) فيكون من القسم الأول (وفيه نظر) وهو: إما ما قال الشارح: من أنه لا حاجة إلى هذا التقدير لحصول التجريد بدونه، وإما أنه يجوز أن يكون التقدير: أو يموت بي كريم، فلا وجه للجزم بأنه من القسم الأول.
وقال الشارح: وبهذا يسقط ما قيل: إنه أراد أن في كون البيت من التجريد نظرا؛ لأنه من باب الالتفات، وردّ بأن التجريد لا ينافي الالتفات، بل هو واقع بأن يجرد المتكلم نفسه من ذاته ويجعلها مخاطبا لنكتة كالتوبيخ في (تطاول ليلك بالإثمد) (٢)
والنصح في قوله.
أقول لها إذا جأشت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي
هذا كلامه، ويؤيده: بأنه لو كان النظر ما قيل لم يكن لتخصيصه بالبيت وجه، بل يتجه على كون مخاطبة الإنسان نفسه تجريد، إلا أنه التفات إلا أن يقال: التفات عند السكاكي دون الجمهور.
стр. 1026
ويردّ عليه: أن الالتفات من باب المعاني، فكيف يكون تجريدا معدولا في البديع، ويمكن أن يدفع بأن أصل الالتفات من باب المعاني، ووجوده بطريق التجريد من البديع، حتى لو لم يعتبر في الالتفات تجريد لم يخرج عن البلاغة لكان باب محسن.
وذكر المحقق شريف زمانه: أن مبنى التجريد على دعوى المغايرة والالتفات لإرادة معنى واحد في هيآت مختلفة، فمبناه على دعوى الاتحاد، فلا يجتمعان، نعم الرد مردود بمنع التجريد بكونه التفاتا، وما ذكره ضعيف؛ لأن إرادة المعنى الواحد في الواقع في صور لا تنافي دعوى التعدد.
(ومنها ما يكون) أي منتزع يكون مذكورا (بطريق الكناية): وفيه أنه لا تقابل بين ما يكون بحرف وما يكون بطريق الكناية، فإنه ما يكون بحرف أيضا قد يكون بطريق الكناية، نحو: لقيت من زيد طويل النجاد، وأيضا المنتزع قد يذكر بطريق الحقيقة نحو: لقيت من زيد عالما، وقد يذكر بطريق المجاز نحو: لقيت من زيد أسدا، وقد يذكر بطريق الكناية فجعل ما هو بطريق الكناية من الأقسام دون غيره لا بدّ له من داع، (نحو قوله: يا خير من يركب المطيّ) هو جمع مطية بمعنى: الدابة التي تمطو، أي: تسرع في سيرها (ولا يشرب كأسا بكفّ من بخلا) صفة كأس أو متعلق بيشرب، ذكر شربه بكف الجواد بطريق الكناية؛ لأنه إذا لم يشرب بكف بخيل وهو يشرب فيشرب بكف الجواد، وفيه بحث من وجهين:
أحدهما: أن نفي الشرب بكف البخيل لا يستلزم الشرب بكف الجواد، لثبوت الوساطة بين البخيل والجواد، ودفع بأن الاستلزام بمعونة المقام.
وثانيهما: أن إسناد الشرب بكف الجواد إلى نفس ذلك الجواد لا يقتضي انتزاع جواد منه كما أن قولنا: يا من يشرب بكفه، لا يقتضي انتزاع شخص آخر منه، فالقول بالتجريد قول بلا ثبت، ولذا قيل: إن الخطاب إن كان لنفسه فهو تجريد، وإلا فليس من التجريد في شيء، وإنما هو كناية عن كون الممدوح غير بخيل، فلا يرد ما أورده عليه الشارح المحقق: أن كونه كناية لا ينافي التجريد، وأنه إن كان خطابا لنفسه لم يكن إلا القسم المذكور بعده؛ لأنه مخاطبة الإنسان
стр. 1027
نفسه بأن ينتزع من نفسه شخصا آخر مثله في الصفة التي سبق بها الكلام، على أنه لا يضر المعترض كونه عين ما جعل قسيما له؛ لأنه داخل في اعتراضه، وإن لم يصرح به، نعم يمكن إثبات التجريد بأنه يتبادر من قولنا: يا من يشرب بكف جواد جواد غيره، فبمقتضى مقام المدح إذا حمل على نفسه فالأولى أن يحمل على الانتزاع؛ لئلا يخرج بالكلية عن المغايرة المفهومة منه، مع أنه أبلغ من وصفه بالجود، وأنسب بما هو المقصود من الكناية، أعني: إيراد المعنى مستورا في لباس مزين.
(ومنها مخاطبة الإنسان نفسه) أي: تجريد في وقت مخاطبة الإنسان نفسه، ففي العبارة مسامحة، ولا خفاء في أنه ليس إلا تجريدا في صورة الالتفات على مذهب السكاكي، فمنها: إخبار الإنسان عن نفسه بطريق الغيبة، (كقوله: ) أي: أبي الطيب (لا خيل عندك تهديها) للممدوح (ولا مال فليسعد النّطق) بمدحه (إن لم تسعد الحال) أي: حالك، وهي: الفقير، إذ الفقر لا يسعد للإهداء، وإنما يسعد الغنى وهو عادته، فتفسير الحال بالغنى ليس كما ينبغي، والظاهر تفسيره بالفقر، ولك أن تحمل إسعاد النطق على العذر بالفقر في عدم الإهداء.
(ومنه المبالغة المقبولة) بخلاف المردودة، فإنها لا تكون من المحسنات، وفي عددها من المحسنات رد على من ردها مطلقا، وفي التقييد بالمقبولة رد من قبلها مطلقا، والشارح جعل التقييد بالقبول ردا عليهما، وأما ما يقال في رده مطلقا:
إن خير الكلام ما جاء على منهج الصدق، كما يشهد له قول حسان.
وإنما الشعر لبّ المرء يعرضه
أي: شعر المرء على المجالس إن كيّسا وإن حمقا.
فإنّ أشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقا
أي: صدق صدقا، ففيه: أنه فليكن المقصود: أن أشعر بيت ما يروج بحسن نظمه معناه، بحيث يعترف السامع بصدقه وإن كان كاذبا.
وأما ما يقال في قبولها مطلقا: إن أحسن الشعر أكذبه، قضية مشهورة اشتهرت بين العقلاء وتلقاها بالقبول معاشر الفضلاء، وأن خير الكلام ما بولغ
стр. 1028
فيه، ولهذا استدرك النابغة علي حسان في قوله.
لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
حيث استعمل في وصفه بالكرم «الجفنات» وقيدها بوقت الضحى، وهو وقت تناول الطعام، والمبالغة تقتضي جمع الكثرة ووجودها في كل وقت، وحيث قال في وصف شجاعته: «الأسياف»، والمبالغة السيوف، ووصفها ب «القطر»، والمبالغة الوصف بالسيلان، ففيه: أن أحسن الشعر أكذبه بالاشتمال على كذبات مقبولة لا تمجّها ذائقة الأسماع، ولا يتأذّى منها بالاستماع، وخير الكلام ما بولغ فيه بالمبالغة المقبولة، وأما استدراك النابغة على حسان فليس بحسان، لأنه بعد أن الحسان ممن يلتزم الصدق في الشعر، كما استدل عليه بشعره السابق أن استعارة القلة للكثرة غير غزيرة وفي وصف «الجفنات» ب «الغر» الذي هو جمع كثرة نوع إيضاح لها، وفي تقييد لمعان الجفنات في هذا الوقت مع كثرة الآكلين فضلا عن الأوقات الأخر، وصف السيف ب «القطر» هو الشائع دون وصفه بالسيلان، على أن كمال الشجاعة أن يقطع السيف سريعا، بحيث يتخلص من العضو قبل أن يصل إليه الدم، ويختلط به كثيرا، وبالجملة فالمصنف اختار مذهب القصد كما قال بعضهم: أحسن الشعر أقصده؛ لأن على الشاعر أن يبالغ فيما يصير به القول شعرا فقط، فما استوفى أقسام البراعة والتجويد أو جلّها، من غير غلو في القول، ولا إحالة في المعنى، ولم يخرج الموصوف إلى أن لا يوصف بشيء من أوصافه، لظهور الشرف في أبياته، وشمول التزيين لأقواله كان بالإيثار والانتخاب أولى.
وخالف في هذا الإيثار أكثر العلماء القائلين للشعر العالمين به، فإنهم اختاروا الغلو؛ لأن القائل البليغ إذا أدخل في بيانه المبالغة وأسقط عن نفسه مطابقة الوصف والموصوف، ورعاية المماثلة؛ اشتد فيما يأتيه إلى أعلى الرتبة، وظهر قوته في الصياغة، وتمهّره في الصناعة، فتصرف في الوصف كيف يشاء؛ لأن العمل عنده على المبالغة والتمثيل، لا المصادقة والتحقيق، كذا ذكره الإمام المرزوقي في شرح الحماسة، وجعل دليل من قال: أحسن الشعر أصدقه، أن تجويد قائله فيه مع كونه في آثار الصدق يدل على الاقتدار والحذق، وأشار إلى تفسير المبالغة
стр. 1029
مطلقا وإلى تقسيمها لتتعين المقبولة والمردودة، ولذا لم يقل: وهي، بل قال:
(المبالغة أن يدعي لوصف بلوغه في الشدة والضعف حدا).
أما مفعول بلوغه كما قال الشارح: وحينئذ بلوغه فاعل يدعى، وأما مفعول يدعى وفاعله لوصف، وبلوغه بدل منه (مستحيلا أو مستبعدا)، قال الشارح: وإنما يدعي ذلك (لئلا يظن أنه) أي: ذلك الوصف (غير متناه) أي: في الشدة أو الضعف، وتذكير الضمير باعتبار عوده إلى أحد الأمرين المستفاد من كلمة «أو» وليس المستفاد أحد الأمرين مع تأنيث الشدة لتغليب الضعف لتذكيره، أو لتأويلهما بالأمرين، فسوق كلام الشارح دلّ على أن التعريف تمّ قبل التعليل، والتعليل بيان لفائدة المبالغة، وبهذا اندفع أن المبالغة المطلقة لا يشترط فيها أن يكون لهذا الغرض، وإنما كونها لهذا الغرض من شرائط قبولها، ونحن نقول: قوله «لئلا يظن» احتراز عن دعوى بلوغ الوصف حدّا مستحيلا، أو مستبعدا، لإفادة الواقع، لا لدفع الظن، فالدعوى المذكورة إنما تكون مبالغة إذا لم يقصد بها حقيقة الدعوى، بل دفع الظن، فإن كان المقام مقام المظنة فالمبالغة مقبولة، وإلا فمردودة، وجعل التبليغ والإغراق مقبولين مطلقا، بمعنى: قبولهما مطلقا في مقام المظنة، هكذا حقق المرام من كلام ذوي الأحلام.
(وتنحصر) أي: المبالغة لا بمجرد الاستقراء، بل بدليل قطعي، كذا في المختصر (في التبليغ والإغراق والغلو؛ لأن المدعى إن كان ممكنا عقلا وعادة) لو اكتفى بقوله: (عادة) لكفى، إذ الإمكان عادة يستلزم الإمكان عقلا (فتبليغ) والإمكان العادي: أن يكون الإمكان بحكم الوقوع في أكثر الأوقات أو دائما، فدخل في الإمكان عقلا ما يحكم بإمكانه العقل، أو وقوعه نادرا، لكنه خلاف العبارة، ولو لم تحمل العبارة عليه لبطل الحصر، والدليل: (كقوله) أي: امريء القيس يصف فرسا بأنه لا يعرق بكثرة العدو (فعادى عداء) العداء بالكسر: المولاة بين الصيدين، يصرع أحدهما على إثر الآخر في طلق واحد (بين معمول عادي لا عدا) كما عرف في محلّه (ثور) أي: ذكر من البقر الوحشي (ونعجة) أي: الأنثى منها (دراكا) أي: متتابعا (فلم ينضح بماء) أي
стр. 1030
لم يترشح بماء، فلم يغسل بالماء (فيغسل) مجزوم على أنه عطف على مدخول «لم».
وفائدة قوله: «فيغسل»: ضبط المبالغة عن الخروج عن حد الإمكان عادة؛ لأن عدم النضح مطلقا خارج عن حد العادة، لكن عدم النضح المستعقب لعدم الغسل داخل في حدّ العادة.
بالغ في عدم عرق هذا الفرس، بأنه بلغ حدّا مستبعدا، حيث عدا عدوا كثيرا، حتى صرع ثورا فنعجة بلا توقف بينهما، ولم يعرق عرقا بالغا حدّ الغسل، وذلك ممكن عادة، لكنه مستبعد.
(وإن كان ممكنا عقلا لا عادة فإغراق كقوله: ونكرم جارنا ما دام فينا) أي: ما دام في بيوتنا أو في جوارنا. ويؤيد الثاني قوله: (ونتبعه الكرامة حيث مالا) ادعى بلوغه في إكرام الجار حدّا يتبع الكرامة والعطاء على أثره، حيث مال، وهذا ممكن عقلا، لا عادة (وهما مقبولان) مطلقا من غير شرط، وقد عرفت معناه فتذكر.
(وإلا) أي: وإن لم يكن لا عادة ولا عقلا (فغلو كقوله: ) أي: أبي نواس، كخداع، الحسن بن هانيء الشاعر:
(وأخفت أهل الشّرك حتّى إنّ ... هـ لتخافك النّطف التي لم تخلق)
بالغ في إخافة الممدوح أهل الشرك، بأنه بلغ في الشدة إلى أن خافه النطف التي لم تخلق، عبر عن الماضي بالحال حكاية، وهذا ممتنع عقلا وعادة، وكأنه مثّل به ولم يكتف بأمثلة الأقسام؛ لأن المبالغة ردت حيث لم يدخل عليها ما يقربها إلى الصحة، ولم يتضمن تخييلا حسنا، ويمكن أن يقال: يريد الشاعر:
«أنه يخافك»: أن النطف التي لم تخلق، فلا تخرج من خوفك إلى ساحة الوجود، فيتضمن تخييلا حسنا، وأن يقال: ليس من الغلو؛ لأن المراد بقوله:
«تخافك» المستقبل، يعني: تخافك النطف التي لم تخلق في وقت إخافتك في الاستقبال بعد وجودها، وبلوغها سنّ التمييز، وسماعها ما فعلت مع آبائهم.
(والمقبول منها أصناف، منها: ما أدخل عليه ما يقربه إلى الصحة نحو «يكاد» في: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ (١) ومنها: ما يضمن نوعا
стр. 1031
حسنا من التخييل كقوله: ) أي: قول أبي الطيب (عقدت سنابكها) أي:
الجياد المذكورة في سابق البيت (عليها) أي: فوقها (عثيرا) على وزن درهم:
الغبار (لو تبتغي) تلك الجياد (عنقا) هو: السير السريع للإبل والدابة (عليه) أي: على ذلك المعقود (لأمكنا) أي: أمكن العنق إمكانا بعد إمكان، إن اعتبر «أمكنا» تثنية للتكثير، كما هو المناسب بالمقام، وغيرنا جعل الألف للإشباع والإطلاق، ادّعى بلوغ العثير في الكثرة إلى أنه صار أرضا يمكن سير الفرس عليه سريعا، وهذا ممتنع عقلا، لكنه تخيل حسن.
(وقد اجتمعا) أي: الإدخال والتخييل المذكوران فزاده قبولا (في قوله: ) أي: القاضي الأرجاني، أي: المنسوب إلى أرجان، من بلاد فارس (يخيّل لي أنّ سمر على الشّهب) أي: شدت في القاموس سمره شده (في الدّجا) شبه الشهب بمسامير لها رءوس مدورة لامعة قد دقت حتى دخلت في الدجا واستحكمت فلا يرى إلا رءوسها، وهذا أحسن من تفسير الشارح أنه شد الشهب بالمسامير لا يزول عن مكانها (وشدّت بأهدابي إليهنّ أجفاني) جعل عدم انطباق أجفانه في الليل إلى حد شدت بأهدابها إلى الشهب المستحكمة في الدجا وهذا أمر ممتنع عقلا، دخل عليه تخيل فقربه إلى الصحة، ومع ذلك تخييل حسن (ومنها ما أخرج مخرج الهزل والخلاعة كقوله:
أسكر بالأمس إن عزمت على الشّر ... ب غدا إنّ ذا من العجب) (١)
أكد كونه من العجب مع أنه لا شبهة في كونه عجبا؛ لأنه حكم على الأمر المتحقق المشار إليه بقوله ذا، والحكم عليه بكونه من العجب مما ينكر لإنكار وجود ذلك الأمر فافهم.
[ومنه المذهب الكلامي]
(ومنه المذهب الكلامي وهو إيراد حجة) سواء كان قياسا ميزانيا أو قياسا فقهيا أو غيره (للمط على طريقة أهل الكلام) وهو كون سيرتهم عدم القناعة بالدعوى والاهتمام بإقامة الدليل، بخلاف أرباب المحاورات فإن شأنهم الإخبار الصرف والتأكيد في مقام التردد، والإنكار، وليس المراد بطريقتهم أن تكون
стр. 1032
الحجة بعد تسليم المقدمات مستلزمة للمط كما ذكره الشارح؛ لأنه لا يشمل التمثيل وما أورده المصنف من قول النابغة ظاهر في التمثيل، ووجه تحسينه للكلام أنه أخرج الكلام في المحاورات مخرجا لا يتوقع وأبرزه في صورة المقاصد العلمية، وبهذا اندفع أن إيراد الحجة لا يزيد على بيان أصل المراد فإن الدعوى والحجة كسائر المقاصد فلا يعقل موجب تحسين لمجرد إيرادهما (نحو لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا) (١) واللازم وهو فساد السموات والأرض باطل، لعدم خروجهما عن النظام الذي هما عليه، فكذا الملزوم وهو تعدد الآلهة. قال الشارح: وفي التمثيل بالآية رد على الجاحظ حيث أنكر مجيء المذهب الكلامي في القرآن، وكأنه أراد بذلك ما يكون برهانا وهو القياس المؤلف من مقدمات يقينية وتعدد الآلهة ليس بقطعي الاستلزام للفساد، وإنما هو من المشهورات الصادقة، فالدليل ظني إقناعي. هذا كلامه، وفيه بحث من وجوه: أحدها:
أن تأويل كلامه بما أوله به لا ينفعه، لأنه وقع في القرآن وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ (٢) فإنه في معنى أن الإعادة أهون من البدء وأسهل وكل ما هو أهون أدخل في الإمكان، ووقع أيضا حكاية: فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٣) وهو في قوة القمر آفل، وربي ليس بآفل، فالقمر ليس بربي.
وثانيها: أن الآية برهان يتضمنه بيان له مكان آخر، إن وفقنا الله وإياك الوصول إليه فيجعل لك الحق ثابتا في المقر.
وثالثها: أنه لو كانت الآية إقناعية؛ لكانت دليلا تاما على أن معرفة الله تعالى بغير يقين كافية، ولا يجب تحصيل اليقين في العقائد الإلهية، والمذهب خلافه، فالوجه في تأويله أن يقال: أنكر إقامة الدليل في القرآن على أحكامه لأن الإيمان قبول أحكامه من غير طلب دليل منه تعالى، فمعنى الآية عنده امتناع الفساد لامتناع الآلهة، ومعنى وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ الإخبار بأن الإعادة أهون عليه تعالى لا غير، وكذا لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٤) نقل لكلام إبراهيم
стр. 1033
عليه السّلام.
(وقوله) أي: قول النابغة من قصيدة يعتذر فيها إلى النعمان بن المنذر بن ماء السماء، عما بلغه أنه مدح إلى جفنة بالشام فتنكر عليه النعمان وكرهه:
[(حلفت فلم أترك لنفسك ريبة)] الريبة التهمة أي: حلفت أني على محبة وإخلاص بك كنت عليه، ولم أترك لنفسك أن تتهمني بأني غيرت إخلاصي بك، وأبدلتك بغيرك (وليس وراء الله للمرء مطلب) أي: هو أعظم المطالب فلا خيانة معه بالحلف الكاذب لمطلوب غيره، فبعد الحلف لا ينبغي أن تتهمني بما كنت تتهمني:
(لئن كنت قد بلّغت عنّي خيانة ... لمبلّغك الواشي أغشّ وأكذب)
فقد خان في خبره أني رجحت آل جفنة عليك [(ولكنّني كنت أمرأ إلى جانب)] أي: جانب مخصوص بي لا يشاركني غيري من الشعراء [(من الأرض فيه مستراد)] أي: محل طلب رزق [ومذهب] [ملوك] بدل من مستراد، وجعله الشارح على تقدير ذلك الجانب ملوك (وإخوان) يعاملونني مع سلطنتهم معاملة الإخوان، ولا يتكبرون معي، أو يعطفون علىّ عطف الإخوان [(إذا ما مدحتهم أحكّم في أموالهم)] أي: يجعلونني حكما في أموالهم [(وأقرّب)] أي:
جعل مقربا بينهم رفيع المنزلة عندهم
[(كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم)] أي أحسنت إليهم [(فلم ترهم في مدحهم لك أذنبوا)] (١) الأولى جعل فلم ترهم مجهولا من الإراءة فيكون نفيا لظنه إياهم مذنبين، فإن نفي الظن فيما هو فيه أدخل من نفي العلم، والمشهور أن المقصود بالتمثيل قوله: كفعلك يعني لا تلمني ولا تعاتبني على مدح آل جفنة وقد أحسنوا إليّ، كما لا تلوم قوما مدحوك وقد أحسنت إليهم، وكما أن مدح أولئك لا يعد ذنبا كذلك مدحي لهم، ويمكن أن يكون قوله وليس وراء الله للمرء مطلب أيضا مثالا؛ لأنه في قوة أن الحلف بأعلى المطالب لا يترك الريبة أو في قوة الحلف
стр. 1034
بالله حلف بأعلى المطالب، والحلف بأعلى المطالب أعلى الأحلاف.
(منه) أي: من المعنوي (حسن التعليل) هو بيان علة الشيء (وهو أن يدعى لوصف) دعوى مجزوما به بقرينة أنه جعل كأن السحاب الغر البيت ملحقا بحسن التعليل لدخول كأن المفيدة للظن (علة مناسبة له باعتبار) إما متعلق بقوله يدعى أو بالمناسبة وهو إما منون موصوف باللطيف أو مضاف أي باعتبار (أمر لطيف غير حقيقي) أي غير حقيقي عليتها بهذا الاعتبار، وهو الاحتراز عن إيراد علة حقيقية ولو زعما، كما في التعليل بعلة غير واقعة اشتهرت عليتها؛ لأن إجراء العلة بهذا الاعتبار ليس من حسن التعليل، سواء كان مذهبا كلاميا، أو لم يكن، وليس الاحتراز؛ لأن التعليل بالعلة الحقيقية ليس من المحسنات كما قاله الشارح؛ لأنه قد يكون المذهب الكلامي، فكيف يخرج عن المحسنات والتقييد باللطيف؟ بمعنى أنه يكون فيه دقة يخص بها بعض الأذكياء لإخراج التعليل بعلة مناسبة باعتبار مبتذل فإنه لا يكون من حسن التعليل بعلة، وقال المحقق الشريف: إنه لإخراج التعليل بالعلة العادية التي كذبت الحكم بعليتها؛ لأنها علة غير حقيقية، لكن ليس التعليل بها باعتبار لطيف لظهورها بالعادة، وقد عرفت أنها علة حقيقية زعما، ولو كان الظهور بالاشتهار منافيا لحسن التعليل لم يكن المستعمل لحسن تعليل، وقع في كلام غيره آتيا به؛ لأنه لم يبق لطيفا بعد إظهار الغير إياه (وهو أربعة أضرب) بدليل قطعي هو قوله (لأن الصفة) المعهودة المذكورة سابقا بعبارة الوصف (إما ثابتة) أي معلومة الثبوت (قصد بيان علتها أو غير ثابتة أريد إثباتها) ببيان علتها فيكون من قبيل الإثبات ببيان اللمي، وأما احتمال الإثبات بالدليل الآتي فخارج عن التعليل فضلا عن حسن التعليل إذ المتبادر منه بيان علة ثبوت الشيء في الواقع لا بيان علته في الذهن (والأولى إما أن لا يظهر لها في العادة) أي نظرا إلى جميع أوقات وقوعها أو أكثرها على ما هو معنى العادة (علة) وإن كان لا يخلو في الواقع عن علة فدخل في هذا القسم ما يظهر لها في النادر علة هي المذكورة، وهو ليس من حسن التعليل، بل تعليل بما هو علة في الواقع، أو غير المذكورة فيناسب أن يدخل في سلك القسم الثاني، كما لا يخفى.
стр. 1035
(كقوله) أي: أبي الطيب:
(لم يحك) من حكيت فلانا شابهته وفعلت فعله أو قوله سواء (نائلك) أي عطاءك (السّحاب) أي نائلها (وإنّما حمّت به) أي صارت محمومة به أي بعدم مشابهة نائلها نائلك، وهو الظاهر، أو بسبب نائلك الفائق على نائلها، أو بسبب نائلها النازل عن نائلك (فصبيبها) الذي كان إلى الآن نائلا الآن (الرّحضاء) (١) بالمهملتين ومعجمة على وزن السفهاء العرق من أثر الحمى فنزول المطر من السحاب صفة ثابتة له، لا يظهر لها علة في العادة، وقد علل بأنه عرق حماها الحادثة بسبب أحد من الأمور المذكورة، وفيه نظر؛ لأن لنزول المطر سببا على اختلاف بين أهل الشرع والحكمة، ولا يذهب عليك أنه يمكن جعل البيت من قبيل إثبات صفة غير ثابتة خارجة عن الإمكان، وهو إثبات العرق للسحاب.
(أو يظهر لها) أي للصفة (علة) غير العلة (المذكورة) وذلك قسمان:
أحدهما أن تنفى علته غير المذكورة، ومنه المثال، وثانيهما: أن لا تنفى، وإنما قال غير المذكورة لأنه لو كانت هي المذكورة كانت علة حقيقية، فلم يكن من حسن التعليل في شيء، كذا ذكره الشارح المحقق، وتعقبه المحقق الشريف بمنع الملازمة لجواز أن تكون الظاهرة في العادة غير مطابقة للواقع وتكون من المشهورات الكاذبة، فالتقييد لأنه ليس من حسن التعليل لعدم لطف الاعتبار ودقته، لظهوره بحسب العادة، وقد عرفت حقيقة البحث بما لا مزيد عليه فكن متذكرا متدبرا.
(كقوله [ما به) أي مع الممدوح (قتل أعاديه ولكن يتّقي أخلاف ما ترجو الذّئاب)] (٢) من وجود القتلى بعد محاربة الفريقين فمحبة تحقيق رجاء الراجين وكراهية خيبة الرجاء دعاه إلى قتلهم، فلقتل الأعداء علة ظاهرة في العادة هي النجاة من شرهم وخلوص الملك من ضرهم، فقد نفى عليتها بحصر العلية في الاتقاء عن خيبة الرجاء، وعلله بغير ما هو علته في العادة، قال المصنف:
стр. 1036
ويستتبع مدحه بكمال الشجاعة حتى ظهرت على الحيوانات العجم، فوثقوا بوجود القتلى في محاربته مع الأعداء، وفيه ضعف؛ لأن المجزوم به للذئاب وجود القتلى للمحاربة لا وجود القتلى من أعدائه، وليس في الشعر إشارة إليه؛ نعم كما قال:
يستتبع مدحه بأنه لا يقتل لغلبة الغضب عليه، وقوته الغضبية ليست متصفة برذيلة الإفراط، كما قال الشارح مدحه بكمال الشجاعة حتى أمن من شر الأعداء فلا يحتاج إلى قتلهم واستئصالهم.
(والثانية) أي الغير الثابتة التي أريد إثباتها (إما ممكنة كقوله): أي قول مسلم بن الوليد:
[(يا واشيا)] من وشى به إلى السلطان سعى ونمّ (حسنت فينا إساءته) أي ما قصدت به الإساءة أو ما كانت إساءة في حد ذاتها لكن حسنت لما ترتب عليه (نجّى حذارك) أي محاذرتك أي حذارى منك كما يدل عليه قول المصنف فيما بعد: حذاره منه، وقال الشارح: أي حذارى إياك وهو يدل على تعديته بنفسه (إنساني) الإضافة استغراقية أي كلا من إنسان عيني (من الغرق) (١) الجملة منادى لها فعلم أن حسن التعليل يتحقق بذكر ما يصلح علة، سواء كان ما يشعر بالتعليل أولا.
(فإن استحسان إساءة الواشي ممكن) الظاهر فإن حسن إساءة الواشي ممكن؛ لأن الظاهر أن العلة علة حسن لا علة الاستحسان المذكور ضمنا، وكأنه حمل قوله: حسنت فينا على أنه حسنت في نظرنا، والأظهر أن فينا متعلق بالإساءة (لكن لما خالف الناس فيه) حيث لا يستحسنونها (عقبه بأن حذاره منه نجى إنسانه من الغرق في الدموع) حيث ترك البكاء خوفا منه فإن قلت المناسب أن يقول نجي نفسي من الغرق فإنه الدال على كثرة الدمع والمبالغة فيها دون ما ذكره فإن إنسان العين يفرق بدمع قليل: قلت بل المبالغة فيما ذكره لأن إنسان العين هو الساكن في الماء، الماهر في علم ما، فإذا كان يغرق لكثرة الدمع ففرق نفسه بالطريق الأولى، ولا يخفى ما في هذا البيت من حسن تضمينه كمال الكآبة والحزن الموجب لكثرة الدمع في الغاية.
стр. 1037
(أو غير ممكنة) عطف على ممكنة (كقوله) قال الشارح: هذا البيت للمصنف وقد وجد بيتا فارسيا فترجمه، وقيل هو:
(كزنبودي عزم جوزا خدّميش ... كسن نديدي برميان أو كمر)
يقال حكم الشارح بأن البيت للمصنف من قوله في الإيضاح، فكمعنى بيت فارسي ترجمته لو لم يكن البيت، فجعل قوله ترجمته على صيغة المتكلم، وهو يحتمل المصدر كما حمله عليه شارح الأبيات قلت الظاهر كونه مصدرا إذ لو كان ماضيا لتعدى إلى المفعول الثاني بالباء فيجب ترجمته بقوله:
(لو لم تكن نيّة الجوزاء خدمته ... لمّا رأيت عليها عقد منتطق) (١)
اسم مفعول من انتطق أي شد المنطقة، وحول الجوزاء كواكب يقال لها منطقة الجوزاء، وما في الشرح من قوله: من انتطق أي شد النطاق، وحول الجوزاء كواكب يقال لها نطاق الجوزاء ففيه أنه لا تساعده اللغة إذ النطاق ككتاب شقة تلبسها المرأة وتشد وسطها، فترسل الأعلى على الأسفل والأسفل ينجر على الأرض، ليس لها حجزة، ولا يتفق، ولا ساقان فانتطق لم يجئ بمعنى شد النطاق؛ بل وانتطق بمعنى شد المنطقة، وما للجوزاء شبيه بالمنطقة لا بالنطاق، فنية الجوزاء خدمة الممدوح صفة غير ممكنة، كذا في الإيضاح، ويستفاد منه أن المعلل نية الجوزاء خدمة الممدوح، ويتجه عليه أولا أن نية الخدمة علة لشد المنطقة دون العكس، وثانيا ما ذكره الشارح من أن أصل لو امتناع الجزاء لامتناع الشرط، فيكون مفهوم العبارة أن العقد المنتطق لنية الخدمة، لكن لا يتجه ما ذكره الشارح فيكون من قبيل الضرب الأول، مثل قوله: لم يحك نائلك البيت؛ لأن المعلل هو رؤية عقد المنتطق عليه أعني الحالة الشبيهة بانتطاق المنتطق، وهي صفة ثابتة قصد تقليلها بنية خدمة الممدوح- لأنه يجوز أن يكون المراد أن يعلل بها عقد المنتطق الحقيقي، ويكون نفي الرؤية عقد المنتطق عليه كناية عن عدم عقد المنتطق، فيكون عقد المنتطق الحقيقي معللا بنية الخدمة، وكيف لا ونية الخدمة علة لعقد الحقيقي لا للحالة الشبيهة به، ولا لرؤيتها، وقد
стр. 1038
نبه على فساد ما في الإيضاح من شرح كلام التلخيص مخالفا لما في الإيضاح، ولم يلتفت إليه لدعوى أنه غفل في الإيضاح دون التلخيص لأنه الأصلح، فالحمل عليه أرجح، فقال إنه أراد أن الانتطاق صفة ممتنعة الثبوت للجوزاء، وقد أثبتها الشاعر وعللها بنية خدمة الممدوح، فليس مخطئا مرتين مرة في مخالفته كلام الإيضاح في شرح كلام التلخيص، ومرة في جعل الانتطاق معللا، مع أن المعلل رؤية الحالة الشبيهة بالانتطاق، كما زعم الشارح، قال الشارح المحقق في المختصر:
والأقرب أن يجعل «لو» هاهنا مثلها في قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا أعني الاستدلال بانتفاء الثاني على انتفاء الأول، فيكون الانتطاق علة لكون نية الجوزاء خدمة الممدوح، أي دليلا عليه، وعلة للعلم به مع أنه وصف غير ممكن، وقد زيف هذا الأقرب في الشرح بأنه تكلف، وخروج عن الظن لأن المتبادر من قوله أن ندعى لوصف علة مناسبة له العلة لنفس ذلك الشيء لا للعلم به، ونحن جرينا في شرح كلام المتن على هذا الظن لأن العدول عن الظاهر أشق من حمل ما وقع عنه في الإيضاح على السهو، فإن قلت بل لا يصح أن تجعل العلة أعم من علة العلم لأن الدليل علة العلم حقيقة فلا يصح في شأنه لكونه علة غير حقيقية! قلت الدليل ما لو سلم ثبت به المطلوب ويجوز أن يراد بالحقيقي منه ما يثبت المطلوب فلو كانت مقدمة من مقدماته غير ثابتة بل مبنية على اعتبار لطيف غير حقيقي لم يكن دليلا حقيقية كما فيما نحن فيه، فإن استلزام عدم نية الجوزاء خدمته لعدم رؤية عقد المنتطق عليه مبني على اعتبار لطيف، ولا حقيقة له لكن جعل الدليل حقيقيا وغير حقيقي بهذا الاعتبار غير متعارف، ولا يتبادر من الدليل الحقيقي إلا ما يصدق عليه تعريف الدليل، فليكن هذا أيضا من موجبات بعد التوجيه الأقرب.
(والحق به) أي بحسن التعليل (ما بني على الشك) المراد به ما يشمل الظن لأن كأن للظن وإنما جعل ملحقاته لا داخلا فيه؛ لأن المعتبر فيه إصرار في الدعوى كما أوضحناه.
(كقوله) أي أبي تمام: ([كأنّ السّحاب]) (الغرّ) جمع أغر، والمراد السحاب الماطرة الكثيرة الماء لأنها أشرف السحب (غيّبن تحتها) أي تحت الربى
стр. 1039
ذكرت في البيت السابق (حبيبا) أي محبوبة (فما ترقا) أي ما تسكن مخفف ترقا مهموزا (لهنّ) أي للسحاب (مدامع) جمع مدمع، ونسبة السيلان إلى المدامع كنسبة الجريان إلى النهر، وعدم سكون دموع السحاب إما لحزنها، كما هو الظاهر، أو ليدفع الربى بالسيلان، فيجد الحبيب المغيبة تحتها، وفي الشرح قال بعض النقاد: فسر هذا البيت قوم فقالوا: أراد بحبيب نفسه، ولا أدري ما هذا التفسير، قلت: وجه هذا التفسير أنه قصد به الملائمة لمطلع القصيدة، وهو قوله:
إلا أنّ صدري من عراوي بلاقع ... عشيّة ساقني الدّيار البلاقع (١)
هذا كلامه قلت: كان وجه استفسار هذا الناقد استكشاف عن وجه التعبير عن نفسه بالحبيب، ولا يفيده ما ذكر الشارح، ووجهه أنه حبيب السحاب لكونه معينا لها في إسالة المياه، ونظيره في عدم سكون مدامعه، (ومنه التفريع) سمي به لأنه تفريع إثبات على إثبات.
(وهو أن يثبت لمتعلق أمر حكم بعد إثباته لمتعلق له آخر) بعدية ذاتية يترتب الإثبات الثاني على الأول فخرج نحو: غلام زيد راكب، وأبوه راكب، ودخل غلام زيد راكب كما أبوه راكب، ولم يحتج لإخراج الأول إلى زيادة قيد على وجه يشعر بالتفريع والتعقيب، كما ذهب إليه الشارح المحقق.
(كقوله) أي: الكميت في قصيد يمدح بها أهل البيت [(أحلامكم)] جمع حلم، كفعل بمعنى العقل، لا حلم كقفل فإنه بمعنى الرؤيا (لسقام الجهل شافية) وصف بالعلم التام والعقل الكامل (كما دماؤكم تشفي من الكلب) (٢) وصف بكونهم ملوكا وأشرافا والكلب على وزن فرس، شبه جنون يعرض للإنسان من عضة الكلب، الكلب على وزن الكتف بمعنى الكلب الذي جن من أكل لحم الإنسان، ولا دواء له أنجع من شرب دم ملك، وقيل يشق إبهام رجله ويؤخذ منه الدم.
стр. 1040
قال المصنف: فرع على وصفهم بشفاء أحلامهم لسقام الجهل وصفهم بشفاء دمائهم من داء الكلب، ونحن نقول: جعل أحلامهم بمنزلة الدماء فإن حياة العاقل بالعقل كما أن حياة الحيوان بالدم والجهل بمنزلة الكلب، وقد عرض لأعداء أهل البيت وقاصدي دمائهم، بأنهم في سلك كلاب كلبة يستشفون بدمائهم، فإنهم المنهمكون في طلب الدنيا، فقد ورد في حقهم كلام النبوة (الدنيا جيفة وطلابها كلاب) (١) إن قلت الظاهر أنه فرع على وصفهم بشفاء دمائهم من الكلب وصفهم بشفاء أحلامهم عن سقام الجهل فإنه جعله مشبها به، والمشبه ملحق بالمشبه به دون العكس، قلت نعم هذا هو الظاهر وغاية توجيه كلامه أن ذكر المشبه به فرع ذكر المشبه، لأنه أورد لبيان حاله فإثبات المشبه به بعد إثبات المشبه في الكلام وفرعه، فتأمل، ووجه تحسين التفريع أنه يجعل المتعلقين مرتبطين في الذكر، كما أنهما مرتبطان في المعنى فيتطابق الذكر والمذكور.
[ومنه تأكيد المدح بما يشبه الذم]
(ومنه تأكيد المدح بما يشبه الذم) قال الشارح النظر في هذه التسمية على الأعم الأغلب، وإلا فقد يكون ذلك في غير المدح والذم، ويكون من محسنات الكلام، كقوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ (٢) يعني: إن أمكن لكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه فلا يحل لكم غيره، وذلك غير ممكن، فالغرض المبالغة في تحريمه، وليسم تأكيد الشيء بما يشبه نقيضه أي فليسم ما سمى باعتبار الأعم الأغلب تأكيد المدح بما يشبه الذم تأكيد الشيء بما يشبه نقيضيه فإنه العبارة المنطبقة على المراد، وفيه نظر؛ لأنه لو كان تأكيد المدح بما يشبه الذم بمعنى تأكيد الشيء بما يشبه نقيضه لم يصح ذكر تأكيد الذم بما يشبه المدح مقابلا له، ولم يصح ما ذكره في شرح المفتاح، أن المفتاح اكتفى عن تعريفه بما يفيده الاسم؛ لأن الاسم يفيد ما هو أخص من تعريفه، وأيضا لا يصح حصره في الضربين المذكورين، وأيضا لا يرجح لإدخال الصورة المذكورة في تأكيد المدح بما يشبه الذم على إدخاله في تأكيد الذم بما يشبه المدح، فالحق أن النظر في التسمية على أمر منطبق عليه الاسم وبيان الغير ترك
стр. 1041
بالمقايسة.
(وهو ضربان: أفضلهما) لاشتماله على فصل تأكيد (أن يستثنى من صفة ذم منفية عن الشيء صفة مدح) لذلك الشيء؛ لا باعتقاد أنها صفة ذم، فإنه كلام كاذب أتى به للجهل، وليس فيه تأكيد ولا تسليم أنها صفة ذم، لمجارات المخاطب؛ فإنه أيضا كلام كاذب، ذكر مطابقا لما يروج عند المخاطب، ولا تأكيد فيه، ولا لدفع توهم أنها أيضا منفية مع صفة الذم، لتلازم بينهما في الانتفاء في غالب الأوقات، كما هو المعتبر غالبا في الإتيان بالمستثنى المنقطع، واشتهر في كتب النحو، فإنها استثنيت حينئذ لدفع توهم ناشىء من النفي السابق، ولا تأكيد فيه بل (بتقدير دخولها) أي صفة المدح (فيها) أي في صفة الذم، فاحترز بهذا القيد عن الأمور الثلاثة هكذا حقق المقام، واحفظه فإنه من الشوارد عن أقوام بعد أقوام، واعلم أن من فوائد المستثنى المنقطع تأكيد الشيء بما يشبه النقيض، على أحد الوجهين اللذين يذكرهما، كما يستفاد من هذا المقام، ولا تنحصر فائدته في دفع الإيهام من سابق الكلام على ما يتراءى من بيان النحو، فادخره واجتنب عن ربقة التقليد التي لا يكون إلا في أعناق اللئام، ويتجه أنه خرج بهذا القيد تأكيد المدح بما يشبه الذم، باستثناء ما ليس عيبا ولا مادحا؛ فإنه يؤكد نفي صفة الذم، كما يؤكد استثناء المادح فالأولى أن يقول بدل قوله:
صفة مدح: ما ليس بصفة ذم، وتأكيد المدح باستثناء صفة مدح عن صفة ذم منفية لا بتقدير دخولها فيها، فإنه يؤكد المدح بالوجه الثاني، فلا يقصر عن القسم الثاني في التأكيد، ولم يدخل في الثاني فاختل الحصر، وغاية ما يمكن أن يقال إنه لا اعتداد به لتقصير متكلمه فيه بفوت فصل التأكيد بلا موجب، بخلاف القسم الثاني، وبهذا ظهر أن الحصر في القسمين استقرائي غير ثابت بدليل قطعي، فلذا لم يستدل عليه كما فعله في كثير من التقسيمات، هذا واشكر الله على ما رزقك من التكريمات.
(كقوله) أي النابغة الذبياني، زياد بن معاوية، والذبيان بالمنقوطة والمنقوطتين من تحت بالضم والكسر قبيلة: (ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم بهنّ فلول) كحصول جمع فل كمد، والفل الثلمة سواء كان في حد السيف أو في غيره
стр. 1042
(من قراع) أي مقارعة (الكتائب) (١) جمع كتيبة بمعنى الجيش، فالعيب صفة ذم منفية قد استثنى منه صفة مدح على تقدير كونها من العيوب، وهي أنهم شجعان؛ لأن وصف سيف الرجل بالفلول من المحاربة كناية عن شجاعته، وقد أشار إلى الاستثناء بتقدير الدخول ببيان مراد الشاعر بقوله (أي إن كان فلول السيف) أي الفلول المعهودة للسيف وهي الفلول من مضاربة الجيوش وإلا فالفلول قد تكون عيبا، ثم اشتغل ببيان وجه التأكيد بقوله (فأثبت) أي الشاعر (شيئا منه) أي العيب (على تقدير كونها) أي فلول السيف (منه) أي من العيب، هكذا حقق المقام، ولا تتبع ما وقع للشارح من وساوس الأوهام فاطلع عليه، وأعرض عنه في مختصره لكونه من زلة الأقلام، وهو أي كون الفلول المذكورة من العيب محال لما عرفت (فهو) أي إتيان شيء من العيب (في المعنى تعليق بالمحال) وإن خلت العبارة عن تعليق (فالتأكيد فيه (٢) من جهة أنه كدعوى الشيء ببينة) (٣) لأنك قد علقت نقيض المطلوب وهو إثبات شيء من العيب بالمحال، والمعلق بالمحال محال؛ فعدم العيب ثابت، ويمكن أن يكون تقدير دخولها في الصفة المذمومة المنفية لتنزيلها منزلة المذمومة، في جنب صفات أخر له صفة ذم، وللتأكيد في هذا الضرب جهات ثلاث، وهذا الوجه يجري في الضرب الثاني، فهو ثاني الوجه الذي ذكر فتأمل.
(ومن جهة أن الأصل في مطلق الاستثناء الاتصال) (٤) لأنه حقيقة الاستثناء على ما تقرر في الأصول، والأصل الذي لا يعدل عنه بلا صارف وهو الحقيقة (فذكر أداته قبل ذكر ما بعدها يوهم) الإيهام اشتهر في الدلالة الضعيفة، وتوافقه اللغة؛ لأن الوهم بمعنى خطرة القلب، أو طرف التردد المرجوح، فلذا اعترض عليه بعض الشارحين، أنه قبل ذكر ما بعد ما يدل دلالة قوية، فلا يليق التعبير بالإيهام، ويمكن أن يجاب عنه بأن الإيهام كثيرا ما
стр. 1043
يستعمل في ضعف المدلول أيضا، وإن كانت الدلالة قوية وتوافقه اللغة فإن وهمت بمعنى غلطت وأوهمت غيري بمعنى أوقعته في الغلط، وأجاب الشارح بأن الإيهام في اللغة الإيقاع في الظن، كما أن التوهم هو الظن، يقال: توهمت الشيء أي: ظننته، وأوهمته غيري.
(إخراج شيء مما قبلها فإذا وليها صفة مدح) وتحول الاستثناء إلى الانقطاع (جاء التأكيد) لما فيه من الإشعار بأنه لم يجد صفة ذم فاضطر إلى ذكر صفة مدح، وفيه بحث، أما أولا فلأن ذكر ما ليس بعيب بعد أداة الاستثناء بتقدير أنه من العيب لا يوجب انقطاع الاستثناء، بل هو استثناء متصل مبني على الغرض، والتقدير فالأولى أنه يقال: الأصل في الاستثناء الاتصال المحقق، فذكر أداته قبل ذكر ما بعدها يوهم ذلك، فإذا وليها صفة مدح محوجة في اتصال الاستثناء إلى التقدير جاء التأكيد.
وأما ثانيا فلأن كلامه يوهم أن تأكيد المدح بما يشبه الذم موقوف على جعل غير في البيت مثلا للاستثناء حتى إنه إن جعل صفة لاسم لا منصوبة أو مرفوعة لفات التأكيد، وليس كذلك لأنه كما أن الأصل في الاستثناء إخراج شيء محقق الدخول في المستثنى منه، الأصل في الوصف بغير إخراج شيء كذلك عن الموصوف بالتقييدية، والإخراج على تقدير الدخول تعليق بالمحال، وخروج عن أصل التقييد، فجاء فصل التأكيد.
(والضرب الثاني) من تأكيد المدح بما يشبه الذم (أن يثبت لشيء صفة مدح، ويعقب بأداة استثناء يليها صفة مدح أخرى له) أي لذلك الشيء لا مطلقا بل يقصد أنه صفة مدح أخرى له، حتى لو ذكر صفة مدح باعتقاد أنها صفة ذم، أو لاعتقاد المخاطب كذلك، وبناء كلامك على التسليم لم يكن من التأكيد في شيء ولا يكفي قصد أنه صفة مدح أخرى له؛ بل ينبغي أن لا يكون لدفع إيهام السابق أنها مسلوبة عنه، كما هو المشهور في المستثنى المنقطع، بل يكون لإراءة أني اضطررت إلى إيراد صفة مدح أخرى، فعدلت عن إخراج شيء مما قبل أداة الاستثناء كما هو الأصل نحو.
стр. 1044
(أنا أفصح العرب بيد أني من قريش) (١) بيد بمعنى غير مختصة بالمنقطع، مضافة إلى أن، كذا في الرضى، وزعم المغني أن بيد للتعليل، فالمعنى: أنا أفصح العرب لأجل أني من قريش، ولا يخفى أن هذا التعليل لا يثبت المدعي، وجعل ابن مالك تقدير الكلام لا نقصان في فصاحتي، إلا أني من قريش، فهو من الضرب الأول، وفي القاموس بيد وبائد بمعنى: غير، ومن أجل، وعلى هذا، وحمله على معنى على احتمال قوي فلا يفوتك.
(وأصل الاستثناء فيه) أي في هذا الضرب (أيضا أن يكون منقطعا) لأن الأصل في استثناء ما ليس بداخل فيما قبل الأداة، أن يكون منقطعا بعد خروجه عن أصله الذي هو الاتصال، وجعله متصلا بتقدير الدخول كما في القسم الأول خلاف الأصل، وربما يكون الشيء على خلاف الأصل، وعلى الأصل في هذا الخلاف، ألا ترى أن الإعراب بالحرف خلاف الأصل، والأسماء الستة على الأصل في الإعراب بالحرف، وهو كونها بالحروف الثلاثة فلا تنافي بين هذا الكلام وما سبق أن الأصل في الاستثناء الاتصال، لأن هذه الأصالة بعد العدول عن الأصل الأول، وقد أجاب الشارح بأن الأصل في مطلق الاستثناء الاتصال، وفي استثناء ما ليس بداخل الانقطاع، فلا تنافي، وبما قررنا اندفع أن الواجب في الاستثناء فيه وما سبق أيضا أن يكون منقطعا، فلا معنى لقوله: الأصل، لأنك عرفت أنه يمكن جعله متصلا بالتقدير، كما يدل عليه قوله (لكنه) أي الاستثناء المنقطع في هذا الضرب.
(لم يقدر متصلا (٢) كما في الضرب الأول) بل بقى على حاله من الانقطاع، وبهذا تأكد بعض ما استثناه لك فاعتصم به (فلا يفيد التأكيد) بالوجه الأول الذي هو إثبات الدعوى بالبينة الحاصلة من التعليق بالمحال فلا يفيده (إلا من الوجه الثاني ولهذا) أي لاشتمال الضرب الأول على فضل تأكيد (كان الضرب الأول أفضل) في التأكيد، أو أفضل في الاعتبار، قال المصنف:
стр. 1045
وأما قوله تعالى: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً (١) فيحتمل الوجهين، وأما قوله: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً (٢) فيحتملهما، ويحتمل وجها ثالثا وهو أن يكون الاستثناء من أصله متصلا لأن معنى السّلام هو الدعاء بالسلامة، وأهل الجنة أغنياء عن ذلك، فكان ظاهره من اللغو، وفضول الكلام، لولا فائدة الإكرام، هذا كلامه، ويتجه عليه أنه إتيان بصفة مدح مستثناة من صفة ذم منفية، لا بصفة مدح مع حرف الاستثناء، بعد صفة مدح أخرى. فكيف يحتمل كونه من الضرب الثاني؟
وأجيب بأن معنى كونه من الثاني، أنه من قبيله في عدم إفادته التأكيد إلا من وجه واحد، وبهذا اختل تعريف الضرب الأول، وتفصيله على الإطلاق أو الحصر في الضربين، وانهدم ما ذكر بالدفعة فتذكر.
والحق أن يقال: يجوز أن يعتبر: لا يسمعون، صفة مدح، ويعتبر الوصف بعدم سماع اللغو، لا نفي سماع اللغو، حتى يكون القصد إلى نفي صفة ذم، وحينئذ يكون إِلَّا سَلاماً بتقدير لكن يسلمون سلاما صفة مدح أخرى، بعد أداة استثناء لا يمكن تقدير إدخالها في الأول، ويحتمل أن يعتبر نفيا لصفة ذم هو سماع اللغو، ويكون إلا سلاما مستثنى من لغو، فيكون من الضرب الأول لا محالة، لما قدمناه لك، فلا ترض بانهدامه، وكن لاغتنامه، وإنه لا يجوز أن يكون الآية الأولى أيضا محتملة للثالث، وأجيب بأن السّلام لا يمكن إدخاله تحت التأثيم، ولو بحسب الظاهر، لأن التأثيم أن يقال لأحد أثمت، ولا يجوز الفصل بين المستثنى والمستثنى منه بمتعدد غير مستثنى منه، وأيضا يتجه على الاحتمال الثالث أنا لا نسلم أن أهل الجنة أغنياء عن الدعاء بالسلامة، لجواز أن يكون سلامتهم في الجنة، ويقررها لأنهم لا ينفكون عن السّلام، فتأمل، وتحتمل الآية وجها رابعا بأن يكون سلاما مصدرا حينيا أي لا يسمعون فيها لغوا وقتا إلا وقت تسليم، فيكون من الضرب الآخر.
(ومنه) أي من تأكيد المدح بما يشبه الذم (ضرب آخر) كالضرب الأول بعينه في إفادة التأكيد، فإنهم لذلك حصروها في ضربين، فالحصر منقول،
стр. 1046
وإثبات ضرب آخر مبتدع منه معقول، فلا ينافي، أو ضرب آخر بحسب الظاهر راجع إلى الأول بحسب النظر الثاني للناظر، فإنه يئول إليه معنى. فضبط المصنف هذا الضرب بأن تأتي بالاستثناء مفرغا، وهو قاصر لأن من المرغ ما يصدق عليه أن يستثنى من صفة ذم منفية عن الشيء صفة مدح، بتقدير دخولها فيها قائمة الشارح المحقق بأن ضم إليه، ويكون العامل مما فيه معنى الذم، والمستثنى مما فيه معنى المدح، وتقدير، وعليه أن الضرب الآخر لا ينحصر في المفرغ، بل يشمل مثل قولنا: وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا (١) فإنه لم يستثن فيه في الظاهر صفة مدح من صفة ذم منفية، بل من أعم منها، نعم ماله إلى الاستثناء من صفة ذم منفية فإنه في قوة ليس لنا عمل معيب عندكم إلا أن آمنا، فالصواب أن يعرض عن إيضاح المصنف، وبين قوله نحو وَما تَنْقِمُ أي ما تعيب مِنَّا إِلَّا أصل المناقب أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا يقال نقم منه وانتقم إذا عابه وكرهه، وبه فسر الآية بأن المراد بنحوه أن يستثنى صفة مدح من معمول ما فيه معنى الذم، بتقدير دخولها فيه من حيث أنه متعلق ذلك العامل، هذا وقد جاء نقم منه بمعنى عاقبه ليمكن حمل الآية عليه، أي ما تعاقبنا إلا لأن آمنا بآيات ربنا، وحينئذ مستثنى متصل حقيقة، وليس مما نحن فيه، فإن قلت: على التفسير المشهور أيضا هو مستثنى متصل؛ لأنه استثنى صفة مدح من معمول عيب المخاطب، فيجوز أن يكون الإيمان معيبا عنده؟ قلت الإيمان بآيات رب الكل مما لا يمكن أن يعيبه قابل للخطاب، ثم يقول لنا ضرب آخر، كالضرب الأول، وهو أن يثبت صفة مدح عام صفة ذم بتقدير دخولها فيها، نحو: لفلان جميع المحاسن إلا كفران النعمة، فالصواب في تفسير القسم الأول أن يستثنى من صفة ذم منفية، صفة مدح بتقدير دخولها فيها، أو من صفة مدح منفية صفة ذم بتقدير دخولها فيها.
(والاستدراك) بلفظ لكن (في هذا الباب) صرح بقوله في هذا الباب، ولم يقل فيه لئلا يتوهم عوده إلى الضرب الآخر (كالاستثناء) فالمراد بالاستثناء في التعريفين ما يعم الاستدراك بالحمل على الاستثناء حقيقة أو حكما وإلا يفسد
стр. 1047
ويجري فيه الضربان الثاني (كما في قوله) أي قول أبي الفضل بديع الزمان يمدح خلف بن أحمد السجستاني:
(هو البدر إلا أنّه البحر زاخرا) (١)
أي: ممتلئا (سوى أنّه الضّرغام) بالكسر الأسد (لكنّه الوبل) المطر الشديد العظيم القطر، والأول كان يقول:
لا عيب فيهم لكن سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب
وإنما كان الاستدراك كالاستثناء لأن إلا في المستثنى المنقطع بمعنى لكن في الأصح.
[ومنه تأكيد الذم بما يشبه المدح]
(ومنه تأكيد الذم بما يشبه المدح، وهو ضربان: أحدهما أن يستثنى من صفة مدح منفية عن الشيء صفة ذم له بتقدير دخولها فيه، كقولك: فلان لا خير فيه إلا أنه يسيء إلى من أحسن إليه، وثانيهما: أن يثبت للشيء صفة ذم ويعقب بأداة استثناء يليها صفة ذم أخرى له كقولك: فلان فاسق إلا أنه جاهل، وتحقيقهما يحال على قياس ما مر) من كيفية التأكيد وجهته وأنه لا ينحصر فيهما، بل منه ضرب آخر، وأن المراد بالاستثناء أعم من الاستثناء والاستدراك الذي في حكمه
[ومنه الاستتباع]
(ومنه الاستتباع) وهو قدم في الإيضاح التوجه، فكأنه رأى شدة مناسبة التوجيه لتأكيد الذم بما يشبه المدح، في كونه جامعا للمدح والذم، فلم يرض بترتيب التلخيص، وعدل عنه. ولا يخفى شدة مناسبة الاستتباع أيضا في كونهما لإكمال المدح، ولما كان مفهوم الاستتباع أعم من تفسيره لم يصح منه الاكتفاء بما يفيده الاسم، واحتاج إلى التفسير، ولا معنى لتخصيص الاصطلاح وعدم الالتفات إلى التمدح بشيء على وجه يستتبع الذم بشيء آخر، وإلى الذم بشيء على وجه يستتبع الذم بشيء آخر، أو المدح به. وكأنه من مسامحات أئمة العربية في مقام التفسير والتعريف فذكروا في التفسير (المدح بشيء على وجه يستتبع المدح بشيء آخر) على طريق التمثيل لا التحقيق فيكون بعينه الإدماج، ولذا لم يذكر السكاكي الإدماج واكتفى بذكره.
стр. 1048
(كقوله) أي قول أبي الطيب: (نهبت من الأعمار ما لو حويته) أي جمعته (لهنّئت الدّنيا بأنّك خالد) (١).
(مدحه بالنهاية في الشجاعة) حيث غلب على ما لا نهاية لهم، ولو كان هذا في محاربة واحدة لكان غاية في الدلالة على النهاية في الشجاعة.
(على وجه استتبع مدحه بكونه سببا لصلاح الدنيا ونظامها) قال الشارح:
حيث جعل الدنيا تتهنأ بخلوده، ولا معنى للتهنئة بشيء لا فائدة له فيه، وذلك الاستتباع يحصل من قوله: [نهبت من الأعمار ما لو حويته] أيضا فإن نهب الأعمار دون الأموال، وعدم جمعها يدلان على أنه لم يكن القتل لمصلحة تعود إليه، إذ لو كان لنفسه لم يترك أموالهم لورثتهم، ولجمع الأعمار، فإنه لا مصلحة للنفس فوق البقاء المخلد، فهو لمصلحة الدنيا.
قال في المفتاح: مدحه بالشجاعة على وجه يستتبع مدحه بكمال السخاء وجلال القدر من وجه آخر، والمصنف ترك كمال السخاء وجعل المستتبع كونه سببا لصلاح الدنيا لأن استتباع كمال السخاء غير ظاهر، ألا ترى أنه تكلف له الشارحان المحققان بأن التهنئة إنما تكون إذا كان للدنيا منه مال أو كمال، ويمكن أن يقال استتباع كمال السخاء في عدم نهب الأموال فإنه يدل على أنه لا قدر للمال عنده، وقوله وحلال القدر من وجه آخر إشارة إلى ما ذكره المصنف من كونه سببا لصلاح الدنيا ونظامها، فإنه ليس جلال قدر سواه. ولا يخفى أن الاستتباع يزيد حسنا إذا كان الوصف المستتبع بحيث يدفع توهما مذموما نشأ من المدح بشيء كما في البيت، فإن وصفه بالشجاعة ببيان نهب الأعمار، يوهم إفساده في العالم، فكما أنه أفاد تهنئة الدنيا بخلوده، مدحه بإصلاح الدنيا نفي توهم إفساده للدنيا بنهب الأعمار.
(وفيه) أي في الاستتباع (وجهان آخران) وقال الشارح: وفي البيت وجهان آخران من المدح، وما ذكرنا أنسب. وإن قال المصنف في الإيضاح: قال على ابن عيسى الربعي: وفي البيت وجهان آخران من المدح فالمراد بشيء آخر الجنس واحدا كان أو أكثر، وقس عليه نظائره.
стр. 1049
(أحدهما: أنه نهب الأعمار دون الأموال) (١) وذلك مفهوم من تخصيص الأعمار بالذكر، والإعراض عن الأموال، مع أن النهب بها أليق، وهذا ينبئ عن علو الهمة أو عن كمال الغناء، بحيث لا حاجة له إلى المال.
(والثاني: أنه لم يكن ظالما في قتلهم) وإلا لم يكن لأهل الدنيا سرور بخلوده، لأن وجود الظالم سبب لحزن كل أحد، للخوف من ظلمه، فلا يتصور تهنئتهم بخلوده، وتهنئة الدنيا تهنئة أهلها، وأيضا لو كان ظالما في قتلهم لكان لمصلحة نفسه، وهو إما المال أو البقاء، فعدم جمع الأعمار يدل على أنه ليس طالبا للبقاء، وعدم نهب الأموال دل على أنه لم يكن طالبا للمال، وفيه وجه ثالث، وهو أنه لم يجمع الأعمار، والناس تجمع المال الذي دون العمر فكم بينه وبين الناس.
[ومنه الإدماج]
(ومنه: الإدماج وهو) في اللغة لف شيء في الثوب وفي العرف (أن يضمن كلام سيق لمعنى مدحا كان أو غيره معنى آخر) مفعول ثان ليضمن المسند إلى المفعول الأول، فبذكر التضمين احترز عن التصريح بمعنى مع سيق الكلام لأجله، كما في قوله، في تهنئة بعض الوزراء لما اتخذ وزيرا: -
أبى دهرنا إسعافنا في نفوسنا ... وأسعفنا فيمن نحبّ ونكرم
فقلت له نعماك فيهم أتمّها ... ودع أمرنا إنّ المهمّ المقدّم (٢)
فإنه رد المقصود على من قال إن هذا الشعر فيه إدماج في الشكوى عن الدهر في التهنئة، وقال اخط إذ الشكوى مصرح بها، بل فيه إدماج التهنئة في الشكوى عن الزمان، هذا وفيه نظر، لأن البيت سيق للتهنئة فكيف تكون التهنئة إدماجا والشكوى أصلا؛ على أن في كون الشكاية من الزمان مصرحا بها نظرا، فإن إباء الدهر في واحد من أمرين طلبا منه لتقديم المهم ليس محلا للشكوى، وكيف يحمل على الشكوى وآخر كلامه مصرح بالشكر.
стр. 1050
(فهو أعم من الاستتباع) ولا يخفى أن حق البيان حينئذ أن لا يذكر في مقابلة الاستتباع بل يذكر الإدماج من المحسنات، وينبه على دخول الاستتباع فيه، كما فعل في الطباق والمقابلة، وقد أشار بقوله (فهو أعم من الاستتباع) أن ما مثل به الاستتباع مثال له وإنما أشار بقوله (كقوله) إلى مثال له يفترق به عن الاستتباع، فليس الغرض منه التمثيل ليلغو بل بيان الافتراق والضمير إلى أبي الطيب في الواقع [(أقلّب فيه) أي في ذلك الليل (أجفاني) جمع جفن كفقر، وهو غطاء العين من أعلى وأسفل (كأنّي أعدّ بها) أي بالأجفان، والتقدير بتقليبها، ولو قال به ليرجع إلى التقليب لكان أظهر، ولك أن تجعله راجعا إلى التقليبات المستفادة من أقلب (على الدّهر الذّنوبا)] (١) ومعنى تقليب الأجفان للعد أن امتداد السهر لكثرة ذنوب الدهر وطول عده وكمال الرغبة فيه، فإن الاشتغال بالمرغوب يمنع النوم ويسهل السهر (فإنه ضمن وصف الليل بالطول الشكاية من الدهر) الظاهر أن سوق البيت لوصف نفسه بالسهر فيه، والحزن لا لوصف الليل بالطول لأن تقليب الأجفان ظاهر في السهر لا في طوله، قال الشارح المحقق: وقوله معنى آخر أراد به الجنس أعم من أن يكون واحدا، كما في بيت أبي الطيب، أو أكثر كما في قول ابن نباته- بالموحدتين من فوق ومن تحت بالضم أو الفتح، فإن كلتيهما مما سمى بها العرب:
[ولا بدّ لي من جهلة في وصاله ... فمن لي بخلّ- أي خليل- أودع الحلم عنده] (٢)
قال المص: إنه ضمن الغزل يعني حديث المحبوبة الفخر بكونه حليما، حيث استفهم عن وجود خليل صالح للإيداع، وضمن الفخر بذلك الشكوى من الزمان بتغييره الإخوان، أو إعدامه حتى لم يبق من يصلح لهذا الشأن، فإن الاستفهام إنكاري، وضمن ذلك أنه لم يعزم على مفارقة حلمه أبدا وإنما يريده وقت إرادة
стр. 1051
الوصال، فإن الودائع تستعاد، ففيه تضمين معان لا معنى واحد، وقد نبهناك عليه موافقة معه لكن في موضع هو أحق بهذا التنبيه، ثم الأظهر عندنا أنه لا حاجة إلى تكلف في عبارة التعريفين وصرف النكرة المشتملة على دليل الوحدة إلى الجنس؛ لأن مثل ذلك استتباعات وإدماجات، ولا يجب صدق التعريف على المجموع، من حيث المجموع، بل على كل واحد، فاحفظه ينفعك في نظائره، ولا تعدل في تعريف بلا موجب عن ظاهره، واعلم أنه يمكن أن يكون المضمن في البيت كمال شرف الحلم، وعزته بحيث لا يمكن أن يعتمد في فعله أمانة على أخ من الإخوان، لا الشكاية من الزمان.
[ومنه التوجيه]
(ومنه: التوجيه) ويسمى محتمل الضدين، ومن هاهنا قيل المراد بقولهم:
(وهو إيراد الكلام محتملا لوجهين مختلفين) غاية الاختلاف، وبعضهم خصه بما يكونان مدحا وذما، (كقول من قال) قيل هو بشار- قال لأعور (١) يسمى عمرا خط لي ثوبا لا ندري أجبة أم قباء؟ أقول فيك شعرا لا تدري أمدح أم هجاء، فقال بشار:
(خاط لي عمرو قباء ... يا ليت عينيه سواء) (٢)
قلت: بيتا ليس يدرى أمديح أم هجاء؛ فإنه يحتمل تمني عمى العينين، وتمنى إبصارهما، فيحتمل المدح بأنه لحسن الخياطة يتمنى إبصار عينيه ليزيد حسن خياطته، ويحتمل الذم أي لسوء الخياطة (٣)، فيتمنى عمى عينيه ليتخلص الناس من خياطته، والفرق بينه وبين الإيهام وجوب استواء الاحتمالين فيه، ووجوب التفاوت في الإيهام ببعد المراد وقرب غيره، نظرا إلى نفس اللفظ على ما قيل، وعلى ما نقول يكون أحدهما مما نصب عليه القرينة في الإيهام، وإبقائهما هنا على الإيهام، فالمراد بكون الكلام محتملا لوجهين مختلفين احتماله بحسب الإرادة كما هو المتبادر أو الاحتمال على السواء.
[ومنه متشابهات القرآن]
(قال السكاكي: ومنه) أي من التوجيه (متشابهات القرآن باعتبار) قالوا: أي باعتبار احتمالها لمختلفين، وإن ليسا متضادين، ولا الاحتمال على
стр. 1052
السواء، قلت: قال: وللمتشابهات من القرآن مدخل في هذا النوع باعتبار هذه عبارته، ولا يبعد أن يحمل على أن بعض متشابهات القرآن كذلك باعتبار فيوافق قوله، وأكثر متشابهات القرآن من قبيل التورية والإيهام، وحينئذ يكون قوله باعتبار إشارة إلى اعتبار من جوز تأويل مقطعات الحروف في أوائل السور، فإنهم لا يذكرون في تأويلها إلا أمورا متساوية بالنسبة إلى اللفظ، من غير نصب قرينة على إرادة شيء منها.
[ومنه الهزل وتجاهل العارف]
(ومنه: الهزل) هو اللعب، ونقيضه الجد (الذي يراد به الجد) وفيه أنه إن كان ظاهر العبارة هزلا فالكلام من قبيل الإيهام، وإن استويا فهو من قبيل التوجيه، وإن كان الظاهر الجد فهو من قبيل إرادة المعنى بلفظ يحتمل خلافه احتمالا مرجوحا، فلا معنى لعده محسنا في الجد والهزل، خاصة وأيضا لا وجه لتخصيص التحسين بالهزل الذي يراد به الجد دون الجد الذي يراد به الهزل، إلا أن يقال اقتصر على الموجود (كقوله [إذا ما تميميّ أتاك مفاخرا فقل عد عن ذا]) أي أحسب من جملة ما يفتخر به أنه (كيف أكلك للضّبّ) (١) بفتح الضاد.
(ومنه: تجاهل العارف) ولما كان تجاهل العارف صفة المتكلم دون الكلام حتى يكون من محسناته، ومع ذلك يخص بمقتضى الأدب بما سوى كلامه تعالى، قال لدفع كلا التوهمين (وهو كما سماه السكاكي سوق المعلوم مساق غيره) فهو صفة للكلام سمي باسم ما هو صفة المتكلم به، ولا يخص بما سوى كلامه تعالى، بل التسمية بتجاهل العارف تسمية بالنظر إلى الأعم الأغلب، وكأنه لذلك قال السكاكي: لا أحب تسميته بتجاهل العارف، وقال غيري لا يحبه لسوء الأدب في استعماله في كلام رب العزة، ونفى المحبة كناية عن الكراهية.
(وقوله لنكتة) مما زاده على كلام السكاكي، وليس في كلامه ولا يخلو عن تسامح لإيهامه أنه داخل التسمية، والأولى أن يقول ومنه تجاهل العارف لنكتة وهو كما سماه إلخ.
(كالتوبيخ في قول الخارجية) امرأة، وهي في أصل اللغة كالخارجي من يسود
стр. 1053
بنفسه، من غير أن يكون له قديم [(أيا شجر الخابور) من نواحي ديار بكر (ما لك مورقا) من أورق الشجر، صار ذا ورق (كأنّك لم تجزع على ابن طريف)] (١) فهي تعلم أن الشجر لم يجزع على ابن طريف، لكن تجاهلت، فاستعملت كأن الدالة على الشك لتوبيخ الشجر مبالغة في وجوب الجزع، أو لتوبيخ من لم يجزع، كذا في الشرح، ولا يخص التجاهل بقوله كأنك إلخ؛ بل في الاستفهام عن سبب كونه مورقا أيضا، فإنها تعلم أن السبب هو الفصل، والوقت المقتضى لذلك، والأشبه أن البيت من التدله.
(والمبالغة في المدح كقوله) أي البحتري: [(ألمع برق سرى) صفة برق (أم ضوء مصباح) ينبغي أن يصفه كالبرق بكونه في الليل ليفيد قوة الضوء، وكأنه اكتفى بالتعبير بالضوء، لأنه يستعمل في النور القوي (أم ابتسامتها بالمنظر الضّاحي)] (٢) بالضاد المعجمة والحاء المهملة، بمعنى الظاهر، من ضحى الطريق ظاهر، بالغ في مدح ابتسامتها بل نور ثغرها حيث لم يفرق بينه وبين لمع البرق وضوء المصباح، ويحتمل التدله (أو) المبالغة (الذم) كذا في الشرح، فجعلها عديلة للمبالغة في المدح، ولا وجه حينئذ للعطف بأو فتأمل، فالأولى أن يجعل قوله: والمبالغة في المدح أو في الذم بمعنى المبالغة في أحد الأمرين، لنكتة عديلة لأختها، فيكون العطف بأو فى محله (في قوله) أي زهير: [وما أدري (فسوف إخال) بكسر الهمزة والفتح كما هو القياس لغة أي أظن وهو ملغي معترض بين سوف ومصحوبه أدري (أقوم) أي رجال لأن القوم يخصهم (آل حصن) الظاهر آل الحصن إلا أنه أراد تنكير الآل حصرا (أم نساء)] (٣) قال الشارح: فيه دلالة على أن القوم للرجال خاصة، وفيه بحث إذ يصح مقابلة المجتمع من النساء والرجال بالنساء الصرفة.
стр. 1054
(والتدله) الدله ويحرك ذهاب الفؤاد من هم ونحوه، ودلهه العشق تدليها فتدله كذا في القاموس فلا يلغو، قوله (في الحب) نعم يلغو لو كان الدله ذهاب الفؤاد من الهوى كما في الصحاح، والأظهر أن النكتة لا تخص الدله في الحب، فالأولى ترك قوله في الحب (في قوله) أي قول الحسين ابن عبد الله، وكثيرا ما يتوهم أنه للمجنون: [(بالله يا ظبيات القاع)] هو المستوى من الأرض [(قلن لنا ليلاى منكنّ]) أضافها إلى نفسه ليعلم أنها ليست ليلى بمشهورة، ولم يضف في قوله (أم ليلى) لأنه لا التباس بعد لإضافة السابقة، وقيل الإضافة للتلذذ كوضع الظاهر موضع المضمر (من البشر) (١) والتردد في كون ليلى منهن أم من البشر، إما في حسن سواد عينيها وبياضهما، وإما في التنفر والوحشية، قال المصنف:
وكالتحقير، في قوله تعالى في حق النبي ﷺ حكاية عن الكفار:
هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٢) كأنهم لم يعرفوا منه إلا أنه رجل ما، والتعريض في قوله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣) هذا، ويناسب التجاهل التعظيم أيضا كأنه لعظمته لا يعرف إلى غير ذلك من الاعتبارات.
[ومنه القول بالموجب]
(ومنه: القول بالموجب) أي الحكم بموجب أمر أثبت لشيء من غير ذكره، أو بموجب المتعلق المذكور.
(وهو ضربان: أحدهما أن يقع صفة) أي دالا على ذات مبهمة باعتبار المعنى المقصود (في كلام الغير كناية عن شيء) أي دالا عليه دلالة خفية، لخصوص الشيء وعموم الصفة، ولا يراد الكناية الاصطلاحية، إذ ليس دلالة الأعز على فريقهم بطريق الكناية بل بطريق التصريح.
(أثبت له حكم) صفة شيء (فتثبتها) أي تلك الصفة بمعنى الأمر القائم بالغير ففيه استخدام (لغيره) أي الشيء (من غير تعرض لثبوته له) الأولى لإثباته له أو لانتفائه عنه (بدل أو نفيه عنه) فيوجب ذلك الإثبات نفي الحكم الذي أثبت لفريقهم معلقا بتلك الصفة وإثباته للغير على سبيل الإلزام والمجاراة، وهذا هو
стр. 1055
القول بالموجب في هذا القسم (نحو: قوله) تعالى: يَقُولُونَ أي: المنافقون لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ (١) فالأعز صفة وقعت في كلام المنافقين كناية عن فريقهم، والأذل وقعت كناية عن المؤمنين، وقد أثبتوا لفريقهم المكني عنه بالأعز الإخراج فأثبت الله تعالى بالرد عليهم صفة العزة لغير فريقهم، وهو الله ورسوله والمؤمنون، ولم يتعرض لثبوت ذلك الحكم الذي هو الإخراج للموصوفين بالعزة، لكن أوجب ذلك الإثبات نفي الحكم عن فريقهم وإثباته للمؤمنين، هذا على وفق ما في الشرح، وفي تفسير القاضي وغيره عني بالأعز نفسه، وبالأذل رسول الله ﷺ .
(والثاني: حمل لفظ وقع في كلام الغير على خلاف مراده) مما يحتمله احتمالا حقيقيا أو مجازيا، فقوله مما يحتمله للتعميم فلا يكون عاريا عن الفائدة كما يتبادر إلى الوهم (بذكر متعلقه) أي ما يتعلق به سواء كان جارّا ومجرورا كما يتبادر إلى الوهم أو غيره، ليشمل مثل قول القبعثري في خطاب الحجاج معه:
لأحملنك على الأدهم: مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب، فإنه حمل الأدهم في كلام الحجاج على خلاف القيد الذي هو مراده من الفرس الأدهم، بالعطف عليه شيئا يوجب كونه الفرس، إذا عرفت هذا فلا خفاء أن هذا القسم من القول بالموجب من تلقى المخاطب بغير ما يترقب، فيكون داخلا في البلاغة لا تابعا لها فتأمل.
(كقوله: [قلت ثقّلت) أي حملتك المؤنة (إذ أنبت مرارا) ظرف لقلت أو ثقلت فحمله على تثقيل عاتقه بالأيادي (قال ثقّلت كاهلي) أي عاتقي (بالأيادي)] (٢) أي بنعم هي الإتيان مرارا كل إتيان نعمة، قال المصنف وتبعه الشارح: وقريب من هذا قول الآخر.
وإخوان حسبتهم دروعا ... فكانوها ولكن للأعادي
وخلتهم سهاما صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي (٣)