على معناه الأصلي، وما انتقل فيه عن معناه الأصلي إلى معنى آخر، ولا يبعد أن يشترط فيما إذا نقل من معناه الأصلي إلى معنى آخر أن يكون المعنى الثاني أبلغ من الأول، إذ لو كان دونه لكان مذموما، ولو كان مثله لكان أبعد من الذم، ولا يظهر اختصاص زيادة الحسن لزيادة على الأصل بالتضمين لجريانها معنى في الاقتباس، وكأنهم لم يلتفتوا إليه، إذ لا يتصور فيه زيادة على الأصل، ولا يليق التفوه بالزيادة فيه، إذ أصله القرآن والحديث.
(ولا يضر) في التضمين (التغيير اليسير) لما قصد تضمينه قال المصنف في الإيضاح: ليدخل في معنى الكلام ولا يبعد أن يدفع ضرر التغيير داعي التقفية أيضا، وكلاهما في قول بعضهم في يهودي به داء الثعلب:
أقول لمعشر غلطوا وغصّوا ... من الشّيخ الرّشيد وأنكروه
هو ابن جلا وطلّاع الثنايا ... متى يضع العمامة تعرفوه (١)
والبيت لسحيم بن وثيل بالمثلثة على فعيل، وأصله مشهور فغير من التكلم إلى الغيبة ليدخل في المقصود، ولينتظم التقفية، والمعنى: غلطوا في حقه ونقصوا ووضعوا من قدره، يقال: غص منه نقص ووضع من قدره، وفيه تهكم قد زيف باستعمال الرشيد، وفي التضمين نكتة وهي التعريض بداء الثعلب فيه، وأنه غطى بعمامته داء الثعلب، فإذا وضع العمامة يظهر ما خفي تحت العمامة.
(وربما سمى) وفي استعمال ربما إشارة إلى قلة استعمال الاسم (تضمين البيت فما زاد استعانة وتضمين المصراع فما دونه إيداعا) لأن الشاعر الثاني قد أودع شعره شيئا من شعر الغير هو بالنسبة إلى شعره قليل مغلوب، وهذا وإن كان لا يظهر في تضمين بيت واحد، مصرفا فالكنه وجه التسمية ولا مشاحة فيه، (ورفوا) لأنه جعل شعر الغير مطمئنا في صحبة شعره، والرفو: جعل الغير مطمئنا.
وقال الشارح: لأنه رفى خرق شعر الغير بشعره، ونحن نقول: لأنه لما أخذه فقد خرق شعر الغير فرفاه بما ضمه إليه.
(وأما العقد فهو أن ينظم نثر) وإن كان قرآنا أو حديثا لكن (لا على طريق
стр. 1122
الاقتباس) خرج به اقتباس القرآن والحديث، وبقي عقدهما، وهو النظم مع تغيير كثيرا، ومع التنبيه على أنه من أحدهما، أما عقد القرآن فكقول الشاعر:
أنلني بالذي استقرضت خطّا ... وأشهد معشرا قد شاهدوه
فإنّ الله خلّاق البرايا ... عنت لجلال هيبته الوجوه
يقول إذا تداينتم بدين ... إلى أجل مسمّى فاكتبوه (١)
وأما عقد الحديث فكقول الإمام الشافعي المطلبي ابن عم النبي ﷺ ﵁
عمدة الخبر عندنا كلمات ... أربع قالهنّ خير البريّه
اتّق المشتبهات وازهد ودع ... ما ليس يعنيك واعملنّ بنيّه (٢)
عقد قوله- ﵇ (الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور متشابهات) (٣) وقوله (وازهد في الدنيا يحبك الله) (٤) وقوله ﵇ (من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه) (٥) وقوله (إنما الأعمال بالنيات) (٦) وأراد بقوله: عندنا، أئمة الحديث أو عند أهل العلم وأكد الأمر بالعمل بالنية من بين الأمور الأربعة تنبيها على أنه من بينها للوجوب، وتأكيدا للرد على من يخالفه في وجوب النية في بعض الأعمال، وأتى بالأمر مع أنه ليس لفظ الأمر إلا في الزهد لأن سوق الأحاديث يفيد الأمر والطلب استحسانا أو وجوبا، وأحسن العقد أن يزيد بيانا على أصله، ويجعله أوضح كما يشاهد في هذا العقد، ولو قال:
بالاقتباس لكان أحسن، لأن ظاهر قوله: لا على طريق الاقتباس يخرج عقد غير القرآن والحديث من غير تنبيه، فإنه على طريق الاقتباس لكنه ليس باقتباس (كقوله) أي قول أبي العتاهية:
стр. 1123
ما بال من أوّله نطفة ... وآخره جيفة يفخر (١)
أي: ما سبب افتخاره وقوله يفخر، حال (عقد قول علي رضى الله عنه (ما لابن آدم والفخر وإنما أوله نطفة وآخره جيفة) وقوله: والفخر مجرور مفعول معه، وما بالك والغضب، فإن قلت: هل ليس لابن آدم إلا أوله نطفة وآخره جيفة؟ قلت: نعم لمن يفتخر فتأمل.
ومما عقد من المثل قول الشاعر:
البس جديديك إنّى لابس خلقي ... ولا جديد لمن لا يلبس الخلقا (٢)
عقد المثل لا جديد لمن لا خلق له، أصله ما قالته عائشة ﵂ وقد وهبت مالا كثيرا، ثم أمرت بثوب لها أن يرقع بضرب في الحث على استصلاح المال.
واعلم أن عائشة ﵂ أمرت بترقيع ثوبها لتلبسه وتنفق مالها في سبيله تعالى، وأراد بقوله: لا جديد لمن لا خلق له أنه لا جديد من حلل الجنة لمن لا خلق له في الدنيا، ولم يعرف الناس معنى كلامها، فاشتهر في غير مرامها، وصار مثلا، والله تعالى أعلم.
(وأما الحل) وهو في اللغة الفتح ضد العقد، وفي النظم ارتباط كل جزء بآخر بحيث لا يمكن أن يتأخر أو يتقدم، فكأنه عقد كل ما لآخر بحبل بخلاف النثر؛ فإنه لا اتصال بهذه المثابة، فنثر النظم حل عقد الارتباط.
(فهو أن ينثر نظم) قال المصنف: وشرط كونه منقولا؛ لا أن يكون سبكه مختارا، لا يتقاصر عن سبك النظم، وأن يكون حسن الموقع مستقرا في محله، غير قلق، أي: غير مضطرب هذا ولا وجه لتخصيص هذا الاشتراط بالحل دون العقد.
(كقول بعض المغاربة: [فإنه لما قبحت فعلاته وحنظلت نخلاته] (٣)
أي: صارت ثمرات نخلاته كالحنظل في المرارة ([لم يزل سوء الظّنّ يعتاده]
стр. 1124
أي يعوده إلى تخيلات فاسدة، وتوهمات باطلة [ويصدق توهّمه الذي يعتاده]) أي جعله من عاداته يقال: اعتاده أي جعله من عادته، فيعمل على مقتضى توهمه. (حل قول أبي الطيب:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدّق ما يعتاده من توهّم) (١)
يشكو سيف الدولة واستماعه لقول أعدائه أي إذا قبح فعل الإنسان قبحت ظنونه، فيسئ ظنه بأوليائه وصدق ما يخطر بقلبه من التوهم على أصاغره، وكونه موضحا لما في النظم، مفسرا له، يزيده حسنا.
(وأما التلميح) لمح إليه كمنع اختلس النظر كألمح البرق والنجم لمعا، والمراة من وجهها أمكنت من أن تلمح، تفعل ذلك الحسناء ترى محاسنها ثم تخفيها، كذا في القاموس، فأخذ أرباب الصناعة التلميح بمعنى النسبة إلى اللمح بأحد المعاني، لأن الكلام المملح محل اختلاس النظر إلى المعنى المشار إليه، ومحل لمع المعنى المشار إليه كلمع البرق الخاطف، ومحل دلالة المعنى المشار إليه. وقد جعل الشارح العلامة التلميح أيضا اسما له، وهو في اللغة الإتيان بشيء مليح، وهو غير مشهور، بل لم يعثر الشارح عليه، حتى أنكره وخطأ العلامة، والاحتياط التوقف، فإن العلامة يبعد أن يسوي بينهما من غير أن رآه في كتاب أو سمعه من ثقة.
(فهو أن يشار) في فحوى الكلام (إلى قصة أو شعر) وزاد الشارح: أو مثل سائل، ولا يخفى أن منه الإشارة إلى حديث أو آية، كما يقال في وصف الأصحاب ﵃: والصلاة على أصحابه، الذين هم نجوم الاقتداء والاهتداء، فإن فيه تلميحا إلى قوله ﷺ (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) وكقول الشاعر:
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف
فإن فيه تلميحا إلى قوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٢).
(من غير ذكره) راجع إلى المشار إليه، المدلول عليه، بقوله فهو أن يشار إلى
стр. 1125
قصة أو شعر أو إلى واحد من المذكور المستفاد من كلمة [أو] وأقسام التلميح على ما ذكره الشارح ستة، وعلى ما ذكرنا ثمانية، ثالثها ما في النظم من الإشارة إلى القصة (كقوله) أي قول أبي تمام:
لحقنا بأخراهم وقد حوّم الهوى ... قلوبا عهدنا طيرها وهي وقّع
فردت علينا الشّمس واللّيل راغم ... بشمس لهم من جانب الخدر تطلع
نضا ضوؤها صبغ الدّجنّة وانطوى ... لبهجتها ثوب السماء المجزّع
(فو الله ما أدري أأحلام نائم ... ألمّت بنا أم كان في الرّكب يوشع) (١)
فوضع الضمير في أخراهم للأحبة المرتحلين أي: لحقنا بمن تأخر منهم وحوم الهوى أي أطار الهوى قلوبا عهدنا أي عرفنا طيرها، وهي وقع جمع واقع، أي ساكنة غير طائرة يعني وجدناهم حين لحقنا بهم تدور قلوبهم حول الهوى، ولا تسكن على خلاف ما عهدناهم، فردت علينا الشمس حال كون الليل راغما مظلما، كأنه من ظلمته مختلط بالرغام والغبار، أو حين كونه دليلا مشرفا ما على الزوال من ظهور الشمس، والباء في قوله: بشمس لهم للتجريد أي ردت الشمس بشمس لهم أي شمسهم بحيث يجرد فيه منه شمس ردت علينا من جانب الخدر أي من وراء الستر تطلع، والخدر كالستر، ستر يحد في ناحية البيت للجارية، وكل ما واراك من بيت ونحوه، نضا أي أذهب ضوءها صبغ الدجنة أي الظلمة، من وجه السماء وأزالها يقال: نضا الخضاب ذهب لونه، وكأنه بالباء وجعل صبغ الدجنة منصوبا بنزع الخافض، والمجزع والمتجزع اسمي مفعول من الإفعال والتفعيل، كل ما فيه سواد وبياض يريد سواد الظلمة وبياض الكوكب، وصف نجومه بالأحبة المرتحلين وطلوع شمسه بوجه الحبيب من جانب الخدر، في ظلمة الليل، ثم استعظم ذلك واستغرب وتجاهل تحيرا وتدلها وقال: أهذا حلم أراه في النوم الأول أم كان في الركب يوشع النبي ﵇؟ !
(أشار إلى قصة يوشع) بن نون فتى موسى ﵇ (واستبقاؤه
стр. 1126
الشمس) أي طلبه وقوف الشمس فإنه روى أنه قاتل الجبارين يوم الجمعة فلما أدبرت الشمس خاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم ويدخل السبت، فلا يحل له قتالهم فيه، فدعى الله فرد له الشمس حتى فرغ من قتالهم، ولا يبعد أن يجعل قوله: أم كان في الركب يوشع من قبيل رب حائم أي من رد بدعائه الشمس، وأحسن ما يشار به إلى القصة أن يكون فيما أنت نظائر خصوصيات القصة، كأن نقول في رد الشمس من جانب الحذر، واستيفائه مصلحة المقاتلة مع غلبات الشوق وجنود نكايات الهجر.
ورابعها: التلميح إلى الشعر (كقوله: [لعمرو مع الرّمضاء]) أي الأرض الحارة ترمض فيها القدم أي تحترق [والنّار] عطف على الرمضاء [تلتظى] حال من النار [أرقّ] خبر لقوله لعمرو، وعامل في قوله مع الرمضاء يقال: رق له إذا رحمه [وأخفى] من حفى عليه، كرضى بالغ في إكرامه وأظهر السرور والفرح وأكثر السؤال عن حاله [منك في ساعة الكرب] (١) على وزن الضرب كالكربة هو الغم الذي يأخذ النفس، هكذا بين إعرابه الشارح، وفيه أن معمول اسم التفصيل لا يتقدمه إلا في مثل هذا بشرا؟ أطيب منه رطبا، فالأوجه أن قوله مع الرمضاء حال من المبتدأ، وتلتظى صفة النار مثل [أمرّ على اللئيم يسبّني] والمعنى لعمرو مع ابتلائه بالرمضاء والنار المتلظية أرق وأحفى منك، من أن المبتلى لا يرق لغيره. (أشار إلى البيت المشهور:
المستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرّمضاء بالنّار) (٢)
يريد بعمرو جساس بن مرة روى أن بسوس زارت أختها أهيلة أم جساس بجار لها من جرم بن ريان بطن من قضاعة فدخلت ناقة الجرمي حي كليب فرماها واختل ضرعها فولت حتى بركت بفناء صاحبها، فصاحت بسوس واذلاه، واغربتاه، فقال جساس: أيتها الحرة اهدئي فو الله لأعقرن فحلا هو أعز على أهله منها، فلما تباعد كليب عن الحي خرج جساس وتبعه فرمى صلبه، ثم وقف عليه
стр. 1127
فقال: يا عمرو أغثني بشربة ماء، فأسرع قتله فقيل: المستجير بعمرو ... البيت، فاشتد الشر بين تغلب وبكر أربعين سنة كلها لتغلب على بكر.
قال الشارح: ولهذا قيل: أشأم من البسوس، ويحتمل أن يكون أصل المثل من بسوس امرأة مشئومة من بني إسرائيل أعطى زوجها ثلاث دعوات مستجابات فقالت: اجعل لي واحدة. قال: فلك فماذا تريدين؟ قال: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل ففعل فرغبت عنه فأرادت شيئا فدعا الله عليها أن يجعلها كلبة نباحة، فجاء بنوها فقالوا: ليس لنا على هذا إقرار تعيرنا بها الناس ادع الله أن يردها إلى حالها ففعل فذهبت الدعوات بشؤمها.
وخامسها: التلميح إلى المثل كقول عمرو بن كلثوم: [ومن دون ذلك خرط القتاد] أشار إلى المثل السائر: دون عليان القتادة والخرط، قاله كليب إذ سمع قول جساس لأعقرن فحلا، فظن أنه يعرض بفحل له يسمى عليان هو ودونه خرط القتادة يضرب للأمر الشاق، والخرط: أن تمر يدك على القتادة من أعلاها إلى أسفلها حتى ينثر شوكها.
وسادسها وسابعها: التلميح إلى الشعر في النثر كقول الحريري: [فبتّ بليلة نابغية وأحزان يعقوبية] (١) أشار إلى قول النابغة:
فبتّ كأنّي ساورتني ضئيلة من ... الرّقش في أنيابها السّمّ ناقع (٢)
من قصيدة يعتذر فيها إلى النعمان، يريد أني بتّ من سخطك على ألم كأني يراثبني حية دقيقة، فيها نقط سود، فيما بين أنيابها السم مجتمع، وخص الضيلة لأنها أخبث الحيات المساورة المواثبة، والضيلة الحية الدقيقة، والرقش جمع رقشاء كحمر جمع حمراء، وهي الحية فيها نقطة سواد وبياض، والأنياب جمع ناب، والناقع المجتمع من السم.
وثامنها: التلميح إلى المثل، كقول العتبي: [فيالها من هرّة تعقّ أولادها] أشار إلى المثل: «أعقّ من الهرّة تأكل أولادها»، والعقوق ضد البر.
стр. 1128
[فصل ينبغي للمتكلم أن يتأنق في ثلاثة مواضع]
(فصل)
من الخاتمة في حسن الابتداء والتخلص والانتهاء، وإنما يوصى بتحسين المواضع الثلاثة لأن أشد ما يعاب على الصانع أن يقصر في أول فعله، لأنه يدل على كمال ضعفه، لأن كمال القوة وشهرة العقل في أول الأمر، فإذا توانى فيه يتنفر عنه المخاطب في الغاية، ويحتقره، وحسن التخلص مما يتوقعه كل أحد وينتظر أن يشاهد ما عمله في الانتقال إلى المقصود، فإن أول الكلام توطئة لما ينتقل إليه، فإذا لم ينتقل كما ينبغي ظن به أنه سقط مع كمال تحفظه، فيشهد عليه بضعف الروية ونقصان الاستطاعة، والانتهاء محل القضاء القوة، فإذا جاء كما ينبغي ظهر كمال الصانع، وبدأ سلطانه، وتمكن حسن فعله إلى نظر، وعظم وقعه.
وقال المصنف: الابتداء أول ما يقرع السمع، فإن كان عذبا حسن السبك، صحيح المعنى أقبل السامع على الكلام، فوعى جميعه، وإلا أعرض عنه ورفضه، وإن كان الباقي في غاية الحسن والتخلص يترقبه السامع، وينتظره أنه كيف يقع فإذا كان حسنا ملائم الطرفين حرك من نشاط الصانع وأعان على إصغاء ما بعده، وإلا فبالعكس، والانتهاء آخر ما يعيه السامع ويرتسم في النفس، فإن كان حسنا تلقاه السمع واستلذ به، حتى يجبر ما وقع فيما سبق من التقصير، كالطعام اللذيذ الذي يتناول بعد الأطعمة التفهة، وإن كان بخلاف ذلك كان على العكس، حتى ربما أنساه المحاسن الموردة فيما سبق، وأقول: ومن هذا القبيل المبالغة في وصف حسن وجه المحابيب ثم موضع النطاق ثم الساق والقدم.
(ينبغي للمتكلم) شاعراا كان أو كاتبا (أن يتأنق) أي يعمل بالأنيق، كذا في القاموس، وقال الشارح: أي أن يفعل فعل المتأنق في الرياض، من تتبع الأنق والأحسن، يقال: تأنق في الروضة إذا وقع فيها متتبعا لما يونقه أي يعجبه (في ثلاثة مواضع من كلامه حتى يكون أعذب لفظا) بأن يكون في غاية البعد من التنافر والثقل، والغرابة ومخالفة القياس، وتخصيصه بالبعد عن التنافر والثقل مخلّ بالمقصود.
стр. 1129
(وأحسن سبكا) بأن يكون في غاية البعد من التعقيد، وضعف التأليف، تكون الألفاظ متقاربة في الجزالة والمتانة، والرقة والسلاسة، وتكون المعاني متناسبة بألفاظها، من غير أن يكسى اللفظ الشريف المعنى السخيف، أو على العكس مثلا، بل يصاغان صياغة تناسب وتلائم.
(وأصح معنى) بأن يسلم من كونه متكلفا تابعا لألفاظ ركيكة وغير متناسبة، وأن يكون مبتذلة أو غير مهمة في المقام، ويسلم عن التناقض وإيهامه، وعن كونها معاني متقاربة، بحيث يشبه التكرار، ولا يخفى أنه بعد ما شرط كون المعاني متناسبة بألفاظها وأن يصاغا صيغة تناسب وتلائم لا حاجة إلى ما ذكره الشارح:
أنه مما يجب المحافظة عليه أن تستعمل الألفاظ الرفيعة في ذكر الأشواق ووصف أيام البعاد، وفي استجلاب المودات وملائمات الاستعطاف وأمثال ذلك.
[أحدها: الابتداء]
(أحدها الابتداء) فابتداء الحسن في تذكار الأحبة والمنازل (كقوله) أي قول إمرئ القيس: ([قفا]) التثنية للتكرير أو صيغة التأكيد بالخفيفة، قلب النون ألفا إجراء للوصل مجرى الوقف أو المخاطب اثنان كما يشهد به.
... نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل (١)
السقط: منقطع الرمل حيث يدق، واللوى: رمل معوج يلتوي، والدّخول وحومل موضعان والمعنى بين أجزاء الدخول، فيصير الدخول كاسم الجمع، مثل القوم، وإلا لم تصح الفاء، قال الشارح: وقدح بعضهم في هذا البيت بما فيه من عدم التناسب لأنه وقف واستوقف وبكى واستبكى، وذكر الحبيب، والمنزل في نصف بيت عذب اللفظ سهل السبك، ثم لم يتفق له ذلك في النصف الثاني، بل أتى فيه بمعان قليلة في ألفاظ غريبة، فباين الأول، أقول: قد نبه المصنف بإيراده أنه يكفي في حسن الابتداء حسن المصراع الأول.
(وكقوله) أي: وحسن الابتداء في وصف الدار كقول أشجع السلمى:
قصر عليه تحيّة وسلام ... خلعت عليه جمالها الأيام (٢)
في الأساس خلع عليه إذا نزع ثوبه فطرحه عليه، وفي جعل جمال الأيام
стр. 1130
لباسا له تشبيه له في الشرف بالكعبة؛ لأنه الذي يلبس من بين البيوت.
(ويجب أن يجتنب في المديح ما يتطير به) يستفاد منه أن من موجبات حسن الابتداء إيراد ما يتفاءل به (كقوله) أي قول ابن مقاتل الضرير: [موعد أحبابك بالفرقة غد)] (١) فقال له الداعي: موعد أحبابك يا أعمى ولك المثل السوء.
(وأحسنه) أي أحسن الابتداء (ما ناسب المقصود) بأن يكون فيه إشارة إلى ما سبق الكلام لأجله، فيكون المبدأ مشعرا بالمقصود والانتهاء، ناظرا في الابتداء، ففرق بين هذه المناسبة وبين الملائمة المرغبة في التخلص؛ لأنها ليست بمعنى الإشارة، بل بمجرد عدم التباعد بين ما شبّب به، وبين المقصود، بحيث يكون جمع ما شبب به مع المقصود جمع أجنبيين، فلا يلزم البراعة منها.
(ويسمى) أي الابتداء المناسب كما هو الظاهر وكون الابتداء مناسبا للمقصود على ما فسره الشارح (براعة) من برع- مثلّثا- إذا فاق أصحابه في العلم، أو غيره، أو تم في كل كمال وجمال. (الاستهلال) هو أول صوت الصبي حين الولادة، وأول المطر؛ أي تفوق أو جمال تام بسبب الاستهلال أي أول إفادة المقصود.
(كقوله) أي قول أبي محمد الخازن في التهنئة يهنئ الصاحب بولد لابنته:
بشرى فقد أنجز الإقبال ما وعدا ... وكوكب المجد في أفق العلا صعدا (٢)
يحتمل أن يريد بكوكب المجد المولود فإنه كوكب سماء المجد، جعل المجد كالسماء وأثبت له كوكبا هو المولود أو أن يريد بكوكب المجد ما يعرف به طالع المجد، أي ظهر بهذا المولود قوة طالع المجد، وكون كوكبه في غاية الصعود.
(وقوله) أي قول أبي الفرج الساوي (في المرثية) أي مرثية فخر الدولة [هي] أي القصة [الدّنيا تقول بملء] وهو بالكسر قدر ما يملأ به ([فيها حذار حذار])
стр. 1131
أي احذر ([من بطشي]) أي أخذي الشديد [وفتكي] (١) أي قتلي بغتة، والقول بملء الفم القول الصريح الظاهر، أي تقول بموت المرثي، ذلك لأن موته يدل صريحا على أنه لا نجاة من بطشها، أو تقول بعد موت المرثي لأنه كان حاجزا لمفاسد الدنيا مصلحا لها.
[ثانيها: التخلص]
(وثانيها) أي ثاني المواضع الثلاثة التي ينبغي للمتكلم أن يتأنق فيها (التخلص) أي: وجدان الخلاص، يقال خلّصه تخليصا أعطاه الخلاص، ووضعوا لهذا العمل التخلص المبني على التكلف؛ لأنه يحتاج إلى مزيد تكلف ومقاساة تعب في تحصيله.
(مما شبب الكلام به) أي أوقد الكلام به إيقادا شديدا، حتى التهب، يقال شب النار توقدت، وشبت شببا: أوقدت، لازم ومتعد مما قبل المقصود من الشعر بمنزلة وقود يوقد به نار البيان ليقع المقصود في التهابه، أو أخذ هذا اللفظ من الشباب بالفتح بمعنى أول الشيء أي ابتدىء وافتتح به، أو من شب الشعر زاد في لونه وأظهر حسنه وجماله، فمعنى شبب الكلام به زين أو أظهر جماله به، فلا حاجة في حمل التشبيب على الافتتاح، إلى ما نقل الشارح عن الإمام الواحدي من أن التشبيب ذكر أيام الشباب واللهو والغزل، وذلك يكون في ابتداء قصائد الشعر، فسمي ابتداء كل أمر تشبيبا وإن لم يكن في ذكر الشباب.
(من نسيب) أي وصف للجمال (أو غيره) كالأدب والافتخار وغير ذلك (إلى المقصود) متعلق بالتخلص (مع رعاية الملائمة بينهما) أي بين ما شبب الكلام به، وبين المقصود واحترز به عن الاقتضاب وهو ارتجال المقصود من غير تمهيد مقدمة من المتكلم، وتوقع من المخاطب. في «الصحاح»: الاقتضاب:
الاقتطاع، واقتضاب الكلام ارتجاله.
واعلم أن التخلص في العرف تخصيص بالانتقال ما شبب به الكلام إلى المقصود مع رعاية الملائمة بينهما، على ما صرح به في الإيضاح، فالأولى أن يقال:
وثانيها التخلص أي الانتقال مما شبب إلخ، ليعلم الناشئ الاصطلاح، ولا يظن
стр. 1132
العارف الإطالة، لكن ما ذكره الشارح من أنه لا معنى لقوله: مما شبب به الكلام من نسيب؛ لأن التشبيب يعنيه هو التشبيب، وهو أن يصف الشاعر حال المرأة وحاله معها في العشق، يقال هو تشبب بفلان أي نسب بها فتشبب الكلام بالنسيب أو نحوه، مما لا يظهره معناه في اللغة، اللهم إلا أن يقال: لما كان أكثر ما يفتتح به القصائد والمدائح نسيبا وتشبيبا ذكر التشبيب، وأراد مجرد الابتداء والافتتاح فقد اندفع بما حقق على أنه مما يعجب؛ لأنه لا مجال له بعد ذكر كلام الإمام الواحدي، ثم إن التخلص قليل في كلام المتقدمين، كما سيشير إليه، من أن مذهب العرب هو الاقتضاب، وأما المتأخرون فقد لهجوا به لما فيه من الحسن وبراعة الشاعر، ولعل حسن الاقتضاب، وأما المتأخرون فقد لهجوا به لما فيه من الحسن وبراعة الشاعر، ولعل حسن الاقتضاب دعوى أن المقصود من كمال الحسن بلغ غاية مراتب القبول، بحيث يتمكن في جبره أينما وقع، ثم وجوب التأنق في التخلص ليس مبنيا على عدم صحة الاقتضاب، وليس دائرا على مذهب المتأخرين، كما يكاد يتقرر في الوهم القاصر؛ بل مع حسن الاقتضاب إذا عدل عنه إلى التخلص ينبغي أن يتأنق فيه.
(كقوله) أي قول أبي تمام في عبد الله بن طاهر: ([يقول في قومس]) بالضم وفتح الميم: صقع كبير بين خراسان وبلاد الجيل أو إقليم بالأندلس والظرف يتعلق بيقول [قومي] فاعل يقول ولا يخفى شدة تناسب قومي وقومس، سيما مع تناسب السين والياء؛ لأن أحدهما ينقلب إلى الآخر كما في سادس وسادي [وقد أخذت منّا] حال من قومي أي نقصت منا القوة وأثرت فينا، يقال أخذ منه إذا أنقصه وأثر فيه [السّرى] اعتبر تأنيث السرى على لغة بني أسد فيها، وفي هدى؛ لأنهما على وزن الجمع دون المصدر الأعلى، استعمال قليل، فتوهموا أنهما جمع سرية وهدية، على وزن غرفة، وليس التأنيث لتغليب خطى على السرى؛ لأن المؤنث لا يغلّب على المذكر، والسّرى: السير عامة الليل [وخطى] جمع خطوة كسبحة وهي ما بين القدمين [المهريّة] المنسوبة إلى مهرة بن حيدان؛ بطن من قضاعة، فيهم نجائب تسبق الخيل، فيقال لإبلهم إبل مهرية [القود] (١)
стр. 1133
جمع أقود، وهو الشديد العنق، وقال الشارح: وهي الطويلة الظهور والأعناق، أي يقول في قومس قومي، والحال أن مزاولة السّرى ومسايرة المطايا لخطى قد أثرت فينا، ونقصت من قوانا، فقوله: وخطى المهرية عطف على السرى، لا على قوله منا، بمعنى أن السرى أخذت منا ومن خطى الإبل، على ما يتوهم ومفعول يقول قوله: [أمطلع الشّمس] مبتدأ خبره [(تبغي)] أي تطلب [(أن تؤمّ) أي تقصده [بنا] أي معنا يعني هل تسري معنا الليل إلى مطلع الشمس، يحتمل أن يريدوا الشمس الحقيقي، ويحتمل أن يريدوا منزل ممدوحه [فقلت كلّا ولكن مطلع الجود] ردع للقوم وتنبيه، يعني لا أقصد مطلع الشمس مع وجود مطلع الشمس، وتنبهوا أنه لا وجه لقصد مطلع الشمس مع وجود مطلع الجود، أو أنه لا ينبغي أن يسمى منزله منزل الشمس، ولكن مطلع الجود. قال الشارح:
وأحسن التخلص ما وقع في بيت واحد كقول أبي الطيب:
نودّعهم والبين فينا كأنّه ... قنا ابن أبي الهيجاء في قلب فيلق (١)
البين: الفراق، والفيلق: الجيش.
(وقد ينتقل منه) أي مما شبب به الكلام (إلى ما لا يلائمه ويسمى) ذلك الانتقال (الاقتضاب وهو مذهب العرب) أي العرب الجاهلية يرشد إليه قوله (ومن المخضرمين) أي الذين مضى بعض عمرهم في الجاهلية وبعضه في الإسلام أو من أدركهما، أو شاعر أدركهما، فالقلة المستفادة من قوله وقد ينتقل بالنسبة إلى من بعد العرب والمخضرمين، فإياك وتوهم القاصر أن التمثيل بشعر أبي تمام للاقتضاب الذي هو مذهب العربية، ومن يليهم سهو (كقوله) أي: قول أبي تمام، وهو من الشعراء الإسلامية في الدولة العباسية: ([لو رأى الله]) أي علم الله ([أنّ في الشّيب خيرا جاورته الأبرار في الخلد]) أي في الجنة بقرينة الأبرار [(شيبا)] جمع أشيب حال من الأبرار؛ لأن اللائق أن يجاوره الأبرار على أحسن حال، أو لأن الجنة دار الخير، ولا يخفى أن مقتضى المقام أن يقول ما جاوره أحد من الأبرار شابا، إلا أنه راعى مصلحة الوزن، فجعل المعنى تابعا للفظ، ثم
стр. 1134
انتقل إلى ما يلائمه فقال:
(كلّ يوم تبدي صروف الليالي ... خلقا من أبي سعيد غريبا) (١)
ويمكن أن يخرج هذا البيت من الاقتضاب إلى التخلص، بأن يقال: رجح بترجيح الشباب على الشيب الخلق الغريب الجديد على الخلق القديم، أو بأن يقال يريد إنه مع ابتلائي بالشيب لا بأس لي بظهور غرائب خلق أبي سعيد، ولا يخفى أنه لا يوافق نفي الخبر عن الشيب، ما جاء في مدح الشيب وفضله في الشرع، فاللائق بحال الشاعر المسلم الاجتناب عن مثله.
(ومنه) أي من الاقتضاب (ما يقرب من التخلص) في أنه يشوبه شيء من الملائمة (كقولك بعد حمد الله: أما بعد) فإني قد فعلت كذا وكذا، وهو اقتضاب من جهة أنه قد انتقل من الحمد إلى كلام آخر من غير رعاية ملائمة بينهما، لكنه يشبه التخلص من جهة أنه لم يؤت بالكلام الآخر فجأة من غير قصد إلى ارتباط وتعليق بما قبله، بل إلى لفظ: أما بعد، أي مهما يكن من شيء بعد حمد لله، فكذا أقصد إلى ربط هذا الكلام بما قبله.
(وقيل: وهو فصل الخطاب) في القاموس: أما بعد أي بعد دعائي لك، وأول من قاله داود ﵇ أو كعب بن لؤى، هذا ويعلم منه أنه يقال من غير أن يقع بعد حمد أو غيره، ومعناه حينئذ بعد دعائي لك، والأظهر: أن فصل الخطاب الفاصل بين الحق والباطل أو الخطاب المفصول الغير المتشابه، وكل منهما نتيجة العلم بالشيء على وجه الكمال، وإن قال ابن الأثير: والذي أجمع عليه المحققون من علماء البيان أن فصل الخطاب هو: أما بعد؛ لأن المتكلم يفتتح في كل أمر ذي شأن بذكر الله تعالى، وبتحميده، فإذا أراد أن يخرج منه إلى الغرض المسوق له فصل بينه وبين ذكر الله تعالى بقوله: أما بعد، هذا والمفعول المقبول أن المراد من هذا المفعول أن أما بعد من فصل الخطاب.
وكقوله (هذا وإنّ للطّاغين لشرّ مآب) (٢) فذكر هذا بقربه إلى التخلص، لأن فيه نوع ارتباط لأن الواو بعده للحال ولفظ: هذا، إما خبر
стр. 1135
مبتدأ محذوف، أو مبتدأ خبره محذوف، أو فاعل فعل محذوف (أي الأمر هذا أو هذا كما ذكر) أو معنى هذا أو مفعول فعل محذوف أي: خذ هذا.
(و) قد ويكون الخبر مذكورا مثل (قوله) تعالى حيث ذكر جمعا من الأنبياء وأراد أن يذكر عقيبه الجنة وأهلها (هذا ذكر وإنّ للمتّقين لحسن مآب) (١) ولا يخفى أن التصريح بالخبر في بعض المواضع دون باقي الاحتمالات يرجح احتمال حذف الخبر.
وقال ابن الأثير: لفظ (هذا) في هذا المقام من الفصل الذي هو أحسن من الوصل، وهي علاقة وكيدة بين الخروج من كلام إلى كلام آخر، ثم قال: وذلك من فصل الخطاب الذي هو أحسن موقعا من التخلص، وكقوله: ما ذكر كلمة ثم للتفاوت بين الكلامين، ومثله فصل الكلام عن سابقه بقولك: أعلم.
(ومنه) أي من الاقتضاب الذي يقرب من التخلص (قول الكاتب: هذا باب) فإن فيه نوع ارتباط حيث لم يبتدئ الحديث الآخر فجأة، ومن هذا القبيل لفظ: أيضا في كلام المتأخرين من الكتاب.
[ثالثها: الانتهاء]
(وثالثها: الانتهاء) أي ثالث المواضع الانتهاء (كقوله) أي قول أبي نواس في الخصيب على وزن الحسيب ابن عبد الحميد: ([وإنّي جدير إذ بلغتك بالمنى]) أي جدير بالفوز بالأماني ([وأنت بما أمّلت منك جدير] [فإن تولّني]) أي تعطني [منك الجميل فأهله وإلا فإنّي عاذر] عن منعك أو عن سؤالي [(وشكور)] (٢) لما صدر عنك من سوابق العطايا، والإصغاء إلى المديح، والتحايا.
(وأحسنه) أي أحسن الانتهاء (ما أذن بانتهاء الكلام كقوله) أي العربي:
(بقيت بقاء الدّهر يا كهف أهله ... وهذا دعاء للبريّة شامل) (٣)
لأن بقاءك سبب لكون البرية في أمن ونعمة وصلاح الحال، أو المعنى: وهذا دعاء لا يخصني، بل يشاركني فيه جميع البرية.
стр. 1136
ووجه الإيذان أنه تعورف الإتيان بالدعاء في الآخر.
وقد قلّت عناية المتقدمين بهذا النوع، ٢ والمتأخرون يجتهدون في رعايته، ويسمونه حسن المقطع، وبراعة المقطع.
(وجميع فواتح السور وخواتمها واردة على أحسن الوجوه) يقال: هذا إنما يتمشى على مذهب أبي حنيفة من أن البسملة ليست جزءا من السور، وإلا فلا تفاوت بين الفواتح، ونحن نقول: المراد بفاتحة السورة الفاتحة، ولو على بعض المذاهب.
(وأكملها) من البلاغة (يظهر ذلك بالتأمل) في تلك الفواتح جملها ومفرداتها، والتنبه لرموزها وإشاراتها، لا في بادئ النظر، بل ربما يكون أول السورة دعاء على شخص وآخرها مذمة طائفة أو تهديد ووعيد لكن التأمل.
(مع التذكر لما تقدم) في الفنون الثلاثة يفصح عن وجوه مزاياها بحيث لا يتصور مزية عليه، وليس مدى بلاغتها ما يدخل تحت طاقة البشر، بل هو شرذمة مما أحاط به خالق القوى والقدر، وليكن هذا آخر ما ألقينا إليك من البدائع من إفضال الصانع من الصنائع:
ولو تأملت فيها وجدت سوى ما برزت به دقائق من الودائع، فلتنظر فيها نظر الاعتبار لتطلع على ما لا يحصى من الأسرار، واجتنب من التعصب والإنكار، فإنه يحرمك عن مشاهدة رياض امتلأت من الأزهار، وعن أن تجتني لطائف الثمار.
ربنا اللهم بارك فيما رزقت ولا تضع أشجارا أورقت، ومتع بظلالها الطالبين وأذق من حلاوة ثمارها الحاضرين والغائبين. الحمد لله رب العالمين
وكان الفراغ من نسخه يوم الجمعة الأزهر رابع عشر شهر ربيع
الآخر عام ثلاثة وثمانين وتسعمائة.
وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.