ابن ميادة:
فلا حرمة تبدو وفي اليأس راحة ... ولا وصله يصفو لنا فنكارمه (١)
فكأنه لما قال: فلا حرمة تبدو، وقيل له: ما تصنع، فأجاب بقوله: وفي اليأس راحة (ووجهه) أي: وجه الالتفات الداعي إليه أيا كان فهذا الوجه يعم كل الالتفات، بل يعم وضع الظاهر موضع المضمر وعكسه، والتعبير بالماضي عن المستقبل، وعكسه إلى غير ذلك (أن الكلام إذا نقل من أسلوب) يتوقعه السامع (إلى أسلوب) لا يتوقعه سواء وجد المتوقع قبل غير المتوقع كما في الالتفات المشهور أو لم يوجد، كما فيما يخص السكاكي من الالتفات (كان أحسن نظرية) قيل: المسموع في المفتاح المهموز، لكن جعله السيد السند في شرح المفتاح محتملا؛ لأن يكون من طرء عليه إذا أورد عليه أي: حسن إيراد أو أن يكون ناقصا من: طريت الثوب، إذا عملت به ما جعله كأنه جديد، واللام في قوله: (لنشاط السامع) إما للتقوية، فيكون النشاط مفعول التطرية بمعنى التجديد، وإما للتعليل، فيكون غرضا من التطرية، وهو الموافق لقوله: (وأكثر إيقاظا للأصفاد إليه وقد يختص) تحقيقا (مواقعه بلطائف) أي: قد يختص بعض مواقعه ببعض اللطائف، لا أنه يختص كل التفات سوى هذا الوجه العام بلطيفة كما فسره به الشارح، وإلا لأوجب ذلك أن لا يكتفي في الالتفات بالنكتة العامة، وقد أشار بجمع الكثرة إلى كثرتها (كما في الفاتحة) أي: في سورة الفاتحة، ولك أن تريد فاتحة سورة الفاتحة (فإن العبد إذا ذكر) الأولى حمد، لأن الحمد أقوى في التحريك من مجرد الذكر (الحقيقي بالحمد عن قلب حاضر) بأنه العبد الذليل، وهو سيد جليل (يجد من نفسه محركا للإقبال عليه، وكلما أجرى عليه صفة من تلك الصفات العظام قوى ذلك المحرك إلى أن يؤول الأمر إلى خاتمتها المفيدة أنه مالك للأمر كله في يوم الجزاء).
стр. 422
وجه ذلك بأنه أضيف مالك إلى يوم الدين على طريق الاتساع، والمعنى على الظرفية، أي: مالك في يوم الدين، والمفعول محذوف دلالة على التعميم، وأورد عليه أن المحذوف المقدر كالملفوظ، فكأنه قيل: مالك يوم الدين جميع الأمور، فيلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، أقول: يا سارق الليلة أهل الدار مشتمل على هذا المجاز، مع ذكر المفعول الحقيقي، وتوجيهه جعل المفعول بدلا، والجمع بين الحقيقة والمجاز غير عزيز في البدل، كما في: قطع زيد يده، وسلب زيد ثوبه، فقول هذا القائل: والمفعول محذوف يريد به ما كان مفعولا قبل الاتساع وصار بدلا بعده (فحينئذ يوجب) ذلك المحرك (الإقبال عليه) أي:
على ذلك الحقيق بالحمد (والخطاب بتخصيصه بغاية الخضوع) الذي هو العبادة إذ العبادة نهاية التذلل (والاستعانة في المهمات) إشارة إلى اختيار تفسير إياك نستعين بالاستعانة في جميع المهمات على تفسيره بالاستعانة في العبادة، والمرجح عكسه على ما بين في محله، فاللطيفة الداعية إلى هذا الالتفات قوة المحرك الحاصلة من تفصيل الصفات، لا التنبيه على أن القارئ ينبغي أن يأخذ في القراءة، كذلك؛ لأن القرآن نزل على لسان العباد، والعبد في قراءته لا يقصد أن القارئ ينبغي أن يكون كذلك، فيعم البيان بيان المتن حيث أسقط ما في المفتاح من: أن اللطيفة المختصة هي ذلك التنبيه، ولم يتنبه له الشارح المحقق فظنه مقصرا في تقرير كلام المفتاح، وقال تتميما لبيانه: واللطيفة المختصة بها موقع هذا الالتفات هو أن فيه تنبيها على أن العبد إذا أخذ في القراءة يجب أن يكون قراءته على وجه يجد من نفسه ذلك المحرك المذكور.
هذا وقد ظهر لك أن: إياك نستعين ليس من الالتفات في شيء؛ لأنه مقتضى الظاهر بعد العدول إلى الخطاب في إياك نعبد، فلا يلتفت إلى ما يوهمه سوق بيان النكتة من أن فيه التفاتا دعت إليه قوة محرك الإقبال، وجزالة نكتة المفتاح وبراعته، على ما ذكره الزمخشري، لا يحتاج إلى الإيضاح، وهو أن الخطاب يشعر بأن المخصص بالعبادة والاستعانة هو الموصوف بالصفات، وهي العلة في التخصيص؛ لأن الخطاب لكونه بالغا في التعين مقام المشاهد، وذلك التعين إنما جاء من قبل الصفات، وذكر الشارح أن النكتة فيه التنبيه على أن
стр. 423
العابد ينبغي أن يكون متوجها إليه بالكلية، بحيث كأنه يراه، ولا يلتفت إلى ما سواه. هذا وينبغي أن يضم إليه، وعلى أن المستعين ينبغي أن يكون كذلك؛ ليجاب.
فإن قلت: كونه كذلك في مقام تخصيص العبادة لا يقتضي التنبيه على وجوب كونه ذلك في مقام العبادة، قلت: يمكن أن يتكلف للشارح بأنه لما جعله في مقام الحمد، وهو عبادة كذلك نبه عليه، أو بأنه لما جعله في سورة لا يكون الصلاة بدونها، كذلك نبه على ذلك، وهذا مراده، لا أنه لما جعله كذلك في مقام عرض العبادة نبه على ذلك وهاهنا سوانح غيبية لمن له أهلية منها:
أن المراد بقوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ، فعرف كما في: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (١) أي: ليعرفون فحصر المعرفة فيه بعد حصر الحمد، وأشار إلى الشركة العامة في ذلك تنبيها على أن حصر المعرفة في مقام مشاهدة الكثرة، وذلك كمال التوحيد، ولا يخفى أن المنبه على تلك المشاهدة صيغة الخطاب، ومنها أنه تعالى نبه أولا على أنه غائب عن كل مثلى بعالم الحس، وطريق الوصول إليه التوجه إلى تفصيل صفاته بقلب حاضر، فإن نهاية التفصيل حضوره عنده بحيث يسعه أن يخاطبه وبحضوره يرى العبد: أن القدرة كلها له وهو ذليل عاجز، فيخاطبه بإظهار ذل من سواه وعجزه في كل ما عناه، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله.
قال الشارح المحقق: ولما أنجز كلامه إلى ذكر خلاف المقتضى الظاهر أورد عدة أقسام منه، وإن لم يكن من مباحث المسند إليه، أقول: قد مهد البحث في أول الشروع في بحث خلاف مقتضى الظاهر على وجه لا يخص المسند إليه ونبه على أن بحثه غير مختص حيث قال: وقد يخرج الكلام على خلافه، ولم يقل، وقد يخرج المسند إليه على خلافه، فقوله: (ومن خلاف المقتضى) بمعنى: خلاف المقتضى الذي كلامنا فيه، وهو مطلق خلاف المقتضى، ونبه بقوله: (ومن) على أنه لا ينحصر فيما ذكر كيف وجميع المجازات خلاف مقتضى الظاهر في القاموس، لقيه، كتلقاه، والتقاه هذا، فقوله: (تلقى المخاطب بغير ما يترقب) مما عدي
стр. 424
إلى المفعول الثاني بالباء، أي: جعل المخاطب متلقيا غير ما يترقب (بحمل) أي: بسبب حمل (كلامه على خلاف مراده تنبيها على أنه) أي: ذلك المخالف (أولى بالقصد) وأقول: أو هو الواجب أن يقصد على حسب تفاوت المقامات، وكونه أولى إما بالنظر إلى المتكلم أو المخاطب أو غيرهما، ولا يخفى أن التلقي لا يتوقف على حمل كلامه على خلاف مراده، بل يصح أن يكون للتنبيه على أن غيره أولى بالإفادة والتخاطب به، فالحمل على خلاف المراد مؤنة لا حاجة إليه (كقول القبعثري (١) للحجاج (٢) وقد قال) الحجاج متوعدا له. أشار بقوله:
وقد قال وجعله حالا أنه قال ذلك بديهة، وأكد فطانته بقوله: متوعدا له، حيث لم يحل بينه وبينها وعيد الحجاج (لأحملنك على الأدهم مثل الأمير حمل الأدهم والأشهب) (٣) نبه الحجاج أنه الأولى بالقصد نظرا إلى حال الأمير، كما أشار إليه المصنف، ولو كان قصده إلى أنه الأولى بالقصد نظرا إلى المخاطب يقال: مثلي حمل على الأدهم والأشهب، أي: الفرس الذي غلب سواده حتى ذهب البياض، والفرس الذي غلب بياضه حتى ذهب ما فيه من السواد وضم الأشهب للقرينة على المراد بالأدهم، أو لإفادة أنه لا ينبغي أن يكتفي بالأدهم (أي: من كان مثل الأمير في السلطان) الغلبة (وبسطة اليد) أي: الكرم والنعمة والمال (فجدير بأن يصفد).
قال الشارح: بأن يعطي من الأصفاد (لا أن يصفد) من حد ضرب أي
стр. 425
يقيد ويوثق، وفي القاموس جعل كلا من الأصفاد والصفد مشتركا بين المعنيين فلك أن تجعلهما على لفظ واحد، وكلا منهما بمعنى، وأن تجعل كل لفظ مخالفا للآخر، إما كما فعله الشارح، أو على عكسه. روي أنه قد أغضب الحجاج قوله: وقال الأدهم حديد، فقال: بلا توقف: لأن يكون حديدا خير من أن يكون بليدا، أي: خير بالنسبة إلى الأمير أو بالنسبة إلي (أو السائل بغير ما يتطلب) في الصحاح التطلب هو الطلب مرة بعد أخرى، فالأولى لغير ما تطلب؛ لأن ذلك التلقي لا يخص بمن يبالغ في الطلب، وكأنه أوقعه فيه حسن المناسبة بين يترقب ويتطلب، فرجح رعاية جانب اللفظ على المعنى (بتنزيل سؤاله منزلة غيره) الكلام فيه كالكلام في حمل الكلام على خلاف المراد، هل هو ضروري أم لا؟ (تنبيها على أنه الأولى بحاله) أي: بحال السائل، أو على أنه الأولى بحال المجيب، فالأولى الاكتفاء بقوله: (على أنه الأولى أو المهم) من غير ذكر.
والفرق بين الأولى والمهم هو: الفرق بين الأهم والمهم، فالمهم هو الواجب، ولا يخفى أن تلقي السائل بغير ما يتطلب مندرج تحت تلقي المخاطب بغير ما يترقب، ولا تفاوت بينهما إلا بحسب العبارة (كقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) (١)، كما أن السؤال عن حكمة تفاوت الأهلة أولى بحالهم، الجواب: بيان الحكمة أولى بحال الرسول- ﵇ لأنه المبعوث لبيان أمثاله، في الشرح سألوا عن السبب في اختلاف القمر في زيادة النور ونقصانه حيث قالوا: ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط، ثم يتزايد قليلا قليلا، حتى يمتلي ويستوي، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ، فأجيبوا ببيان الغرض من هذا الاختلاف، وهو أن الأهلة بحسب ذلك الاختلاف معالم يوقت به الناس أمورهم من المزارع، والمتاجر، ومحال الديون، والصوم، وغير ذلك، ومعالم الحج يعرف بها وقته، وذلك للتنبيه على أن الأولى والأليق بحالهم أن يسألوا عن الغرض، لا عن السبب؛ لأنهم ليسوا ممن يطلعون بسهولة على ما هو من دقائق علم الهيئة، ولا يتعلق لهم به غرض. هذا كلامه.
وفي الوجه الأول: أنه يلزم أن يكون في الآية بيان أن السؤال عن الغرض
стр. 426
يكون أولى بالنسبة إلى من لا يطلع بسهولة على السبب، وظاهر الخطاب خلافه وأن معرفتهم من بيانه ﷺ ، مع أنهم غير مستعدين بها يكون معجزة أخرى.
وفي الوجه الثاني: أن في معرفة سبب ذلك ظهور وكمال قدرة الله وظهور معجزة شاهدة على صدق نبوته ﷺ بحيث صاروا ببيانه عالمين بالسبب، مع بعدهم عن فهمه، فالأولى أن يقال: الأولى بحال من لا يعرف أحكام الشريعة تقديم معرفة الأحكام، أو الأولى حين السؤال عن أفعاله تعالى هو السؤال عن حكمه لا عن أسبابه؛ لأنه الفاعل المختار المستغني عن السبب (وكقوله تعالى:
يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) (١) سألوا عن بيان ما ينفقون، فأجيبوا ببيان المصارف تنبيها على أن المهم هو السؤال عنها؛ لأن النفقة لا يعتد بها، إلا وأن تقع موقعها، وكل ما هو خير فهو صالح للإنفاق، فذكر هذا على سبيل التضمين دون القصد كذا في الشرح، ويحتمل أن يكون وجه كون بيان المصارف مهمّا لهم دون نفس النفقة. إن نفقاتهم كانت على وجه لا قصور فيها، لكن كانوا أهل التفاخر والمباهاة فيصرفونها إلى الأباعد وأرباب الجاه والثروة، فأجيبوا ببيان المصارف (٢) تنبيها على أن المهم لكم في الإنفاق ذلك؛ لأن خطأكم فيه في المصرف لا فيما تصرفون (ومنه التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي تنبيها على تحقق وقوعه)، وكأنه اعتمد على أنه يتنبه من له فطنة أن التعبير عن الماضي بلفظ المضارع- أيضا- من خلاف مقتضى الظاهر، لا لنكتة تبين في محلها، ولم يتعرض له لذلك، لا لاختصاص بخلاف مقتضى الظاهر بما ذكره، بل كل مجاز كذلك (نحو: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) (٣) سها، فوضع، فصعق مكان، ففزع، ويبعد أن يقال: لم يمثل بالقرآن، بل تركيب مصنوع له وافق أكثره لفظ النظم (ومثله) في كونه خلاف مقتضى الظاهر أو في النكتة وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (٤) أي: التعبير عن المستقبل
стр. 427
بلفظ اسم الفاعل، ونبه بقوله: ومثله على تفاوت بين المثالين، وكأنه ذلك أنه لا اشتباه في كون المستقبل بلفظ الماضي خلاف مقتضى الظاهر، وأما كون اسم الفاعل في المستقبل خلاف مقتضى الظاهر في خفاء لعدم دلالته على زمان، ووجه التنبيه فيه على تحقق الوقوع أن اسم الفاعل حقيقة فيما فيه الموصوف به في الحال اتفاقا مجاز فيما يتصف به بعد التعبير اتفاقا، واختلف فيما اتصف به قبل وانقضى بالدين جزاء يوم البعث.
أما إذا أريد الجزاء كما بين في الأصول، هذا إذا أريد الجزاء مطلقا، والله تعالى يجزي العباد في الدنيا أيضا، فليس التعبير عن المستقبل باسم الفاعل، بل عما لا يختص بزمان (وبنحو ذلك) ولا يبعد أن يقال: الظاهر لمن يعلم زمان ما يخبر عنه بالتحقق وهو غائب عن المخاطب أن يبين زمانه بخلاف ما هو حاضر بين يديه، والدين كذلك، فكان مقتضى الظاهر أن يقول: إن الدين ليقع، فلما قال: إن الدين لواقع، نزل منزلة المحقق الشاهد للمخاطب يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ (١) أي: يجمع نزله منزلة الحال بعد أن أحضره، وجعله مشاهدا مشارا إليه بالإشارة الحسية، فإن تلك الإشارة تستدعي جعل الجمع فيه في الحال، فاحفظه، فإنه بديع لعله رفيع، وأقول في كون التعبير عن مستقبل بلفظ الماضي، والعكس من خلاف مقتضى الظاهر مطلقا نظر، لأنه إذا عبر عن المستقبل بلفظ الماضي على خلاف مقتضى الظاهر مرة ثم عبر ثانيا عنه بلفظ الماضي، فذلك التعبير مقتضى الظاهر، وعلى وفق الأسلوب حتى لو عبر عنه بلفظ المستقبل كان خلاف مقتضى الظاهر؛ لكونه خلاف الأسلوب، وأظن بك ألفا بهذا التحقيق بعد أن صرت في بحث الالتفات على التوثيق، فقستك (٢) بما هو الحق واسأل الله التوفيق.
ومن هذا تبين لك أنه ربما يكون التعبير عن المستقبل بلفظ المستقبل، وعن الماضي بلفظه خلاف مقتضى الظاهر (ومنه) أي: من خلاف مقتضى الظاهر (القلب) قال الشارح: هو جعل أحد أجزاء الكلام مكان الآخر، والآخر
стр. 428
مكانه، ولا ينتقض بقولنا: في الدار زيد وضرب عمرا زيد؛ لأن المراد بالجعل مكان الآخر أن يجعل متصفا بصفة لا مجرد أن يوضع موضعه، فدخل في جعل أحد أجزاء الكلام مكان الآخر، ضرب زيد، حيث جعل المفعول مكان الفاعل، وخرج بقوله: والآخر مكانه، ولا بد في الحكم بالقلب من داع، إما لفظي لجعل النكرة مسندا إليه، والمعرفة مسندا، فإنه إذا وقع هكذا حكم بالقلب، وإما معنوي يدعو رعاية جانب المعنى كون الجزأين في الأصل على خلاف الترتيب الواقع، مثال أول: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ (١) ومثال الثاني: ما أشار إليه بقوله: (نحو: عرضت الناقة على الحوض)، فإن الأصل فيه: عرضت الحوض على الناقة؛ فإن عرض الشيء على الشيء معناه:
إرائته إياه على ما في القاموس، ولا رؤية للحوض.
وفي الشرح؛ لأن المعروض عليه يجب أن يكون له إدراك؛ ليميل إلى المعروض، أو يرغب عنه، ومنه: أدخلت القلنسوة في الرأس، والخاتم بالأصبع. لعل النكتة في القلب في هذه الأمور أن العادة تحرك المعروض، نحو:
المعروض عليه والمظروف نحو الظرف، وهنا انعكس الأمر (وقبله السكاكي مطلقا) (٢)، وجعله نفسه اعتبارا لطيفا (ورده غيره مطلقا)، وقال: يجب أن يجتنب عنه (والحق أنه إن تضمن اعتبارا لطيفا قبل كقوله) أي: قولي:
رؤبة (٣) (ومهمه) أي: مفازة (مغبّرة) متلونة بالغبرة (أرجاؤه) أطرافه ونواحيه (كأنّ لون أرضه سماؤه (٤) أي: لونها) يريد: أن المضاف إلى السماء محذوف، ولك أن تجعل التقدير أي: هي لونها وتجعل ضمير لونها إلى الأرض، والمحذوف إلى السماء فيكون إشارة إلى القلب لا إلى حذف المضاف، والاعتبار اللطيف فيه ما شاع في كل تشبيه مقلوب من المبالغة في كمال المشبه إلى أن استحق جعله
стр. 429
مشبها به، ويمكن تفسير قوله: كان لون أرضه سماؤه، لما لا يكون فيه قلب ولا حذف، أي: ارتفع الغبار فيها متراكما واتصل بالسماء بحيث صار السماء متصلا بالأرض اتصال اللون بالجسم، كأن لون الأرض نفس السماء (وإلا) أي: وإن لم يتضمن اعتبارا لطيفا (رد)؛ لأن نفسه ليس اعتبارا لطيفا، ولم يتعرض لرد لم يتضمن خللا في المقصود، لأنه لا غرض يتعلق به في هذا المقام، لأن رد ما يتضمن خللا مشترك بينه وبين غيره لا ينبغي أن يجعل من مباحث القلب، ولا تعلق له برد ما قاله السكاكي، فالتعرض له كما تعرض له الشارح من فضول الكلام وعدم ما يليق بالمقام، (كقوله) أي: القطامى (١) يصف ناقته بالسمن:
فلمّا أن جرى سمن عليها ... كما طيّنت بالفدن السّياعا (٢)
هو كالسحاب الطين بالتبن كذا في القاموس، والأصل فيه كما طينت الفدن بالسياع، وهو أن يتضمن مبالغة في وصف الناقة بالسمن، وإشارة إلى أن اللحم المكتسب صار أصلا في بدنها، ومعروض السمن صار فرعا، كما جعل السياع أصلا.
والقصر بمنزلة الطين للسياع، لكنه بعيد عن الطبع؛ لأن قولنا: طينت السياع بالفدن مما يستهجنه الأذهان وتستقبحه الآذان كما لا يخفى.
[أحوال المسند أما تركه فلما مر]
(أحوال المسند إما تركه) الترك: الردع والحذف الإسقاط، فالثاني يدل على سبق الثبوت دون الأول، فلهذا قال الشارح في استعمال الحذف في المسند إليه: والترك في المسند إشعار بأن احتياج الكلام إلى المسند إليه أشد، فكأنه
стр. 430
كان ثابتا لا محالة، ثم أسقط لداع، وأورد عليه أن كلامه هذا ينافي ما ذكره في شرح الكشاف أن قول ابن عباس- ﵁ من ترك التسمية فكأنما ترك مائة وأربع عشرة آية من القرآن، مشكل؛ لأنه لم تكن في سورة البراءة تسمية حتى يكون تاركها؛ لأنه دل كلامه هذا على أن الترك يقتضي الثبوت، وفيه أن ترك مائة وأربع عشرة آية من القرآن عبارة عن ترك قرائتها، وما لم تكن التسمية أربع عشرة آية لا يكون القارئ التارك لها تارك قراءة أربع عشرة آية، وترك القراءة قد تحقق بدون ثبوت القراءة، فلا يكون ما ذكره مستلزم ثبوت المتروك؛ لأن المتروك هو القراءة، ولم تكن ثابتة،
والأوجه أن اختلاف العبارات للتنبيه على تعدد ما يعبر عما يقابل الذكر، لا للتفاوت، وإلا لما عبر المصنف عن عدم ذكر المفعول في بحث متعلقات الفعل بالحذف (فلما مر) في حذف المسند إليه (كقوله) (١) أي: قول ضابي بن الحارث البرجمي: [ومن يك أمسى بالمدينة رحله] أي: منزلة فإسناد أمسى إلى المكان مجاز، ولك أن تجعل فاعل أمسى ضمير من، والخبر جملة بالمدينة رحله، أو أمسى تامة، والجملة حالا متروك الواو، وكما في: خرجت مع الباري على سواد، وسيأتي، ولا يجوز نصب رحلة على الظرفية؛ لأنه ليس مبهما قابلا لتقدير فيه [فإنّي وقيّار] في القاموس اسم جمل ضابي أو فرسه، وقال السيد السند أو غلامه: [بها لغريب] (٢) لفظ البيت خبر، ومعناه تحسر وتوجيع من كربة وخبر قيار محذوف؛ لأن قوله: لغريب لا يصلح أن يكون خبرا عن إنى وقيار، لأن قيارا، لكونه عطفا على محل اسم إن مبتدأ، والعامل في خبره المبتدأ، ولا يجوز عامل عاملين في معمول واحد سواء كانا من جنس واحد، أو من جنسين مختلفين، لا لأنه مفرد، والمفرد لا يصلح أن يكون خبرا لمتعدد قد يخبر عنه بمفرد
стр. 431
إذا كان بين آحاده كمال اتصال بتنزيله منزلة الواحد، صرح به الرضى، وأقام عليه آية بينة من القرآن، ولا يجوز أن يكون المحذوف خبر إن؛ لأن دخول اللام يسجل على أن المذكور خبر إن، فالتقدير: إني وقيار بها لغريب غريب، وقد عطف غريب على قوله: لغريب وقيار على محل ضمير المتكلم بعاطف واحد، ولا غبار عليه إذا كان العامل واحدا، فعلى هذا يكون خبر قيار عطفا على محل خبر إن؛ ليكون العامل فيه عامل قيار، لا على لفظه حتى يكون العامل فيه إن، لأنه مع ذلك لا يصلح أن يكون خبر قيار، ولم يثبت في محله جواز العطف على محل خبر إن، فلا تعويل على هذا التوجيه، وإن ذكره الشارح المحقق، بل لتوجيه أن العاطف يعطف مجموع قيار غريب على قوله: إني لغريب، عطف جملة على جملة، وبه قطع الكشاف في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى (١) الآية، لكن فيه تقديم بعض المعطوف على بعض المعطوف عليه، وهل يجوز؛ ولعله لهذا لم يتبعه الرضى (جعل) واو والصابئون اعتراضية، وبعد تجويزه ثقة يقول الزمخشري، وموافقة الإمام المرزوقي له، ودفعه فساد التقديم بأن المقدم في نية التأخير، وإن يتجه عليه أن تقديم المعطوف على المعطوف عليه أيضا في نية التأخير، مع عدم جوازه في السعة لا بد للتقديم من نكتة.
قال الزمخشري: النكتة التنبيه على أنهم مع كونهم أبين المذكورين ضلالا وأشدهم غيّا يتاب عليهم، إن صح منهم الإيمان والعمل الصالح فما الظن بغيرهم؟
وفيه أن هذا التنبيه حاصل بالحكم عليهم بأنهم يتاب عليهم، ولا مدخلية للتقديم، وقال الشارح المحقق: نكتة التقديم في البيت التسوية بين القيار ونفسه في التأثر بالغربة، أولو قال: إني لغريب وقيّار، لجاز أن يتوهم أن له مزية على قيار في التأثر عن الغربة؛ لأن ثبوت الحكم أولا أقوى، فقدمه؛ ليتأتى الإخبار عنهما تنبيها على أن قيارا- مع أنه ليس من ذوي العقول- قد ساوى العقلاء في استحقاق الإخبار عنه بالاغتراب قصدا إلى التحسر، ولا خفاء في الفرق بين النكتتين إذ أحداهما التسوية، والآخر كون البعض أولى من البعض، وأن يشعر
стр. 432
كلام الشارح بالاتحاد، والبيت مثال لحذف المسند عن المعطوف؛ للاحتراز عن العبث مع ضيق المقام، أو لحذف المسند بتمامه، أو للحذف مع تقديم القرينة وقوله: (وكقوله:
نحن بما عندنا، وأنت بما ... عندك راض، والرأي مختلف) (١)
مثال للحذف لهذه النكتة بعينها، مع كون المسند المحذوف للمعطوف عليه، أو مع تأخير القرينة، أو مع بقاء متعلق المحذوف، وقد أشار الشاعر إلى ترجيح جانبه بالتعبير عن نفسه بضمير المتكلم مع الغير تعظيما لشأنه.
(وقولك): الخطاب لغير معين؛ لإفادة العموم، فيكون فيه إشارة إلى نهاية شيوع الاستعمال (زيد منطلق وعمرو) مثال للاحتراز عن العبث بدون ضيق المقام كما يستفاد من الإيضاح، والعطف يحتمل أن يكون من عطف جملة على جملة، وأن يكون من عطف مفردين على مفردين، وفي تصحيحه دقة، وهو أن المقصود تشريك المسند مع المسند في كونهما مسندين، لا في كونهما مسندين لمسند إليه واحد، وكذا الحال في التشريك مع المسند إليه، هكذا أفاده السيد السند في شرح المفتاح.
(وقولك: خرجت فإذا زيد)، لعله مثال لتخييل العدول إلى أقوى الدليلين من الفعل واللفظ. قال الشارح: الحذف هنا لما مر مع اتباع الاستعمال الوارد هذا، فإن قلت: لم يسبق في المتن ذكر للاتباع المذكور فكيف يمثل للحذف لما مر بما هو لاتباع استعمال الوارد؟ قلت: الاتباع المذكور مندرج تحت قوله: وإما لنحو ذلك، ونحن نظن بك أنك على ثروة كافية في معرفة هذا المثال قبل أن تصير مخاطبا لنا في هذا المقام، فلو اشتغلنا بما يتعلق به لتعدنا مشتغلا بفضول الكلام، فأعرضنا عنه خوفا عن الملام (وقوله: ) أي: الأعشى ([إنّ محلا وإنّ مرتحلا] أي: لنا في الدنيا) حلولا كحلول المسافرين وارتحالا إلى الوطن، وهو الآخرة، [وإنّ في السّفر إذ مضوا مهلا] (٢) في الصحاح السفر
стр. 433
جمع سافر، كصحب وصاحب- يقول: سفرت أسفر سفرا أي: خرجت إلى السفر، وفي القاموس: رجل سفر وقوم سفرة ذو سفر ضد الحضر، والسافر المسافر لا فعل له، وقوله: مهلا بالتحريك أي تؤدة ووقارا، وقوله: إذ مضوا متعلق بالمهل (و) حاصل المعنى (أن) لنا حلولا في الدنيا قليلا وارتحالا (عنها) إلى وطن بعيد لا يقطع طريقه بسرعة، ولا بد لنا من تهيؤ أسباب كثيرة في قطع هذه المسافة، فلفظ البيت خبر، ومعناه: تحسر على عدم التمكن في هذا الحلول القليل من تهيؤ أسباب السفر الشديد، وقطع الأمد البعيد، وفي الشرح وفي السفر الرفاق قد توغلوا في المعنى، لا رجوع لهم، ونحن على إثرهم، ودلالة المهل على ما ذكرنا أظهر مما ذكره، والحذف هنا لقصد الاختصار، والعدول إلى أقوى الدليلين، وإتباع الاستعمال الشائع، فإنه كثر هذا الحذف في مثل هذا التركيب حتى قال سيبويه في كتابه: باب: إن مالا وإن ولدا، وقال الشيخ عبد القاهر: لو أسقطت إن لم يحسن الحذف، أو لم يجز؛ لأنها المتكلفة بشأنه، والمترجمة عنه، ولضيق المقام للتحسر ومحافظة الوزن، ولم يذكر الشارح إلا الوجه الثاني المضيق، ولقد نبه في هذا المثال على أن الخبر الظرف، مع كونه نائبا عن الخبر الحقيقي بحذف.
قال السيد السند: إن جعلت «إذ» اسما غير ظرف بمعنى الوقت جعلته بدلا عن السفر، أي: في السفر في زمان مضيهم، وإن جعلت ظرفا أبدلته من قوله: في السفر، والمعنى واحد، وفيه بحث؛ لأنه ذكر الرضي إن «إذ» لازم الظرفية لا يكون اسما إلا إذا أضيف إليه زمان، أو يكون مفعولا به، وأيضا التؤدة والوقار صفة السفر، لا وقت مضيهم، فالوجه ما ذكرنا (وقوله تعالى:
قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي) (١) جعل الشارح المحقق سبب إيراد هذا المثال كون المسند فيه فعلا على حذف ما تقدم، فإن المسند فيه، إما اسم، أو جملة، ونحن نقول: أورده للتنبيه على أن المحذوف فيه مجرد المسند، لا المسند، والمسند إليه بأن يكون أنتم تأكيد الفاعل المحذوف؛ لأنه لا يثبت كثرة
стр. 434
الحذف فيما يغني عنها قلة الحذف، وللتنبيه على أن الداعي إلى تقدير المسند قد يكون غير بقاء المسند إليه بلا مسند هو هنا حرف الشرط؛ إذ لولاه لكان الكلام أنتم تملكون، كما زعم الكوفيون، مع وجوده، وللرد عليهم، وللاستشهاد بالقرآن، وقدمه على قوله: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ (١) تقديما للمنصوص على المحتمل، وللتنبيه على الحذف الواجب بعد الجائز؛ ولأن الداعي إلى الحذف فيه يخالف الدواعي المتقدمة، إذ الباعث فيه تحصيل الإبهام أولا، ثم التفسير؛ ليتمكن في النفس فضل تمكن، وللإتيان بما فيه غرابة تسر الناظرين، وهو تحصيل مزيد التمكن من حذف الدال، وإبراز ما هو في غاية النفع في صورة البعث إذا أول ما يبدو للناظر أن المتكلم عابث في حذف المسند، ثم الإتيان به مع زيادة هو المسند إليه، ثم يلوح عليه أنه في غاية الإفادة، فيحلو المتكلم في عينيه كالتاجر يأتي بالأشياء في غير صورها، فاحفظ هاتين النكتتين، فإنهما من البدائع. قال الشارح:
الغرض من الحذف الاحتراز عن العبث إذ المقصود من الإتيان بهذا الظاهر تفسير المقدر، فلو أظهرته لم يحتج إليه.
أقول أولا: فليكن هذا أيضا موجبا؛ لإيراد هذا المثال، فإن العبث فيما سبق كان نفس المسند، وهنا ما ذكر للتفسير، وثانيا: أن ما ذكره ينافي ما ذكره المصنف في الإيضاح: أن التقدير لو تملكون تملكون، على أن التكرير للتأكيد فليس ذكر المفسر المؤكد عبثا، لأن فيه فائدة التأكيد، لكن الحق أن أصل التركيب: لو تملكون لما حذف تملك بقي أنتم، ففسر بتملكون، فلو ذكر المحذوف لكان التفسير عبثا، وهو المسطور في كتب النحو، ولا حاجة إلى تقييد هذا العبث بقيد بحسب الظاهر؛ لأنه عبث صرف، وهذا- أيضا- من أسباب إيراد هذا المثال.
قال الزمخشري: هذا ما يقتضيه علم الإعراب، وأما ما يقتضيه علم البيان، فهو أن: أنتم تملكون: فيه دلالة على الاختصاص، وأن الناشئ هم المختصون بالشيخ المتبالغ؛ لأن الفعل الأول لما سقط لأجل المفسر برز الكلام في صورة المبتدأ والخبر يعني: كما أن: أنا سعيت في حاجتك، وهو المبتدأ، وخبره يفيد
стр. 435
الاختصاص، فكذلك ما هو في صورة المبتدأ والخبر، فاستفاد منه الشارح العلامة أنه يجوز جعل: أنا عرفت: جملة فعلية مفيدة للاختصاص بتقديم التأكيد الذي هو الفاعل المعنوي؛ ليصير في صورة المبتدأ والخبر فجرى عليه في شرح كلام السكاكي حفظا لظاهر مقاله: أن المسند إليه فاعل معنوي قدم للتخصيص، وفهم منه الشارح المحقق أنه ادعى أن: كل ما يفيد الاختصاص جملة فعلية في صورة الاسمية عند الزمخشري فتعجب من استدلاله بهذا الكلام، وقال: هذا الكلام صريح في نقيض دعواه، وحجة عليه لا له، إذ الزمخشري جعلها مفيدة للاختصاص، لكونها في صورة ما يفيد الاختصاص، نعم التعجب عن غفلة العلامة عن كلام السكاكي من جعل: رجل عرفت مبتدأ لا محالة، حيث قال: قدر تأخيره، لئلا ينتفي التخصيص المصحح للابتداء؛ إذ لا سبب له سواه (وقوله تعالى) مرفوع خبره يحتمل الأمرين (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ يحتمل الأمرين)، بل الثلاثة ثالثها: أن يكون من قبيل سلام عليك، أي: فصبري جميل (أي: أجمل) بالنصب تفسير الأمرين (أو فأمري) صوابه: الواو، لأن مفعول الاحتمال لا يكون مردودا، والأحسن في جعله محذوف المسند تقديره:
صبر جميل لي؛ لأنه مصدر، والأصل فيه النصب، وقد قرأ «فصبرا جميلا» فالأصل: فاصبر صبرا جميلا عدل إلى الرفع لإفادة الدوام، والثبات والشائع في العدول جعل معمول الفعل خبرا عن المصدر، كما في الْحَمْدُ لِلَّهِ، * وكأنه أشار بتقديم بيان المسند إلى أنه أجمل؛ لأن المقصود الأظهر من الكلام، وهو توطين النفس على الصبر يرجحه، وإن ذكر الشارح المحقق لترجيح حذف المبتدأ ستة أوجه، ورب واحد يعدل ألفا، والصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه إلى الخلق، وجعل صاحب المفتاح: لتكثير الفائدة، ولك أن تجعله لضيق المقام، لكمال توجع المتكلم وتحزنه.
قال صاحب المفتاح (١): وقد يكون حذف المسند بناء على أن ذكره يخرج الكلام إلى ما ليس بمراد، كقولك: أزيد عندك أم عمرو؟ فإنك لو قلت: أم عندك عمرو، تصير أم منقطعة، ويتجه عليه أن هذا لا يقتضي الحذف؛
стр. 436
لإمكان أن يقال: أم عمرو عندك، فإن أم حينئذ تصح أن يكون متصلة، ودفع بأن «أم» هنا، وإن جاز كونها متصلة؛ لكن الظاهر فيه الانقطاع، لأن إيراد المفرد بعد «أم» أقرب إلى الاتصال، فمع إمكان إيراده إيراد الجملة دليل قصد الانقطاع، إلا أن يكون قرينة واضحة على قصد الاتصال، كقولك: سواء أزيد عندك أم عمرو عندك، ولا يخفى أنه يستفاد مما ذكره أن ذكر المسند إليه قد يكون؛ لأنه لو حذف يخرج إلى ما ليس بمراد، كما في قولك: أزيد عندك أم عمرو عندك؟ فإنه لو حذف يخرج إلى ما ليس بمراد، كما في قولك: أزيد عندك أم عمرو عندك؟ فإنه لو حذف يخرج من الانقطاع إلى الاتصال، والذي أرى أنه لا خبر مقدر في: أزيد عندك أم عمرو؟ لأنه في معنى أيهما عندك؟ ولا يذهب عليك أن وجوب قرينة للحذف لا يخص بحذف المسند، وكأنه لم يذكره في المسند إليه؛ إما لأنه ربما يحذف بلا قرينة، كما إذا أقيم مقامه المفعول، وإما لأن وجوب القرينة على المحذوف مما يعرفه العاقل، إلا أنه لما عبر عن حذف المسند بالترك الموهم للإعراض عنه بالكلية، والاستغناء عن نصب القرينة تداركه بقوله:
(ولا بد) أي: للحذف (من قرينة)، ولك أن تجعل المراد وجوب القرينة للحذف، ولداعيه إذ الحذف مشترك بين دواع، فهو كاللفظ المشترك لا يفيد المعنى المراد بلا قرينة، إلا أنه لم يفصل إلا قرينة الحذف ولا عكس، أي:
ليست القرينة مما لا بد لها من الحذف، بل ربما لا يحذف مع وجود القرينة (كوقوع الكلام جوابا لسؤال محقق) أي: مذكور، لكن الوقوع أعم من أن يكون محققا، كقولك: زيد، في جواب: من قام؟ أو مقدرا (نحو: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) (١)، وهذا مراد الشارح المحقق حيث قال: حذف المسند، لأن هذا الكلام عند تقدير ثبوت ما فرض من الشرط والجزاء يكون جوابا عن سؤال محقق، يعني: كونه جوابا عن هذا السؤال المحقق في الكلام إنما يتحقق عند تقدير ثبوت ما فرض، ولا ريب فيما ذكره، ولا يرد ما ذكره السيد السند: من أن فيه إشعارا بأن السؤال في نظم الآية ليس بمحقق، وإنما يصير محققا إذا وقع ذلك المقدر: بأن يسألهم، فيجيبوا، ولما كان في الآية فرض تحققهما ذكرا فيه على طريقتهما ذلك إذا تحققا، وأنت
стр. 437
تعلم: أن القرينة لأي ذات سؤال، وهي محققة في الآية، وهذا هو المراد بقولهم: لسؤال محقق، لا كونها سؤالا، وهو المفروض المقدر فيها ن هذا كلامه.
وكيف لا؟ والشارح لم يعلق تحققه على تقدير ثبوت ما فرض؟ بل وقوع الكلام في جوابه: فإن أراد بأن ذات السؤال قرينة أنها قرينة من غير كون الكلام جوابا له، فباطل.
وقول المصنف: كوقوع الكلام جوابا لسؤال شاهد عليه، وإن أراد أن ذات السؤال بشرط وقوع الكلام جوابا له قرينة، فلا بد من اعتبار الوقوع، وما ذكره الشارح إنما هو تصدير الوقوع، وبهذا اندفع- أيضا- أن الشرط فرض السؤال المطلق، وهو يعم السؤال المحقق والمقدر، فكيف يلزم من تقدير وثبوته كون قولهم جوابا لسؤال محقق هذا؟ والأظهر أن المراد بقوله: (ليقولن الله) ما يعم قولهم:
ليقولن خلقهن الله؛ لأن المقصود أنهم يجيبون بإثبات الخلق له تعالى سواء كان ذلك الإثبات مع ذكر الفعل أو مع حذفه، فالآية مثال باعتبار ما يشتمل عليه من جواب حذف فعله، لا باعتبار أن الجواب المستفاد منه لا محالة محذوف المسند، ثم المسند المحذوف في جواب هذا السؤال في الأكثر الفعل، وربما تكون الجملة التي هي خبر المبتدأ على طبق مواقع الذكر، فإنه في الأكثر الفعل قال تعالى: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها (١) وقال تعالى:
مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٢) وقال تعالى:
قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (٣) قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ وذلك؛ لأن السؤال عن الفاعل المطلق، فالسائل خالي الذهن عما يلقي إليه المجيب، فلا يحتاج إلى تقوية الحكم فلا ينبغي تقديم المسند إليه المفيد للتقوي، وربما يقتضي المقام قصد التخصيص في الجواب، كما في قوله: قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ (٤) فتقدم المسند إليه، فمن قال: المقدر مطلقا هو الفعل، وجعله الشارح مذهب جمهور النحاة غفل، لكن لا كمن قال: المحذوف مطلقا هو الخبر؛ لأن رعاية المطابقة أمر
стр. 438
مهم، والسؤال جملة اسمية، ولأن السؤال عن الفاعل، وتقديم المسئول عنه أهم، والشارح المحقق- أيضا- غفل حيث أثبت مذهب الجمهور بأن الواقع عند عدم الحذف جملة فعلية؛ لأنك عرفت أنه مختلف، والمشهور في ترجيح تقدير الفعل أن السؤال عن الفاعل، وأن القرينة فعلية.
واعترض عليه الشارح بأن السؤال ليس عن الفاعل النحو؛ إذ لا معنى له، بل عمن صدر عنه الفعل، فيستوي في تعيينه تقدير الفعل، والجملة الفعلية، والقرينة لا تطلب إلا تقدير الفعل دون الفاعل، ولا يطلب تقديره عاملا في المسند إليه المذكور، ويمكن دفعه بأن السؤال عمن صدر عنه الفعل يقتضي تقدير المسند عاملا في المسند إليه، لا خبرا، لأن الأول يفيد صدور الفعل صريحا، وأما الخبر فيفيد اتحاد شيء مع المسند إليه، فربما يتضمن هذا الاتحاد صدر الفعل عنه، فالقرينة فعلية داعية إلى جعل الجواب جملة فعلية نعم، يتجه أن السؤال جملة اسمية، فالسؤال عمن يتجه معه المسند، لا عمن يصدر عنه الفعل، فالقرينة اسمية لا فعلية. والتقصي عنه بما حققه السيد السند أن: الجملة اسمية صورة فعلية قصدا؛ لأنه اختصار فعليات غير متناهية. هي أقام زيد أم أقام عمرو؟ إلى ما لا يتناهى؛ لأن الاستفهام بالفعل أولى لكونه متغيرا، فيقع فيه الإبهام، ولما أريد الاختصار وضع كلمة «من» لإحمال تلك الذوات، أو ضمنت لمعنى الاستفهام، فأوجب التضمن تقديمها، فصارت اسمية صورة، وفي الحقيقة هي فعلية، وبهذا اندفع- أيضا- أن الجواب بالفعلية ترك لرعاية المطابقة، على أن رعاية المطابقة يوهم قصد التقوية، وهو لا يليق بالمقام، وربما يرجح تقدير الفعل بأن في تقدير الجملة زيادة حذف، وتقليل الحذف أولى، ورده السيد السند بأن: الزيادة المشتملة على فوائد لا ترد، وتلك الزيادة تشتمل على تقوية الإسناد، ومطابقة الجواب للسؤال، وهو مردود بأن المقام ليس مقام التقوية، والمطابقة للفعلية كما عرفت (أو مقدر) ليس المراد المقدر في نظم الكلام، بل السؤال المنوي الناشئ من المقام، وأن لا يتجه تقديره (نحو: ) قول ضرار بن نهشل في مرثية يزيد بن نهشل: [ليبك يزيد ضارع] كأنه قيل من يبكيه فقال ضارع [لخصومة] أي: من بذل لخصومة؛ لأنه كان ملجأ للأذلاء وظهيرا
стр. 439
للضعفاء [ومختبط ممّا تطيح الطّوائح] (١) المختبط: الذي يأتيك الليل للمعروف من غير وسيلة إخفاء عن الناس سؤاله؛ لأنه كان أصل ثروة، وابتلى بالسؤال لأجل إهلاك المهلكات ماله، فقوله: مما يتعلق بمختبط، كما تعلق قوله: لخصومة بضارع، ويكفي للظرف رائحة الفعل، ولا يتوقف صحته على اعتماد اسم الفاعل، والطوائح: بمعنى المطيحات؛ لأنه جمع مطيحة على خلاف القياس، كلواقح جمع ملقحة، ولهذا جعل فاعلا للإطاحة، فتطيح بمعنى الماضي عدل إلى المضارع لحكاية الحال، كذا ذكره الشارح المحقق، وهو المشهور، ونحن نقول: المراد بالضارع: من يضرع بعد موت يزيد، وبالمختبط: من يسأل كذلك بعد موته؛ لأنه كان دافعا للخصومات والمهلكات، فلا يكاد تقع في حياته خصومة، ولا إطاحة مطيحة لمال شمول، حتى يضرع أحد لخصومة، ويحتاج أحد إلى الاختباط، فالضارع بمعنى الاستقبال، ولا يخفى ما في هذا الاحتمال من كمال مدح يزيد، كحماية الناس من الظلمة.
والمشهور جعل ضارع فاعلا للمحذوف، كما في المثال السابق، وقد نص عليه ابن الحاجب، ونحن نقول: الأبلغ تقدير ضارع لخصومة يبكيه، فيكون الكلام مفيدا للحصر تعريضا بأن الظلمة التي تضرع الناس؛ لخصومتهم في السرور عن موته، وفيه مزيد تحسر موته، ولفظ البيت أمر، ومعناه: يزيد لفوت التحسر على فوت هذه المنافع لعامة الناس، وهذا من موجبات فضل هذا التركيب على خلافه، فاجمعه مع ما ستسمع. فهذا المثال للسؤال المقدر كما صرح به، وللمسند الخبر على خلاف ما تقدم، والله تعالى أعلم.
ومن المباحث النفيسة التي خلا عنه زبر الأخيار، وشذ عن أنظار أولى الأبصار، وصدته لك أيها المتفطن المتلخص عن ربقة التقليد، المتلذذ بإصغاء جديد بعد جديد هو: أن السؤال الناشئ من ذكر «ليبك» من المأمور بالبكاء فالمقام يستحق حسب المسند إليه، أي: المأمور ضارع، وكان تقدير من يبكيه؛
стр. 440
لكونه في قوة من تمثيل أمرك، وقدر الزمخشري: ليبكيه ضارع.
قال السيد السند: هو أنسب بالمعنى، ويبكيه أنسب السؤال المقدر، وكان وجه الأنسبية بالمعنى: أن المقام مقام تعيين المأمور، ولما كان هذا البيت مثالا على تقدير: جعل ليبك مبنيّا للمفعول، ولو احتمال البناء للفاعل، والمحتمل لا يصلح شاهدا ما لم يترجح جانب الشهادة، فضلا عن أن يكون مرجوحا؛ لكون الحذف خلاف الأصل لم ير بدّا من الترجيح.
وقال: (وفضله)، أي: فضل اعتبار الحذف في البيت ونظائره (على خلافه)، وهو عدم اعتبار الحذف بجعل: «ليبك» مبنيّا للفاعل، و «يزيد» مفعولا به، وضارع فاعل الأمر (بتكرر الإسناد)، أي: بذكره مرتين، فقوله: (إجمالا ثم تفصيلا) تفصيل للذكر الضمني، لا للتكرر، فلا يلزم تكرر الإجمال والتفصيل، مع إنه خلاف الواقع، وقدر الشارح بتكرر الإسناد بأن أجمل إجمالا، ثم فصّل تفصيلا، والإسناد الإجمالي متكرر؛ لأنه يحصل مرة من الفعل المجهول الدال على أن هناك باكيا، ومرة من السؤال الدال عليه، واشتماله على تكرار الإسناد يوجب تمكينه الإسناد في نفس المخاطب، وكونه نائبا مناب الجمل الثلاث، وكون اللفظ أجمع للفوائد مما يساويه في الأجزاء يرجحه عليه، وبهذا اندفع أن من جهات الفضل الذي ذكره السكاكي كونه: أجمع للفوائد، ولا وجه لترك المصنف إياه، نعم، قصور النظر عائد إلى من اقتصر في بيان ترجيح تكرر الإسناد على كونه موجبا لمزيد التمكين في النفس هذا، ونحن نقول: وبتكرر إيقاع البكاء على يزيد، وهو أنسب بالمرثية، (وبوقوع نحو: يزيد غير فضلة) قد أشار بإدراج النحو إلى أن الكلام ليس في خصوص البيت، والأولى: ووقوع نحو «يزيد» مسندا إليه، فإن المسند إليه أرجح من المسند، والمسند من الفضلة (ويكون معرفة الفاعل، كحصول نعمة غير مترقبة) لا يخفى أنه ينافي كونه جوابا لسؤال مقدر؛ لأن السائل مترقب للجواب. قوله:
(لأن أول الكلام غير مطمع في ذكره) فيه أنه: إن أراد أنه غير مطمع بالذات، فسلم، لكنه لا يكفي في كونها: كنعمة غير مترقبة، وإن أراد: أنه غير مطمع أصلا، فممنوع، لا يفضي إلى السؤال المطمع والأولى؛ لأن أول
стр. 441
الكلام موئس عن ذكره؛ لأن إيراد الفعل المجهول علامة الاجتناب عن الذكر بالكلية.
وحاصل الترجيح أنه: كنعمة غير مترقبة، وغير مترقبة نعمة غير مشوبة بألم الانتظار وتعب الطلب، فهي لذة صرفة، فيكون ألذ، وهذه المقدمة ناقض فيها المصنف والشارح أنفسهما، حيث ذكر المصنف في بحث التشبيه أن: نيل الشيء بعد طلبه ألذ، وتبعه الشارح. قال الشارح المحقق: ولمعارض أن يفضل نحو:
ليبك يزيد ضارع، بنصب يزيد على خلافه بسلامته عن الحذف، وباشتماله على إيهامه الجمع بين المتناقضين من حيث الظاهر؛ لأن نصب نحو: يزيد، وجعله فضلة يوهم: أن الاهتمام به دون الاهتمام بالفاعل، وتقديمه على الفعل المظهر يوهم أن الاهتمام به فوق الاهتمام بالفاعل، وبأن في أطماع أول الكلام في ذكر الفاعل مع تقديم المفعول تشويقا إليه، فيكون حصوله أوقع وأعز. هذا كلامه، وفيه بحث من وجوه هي: إيهام الجمع بين المتنافيين موجود في خلافه أيضا حيث حذف الفاعل وذكر فيوهم أن الاهتمام به، وبه اهتمام، وأن ليس بين الفعل والفاعل فضل موجب للتشويق؛ لأنه فضل قليل، وبأن الحذف لنكتة، وأن لا يترجح على الذكر فلا يرجح، وقد جعله السكاكي من المرجحات حيث قال: ناب هذه الجملة مناب الجمل الثلاث، وليس هذا إلا بالحذف على أن مرثية يزيد تستدعي النكتة المذكورة في المتن، فلا يعارضه السلامة عن الحذف، ولا إيهام الجمع بين المتنافيين، فإن قلت: لو لم يترجح الذكر على الحذف لما صح ما سيأتي من ترجيح: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ (١) على قولهم: القتل أنفى للقتل (٢)، بسلامته عن الحذف؟ قلت: الترجيح بأن الفائدة الحاصلة منه بمؤنة التقدير، تحصل من الآية بدون التقدير، ولا ريبة في رجحانه، وما نحن فيه ليس من هذا القبيل، وقال السيد السند: إن وصمة قولهم: القتل أنفى للقتل؛ لعدم وضوح قرينة الحذف، لا لأن الحذف مرجوح بالنسبة إلى الذكر، وفيه أنه لا خفاء في أن المراد: أن القتل أنفى من تركه
[وأما ذكره فلما مر]
(وأما ذكره فلما مر)، ولما لم يقل: فيما مر،
стр. 442
وأما لنحو ذلك صح منه قوله: (أو أن يتعين كونه اسما أو فعلا)، بلا خفاء، وتعين كونه اسما أو فعلا ليس مقصودا لذاته، بل ليصير وسيلة إلى أن يتعين أن القصد إلى الثبوت أو التجدد، وفي المفتاح والإيضاح أو كونه ظرفا فيورث احتمال الثبوت والتجدد، وفيه أنه مع حذف الخبر الظرف- أيضا- الاحتمال متحقق؛ لأن تعين كونه اسما أو فعلا بالذكر، فالحق أن الاحتمال المطلوب من ثمرات حذف المسند الحقيقي، وهو متعلق الخبر الظرف، لا ذكر المسند المجازي، أعني:
الظرف، فإسقاطه أصلح من إثباته، ولك أن تجعل من نكات الذكر أن يتعين كونه مفردا أو جملة، ويرد عليهما أنهما داخلان فيما مر؛ لأن الذكر في الصورتين للاحتياط بضعف التعويل على القرينة، لأن قرينة الحذف تعين المحذوف، فيتعين كونه اسما أو فعلا، أو مفردا، أو جملة، وجعل المفتاح من نكات الذكر الدلالة على قصد التعجيب من المسند إليه، نحو: زيد يقاوم الأسد، عند قيام القرينة على المسند، وأورد عليه المصنف في الإيضاح: أن دلالة على قصد التعجيب منه، إنما هو للمسند سواء ذكر أو حذف لقرينة فإنه إذا علم بالقرينة يفيد قصد التعجيب، كما إذا علم بالذكر، ودفعه الشارح بأن القرينة لا تدل إلا على نفس المسند، لا قصد التعجيب، وقصد التعجيب إنما يستفاد من الذكر المستغني عنه، ولا يخفى أنه ليس بشيء؛ لأنه لا مناسبة للذكر بقصد التعجيب إنما هو يستفاد من نفس المسند، وقال السيد السند في شرح المفتاح: إنه جعل الذكر لقصد التعجيب بذكره، حيث قال: أو للدلالة على قصد التعجيب بذكره؛ لأن التعجيب بذكره أقوى، فإذا قصد الدلالة على هذا التعجيب لا بد من الذكر، وفي كون التعجيب في الذكر أقوى خفاء، ونحن نقول: كأنه أراد أن ذكر المسند عند قيام القرينة على المسند؛ لأن في الذكر خصوصية تفيد التعجيب منه، ولو حذف لا تستفاد تلك الخصوصية، كما إذا قيل: من الشجاع؟
فيجاب: بأن زيدا يقاوم الأسد، فلو قيل: زيد لا يستفاد إلا زيد شجاع ولا تعجيب فيه، فإذا أفيد شجاعته بهذا اللفظ أفاده، ولك أن تجعل النكتة التعجيب نفسه، ومن الدواعي أن ذكر المسند التعجيب بالمسند؛ لأنه على صياغة معجبة قد فاق فيه المتكلم، فالأولى أن يطلق التعجيب، ولا يفيد بقوله:
стр. 443
من المسند إليه ليتناوله.
[وأما إفراده فلكونه غير سبب]
(وأما إفراده) أقول: فلكونه الأصل ولا مقتضى للعدول عنه (فلكونه غير سببي مع عدم إفادة تقوي الحكم) لم يقل: مع عدم إفادة نفس التركيب تقوي الحكم، وفي المفتاح: ولم يكن المقصود من نفس التركيب تقوي الحكم، وقد قيل:
احترز بنفس التركيب عن نحو: إن زيدا قائم، وعرفت، فإن فيه تقوي الحكم عرفت رد بتضمنه الإسناد، لا من نفس التركيب، بل من التكرير، ومن أداة التأكيد؛ لأنه أراد مع عدم إفادة الخبر تقوي الحكم، كما يتبادر من السياق، والسياق، ولا شك أن مناط إفادة التقوي هو الخبر؛ لأن التقوي إنما يحصل بتضمنه الإسناد، أو بتضمنه الإسناد بتكرر الإسناد، وكأنه أراد الإفادة المعتد بها؛ لأنها المتبادرة، وإلا فقد أثبت لزيد قائم تقوي الحكم قريبا من تقوي: زيد قام، فقول الشارح: إنه ليس بمعتد، بل هو قريب من: زيد قام في اعتبار التقوي محل نظر، وإنما لم يقل: مع عدم قصد التقوي، كما يقتضيه عبارة المفتاح؛ لأن عدم القصد علة لعدم الإفادة، وعدم الإفادة الأعم من المقارنة بالقصد، وغيرها؛ ليخرج صورة إيراد الخبر جملة، لقصد التخصيص، نحو: أنا سعيت في حاجتك، ورجل جاءني، وما أنا قلت، فإن فيها إفادة التقوي مع عدم قصد التقوي؛ إذ القصد إلى التخصيص، إلا أنه لزم التقوي من غير قصد ضرورة تكرر الإسناد، ولا يخفى أنه بعيد عن القصد؛ إذ المتبادر من الإفادة والدلالة فيما بينهم ما يقارن القصد، على أنه مع تقييد الإفادة بالمعتد بها؛ لئلا يخرج: زيد قائم، لا مجال لهذا التوجيه، وبالخروج عن العبارة لا ينسد خلل الضابطة لورود قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) لا محالة حتى تعلق الشارح لدفعه بأنه اعتمد على اشتهار أمره، ولو اعتدّ بالاعتماد على اشتهار الأمر، فليعتد بتقرر أن لخبر جملة في صورة قصد التخصيص بتقديم المسند إليه في بحث تقديم المسند إليه، وقد عدل عن عبارة المفتاح، فهي إذا كان فعليا إلى قوله: لكونه غير سببي، ليتناسب الباعثان للإفراد في كونهما عدميين كما تناسب باعثا؛ لكون جملة في كونهما وجوديين؛ ولأن الفعلي شاع في خلاف ما قصده من المنسوب إلى الفعل
стр. 444
المقابل للاسم، فاحترز عن لفظ هو ظاهر خلاف ما قصد به؛ ولأن في الاقتصار على إيراد السبب تسهيلا على المتعلم؛ لاغنائه عن معرفة مفهوم الفعلي، وفيه تعريض بالسكاكي إلى أن تصوير المقصود لم يكن متوقفا على إحداث اصطلاحين لم يكونا في كلام القوم، وكان يكفي اصطلاح السببي.
وقال الشارح المحقق: وجه العدول أن المصنف زعم صدق ما عرف به صاحب المفتاح الفعلي على كل مسند؛ لأنه قد فسره بما يكون مفهومه محكوما به بالثبوت للمسند إليه، أو بالانتفاء عنه، ولا يخفى أن كل مسند كذلك. ضرورة أن الإسناد حكم بثبوت الشيء للشيء أو بنفيه عنه، ولا يخفى أنه لا يوجب العدول عن الفعلي، بل عن تعريفه إلى تعريفه منطبق على ما سوى السببي، إلا أن يقال: لم يتعسر له تحصيل مفهومه، وفيه بعد أنه أشكل عليه توضيح مفهوم السببي وتنقيحه، حتى اكتفى في بيانه بالتمثيل كما ذكره ذلك المحقق، فينبغي: أن يذكر الفعلي ويبينه بالتمثيل هذا، ومما يجب أن ينبه عليه: أن كلام السكاكي في بيان مفهوم السببي غير منقح، وفي مفهوم الفعل منقح لا غبار عليه، ومع ذلك تحير في آراء الفحول، وطال كلامهم فيما لم يفد شيئا من المعقول، والشارح العلامة، والشارح المحقق، والسيد السند قد أجابوا في ميدان اصطياده، وأطالوا، ولم أرض بأن أقتص عليك ما ذكروا، فإنه ليس مما يسمع من القصص، وكيف ينسب إليهم ما لا يليق بشأنهم؟ ولهم في قسمة المعارف أعلى الخصص، ونحن نأتي لك بما يظهر لك معنى الفعلي والسببي، وتضبط به هذه النكتة للإفراد، فأقول: المسند الفعلي- كما ذكره المفتاح- ما يكون مفهومه محكوما بثبوته للمسند إليه، أو بالانتفاء عنه بخلاف السببي، فإن (زيد ضرب) حكم فيه بثبوت الضرب لزيد، و (زيد ما ضرب) حكم فيه بنفي الضرب عنه، بخلاف (زيد ضرب أبوه)، فإنه لم يحكم فيه بثبوت ضرب أبوه لزيد، بل بثبوت أمر يدلك عليه ذلك المذكور، وهو كائن بحيث ضرب أبوه، فالمسند السببي سمي مسندا، لأنه دال على المسند الحقيقي، والمسند السببي: ما أسند فيه شيء إلى ما هو متعلق زيد، وصار ذلك سببا لإسناد كون زيد، بحيث ينطلق أبوه إليه، وعلى هذا يلزم أن يكون منطلق أبوه في: زيد منطلق أبوه مسندا سببيا، ولا يضر
стр. 445
ضابطه الإفراد؛ لأن كون المسند سببيّا، يقتضي كونه جملة؛ لأنه يتبادر من الاسم ربطه إلى ما قبله، بخلاف الجملة والفعل، فيوهم: (زيد منطلق أبوه)، ربطه الانطلاق إلى زيد قبل سماع ما بعده بخلاف: زيد أبوه منطلق، أو انطلق أبوه، فالكون سببيّا يقتضي الجملة، ولا بد معه من نكتة للإفراد، وعلى هذا ليس نحو: زيد مررت به، وزيد كسرت سرج فرس غلامه فعليّا ولا سببيّا، وإن جعله الشارح المحقق سببيّا؛ لأن تعريف المفتاح للسببي صريح في أنه ليس سببيّا، ويخرج بقول المفتاح؛ لكونه فعليّا، ويدخل في قول المصنف؛ لكونه غير سببي، فالعدول مفسد.
فإن قلت: ما حققته، وإن كان كلاما محصلا منقحا لكن يخالف ما ذكره المفتاح؛ لأنه قال: ويكون المسند جملة إذا كان سببيّا، وهو أن يكون مفهومه مع الحكم عليه بالثبوت لما هو مبني عليه، أو بالانتفاء عنه مطلوب التعليق بغير ما هو مبني عليه تعليق إثبات له بنوع ما، كقولك: زيد أبوه انطلق، أو منطلق، أو يكون المسند فعلا يستدعي الإسناد إلى ما بعده بالإثبات، أو بالنفي، فيطلق تعليقه على ما قبله بنوع إثبات أو نفي عنه بنوع ما، أو نفي لكون ما بعده تسبب مما قبله، نحو: عمرو ضرب أخوه، لا سببيّا متصلا بالفعل، نحو: زيد ضارب أخوه، أو مضروب، أو كريم، لسرّ نطلعك عليه. هذا كلامه. وقد صرح بكون زيد منطلق أبوه غير داخل في المسند السببي، قلت: قدمنا لك أن كلامه في بيان السببي غير منقح، وهو كما ترى في غاية التعقيد، وقد صرح في قسم النحو أن: زيد الكريم أبوه، نعت سببي، ومن الواضح أن الفرق بين النعت والخبر في ذلك بعيد عن الاعتبار، وإذا انحصر السببي في الجملة فلا تصير السببية نكتة لاختيار الجملة؛ لأنه ما لم يترجح زيد أبوه منطلق على زيد منطلق أبوه، لا يتأتى للبليغ إيراده بمجرد كونه سببيّا، وإلا لكان مآل التعليل أن إيراده جملة، لكونه جملة مخصوصة، فينبغي أن يكون السببي أعم من الجملة، وتكون السببية مقتضية للجملة، فلا بد من تأويل كلامه، فنحن نأوله بأنه عرف الجملة السببية، لا مطلق السببي، ولذا قال: لا سببيّا متصلا بالفعل ... إلخ.
والسر الذي نطلعك عليه: أن اسم الفاعل لكونه بمنزلة خارج الضمير، لا
стр. 446
يكون مع فاعله جملة، وليس قوله: لا سببيّا متصلا بالفعل؛ لإخراج المتصل بالفعل عن المسند السببي، كما توهمه السيد السند، وقال: إنما أخرجه عن المسند السببي؛ ليصلح كون المسند سببيّا لنكتة الإيراد جملة، فإنك عرفت: أن حصر السببي في الجملة يخرج السببية عن صلاحية كونها نكتة لإيراد المسند جملة، ولا ينبغي أن يتوهم أنه يصلحها لذلك، وبالجملة يرد على السكاكي خروج نحو:
زيد ما ينطلق أبوه عن المسند السببي أو عن الجملة السببية، مع أنه جملة سببية، لا نكتة لإيرادها جملة سوى كونها سببية، إلا أن يتكلف، ويقال: المراد بالفعل أعم من الفعل حقيقة أو حكما، واسم الفاعل بعد النفي والاستفهام في حكم الفعل، ولذا صار مع مرفوعه جملة.
ومما أورده السيد السند على السكاكي: أنه ليس زيد منطلق أبوه فعليّا عنده، فيلزم خروجه عن ضابطة الإفراد، وهو ليس بشيء؛ لأن السكاكي لم يذكر ضابطة للإفراد، لا يخرج عنه إفراد، بل ذكر نكتة للإفراد يستدعي الإفراد، ولا عليه أن لا يتعرض لنكتة يستدعي إفراد منطلق في زيد منطلق أبوه، وبما حققناه لك صرت ممن لا يشتبه عليه أن هذا المثال ليس مسندا فعليّا، وإن ادعاه الشارح العلامة، واستدل عليه بأن: المسند فيه منطلق وحده؛ لأن اسم الفاعل مع فاعله ليس بجملة، فالمحكوم به هنا مفرد؛ لأن دعواه مما لا يلتفت إليه بعد تحقق الحق، لا لما قال الشارح المحقق: إن هذا خبط ظاهر؛ لأن اللازم مما ذكر أن لا يكون (منطلق أبوه) جملة، ولم يلزم أن يكون المسند هو منطلق وحده؛ لعدم استلزام الإفراد ذلك؛ لأن الإفراد بمعنى يقابل الكون جملة، لا الكون مركبا، وهل هذا إلا غلط من اشتراك اللفظ؟ لأن ما ذكره خبط مبين على قلة التأمل، وعدم التثبت الحافظ عن التزلزل؛ إذ منقح استدلاله: أن عدم كون اسم الفاعل جملة يجعله بمنزلة الخالي عن الضمير، وإلحاقه بالجامد، كما صرح به السكاكي، وهذا يوجب إلحاق فاعله بالعدم، واعتباره وحده، فلا فرق في الاعتبار بين: زيد منطلق، وبين: زيد منطلق أبوه، فكما أن الأول مسند فعلي عنده، فكذلك الثاني.
(والمراد بالسببي، نحو: زيد أبوه منطلق) أي: لا منطلق، كما هو ظاهر
стр. 447
عبارة السكاكي؛ لأنه بعيد عن الاعتبار؛ إذ ليس منطلق مسند زيد حتى يجعل مسندا سببيّا، بل هو مسند الأب، وهو ليس مسندا سببيّا له، واختار في التمثيل: أبوه منطلق دون انطلق أبوه؛ لأن كمال مشاركة أبوه منطلق مع منطلق أبوه في المعنى يوهم أنه: كمنطلق أبوه ليس مسندا سببيّا فهو أحق بالتوضيح، وهذا مبني على زعم أن «زيد» منطلق أبوه ليس سببيّا، وقد عرفت ما هو الحق فلا يتجاوزه، وبعضهم بناء على اشتهار هذا الظن، ومتابعته له صرف كلام السكاكي عن ظاهره، ولم يجعل قوله: أو أن يكون المسند فعلا، فتتمة لتعريف المسند السببي، بل جعله نكتة أخرى لكون المسند جملة، وجعله عطفا على قوله: إذا كان المسند سببيّا إذ لو لم يصرف لزم جعل منطلق أبوه غير سببي، وانطلق أبوه سببيّا، وهذا تحكم لا يرضى به عاقل، فضلا عن السكاكي، والشارح المحقق حكم بأنه سهو، لا يخفى على من له معرفة بمساق الكلام؛ إذ لا وجه حينئذ لتغيير إذا كان بقوله، أو أن يكون مع أنه يوجب الالتباس، ولهذا القائل أن يقول: كلام المفتاح مشحون بالتعقيد، فلا مبالاة لارتكاب الوجه البعيد إذا كان هو المفيد للمعنى السديد، نعم، لو دفع التحكم لحق القول بأنه التوهم.
ومما يعجب أنه قال السيد السند: إنه لو كان مراد المفتاح ما ذكره لاحتاج في ضابطة أفراد المسند إلى قيد ثالث يخرج به، نحو: انطلق أبوه، في: زيد انطلق أبوه؛ لأن المسند هاهنا ليس فعليّا، كما تحققه، وليس المقصود من نفس التركيب تقوى الحكم، فلا بد من إخراجه بقيد آخر، وكيف لا وقد خرج انطلق أبوه عن ضابطة الإفراد بقوله: لكونه فعليّا، نعم، يحتاج المصنف إلى قيد آخر، ولا يضر شارح عبارة المفتاح احتياج المصنف.
[وأما كونه فعلا فللتقييد بأحد الأزمنة الثلاثة]
(وأما كونه) ظاهر الضمير رجوعه إلى المسند، والأولى رجوعه إلى المسند المفرد؛ لأن الفعل والاسم من أقسامه، كما أن الجملة الاسمية والفعلية من أقسام الجملة، وقد قال: واسميتها وفعليتها، أي: الجملة، ولم يقل: واسميته وفعليته، أي: المسند فيما بعد (فعلا فللتقييد) أي: لتقييد طرف الإسناد، كما هو المشهور، وإن كان للتأمل فيه مجال؛ إذ يحتمل أن يكون بالزمان قيد النسبة، فإنه لا يتفاوت بيان الواقع بتقييد الإسناد، وبعيد الحدث والمصداق واحد،
стр. 448
والتفاوت في النظر والملاحظة، وكان الوجه أن يساعد تقييد النسبة، وكأنه دعاهم إلى جعله قيد الحدث: أن العدول من المصدر إلى الفعل لتقييد المصدر، فكما أن نسبة المفادة بهيئة الفعل قيد له، يناسب أن يكون الزمان- أيضا- قيدا له، ولقد وقع عبارة المصنف على وفق المصلحة، حيث لم يقيد التقييد (بأحد الأزمنة الثلاثة) وإنما لم يفصلها؛ لاشتهارها، وهي الماضي، والحال، والمستقبل على صيغة اسم الفاعل، كالماضي، أو اسم المفعول، وكلاهما المنقول الموافق للمعقول؛ لأن الزمان يستقبلك كما تستقبله، ومفهومات الثلاثة بديهة يعرفها كل واحد، وأوضحها المفتاح بقوله: والمراد: بالزمان الماضي: ما وجد قبل زمانك الذي أنت فيه، وبالمستقبل: ما يترقب وجوده، وبزمان الحال: أجزاء من الطرفين يعقب بعضها بعضا من غير فرط مهلة وتراخ، والحاكم في ذلك هو العرف لا غير هذا، وأراد بقوله: والحاكم بذلك: أن الحاكم بذلك البيان: هو العرف، فالعرف تعين الزمان الذي أنت فيه، وما هو قبله، وما هو بعده، وعدم فرط المهلة والتراخي، وتخصيصه بعدم فرط المهلة والتراخي، كما فعله السيد السند مما لا سند له، والمناقشة بأن في ذلك البيان: جعل الزمان الماضي في زمان قبل زمانك، فيلزم أن يكون للزمان زمان، وأن ترقب الشيء إنما يكون لشيء بعد زمان الترقب، فيلزم أن يكون لزمان المستقبل زمان، فمناقشة في تعريف هو للتنبيه على أنها واهية؛ إذ المراد بقبل مجرد التقديم، وبالترقب مجرد التأخير، كما لا يخفى، ولم يكتف بكون زمان الحال زمانا أنت فيه، وقال في بيانه: أجزاء من الطرفين، تنبيها على تحقيق حقيقة الزمان، وأن أجزاءه لا تجتمع، فبعض أجزاء الحال منتقض كالماضي، وبعضها مترقب كالمستقبل، ولولا العرف لم يكن لك زمان حال، والشارح عين الزمان الذي أنت فيه بزمان تكلمك، ولم يزد هذا البيان إلا تضييق دائرة الحال؛ إذ الحال لا يخص زمان التكلم، بل ربما يكون زمان فعل من أفعال أخر، ولما كان شأن البديهي أن لا يزيد التكلم فيه إلا التزلزل، رأينا صرف العنان عن كثير من الخواطر (على أخصر وجه) (١) احترز به عن، نحو: كان زيد منطلقا، وينبغي أن يؤخر عن
стр. 449
قوله: (مع إفادة التجدد) (١) ليتعلق بإفادة التجدد، والتقييد على سبيل التنازع؛ إذ يمكن كل منهما بالاسم بضميمة القرينة، فترجيح الفعل بكل منهما على الاسم لا يتأتى، إلا لقصد الاختصار، فإن قلت: لا يرجح ذلك الفعل المضارع على الاسم؛ لأن تقييده بأحد الأزمنة يتوقف على القرينة لاشتراكه.
قلت: يحصل التقييد بدون القرينة بأحد الأزمنة بمقتضى الوضع لا محالة، وإنما يحتاج إلى القرينة لتعيين المراد، فإن قلت: فما الفائدة في الإيراد فعلا؟ ولا مندوحة عن القرينة إلا أن القرينة هنا لتعيين المراد، وفي الاسم للتقييد. قلت:
فائدته التدرج في التعيين، وذلك موجب لمزيد التقرر، بقي أنه لا يظهر منافاة التقييد بالقرينة العقلية. التقيد على أخصر وجه، إذ القرينة العقلية لم تعد من وموجبات الإطناب، وكيف لا وإيجاز الحذف لا يعقل بدون القرينة؟
فالصواب: فللتقييد بنفس المسند بأحد الأزمنة الثلاثة، وإنما يفيد الفعل التجدد؛ لأنه اعتبر في جعل الزمان جزء مفهومه: أن يكون الحدث حادثا بحدوثه، لأن الزمان المقارن بالحدث يوزن بذلك، فلم يهملوا في جعل الزمان جزءا لمفهوم الفعل هذا الإيذان، لا لأن مقارنة الزمان يستدعي الحدوث؛ إذ الصفات القديمة كلها مقارنة للزمان، ولهذا صح وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (٢) فاستعمال الفعل في الأمور الثابتة، كعلم الله، ويعلم، مجاز، ووضع الفعل لمقارنة الحدث الزمان على وجه الحدوث كحدوثه، فالمراد بالتجدد: الحدوث، وأما التجدد بمعنى حدوثه شيئا فشيئا، كالزمان، وكثيرا ما يقصد بصيغة المضارع، فهو ليس معتبرا في مفهوم الفعل، وإنما يفهم من خصوص الحدث أو اقتضاء المقام. قال الشارح المحقق: أفاده الفعل التجدد؛ لأن التجدد من لوازم الزمان الذي هو جزء مفهوم الفعل، وتجدد الجزء يستلزم تجدد الكل، وأورد عليه السيد السند: أن التجدد الذي قصد بإيراد الفعل ليس تجدد الكل، بل تجدد
стр. 450
الحدث، ولا يلزم من تجدد الكل تجدد كل جزء حتى يلزم ذلك؛ لأنه في علم الله مجموع المعنى متجدد لدخول الزمان في مفهومه، وليس العلم متجددا، ويمكن دفعه بأن مراده: أن تجدد جزء مفهوم اللفظ بحسب عرف الوضع يقتضي تجدد كل جزء، فيكون ما ذكره مجمل ما ذكرناه مفصلا على طبق ما فصله السيد السند.
ومما ينبغي أن ينبه عليه: أن هذه النكتة إنما ترجح الفعل على الاسم فيما إذا لم يكن للفعل اسم يرادفه، وأما ما بعده وأمهل وأمثالهما فلا ترجح بهذه النكتة على الاسم؛ لأنه يغني هيهات ورويد وأمثالهما غناءهما، إلا أن يقال هذه الأسماء النحوية معدودة في هذا الفن في عداد الأفعال، يرشدك ما سيأتي من جعل رويد زيدا من أمثلة الأمر، ومن الدواعي إلى جعل المسند فعلا إنشاء المدح، أو الذم، أو التعجب، أو الدنو؛ لأن الموضوع لها أفعال (كقوله) أي: قول ظريف بن تميم العنبري (أو كلما) أي: كلما جئت عكاظ، وكلما (وردت عكاظ) متشوق للعرب كانوا يجتمعون فيه فيتناشدون ويتفاخرون، وكان يقع فيه الوقائع (قبيلة بعثوا إلى عريفهم يتوسم) (١)، أي: يتفرس الوجوه ويتأملها لحدث منه ذلك التوسم شيئا فشيئا، ويصدر منه النظر لحظة فلحظة يعني: أن لكل قبلة على جناية فمتى وردوا عكاظ طلبني الكافل بأمرهم، ولا يخفى أن هذا المثال يستدعي: أن يراد بالتجدد التقصي شيئا فشيئا، على طبق الزمان لا مجرد الحدوث، لكن الغالب في الفعل قصد الأول، فهو النكتة الشائعة، ولذا حملنا عبارته عليه؛ لأنه الأنسب بالتعرض والبيان، وأيضا قوله: وأما كونه أسماء، فلإفادة عدمهما يقتضي إرادة التجدد بهذا المعنى إرادة عدم التجدد بمعنى التقصي شيئا فشيئا، لا يقتضي إيراد الاسم، فالمثال لا يطابق الممثل، وهذا الخبط إنما وقع من المصنف، والمفتاح لم يمثل بما هو صريح في قصد التجدد بهذا المعنى، ومما يقتضي كونه فعلا: أن المقام مقام طلب الفعل، نحو: ضرب، أو الترك، نحو:
لا تضرب، أو أنه لا بد من إدخال حرف الشرط على المسند، أو التخصيص،
стр. 451
أو الاستفهام، أو النفي، أو ما يتضمن الاستفهام، أو الشرط، فاحفظه، فإنه من البدائع.
[وأما كونه اسما فلإفادة عدمهما]
(وأما كونه)، أي: كون المسند المفرد (اسما فلإفادة عدمهما) (١) الظاهر أنه راجع إلى التقييد، وإفادة التجدد، لكنه ظاهر الفساد؛ إذ عدم التقييد، وعدم الإفادة لا يكون مقصودا بالإفادة للبليغ، بل المقصود عدم التقييد، وعدم التجدد، فينبغي أن يجعل الضمير عنهما، وقد صرح المصنف في الإيضاح بالثاني، حيث قال: وأما كونه اسما فلإفادة عدم التقييد المذكور والتجدد بقول الشارح المحقق، أي: عدم التقييد المذكور، وإفادة التجدد ليس كما ينبغي، ومما يقتضي الاسم إفادتهما لا على أخصر وجه؛ لأن المقام مقام الإطناب، كما يقول: زيد قائم فيما مضى أو فيما يستقبل، والنكتة العامة لكونه اسما عدم التقييد وعدم إفادة التجدد على أخصر وجه، فربما يجعل عدمهما ذريعة إلى عدم التقييد والتجدد بمعونة القرائن، وربما يكتفي بمطلق الثبوت، فالأولى ما ذكره المفتاح من قوله وأما الحالة المقتضية لكونه اسما فهي إذا لم يكن المراد إفادة التجدد والاختصاص بأحد الأزمنة وإفادة الفعل لأغراض يتعلق بذلك، والاختصار المنطبق له، وإما كونه اسما فلعدمهما، أي: لعدم التقييد وإفادة التجدد على أخصر وجه سواء انتفى التقييد أو ثبت لا على أخصر وجه وأما اعتراض الشارح المحقق عليه بأنه يخالف ما حققه الشارح من أن الاسم لا يدل على أكثر من ثبوت شيء لشيء، وكما لا يدل على زمان لا يدل على الدوام، فتدفع بأن المصنف لم يقصد أن الاسم بنفي التقييد والتجدد، بل قصد أن الداعي إليه المقصود عدم التقييد والتجدد، والفعل ينافيه والاسم يجامعه، فيصح ذلك الإفادة مع الاسم بمعونة القرائن، ولا يصح مع الفعل هذا.
فإن قلت: هل يصح إفادة عدم التجدد والحدوث باسم الفاعل كما دل عليه قوله: (كقوله:
стр. 452
لا يألف الدّرهم المضروب صرّتنا ... لكن يمرّ عليها وهو منطلق) (١)
وقد ذكر ابن الحاجب في تعريف اسم الفاعل: ما اشتق من فعل لمن قام به بمعنى الحدوث. قلت: هذا مبني على عدم الالتفات إلى ما ذكره ابن الحاجب، وترجيح الاسم ما يستفاد من المفتاح بأن (زيد عالم) يستفاد منه الثبوت صريحا بناء على أن الاسم صفة كان، أو غير صفة لدلالة على الثبوت، وتأييده بما ذكره الشيخ عبد القاهر، ويجعل الميداني: الصفة المشبهة، واسم الفاعل في عداد واحد، وسمي الجميع اسم الفاعل، لكن حسنه يشكل، وذلك بما قالوا: أنه يقال: حاسن لمن حدث حسنه، وحسن لمن ثبت حسنه، ويؤول بأنهم أرادوا:
أن اسم الفاعل لما كان جاريا على لفظ الفعل، جاز أن يقصد به الحدوث بمعونة القرينة، بخلاف الصفة المشبهة، فيقصد به وضعا مطلق الثبوت، وبمعونة القرينة الدوام، ولا يقصد الحدوث أصلا، واعلم أن في إضافة الصرة إلى ضمير المتكلم مع الغير نكتة دقيقة، وهي أن صرته مشتركة بينه وبين غيره، والمشهور نصب صرتنا على أنه مفعول لا يألف، والأحسن نصب الدرهم المضروب؛ ليكون عدم الألفة من جانب صرته، ولو اكتفى في التمثيل لكونه المسند فعلا واسما بهذا مثال لكفاه؛ لأن يمر عليها، كيتوهم، ولا يخفى أن قوله: وهو منطلق حال دائمة.
[وأما تقييد الفعل بمفعول ونحوه وأما تركه فللمانع منهما]
(وأما تقييد الفعل) يريد به المعنى المصدري، أو الفعل، وجعل ذكره لكونه أصلا بمنزلة ذكر شبه الفعل- أيضا- كما هو عادة أئمة العربية (بمفعول) أراد به أحد المفاعيل الخمسة (ونحوه) أراد به الحال والتمييز دون المستثنى؛ لأنه إما مستثنى من الفاعل، فهو من تتمته، أو من المفعول به أو من غيره من المفاعيل أو الحال، فالحال كذلك فلا معنى لتقييد الفعل به، وإن ذكره الشارح المحقق، ولك أن تجعل: ونحوه مرفوعا معطوفا على تقييد الفعل، وتريد به نحو تقييد الفعلي بمفعول من تقييد الشبه، والتقييد بغير المفعول، ثم في كون التقييد بالمفعول به لتربية الفائدة نظر، بل يتوقف فهم الفعل المتعدي عليه كتوقفه على
стр. 453
الفاعل، وعدم تقييده يحوج إلى إخراجه عن مقتضى وضعه، ثم المراد بالمفعول ما لم يقم مقام الفاعل؛ إذ التقييد بما قام مقامه لأصل الفائدة، لا للتربية، ولا يخفى أن التقييد بمفعول لا يشمل ذكر المفعول المطلق للتأكيد إلا أن يتكلف في التقييد بما يعم صورة التقييد.
(فلتربية الفائدة) (١) وتقويتها؛ لأن ازدياد التقييد يوجب ازدياد الخصوص، وهو يوجب ازدياد البعد الموجب لقوة الفائدة، كذا ذكره الشارح المحقق، وهو لا يشمل المفعول المطلق للتأكيد، والمراد لداع إلى تربية الفائدة ليلائم قوله، وأما تركه فلمانع منها، ولا يخفى أن بحث تقييد المسند بمفعول ونحوه من مباحث متعلقات الفعل والبحث عنه هنا من قبيل وضع الشيء في غير محله، وأن تقييد المسند لا ينحصر في تقييد الفعل، بل منه هذا غلام رجل وغلام عاقل، وأن في رفع نحوه رفعه، فاغتنمه، ولا تحرم نفعه، ولما كان يتوهم أن الأفعال الناقصة وفروعها مقيدات بشبه المفعول من أخبارها، ويتحير في تربية الفائدة فيها، إذ لا فائدة لكان مع فاعلها؛ بل الفائدة في خبرها واسمها والتربية في ضم كان، نبه على حقيقة الأمر ورفع به التوهم فقال (والمقيد في، نحو:
كان زيد منطلقا هو منطلقا) أي: نحو منطلقا (لا كان) أي: نحو: كان وفيه نظر؛ لأنه ليس فيه تقييد المسند، بل النسبة؛ لأن الزمان المفاد من كان قيد النسبة المفهومة منه، لا قيد الانطلاق بلا ريبة، ولم يدخل في نحو: كان زيد منطلقا، كون زيد منطلقا، ولا زيد كائن منطلقا؛ إذ لا تقييد فيه، بل لا يدل الكون والكائن الأعلى أصل النسبة بخلاف أخوات كان، فإن في فروعها تقييدا لا محالة؛ لأن في الأخوات تقييدين تقييد بالزمان وتقييد الخصوص للنسبة تضمنية مصادرها، والفروع لم يفتها إلا الزمان، وجعل التقييد دائرا على كون كان بمنزلة الظرف، كما فعله الشارح، واختاره السيد السند لا ينفى بفروع هذه الأفعال، ولا يذهب عليك أن التقييد مكان لا يخص الفعل والمشتقات والمصادر، بل
стр. 454
يشمل الجوامد، نحو: كان زيد إنسانا، ورفع نحو ينفعك في هذا المقام أيضا.
(وأما تركه) أي: ترك تقييد الفعل بمفعول، ونحوه (فلمانع منها) أي: من التربية جعل انتفاء المقتضي- أيضا- من المانع، ويعلم من بيان ترك تقييد الفعل ترك تقييد الخبر بكان وأخواتها، كما علم من بيان فائدة تقييد الفعل فائدة تقييد خبر كان بكان. قال الشارح: كعدم العلم بالمقيدات، أو عدم الاحتياج إليها، لظهور انحسار المطلق في المقيد، أو لعدم تعلق عرض بالقيد، أو لعلم السامع بالقيد، فإذا قلت: فما فائدة الإخبار؛ لأن المطلق- أيضا- معلوم حين معرفة القيد، قلنا: يمكن أن يعرف المخاطب: أن جاء رجل في هذا الوقت، ولا يعرف: أنه زيد، فإن قلت: جاء زيد يعرف مجيء زيد في هذا الوقت مستغنيا عن بيان القيد، ثم قال: أو خوف انقضاء الفرصة، أو عدم إرادة أن يطلع السامع، أو غيره، يعني: بإخبار السامع إياه، أو خوف أن يتصور المخاطب: أن المتكلم مكثار، يعني: أن يصدق بذلك، وإلا فتصور كونه مكثارا لا يضر، وضرر التصديق به أن يتنفر منه، ولا يصغى إلى كلامه أو قادر على التكلم، فيتولد منه عداوة وما أشبه ذلك.
[وأما تقييده بالشرط]
(وأما تقييده) (١)، أي: الفعل وما يشببه (بالشرط) نحو: إن تكرمني أكرمك، وإن تضربني، فأنا ضارب، وفيه: أن التقييد في قولك: إن كان زيد أبا لعمرو فأنا أخ له، وليس للفعل، ولا شبهه، بل للنسبة، فالشرط قيد للجزاء لا لمسنده، وبالجملة جعل الشرط قيدا تقتضي أن يكون الكلام التام هو الجزاء ويكون الشرط قيدا له، إما بمجموعه، أو لمسنده، وهو المنطلق لجعل الإسناد إليه من خواص الاسم، ولحصر الكلام في المركب من اسمين أو فعل واسم، إلا أنه يخالف ما ذهب إليه الميزانيون: أن كلا من الشرط والجزاء خرج عن التمام بدخول أداة الشرط على جملتين، والجزاء محكوم به والشرط محكوم عليه، والنسبة المحكوم بها بينهما، وليس شيئا من نسبتي الشرط والجزاء.
قال السيد السند: ليس كون الشرط قيد الجزاء إلا ما ذكره السكاكي، وفي
стр. 455
كلام النحاة برمتهم، حيث قالوا: كلم المجازاة تدل على سببية الأول، ومسببية الثاني إشارة إلى أن المقصود هو الارتباط بين الشرط والجزاء، فينبغي أن يحفظ هذه الإشارة، ويجعل مذهب عامتهم ما يوافق الميزانيين، وكيف لا؟ ولو كان الحكم في الجزاء لكان كثير من الشرطيات المقبولة في العرف كواذب، وهو ما لا يتحقق شرطه، فيكون قولك: إن جئتني أكرمك كاذبا إذا لم يجئ المخاطب، مع أنه لا يكذبه العرف، وذلك لأن انتفاء قيد الحكم يوجب كذبه، وفيه ما عرفت من أنه لا يخص السكاكي؛ لأن حصر الكلام في القسمين المذكورين يقتضيه اقتضاء بينا، وجعل الإسناد إليه من خواص الاسم ظاهر فيه، ولا يلزم كذب القضايا التي شروطها غير متحققة؛ لأنه يجوز أن يكون المراد بالجزاء في قولك: إن جئتني أكرمك: أني بحيث أكرمك على تقدير مجيئك، وفي قولك: إن كان زيد حمارا فهو حيوان، أنه كائن بحيث يكون حيوانا على تقدير الحمارية، وفي قولك:
إن كان الآن طلوع الشمس، كان النهار موجودا أنه يكون النهار بحيث يتصف بالوجود على تقدير طلوع الشمس الآن، وعلى هذا القياس.
وإشارة قولهم المجازاة تدل على سببية الأول ومسببية الثاني إلى أن المقصود الارتباط بينهما غير سديد، بل هو كقولهم: في للظرفية، أي: لظرفية مجرورة لغيره، وله نظائر لا تحصى، ولم يقصد بشيء أن المقصود الارتباط بينهما، فإن قلت: إذا دار الأمر بين ما قال الميزانيون وبين ما قاله النحويون، فهل يعتبر كل منهما مسلكا لأهل البلاغة أو يجعل الراجح مسلكا؟ وأيهما أرجح؟ قلت: الأرجح تقليل المسلك تسهيلا على أهل التخاطب والاصطلاح، ولعل الأرجح ما اختاره النحاة، لئلا يخرج الجزاء عن مقتضاه، كما خرج الشرط؛ إذ مقتضى التركيب أن يكون كلاما تامّا، وأيضا هو أقرب بالضبط؛ إذ فيه تقليل أقسام الكلام، ولو اعتبره الميزانيون كما اعتبره النجاة؛ لاستغنوا عن كثير من مباحث القضايا والأقيسة، فكن حافظا لهذه المباحث النفيسة.
ومثل الشارح المحقق للتقييد بالشرط بقوله: أكرمك إن تكرمني، وإن تكرمني أكرمك، ولم يقصد بذلك: أن التقييد كما يكون للجزاء المذكور يكون للمحذوف؛ لأن النحاة جعلوا: أكرمك إن تكرمني محذوف الجزاء لعدم صحة
стр. 456
تقديم الجزاء على الشرط، بل قصد أن الشرط كما يكون قيدا للجزاء المتقدم يكون قيدا للجزاء المتأخر، فإن علماء المعاني لا يجعلون المتقدم على الشرط دالا على الجزاء، بل يجعلونه نفس الجزاء كما صرح به الشارح نفسه في بحث الإيجاز والإطناب والمساواة، وقال: حذف جزاء الشرط في مثل هذا التركيب لحذف المستثنى منه في المستثنى المفرغ له لرعاية أمر لفظي، لا يعتبره علماء هذا الفن، فإن قلت: لو جعل أكرمك إن تكرمني، من تقديم الجزاء على الشرط كان فيه مخالفة القانون النحوي المشهور، فلا يكون بليغا لانتفاء الفصاحة، قلت: لا شبهة في قوة هذه الشبهة، ولا يندفع إلا لتخصيص قولهم: مخالفة قانون النحوي المشهور بقانون لم يدع إليه أمر لفظي، ثم كون الشرط قيدا للجزاء بينه الشارح المحقق: بأن قولك: إن جئتني أكرمتك، بمعنى أكرمك وقت مجيئك، وليس كذلك بأنه قيد للجزاء؛ لأنه بمنزلة أكرمك على تقدير مجيئك، وكيف ولو لم يكن كذلك لكان إذا جئتني أكرمك من التقييد بالظرف لا بالشرط؟ لأن إذا ظرف مصرح، وله حيثيتان ظرفية، وتعليق، فباعتبار الظرفية تقييد بمفعول ونحوه، وباعتبار التعليق تقييد بالشرط، ومن مرجحات اعتبار النحوي أنه على مذهبهم لا يحتاج قولهم: إن تكرمني، فأكرم زيدا إلى تأويل؛ لأنه إما لطلب إكرام مقيد بتقدير إكرام، وإما لتقييد طلب الإكرام بتقدير إكرام على إطلاق اختلاف بين الشافعية والحنفية، وعلى مذهب الميزانيين لا بد من تأويل الإنشاء بالخبر لتمكن الحكم بين الشرط والجزاء.
(فلاعتبارات لا تعرف إلا بمعرفة ما بين أدواته من التفصيل) أي بما ذكر مفصلا (وقد بين ذلك) التفصيل (في علم النحو) (١)، والأولى: الاقتصار على قوله: من التفصيل في علم النحو، وفيه تعريض للسكاكي بأنه أتى بتطويل، حيث أتى بتفصيل في علم النحو، وإشارة إلى وجه إسقاطه تفصيله، واختار أدواته ليشمل الحروف والاسماء، ولا يخفى أن الحوالة إلى علم النحو إنما تصح لو كفى معرفة ما بين أدواته في معرفة الاعتبارات، وما ذكره لا يفيد إلا توقف
стр. 457
معرفة الاعتبارات على معرفة التفصيل، ولا يفيد معرفتها بمعرفته، فالأولى فلاعتبارات يعرف بمعرفة ما بين أدواته من التفصيل، ولا يذهب عليك: أن التقييد بمفعول ونحوه- أيضا- لاعتبارات لا تعرف إلا بمعرفة ما بين المفاعيل، وما بين أشباهها من التفاوت وقد فصل في النحو، ولا اختصاص لما ذكره بالشرط، وقد عرفت وجه التخصيص إن كنت ذا تنبه في سماع ما ألقى إليك.
(ولكن لا بد هاهنا من النظر في (إن وإذا ولو)) لأن لها اعتبارات، لا نفي معرفة التفاوت تنبيها على ما فصل في النحو بمعرفة تلك الاعتبارات والتفاوت بين إذا وأن لا ينفيها قول النحاة: إن إذا تتضمن معنى إن: لأنهم لم يقصدوا إلا تضمنه أصل معنى أن دون خصوصياته، ولا بد من النظر في ما ومن- أيضا- لأن أحدهما للعاقل، والآخر لغير العاقل، وفي استعمال أحدهما مقام الآخر اعتبارات لطيفة محتاجة إلى البيان، وتقديم (إن) على إذا، مع أن مفهومه عدمي، ومفهوم إذا وجودي؛ لأنه الأصل في الشرط (فإن وإذا للشرط) أي:
لتعليق أمر بغيره في الاستقبال (١) (لكن أصل إن عدم الجزم) من المتكلم، بل عدم التصديق لقول النحاة إنها تستعمل للمعاني المحتملة المشكوكة (بوقوع الشرط) أو لا وقوعه، إذ الشرط قد يكون سلبا (وأصل إذا الجزم) فاستعمال (إن) في عدم الجزم، واستعمال إذا في الجزم على الأصل لا يستدعي نكتة سوى اعتبار كون ذلك الأصل، وإذا عرفت أن المراد بالجزم التصديق، ونظيره ما في تعريف القضية بالقول الجازم الموضوع للتصديق والتكذيب، فإن الجزم فيه بمعنى التصديق، وذكر وقوع الشرط، لا بخصوصه لظهور أن الشرط ربما يكون سلبا فلا يرد أن بيانه لا يشمل ما إذا كان الشرط سالبا، وأنه لا يفيد أنه ليس الظن موقعا لأن، وأنه موقع لإذا، نعم، في عبارته إغلاق ما، فإن قلت: كما أن الأصل (إن) عدم الجزم (بوقوع الشرط) أولا وقوعه، كذلك الأصل فيه عدم الجزم بنقيض الشرط، فلم لم يتعرض له؟ قلت: لأنه لم يذكر فيه إلا ما عدل فيه من عدم الجزم بالوقوع أو عن عدم الجزم باللاوقوع، ولم يذكر ما عدل فيه عن عدم الجزم بنقيض الشرط، وقال الشارح المحقق؛ لأنه بصدد الفرق بين «إن وإذا»
стр. 458
وعدم الجزم بالنقيض مشترك بينهما، وفيه بحث؛ لأن عدم الجزم بالنقيض في «إن» بمعنى الشك فيه وعدم الجزم بالنقيض في إذا بمعنى الإنكار، فلا اشتراك، بل الفرق باعتباره أيضا قائم، وما سوى إذا من أسماء الشرط لم يفارق إن، فلذا خص الفرق بإن وإذا، لم يتعرض لما سواهما. قال الرضى في بحث المجازاة، وجب إبهام كلمات الشرط، لأنها كلها تجزم لتضمنها معنى إن التي هي للإبهام، فلا يستعمل في الأمر المتيقن المقطوع به، لأنه لا يقال: إن غربت الشمس أو طلعت، فجعل العموم في أسماء الشرط كاحتمال الوجود والعدم في الشرط الواقع بعد «إن» لأنه نوع عموم أيضا، والشرط بعد هذه الأسماء كالشرط بعد «إن» في احتمال الوجود والعدم هذا.
(ولذلك) المذكور من الأمرين، وهو كون الأصل في «إن» عدم الجزم بوقوع الشرط، والأصل في «إذا» الجزم (كان) أي صار الحكم (النادر موقعا) أما تميزه، فيكون بمعنى النادر الوقوع، وحينئذ قوله (لأن) متعلق بكان، وأما خبر لكان، أي: كان الحكم النادر محل وقوع أن، والمراد بكونه؛ لأن حقيقة وتجوزا، فإنه لندرته، إما مشكوك؛ فيكون موقع إن حقيقة، وإما مجزوم به، فهو لكونه ملحقا بالمشكوك موقع؛ لأن لا يقال: كيف يكون النادر موقعا؛ لإن حقيقة؟
والندرة ترجح جانب العدم، لأنا نقول: المراد بالنادر أعم من النادر المطلق، والنادر بالنسبة كما يدل عليه ما سيأتي.
(وغلب) إما من التغليب أو الغلبة (لفظ الماضي) أي: اللفظ الدال بالوضع على الزمان الماضي، سواء كان الفعل الماضي أو المضارع، مع لم، ولذا قال: لفظ الماضي، ولم يقل الماضي؛ لئلا يتبادر منه الفعل الماضي، فإن قلت:
عرف الفعل الماضي بما فسرت به لفظ الماضي، فلا يترجح على الماضي، قلت:
أردت بالوضع أعم من الوضع التركيبي، فكان شاملا للم يضرب؟ والمعتبر في التعريف الوضع الإفرادي، فخرج عنه: لم يضرب (مع إذا) لأنه أنسب بالجزم بالوقوع؛ لأن الواقع فيما مضى أحق به، ويستفاد مما ذكر، أن اللفظ (١) المستقبل غلب مع «إن»، وإن الكثير صار موقعا لإذا (نحو: فَإِذا جاءَتْهُمُ
стр. 459
الْحَسَنَةُ) أي: قوم موسى جنس الحسنة قالُوا لَنا هذِهِ أي: لأجلنا هذه لا لغيرنا، يعني: لا سبب لهذه الحسنة إلا نحن (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) أي:
بلية (يَطَّيَّرُوا بِمُوسى) ويقولون هذه بشآمة موسى (وَمَنْ مَعَهُ) (١) من المؤمنين، وسبب حدوثها هم، والأظهر أن المراد بمن معه: هارون، والتطير بموسى، من معه لتنزيل موسى ومن معه منزلة الفال الرديء؛ إذ التطير التشاؤم بالفال الرديء، على ما في القاموس، ولا يخفى أن اللام في: لنا، للتعليل، لا للاختصاص؛ لأنه مقتضى تطيروا بموسى، ومن معه، فتفسير الشارح قوله لنا:
هذه ناقة بأنه مختصة بنا محل نظر، وإنما حصروا سببية الحسنة في أنفسهم دون سببية السيئة في موسى ومن معه، ولم يقولوا بموسى، ومن معه: يطيروا؛ لادعاء ظهور حصر الشآمة في موسى، ومن معه، بخلاف السببية للحسنة، فإن الله تعالى يرزق كل بر وفاجر وينعّم كل صالح وطالح، ولذا كثرت الحسنة، وغلبت على السيئة، ولم يراع في التمثيل ترتيب الممثل؛ لأن الآية منعتها (لأن المراد) أي: أتى بالماضي مع إذا في جاءت الحسنة؛ لأن كذا في الإيضاح، والأظهر صح تمثيل المجيء بإذا مع الماضي، للقطع بوقوعه، ورعاية المناسبة بقوله:
فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ لأن المراد (الحسنة المطلقة) لا المقيدة التي هي فرد من أفرادها نوعا كان أو جنسا (ولهذا عرفت تعريف الجنس) (٢) دلالة على إطلاقها؛ لأن الجنس الكثير الأفراد، كالواجب الوقوع، لكثرته واتساعه في الأنواع الكثيرة، وفيه تعريض بالسكاكي (٣)، حيث قال: ولهذا عرفت تعريف العهد أو الجنس والعهد أقضى لحق البلاغة، ووجهه: أن العهد ينافي الإطلاق فضلا عن أن يكون أقضى لحق البلاغة، ولعمري أن هذا من مطارح الأنظار ومسارح الأفكار، ولقد أطال فيه الشارح المحقق، وزاد عليه ما زاد السيد السند المدقق، ونحن لا نرضى بأن نورد كلماتهم المستجلبة لمزيد الإطالة بعد أن هدينا إلى وجه كلامه، وشممنا نكهة مرامه فنهدي بذلك للهداية، ونعينك بالدراية عن كثرة الرواية، فنقول: المراد الحسنة المطلقة ولإرادته طريقان أحدهما: الواضح
стр. 460
غير المختفي عن أحد، وهو الذي ذكره المصنف، والثاني: أن يراد بالحسنة: ما يطلق عليه الحسنة، فيجمع لفظ الحسنة بين الجنس، وكل فرد فيعرف تعريف العهد بناء على أن الجنس الذي هو حصة من هذا المفهوم، لتعينها بكثرتها واتساعها صار كالمعهود المذكور في التقرر في ذهن السامع، ويراد بهذا الاعتبار من لفظ الحسنة، ولا شك أنه أفضى لحق البلاغة، حيث جعل تعينه لكثرتها نصب العين، ورجح في التعين على كل فرد من أفرادها، مع أن المتوقع إبهامها، وتعين الفرد؛ إذ الفردية- إنما يحصل بالتعين.
(والسيئة نادرة بالنسبة إليها) أي: الحسنة، قال المصنف: أي: أتى في جانب السيئة بلفظ المضارع مع أن، ونحن نبهناك على وجه آخر (ولهذا نكرت) (١) تنبيها على أن الجنس لقلة أفرادها لم يخرج عن الإبهام، ولم يستحق التعريف المقتضى للتعيين، وقال الشارح المحقق: نكرت للتقليل، وما ذكرنا أنسب، والأحسن الأبلغ أن يقال: أريد بالسيئة سيئة حقيرة، أي: إن أصابتهم سيئة حقيرة يتطيروا فضلا عن أكثر، وهذا كما يقال: إن حسر فلان فلها يراه مني، وهذا الذي ذكره من مجيء إذا مع الماضي في الكثير، وإن مع المضارع في النادر هو مقتضى الظاهر، ولا يمنع استعمال إذا في النادر مع التنكير والتعريف في النادر هو مقتضى لنكتة فلا يشكل. عليك قوله تعالى: وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ (٢) وقوله: وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (٣)؛ لأن استحقاق الإنسان لكل ضر، اقتضى أن يكون مباشرته لقدر يسير، كما يدل عليه لفظ المس كالمقطوع به، وأن ابتلاء الإنسان المتكبر المعرض بالشر المتعين؛ لكونه نصب العين بالنسبة إليه، يجب أن يكون مقطوعا به؛ إذ ضمير: «إذا مسه الشر» لذلك الإنسان المدلول عليه بقوله: وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ (٤) ولا منافاة بين جعل المساس مفهما للمباشرة القليلة، ومنع دلالته على قلة فاعله بدليل قوله تعالى: لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ