← Баляга

Баляга · id 13680

الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم

العصام الأسفراييني

Полный текст (1 136 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

بعض الأمثلة المذكورة للمقابلة مما ذكر فيه الملحق بالطباق، ومنهم من تكلف، وقال: هذان الشيئان داخلان في الطباق إلا أن غيره من الطباق أغرق في التقابل، فنبه على التفاوت بذكر لفظ الإلحاق، وبهذا التكلف يندفع الأمان. قال المصنف: وعليه قوله تعالى: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ (١) فإن ابتغاء الفضل يستلزم الحركة المضادة للسكون، والعدول عن لفظ الحركة إلى لفظ ابتغاء الفضل يستلزم؛ لأن الحركة ضربان حركة لمصلحة وحركة لمفسدة، والمراد الأولى لا الثانية. هذا وفيه أن السكون أيضا ضربان، فينبغي أن يعدل عنه، ويمكن دفعه بأن العدول عن الحركة إلى إيتاء الفضل يعين السكون للمصلحة، ويمكن أن يجعل نكتة العدول ما في ابتغاء الفضل من التنبيه على أن كل ما ينتفع به من فضل الله لا مدخل لسعي العبد حقيقة. قال الشارح: ومنه قوله تعالى: أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً (٢) لأن إدخال النار يستلزم الإحراق المتضاد للإغراق، وقد مر ما يتعلق به، فتذكر. (و) ثانيهما: الجمع بين معنيين غير متقابلين، غير أنهما بلفظين يتقابل معناهما الحقيقيان، كذا ذكره الشارح، وينبغي أن لا يخص إيهام التضاد بجمع ما يتضاد معنياهما الحقيقيان، بل بجعله منه ما يتضاد معنياهما المجازيان المشهوران، وإذا عبر عن المعنيين بهذين اللفظين أبرز المعنيان في صورة المتضادين، فالحسن راجع إلى المعنى بهذا الاعتبار، فلا يتوهم أن هذا جمع لفظين معنياهما متضادان، فالحسن عائد إلى اللفظ لا إلى المعنى، فلا يصح جعله من المحسنات المعنوية. (نحو قوله) أي: دعبل كزبرج شاعر خزاعي رافضي [(لا تعجبي يا سلم) ترخيم سلمى، أو المراد: يا سالمة من العيوب، فيكون السلم بمعنى السّلام المستعمل في السالم (من رجل) يعني نفسه عبر عنه برجل؛ لتمكنه الوصف بالجملة (ضحك المشيب) هو كالشيب الشعر وبياضه. قال الشارح: أي ظهر ظهورا تاما، فجعل الضحك كناية عن الظهور التام؛

стр. 982

إما لأن الظهور التام للشيب يجعل صاحبه مضحكة للناس، أو لأن الظهور يستلزم ظهور ما خفي من مستورات الشفتين (برأسه فبكى)] (١) ذلك الرجل لتذكر الموت أو التأسف على زمان الشباب، فلا تقابل بين ظهور الشيب والبكاء، بل يكاد يكون بينهما تلازم، لكن بين المعنى الحقيقي للضحك والبكاء تقابل، ويمكن أن يراد بضحك المشيب سروره تشبيها للمشيب برجل سار من قوته وغلبته، وبالبكاء الحزن، فحينئذ يكون من أصل الطباق. (ويسمى الثاني: إيهام التضاد)؛ لأن المعنيين المذكورين الغير المتقابلين قد عبرا بلفظين يوهمان التضاد للتقابل بين معنييهما الحقيقيين أو المجازيين مع الشهرة. (ودخل فيه) أي: في الطباق بالتفسير الذي سبق، والملحق به (ما يختص باسم المقابلة) وإن جعله السكاكي وغيره قسما برأسه من المحسنات المعنوية؛ حيث ذكروها في مقابلة الطباق. (وهي أن يؤتى بمعنيين) متوافقين أو أكثر ثم بما يقابل ذلك على الترتيب فيكون داخلا فيه، فإنه يصدق عليه الجمع بين معنيين متقابلين؛ لأن المراد الجمع بين معنيين متقابلين فصاعدا، كما أشرنا إليه، ولما كان يتجه عليه أن جعله داخلا في الطباق، دون مراعاة النظير يحكم؛ لأنه كما يصدق عليه باعتبار جمع المتقابلين تعريف التضاد يصدق عليه، باعتبار جمع المتوافقين تعريف مراعاة النظير دفعه بقوله: (والمراد بالتوافق خلاف التقابل) (٢) لا التناسب، فإنها غير مشروطة بذلك بشواهد الأمثلة، وهذا وإن يرجح الحكم بدخولها بالطباق، لكن لا ينفي كون بعض أفرادها من مراعاة النظير؛ لأنه كما لم يشترط فيه التناسب، لم يشترط عدمه، وقد توجه كلام القوم بأن الطباق: الجمع بين الضدين بلا فصل، بخلاف المقابلة فإنه يشترط فيها الفصل بين المتقابلين بغيرهما.

стр. 983

ويرده تمثيلهم المطابقة بأمثال فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً (١) وقد توجه بأن الطباق هو جمع المتقابلين فقط، والمقابلة جمع المتقابلات، وفيه أنه لو خص الطباق بجمع المتقابلين فقط يخرج جمع المتقابلات من غير ذكر على ترتيب المتناسبات المجموعة أولا منها. وبقي مهملا، مع أنه من المحسنات البديعية المعنوية. ثم قسم المقابلة إلى أقسام، مقابلة الاثنين بالاثنين، والثلاثة بالثلاثة، والأربعة بالأربعة، إلى غير ذلك مما لا يحصى. ولما كان هذا التقسيم والتسمية من التطويل بلا طائل لم يلتفت إليه المصنف، ونبه على أنها تقع على تلك الأنحاء بذكر الأمثلة الثلاثة. (نحو) قوله تعالى (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً ونحو قوله) أي: قول رجل كني بأبي دلامة على وزن نمامة: (ما أحسن الدّين والدّنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرّجل) (٢) ذكر الرجل تغليب؛ إذ حديث المرأة معلوم بطريق الأولى؛ لأنه إذا لم يدفع قبح الكفر والإفلاس كمال الرجل برجوليته، كيف يدفعه نقصان المرأة؛ لكونها مرأة (ونحو فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى) (٣) أي: بالكملة الحسنى أعني: كلمة التوحيد أو بالخصلة الحسنى أي: الإيمان أو بالملة الحسنى، وهو الملة من عند الله أو بالمثوبة الحسنى، وهي الجنة فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (٤). قال الشارح: ولما كان التقابل في الجميع ظاهرا إلا مقابلة الاتقاء والاستغناء، بيّنه بقوله (المراد باستغنى: أنه زهد فيما عند الله تعالى، كأنه مستغن عنه فلم يتق). ويمكن أن يقال: لما كان ظاهر العبارة إدخال مقابلة في الطباق، وكان المراد

стр. 984

إدخاله في الطباق، ولم يلحق به، نبه على أن جميع الاتقاء والاستغناء مما يلحق بالطباق؛ ليعلم أنه أراد بقوله: دخل فيه الدخول في الطباق وما يلحق به، ثم نقول: مقابلة الاستغناء عن الله بالتقوى ظاهر مستغن عن جعله في قوة عدم التقوى فتأمل. (أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة فلم يبق، وزاد السكاكي) قال الشارح: أي في تعريف المقابلة قيدا آخر، فعرفه بأن يجمع بين شيئين متوافقين أكثر وضديهما. (وإذا شرط) اعتبر (هاهنا) أي: فيما بين الموافقين أو المتوافقات (أمر شرط ثمة) أي: فيما بين الضدين أو الأضداد. (ضده) أي: ضد ذلك الأمر (كهاتين الآيتين) فإنه لما جعل التيسير مشتركا بين الإعطاء والاتقاء والتصديق. (جعل ضده) وهو التعسير المعبر عنه بقوله: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (مشتركا بين أضدادها) وهي البخل والاستغناء والتكذيب، فعلى هذا لا يكون بيت أبي دلامة من المقابلة؛ لأنه اشتراط في الدين والدنيا الاجتماع، ولم يشترط في الكفر والإفلاس ضده، بل الظاهر أنه مبني على الاجتماع؛ إذا الإفلاس مع الإسلام ليس قبيحا فضلا عن كونه غاية في القبح، هكذا شرح كلام المصنف والمفتاح، ووافقه شريف زمانه. ونحن نقول إثبات مذهب جديد للسكاكي بلا سند معتد به، مما لا يستحسنه العقلاء، وقول السكاكي وإذا شرط هنا أمر شرط ثمة ضده، كما يحتمل أن يكون بيان ما لا بد منه للمقابلة يحتمل أن يكون بيان ما به يكمل ويزيد حسنها، بل سوق كلامه؛ حيث قال بعد التعريف ثم إذا شرط هاهنا أمر شرط، ثم ضده يدل على المخالفة بين هذا الكلام والتعريف؛ وذلك لأن التعريف بيان ما لا بد منه للمقابلة، وهذا بيان ما له بد منه، وله مدخل في كمالها. ولكلام المصنف احتمال أنه زاد السكاكي حكما على القوم هو أنه يكمل المقابلة بذلك، لا أنه زاد في تعريف المقابلة قيدا.

стр. 985

نعم تصرف في كلام السكاكي بما أخل بها، حيث غير قوله ثم إذا شرط إلخ بقوله: وإذا شرط إلخ. ومما وقع في هذا المقام من المصنف أن لكلام السكاكي في تعريف المقابلة خللا على ما يشعر به كلام الإيضاح؛ حيث زاد على تعريف السكاكي للمقابلة، وهي أن تجمع بين معنيين متوافقين، أو أكثر وضديهما قوله: أو أضدادها. واتخذه الشارح المحقق، والمحقق الشريف مذهبا في شرح كلام المفتاح وصرحا بأنه لا بد في الكلام من حذف معطوف، أي: أو أضدادها وليس بذاك؛ لأن معنى كلام السكاكي أن يجمع بين معنيين متوافقين، أو أكثر، ثم ضدي هذين المجموعين بأن يأتي بضد المعنيين المتوافقين، وهو ضدهما وبضد الأكثر وهي أضداده. واعلم أنه لا وجه لجعل الجمع بين المتناسبين وضديهما على الترتيب مقابلة دون الجمع لا على الترتيب؛ لأن الجمع لا على الترتيب أيضا من المحسنات، ونشر لا على ترتيب اللف، وكأنه لذلك حذف السكاكي قيد الترتيب عن تعريفه. ولا يذهب عليك أنه لا يجب أن يكون الشرط وضده خارجين عن الأضداد والمتوافقات، كما توهمه العبارة. ألا ترى أن التيسير واحد من المتوافقات والتعسير واحد من الأضداد. (ومنه) أي: ومن المعنوي (مراعاة النظير) وتسميته بهذا الاسم والتوفيق أي: جعل الشيء موافقا لشيء، والتلفيق أي: ضم شيء إلى شيء بالخياطة بطريق نقل الاسم من أفعال المتكلم به في مقام التكلم به، ولو جعلت هذه الثلاثة مبنيات للمفعول كانت تسمية باسم صفات الأجزاء كالتناسب والائتلاف. (ويسمى التناسب والتوفيق أيضا، وهو جمع أمر وما يناسبه) شامل للطباق والمشاكلة ومراعاة النظير فأخرج بقوله: (لا بالتضاد) الطباق والمراد بالتضاد ما هو مصدر المتضادين بالمعنى المفسر سابقا، فيخرج الطباق رأسا بقي المشاكلة؛ لأنه جمع أمر، وما يناسبه بمناسبة الجوار في تعبير واحد، فلا بد من قيد يخرجها. وقد أهمله القوم، ولا يبعد أن يقال: المتبادر من الجمع الجمع في التركيب،

стр. 986

لا الجمع في التعيين. لا يقال: الجمع في التركيب أيضا يصدق عليها؛ لأنا نقول ليس جمع المتشاكلين في التركيب جمع المتناسبين؛ إذ التناسب حصل بالجمع، وإنما عدل عن عبارة المفتاح، وهي الجمع بين المتشابهات؛ لأنه لا يصدق على جمع المتناسبين لا بالشبه كالقوس والسهم، والوتر مثالها من التنزيل ما ذكره بقوله (نحو الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ) (١) قال الزجاج: الشمس والقمر في موضوع الابتداء، وقوله بحسبان، يدل على الخبر أي: يجريان بحسبان، أي: يدلان على عدد الشهور والسنين وجميع الأوقات. كذا ذكره الطيبي. (وأمثالها) من شعراء البلغاء ما أشار إليه بقوله: (نحو قوله) أي: قول البحتري في صفة الإبل المهزولات [(كالقسيّ المنعطفات) أي: الأقواس المنحنيات من عطف العود، وعطفه حناه (بل الأسهم) جمع سهم (مبريّة) أي: منحوتة (بل الأوتار)] (٢) جمع وتر ومن لطائف هذا التناسب أنه جمع مفهومات يجمع بينها في الخارج، وجعل الشارح المثال الأول لجمع المتناسبين، والثاني لجمع ثلاثة متناسبات. وقال: وقد يكون بين أربعة، كقول بعضهم للمهلبي الوزير: أنت إيهام الوزير، إسماعيلي الوعد، شعيبى التوفيق، يوسفي العفو، محمدي الخلق، والمهلبي: نسبة إلى المهلب الشاعر بصيغة اسم المفعول من هلبهم تهليبا هجاهم وشتمهم، أبو المهالبة: وذلك الوزير كان من المهالبة وإسماعيل ﵇ علم في صدق الوعد. ذكر في تفسير الكواشي أنه وعد رجلا أن يقيم مكانه حتى يعود إليه، وذهب الرجل ونسي سنة وهو ﵇ تثبت في هذا المكان سنة، حتى يذكر الرجل وعاد، وعفو يوسف مستغن عن البيان. وشعيب موفق بالعبادة والصلاة، وأخبر الله عن خلق محمد ﵇ بقوله: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٣) سئلت عائشة- ﵂ عن

стр. 987

خلقه قالت «خلقه القرآن» (١) ومن أمثلة ذكرها المصنف، وفيه أكثر من أربعة قول ابن رشيق أصح وأقوى ما سمعناه في الندى من الخبر المأثور، منذ قديم أحاديث يرويها السيول عن الحياء، يعني المطلوب (٢) عن البحر عن كف الأمير تميم، قال: فإنه ناسب فيه بين الصحة والقوة، والسماع والخبر المأثور، والأحاديث والرواية، ثم بين السيل والحياء والبحر وكف تميم مع ما في البيت الثاني من صحة الترتيب في العنعنة؛ إذ جعل الرواية لصاغر عن كابر، كما يقع في سند الأحاديث؛ فإن السيول أصلها المطر، والمطر أصلها البحر، على ما يقال؛ ولهذا جعل كف الممدح أصلا للبحر مبالغة. هذا كلامه، ومما في البيت الثاني وغفل عنه، ومن تبعه أنه جمع السيول جمع كثرة لتصير الرواية في كمال القوة بكثرة الرواة، ويبلغ حد الشهرة، بل التواتر فيفيد اليقين، وفي هذا والعنعنة إثبات ما ادعاه من كون تلك الأحاديث أصح. ولا يخفى أن صحة العنعنة، وتكثير الراوي ودعوى الأصحية من الأمور المتناسبة فليستا لطيفتين خارجتين عن التناسب، ذكرنا لبيان لطائف البيت كما يتوهم. [من المحسنات المعنوية] [ومنه مراعاة النظير] (ومنها) أي: من مراعاة النظير (ما يسميه بعضهم تشابه الأطراف وهو أن يختم الكلام بما يناسب ابتداءه في المعنى) والتناسب قد يكون ظاهرا (نحو لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (٣) أي: العالم، فإن اللطف يناسب ما لا يدرك بالبصر (٤)، والخبرة تناسب ما يدرك شيئا؛ لأن المدرك للشيء يكون خبيرا به. كذا ذكره الشارح، وفيه نظر؛ لأن الخبير هو المدرك للشيء لا ما يناسبه، فالأولى يقال: الخبير يناسب كونه مدركا للأبصار؛ لأن الخبير هو المدرك، فيتحقق المناسبة باعتبار العموم والخصوص، وقد يكون خفيا.

стр. 988

قال المصنف: ومن خفي هذا الضرب قوله تعالى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) فإن قوله: إن تغفر لهم، يوهم أن الفاصلة الغفور الرحيم، لكن إذا أمعن النظر علم أن الواجب هو العزيز الحكيم؛ لأنه لا يغفر لمن يستحق العذاب إلا من ليس فوقه أحد يرد عليه حكمه، وهو العزيز أي: الغالب، من قولهم: عزه يعزه، كغر يغر عليه، ومنه المثل من عزيز، أي: من غلب سلب، ثم يجب أن يوصف بالحكيم؛ لئلا يتوهم أن الغفران خارج عن الحكمة؛ لأن الحكيم من يضع الشيء في محله فهو احتراس حسن، أي: إن يغفر لهم مع استحقاقهم العذاب فلا اعتراض عليك لأحد في ذلك، والحكمة فيما فعلته. هذا كلامه، وتبعه الشارح، ونحن نقول والله تعالى أعلم: الأظهر أن الحكيم ليس من الإطناب، بل كما لا بد من الوصف بالعزة لتحقق تمكنه من المغفرة لمستحق العذاب، لا بد من الوصف بالحكمة؛ لأنه لا يغفر لمن يستحق العذاب إلا من ليس فوقه أحد يرد حكمه عليه، والمتفوق على الفاعل قد يكون متفوقا بالقدرة، فيمنعه بالغلبة، وقد يكون متفوقا بالعلم فيمنعه بالحكمة والعلم، فلا يستفاد نفي المتفوق عليه مطلقا بمجرد حصر الغرة فيه، لا بد في الاستفادة من حصر الحكمة أيضا. (ويلحق بها) أي: بمراعاة النظير، وليس منها كما يوهمه تمثيل المفتاح لها ببيت السقط، وحرف كنون تحت راء أو لم يكن بذال يؤم الرسم غيره النقط، مع أنه لا تناسب بين المعاني المرادة بهذه الألفاظ؛ لأن المراد بالحرف الناقة المهزولة، وبالنون الحرف أو معناه الحقيقي فإن كليهما يصح أن يشبه بهما في الهزال، فما قال الشارح: وليس المراد بها الحوت على ما وهم وهم؛ ولذا فسره في شرح المفتاح بالحرف مع تأخره عن هذا الشرح، وبراء الرأي من رأيته ضربت ريته، وبدا لي الذالي أي: السائق برفق وبالرسم رسم الديار، وبالنقط تقاطر بالمطر على الرسوم لا إعراب الحروف، وتلك المعاني المرادة غير متناسبة، والتناسب مما يتوهم من تعبيرها بألفاظ تتناسب معانيها. الآخر أما التناسب فيما سوى الرسم فظاهر،

стр. 989

وأما في الرسم؛ فلأن من معانيه رسم الخط، وإن خفي إلى الآن، وقوله وحرف عطف على الرهط في البيت السابق أعني [(تجلّ عن الرّهط) أي: اللباس (الإمائيّ) أي: لباس تلبسه الإماء، فالرهط جلدة تلبسها الإماء الحيض مكان الإزار (غادة) أي: ناعمة لينة تميل عنقها من اللين، وتهتز أعطافها، فاعل لتجل (لها من عقيل في ممالكها رهط)] أي: قبيلة وقوم، فالمعنى تجل من اللباس الدنيء تلك الناعمة التي لها من عقيل في ممالكها قبائل، وعن ركوب حرف في غاية الضمير تكون تحت من يضرب رجله على ريته؛ لأنه لا حراك له من الضعف يؤم ذلك الرأي رسوم الديار التي غيره نزول المطر. والأظهر كما نبه عليه المصنف أن إيراد البيت في المفتاح تنظير لا تمثيل، كما هو دأبه وتنبيه على أنه ملحق بمراعاة النظير، فلا يحتاج إلى ما تكلف البعض أن مراد المفتاح بجميع المتشابهات في تعريف مراعاة النظير، أعم من المتشابهات حقيقة، ومن المعبر بعبارات لها معان متشابهة، فالمراد بقوله (نحو الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (١) أي ينقادان لحكم الله تعالى، مما جمع فيه بين معنيين غير متناسبين بلفظين يكون لهما معنيان متناسبان، كما أنه جمع بين الشمس والقمر والنجم، مع عدم التناسب بين النجم وبينهما؛ إذ المراد به نبات لا ساق له، وإنما جمع لإيهام التناسب لتعبيره بالنجم الذي ناسب معناه الآخر للشمس والقمر، وبعدم إيهام هذه المتناسبة صح جمع الشجر أيضا لمناسبته للنجم المناسبة لهما. هذا ما تواطأ عليه الآراء، وأخبر به العلماء. ولك أن تقول النجم والشجر متناسبان للشمس والقمر؛ لأن المقصود جريان حكمه تعالى في العلويات والسفليات، وخص الشمس والقمر؛ لتحركهما أبدا بحكمه تعالى على نهج واحد، من غير ظهور تغيير منهما لحكمه، والنجم والشجر من السفليات؛ لأنهما ينبتان في كل سنة مرارا وينعدمان فأثر الحكم عليهما أظهر، فكأنه قال: ينقاد لحكمه تعالى العلوي والسفلي، فجمع الشجر والنجم، مع الشمس والقمر من جمع المعاني المتناسبة.

стр. 990

قال المصنف: أما ما يسميه بعضهم التعريف، وهو أن يؤتى في الكلام بمعان ملتئمة، وجمل مستوية المقادير أو متقاربة المقادير كقول من يصف سحابا تسربل وشي من خزوز تطرّزت ... مطارفها طرزا من البرق كالتّبر فوشي بلا رقم ونقش بلا يد ... ودمع بلا عين وضحك بلا ثغر (١) وكبيت كقول ديك بالجن: اخل وامرر وضرّ وانفع ولن ... واخشن ورش وابر وانتدب للمعالي (٢) فبعضه من مراعاة النظير وبعضه من المطابقة. هذا كلامه أقول: أولا في توضيح كلامه: التعريف مأخوذ من ثوب مقوف على صيغة المفعول، أي: رقيق أو مخطط بخطوط بيض على الطول. والتسربل: لبس السربال، أي: القميص. والوشي: اللباس المنقوش. والخزوز: جمع خز. وتطرزت: أخذ الطراز. والمطارف: جمع مطرف، وهو الرداء من خز مربع له أعلام، والطرز جمع طراز، وهو علم الثوب. ومعنى البيت: لبس السحاب قميصا منقوشا من خزوز عليها أردية مطرزة بالبرق، كالتبر والباقي ظاهر، إلا أن فيه أن تفرع دمع بلا عين، وضحك بلا ثغر على سابقه لا يظهر. وديك الجن: عبد السّلام الشاعر، ومعنى بيته أحل: كن حلوا للأولياء، وأمرر: كن مرّا على الأعداء، وضر: المخالف، وانفع الموافق، ولن: كن لينا للملائم، خشنا للعنيف، ورش: أي أصلح حال من يختل حاله، وابر: أي انحت واقطع المفسدين من برى القلم نحته، وانتدب للمعالي: أي أحب يقال

стр. 991

ندبه لأمر فانتدب أي دعاه له، فأجاب. قال الشارح: فالأول داخل في مراعاة النظير؛ لكونه جمعا بين الأمور المتناسبة، والثاني داخل في الطباق؛ لكونه جمعا بين الأمور المتقابلة، وفيه نظر؛ لأن الدمع والضحك ليسا من الأمور المتناسبة، بل المتضادة. وأقول ثانيا في نقد كلامه إن جعل العبارات متناسبة المقدار بالاستواء أو التقارب لتكون كمعانيها في التناسب ليس طباقا ولا تناسبا. [ومنه الإرصاد] (ومنه) أي: من المعنوي (الإرصاد) وهو في اللغة الإعداد، فالمتكلم أعد قبل الآخر ما يدل عليه. وقال الشارح: هو نصب الرقيب، ولو ساعده اللغة فوجه المناسبة أنه جعل المتكلم المخاطب رقيبا ينتظر العجز (ويسميه بعضهم التسهيم) (١)، وكأنه أخذ هذا الاسم من السهم، بمعنى النصيب، أي إعطاء الكلام نصيبا من الحسن أو من السهم، بمعنى البيت الذي اشتهر، وجاز من بلد إلى بلد، فسمى التسهيم؛ لأنه يجعل الشاعر بهذا العمل بيته سهما أو من السهم بمعنى حجر على باب بيت بنى لصيد الأسد، فإذا دخله الأسد وقع فسد الباب، فجعل في البيت قبل العجز ما يصيد العجز. قال الشارح: هو من برد مسهم أي: فيه خطوط مستوية، كأنه جعله منقولا بجامع التزيين. (وهو أن يجعل قبل العجز) أي الآخر، وفيه خمس لغات العجز مسألة وكعضد وكتف، ويؤنث فينبغي تأنيث الضمير في قوله مما يدل عليه. (من الفقرة) هي بالفتح والكسر في اللغة لما انتضد من عظام الصلب من الكاهل إلى العجب، ثم اشتهر في حلي يصاغ على شكل فقرة الظهر، وفي عرف الفن ما هو في النثر بمنزلة البيت في الشعر، مثلا قولهم يطيع الأشجاع بجواهر لفظه فقرة، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه، فقرة أخرى، إلا أن البيت يكون بيتا وحده، والفقرة لا تكون فقرة بدون الأخرى (أو من البيت ما يدل عليه) أي: العجز، وهو آخر كلمة من البيت، أو من الفقرة وما يدل عليه قد يكون

стр. 992

بحيث يدل عليه مطلقا. وأما في الفقرة (نحو) قوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١) فإن الاستدراك من قوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ، يدل على العجز. (و) أما في البيت (نحو قوله) أي: قول عمرو بن معدي كرب: (إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع) (٢) فإن قوله: وجاوزه يدل على أن الآخر ما تستطيع. وقد يكون بحيث لا يدل عليه لو لم يعرف الروى، وهو الحرف الذي يبتنى عليه أواخر الأبيات، ويجب تكراره في كل منها، وينسب إليه القصيدة، فيقال: قصيدة لامية أو نونية، بل ربما يوهم خلافه. أما في النثر كقوله تعالى: وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٣) وما في الشرح من رواية «فيما هم فيه يختلفون» سهو؛ فإنه لو لم يعرف بناء الفواصل على النون لربما توهم أن العجز هاهنا فيما فيه اختلفوا وفيما اختلفوا. وأما في الشعر فكقوله: أحلّت دمي من غير جرم وحرّمت ... بلا سبب يوم اللقاء كلامي فليس الذي حلّلته بمحلّت ... وليس الّذي حرّمته بمحرّم (٤) فإنه لو لم يعرف الروي لربما توهم أن العجز بمحرم، فدلالة ما يدل على العجز في الإرصاد لا يتحقق كليا إلا إذا عرف الروي؛ فلذا قيد التعريف به كذا يستفاد من الشرح. وهاهنا بحث من وجوه:

стр. 993

أحدها: أنه لا دلالة في قوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١) لولا معرفة الروي لجواز أن يكون آخر الكلام وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ أبدا إلى غير ذلك. وكذا البيت؛ لجواز أن يكون آخر البيت «إلى أن تستطيعا». وثانيها: أنه لا دلالة في قوله تعالى: وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً (٢) الآية على العجز مع معرفة الروي أيضا؛ لجواز أن لا يكون يختلفون، ويكون مختلفون، بل هو أولى؛ لأنه أقرب طباقا مع الماضي السابق إلا أن يقال المراد بالدلالة على العجز الدلالة على صيغته، وصيغة مختلفون ويختلفون واحدة، وفيه تكلف. وثالثها: وهو أن معرفة الروى لا تجري في الفقرة؛ لأنه لا روي فيها؛ ولذا يقول في تعريف لزوم ما لا يلزم، وهو أن يجيء قبل حرف الروي أو ما في معناه من الفاصلة إلخ إلا أن يتكلف، ويقال: أراد بالروى ما يعم ما في معناه. ورابعها: أنه مع معرفة الروي أيضا لا يعرف أن العجز في قوله: وليس الذي حرمته بحرام؛ لأن الروي في بمحرم، وبحرام واحد، فيجب أن يقول إذا لم يعرف القافية. [المشاكلة] (ومنه) أي: من المعنوي (المشاكلة) وهي في اللغة الموافقة والمناسبة ظاهرة (وهو) في الاصطلاح (ذكر الشيء بلفظ غيره) وذلك يشمل كل مجاز وكناية، فقيده بقوله (لوقوعه في صحبته) فاللام للوقت، أي: وقت وقوعه في صحبته، وأما ذكر الشيء بلفظ غيره، لا في هذا الوقت، فلا يسمى مشاكلة، وليس اللام للتعليل؛ لأن إطلاق لفظ الغير على الشيء معلل بالعلاقة، والوقوع في صحبة الغير ليس من العلاقات المصححة، والعلاقة قد تكون خفية فلم تظهر في بعض الأمثلة لخفائها على الفحول فأشكل عليهم وجه إطلاق الطبخ على الخياطة مثلا، فتارة قالوا بأن القول بالمشاكلة أثبت قسما آخر سوى المجاز والكناية، وتارة بأنهم قالوا أثبت كون الوقوع في صحبة الغير علاقة المجاز.

стр. 994

ونحن نبين لك علاقات أمثلة الشارح على وجه تتخلص من هذه الورطة، وتمكن في تخريج العلاقة بحيث لا يلتبس عليك، ولا يشكل مشاكلة. (تحقيقا) أي: وقوعا محققا (أو تقديرا) أي: مقدرا، فالأول كقوله (١): [(قالوا اقترح) أي علينا (شيئا) أي: سل من غير تفكر وتأمل، يقال: اقترحت عليه شيئا أي: سألته بلا تفكر، وهذا إنما يكون بين الأصدقاء. وأما ما قال الشارح: إنه من اقترحت عليه شيئا إذا سألته إياه من غير روية وطلبته على سبيل التكليف، والتحكم عن خلط المعنيين، فإن الاقتراح يجيء بمعنى السؤال من غير روية على ما في الصحاح. ويجيء بمعنى التحكم أيضا على ما في القاموس، على أن إجادة الطبخ لا ينبغي أن تتوقف على التكليف والتحكم، بل ينبغي أن يتحقق بمجرد الإشارة. وقد يجيء بمعنى الابتداع، ويحتمله البيت أي: ابتدع سؤالا، وسل ما لا يعتاد سؤال مثله (نجد لك طبخه) ولا يخفى أنه أبلغ في الانقياد لأمره من الانقياد لما تعتاد سؤال مثله. والشارح المحقق ذهل عنه، فقال: ليس من اقترح الشيء ابتدعه، فإنه غير مناسب على ما لا يخفى، وقوله نجد، مجزوم جواب الأمر من الإجادة يعني التحسين، وهو مقتضى الرواية والدراية، وإن كان لنجد من وجد وجه صحة (قلت اطبخوا لي جبّة وقميصا)] (٢) عبر عن الخياطة بالطبخ تشبيها له في كونه مما ينبغي أن يكون مرغوبا لهم؛ لأنهم كما قالوا نجد لك طبخه علم أنهم رغبوا في الطبخ له فرغبهم في الخياطة بتصويره بصورة الطبخ. ومن هذا ظهر أيضا تأثير المشاكلة في المعنى واضمحل ما يوسوس في صدور القاصرين أنه لا يتجاوز تحسين المشاكلة الألفاظ، فحقه أن يعد في المحسنات اللفظية. ولا يخفى أن هذا التعبير يلائم كل الملائمة كون الاقتراح بمعنى الابتداع، فإنه

стр. 995

سؤال مبتدع لم يسمع قط من طبخ الجبة والقميص، وأشار بقوله (ونحوه تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ) (١) أي: في ذلك إلى تفاوت بين الشاهدين، فالأول وقع فيه الطبخ، والثاني وقع في الصحة، باعتبار وقوعهما في كلام صادر من شخص واحد، يقال: لا يجوز إطلاق النفس على الله تعالى، وإن أريد به الذات بدون المشاكلة، ولعل ذلك لكون إطلاق الألفاظ عليه تعالى توقيفيا. ولم يوجد إطلاق النفس في غير صورة المشاكلة، وأما إطلاق النفس على ذاته فبعلاقة أنه كما تقوم أمور الشخص بنفسه تقوم أموره تعالى بذاته، فنفسه نفس ذاته، كما أن سمعه وبصره كذلك. (والثاني) وهو ما يكون وقوعه في صحبته تقديرا (نحو قوله) تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ إلى قوله: صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (٢) فإنه لم يقع المعنى المراد أعني: التطهير في صحبة الصبغ تحقيقا؛ إذ ليس في الكلام صبغ (وهو مصدر مؤكد لآمنا بالله) أي: من قبيل له على ألف درهم اعترافا، ويجب حذف عامله لذلك ولحذف عامله جهة أخرى، وهو أن المصدر أضيف إلى فاعل الفعل، لا لبيان النوع، وكان الأصل صبغ الله صبغة، فلما حذف الفعل تحول فاعله إلى مصدره فأضيف إليه، وكلما كان كذلك يجب حذف عامله صرح به الرضي، وأشار إلى وجه كونه من قبيل اعترافا بقوله (لأن الإيمان يطهر النفوس) فنبه به على أنه لا يحتمل غير التطهير، وإلا لقال يحتمل تطهير النفوس، ثم أشار إلى بيان وقوعه في صحبة الصبغة تقديرا بقوله: والأصل فيه أي: ما يبنى عليه الأمر في وقوعه في صحبته تقديرا، وهذا أولى من شرح الشارح؛ حيث قال: ثم أشار إلى بيان المشاكلة، ووقوع تطهير الله في صحبته تقديرا (الأصل فيه) أي ذكر التطهير بلفظ الصبغ فتأمل. (إن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه معمورية ويقولون إنه) أي: الصبغ بهذا الماء الأصفر، والغمس في هذا الماء (تطهير لهم) قال في القاموس ويجعلونه بمنزلة الختان، فقال الله تعالى للمسلمين قولوا آمنا بالله

стр. 996

صبغة الله أي: غمسنا الله في الإيمان الذي كالماء الطهور صبغة من صبغ يده بالماء غمسها فيه، أو تلوين الله من صبغه كمنعه نصره وضربه لونه، لا كصبغكم بأحد المعنيين. هذا إذا كان الخطاب للمؤمنين أو قولوا آمنا بالله صبغة الله بأحد المعنيين، لا كصبغنا بأحدهما إذا كان الخطاب للنصارى. ومما يتعجب منه ما وقع للشارح المحقق في شرحه للتلخيص وشرحه للمفتاح أنه إذا كان الخطاب للكفار فالمعنى أنه أمر الله المسلمين أن يقولوا لهم قولوا آمنا بالله وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا كصبغتنا، ولا يخفى أن الخطاب يقولوا للنصارى لا يفيد الآمر النصارى بهذا القول، لا أمر المسلمين بأن يقولوا لهم قولوا فعبر عن الإيمان بالله بصبغة الله للمشاكلة بعلاقة أنه كما لا تطهير إلا بالصبغ في اعتقادهم لا تطهير إلا بالإيمان في الواقع. قال المصنف: هذا كما يقال لمن يغرس الأشجار: اغرس كما يغرس فلان، يريد رجلا يصطفى إلى الكرام ويحسن إليهم، ونحن نقول: اغرس كما يغرس فلان يحتمل أن يكون لما ورد في الحديث أن أرض الجنة بيضاء وإنما غرسها العمل الصالح. [(ومنه: المزاوجة)] وهي في اللغة الازدواج، وفي الاصطلاح (أن يزاوج) اختلف في تصحيح نسخ المفتاح، ففي بعضها صيغة الخطاب، وفي بعضها صيغة الغائب المجهول، فالتركيب من قبيل حيل بين الغير والنزوان، وبيانه في العلم الذي ملكته (بين معنيين في الشرط والجزاء) وهذا التركيب مبهم لا يحصل منه مفهوم جامع مانع للمزاوجة من غير تكلف، فالشارح قال ما استفيد به من كلام السلف أن يوقع الازدواج بين معنيين واقعين في الشرط والجزاء في أن يترتب عليهما معنى واحد. ولا يخفى أن هذا لا يستفاد من العبارة على أن المتبادر منه الواحد من كل وجه مع أن الواجب أن يحمل على ترتيب معنى واحد بحسب الجنس، فإن لجاج البحر، ولجاج الهوى ليسا متحدين إلا في جنس اللجاج؛ فلا بد من الاستعانة بالأمثلة في فهم المقصود.

стр. 997

ومنهم من قال أن يزاوج بين معنيين في الشرط والجزاء بأن يقارن أحدهما بالشرط ثم يقارن الآخر بهذا المعنى في الجزاء، بواسطة أن المقارن للجزاء المقارن للشرط مقارن لما قارن الشرط. ومنهم من قال أن يقارن بين معنيين في الجزاء بأن يقارن بمعنى هو الشرط معنى، ومعنى هو الجزاء معنى. قال الشارح المحقق في شرح المفتاح: الثاني أردى من الأول. وقال في الشرح والمختصر: وهو فاسد، ولا قائل بالمزاوجة في قولنا: إن جاء زيد، فسلم على أجلسته فأنعمت عليه. هذا وفي كون الثاني أردئ من الأول بحث؛ إذ ما أورده في المختصر مشترك بينهما، والعبارة أوفق بالثاني، بل أوفق من توجيه ما استفاده من السلف. ويمكن دفع النقض بتقييد المعنيين اللذين وقع الازدواج بينهما، وبين الشرط والجزاء بكونهما متحدين في الجنس، كما يقيد الازدواج على توجيه الشارح بكونه في ترتب معنى مخصوص عليهما بقرينة الأمثلة. هذا، وينبغي أن لا تخص المزاوجة بين الشرط والجزاء، ويجعل منه نحو التي نهاني الناهي عن حبها فلج بي الهوى أصاخت إلى الواشي فلج بها الحجر، فإنه يشارك المركب من الشرط والجزاء المزدوجين في هذا التحسين البديعي، فإما أن يأول الشرط والجزاء بما يشمل هذا التركيب فتفطن، أو يجعل هذا ملحقا بالمزاوجة. (كقوله) أي: قول البحتري: [(إذا ما نهى النّاهي) ومنعنى عن هواها (فلجّ) أي: لزم (بي الهوى أصخت إلى الواشي) أي: استمعت إلى النمام الذي يشي حديثه ويزينه، وصدقته فيما افترى علي، وكأنه افتراد أنه قبل نهى الناهي؛ إذ حينئذ بحسن اتصال الإصاخة بنهي الناهي (فلجّ بها الهجر)] (١). ومثله قوله أيضا [(إذا احتربت) أي: تحاربت الفرسان المذكورة في البيت السابق (يوما ففاضت) أي: سالت (دماؤها) أي: دماء المقتولين منها (تذكّرت القربى)

стр. 998

البقية من الفرسان (ففاضت دموعها)] (١) ومن قال دماء الفرسان بمعنى دماء سفوكها فقد تكلف بلا حاجة. (ومنه) المسمى باسمي (العكس والتبديل، وهو أن يقدم جزء من الكلام على جزء ثم يؤخر) عن ذلك الجزء أو ما يفيد معناه، فيشمل هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ (٢) وقد مثل به المصنف، ويشمل نحو عادات السادات لتسود العادات وسيادة العادات بجعل السيادة مصدرا بمعنى السادة نحو عادات السادات سيدة العادات، وسيادات العادات على ظاهر عبارة التعريف بأنه يصدق على رد العجز على الصدر في النظم والنثر. قال الشارح: العبارة الصحيحة ما ذكره بعضهم حيث قال: هو أن يقدم جزءا ثم يعكس، فيقدم ما أخر ويؤخر ما قدم. هذا، ولا يخفى عليك أنه لو قال البعض هو أن يقدم في الكلام ما أخر، ويؤخر ما قدم لكفى، والذي يشكل ويصعب دفعه أنه ما الفرق بين رد العجز على الصدر والعكس، حتى صار الأول من المحسنات اللفظية والثاني من المحسنات المعنوية. ويمكن أن يقال فيما نحن فيه الحسن باعتبار أنه يجعل المعنى الواحد مرة مستحق التقديم لفظه، وتارة مستحقا لتأخيره، بخلاف رد العجز على الصدر فإن الحسن فيه باعتبار جعل لفظ صدرا وعجزا، من غير تصرف في معناه في هذا التقديم والتأخير. ثم ظاهر التعريف يصدق على القلب نحو. مودّته تدوم لكلّ هول ... وهل كلّ مودّته تدوم (٣) فإنه قدم فيه أجزاء هي حروف على أجزاء هي حروف، ثم عكس إلا أن يقال: المتبادر من الجزء الكلمات دون الحرف. (ويقع) أي: التقديم والتأخير أو العكس (على وجوه منها أن يقع بين

стр. 999

أحد طرفي جملة، وما أضيف إليه) أي: إلى ذلك الطرف (نحو: عادات السادات سادات العادات) وكلام الملوك ملوك الكلام، فإن العكس قد وقع بين إحدى طرفي الكلام، وهو العادات في سادات العادات، وما أضيف إلى العادات من السادات. وفسر الشارح ما أضيف إليه بما أضيف الطرف إليه، فإنه وقع العكس بين العادات، وما أضيف العادات إليه وهو السادات، وما ذكرنا أقرب بالعبارة، ويخرج من بيانه نحو من عادات سادات العادات، فإنه لم يقع العكس بين إحدى طرفي الكلام، سواء كان بمعنى طرفي النسبة أو جانبي الكلام دون بياننا. (ومنها أن يقع بين متعلقي فعلين في جملتين، نحو يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ (١)) أقول: ومنها أن يقع بين متعلقي فعل وشبهه في جملة واحدة نحو يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ (٢) (ومنها أن يقع بين لفظين في طرفي جملتين) أي: جانبيهما، سواء كان اللفظ طرفي النسبة أولا نحو لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ فهن طرف النسبة وهم قيد للطرف وكذا: وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ (٣) لفظه هم فيه طرف النسبة، ولفظة هن قيد للطرف. ومن جملة هذا القسم أن يقع اللفظان نفس طرفي النسبة في الجملتين، كما أنشد الشارح لنفسه: طويت بإحراز الفنون ونيلها ... رداء شبابي والجنون فنون فحين تعاطيت الفنون وحظّها ... تبيّن لي أنّ الفنون جنون ففي جعل الشارح ذلك مما وقع العكس بين طرفي جملة مقابلان لما ذكره المصنف مما وقع بين لفظين في طرفي جملتين، بحيث لا يخفى. (ومنه الرجوع) سمي به لما يشعر به تعريفه من أنه الرجوع على الكلام السابق بالنقض أو لأنه رجوع عن الحكم السابق. (وهو العود إلى الكلام السابق بالنقض لنكتة) وإنما قال لنكتة؛ لأن بعض

стр. 1000

الكلام السابق لو لم يكن لنكتة، لكان مفسد الكلام فلا يكون محسنا. فإن قلت: إذا كان النقض لنكتة كان من دواخل البلاغة، فلا يكون تابعا. قلت: كما أن التحسين قسمان، كذلك النكتة (كقوله) أي: زهير: [(قف بالدّيار الّتي لم يعفها) أي: لم يمحها (القدم) أي: تقادم العهد (بلى) أي: بلى محاها القدم (وغيّرها الأرواح) جمع ريح كالرياح، والأرياح في الصحاح، وقد يجمع على أرواح؛ لأن أصله الواو قلب في الرياح ياء لكسر ما قبلها، وزال الكسر في أرواح كان وهذا من أبقى الياء قصد دفع الالتباس بالأرواح جمع روح، وقوله وغيرها الأرواح عطف على المحذوف بعد بل، كما أشرنا إليه فلا داعي إلى جعل الواو فيه زائدة، وجعله في قوة بل غيرها كما في الصحاح (والدّيم)] (١) جمع ديمة بالكسر، وهي مطر يدوم بلا رعد وبرق أو يدوم خمسة أو ستة أو سبعة أو يوما أو ليلة أو أقله ثلث النهار أو الليل أو أكثر ما بلغ دل الكلام السابق على أن تقادم العهد لم يمح الديار وآثارها فلما بدا له أنه كذب أراد الخبر بأنه محاها القدم وغيرها الأرواح والديم، فأتى بقوله بلى نقضا له؛ إذ لو قال: لم يعفها القدم محاها القدم كان كلاما واهيا موهما؛ لأن قائله يتفوه بما لا يشعر به، فلما قال: بلى، علم أنه نقض الكلام السابق، فجاء الإخبار يمحوها القدم وتغيرها الأرواح والديم مقبولا لطيفا. وكذلك قوله [فأفّ لهذا الدّهر لا بل لأهله] (٢) فإن نقض السابق بقوله لا يحسن الإضراب، والنكتة في ذكر لا التنبيه على أن ما بعده إضراب لا ترق، والنكتة في الإخبار أولا بما هو غير واقع إظهار حدوث الكآبة والحزن والدهش والحيرة بالوقوف على الديار، على ما نقله المصنف، وإظهار أنه يمكن رسوم الديار في بصره، ويمكن خيالها في نفسه؛ بحيث لم يقف أولا أنه محا لقدم آثارها على ما نقول، وهذه النكتة مما هي من دواخل البلاغة، كما لا يخفى.

стр. 1001

والشارح المحقق ظن أن ما ذكره المصنف بيان نكتة النقض، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك. [التورية] (ومنه التورية) وهو في اللغة الإخفاء (الإيهام) مصدر أوهم أي إدخال شيء في الوهم (وهو أن يطلق لفظ له معنيان قريب وبعيد، ويراد به البعيد) لقرينة خفية، وإنما ترك المصنف ذكر القرينة لوضوح أن الكلام البليغ لا يستعمل في المعنى البعيد إلا لقرينة، وأنه لا يتحقق بعد المعنى المراد مع وضوح القرينة ولا خفاء أيضا في أنه لا يلزم أن يكون للفظ معنيان، بل يجب أن يكون له معان متعددة، وكلما يكون الظاهر أكثر تكون التورية أوفر، والكلام أبدع، فالمختصر الواضح أن يقال: هو أن يطلق اللفظ على غير ما وضع له لقرينة خفية، مما يتعلق بإيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة، فهو داخل في أصل البلاغة، فكيف عد من البديع؟ ! ويمكن أن يقال رعاية ما ينبغي من وضوح الدلالة من البيان، حتى لو بلغ في الخفاء بحيث لا يفهمه المخاطب لم يكن بليغا، ولا يفيد توريته حسنا لفوات أصل البلاغة، وكون رعاية الوضوح على وجه يكون ظهور المعنى المراد محتاجا إلى تأمل، وتجاوز عن بادي الرأي من المحسنات البديعية. واعلم أن التورية لا يجب أن يكون بالنسبة إلى المخاطب حتى لو نصب قرينة واضحة عند المخاطب خفية على السامعين، حتى لا يتنبهوا له إلا بعد مزيد تأمل، كان في الكلام تورية. (وهي ضربان: مجردة، وهي التي لا تجامع شيئا مما يلائم المعنى القريب) القسمة العقلية تقتضي ضروبا ثلاثة، ثالثها ما يجامع سببا مما يلائم المعنى البعيد، لكنه لم يلتفت إليه؛ لأنه لا ينافي التورية بل لا تورية إلا فيها شيء مما يلائم المعنى البعيد أو أقله القريبة. (نحو) قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (١) فإن معناه الظاهر الاستقرار، وليس هناك ما يلائمه. وفيه بحث؛ لأن العرش يلائم الاستقرار، ومعد للاستقرار لا للاستيلاء،

стр. 1002

وإنما يلائم الاستيلاء الملك، والمراد البعيد أو هو الاستيلاء على العرش، بإجراء الأحكام وإنزال الأسباب منه، حسبما تقتضيه الحكمة. (ومرشحة) ترك تعريفها لإمكان معرفتها ببيان مقابلها، والمرشحة قد سبق بمعنى آخر في علم البيان، وقد اجتمعتا في قولنا: رأيت أسدا له لبد أظفاره لم تقلم. (نحو) قوله تعالى: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ (١) فإن المراد بأيد معناها البعيد أي كمال القدرة، ولإفادة الكمال جمعت اليد، وقد قرن به ما يلائم المعنى القريب، وهو البناء؛ لأن البناء وإن تطلب القدرة، لكن طلبه لليد أكثر، فلا يرد أن ذكر البناء لا يرشح التورية في أيد؛ لأنه كما يلائم المعنى القريب منها يلائم المعنى البعيد منها. وقد يجتمع في الكلام توريتان، كل منهما مرشحة للأخرى، كقول القاضي أبي الفضل عياض على ما في الإيضاح وابن عياض على ما في الشرح يصف ربيعا باردا: كأنّ كانون أهدى من ملابسه ... لشهر تمّوز أنواعا من الحلل (٢) [والغزالة من طول المدى خرفت] أي: فسد علقها من باب نصر وفرح وكرم [فما تفرّق بين الجدي والحمل] فإن في الغزالة تورية حيث أريد بها الشمس لا الرشاد. وقد رشح بذكر الجدي والحمل، فإنه يلائم المعنى الحقيقي اللغوي، وفي الجدي والحمل تورية؛ حيث أريد بهما المعنى البعيد، وهو البرجان دون ما هو حقيقة اللغة، وذكر الغزالة ترشيح لها، ومثله بيت السقط إذا صدق الجد، أي: البخت افترى العم، أي: الجماعة من الناس للفتى مكارم لا يخفى، وإن كذب الخال أي: المخيلة والمظنة، فما يلقيه إيهام بيان الشارح أن ترشيح تورية بتورية في

стр. 1003

بيت السقط، دون شعر القاضي مما لا يلتفت إليه. فإن قلت: كانون من شهور الشتاء، فكيف يوجب إهداءه لبعض ملابسه لشهر تموز برودة الربيع؟ قلت: مسيرة الهدية إلى تموز هي الربيع. فإن قلت: ما وجه إيجاب عدم تعرفه الغزالة بين الجدي والحمل برودة الربيع؟ قلت: وجهه أنه لما نزلت الحمل وقتا يجب أن ينزل فيه الجدي ظهر في الحمل آثار الجدي؛ لأن الوقت للبرودة وجعل الآيتين من التورية على تفسير أهل الظاهر من المفسرين، وأهل التحقيق منهم بجعل الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى مجازا متفرعا عن الكناية، وقوله: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ تمثيلا وتفصيله في الكشاف موافقا لدلائل الإعجاز، فلا نقل في مفرداته عن معناها مثلا إلى معنى آخر فضلا عن النقل إلى بعيد، لكن لا ضنة في الأمثلة. قال المصنف اعلم أن التوهم ضربان: ضرب يصير مستحكما، حتى يصير اعتقادا وضرب لا يبلغ ذلك المبلغ، ولكنه شيء يجري في الخاطر ولا يلتفت إليه؛ لأنك تعرف حاله، ولا بد من اعتبار هذا الأصل في كل شيء بنى على التوهم يعني لا ينبغي الإيهام؛ بحيث يصير اعتقادا؛ لأنه إخلال، وإنما ينبغي رعاية القسم الثاني، والمحافظة عليه. ونحن نقول: هذا في التورية على المخاطب مسلم، وأما في التورية على السامع فلا فتأمل. [الاستخدام] (ومنه الاستخدام) صححه المحقق شريف زمانه بثلاثة أوجه بالمعجمتين ومهملة، ثم معجمة سمي به؛ لأنه يستدعي قطع الضمير عما هو حقه. أما إذا كان المراد بالضمير خلاف المراد بالاسم الظاهر، فظاهر. وأما إذا كان المراد بالضمير الثاني خلاف ما أريد به الأول على ما هو حقه، فظاهر أيضا. وأما إذا كان المراد بالضمير الأول خلاف ما أريد بالظاهر، بالثاني ما أريد بالظاهر؛ فلأن حق الضمير الثاني أن يوافق الأول، وإن خالف حقه.

стр. 1004

وبالمهملتين من استخدمه بمعنى استوهبه خادما كان المعنى المراد من الظاهر، يطلب خادما تابعا، فيجعل المتكلم المعنى الآخر تابعا له في الإرادة في مقام إرجاع الضمير به. (وهو أن يراد بلفظ له معنيان) حقيقيان أو مجازيان أو مختلفان أو أكثر. (أحدهما) أو أحدهما. (ثم يراد بضميره الآخر) أو بضمائره الأخر. (أو يراد بأحد ضميريه أحدهما) أو بأحد ضمائره أحدها. (ثم بالآخر الآخر) (١) أو بالآخر الآخر، وهذا القسم يستلزم القسم الأول؛ لأنه لا يتحقق استخدام باعتبار الضميرين إلا ويتحقق باعتبار ضمير والاسم الظاهر. ولا يخفى أن الاستخدام غير داخل في التورية أصلا إلا أن يشترط في الاستخدام القرينة الواضحة، وإن اكتفى بمطلق القرينة يكون بينهما عموم من وجه، والثاني أظهر. (فالأول كقوله: إذا نزل السّماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا (٢) أراد بالسماء المطر وبضميره النبت والظاهر أن الشاعر وصف قومه بالجرأة والغلبة على ما عداهم من الأقوام، حتى يرعون كلاءهم وماءهم من غير رضائهم، لكن كان بعض من سمعت منه هذا المقام، وهو من الأعلام يقول هذا البيت إظهار لقدرة الله تعالى، وإنعامه في حق عباده، وإن كانوا غير شاكرين له تعالى، يعني يقول الله تعالى إذا نزل السماء بأرض قوم يزينه ويجعله صالحا؛ لأن يرعوه وإن كانوا غضابا غير شاكرين. (والثاني: كقوله) أي: البحتري: [(فسقى الغضا) بأن يسقي الله منزلا فيه الغضا (والسّاكنيه) أي: ساكني

стр. 1005

مكان الغضا (وإن هم شبّوه) أي: أوقدوا نارا، الغضا (بين جوانح) أي: ضلوع تحت الترائب (وضلوع)] (١) جمع ضلع كعنب، يريد بنار الغضا، نار الهوى، فالضمير الأول للغضا بمعنى، والثاني لحقيقته. واعلم أنه قد يراد باللفظ نفسه وبالضمير معناه وبأحد الضميرين نفس اللفظ، وبالآخر معناه. ويدخل في التعريف التعريف عند من يجعل نفس اللفظ معناه، وأما عند من لا يجعله، وهو التحقيق فإما أن يجعل داخلا في التعريف بضرب من التكلف بأن يراد بالمعنى أعم من المعنى، وما في حكمه أو لا يجعل، ويجعل ملحقا بالاستخدام. [اللف والنشر] (ومنه: اللف والنشر، وهو ذكر متعدد على التفصيل) متعلق بالذكر بتضمين معنى الاشتمال، ولا يبعد أن يقال على هذه لبيان الوتيرة، ويتعلق بكل فعل ويتعدى به كل فعل، ويطلبه للكشف عن وتيرته وعلامته صحة إدخاله على الجهة أو الطريقة؛ ولذا قال في الإيضاح على جهة التفصيل. (أو الإجمال) (٢) فاحفظه عنا إن كان قابلا للاحتمال، فقوله على التفصيل أو الإجمال للتعميم، وليكون في التعريف توطئة لبيان الأقسام، ويكون البيان على أشد انتظام وقوله (ثم) ذكر (ما لكل) بكلمة، ثم احترز عن تقديم التفصيل على الإجمال، فيما إذا كان اللف مجملا؛ لأنه ليس منه؛ ولهذا قدم اللف في تسميته، أي: ثم ذكر ما لكل (واحد) من المتعدد (من غير تعيين) (٣) احترز به عن التقسيم، والمراد سلب التعيين مطلقا بأن لا يقصد المتكلم إلى معين، وإن كان قاصرا في التعيين غير واف بما قصده. وبهذا يفرق بين التقسيم المختل واللف والنشر، وسيجيء لهذا تتمة بيان في بحث التقسيم. وأخرج بقوله (ثقة بأن السامع يرده إليه) ما لو ترك تعيين ما لكل عدم

стр. 1006

الوثوق؛ لأنه إن كان الترك مع قصد الإضافة كان الكلام خارجا عن البلاغة، فلا يكون ما عمل فيه محسنا، وإن لم يكن مع قصده لم يكن لفا ونشرا، ولا يكون هناك محسن بديعي. بقي أمران: أحدهما: أن يذكر متعدد، ويضاف إلى البعض ماله، ويضاف إلى الباقي أنه ليس له شيء بعدم التعرض لماله، فيقال: جاء محبي وعدوى ومن لا أعرفه، فأكرمت وشتمت، فأفيد أن المحب مكرم، والعدو مشتوم، والثالث غير ملتفت إليه بشيء. ولا يصدق عليه التعريف؛ لأنه لم يذكر فيه ما لكل، إلا أن يقال: المراد بذكر ما لكل إفادته التي تكون غالبا بالذكر. وثانيهما: أن يذكر متعدد على التفصيل ثم يؤتى بمجمل مشتمل على متعدد برد السامع من المفصل ما لكل مما ذكر في المجمل إليه فيقال: أعطاني زيد وعمرو وبكر سبعة دنانير، فيما إذا تقرر أن أنعام زيد أربعة، وعمرو اثنان وبكر واحد لا يزيد عليه أبدا فيرد زيد إلى أربعة وعمرو إلى اثنين وبكر إلى واحد، ولا يخفى أنه لا يقصر عما إذا قدم الإجمال، اللهم إلا أن يقال: تأخير المجمل لم يعهد في كلامهم، والوارد في هذا التركيب أعطاني سبعة دنانير زيد وعمرو وبكر، فبناء التعريف على الواقع فإن وجد على هذا النظم فليجعل ملحقا باللف والنشر، فأحسن التأمل، وأجمل التجمل يكن لك أفضل التجمل. (فالأول) (١) وهو أن يكون المتعدد على سبيل التفصيل (ضربان؛ لأن النشر إما على الترتيب اللف) بأن يكون المذكور في النشر أولا للمذكور في اللف أولا، وهكذا، وليسم اللف والنشر المرتب (نحو وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ أي: خلق لكم اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ (٢) ذكر الليل والنهار على التفصيل، ثم ذكر فائدة خلق الليل، وهو السكون فيه، وفائدة خلق النهار، وهو الابتغاء من فضل الله فيه، على الترتيب من غير تعيين؛ لأن

стр. 1007

السامع بنفسه يعرف أن السكون فائدة خلق الليل، وابتغاء شيء من الفضل فائدة النهار، ولا يلزم من جعل ضمير فيه إلى الليل تعيين السكون له؛ لأنه لا تعيين إلى كونه ظرفا للسكون، ولا يلزم من ذلك كونه فائدة خلق الليل؛ لجواز أن يكون السكون في الليل من فوائد وجود النهار، وابتغاء الفضل في النهار من فوائد وجود الليل، واللف والنشر هنا باعتبار رد فائدة الخلق إلى الخلق، لا باعتبار رد المظروف إلى الظرف؛ إذ هو بهذا الاعتبار تقسيم، ففي هذه الآية تقسيم ولف ونشر، فاحفظه؛ فإنه مما أنعم الله علينا، ولم يهتد لوجهه الشارح الجليل، فأجاب عن الإشكال بأنه لا تعيين في ضمير فيه؛ لأنه يحتمل الرجوع إلى النهار، وتبعه المحقق شريف زمانه في شرحه للمفتاح، وستعرف أن القصد إلى التعيين، وإن لم يكن المعين وافيا كافي في التقسيم، والشارح يعترف به هذا، ولا يلزم من كون خلق الليل للسكون أن يجب فيه السكون شرعا؛ إذ لا يجوز مخالفة ما أراد الله؛ لأنه لبيان معظم فائدته، وأغلب ما يتعلق به، وهكذا ولتبتغوا من فضله. (وإما على غير ترتيبه) وذلك قسمان بأن يكون على عكس ترتيبه، وأن يكون مخالفا لترتيبه. قال الشارح: وليسم الأول معكوس الترتيب، والثاني مختلط الترتيب، وسماه في شرح المفتاح المشوش، والأول المعكوس. وقيد بعض من على تقييده وثوق المشوش بكسر الواو، وفي الصحاح: التشويش: التخليط، وأنكر القاموس ثبوته في اللغة، وقال وهم الجوهري، وصوابه التشويش. (كقوله) أي: قول ابن حيوش بالمهملة والياء المثناة التحتانية، والواو المعجمة على وزن تنور، والحيوش الشيخ الطبراني كنيته ابن رزق الله. [(وكيف أسلو) سلاه وعنه كرضى ودعا نسيه (وأنت حقف) هو الرمل العظيم المستدير يشبه به الكفل في العظم والاستدارة (وغصن وغزال لحظا) هو للغزال (وقدّا) للغصن (وردفا)] (١) للحقف، والثاني كقوله هو شمس وأسد

стр. 1008

وبحر جواد وبها وشجاعة. وأراد بقوله: (والثاني) ذكر المتعدد على سبيل الإجمال (نحو وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى) (١) فقد ذكر اليهود والنصارى إجمالا لا يضمر الجمع أو قولهما إجمالا بإسناد القول إليهما إجمالا، وعلى الثاني كلام الإيضاح، ثم ذكر ما لكل من الفريقين أو القولين ولما كان المتعدد المجمل منهما، سواء كان القولين أو الفريقين شرح هذا المثال بخلاف باقي الأمثلة؛ فقال (أي: قالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، فكف) (٢) أي: بين القولين أو الفريقين (لعدم الالتباس) وعدم مظنة إرادة حكمها جملة بأن الداخل في الجنة أحد الفريقين لا غير، كما هو ظاهر النظم. (للعلم بتضليل كل فريق صاحبه) أي: نسبة كل فريق صاحبه إلى الضلال بالمعنى المقابل للاهتداء أو بمعنى الهلاك. قال الشارح في شرحه على المفتاح: وقد جرى الاستعمال في اللف الإجمالي على أن يذكر النشر بكلمة أو كما في الآية؛ لأن الذي وقع عليه الاتفاق هو أحد القولين، وإنما الموكول إلى فهم السامع هو التعيين، وتوضيح ما ذكره أن في اللف الإجمالي تشريك الجماعة المذكورة، كما في المذكور المفصل، وليس تشريكهم بكون كل من تلك المفصل لكل، وإلا لم يكن لفا ونشرا، بل تشريكهم في أن لكل واحد من هذا المفصل، والمتكفل لهذا المعنى كلمة أو. اعلم أنه أثبت صاحب الكشاف نوعا من اللف. وقد وصفه بأنه لطيف المسلك لا يهتدي لوجهه إلا الثقاة من علماء البيان، في قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣) حيث قال الفعل المعلل محذوف مدلول عليه بما سبق تقديره، ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون.

стр. 1009

شرع ذلك يعني جملة ما ذكر من أمر الشاهد بصوم الشهر، وأمر المرخص له بمراعاة عدة الفطر فيه، ومن الترخيص في إباحة الفطر فقوله: لتكملوا العدة، علة الأمر بمراعاة العدة ولتكبروا علة ما علم من كيفية القضاء والخروج عن عهدة الفطر. ولعلكم تشكرون أي: أراد أن تشكروا علة الترخيص والتيسير. هذا كلامه، وأورد عليه من أن المعلل المذكور أمر الشاهد بصوم الشهر، ولم يعين له علة. ومما عين له علة تعليم كيفية القضاء، وهو لم يذكر في المعللات المذكورة فتطبيق العلل منه غير موافق لبيان ما شرع. وأجاب عنه الشارح المحقق بأن قوله من أمر الشاهد في تفصيل المعللات ليس لأنه معلل بشيء من العلل، بل هو توطئة وتمهيد ليفرع الترخيص ومراعاة العدة وكيفية القضاء عليه، يشهد بذلك أنه لم يقل من أمر المرخص بإعادة حرف الجر، كما قال ومن الترخيص وفي أمر المرخص بعدة من أيام أخر دلالة واضحة على تعليم كيفية القضاء. هذا كلامه، وفيه نظر؛ لأنه لو كان توطئة للثلاثة كان من الداخلة عليه داخلة على الثلاثة، فينبغي أن لا يدخل من على الترخيص أيضا. نعم لو كان توطئة لمجرد أمر المرخص بعدة من أيام أخر لكان لما ذكره وجه. فالجواب: أولا: أن قوله: ولتكملوا العدة علة الأمر بمراعاة العدة شامل لمراعاة عدة الشهر، ومراعاة عدة أيام أخر. وإن رده الشارح بأنه لا معنى لتعليل أمر الشاهد بصوم الشهر بإكمال عدة أيام الشهر، والشريف المحقق بأن القصد في التعليل بتكميل العدة إلى أن قضاء ما فات، وتلافي المطلوب بقدر الإمكان واجب، ولما كان المطلوب أولا صوم أيام مخصوصة بعدة معينة، وقد فات بعذر أمر برعاية العدة حفظا له عن الفوات بالكلية، وتحصيلا له بقدر الإمكان، فلا معنى لجعل كمال العدة في الأداء علة

стр. 1010

لأمر الشاهد بصوم الشهر؛ لأنا نقول أمر الشاهد بصوم الشهر وأمر المرخص بعدة من أيام أخر، لتكملوا العدة؛ إذ الشاهد يسهل عليه صوم الشهر فلا يفوته الإكمال، والمرخص يعسر عليه الإكمال لو صام في الشهر، فيكون عرضه لفوات الإكمال، فبالرخصة يسهل عليه؛ فتعليل أمر الشاهد بالإكمال في الأداء له معنى لطيف، ولا يجب أن يكون تعليل أمر المرخص بالتكميل؛ لأن تلاقي المطلوب واجب، بل التعليل لتخصيص الشاهد بصوم الشهر، وتخصيص صاحب العذر بالرخصة فيكون تعليل الأمرين بإكمال العدة في غاية الحسن. وثانيا: بأنه جعل من تفصيل المعلل ما ليس بمعلل، وترك في التفصيل ما هو معلل إشارة إلى أن ظاهر اللف والنشر غير ما هو حقيقته. وهذا الذي خص معرفته، والاهتداء به بالثقاة، كما ستعرف تفصيله. وهذا كلام وقع في البين فحان أن ترجع إلى ما كنا فيه من أن ذلك النوع اللطيف من اللف الذي اهتدى إليه صاحب الكشاف ما هو، فقال الشارح المحقق إنه ذكر بالكل بين ذكر المتعدد أولا تفصيلا، وثانيا إجمالا، فيقع اللف بين نشرين: أحدهما مفصل، والآخر مجمل. وفيه أن وقوع النشر بين لفين يتصور على أربعة أوجه، لا يعرف لتخصيص اللطف بما ذكره وجه وأنه يصدق على نحو: ضربت زيدا، وأكرمت عمرا، للتأديب والإحسان أي: فعلت ذلك حقا، فإن الثاني لم يذكر للف، بل لتحقيق ما سبق تأكيده، فالأولى أن يقال إنه ذكر ما لكل بين ذكر المتعدد أولا وثانيا معلقا بالثاني، كما في الآية. وقال السيد السند شريف زمانه: لا يخفى أن وقوع النشر بين لفين مفصل ومجمل لا يقتضي لطف مسلكه، بحيث لا يهتدى إليه إلا الثقاة، بل لا بد هناك من أمر آخر، وإن كنت في ريب مما ذكر، فتأمل فيما أورد من المثال هل هو بهذه المثابة من الدقة واللطافة. ما أظن ذا طبع سليم يحكم بذلك، فالوجه أن هذا النوع عبارة عن لف يحتاج تحصيل بعض ما لف فيه إلى دقة نظر، كما أن في الآية تحصيل تعليم القضاء كذلك.

стр. 1011

ويكون في رد بعض ما لكل إليه دقة كما في تعليل الأمر بمراعاة العدة بإكمال العدة، فإن فيه إشارة إلى أن تلافي المطلوب بقدر الإمكان واجب إلى آخر ما سمعته، ويكون المتعدد كل منه أو بعض منه صالحا للرد إلى غير ما ذكر له بحسب الظاهر. لكن بالتأمل الصادق ينكشف أنه لم يرد إليه. هذا تنقيح ما ذكره. قلت: ما ذكره كلام محقق لا غبار عليه، ولا يتوقف لطف النشر على جميع ما ذكر، بل كل منها يوجب لطفه، فقد بلغ لطف الآية الغاية، ومن موجبات لطفه أن يكون اثنان من المتعدد معا متعلق واحد من النشر، كما ذكرنا وأن يكون المتعدد مذكورا بلفظ واحد يستنبط منه على الترتيب، فيقع الترتيب في الاستنباط، لا في الذكر صريحا؛ فإن قوله: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ (١) مشتمل على الترخيص وتعليم كيفية القضاء وأمر المرخص برعاية العدة، فالترتيب المرعي في النشر باعتبار أنه يستفاد منه رعاية العدة أولا ثم كيفية القضاء من كون يوم بيوم، ثم الترخيص؛ وبهذا اندفع أنه لم يذكر المتعدد أولا مفصلا؛ لأنه أدى بلفظ واحد هذا. وأما ما ذكره الشارح بأنه لا يعرف له لطف لا يهتدي إليه، فلا يتجه؛ لأن ذكر ما لكل بعد المتعدد يوجب جعله نشرا للمتعدد، فإذا تعلق بالمجمل بعده يئس السامع عن كونه نشرا له، ثم لما نظر فوجد المجمل عين مفصل سبق وجد أنه متعلق بالسابق معنى، فهو نشر للسابق فيه مزيد دقة؛ لأنه نشر بحسب المعنى من غير أن يكون في اللفظ اقتضاء، بل مع اقتضائه خلافه، ويمكن بيان الآية على وجه لا يحتاج إلى حذف شيء. لكن عاقني مخافة التطويل عن هذا الكلام الجميل، فعسى أن أوفق لأذكره في تفسيره، في تفسير لكتابه يشتمل على نقيره وقطميره متوكلا عليه، ومتوسلا ببشيره ونذيره. (ومنه: الجمع وهو أن يجمع بين متعدد) في الذكر (في حكم) أي: في

стр. 1012

محكوم به واحد. قال المحقق التفتازاني في شرح المفتاح: وهو أن يحكم على المتعدد بكلي، وإنما قيد المتعدد بالتعدد في الذكر؛ لئلا يدخل فيه البنون زينة الحياة الدنيا المحكوم به الواحد ما يكون واحدا في المعنى، وإن تعدد في اللفظ، وإلا لم يكن قوله: فوجهك كالنّار في ضوءها ... وقلبي كالنّار في حرّها (١) جمعا وتفريقا، ففي بيانه قلق وخفاء، وكان وجه تحسينه إبراز الشيء في هيئات مختلفة في تركيب واحد، تارة في هيئة الكثرة، وأخرى في هيئة الواحدة. ولا يظهر عدم عد المحكوم عليه الواحد بالمحكوم به المتعدد منه، فإنه يشاركه في هذا المعنى كأن يقال: زينة الحياة الدنيا مال وبنون، وذلك المتعدد منه قد يكون اثنين. (كقوله تعالى: الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا) (٢) وقد يكون أكثر قدم الآية على الشعر، على عكس ما في المفتاح؛ ليكون النشر على الترتيب، وذكر الآية مع الترتيب حسب (نحو [إنّ الشّباب والفراغ) والخلاص من الشغل المانع عن اتباع الهوى (والجده) على وزن العدة بمعنى الاستغناء، صحح السكاكي في كتابه أنه بالكسر، وأشكل ذلك على شارحيه، فإنه من شعر أبي العتاهية على وزن الكراهية لقب أبي إسحاق محمد بن إسماعيل بن سويد، وأوله: علمت يا مجاشع، اسم فاعل ابن مسعدة فقوله: إن الشباب في حيز العلم، فيجب فتح الهمزة. ونحن نقول: يجوز أن يكون البيت من الأشعار المشهورة التي ضمنها أبو العتاهية، يعني: قد علمت هذا البيت المشهور. فائدة: قال صاحب القاموس: أبو العتاهية لقب أبي إسحاق وليس كنيته، كما وهم الجوهري، وهذا غريب مخالف للمشهور من أن اللقب لا يصدر بالأب والابن والأم والبنت، وكل علم كذلك فهو كنية. (مفسدة للمرء) فيه تغليب أو كونه مفسدة للمرأة يعلم بطريق الأولى،

стр. 1013

والمفسدة كالمصلحة ضدها (أيّ مفسدة] (١) ومنه التفريق وهو إيقاع تباين بين أمرين) أي: عدم شركة أحدهما مع الآخر في وصف مختص بالآخر، فالمراد بالتباين ما يقابل المشابهة. ولا يخفى أن ذكر المتعدد في الجمع والتثنية هنا يوهم أنه مختص بأمرين؛ فينبغي أن يقول بين متعدد. (من نوع) ليس احتراز عن إيقاع تباين بين أمرين من نوعين؛ فإنه لا يكون، بل توضيحا وتفصيلا. ولا فائدة في قوله في المدح أو غيره إلا التعميم والتوضيح، ووجه تحسينه يعلم مما ذكرنا في الجمع. (كقوله) أي: قول الوطواط [(ما نوال الغمام وقت ربيع) مع أن الربيع وقت ثروة الغمام (كنوال الأمير يوم سخاء) مع أن يوم السخاء يوم فقر الأمير؛ لكثرة السائلين وكمال بذله. (فنوال الأمير) أي: كل نوال منه (بدرة) أي: جلدة ولد الضأن (عين) أي: مملوءة من الدراهم. وقال في الشرح: هي عشرة آلاف درهم. وأنكر في القاموس أن تكون بدرة عين البدرة؛ اسم لعشرة آلاف أو سبعة أو خمسة. قال: بل هي جلدة السخلة. (ونوال الغمام) أي: كل نوال منه (قطرة ماء)] (٢) فلا يرد أن الظاهر قطرات ماء. ومن لطيف هذا قوله: من قاس جدواك بالغمام فما ... أنصف في الحكم بين شكلين أنت إذا جدت ضاحكا أبدا ... وهو إذا جاد دامع العين (٣)

стр. 1014

(ومنه التقسيم) شدة اتصال التقسيم باللف والنشر يقتضي أن لا يفصل بينهما بشيء، ولا يقع بينهما التفريق. (وهو ذكر متعدد، ثم إضافة ما لكل إليه على التعيين) الأخصر ثم تعيين ما لكل. قال المصنف يخرج بقيد على التعيين اللف والنشر، ولم يذكره السكاكي؛ فيكون التقسيم عنده أعم؛ إذ يبعد أن يكون التعريف أعم. قال الشارح: ولقائل أن يقول إن ذكر الإضافة مغن عن هذا القيد؛ إذ ليس في اللف والنشر إضافة ما لكل إليه، بل يذكر فيه ما لكل، حتى يضيفه السامع إليه ويرده عليه، فليتأمل؛ فإنه دقيق، وفيه نظر؛ لأن ذكر ما لكل ليس بلا إضافة إليه؛ لأن التركيب يدل على الإضافة، ووضعه على إفادة أن كلا منهما بواحد من المتعدد، ولكن لا تعيين، والتعيين مفوض إلى السامع، فإضافة ما لكل إليه يلزم ذكر ما لكل، إلا أنه إضافة إجمالا، بلا تعيين وتفصيل، فتأمل؛ فإن هذا هو الدقيق. (كقوله) أي: قول المتلمس جرير بن عبد المسيح: [(ولا يقيم) أحد؛ فإنه المستثنى منه المحذوف، أي: لا يتوطن في مواطن الظلم (على ضيم) أي: مع ظلم (يراد به) أي: بذلك الأحد (إلّا الأذلّان) أفعل من الذل (عير الحيّ) العير: الحمار الوحشي والأهلي، وإضافته إلى الحي عينته للأهلي، وجعل الشارح تعينه؛ لأنه المناسب (والوتد هذا) عير الحي (على الخسف) أي: الذل (مربوط برمّته) صلة الربط، أي بقطعة حبل بالية يسهل الخلاص معه عن الربط، أو مربوط على الذل بتمامه من فرقه إلى قدمه، كما يقال: ذهب فلان برمته (وذا) أي: الوتد (يشجّ) أي: يشق رأسه بالدق (فلا يرثي له) أي: للوتد، ولا يدقه ولا يرحم (أحد)] (١) ولا يخفى أن عدم الرحم مشترك بين غير الحي والوتد فالأولى أن يجعل ضمير (له) لكل منهما، ويجعل قوله (فلا يرثي) متفرعا على الربط، والشج، ولا يخفى أن هذا وذا وإن كانا لا يتعينان لشيء مما أشير إليه؛ لكن الحكم المذكور مع كل منهما قرينة على أنه

стр. 1015

إشارة إلى المعين، فإن الربط يلائم العير والشج والوتد، فبهذا اندفع أن الإضافة في هذا البيت على التعيين. وقد مر في بحث اللف والنشر ما يغنيك عن هذا الجواب، فارجع إليه فإنه المرجع والمآب. (ومنه) أي من المعنوي (الجمع مع التفريق) فيه أنه لا معنى لجعل الجمع مع التفريق قسما من المحسن؛ لأنه من قبيل اجتماع القسمين، وكذا أخواه؛ لا يقال: ليس حسن الجمع مع التفريق حسن الجمع والتفريق؛ بل حسن جمع الجمع مع التفريق، وهما متضادان؛ لأنا نقول: فحينئذ لا معنى للاقتصار على الثلاثة، بل ينبغي أن يعد من المحسنات جمع الطباق، مع التناسب، ولا يبعد أن يقال: فليكن هذا أيضا من المحسنات؛ إلا أنهم لم ينتبهوا له، وتنبهوا واكتفوا بالتنبيه عليه باعتبار نظائره عن بيانه. (وهو أن يدخل شيئان في معنى وتفرق بين جهتي الإدخال) لو أريد بقوله: «الجمع مع التفريق» المعنى التركيبي لاستغنى عن التعريف كما استغنى في قوله: الجمع مع التفريق والتقسيم، فتأمل. (كقوله) أي: الوطواط: (فوجهك كالنّار في ضوءها ... وقلبي كالنّار في حرّها) (١) أدخل قلبه، ووجه الحبيب في الشبه بالنار، وفرق بينهما بين جهتي الإدخال باختلاف وجه الشبه، والأظهر أنه أراد بجعل القلب كالنار في الحر أنه يحرق؛ لا أنه يحترق كما ذكره الشارح، ولو قيل: فوجهك وقلبي كالنار في ضوءها وحرها لكان جمعا مع التفريق، ولفا ونشرا، وقد قصد بتشريك قلبه مع وجهه بيان مناسبة بينهما تقتضي التأليف وبتميز وجهه عن قلبه التحرز عن تحقق مماثل لوجهه في الحسن. (ومنه: الجمع مع التقسيم) التقسيم هنا بمعناه الحقيقي أي ذكر متعدد ثم إضافة ما لكل إليه؛ لأنه حصل بالجمع ذكر المتعدد. وأما التقسيم المصرح والضمني في قوله: (وهو جمع متعدد تحت حكم ثم تقسيمه أو العكس) فهو

стр. 1016

بمعنى إضافة ما لكل من المتعدد إليه لا ذكر المتعدد ثم الإضافة. (فالأول) أي الجمع قبل التقسيم (كقوله) أي أبي الطيب في مدح سيف الدولة (١): (حتّى أقام على أرباض خرشنة ... تشقى به الرّوم والصّلبان والبيع للسّبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنّهب ما جمعوا والنّار ما زرعوا) (حتى) للعطف على قاد المقانب في البيت السابق، وليس بحرف جر كما توهمه عبارة الشارح، متعلق بالفعل في البيت السابق؛ أعني قاد المقانب، لأن الجار لا يدخل على الفعل (أقام) أي سيف الدولة، واختاره على أحاط؛ إشارة إلى تصميم عزمه على فتح القلاع والحصون؛ حتى أنه يتوطن حولها ولا يفارقها، حتى تفتح، ولتضمين معنى الاستعلاء أي مستعليا على الأرباض، كما هو شأن أهل الجرأة في محاربة الحصون. قال: (على أرباض) وهي جمع ربض بمعنى السور، وهذا التضمين ألطف من تضمين التسليط كما جاء به الشارح (خرشنة) على وزن دحرجة: بلدة من بلاد الروم (تشقى به الرّوم) جنس للرومي، كما أن التمر جنس بالتمرة (والصّلبان) كغفران جمع صليب هو معبود النصارى (والبيع) جمع بيعة كقطعة، بمعنى: متعبدهم، يعني: قاد المقانب جمع مقنب، وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين من الخيل، حتى أقام حول هذه المدينة العظيمة حال كونه تشقي به شقاوة مستمرة هذه الأشياء بجميع أنواع الشقاوة؛ من السبي والقتل والنهب والإتلاف، فجمع الشقاوات تحت تشقى، ثم بقوله فصله (للسّبي ما نكحوا) أي: نكوحهن، أتى بلفظ (ما) لأنه قصد إلى مفهوم الصفة أي المنكوحة، وكذا في أخواته فهو على أصله، فلا حاجة إلى ما قال الناظرون برمتهم إنه لمراعاة الموافقة، بما جمعوا وما زرعوا، أو لإهانتهم بتنزيلهم منزلة غير العقلاء. وفي نكحوا تغليب أي ما نكحوا وينكحون لو بقوا، ليشمل من كانت من نسائهم صبية. (والقتل ما ولدوا) من الذكور بقرينة ما يقابله، ولو قرئ «ولدوا» مجهولا

стр. 1017

أي ولدوا منهم لصار مخصوصا بالذكور (والنّهب ما جمعوا والنّار ما زرعوا) أي: للنار ما زرعوا، فأشجارهم للإحراق تحت القدر، ومزروعاتهم للطبخ، وحمله على كونه للإحراق والتضييع لا يناسب لمن همه فتح الحصن، إنما هو شأن العاجز عنه، القانع بمجرد إضرار أهل الحصن، ولم يلتفت المصنف إلى جعل التقسيم لما دخل تحت قوله: (وأرضهم لك مصطاف) أي: منزل للصيف (ومرتبع) أي: منزل الربيع، في قوله الدهر معتذر، والسيف منتظر، وأرضهم لك مصطاف ومرتبع من الأرض، وما فيها في كونها خالصة للممدوح، كما في المفتاح؛ لأن نسخ ديوان أبي الطيب غير مختلفة في أن هذا البيت بعد قوله: للسبي إلخ بعدة أبيات؛ لا قبله كما في المفتاح. (والثاني) أي التقسيم قبل الجمع (كقوله) أي حسان: (قوم إذا حاربوا ضرّوا عدوّهم ... أو حاولوا النّفع في أشياعهم نفعوا (سجيّة) خبر (تلك منهم) صفة سجية، فصل بين الصفة والموصوف بمبتدأ الموصوف (غير محدثة إنّ الخلائق) جمع خليقة بمعنى الطبيعة والخلق أو الناس، وعلى الأول أشرها صاحب البدع (فاعلم) اعتراض بالفاء (شرّها البدع) (١) على وزن عنب جمع بدعة على وزن حكمة، مؤنث بدع كعلم بمعنى الأمر الذي وجد أولا، وقد جاء بمعنى الحدث في الدين بعد الاستكمال، أو ما استحدث بعد النبي ﷺ من الأهواء والأعمال، والمناسب هنا الأول، ولا حاجة إلى جعله مجازا عن المستحدثات متفرعا على المعنى الثاني كما في الشرح، ولا يخفى أن المصراع الأخير يفيد أن شر الخلائق مسلوبة عنهم، وهو لا يليق بمقام المدح؛ واللائق إثبات خير الخلائق لهم؛ إلا أن يقال: المقصود تعريض مخالفتهم بأن لهم شر الخلائق، فصل في البيت الأول ما تحت سجية منهم غير محدثة. (ومنه: الجمع مع التفريق والتقسيم) قد عرفت وجه عدم تعريفه (كقوله تعالى: (يوم) منصوب بتقدير: اذكر، أو بقوله: لا تكلم (يأت) أي أمر الله، بجعل الضمير لله؛ فحذف المضاف، أو يأتي اليوم أي هوله؛ بجعل الضمير

стр. 1018

لليوم، وحذف المضاف كذا قيل، ولك أن تجعل: لا تَكَلَّمُ- بتأويل عدم التكلم- فاعل- يأتي كما جعلوا (تسمع بالمعيديّ) مبتدأ (نفس) بشيء إِلَّا بِإِذْنِهِ (١) أي: بإذن الله، وقول الشارح أي: لا تكلم نفس بما ينفع من جواب أو شفاعة- يوجب أن لا يكون نفي التكلم مطلقا بغير إذنه؛ بل كانوا يتكلمون بما لا ينفع، وظاهر الآية يخالفه، فلا يعدل عنه إلا لداع، والمستثنى منه محذوف: أي لا تكلم بشيء بسبب من الأسباب إلا بإذن الله، ولا يبعد أن يراد بإذنه ما أذن فيه، فيكون مستثنى من شيء، ولا يحتاج إلى تقدير غيره، ولا تدل الآية على ثبوت الإذن حتى تنافى قوله تعالى: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٢) لجواز أن لا يكون التكلم إلا بإذنه، وينبغي الإذن فينبغي التكلم فنفي الإذن في الآية الأخرى لا ينافيه؛ بل يكشف عن حاله، فلا حاجة إلى ما قيل إن في هذا اليوم مواقفا؛ فالإذن في موقف، ونفيه في آخر، أو المأذون فيه الكلام الحق، والممنوع عنه العذر الباطل، وإلى ما يمكن أن يقال الإذن في بعض اليوم، والمنع في بعض آخر. فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ تفريق لا جمع تحت النفس التي عمت بوقوعها في سياق النفي، والمراد بالشقي: الشقي المطلق، وكذا بقوله: وَسَعِيدٌ (٣)، فيكون التفريق ظاهرا؛ لكن لا يكون حاصرا، ولا بأس به؛ لأنه ليس في النظم ما يدل على إرادة الحصر. وقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (٤) أي: احتباس النفس بحيث يدخل ويخرج بشدة، ويشقه أو صوت الحمير خالِدِينَ فِيها ... الآية تقسيم وإضافة ما لكل منهما إليه بالتعيين ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ (٥) قيل: هو في العرف للتأبيد، فلذا أكد به الخلود، وقيل: المراد سماوات الآخرة وأرضها، وهي أبدية، وردّ بأن تأكيد الخلود بما لا يعرف تأبيده لا يليق، ويمكن أن يجاب، بأنه جاز أن تكون معروفة فيما بين

стр. 1019

المؤمنين، قبل نزول هذه الآية، أو بأنه مما يعرف بالقياس إلى سماوات الدنيا وأرضها الباقية ببقائها، ونحن نقول جاز أن يكون المراد بالسماوات الجهات العلوية، وبالأرض مقابلها. إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١) أي: غير مقطوع، بل ممتد إلى غير النهاية، وهذا الاستثناء مما أعمل فيه العرب أفكارهم، واختلفت في توجيهه المعتزلة وأهل السنة، وأكثر كل منهما على الآخر إنكارهم، ولبيانه مقام آخر سنبينه في مقامه إن وفقنا والأجل تأخر؛ لكن مما لا أثر له فيما بينهم ويخاف أن يفوت ما قد وهبنا الحي الذي لا يموت فنذكره لك، وهو أن الغرض من الاستثناء تعليق الخلودين بمشيئة الله، لا إخراج زمان من أزمنة كون الفريقين في الدارين، إلا أنه يخرج من أزمنة خلود بعض الأشقياء في النار بعض الأزمنة؛ للعلم بتعلق مشيئة الله به من الشرع، ولا يخرج من أزمنة الخلود في الجنة شيء للعلم بعدم ذلك التعلق به. (وقد يطلق التقسيم على أمرين آخرين) فله ثلاثة معان: ولا يخفى أن الأنسب أن لا يفصل بين المعاني بشيء، إلا أن يقال أخره عن الجمع مع التفريق والتقسيم؛ ليعلم أن التقسيم المعتبر في هذا القسم هو الأول دون شيء من الآخرين. (أحدهما: أن يذكر أحوال الشيء مضافا إلى كل ما يليق به) يرد عليه أنه يصدق على بعض ما هو لفّ ونشر مرتب كأن يقال: [ثقال خفاف إذا لاقوا أو دعوا] فلا بد من قيد الإضافة بقولنا على التعيين، ومع ذلك يصدق على ذكر متعدد من الأحوال ثم إضافة ما لكل إليه على التعيين، كأن يقال: لي كسب علم وكسب مال، فذلك للآخرة، والثاني للدنيا، مع أنه تقسيم بالمعنى الأول إلا أن لا يحترز عن صدقه على هذه الأمور، والأظهر أن المراد ذكر أحوال الشيء مضافا إلى كل، مع ذكره ما يليق، وهو المتبادر فافهم. (كقوله) أي: أبي الطيب (ثقال) صفة مشايخ في البيت السابق أي ثقال

стр. 1020

لشدة وطأتهم على الأعداء، أو ثباتهم على اللقاء (إذا لاقوا) أي: حاربوا، (خفاف) مسرعين إلى الإجابة (إذا دعوا) إلى كفاية بهم (كثير إذا شدّوا) لأن واحدا منهم يقوم مقام جماعة (قليل إذا عدّوا) (١) ذكر أحوال المشايخ مضافا إلى كل منها ما يناسبها، والإضافة إلى كل ما يناسبه يتحقق فيما إذا كان المناسب للأحوال واحدا، وأضيف إلى الجميع فلا يجب في التقسيم كون المناسب على قدر الحال. (والاستيفاء أقسام الشيء) أي: التقسيم الحاصر (كقوله تعالى: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً ككتاب جمع أنثى ووَ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً (٢) هو على وزن الغفران كالذكور جمع الذكر خلاف الأنثى، والتزويج بمعنى الإنكاح يتعدى إلى مفعولين بنفسه، وبمعنى التقريب إلى الثاني بالباء، قال تعالى: وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٣) أي: قربناهم، وهو المناسب في الآية فقوله تعالى: ذُكْراناً وَإِناثاً منصوبان بنزع الخافض ولو قال ويزوج من يشاء لتعين الواو فلما عدل إلى الضمير الراجع إلى (من) في الجمل السابقة تبدل الواو ياء، وللتنافي بين التزويج والإفراد بالنسبة إلى فرقة واحدة والتوافق بالنسبة إلى فرقتي، وعلق التزويج بالفرقتين السابقتين حتى احتاج إلى العطف بأو، ولم يعلق بفرقة ثالثة؛ ليعطف بالواو كما في الجمل الباقية تنبيها على أن المشيئتين السابقتين ليس شيء منهما واجبا عليه تعالى، ولا هذه المشيئة، فتدبر. كذا أفاده المحقق شريف زمانه. وفيه بحث؛ لأن التنافي مطلقا لا ينافي الواو، ولا يجامع أو، ألا ترى أنه لو قيل يهب زيدا إناثا إن شاء، ويهبه الذكور إن شاء يتعين الواو مع أن المقيس عليه واحد، فينبغي أن يجعل مناط اختيار الواو والتنافي مع التصريح بالشرط، وفي تحقيق استيفاء الأقسام في الآية نظر، وإن بينه الشارح المحقق بأن الإنسان إما أن يكون له ولد أو لا يكون، وإذا كان فإما أن يكون ذكرا أو أنثى؛ لأنه فرق بين ما ذكره الشارح وبين ما في الآية؛ لأن في الآية إما أن يكون له إناث أو
следующие страницы →