← Баляга

Баляга · id 13680

الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم

العصام الأسفراييني

Полный текст (1 136 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

هذا كلامه. ولا احتمال للمثالين سوى كونهما مثالين للأكثر كما يوهمه قوله: والظاهر، وكون ما في إحدى الفقرتين مثل ما يقابله لا يتناول بظاهره تكرار، لما لم يجد، فالظاهر أن البيت أيضا مثال الأكثر فتدبر. [ومنه القلب] (ومنه: القلب) وهو أن يكون الكلام بحيث إذا قلبته وابتدأت من حرفه الأخير إلى الحرف الأول، كان الحاصل بعينه هذا الكلام، فإن كان المقلوب والأصل مذكورين، كان هاهناك جناس قلب، وإلا فالقلب فقط، فالمقصود من ذكر القلب ما بقي من جناس القلب، فقوله: أرانا الإله هلالا أنارا) من جناس القلب، وكذا كل ما هو نحوه مما يكون كل مصراع من البيت قلب المصراع الآخر، فلذا لم يلتفت إليه المصنف في هذا المقام، ولم يمثل به، ومثل بما يكون مجموع البيت قلبا لمجموعه، ولم يمثل أيضا لما يكون مجموع بيت قلبا لمجموع بيت آخر، فإنه أيضا من الجناس، وقد يكون مجموع المصراع قلبا لنفسه مثل: [شكر بترا زوى وزارت بركش ... شوهمره بلبل بلب هرمهوش] (كقوله) أي القاضي الأرجاني (مودّته تدوم لكلّ هول* وهل كلّ مودّته تدوم). وقوله (وفي التنزيل كُلٌّ فِي فَلَكٍ (١) ووَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ) (٢) مثال لما في النثر. ومن لطيفة قول عماد الدين الكاتب للقاضي الفاضل: سر فلا كبا بك الفرس وجوابه دام علا العماد. (والحرف المشدد في هذا الباب في حكم المخفف) وبالعكس أيضا، ولذا تحقق القلب في كُلٌّ فِي فَلَكٍ لأن المعتبر هو الحرف المكتوب، والحرف المقصور في حكم الممدود كذلك، ولهذا تحقق القلب في أرض خضراء، إذا لا اعتداد برقم الهمزة بل هو في حكم النقط، ولا اعتداد بالنقط، حتى إنه ذكر الشارح المحقق في المختصر أن في شكس قلب، وجعله فارقا بين جناس القلب والقلب، وقال: ومن موجبات الفرق أن جناس القلب يوجب ذكر اللفظين جميعا بخلاف القلب كما ذكرنا.

стр. 1087

[والتشريع] (ومنه التشريع) ويسمى الترشيح، وذا القافيتين أيضا (وهو بناء البيت على قافيتين) لا يخفى أن معنى بناء البيت على قافيتين أن يكون البيت بحيث يتم عندي قافية وقفت، فلذا اكتفى بقوله: يصح المعنى عند الوقوف على كل منهما، أي القافيتين، ولم يقل يصح المعنى والوزن. وقال الشارح لفظ القافيتين أغنى عنه، إذ القافية لفظ في آخر البيت، فلو لم يصح الوزن لم يكن قافية (كقوله) أي الحريري [يا خاطب] من خطب المرأة خطبا [الدّنيا الدّنيّة] أي الخسيسة [إنّها شرك] هو الحبالة للصيد [الرّدى] الهلاك [وقرارة] مقر [الأكدار] (١) جمع كدر كفرس بمعنى الكدورة أو كدر ككتف بمعنى الصفة، فلهذا البيت قافيتان إحديهما كالردى، والثانية دار، وعلى أيهما وقفت يصح معنى البيت، وبناء البيت على قافيتين أقل ما يجب في الترشيح، ولا يقتصر عليه كما يشعر به التسمية بذا القافيتين، ونظيره الكلام ما يضمن كلمتين في وجه، وإذا تنازع الفعلان ومثله غير عزيز في كلامهم، على أنه قال الشارح في المختصر: إن البناء على أكثر قليل متكلف. [ومنه لزوم ما لا يلزم] (ومنه: لزوم ما لا يلزم) ويقال له الالتزام والتضمن والتشديد والإعنات أيضا، لما أن المتكلم شدد على نفسه، وأوقعه في العنت أي المشقة (وهو أن يجيء قبل حرف الروى) فسر بأنه حرف تبنى عليه القصيدة، وينسب إليه فيقال: قصيدة لامية، أو نونية، هذا ولا تخص القصيدة بل حقيقة في كل شعر، والأولى يبنى عليه الشعر، يقال ماء روى أي كثير مرو، فالشعر يرتوي عنده عن التأليف والتركيب، أو المتكلم به يرتوي به عنده عن التكلم، وهذا أولى من قول الشارح: لأن البيت يرتوي عنده؛ لأنه لا يظهر ما يرتوي عنه البيت عنده إلا أن يتكلف، يقال يرتوي عن الامتداد، وهذا هو الوجه في التسمية، وأما جعله من رويت البعير بمعنى شدت عليه الرداء بكسر الراء وهو الحبل الذي يجمع به الأحمال أو من رويت الحبل أي فتلته، لأن الفتل يجمع بين قوى الحبل أي طاقاته، كما أن الروى يجمع بين الأبيات كما قال الشارح المحقق-

стр. 1088

تكلف؛ لأنه لم يثبت الروى منه بهذين المعنيين، فيحتاج أن يقال هذا اسم مصنوع في الفن لهذا العمل، والقول بصنعه مع وجوده في اللغة تكلف لا ذهاب إليه، وكذا ما يمكن أن يقال إنه من روى الحديث؛ لأنه يروي كل بيت عنده حال آخر الأبيات، أو من الروية لأن الشاعر يتفكر أولا ويجمع كلمات فيه روى الأبيات، ثم يقدم على نظم الأبيات. (أو ما في معناه) عطف على حرف الروى أي ما في معنى حرف الروى من الفاصلة، أي من حروف الفاصلة، وجعلها الشارح من إطلاق اسم الكل على الجزء، هذا إذا جعل من بيانية كما يتبادر في أمثاله، ولو جعلت تبعيضية فلا حاجة إلى شيء من التكلفين. (ما ليس بلازم في السجع) هو فاعل يجئ، ولا يخفى أنه لو يجئ مرة في بيتين من أبيات القصيدة، ولم يلزم لبس لزوم ما لم يلزم، فالصحيح أن يلتزم بدل قوله يجئ، إلا أن يقال قصد بالمضارع الاستمرار العرفي، فتأمل. والمراد بالسجع الكلام المقفى سواء كان سجعا أو شعرا وقد مضى بهذا المعنى غير مرة، فلا يرد أنه كان ينبغي أن يقول ما ليس بلازم في الشعر أو السجع، وأما دفع الشارح ذلك بأن المراد أن يجئ ما ليس بلازم لو جعل الفاصلتين أو القافيتين سجعتين، ففيه أن تحسين الشعر ليس لالتزام ما لا يلزم فيه، لو جعل سجعة؛ بل لالتزام ما ليس بلازم في الشعر، ولذا فسروه بأن يلتزم المتكلم في السجع والتقفية ما ليس بلازم، من مجيء حركة مخصوصة أو حرف بعينه أو أكثر على ما نقله في الشرح في آخر هذا المبحث، فإن قلت: قد مر في بحث الإرصاد استعمال الروى بمعنى الذي يبتني عليه أواخر الأبيات أو الفقر، فلا حاجة إلى قوله: أو ما في معناه من الفاصلة! ! قلت كان ما مضى تجوزا نبه عليه في هذا التعريف، واعلم أن لزوم ما لا يلزم يتحقق في بيت، إذا كان قافية المصراع الأول كقافية المصراع الثاني، فما قال الشارح: المراد أن يجئ ذلك في بيتين أو أكثر أو قرينتين أو أكثر، محل بحث. (نحو فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) (١) مثال لما في معنى

стр. 1089

الروى قدمه لأنه أحوج إلى التوضيح، أو لأن تعامل المثال المثل به في الجملة أو لكونه قرآنا، فالراء بمنزلة الروى، جيئ قبلها بالهاء المفتوح في الفاصلتين، وشيء من الفتحة والهاء لا يلزم في السجع ليتحقق السجع بين تظفر وتسخر، وبين تبصر وتغفر، قال الله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (١) (ونحو قوله: [سأشكر عمرا] ممدوحه [إن تراخت منيّتي] وفي سأشكر عمرا التراخي المنية لطيفة، وإن لا يفي صورة الكتابة بحمله على شكر العمر والبقاء [أيادي] بدل من عمرا، ولو جعل بدل الكل مبالغة في أيادي عمر كأنه عين الأيادي الموصوفة لكان لطيفا [(لم تمنن)] أي لم تعط أو لو لم تخلط بمنه والمن في أصل اللغة قطع الحبل ففي نفي المن إشعار بأنها في الاتصال كالحبال أو لم تعط قبل [(وإن هي جلّت)] يحتمل الوصل بالشكر أي سأشكر وإن هي عظيمة، وشكر عظيم النعم مشكل جدا، وفيه شيء، وهو فرض عدم جلالة أيادي الممدوح والوصل بعدم القطع، أو عدم الخلط أو عدم الإعطاء لأحد من قبل، وفيه أيضا وصمة العرض المذكور، ولا في الاحتمال الأخير لأن هي في راجعة إلى أياد أعطيت قبل، فلما بالغ في أيادي عمرا كأنه مثل عنه فأجاب بقوله: [(فتى)] أي هو فتى أي شاب، اتصف بهذه الصفات الكريمة واجتماعها مع الشباب أعزب أو ستحى كريم فإن النبي جاء بهذا المعنى أيضا [(غير محجوب)] ممنون [(الغنى)] ضد الفقر أي لا يحجب ماله [عن صديقه] إذ لا يحجبه الغنى وتكبره عنه، فعلى الثانية الإضافة معنوية، أي ينتفع صديقه عن ماله كمال الانتفاع [ولا مظهر] اسم فاعل على ما هو المشهور، والأنسب بالمحجوب جعله اسم مفعول مضافا إلى مرفوعه الذي هو [الشّكوى إذا النّعل زلّت] أي زلت به، يقال في الكناية عن يزول الشر وامتحان المرء زلت به القدم وزلت به الفعل أي لا يظهر الشكوى إذا نزل به البلاء، بل يصبر، فالمعنى أن الصديق ينتفع لمنافعه ولا يتضرر بمضاره أصلا، حتى لا يحزن بها، لأنه يخصها ولا يظهرها، ذلك إن تجعل إذا النعل زلت عبده عن حال الصديق، يعني زلت، النعل بالصديق، وابتلى الصديق، أي لا يظهر الشكوى عن الابتلاء بإصلاح حاله وثقل التعب في دفع وباله، والأبلغ تعميمه، ولو جعل ولا مظهر الشكوى

стр. 1090

على صيغة المفعول وزلة النعل للصديق، يعني لا يظهر الصديق شكواه عنده عند ابتلائه لعدم الحاجة، لأنه إكمال مراعاة حال صديقه لا يحوج الصديق إلى إظهار الشكوى لكان شديد الارتباط بما بعده، وإن كان في فهم هذا المعنى عنه نوع خفاء فتأمل. ([رأى خلّتي]) هي بالفتح الحاجة والفقر، وفي المثل الخلة تدعو إلى السلة أي السرقة، فاحملها على أي المعنيين شئت ([من حيث يخفى مكانها]) خفاء مكان الشيء مبالغة في خفائه أو المراد بمكانها وجودها، يعني لكمال ترقب حالي يرى حاجتي في موضع أخفها فيه عنه (فكانت قذى) كعلي ما يدخل في العين وتتأذى به [العين]، قال الشارح يعني يكون كالداء الملازم له (حتّى تجلّت) (١) بحسن اهتمامه، هذا ويحتمل أن يكون كونه قذى عينيه أنه لا يغفل عنه، ويكون عيناه مشغولين به، كما لا تعقل عن قذاة، فالروى هو التاء، والتزم قبلها اللام المشددة المفتوحة، وهو ليس بلازم في الشعر، بل تتم نزلت ومدت وغيره، فالملتزم ثلاثة أشياء لا يلزم شيء منها، الفتحة واللام والتشديد، فقول الشارح: في البيت نوعان من لزوم ما لا يلزم قاصر، قال المصنف في الإيضاح: وقد يكون ذلك في غير الفاصلتين أيضا، كقول الحريري: [وما اشتار] أي أخرج العسل [من اختار الكسل] يعني يلحق في التحسين للزوم ما لا يلزم، التزام ما ليس بلازم في غير الفاصلتين، كالتزام التاء في اختار واشتار، ولم يرد أنه داخل في لزوم ما لا يلزم، وكيف والمراد بالوقوع قبل حرف الروى وقوعه بلا فاصلة، وإلا لم يكن للتقييد به فائدة بل ينبغي أن يقال في تفسيره: هو أن يجئ في الفقرة أو البيت ما ليس بلازم في السجع، إلا أن يقال مقصوده الاعتراض على تعريف القوم، والتنبيه على ما صرح عنه لتعريف حاله من الاختلال، ولا لفوت ما خرج عنه. (وأصل الحسن) لا مجرد له (في ذلك) الضرب من المحسنات أعني اللفظي ولذلك أفرد ذلك ولم يقل في ذينك، وبها أكد ذلك بكله لئلا يوهم اختصاص

стр. 1091

الكلام بما هو فيه من الالتزام (أن يكون) أي وقت أن يكون (الألفاظ تابعة للمعاني دون العكس) حتى لو كان كذلك، لانتفى أصل الحسن، بل ينقلب إلى القبح لفوت ما هو الغرض من إيراد اللفظ وتحسنه، وهو تمكن المعنى في النفس بإصغاء اللفظ على سبيل النشاط، ولك أن تريد بأصل الحسن، أصل الحسن البديعي، وهو البلاغة يعني إذا فات مصلحة المعنى رعاية المحسنات اللفظية، لم يبق الكلام بليغا، فيلغو المحسن اللفظي لعدم ثبات الحسن لفوات أصله، وبالجملة يتجه أنه لا وجه لتخصيص هذه الوصية بالضرب اللفظي، بل أصل الحسن في جميع ذلك لفظيا كان أو معنويا بأن لا يفوت مصلحة المعنى، فإذا دعا رعاية محسن معنوي أيضا إلى إخلال بإفادة اللفظ للمعنى ينبغي أن يهجر عنه، ولا يمكن دفع الشبهة بهذا التقرير بأن قوله: (أن يكون الألفاظ تابعة للمعاني)، يدل على أن الكلام في المحسنات اللفظية، إذ دلالته ممنوعة، كيف ورعاية المحسن المعنوي والتكلف له أيضا ربما يجعل اللفظ تابعا للمعنى؛ ولو سلم فالكلام في التخصيص، لا في حمل عبارة المصنف على العموم، فاللائق أن يجعل قوله: والأصل في ذلك كله بمعنى أن الأصل في ذلك المذكور من المحسنات المعنوية واللفظية، ذلك ليعم فائدته، وإن كان غالب ما يقع فيه التكلف. وأكثر ما شاع فيه التصنع رعاية المحسنات اللفظية، وهو الوجه في تخصيص التوصية بها لو خصت، وأحاله المحسن المعنوي على تلك الوصية؛ لأن الاهتمام به في تلك دون الاهتمام باللفظي. (خاتمة) قيل من الكتاب، فالكتاب مرتب على مقدمة، وثلاثة فنون وخاتمة، وقال الشارح المحقق: إنه من الفن الثالث، وللكتاب أجزاء أربعة، والخاتمة من الرابع، وتمسك في صدق دعواه، بأنه قال المصنف في الإيضاح: هذا ما تيسر لي بإذن الله تعالى جمعه، وتحريره من أصول الفن الثالث، وبقيت أشياء يذكرها فيه: أي في علم البديع بعض المصنفين، منها ما يتعين إهماله، إما لعدم دخوله في فن البلاغة، يعني به ما يشتمل الثلاثة على خلاف ما يتبادر منه، نحو ما يرجع إلى التحسين في الخط دون اللفظ، مع أنه لا يخلو عن التكلف، يعني لا

стр. 1092

يتيسر بدون تكلف، لجعل المعنى تابعا للفظ، مثل كون الكلمتين متماثلتين في الخط كما ذكرنا، فيما سبق، ومثل الموصل، وهو أن يؤتى بكلام يكون كل من كلماته متصلة الحروف، ومثل المقطع وهو منه الموصل، ومثله الحيفاء وهي الرسالة، أو الخطبة أو القصيدة التي يكون حروف إحدى كلمتيها منقوطة، والأخرى غير منقوطة، ومثل الحذف وهو الإتيان برسالة أو خطبة لا يوجد فيها بعض حروف المعجم، ونحو وما تحسين له قطعا مثل الترديد وهو أن تعلق الكلمة في المصراع أو الفقرة لمعنى لم تعلق نفسها بمعنى آخر كقوله تعالى: حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ ومثل التعدية ويسمى سياقه الأعداد وهو إيقاع اسما مفردة على سياق واحدة، ومثل ما يسمى تنسيق الطبقات، وهو التعقيب، موصوف بصفات متوالية، وإما لعدم الفائدة في ذكره يعني في البديع، مثل ما يذكره بعض المتأخرين مما هو داخل في المعاني والبيان مثل ما سماه الإيضاح، وهو إزالة خفاء كلامك ببيان، ومثل التوسيع فإنهما من الإطناب، ومثل ما سماه بعضهم حسن البيان، وهو كشف المعنى، وإيصاله إلى النفس، فإنه مبني على التخليط، فإنه قد يجيء مع الإيجاز، وقد يجيء مع الإطناب وقد يجئ مع المساواة بمعنى حسن البيان، بأنه يكون إيجازا، وتارة إطنابا، وتارة مساواة، وليس أمرا زائدا عليها، فلا يتجه أن كلا من المحسنات البديعية بأنه يكون مع الإيجاز وتارة مع الإطناب. ومنها: ما لا بأس بذكره، لاشتماله على فائدة، وهو شيئان: أحدهما: القول في السرقات الشعرية وما يتصل به. والثاني: القول في الابتداء والتخلص والانتهاء، فعقدنا فيهما فصلين ختمنا بهما الباب، هذا كلام المصنف مع بعض تفصيل له لا بد منه، ووجه تمسك الشارح أن المصنف ختم الفن الثالث بذكر هذه الأشياء التي وصفها بأن بعض المصنفين يذكرونها في علم البديع، وبأنه لا بأس بذكرها، وعقد لها خاتمة وفصلا، فعلم بذلك أن الخاتمة الفن الثالث، وليس خاتمة الكتاب خارجة عن الفنون الثلاثة كالمقدمة، هذا كلامه، ونحن نقول: الظاهر من خاتمة الكتاب فيما التبس الحال، أنه كالمقدمة من آخر الكتاب، الظاهر من تمهيد مقدمة في آخر

стр. 1093

الفنون لذلك الخاتمة في الإيضاح أنه كالفنون الثلاثة، حيث ذكر في آخر المقدمة تمهيدا لذكرها، وقوله ختمنا بهما الكتاب دون أن يقول ختمنا بهما الفن الثالث واضح في كون الخاتمة من الكتاب وضوحا تاما، وليس في وصف الأشياء، بأن بعض المصنفين يذكرونها في علم البديع، دلالة على أنها منه في كتابه؛ لأنه ليس راضيا بما فعلوا، وله في وصفها بأنه لا بأس بذكرها كما في علم البديع، وعبارة لا بأس شاعت فيما تركه أولى، فعلم منه أن عدم إيرادها في علم البديع أولى ما يرادها في الكتاب لاشتمالها على الفائدة، ينبغي أن لا يكون في البديع على أن مباحث السرقات الشعرية من قبولها وردها، وكذا حسن الابتداء والتخلص والانتهاء قد يكون بالاشتمال على إحدى البلاغتين، وقد يكون بالاشتمال على المحسنات البديعية، فلا اختصاص لها بفن دون فن، هي تكميل للثلاثة ويتعلق بها تعلق اللاحق بالسابق. هذا وفي قول الشارح عقد لها خاتمة وفصلا مواحدة لأنه يدل على أن الفصل خارج عن الخاتمة مع أن الفصل داخل فيها على ما صرح به الشارح نفسه، في بيان الفصل. (في السرقات) بفتح الراء جمع سرقة كعرفة اسم من السرق أو بكسرها جمع سرقة كفرحة أو سرق ككتف، وهما أيضا اسمان من السرق والسرقة، كما يجري في الشعر، وهو، أكثر ما يقع ولذا وصفه (بالشعرية) يجري في غير الشعر أيضا ولعله داخل تحت قوله (وما يتصل بها) ويؤيده أنه قال فيما بعد: ومما يتصل بهذا القول في الاقتباس والتضمين والعقد والحل والتلميح، ولم يقل وما يتصل بهذا (وغير ذلك) أي ذلك المذكور من السرقات الشعرية وما يتصل بها، وهو القول في الابتداء، والتخلص وانتهاء جمعها مع السرقات الشعرية، وما حصل بها بجامع أنها مما يجب مزيدا احتياط بها، كالسرقات الشعرية، وما يتصل بها، وتفسير غير ذلك بالقول عن الابتداء والتخلص والانتهاء هو الذي جعلناه تصريحا من الشارح بأن الفصل من الخاتمة.

стр. 1094

(اتفاق القائلين) بلفظ الجمع المراد به ما فوق الواحد أو بلفظ التثنية اكتفاء بأقل ما يقع (إن كان في الغرض على العموم) (١) أي مشتملا على العموم أو بناء على عموم الغرض. وشموله للبلغاء غير مختص ببليغ دون بليغ (كالوصف بالشجاعة) كعلاقة منه (والسخاء وحسن الوجه وإليها) أي الحسن مطلقا (فلا يعد) بفتح الدال أو كسرها على أن يكون صيغة أمر يفيد الإيجاب فيسحن مقابلته مع قوله، وإلا جاز أن يدعى فيه السبق والزيادة، أو ضمها خبر فمحمول على وجوب عدم أو بقرينة المقابلة (سرقة) والاستعانة ولا أخذا ونحو ذلك مما يؤدي هذا المعنى. (لتقرره) أي التقرر هذا الغرض العام (في العقول والعادات) ويشترك فيه الفصيح والأعجم والشاعر والمفحم (وإن كان في وجه الدلالة) على الغرض (كالتشبيه) والمجاز والكناية المشار إليها بقوله (وكذكر هيئات تدل على الصفة لاختصاصها) أي تلك الهيئات (بمن) الأولى بما (هي) أي الصفة (له) ولا يخفى أن السرقة في وجه الدلالة كما تكون باعتبار طرق الدلالة المتفاوتة في الوضوح والخفاء تكون باعتبار المحسنات البديعية أيضا (كوصف الجواد) أي السخي والسخية (بالتهلل) أي تهلل الوجه وهو كتهلل السحاب تلألؤه (عند ورود العفاة) جمع عاف وهو الضيف وطالب الفضل أو الرزق، والكل حسن في هذا المقام (وكوصف البخيل بالعبوس) كالدخول ضد التهلل، وجعله كالقبول بعيد عن القبول وقوله (مع سعة ذات اليد) قيد للتهلل والعبوس معا؛ لأن تهلل الجواد لا يكون مع قلة ذات اليد عند ورود العفاة والعبوس مع قلة ذات اليد؛ ليس من خواص البخيل وذات اليد المال سمي ذات اليد لأن اليد تفعل معه ما لا تفعل بدونه، فكأنه يأمر اليد بالعطاء والإمساك واليد مملوكة له (فإن اشترك الناس في معرفته) أي معرفة وجه الدلالة على الغرض (لاستقراره فيها) أي في العقول والعادات كتشبيه الشجاع بالأسد والجواد بالبحر (فهو كالأول) أي

стр. 1095

كالاتفاق الأول في أنه لا يعد سرقة ولا يخفى أن ما يتصل بالسرقة من العقد والحل أيضا كذلك، فإن الحل إنما يسمى حلا إذا كان لما في الشعر اختصاص بالشعر، وكذا العقد إنما يسمى عقدا إذا كان لما في النثر اختصاص بالكاتب. (وإلا) قال الشارح أي وإن لم يشترك الناس في معرفته ولم يصل إليه كل أحد لكونه مما لا ينال إلا بفكر وهذا التفسير على طرق تفصيل الإيضاح، ويتجه عليه أنه بقى اتفاق القائلين في الغرض غير العام وهو مما جاز أن يدعى فيه السبق والزيادة، فلعله ترك لانسياق الذهن إليه بالمقايسة، وعبارة المتن تصلح لما لا يقصر بيانه عن إيفائه، وهو أن يجعل الإيفاء للأمرين اللذين رددت الحال بينهما، وهو أن يكون الغرض عاما أو وجه الدلالة عاما، فمعنى قوله: (وإلا): وإن لم يكن أحد الأمرين، وذلك بأن يكون الغرض خاصا أو وجه الدلالة خاصا كلاهما كذلك والأخصر الأوضح أن يقال اتفاق القائلين إن كان في الغرض على العموم كالوصف بالشجاعة والسخاء وحسن الوجه وإليها أو في وجه الدلالة كذلك كوصف الجواد بالتهلل عند ورود العفاة والبخيل بالعبوس مع سعة ذات اليد فلا يعد سرقة وإلا (جاز أن يدعى فيه) أي فيما ذكر من الغرض أو وجه دلالة الخاص (السبق) بقى أنه إن اتفق القائلان في الغرض أو وجه الدلالة على العموم بعد سرقة إن كان تركيب العبارة المنطوقة أو المسجعة أو المرغبة فيها محسن ذاتي أو عرضي لا ينال إليه إلا بفكر السابق، ولا محيص عنه إلا بأن يجعل وجه الدلالة على العموم بمعنى أن لا يكون في الدال اختصاص بأحدهما من حيث التركيب والنظم بوجه من الوجوه، وإنما لم يقل: جاز أن يدعي فيه الآخذ لما سيأتي أن الأحوط أن يقال قال فلان كذا وقد سبقه فلان إليه فقال كذا اعتناه ما بذلك فضيلة الصدق واجتنابا عن دعوى العلم بالغيب. (والزيادة) يعني يدعي زيادة أحديهما أما المسبوق إن أتى بأمر زائد على السابق وأما السابق إن لم يأت المسبوق بزائد فإنه مع المساواة أيضا الفضل والزيادة للأول، فلا ينبغي أن يتوهم أن الوافي أن يقال جاز أن يدعي فيه السبق والزيادة والاستواء. (وهو) أي مالا يشترك الناس في معرفته من وجه الدلالة أو ما لا يشترك

стр. 1096

الناس في معرفته من الغرض أو وجه الدلالة (ضربان) أحدهما (خاصي في نفسه غريب) لا ينال إلا بفكر (و) الآخر (عامي تصرف فيه بما أخرجه من الابتذال إلى الغرابة كما مر) في باب التشبيه والاستعارة من تقسيمها إلى الغريب الخاصي والمبتذل العامي، أما مع البقاء على الابتذال أو مع التصرف فيه بما يخرجه من الابتذال إلى الغرابة كما في الأمثلة المذكورة ثم (فالأخذ والسرقة) عطف السرقة على الأخذ للتفسير لأن هذا المعنى علم باسم السرقة سابقا دون الأخذ، والمقصود التنبيه على ترادف الأخذ والسرقة، وهذا أولى من أن يراد بالأخذ والسرقة، المسمى بهذين الاسمين، إذ لا موجب لصرف اللفظ من الحقيقة إلى المجاز (نوعان ظاهر وغير ظاهر) تذكير الظاهر وغير الظاهر لأنهما تفصيل النوع، فلا حاجة إلى اعتبار التغليب. [السرقة والأخذ نوعان] [الظاهر] (أما الظاهر فهو أن يؤخذ المعنى كله إما مع اللفظ كله أو بعضه (١) أو وحده) قوله: أو بعضه عطف على اللفظ ووحده على قوله مع اللفظ. قال في الإيضاح: إما مع اللفظ كله أو مع بعضه وإما وحده هذا قدم في تفصيل أقسام الظاهر، الأظهر فالأظهر، أو ما هو أكثر سرقة فالأكثر، ولهذا قدم الظاهر على غير الظاهر. قال الشارح المحقق: فالنوع الظاهر بهذا الاعتبار ضربان: أحدهما أن يؤخذ المعنى مع اللفظ كله، أو بعضه، والثاني أن يؤخذ المعنى وحده، والضرب الأول قسمان، لأن المأخوذ مع المعنى من كل لفظة أو مع بعضه إما مع تغيير النظم أو بدونه، فهذه عدة أقسام، والأولى والقسم الأول من الضرب الأول قسمان، لأن تمام اللفظ المأخوذ مع المعنى إما مع تغيير النظم أو بدونه، لأنه الأوفق بما أشار إليها المصنف بقوله (فإن أخذ اللفظ كله) إلخ، وقوله (أخذ) مشتق من الأخذ الاصطلاحي لا من الأخذ اللغوي، فلا يتجه أنه لا بد من قيد يميزه عن التضمين حتى يصح قوله، فهو مذموم إذ التضمين أخذ اللفظ كله من غير تغيير لنظمه، - وليس بمذموم- وينبغي أن يعد من أقسام الظاهر ما يؤخذ اللفظ وحده من غير أخذ المعنى كما إذا كان مشتركا فيقصد به السابق المعنى الذي لم يقصده القائل

стр. 1097

الأول، كما إذا قال قائل: ما كان وقصده مثل معنى شعري شعري، فقال الآخذ: ما كان ما كان وأراد انتفاء ما كان بحيث كأنه لم يكن من أصله. (من غير تغيير لنظمه) أي لتأليفه واختار النظم على التركيب وهو التركيب على حسب ما يقتضيه العقل لا التوالي في النطق، كيف ما اتفق، لأن السرقة إنما تكون لما له نظم وشأن، لا لما ركب كيف ما اتفق (فهو مذموم لأنه سرقة محضة) إبطال حق الغير وكذب محض ليس له تأويل صدق، كما يدل عليهما اسماه المذكوران بقوله (ويسمى نسخا) وهو في اللغة الإبطال (وانتحالا) وهو فيها ادعاء شيء لنفسه (كما حكي عن عبد الله بن الزبير) والزبير الشاعر، وهو غير عبد الله بن الزبير الصحابي المشهور أحد الأعلام، في القاموس، وهو القائل لعبد الله بن الزبير لما حرمه: لعن الله ناقة حملتني إليك، فقال: إن وراكبها، وفي الإيضاح الزبير مع اللام، ويوافقه القاموس (إنه فعل بقول معن بن أوس) المزني [إذا أنت لم تنصف] من الإنصاف وهو العدل [أخاك] أخوة الصداقة أو النسب [وجدته] [على طرف الهجران إن كان يعقل] (١) من باب ضرب أي إن كان يبقى عقله بعد ظلمك وفيه إشارة إلى أنه يصير مجنونا بظلمك وبهجران نفي عقله. [ويركب حدّ السّيف] (٢) أي يرضى بأن يقتل بالسيف أو يرتكب ما هو بمنزلة القتل به. [من أن تضيمه] أي من أجل ضيمك أي ظلمك فمن للأجل كما في قول الشاعر [من أجلك بالتي تيّمت قلبي] وفي الشرح بدل من أن تظلمه فجعل من للبدل [إذا لم يكن عن شفرة الضّيف] أي على ما في الصحاح [مزحل] (٣) أي مبعد سوى قبول الضيم، يقال: زحل من باب منع زحولا أي بعد، والمزحل

стр. 1098

ما يعدل إليه، كذا في الصراخ والشعر حث على المداراة مع الإخوان، والتجنب عن الغلظة معهم، وإلا لم يبق صديق ولا ظهير، وفيه تلميح إلى قوله تعالى: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (١) مع زيادة مبالغة. حكي أن عبد الله دخل على معاوية فأنشد هذين البيتين فقال له معاوية: لقد شعرت- بضم العين- بعدي يا أبا بكر. يعني: أخذت الشعر بعدي، ولم يفارق عبد الله المجلس حتى دخل معي فأنشد قصيدته التي أولها: لعمرك لا أدري وإنّي لأوجل ... على أيّنا تعدو المنيّة أوّل (٢) حتى أتمها وفيها هذان البيتان فأقبل معاوية على عبد الله بن الزبير وقال له: ألم تخبرني أنهما لك فقال اللفظ له والمعنى لي، فهو أخي من الرضاعة، وأنا بشعره، يعني أنا أحق منه بشعره، والمقصود كمال الاتحاد. (وفي معناه) أي معنى ما لم يغير فيه النظم في كونه مذموما وأن ليس منه بل مما أخذ فيه بعض اللفظ فيكون إعارة ومسخا، أو أخذ فيه المعنى وحده فيكون إلماما وسلخا، أو في معناه في كونه من النسخ والانتحال، وملحق به أو داخل فيه، ومعنى قولنا: في التعريف إما مع اللفظ كله (أن تبدل بالكلمات كلها أو بعضها ما يراد فها) لكن الظاهر أن كونه مذموما إذا لم يفسد التبديل للكلام حسن سجع أو موازنة، أو زيادة فصاحة أو سلاسة للشعر، فإن أفاد فينبغي أن يترجح على الأصل، ويزيد عليه قبولا، قال الشارح: كما يقال في قول الحطيئة دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنّك أنت الطّاعم الكاسي ذر المآثر لا تذهب لمطلبها ... واحبس فإنّك أنت الآكل اللابس (٣) أقول: يقال: رجل طاعم طعم حسن الحال في المطعم، ورجل كاس ذو كساء، فيكون المعنى أنت دنئ الهمة نهاية همتك الطعام والكساء، ولا بد لطلب المكارم من همة عالية، وكان الهذلي جعل الطعام اسم فاعل من طعمه كسمعه،

стр. 1099

والكاسي اسم من كسيه، كرضى بمعنى لبسه أي أنت طالب التنعم والثروة والمكارم لا يحصل لطالبهما. ومما وقع في بعض حواشي الشرح أنه قال: اللابس من اللبوس، وهو، لذوق، يقال: ما لاس لوسا أي ما ذاق ذوقا. ولو صح ما ذكره لكان مثالا لتمثيل البعض بالمرادف في أنه قريب من هذا أن يبدل بالألفاظ ما يضادها في المعنى، مع رعاية النظم والترتيب كما يقال في قول حسان: بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شم الأنوف من الطّراز الأوّل سود الوجوه لئيمة أحسابهم ... فطس الأنوف من الطّراز الأوّل هذا ما سيأتي أن القلب من الأخذ الغير الظاهر يجب أن يخص منه هذه الصورة من القلب. (وإن كان مع تغيير لنظمه) أي نظم اللفظ وضمير كان لأخذ اللفظ كله (أو أخذ بعض اللفظ سمي) هذا الأخذ (إغارة) لأن صاحبه لا يخفي نسبته إلى نفسه، وينسبه إلى نفسه عليا وثوقا له بأنه لا ينكر عليه لمغايرته للأول، فهو غصب ما للغير علانية (ومسخا) وهو في اللغة تغيير الصورة إلى ما دون منها، سمي هذا القسم باسم ما هو أكثر عيبا من أفراده لأن السرقة عيب فيناسب التسمية بما هو أشد عيبا. (فإن كان الثاني أبلغ من الأول) الأول أفضل من الأول ليتناول الأفضل لمحسن بديعي، والأفضل لمحسن ذاتي، وجعل الأبلغ شاملا له لا يخرج عن تكلف (لاختصاصه بفضيلة) لا يوجد في الأول فيه أن الاختصاص بفضيلة وكذا يوجب كون الثاني أبلغ ما لم يفضل على الأول في الفضيلة، لجواز أن يكون اختصاص الأول أكثر. (فممدوح) أي الأخذ ممدوح كما يقتضيه السوق، وفي الشرح أي فالثاني ممدوح فأدرك بحسن باعك الممدوح، واختر المعدل دون المجروح (كقول) فيه مسامحة والمثال ما أخذ سلم أو قول سلم، فالصحيح كقول سلم كذا بعد قول (بشار: [من راقب النّاس]) أي خاف: في الصحاح: راقب الله في أمره خافه (لم يظفر بحاجته وفاز بالطّيّبات) أي بطيبات الرزق، فكأنه إشارة إلى ما

стр. 1100

في الآية الكريمة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ (١) (الفاتك) أي الجريء الشجاع (اللهج) (٢) أي المواظب على الأمر الذي أغرى به، وقد استمر المصنف على هذه المسامحة في الأمثلة، ولا يبعد أن يقال: التمثيل للأمرين اللذين وقع الآخذ فيهما أعني مجموع المأخوذ والمأخوذ منه، فقوله: كقول بشار مثلا في تقديرهما كقول بشار (وقول سلّم الخاسر) بالخاء المعجمة يسمى بالخاسر لأنه باع مصحفا واشترى بثمنه ديوان شعر، ولأنه حصلت له أموال فبذرها على ما في القاموس، ولأنه اشترى بثمن مصحف ورثه عودا يضرب به، على ما نقله الشارح من الأساس: [(من راقب النّاس مات همّا)] مفعول له، وجعله تمييزا كما في الشرح يوجب كون المعنى مات همه، فيكون إسنادا إلى السبب، ومع صحة حمل الكلام على الحقيقة لا يصار إلى المجاز (وفاز باللّذّة الجسور) (٣) أي الشديد الجراءة. روى عن أبي معاذ رواية بشار أنه قال: أنشدت بشارا قول سلم فقال: ذهب والله ماء بيتي، فهو أخف منه وأعذب، والله لا أكلت اليوم ولا شربت، في الإيضاح، وقول الآخر: خلقنا لهم في كلّ عين وحاجب ... بسمر القنا والبيض عينا وحاجبا (٤) وقول ابن نباته بضم النون بعده خلقنا بأطراف القنا في ظهورهم ... عيونا لها وقع السّيوف حواجب (٥) فبيت ابن نباته أبلغ لاختصاصه بزيادة معنى وهو الإشارة إلى انهزامهم حيث وقع الطعن، والضرب على ظهورهم، ومن الناس من جعلهما متساويين، هذا كلامه، وقد شنع على من جعلهما متساويين بقوله: ومن الناس ولا يوجب ما

стр. 1101

ذكره فضل بيت ابن نباته لأن في بيت الآخر نهاية المبالغة في الشجاعة، حيث لم يقدر الخصماء مع المواجهة على منع سمر القنا من أعينهم، ودفع البيض عن حواجبهم، وتكرر الطعن والضرب على الأعين والحواجب اللاتي هن أبعد من وقوع الضرب عليهن، كيف في بيت ابن نباته استطراف في خلق الأعين والحواجب في الظهور على خلاف ما هو المعتاد، وأنهم شاهدوا مهابتهم حين الفرار كما شاهدوا حين الإقدام أيضا. (وإن كان) الثاني (دونه) أي الأول لاختصاص الأول بفضيلة ترك التعليل لانسياق الذهن إليه من التعليل الأول وفيه ما عرفت (فهو) أي الأخذ أو الثاني (مذموم) مردود، وإنما جعل ما هو مذموم ثانيا وبادي النظر يقتضي أن يجعل ما هو أبعد من الذم ثانيا لأنه أقرب إلى الممدوح لنظر ثان لا يهمله، إلا بتوان، وهو أن الأبعد من الذم متوسط بين الممدوح والمذموم، والمتوسط من حيث هو متوسط متأخر عن الطرفين، كقول أبي تمام في مرثية محمد بن حميد كرويد، وكان قد استشهد في بعض غزواته: [هيهات] أي بعد المرثي وطال المسافة بيننا وبينه، لأنه وصل إلى الجنة وكم بينها وبين الدنيا الدنية، واللفظ خبر والمعنى على التحسر، فزاد في التحسر بأنه ليس لنا رجاء ما يتسلى به بعد، فقال [(لا يأتي الزّمان بمثله)] ليتسلى به وعلّل عدم إتيان الزمان بمثله بعلة طبيعية للزمان لا تنفك عنه وهو قوله [إنّ الزمان بمثله لبخيل] وبلغ فيه غاية التأكيد من ذكر إن واللام واسمية الجملة، وقد أفاد البخل به بطريق الأولى، لأنه إذا كان بخيلا بمثله فبخله به أولى، وقد أشار بإفادة استمرار بخل الزمان أنه لم يأت بمثله قبله، وأن الإتيان به كان خارق العادة. والشارح جعل ضمير هيهات إما للنسيان المذكور قبله في البيت السابق، وهو قوله: أنسى أبا نصر نسيت إذن يدي ... من حيث ينتصر الفتى وينيل (١) وإما لأن يأتي الزمان بمثله بدليل ما بعده، فهو إضمار قبل الذكر لضرورة

стр. 1102

الشعر، ولا ضرورة لارتكابه أو تخصيص بعد النسيان بالماضي، ولا اختصاص له هذا. قال الشيخ عبد القاهر في المسائل المشكلة: قال الشيخ أبو على الفارسي: في هذا البيت تقصير، لأن الغرض في هذا النحو نفي المثل، وأن يقال: هو امرؤ، وأنه لا يكون، فإذا جعل سبب فقد مثله بخل الزمان به فقد أخل بالغرض، وجوز وجود المثل، ولم يمنعه من حيث هو، بل من حيث بخل الزمان بأن يجود مثله، وفيه بحث، لأن تجويز المثل وأن ينافي أن مثله لا يكون لا ينافي أنه يغربل غرة المثل، وقلته يلائم بخل الزمان به. (وقول أبي الطيب [أعدى الزّمان سخاؤه]) يقال: أعدى الأمر جاوز غيره إليه، فالمعنى: جاوزه سخاه إلى الزمان [فسخا به ولقد يكون به الزّمان بخيلا] لا يخفى أن هذا المصراع مأخوذ من المصراع الثاني لأبي تمام، وان كان بينهما فرق بأن أبا تمام جعل البخل متعلقا بمثله صريحا، وأبا الطيب بنفسه، لأن هذا المقدار من التفاوت لا ينافي الأخذ، ولم يشترط اتحاد المأخوذ والمأخوذ منه في المعنى من كل وجه، كما توهمه البعض، وأن مصراع أبي الطيب خال عن التقصير الذي أثبته أبو علي في مصراع أبي تمام، فلو تم التقصير لم يكن مصراع أبي الطيب دونه. ومعنى البيت على ما ذكره ابن جني: أنه تعلم الزمان من سخائه فسخا به وأخرجه من العدم إلى الوجود، ولولا سخاؤه الذي استفاده منه لبخل به على الدنيا، واستبقاه لنفسه، وزيفه ابن فورجه وقال: هذا تأويل فاسد، وغرض بعيد، لأن سخاء من لم يوجد لا يوصف بالعدوى، فالمعنى أنه أعدى سخاء بعد وجوده الزمان، فسخا به علىّ وأسعدني بوصاله. هذا وعلى التقديرين ففيه وصمة وضع المضارع مقام الماضي، لأنه قصد أن الزمان كان به بخيلا فعدل إلى المضارع للوزن كذا ذكره المصنف. وأنا أقول: الأظهر أن المعنى أنه أعدى الزمان سخاءه فسخا بسبب عدوى سخائه فضمير به للعدوى، والباء للسببية، وليست صلة للسخاء، أي فسخا بما سخا به بسبب العدوى، ولقد يكون بعده الزمان به بخيلا، إذ ليس سخاء بعده يسري إلى الزمان، فيصير سخيا فيسخو به.

стр. 1103

ثم إنه قال المصنف: أنا لا نسلم أن المعنى على الماضي، بل المعنى أن الزمان بهلاكه يكون بخيلا أبدا، فيبقى على وجه الدهر، ودفعه بأن الزمان لما سخا به والسخاء البذل للغير فقد خرج عن تحت تصرفه، فلا معنى للإخبار بأنه لا يسمح بهلاكه، لأن هذا الإخبار إنما يفيد في حق من يقدر على هلاكه، واعترض على الدفع بأن الزمان لما سخا به فقد خرج عن تحت تصرفه بالاتحاد، لأنه تحصيل الحاصل، وأما تصرفه بالإهلاك فباق، فله أن يسمح به، وأن يبخل. وأجاب الشارح عن اعتراض المصنف: بأن احتمال الحمل على هذا المعنى لا يضر، لأنه مع ذلك الحمل أيضا أدون من مصراع أبي تمام، لاحتياجه إلى تقدير مضاف لا يدل عليه قرينة، على أن هذا المعنى مما لم يذهب إليه أحد ممن فسر البيت، والعلاوة ضعيفة، وقد عرفت في أثناء شرح مصراع أبي تمام اشتماله على ما يفضله على مصراع أبي الطيب فاحفظه. (وإن كان) الثاني (مثله) أي مثل الأول (فأبعد) أي فهو أبعد أي فالثاني أبعد (عن الذم) من الثاني من القسم الثاني. فإن قلت: هل يتأتى في القسم الثاني بعد من الذم، كما هو قضية صيغة الأبعد؟ قلت: نعم، الأقرب إلى الذم والأعرف فيه ما أخذ فيه اللفظ كله من غير تغيير لنظمه. (والفصل الأول كقول أبي تمام: [لو حار]) أي نظر إلى الشيء فغشى ولم يهتد لسبيله ([مرتاد]) اسم فاعل من الارتياد بمعنى الطلب وإضافته إلى (المنيّة) بمعنى من [لم يجد إلا الفراق] فيستثني من قوله دليلا [على النّفوس] متعلق بقوله [دليلا] (١) وقول أبي الطيب: لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا (٢) الضمير في «لها» للمنايا وهو حال عن المنايا، وهو أقرب من جعله حالا من سبلا، كما في الشرح، ووجدت إما بمعنى العلم والمفعول الثاني قوله إلى أرواحنا

стр. 1104

قدم على المفعول الأول، وإما بمعنى الإصابة. وقوله: أرواحنا حال قدمت على صاحبها لنكارتها، وقيل: جمع لها وأضيفت إلى المنايا وهي اللحمة المشرفة على الحلق، ويؤيده رواية يد المنايا، فقد أخذ المعنى كله مع بعض الألفاظ أعني المنية، ومرادف الفراق، ومرادف لم يجد ومرادف النفوس أعني الأرواح، وحكم الشارح بأن أخذ المرادف ليس إلا في الأرواح، وأما الفراق والمنية والوجدان فمن أخذ بعض الألفاظ بعينه محل نظر، ولا يخفى أن بيت أبي الطيب أفضل حيث حصر اهتداء المنايا إلى الأرواح في دلالة الفراق عليها بخلاف بيت أبي تمام فإنه جعل الفراق دليلا على تقدير خبره المنية له مطلقا، وحيث أفاد أن لا موت مع الوصال؛ إذ لا سبيل للموت إلا حال الفراق. قال الشارح: وقوله: فهو أبعد من الذم إنما هو على تقدير أن لا يكون في الثاني دلالة على السرقة باتفاق الوزن والقافية، وإلا فهو مذموم جدا، كقول أبي تمام: يقيم الظّنّ عندك والأماني ... وإن قلقت ركابي في البلاد وما سافرت في الآفاق إلا ... ومن جدواك راحلتي وزادي (١) وقول أبي الطيب: وإنّي عنك بعد غد لغادي ... وقلبي عن فناؤك غير عاد محبّك حيثما اتّجهت ركابي ... وضيفك حيث كنت من البلاد (٢) وهذا وفيه نظر؛ لأن المذمومة جدا مع الدلالة على السرقة مما لا ينبغي أن يخص هذا القسم الثاني، مما أجد فيه بعض اللفظ وكله، مع تغيير النظم، بل يجب أن يشرك بينه وبين القسم الثاني أيضا، فهذا القسم مع الدلالة على السرقة أيضا أبعد من الذم من القسم الثاني، فلا حاجة إلى تقييد قوله، فهو أبعد مما إذا لم تكن دلالة على السرقة، وأظن أنه سها في هذا المقام حيث قال المصنف في الإيضاح في هذا المقام: واعلم أن من هذا الضرب ما هو قبيح جدا، وهو ما يدل على السرقة باتفاق الوزن.

стр. 1105

والثانية أيضا كقول أبي تمام إلى آخر الأبيات المذكورة، فحمل الشارح قوله: هذا الضرب على القسم الثالث من المسخ، والأظهر: أنه أراد بهذا الضرب ضرب المسخ من السرقة بأقسامها، لأن علة القبح مشتركة، وهي الدلالة على السرقة، ولما فرغ من الضرب الأول من النوع الظاهر من الأخذ والسرقة شرع في الضرب الثاني منه وهو أن يؤخذ المعنى وحده فقال. (وإن أخذ المعنى وحده) وهو عطف على قوله: وإن أخذ اللفظ (يسمى) أي ذلك الأخذ (إلماما). قال الشارح: من ألم بالشيء إذا قصده، وأصله من ألم بالمنزل إذا نزل به، هذا ووجه التسمية أنه قصد بلفظه معنى الغير، ولا يبعد أن يجعل الإلمام منقولا من مباشرة اللمم، لأنه بالنظر إلى أخذ اللفظ والمعنى بمنزلة اللمم من الكثرة. (وسلخا) وهو نزع الشيء عن الشيء فكان لفظ الثاني نزع المعنى من اللفظ الأول. وقال الشارح: النزع هو كشط الجلد عن الشاة، واللفظ للمعنى بمنزلة الجلد، فكأنه كشط من المعنى جلدا وألبسه جلدا آخر، هذا والسلخ جاء بكلا المعنيين. (وهو ثلاثة أقسام كذلك) أي كذلك المذكور من الأقسام يعني ممدوحا ومذموما وأبعد من الذم، كما عرفته، وفي الشرح فسر كذلك بمثل ما يسمى إغارة ومسخا، وما ذكرنا أنسب بمقام معنيي الأقسام: (أولها) أي أول الأقسام، وهو ما يكون ممدوحا لكون الثاني أبلغ من الأول (كقول أبي تمام: [هو] ضمير الشأن (الصنع) أي الإحسان وهو مبتدأ خبره الجملة الشرطية [(إن يعجل فخير وإن يرث) أي يبطر [فللرّيث في بعض المواضع أنفع] (١) وقول أبي الطيب: [ومن الخير بطؤ سيبك]، أي تأخير عطائك [(عنّي أسرع السّحب في المسير الجهام]) (٢) الجهام بالفتح: السحاب الذي لا ماء فيه، كذا في الصحاح وفي القاموس أوهراق ماءه يعني تأخر عطائك عني يدل على

стр. 1106

عظم نفعه، كالسحاب الذي يبطؤ في سيره، فإن نفعه كثير. فبيت أبي الطيب مع اشتماله على زيادة بيان للمقصود بضرب المثل له بالسحاب يتضمن بسببه تشبيهه بالسحاب الماطر في كثرة منافعه، وفي إحياء الموهوب له كإحياء السحاب الأرض. (وثانيها): أي ثاني الأقسام وهو ما يكون مذما لكون الثاني دون الأول (كقول البحتري: [إذا تألّق]، أي لمع ([في النّدى]) في الصحاح: الندى على فعيل، لكن في القاموس كفتى، هو مجلس القوم ما داموا فيه، فإن تفرق القوم فليس بندى، والشعر يساعد الصحاح ([كلامه المصقول]) (١) أي المجلو، في الشرح فيه استعارة بالكناية، حيث شبه الكلام بالسيف، وأثبت له التألق والصقالة كإثبات الأظفار للمنية، وفيه أن إثبات اللمعان أو الصقالة تخييل، والآخر ترشيح، إذ التخييل لا يكون إلا واحدا. والأوجه: أنه شبه الكلام بالبريق الصافي عن الكدر، وأراد بكونه مصقولا خلوصه عن الكدر، وأثبت اللمعان والخلوص عن شائبة الكدر، وجعل ذلك البريق ظاهرا من لسانه الذي كالسيف القاطع المصقول، وجعله بعضا من السيف، لأن اللسان يشبه رأس السيف، وضمن وصفه بكمال الفصاحة، وكون كلامه ماضيا كون سيفه قاطعا، ووصفه بالشجاعة، فليس فضل بيت البحتري في مجرد اشتماله على الاستعارة والتخييلية كما ذكره المصنف في الإيضاح، وتبعه الشارح، بل فيه تشبيهات دقيقة واستتباع لطيف أيضا. (وقول أبي الطيب: كأنّ ألسنتهم في النّطق على ... رماحهم في الطّعن خرصانا) (٢) في الشرح: خرصان الشجر قضبانها، وخرصان الرماح أسنتها واحدها خرص بالضم والكسر، يعني لفرط مضيّ أسنة رماحهم ونفاذها كأن ألسنتهم عند النطق

стр. 1107

جعلت أسنة على رماحهم عند الطعن، فصارت الأسنة في النفاذ كألسنتهم. هذا وأقول: في بيت أبي الطيب مزيد مبالغة في نفاذ كلامهم ليس في بيت البحتري، حيث جعل أسنتهم مشبهة بألسنتهم على التشبيه المقلوب، لكن مع ذلك بيت البحتري أبلغ لكثرة ما فيه من المزايا. (وثالثها) أي ثالث الأقسام وهو ما يكون أبعد عن الذم، لكون الثاني مثل الأول (كقول الأعرابي أبي زياد: ([ولم يك]) بحذف نون يكون في الجزم لكثرة استعماله ([أكثر الفتيان]) بالكسر جمع فتى بمعنى السخي [مالا] وفي الإيضاح وما إن كان أكثرهم سواما السوم بالفتح الإبل الراعية [ولكن كان أرحبهم ذراعا] (١) الذراع بالكسر طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى والساعد، وقد يذكر فيهما، ورحب الباع والذراع ورحبهما أي سخي، والباع قدر مد اليدين. (وقول أشجع) يمدح جعفر بن يحي [يروم الملوك مدى جعفر ولا يصنعون لما يصنع]: [وليس بأوسعهم في الغنى ولكنّ معروفه] أي إحسانه [أوسع] (٢). [وأما غير الظاهر] (وأما غير الظاهر فمنه أن يتشابه المعنيان) معنى البيت الأول، ومعنى البيت الثاني (كقول جرير: [فلا يمنعك]) على لفظ النهي ([من أرب]) على وزن فرس وحبر الحاجة ([لحاهم]) بالضم والكسر جمع لحية بالكسر ([سواء ذو العمامة]) بالكسر وهي المغفر والبيضة وما يلف على الرأس وحملها على الأولين أبلغ، وعلى الثالث أوفق بقوله: [والخمار] بالكسر أي سواء رجالهم ونسائهم، وقد ربي تلك التسوية باستعمال ذو فيهما على السواء. (وقول أبي الطيب) في سيف الدولة يذكر خضوع بني كلاب وقبائل العرب: (ومن في كفّه منهم قناة ... كمن في كفّه منهم خضاب) (٣)

стр. 1108

فتعبير جرير بذي العمامة كتعبير أبي الطيب عنه بمن في كفه منهم قناة، وكذا التعبير عن المرأة بذات الخمار، وبمن في كفه منهم خضاب، وفي بيت أبي الطيب مزيد مبالغة حيث جعل المنهي للحرب كالمرأة المنتقبة التي في يدها الخضاب، فإنها أضعف من المرأة الخادمة المتمرنة على العمل، والسعي المتحملة للشدائد، وفيه صنعة التوجيه فإنه يحتمل المدح بالشجاعة بأن يحمل على أن في يده منهم قناة، كمن في كفه منهم خضاب، لتلطيخه بدم الخصم، وله احتمال آخر يخرجه عن تشابه المعنيين، وهو أن من في كفه منهم قناة ليس القناة في كفه إلا زينة لكفه، ولا يتأتى منه فائدة سوى الزينة، كمن في كفه منهم خضاب، إذ ليس الخضاب إلا زينة، وهذا هكذا، وإن يدل على ضعفهم لكن لا بالتسوية بين النساء وبينهم. في الإيضاح: ولا يغرك من البيتين المتشابهين أن يكون أحدهما نسيبا والآخر مديحا أو هجاءا أو افتخارا أو غير ذلك، فإن الشاعر الحاذق إذا عمد إلى المعنى المختلس لينظمه احتال في إخفائه، فغير لفظه، وعدل به عن نوعه ووزنه وقافيته. (ومنه) أي من غير الظاهر (النقل وهو أن ينقل المعنى إلى محل آخر كقول البحتري: [سلبوا]) أي ثيابهم [(وأشرقت)] أي دخلت في شروق الشمس [الدّماء] كائنة ([عليهم]) فعليهم حال من الدماء مثل ([محمرّة]) أي غير مخلوطة بما يغير لونها [فكأنّهم لم يسلبوا] (١)، لأن الدماء المشرقة صارت بمنزلة ثياب لهم. [(وقول أبي الطيب [يبس النّجيع]) هو من الدم ما كان إلى السواد [(عليه)] أي على السيف [(وهو مجرّد من غمده فكأنّما هو مغمد)] (٢) ، لأن الدم اليابس له بمنزلة الغمد له، فنقل أبو الطيب المعني من القتلى والجرحى إلى السيف، وإذا وقع هذا النقل في المتشابهين زاده خفاء في الأخذ. (ومنه) أي من غير الظاهر (أن يكون معنى الثاني أشمل من) معنى الأول (كقول جرير:

стр. 1109

إذا غضبت عليك بنو تميم ... وجدت النّاس كلّهم غضابا) (١) لأنهم يقومون مقام الناس كلهم، فجعلهم بمنزلة كل الناس، هكذا ذكره الشارح، بل المتبادر أنهم نزلوا منزلة كل الناس في الغضب، فيكون أخص من قول أبي نواس من وجهين، وقول أبي نواس كتبه إلى هارون حين غار على الفضل البرمكي لكثرة أفضاله وأمر بحبسه: قولا لهارون إمام الهدى ... عند احتفال المجلس الحاشد أنت على ما بك من قدرة ... فلست مثل الفضل بالواحد (٢) وليس من الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد فأمر هارون بإطلاقه، ولا يخفى أن التفاوت الموجب لعدم الظهور العموم والخصوص، سواء كان الأول أشمل أو الثاني، فالأولى أن يقال: أن يكون أحدهما أشمل إلا أن يقال: عموم الأول يتضمن شمول الحكم لكل خاص، فالإتيان بخاص من خواصه سرقة محضة ظاهرة، بخلاف خصوص الأول، فإنه لا يستلزم الحكم الخاص الحكم على العام، فليس فيه سرقة محضة، بل يشبه أن يكون فيه تدارك ما فات الأول، وبهذا عرفت أن أخذ الثاني الأخص من معنى الأول داخل في أخذ المعنى بعينه. (ومنه) أي من غير الظاهر (القلب، وهو أن يكون معنى الثاني نقيض معنى الأول كقول أبي الشيص) الخزاعي: (أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبّا لذكرك فليلمني اللّوّم) (٣) جمع لائم كطالب وطلب، والأمر للدعاء، لأن المناسب الطلب على سبيل الخضوع للوم، لأنهم محسنوه، والمراد: كل لائم كما يقتضيه المقام. (وقول أبي الطيب: [أأحبّه]) الاستفهام للإنكار فهو في معنى لا أحبه،

стр. 1110

والنفي راجع إلى القيد الذي هو قوله [(وأحبّ فيه ملامة) لأنه حال لتقديره: بأنا أحب، أو لتجويز كون المضارع المثبت حالا بالواو للضرورة، أو على سبيل الشذوذ، وأما تجويز البعض الحال بالواو إذا كان مضارعا مثبتا مطلقا، كما يشعر به كلام الشارح، فلم يعثر عليه مع التفحص البليغ، وأما جعل النفي للمجموع بجعل الواو للعطف ففيه تقصير، لا يراد ما يحتمل انتفاء حبه احتمالا ظاهرا، وفي اختيار أحبه على لا أحبه التحرز عن ذكر لا أحبه، وضمير فيه في قوله ([وأحب فيه]) كضمير أحبه لكن بتقدير مضاف أي أحب في حبه على طبق في هواك، أو إلى الحب المذكور في أأحبه معنى [(إنّ الملامة فيه] أي في حبه) على أحد الوجهين [من أعدائه] (١) أي ممن يعادونه، فكيف أحب الملاقاة مع أعدائه، وفيه أن الملامة قد تكون من أحبائه الذين لا يرون اللوم لائقا بدعوى حبه! أو المراد بأعدائه من يعاديهم على أن يكون الأعداء جمع عدو، بمعنى المفعول، وحينئذ يصفو المعنى عن ثبوت التردد، وإنما بين السبب في البيتين على النقيضين لأن الأحسن في هذا النوع أن يبين السبب إلا أن يكون ظاهرا كما في قول أبي تمام: ([ونغمة معتف جدواه]) أي ([أحلى على أذنيه من نغم السّماع]) (٢) قوله جدواه مفعول معتف، وقول أبي الطيب: [والجارحات عنده نغمات سبقت قبل سيبه بسؤال] فإن كلا من التلذذ بسؤال السائل والتألم لفوت العطاء قبل السؤال منشأه كرم في غاية الكمال، وهو أظهر من أن يخفى بدون ذكره الحال. (ومنه: أن يؤخذ بعض المعنى ويضاف إليه ما يحسنه) تحسينا ذاتيا أو عرضيا، وأما إذا أخذ كل المعنى ويضاف إليه ما يحسنه فهو من الأخذ الظاهر الذي الثاني فيه أبلغ (كقول الأفوه) الأفوه وهو في اللغة الواسع الفم، أو طويل الأسنان بحيث خرجت من الشفتين: [وترى الطّير] جمعه طائر ويقع على الواحد

стр. 1111

وجمع طيور وأطيار [(على آثارنا)] جمع أثر بمعنى العلم أي مستعلية على أعلامنا متوقفة فوقها، فتكون الأعلام مظللة بها ([رأي عين]) الرأي كالرؤية مصدر يرى ورأي العين أي يرى الشيء بعينه، وهذا إذا كان قريبا، وأما إذا كان بعيدا فلا يرى إلا شبحا يتميز عن الغير ([ثقة]) مفعول له متعلق على آثارنا أي كائنة على آثارنا لوثوقها ([أن]) أي بأن متعلق بثقة ([ستمار]) (١) أي ستطعم من لحوم من نقتلهم لاعتيادنا بذلك، فأفاد تكرار غلبتهم على الخصم (وقول أبي تمام: [قد ظلّلت]) أي ألقى عليها الظل (عقبان أعلامه) أي أعلامه التي هي كالعقبان في سرعة وصولها إلى الخصم واصطياده للخصم ([ضحى بعقبان طير]) العقبان كالحرمان جمع عقاب ([في الدّماء نواهل]) النهل أول الشرب، وإبل نواهل، ويكون خرص الشرف في أوله أكثر، ووصفهم بالنواهل باعتبار المشارفة على النهل ([أقامت]) أي عقبان الطير ([مع الرّايات]) أي الأعلام اعتمادا على أنها ستطعم لحوم القتلى ([حتّى كأنّها من الجيش]) أي أقامت مختلطة مع الجيش [إلا أنّها لم تقاتل] (٢) فإن أبا تمام لم يلم بشيء) أي لم يقصد شيئا (من معنى قول الأفوه رأي عين، وقوله ثقة أن ستمار) بيان لكون الأخذ أخذ بعض المعنى، لكن في عدم إلمامه بمعنى رأي عين نظر، لأنه عبارة عن القرب، ويفيده التظليل. وما ذكره الشارح في دفعه من أن التظليل يجوز أن يكون مع البعد بأن يكون الطير في جو السماء، بحيث لا يرى أصلا يدفعه أن قوله: أقامت مع الرايات يفيد أن التظليل مع القرب، على أن المتبادر من ظللت القرب كما لا يخفى. (لكن زاد) أبو تمام (عليه) أي على الأفوه أو على البعض المأخوذ، والأول يوافق الإيضاح، والثاني يلائم قوله: ويضيف إليه بعض ما يحسنه بقوله: إلا أنها لم تقاتل، وبقوله: في الدماء نواهل، وبإقامتها مع الرايات، حتى كأنها من

стр. 1112

الجيش، ولا يظهر وجه عدم ذكر الزيادات على الترتيب. (وبها) أي بالزيادات الأخيرة (يتم حسن الأول) أعني قوله: إلا أنها لم تقاتل، إذ ذكر إقامتها مع الرايات هو الذي يوهم مقاتلتها، ويحوج إلى هذا الاستدراك. وقيل: المراد إنه بهذه الزيادات يتم حسن البيت الأول من بيتي أبي الطيب، ولا يبعد عن الصواب، ويوافق عبارة الكتاب، ويكون بحذاء قول الإيضاح، وهذه الزيادة حسنت قوله، وإن كان قد ترك بعض ما أتى به الأفوه، وعلى التفسير الأول يكون بحذاء قول الإيضاح، وبذلك يتم حسن قوله: إلا أنها لم تقاتل، ففي ما قاله الشارح، والتفسير الأول هو الموافق للإيضاح، وعليه التعويل نظر. (وأكثر هذه الأنواع) المذكورة لغير الظاهر (ونحوها مقبولة) قد نبه بقوله: (ونحوها) على أن غير الظاهر لا ينحصر فيما ذكره، وللعقل في استخراج نظائر لها مجال، لكن وجه إدراج الأكثر خفي جدا. (منها) أي من هذه الأنواع. والصواب: أي من هذه الأنواع ونحوها، بل منها أي من السرقة لأن حسن التصرف في كل سرقة كذلك. (ما يخرجه حسن التصرف من قبيل الاتباع إلى حيز الابتداع وكل ما كان) أي كل نوع من هذه الأنواع (يكون أشد خفاء) كونه أخذا (كان أقرب إلى القبول) أي إلى نهاية القبول، وإلا فالجميع مقبول، وبعد يتجه أن نهاية القبول خرجت عن هذا البيان فتأمل. (هذا) أي هذا الذي ذكرناه من ادعاء سبق أحدهما واتباع الثاني، وكونه مقبولا ومردودا، وتسمية كل بالأسامي المذكورة وغير ذلك مما سبق، فإفراد هذا بتأويل المشار إليه بما ذكر، فلا منافاة بينه وبين التأكيد بقوله (كله) إنما يكون إذا علم أن الثاني أخذ من الأول بأن يعلم أنه كان يحفظ قول الأول حين نظم، أو بأن يخبر هو عن نفسه أنه أخذه منه. (وإلا فلا) يكون شيء منها إذ لا يصح ادعاء السبق فضلا عما يترتب عليه، وإنما لا يصح ذلك الادعاء لجواز (أن يكون الاتفاق) أي اتفاق القائلين (من قبيل توارد الخاطرين) أي مجيئه على سبيل الاتفاق (من غير قصد إلى الأخذ)

стр. 1113

فيأتيه من شرار الناس الذين يدعون على من ينكر العلم بأن سبقه غيره فإن السارق بل يدعون على من خصه الله بفضل أنه سرقه من غيره مع أنه لم يظهر هذا الفصل من غيره أصلا- حكى عن ابن ميادة- أعني الرماح بن أبرد بن ثريان، الشاعر المنسوب إلى أمه ميادة، وهي أمة سوداء- أنه أنشد لنفسه: مفيد ومتلاف إذا ما أتيته ... تهلّل واهتزّ اهتزاز المهنّد (١) فقيل: ابن يذهب بك هذا للخطيئة فقال: الآن علمت أني شاعر إذ وافقته على قوله، ولم أسمعه، وتوارد الخاطرين أكثر من أن يحصى في المعاني يحكم به وجدان كل أحد، وإن كان توارد الشعر بعينه أو بأكثر ألفاظه قليلا، ولا يخفى أن هذا الاحتياط فيما إذا لم يكن خارقا للعادة، أما من نسب قصيدة أو أبياتا متعددة سبقه غيره فيها إلى نفسه فلا يتأمل في الحكم لسبق غيره عليه. (فإذا لم يعلم قيل قال فلان كذا وقد سبقه إليه فلان فقال كذا) ليغتنم بذلك فضيلة الصدق، وسلم من دعوى العلم بالغيب، ومن نسبة الغير إلى النقص. [أما الاقتباس فهو أن يضمن الكلام] (ومما يتصل بهذا) أي بالسرقات الشعرية كما يقتضيه قوله: خاتمة في السرقات الشعرية، وما يتصل بها إلا أن ذلك يقتضي أن يقال: ومما يتصل بهذا الفن، فجعل ما سبق بتأويل الفن، والأنسب ما ذكره الشارح حيث قال: أي بالقول في السرقات الشعرية، لأنه يذكره قوله (القول في الاقتباس والتضمين والعقد والحل والتلميح) وستعرف وجه التسمية لكل في موقعه. وفي قوله (ومما يتصل) إشارة إلى أن المتصل به لا ينحصر فيما ذكر، بل لك أن تلحق به ما توقف على استخراجه، ووجه الاتصال في غاية الوضوح، ولم يسم الكل سرقات، ولم يقسم إلى الشعرية وغيرها، لأن هذه الصنائع منزهة عن السرقة، وانتحال ما للغير كما لا يخفى. (أما الاقتباس) هو أخذ النار أو استفادة العلم، ومناسبة كلا المعنيين بصنعة الاقتباس ظاهرة، لأن المتكلم أخذ من القرآن أو الحديث في كلامه ما هو

стр. 1114

بمنزلة جذوة نار تضيء في كلامه، أو استفاد علم البيان من أحدهما (فهو أن يضمن الكلام) نثرا كان أو نظما (شيء من القرآن أو الحديث) والمراد من القرآن أو الحديث أعم منه، ومن التغير تغيرا يسيرا بقرينة قوله ولا يضره التغيير اليسير، فلا يرد أن (إنا إلى الله راجعون) ليس قرآنا وليس حديثا، مع أنه تضمين (لا على طريقة أنه) أي ذلك الشيء (منه) أي من القرآن أو الحديث يعني على وجه لا يكون فيه إشعار بأنه يخلو عن النقل والرواية، فلا يقال: قال الله أو النبي كذا أو في القرآن أو الحديث كذا، وهو إما من القرآن أو الحديث وكل منهما إما في النثر أو النظم، فالأول (كقول الحريري: [فلم يكن إلا كلمح البصر أو هو أقرب، حتّى أنشد فأغرب] (١)، والثاني (كقول الآخر: [إن كنت أزمعت) أي عزمت (على هجرنا من غير ما جرم فصبر جميل] وإن تبدّلت بنا غيرنا ... فحسبنا الله ونعم الوكيل) (٢) والثالث (مثل قول الحريري: قلنا: شاهت الوجوه، وقبح اللّكع ومن يرجوه) (٣) فإن قوله: شاهت الوجوه لفظ الحديث على ما روي «أنه لما اشتدت الحرب يوم حنين أخذ النبي ﷺ كفا من الحصاء فرمى به وجوه المشركين وقال شاهت الوجوه» (٤) أي قبحت بالضم من القبح نقيض الحسن وقول الحريري: وقبح اللكع على صيغة المجهول، من قبحه الله أي أبعده عن الخير، واللكع كصرد اللئيم، والعبد الأحمق. (و) الرابع مثل (قول ابن عباد قال) أي الحبيب (قال لي إنّ رقيبي طيّب الخلق فداره) من المداراة وهي المجاملة والملاطفة وضمير المفعول للرقيب (قلت: دعني وجهك الجنّة حفّت بالمكاره) أي دعني ولا تفضحني فإني أعلم أنه لا بد من

стр. 1115

تحمل مكاره الرقيب، فإن وجهك الجنة حفت بالمكاره، ولا بد لطالب الجنة من مشاق التكاليف، أو دعني ولا تمنعني من العنف بالرقيب، فإن وجهك الجنة، فلا بد له من ملاقاة المكاره. فقوله: الجنة حفت بالمكاره اقتباس من قوله ﵇ «حفت الجنة بالمكاره» (١) يقال: حففته بكذا أي جعلته محفوفا محاطا. ومما ينبغي أن يلحق بالاقتباس تضمين الكلام شيئا من كلام عظماء الدين ممن يتبرك بهم، وبكلامهم سيما الصحابة الكرام والتابعين العظام، ومن ينخرط في سلك هذا النظام، وليكن هذا مما لوح به قوله: ومما يتصل به كما نبهنا عليه. (وهو) أي الاقتباس (ضربان ما لم ينقل فيه المقتبس من معناه الأصلي) بل استعمل في مفهومه الأصلي وأن يغير ما استعمل فيه هذا المفهوم بغير تبدل فرد بفرد (كما تقدم) من الأمثلة الأربعة فإن قوله: (فصبر جميل) استعمل في مفهومه، أما إذا أريد فصبر جميل أجمل فظاهر، وأما إذا أريد فأمري صبر جميل، فلأن مفهوم أمري صبر جميل واحد، وإن اختلف ما صدق عليه أمري، فإن الأمر في القرآن أمر يعقوب- ﵇ وفي الشعر أمر الشاعر، وفيه نظر، لأن اتحاد المفهوم في ضمير المتكلم لا يتم إلا أن يكتفى ببقاء أكثر الألفاظ على مفهومه، وهكذا حفت بالمكاره، فإن المكاره على مفهومه، ولكن تغير الفرد وحفت بمعناه، لكن الضمير إلى وجه الحبيب لجعله بمنزلة الجنة. (وخلافه) أي ما لم ينقل فيه المقتبس من معناه الأصلي (كقوله) أي قول ابن الرومي: لئن أخطأت في مدحك ... فما أخطأت في منعي لقد أنزلت حاجاتي ... بواد غير ذي زرع (٢) أي: بجناب لا يقع، هو اقتباس من قوله تعالى، حكاية عن إبراهيم ﵇: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ

стр. 1116

الْمُحَرَّمِ (١) والمراد به: واد لا نبات فيه، ولا ماء. ومن لطيف هذا النوع قول بعضهم في صبيح الوجه: دخل الحمام فحلق رأسه تجرّد للحمّام عن قشر لؤلؤ ... وألبس من ثوب الملاحة ملبوسا وقد جرّد الموسى لتزيين رأسه ... فقلت: لقد أوتيت سؤلك يا موسى (ولا بأس بتغيير يسير في اللفظ للوزن أو غيره) كالتنبيه لأنه إيراد القرآن أو الحديث لا على أنه منه، نعم لو أورده على أنه منه لا يصح التغيير. وأما التغيير الكثير فيخرجه عن كونه اقتباسا، والتغيير اليسير كوضع المظهر موضع المضمر كقوله: أي قول بعض المغاربة: قد كان ما حفت أن يكونا إنا إلى الله راجعونا، فإن القرآن وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أو تبديل اللفظ بلفظ يساوي مفهومه مفهومه، كتبديل ما خلق له بما هو مخلوق له، كقول القاضي منصور الهروي الأزدي: ولو كانت الأخلاق تحوي وراثة ... ولو كانت الآراء لا تتشعّب لأصبح كلّ الناس قد ضمّهم هوى ... كما أنّ كلّ النّاس قد ضمّهم أب ولكنّها الأقدار كلّ ميسّر ... لما هو مخلوق له ومقرّب (٢) فإنه مقتبس من قوله ﵇: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» (٣). أو وضع ضمير راجع إلى ما يساوي مفهومه مفهوم، لفظ في المقتبس موضعه، كقول عمر الخيام: سبقت العالمين إلى المعالي ... بصائب فكرة وعلوّ همّه ولاح بحكمتي نور الهدى ... في ليال للضّلالة مدلهمّه يريد الجاهلون ليطفئوه ... ويأبى الله إلا أن يتمّه فإن أصله يتم نوره أي نور الله، فوضعه موضع الضمير الراجع إلى نور الهدى، وهو يساوي نور الله.

стр. 1117

واعلم أن قوله في الأمثلة السابقة: حفت بالمكاره، من قبيل تغيير الظاهر المقتبس، فإنه وضع فيه ضمير الجنة موضعها في المقتبس. (وأما التضمين فهو أن يضمن الشعر) يقول: ضمنت الإناء الماء أي جعلت الماء فيه، والتضمين في العرف بمعنيين: أحدهما: تضمين الشعر بيتا، وثانيهما: جعل البيت بحيث لا يتم معناه إلا بما يليه، ويخص الأول باسم تضمين الشعر، والثاني باسم تضمين البيت كذا يستفاد من القاموس، لكن المصنف سيصرح بتضمين ما دون البيت وما فوقه، وتضمين المصراع وما دونه، فلذا قال: (شيئا من شعر الغير) يعني بيتا كان أو فوقه أو دونه من المصراع وما دونه، والشارح المحقق جوز تضمين الشاعر شعره شيئا من شعر آخر له، حتى قال: فالأولى أن يقول شيئا من شعر آخر، لكنه لم يلتفت إليه لندرته. هذا ويتجه على التعريف أنه إن أريد بقوله: من شعر الغير البيان حتى يكون المعنى شيئا هو شعر الغير لا يتناول تضمين ما دون المصراع، وإن أريد معنى البعض لا يتناول تضمين تمام شعر الغير. (مع التنبيه عليه) أي على شعر الغير، وفيه مسامحة نبه عليه الشارح، حيث فسر الضمير بأنه شعر الغير، ولك أن تجعله للتضمين المستفاد من تضمين أي مع التنبيه على التضمين (إن لم يكن) ذلك الشعر (مشهورا) عند البلغاء، وإن اشتهر فيتم التضمين بدون التنبيه، فقوله: إن لم يكن مشهورا تقييد لوجوب التنبيه لا أصل التنبيه، كما يتبادر، ولولا التنبيه إلى الشهرة لكان سرقة لا تضمينا، هكذا حقق الشارح. والظاهر: أنه لو كان الخطاب بالشعر لم يعرف أن المضمن شعر الغير يتم التضمين بدون التنبيه والشهرة، ولا يخفى أن قيد التنبيه أو الشهرة ليتميز عن السرقة والتوارد لا لمجرد التمييز عن السرقة، أما تضمين البيت مع التنبيه على أنه من شعر الغير، فكقول عبد القاهر بن الطاهر التميمي: إذا ضاق صدري وخفت العدى ... تمثّلت بيتا بحالي يليق فو الله أبلغ ما أرتجي ... وتالله أدفع ما لا أطيق (١)

стр. 1118

العدي بالضم والكسر اسم جمع بمعنى الأعداء وتمثلت أنشدت بيتا. وأما تضمين بيت بدون التنبيه فكقول بعضهم: كانت بلهنية الشّبيبة سكّرة ... فصحوت واستبدلت سيرة مجمل وقعدت أنتظر المنايا كراكب ... عرف المحلّ وبات دون المنزل (١) البلهنية من العيش سعته من فوقهم، وهو في شباب إبله يراد غفلة صاحبها، والبيت الثاني لمسلم بن الوليد الأنصاري، واجتماع التنبيه والشهرة في قول ابن العميد كأنّه كان مطويّا على إحن ... ولم يكن في قديم الدهر أنشدني وفي الإيضاح: ولم يكن في ضروب الشعر أنشدني: أنّ الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن (٢) البيت الثاني لأبي تمام، الإحنة: كالبدعة الحقد، والجمع إحن كعنب، وأسهلوا ساروا في السهل ضد الحزن. وأما تضمين المصراع مع التنبيه (كقوله) أي الحريري: على أنّي سأنشد عند بيعي ... أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا المصراع الأول، لغلام عرضه أبو زيد على البيع، والثاني للعرجي، الشاعر عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، والنسبة إلى العرج على وزن الفرس، وهو منزل بطريق مكة، وقيل: لأمية بن أبي الصلت وتمامه: ليوم كريهة وسداد ثغر ... .... (٣) فقوله: ليوم متعلق بأضاعوني، واللام للوقت، والكريهة شدة الحرب،

стр. 1119

وسداد الثغر بالكسر لا غير سده بالخيل، والرجال والثغر موضع المخافة، من فروج البلدان، والمعنى أضاعوني في وقت الحرب، وزمان سد الثغر، ولم يراعوا حقي أحوج ما كانوا إلىّ، وأي فتى: أي كاملا من الفتيان أضاعوا، وفيه تقديم وبدون التنبيه، فكقول الآخر: قد قلت لمّا أطلعت وجناته ... حول الشّقيق الغضّ روضة آس أعذاره السّاري العجول توقّفا ... ما في وقوفك ساعة من باس (١) المصراع الأخير لأبي تمام. وأما تضمين ما دون المصراع كقوله: كنّا مع الدّهر في بؤس نكابده ... والعين والقلب منّا في قذى وأذى والآن أقبلت الدّنيا عليك بما ... تهوى فلا تنسني أنّ الكرام إذا (٢) ولا بد هنا من تقديرنا في البيت، لأن المعنى لا يتم بدونه بخلاف قول الحريري فإنه لا يحتاج إلى تقديره، فتضمين ما دون البيت قسمان: تضمين بعضه مع تقدير الباقي، أو ما لا بد منه، وتضمينه بلا تقدير، ولا يخفى أن حسن التضمين بأن يكون المتضمن مما تميل إليه الطباع، وتألفه وتتأنس به، إما لشهرته أو اشتماله على مزايا بديعة، وكون صاحبه ممن يعتد بكلامه، ويشتهي سماع مقاله. (وأحسنه) ما يتصرف فيه لكن لا في لفظة، لأنه إن كثر لا يبقى مضمنا بل ينقلب سرقة، فالأولى الحفظ عن يسيره أيضا ليكون أبعد عن السرقة، بل في معناه بإيداع نكتة في لفظ المضمن كما يشير إليه قوله: (ما زاد على الأصل بنكتة) ولطيفة (كالتورية) وقد عرفتها (والتشبيه في قوله) أي قول صاحب التحفة: [إذا الوهم أبدى] أي أظهر [لي لماها] أي شربة سواد اللون وشفتها أو سمرتها،

стр. 1120

وفي القاموس: اللمي مثلثة اللام سمرة الشفة أو شربة سوداء فيها، وهذا لأنخ عن وصمة فلذا أسند إبدائها إلى الوهم الذي شأنه الكذب ([وثغرها تذكّرت ما بين العذيب]) تصغير عذب، والعذب: المستساغ من الطعام والشراب، أو أعذب تصغير ترخيم، والأعذبان البريق والخمر [وبارق] أي الثغر الشبيهة بالبرق، يعني ما أبدى لي وهم شفتها وثغرها، وأدرج في إبداءها شائبة يقص في شفتها تذكرت ما بين ريق فمها وثغرها، من لسانها الذي تلذذت به، وبمصها، ودفعت ما في إلقاء الوهم من التردد في كمال حبها. وجعل الشارح العذيب بمعنى الشفة، وما بين العذيب وبارق بمعنى البريق، ولعل ما ذكرنا أعذب ([ويدكّرني]) الوهم من الإدكار [من قدّها ومدامعي] بيان لما بعده قدم عليه [مجرّ] مفعول يذكرني [عوالينا] جمع عالية وهي أعلى القناة أو رأسها أو نصفه الذي يلي السنان [ومجرى السّوابق] (١) أي جريان سوابق الخيل يعني يذكرني الوهم قدها ومدامعي الجارية كسوابق الخيل الذين جروا الرماح، ففيه تشبيه تمثيل، لصورة قدها الساكنة في العين المضمة بالمدامع الجارية للعوال، فنعما تضمين هذا التشبيه بمجاوزة خيال القد في المد، مع فقد زاد الشاعر في البيت الأول على الأصل بالتورية، ونعم التورية إذ لا تورية أروج مما هي في بيان حال المهوية، سيما حال ذكرناها، وفي الثاني تشبيه النبية الذي ظهر بالتوجيه الوجيه الذي له فضل عند ذويه، إذ الأصل بيت أبي الطيب في مطلع قصيدة له أعني: تذكّرت ما بين العذيب وبارق ... مجرّ عوالينا ومجرى السّوابق والمعنى: أنهم كانوا نزولا بين هذين الموضعين المعروفين وكانوا يجرون الرماح عند مطاردة الفرسان، ويسابقون على الخيل فيما بينهم، مفعول تذكرت أبدل منه مجر عوالينا أو ظرف تذكرت أو ظرف مجرو، وقد جوز تقديم الظرف على المصدر، والمفعول مجر، وعرف بهذا أن التضمين نوعان: ما بقي فيه المضمن

стр. 1121

على معناه الأصلي، وما انتقل فيه عن معناه الأصلي إلى معنى آخر، ولا يبعد أن يشترط فيما إذا نقل من معناه الأصلي إلى معنى آخر أن يكون المعنى الثاني أبلغ من الأول، إذ لو كان دونه لكان مذموما، ولو كان مثله لكان أبعد من الذم، ولا يظهر اختصاص زيادة الحسن لزيادة على الأصل بالتضمين لجريانها معنى في الاقتباس، وكأنهم لم يلتفتوا إليه، إذ لا يتصور فيه زيادة على الأصل، ولا يليق التفوه بالزيادة فيه، إذ أصله القرآن والحديث. (ولا يضر) في التضمين (التغيير اليسير) لما قصد تضمينه قال المصنف في الإيضاح: ليدخل في معنى الكلام ولا يبعد أن يدفع ضرر التغيير داعي التقفية أيضا، وكلاهما في قول بعضهم في يهودي به داء الثعلب: أقول لمعشر غلطوا وغصّوا ... من الشّيخ الرّشيد وأنكروه هو ابن جلا وطلّاع الثنايا ... متى يضع العمامة تعرفوه (١) والبيت لسحيم بن وثيل بالمثلثة على فعيل، وأصله مشهور فغير من التكلم إلى الغيبة ليدخل في المقصود، ولينتظم التقفية، والمعنى: غلطوا في حقه ونقصوا ووضعوا من قدره، يقال: غص منه نقص ووضع من قدره، وفيه تهكم قد زيف باستعمال الرشيد، وفي التضمين نكتة وهي التعريض بداء الثعلب فيه، وأنه غطى بعمامته داء الثعلب، فإذا وضع العمامة يظهر ما خفي تحت العمامة. (وربما سمى) وفي استعمال ربما إشارة إلى قلة استعمال الاسم (تضمين البيت فما زاد استعانة وتضمين المصراع فما دونه إيداعا) لأن الشاعر الثاني قد أودع شعره شيئا من شعر الغير هو بالنسبة إلى شعره قليل مغلوب، وهذا وإن كان لا يظهر في تضمين بيت واحد، مصرفا فالكنه وجه التسمية ولا مشاحة فيه، (ورفوا) لأنه جعل شعر الغير مطمئنا في صحبة شعره، والرفو: جعل الغير مطمئنا. وقال الشارح: لأنه رفى خرق شعر الغير بشعره، ونحن نقول: لأنه لما أخذه فقد خرق شعر الغير فرفاه بما ضمه إليه. (وأما العقد فهو أن ينظم نثر) وإن كان قرآنا أو حديثا لكن (لا على طريق

стр. 1122

الاقتباس) خرج به اقتباس القرآن والحديث، وبقي عقدهما، وهو النظم مع تغيير كثيرا، ومع التنبيه على أنه من أحدهما، أما عقد القرآن فكقول الشاعر: أنلني بالذي استقرضت خطّا ... وأشهد معشرا قد شاهدوه فإنّ الله خلّاق البرايا ... عنت لجلال هيبته الوجوه يقول إذا تداينتم بدين ... إلى أجل مسمّى فاكتبوه (١) وأما عقد الحديث فكقول الإمام الشافعي المطلبي ابن عم النبي ﷺ ﵁ عمدة الخبر عندنا كلمات ... أربع قالهنّ خير البريّه اتّق المشتبهات وازهد ودع ... ما ليس يعنيك واعملنّ بنيّه (٢) عقد قوله- ﵇ (الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور متشابهات) (٣) وقوله (وازهد في الدنيا يحبك الله) (٤) وقوله ﵇ (من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه) (٥) وقوله (إنما الأعمال بالنيات) (٦) وأراد بقوله: عندنا، أئمة الحديث أو عند أهل العلم وأكد الأمر بالعمل بالنية من بين الأمور الأربعة تنبيها على أنه من بينها للوجوب، وتأكيدا للرد على من يخالفه في وجوب النية في بعض الأعمال، وأتى بالأمر مع أنه ليس لفظ الأمر إلا في الزهد لأن سوق الأحاديث يفيد الأمر والطلب استحسانا أو وجوبا، وأحسن العقد أن يزيد بيانا على أصله، ويجعله أوضح كما يشاهد في هذا العقد، ولو قال: بالاقتباس لكان أحسن، لأن ظاهر قوله: لا على طريق الاقتباس يخرج عقد غير القرآن والحديث من غير تنبيه، فإنه على طريق الاقتباس لكنه ليس باقتباس (كقوله) أي قول أبي العتاهية:

стр. 1123

ما بال من أوّله نطفة ... وآخره جيفة يفخر (١) أي: ما سبب افتخاره وقوله يفخر، حال (عقد قول علي رضى الله عنه (ما لابن آدم والفخر وإنما أوله نطفة وآخره جيفة) وقوله: والفخر مجرور مفعول معه، وما بالك والغضب، فإن قلت: هل ليس لابن آدم إلا أوله نطفة وآخره جيفة؟ قلت: نعم لمن يفتخر فتأمل. ومما عقد من المثل قول الشاعر: البس جديديك إنّى لابس خلقي ... ولا جديد لمن لا يلبس الخلقا (٢) عقد المثل لا جديد لمن لا خلق له، أصله ما قالته عائشة ﵂ وقد وهبت مالا كثيرا، ثم أمرت بثوب لها أن يرقع بضرب في الحث على استصلاح المال. واعلم أن عائشة ﵂ أمرت بترقيع ثوبها لتلبسه وتنفق مالها في سبيله تعالى، وأراد بقوله: لا جديد لمن لا خلق له أنه لا جديد من حلل الجنة لمن لا خلق له في الدنيا، ولم يعرف الناس معنى كلامها، فاشتهر في غير مرامها، وصار مثلا، والله تعالى أعلم. (وأما الحل) وهو في اللغة الفتح ضد العقد، وفي النظم ارتباط كل جزء بآخر بحيث لا يمكن أن يتأخر أو يتقدم، فكأنه عقد كل ما لآخر بحبل بخلاف النثر؛ فإنه لا اتصال بهذه المثابة، فنثر النظم حل عقد الارتباط. (فهو أن ينثر نظم) قال المصنف: وشرط كونه منقولا؛ لا أن يكون سبكه مختارا، لا يتقاصر عن سبك النظم، وأن يكون حسن الموقع مستقرا في محله، غير قلق، أي: غير مضطرب هذا ولا وجه لتخصيص هذا الاشتراط بالحل دون العقد. (كقول بعض المغاربة: [فإنه لما قبحت فعلاته وحنظلت نخلاته] (٣) أي: صارت ثمرات نخلاته كالحنظل في المرارة ([لم يزل سوء الظّنّ يعتاده]

стр. 1124

أي يعوده إلى تخيلات فاسدة، وتوهمات باطلة [ويصدق توهّمه الذي يعتاده]) أي جعله من عاداته يقال: اعتاده أي جعله من عادته، فيعمل على مقتضى توهمه. (حل قول أبي الطيب: إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدّق ما يعتاده من توهّم) (١) يشكو سيف الدولة واستماعه لقول أعدائه أي إذا قبح فعل الإنسان قبحت ظنونه، فيسئ ظنه بأوليائه وصدق ما يخطر بقلبه من التوهم على أصاغره، وكونه موضحا لما في النظم، مفسرا له، يزيده حسنا. (وأما التلميح) لمح إليه كمنع اختلس النظر كألمح البرق والنجم لمعا، والمراة من وجهها أمكنت من أن تلمح، تفعل ذلك الحسناء ترى محاسنها ثم تخفيها، كذا في القاموس، فأخذ أرباب الصناعة التلميح بمعنى النسبة إلى اللمح بأحد المعاني، لأن الكلام المملح محل اختلاس النظر إلى المعنى المشار إليه، ومحل لمع المعنى المشار إليه كلمع البرق الخاطف، ومحل دلالة المعنى المشار إليه. وقد جعل الشارح العلامة التلميح أيضا اسما له، وهو في اللغة الإتيان بشيء مليح، وهو غير مشهور، بل لم يعثر الشارح عليه، حتى أنكره وخطأ العلامة، والاحتياط التوقف، فإن العلامة يبعد أن يسوي بينهما من غير أن رآه في كتاب أو سمعه من ثقة. (فهو أن يشار) في فحوى الكلام (إلى قصة أو شعر) وزاد الشارح: أو مثل سائل، ولا يخفى أن منه الإشارة إلى حديث أو آية، كما يقال في وصف الأصحاب ﵃: والصلاة على أصحابه، الذين هم نجوم الاقتداء والاهتداء، فإن فيه تلميحا إلى قوله ﷺ (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) وكقول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف فإن فيه تلميحا إلى قوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٢). (من غير ذكره) راجع إلى المشار إليه، المدلول عليه، بقوله فهو أن يشار إلى

стр. 1125

قصة أو شعر أو إلى واحد من المذكور المستفاد من كلمة [أو] وأقسام التلميح على ما ذكره الشارح ستة، وعلى ما ذكرنا ثمانية، ثالثها ما في النظم من الإشارة إلى القصة (كقوله) أي قول أبي تمام: لحقنا بأخراهم وقد حوّم الهوى ... قلوبا عهدنا طيرها وهي وقّع فردت علينا الشّمس واللّيل راغم ... بشمس لهم من جانب الخدر تطلع نضا ضوؤها صبغ الدّجنّة وانطوى ... لبهجتها ثوب السماء المجزّع (فو الله ما أدري أأحلام نائم ... ألمّت بنا أم كان في الرّكب يوشع) (١) فوضع الضمير في أخراهم للأحبة المرتحلين أي: لحقنا بمن تأخر منهم وحوم الهوى أي أطار الهوى قلوبا عهدنا أي عرفنا طيرها، وهي وقع جمع واقع، أي ساكنة غير طائرة يعني وجدناهم حين لحقنا بهم تدور قلوبهم حول الهوى، ولا تسكن على خلاف ما عهدناهم، فردت علينا الشمس حال كون الليل راغما مظلما، كأنه من ظلمته مختلط بالرغام والغبار، أو حين كونه دليلا مشرفا ما على الزوال من ظهور الشمس، والباء في قوله: بشمس لهم للتجريد أي ردت الشمس بشمس لهم أي شمسهم بحيث يجرد فيه منه شمس ردت علينا من جانب الخدر أي من وراء الستر تطلع، والخدر كالستر، ستر يحد في ناحية البيت للجارية، وكل ما واراك من بيت ونحوه، نضا أي أذهب ضوءها صبغ الدجنة أي الظلمة، من وجه السماء وأزالها يقال: نضا الخضاب ذهب لونه، وكأنه بالباء وجعل صبغ الدجنة منصوبا بنزع الخافض، والمجزع والمتجزع اسمي مفعول من الإفعال والتفعيل، كل ما فيه سواد وبياض يريد سواد الظلمة وبياض الكوكب، وصف نجومه بالأحبة المرتحلين وطلوع شمسه بوجه الحبيب من جانب الخدر، في ظلمة الليل، ثم استعظم ذلك واستغرب وتجاهل تحيرا وتدلها وقال: أهذا حلم أراه في النوم الأول أم كان في الركب يوشع النبي ﵇؟ ! (أشار إلى قصة يوشع) بن نون فتى موسى ﵇ (واستبقاؤه
следующие страницы →