وإنما قال: (أي على القول بالإبدال من الضمير) إشارة إلى قول آخر فيه، وهو أن الواو في الفعل قد يكون علامة الجمع فقط كما في الصفة من غير أن يكون فاعلا، ولا يخفى ما فيه من وجوه البعد من قلة نظائر وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا والخلاف في كون الواو ضميرا أو تغيير الضمير من الإبهام إلى التعيين بالتقديم، فيلزم المخالفة الفاحشة بين الأصل المقدر وما عدل إليه، وإنما ارتكب هذه الأمور (لئلا ينتفي التخصيص) الذي شرط كون المبتدأ نكرة (إذ لا سبب له)، أي: لهذا التخصيص (سواه أي) سوى كونه في الأصل فاعلا معنى، فكما لا يحتاج فاعلية النكرة إلى مخصص سوى تقديم المسند لم يحتج هذا الابتداء إليه سوى تقديم المسند في الأصل، ولا يخفى أنه لا يحتاج المنكر الصرف على إطلاقه إلى الاستثناء؛ إذ بقرة تكلم وكوكب انقض الساعة إلى غير ذلك لا يحتاج إلى مخصص.
وقوله: (بخلاف المعرف) يفيد: أن للمعرف سببا للتخصيص سوى تقديم المسند في الأصل ولا يخفى فساده، فلذا جعل الشارح تقدير الكلام وإذا انتفى التخصيص لم يصح وقوعه مبتدأ؛ بخلاف المعرف فإنه يجوز وقوعه مبتدأ من غير هذا الاعتبار البعيد، ولا يخفى أنه بعيد، كما أن جعل الضمير لا سبب له إلى كونه مبتدأ بعيدا.
(ثم قال) لا تراخي بين هذا الكلام وما سبق في كلام السكاكي كما يفيده كلمة ثم (وشرطه) أي: شرط ارتكاب هذا الوجه البعيد في المنكر (أن لا يمنع من التخصيص مانع)، وهو انتفاء فائدة القصر من رد اعتقاد المخاطب في قيد الحكم مع تسليم أصله كما أشار إليه (بقوله: كقولك: رجل جاءني على ما مر) من أن معناه: لا امرأة، أو لا رجلان، ولا يخفى أن شرط مطلق التخصيص ذلك وهو بين مستغن عن البيان، وغاية التوجيه أن يقال: يكاد يتوهم أن التوجيه الضرورة في المنكر رفعت عنه شرط التخصيص فخصّه بالتعرض لإزاحة هذا التوهم (دون قولهم: شر أهر ذا ناب) فإنه فيه مانعا من التخصيص (إما على) التقدير (الأول) وهو تخصيص الجنس (فلامتناع أن يراد المهر شر لا خير) إذ المهر لا يكون إلا شرّا أو ظهور الخير للكلب لا يهره ولا يفزعه (وأما على) التقدير
стр. 387
(الثاني فلتبوئه عن مظان استعماله) (١) فإنه لا يستعمل لرد اعتقاد أن يكون المهر أكثر من شر واحد (وإذ قد صرح الأئمة بتخصيصه حيث تأولوه بما أهر ذا ناب إلا شر) لزم طلب وجه لتصريحهم، أو للتخصيص، وللتأويل.
وقال الشارح المحقق: لزم طلب وجه للجمع بين ما ذكرنا وبين ما فعلوه، فكأنه قال: وإذ قد صرح الأئمة لما ينافي ما ذكرناه لزم طلب وجه للجمع ليصح ما ذكرناه أو ما ذكروه للتعويل (فالوجه) بأحد الوجوه فتأمل. (تقطيع شأن الشر بتنكيره) بجعل التنكير للتعظيم والتهويل كما مر في تنكير المسند إليه، ونحن نقول بجعل المفضل عليه المحذوف في غاية العموم أي: شر من كل شيء، وبالجملة المعنى ما أهر ذا ناب إلا شر عظيم في الغاية، ويتجه أن النكرة حينئذ تخصصت بالوصف المستفاد من التنوين أو بالمفضل عليه المحذوف فلا حاجة إلى تقدير التأخير، بل لا يصح؛ لأنه لا يرتكب الاعتبار البعيد إلا في النكرة الصرفة على ما حقق.
وأجيب بأن التخصيص الذي صرح به الأئمة في تأويلهم هو التخصيص المستفاد من التقييد؛ إذ التقييد يفيد التخصيص عند السكاكي؛ لأنه يجعل: ما ضربت أكبر إخوتك إثباتا لضرب الأصغر، وفيه أنه لم يجعل النحاة شر أهر ذا ناب من قبيل: وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وعلى ما ذكر يكون كلاهما تخصيصا بالوصف (وفيه) أي فيما قاله وفعله السكاكي (نظر إذ الفاعل اللفظي والمعنوي) الأولى الأسلم من النزاع الفاعل اللفظي والبدل والتأكيد (سواء في امتناع التقديم) ما بقيت على حالها، لأنه لا يتجه عليه، عليك ورحمة الله السّلام، وقوله: (ما بقيا على حالهما) قيد الامتناع أي سواء في امتناع المقيد بزمان بقائهما على حالهما لا التسوية حتى يحتاج إتمام الكلام إلى تقدير، وسواء في جواز التقديم إذ لم يبقيا على حالهما فتأمل.
والمناقشة في التسوية بدعوى أن التابع أولى بالامتناع؛ لأن فيه التقديم على العامل والمتبوع (فيجوز تقديم المعنوي دون اللفظي) ترجيح للمرجوح (لا تحكم) إذ التحكم هو الترجيح بلا مرجح لا يضر السكاكي بل ينفعه (ثم لائم انتفاء
стр. 388
التخصيص لولا تقدير التقديم لحصوله بغيره كما ذكر) يتجه على كلام السكاكي منعان أحدهما: على قوله: التقديم يفيد الاختصاص إن جاز تقدير كونه في الأصل مؤخرا على أنه فاعل فقط وقدر، لأنه يقال: لائم انتفاء التخصيص من غير تقدير التقديم إذ لا دليل على اعتبار التقديم للتخصيص، بل يحصل بلا تقدير تقديم كما ذكر منقولا عن الشيخ (١)، وكلام المتن يحتمل هذا المنع، وحينئذ معنى قوله: لحصوله بغيره لحصول بلا تقدير تقديم بإجراء غير مجرى لا يكون غير ما سوف على زمن أي لا ما سوف، ولا غير نظير، وثانيهما: على قوله: لئلا ينتفي التخصيص، وحينئذ معنى الكلام: لائم انتفاء التخصيص في صورة المنكر لولا تقدير التقديم لحصول التخصيص بغير التقدير من التخصيص بالوصف المستفاد من التنكير كما ذكر السكاكي، والإيضاح يفصح عن هذا المعنى، وهو أوفق بالعبارة وبالجملة الأوضح لولا تقديم التأخير، ولا ينجاب المنع الأول.
والجواب مطلقا عن هذا المنع الثاني أنك إن أردت منع انتفاء التخصيص في النكرة مطلقا لولا تقدير التأخير، فلم يدع أحد أن المسند إليه إذا كان نكرة لا يفيد التخصيص بدون تقدير التأخير، وإن أردت منع انتفاء التخصيص في نكرة من النكرات لولا تقدير التأخير، فالمنع مكابرة؛ لأن النكرة التي لم تخصص بشيء من المخصصات إذا قدمت ينتفي تخصيصه لولا تقدير التقديم (ثم لائم امتناع أن يراد المهر شر لا خير) وكيف لا، وقد قال الشيخ عبد القاهر: قدم شر؛ لأن المعنى الذي أهره من جنس الشر لا من جنس الخير، فجرى مجرى أن يقول رجل: جاءني يزيد؛ أنه: رجل لا امرأة، وربما يدفع هذا المنع بأن المتبادر من الشر الشر بالنسبة إلى الكلب، والإهرار: صوته عند تأذيه، وعجزه عما يؤذيه، فلا يشك عاقل أن مهره لا يكون خيرا بالنسبة إليه، وفيه نظر؛ لأنه يجوز أن يراد بالشر الشر بالنسبة إلى أهل الرجل، أو يراد بالإهرار مجرد جعله ذا صوت، وهناك منعان آخران: أحدهما: أن لا نسلم أن لا يصح قصد التخصيص لامتناع أن يراد: شر أهره لا خير، وامتناع أن يراد: شر أهره، لا شران؛ لاحتمال أن يراد: شر أهر ذا ناب لا غير، بأن يكون الحصر حقيقيّا،
стр. 389
لا لرد اعتقاد، وثانيهما: أن هذا مثل يراد به عجز القوي البعيد عن العجز، فهو يصح أن يقع مبتدأ بلا تخصيص، لكون الحكم مفيدا بدون التخصيص، وبالجملة يرد أن: النزاع في مثال ذكر لتصوير مانع قصد التخصيص، وهو ليس من دأب المحصلين، (ثم قال) السكاكي (١) (ويقرب من هو قام زيد قائم في التقوى) يعني: في إفادة التقوي، ولو قال: ويقرب من زيد قام زيد قائم لم يحتج إلى قوله في التقوي؛ لأن (زيد قام) لا يحتمل إلا التقوي؛ بخلاف هو قام، فإنه يحتمل التخصيص أيضا قال السيد السند في شرح المفتاح: هو قائم يحتمل التخصيص على نحو. هو قام، ولو تم ما ذكره لكان في اختيار زيد قائم على هو قائم وجه وجيه، لكن فيه أنه كيف يحتمل التخصيص؟ ولا يمكن تقدير تأخيره على أنه فاعل معنى؛ إذ لا يعمل اسم الفاعل بدون الاعتماد (لتضمنه الضمير) علة لقال، وهو الأوفق بقوله: (وشبهه بالخالي عنه من جهة عدم تغيره في المتكلم والخطاب والغيبة) فتأمل. أو علة لقوله: يقرب، وهو أوفق بمقام النقل.
وقوله: وشبهه على صيغة الماضي من التفعيل هو المشهور، ويحتمل كونه مخففا مصدرا، فالأظهر: أنه عطف على لتضمنه، ويحتمل النصب على أنه مفعول معه، والرفع على أنه مبتدأ، والجملة حالية أي: والحال أن شبهه ثابت بالحالى، أو شبهه بالخالي عن الضمير ثابت من جهة التغير والضمير في تغيره للضمير، أي: من جهة عدم تغير الضمير في وقت تكلمه، وخطابه، وغيبته، وجعله الشارح لقائم، أي: لعدم تغير قائم في وقت تكلمه، كما هو الظاهر، ففيه مسامحة، أي: في وقت تكلم الضمير، والمراد: إما عدم التغير في الأحوال الثلاث فتقول: ومن جهة عدم التغير في التكلم كما في الفعل كان متكلم الماضي:
ضربت تارة وضربنا أخرى، ومتكلم المضارع: أضرب تارة ونضرب أخرى، وكذا في الخطاب والغيبة، وإما عدم التغير في واحد وأحد، وحينئذ تقول: ولعدم التغير في الأحوال الثلاث (ولهذا لم يحكم بأنه) أي: اسم الفاعل مع فاعله (جملة) أصلا، واحتيج في الحكم بكون اسم الفاعل الذي صلة اللام مع ضميره جملة إلى تأويله بالفعل، وادعاء أنه فعل في صورة الاسم، فقول الشارح المحقق:
стр. 390
إلا في صلة الموصول استثناء من غير حاجة، ومن قال: استثناؤه قاصر إذ اسم الفاعل الواقع بعد حرف الاستفهام، وحرف النفي الرافع للملفوظ أيضا من قبيل الجملة يعود إليه القصور؛ لأن الكلام في اسم الفاعل المتضمن للضمير، وأما ما لم يتضمن الضمير فجعل تابعا للمتضمن في الإفراد والإعراب، ولم يتعرض له المصنف كما تعرض له المفتاح حيث قال: واتبعه في حكم الإفراد نحو: زيد عارف أبوه، يعني: اتبع عارفا مع الضمير عارف أبوه في حكم الإفراد، وما في بعض نسخ الإيضاح معناه: اتبع عارف عرف في الإفراد سهو إذ لم يسق في المفتاح عرف.
وقال الشارح: إذ لا حاصل لهذا الكلام، فإن قلت: لم يحكم بكون اسم الفاعل مع فاعله جملة؛ لأنهم اشترطوا في الجملة الإسناد الأصلي، وهو إسناد الفعل، أو ما هو فعل في صورة الاسم، وإسناد المصدر، واسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، واسم التفضيل، والظرف- أيضا- على ما قالوا على سبيل الشبه، وليس بجملة، وإن كان جعل الظرف غير جملة يخالف ما قالوا:
إن الخبر الظرف مقدر بالجملة في الأصح قلت: ما ذكره المفتاح توجيه لتخصيص الجملة بما يكون إسناده أصليّا، ولتأويلهم اسم الفاعل الذي هو صلة، والذي بعد حرف النفي، وألف الاستفهام بالفعل حتى يصح كونه مع فاعله جملة أو كلاما، فإن قلت الجملة ما يكون إسناده مما يصح السكوت عليه في الجملة، واسم الفاعل مع فاعله ليس كذلك أصلا.
قلت: اسم الفاعل كذلك في: أقائم زيد؟ وما قائم زيد، فعدم جعله مع الفاعل جملة، وجعل هاتين الصورتين مؤولتين بفعلتين لا بد له من وجه، وذلك الوجه ما ذكره في المفتاح (ولا عومل) قائم مع الضمير (معاملتها) أي:
الجملة (في البناء) الجملة إذا لم تقع في محل مفرد مبني لا إعراب له أصلا لا محلا، ولا لفظا، ولا تقديرا، وإذا وقع موقع مفرد فهو معرب محلا، واسم الفاعل مع فاعله معرب؛ إلا أنه أجرى إعرابه على جزئه الأول، لاشتغال جزئه الثاني بإعراب له من جهة اسم الفاعل، كما أجرى إعراب عبد الله علما على جزئه الأول؛ لاشتغال الجزء الثاني بإعراب اقتضاه الجزء الأول، فإن قلت: المعرب:
стр. 391
قسم الاسم، واسم الفاعل مع فاعله ليس باسم، فلا يكون له إعراب. قلت:
المعرب هو الاسم، أو ما نزل منزلة الاسم نحو: قائمة وبصري، فإن قلت: اسم الفاعل لو لم يكن معربا بإعراب نفسه، ويكون معربا بإعراب استحقه المجموع المركب منه، ومن فاعله لكان اسما مركبا مع الغير، ولم يكن معربا قلت: مطلق التركيب لا يوجب إعراب الاسم، بل تركيب يستدعي حصول معنى فيه يقتضي الإعراب، فإن قلت: البناء لا يخص الجملة حتى يوجب عدم جعل اسم الفاعل مع فاعله جملة عدم جعله مبنيّا، قلت: فرق بين جعله مبنيّا وبين جعله كالجملة في البناء الذي يستفاد من المعامل معه معاملة الجملة في البناء هو الثاني دون الأول، لا يقال: كيف يحكم بأنه لم يجعل اسم الفاعل مع فاعله مبنيّا؟ لم لا يجوز أن يكون مبنيّا، ويكون الإعراب الذي أجري على الجزء إعرابا استحقه الكل محلا؟ وإذا جاز إجراء الإعراب المحلي لمبني على كلمة مقارنة له، كما في لام الموصول وصلته لجوازه على جزء المركب أولى، قلت: لم يجعل النحاة اسم الفاعل مع فاعله مبنيّا، وذلك معلوم من علم النحو.
والمراد بعدم المعاملة: عدم معاملة النحاة دون العرب حتى يقبل ذلك المنع، ولا يذهب عليك: أن جعل زيد قائم مشتملا على التقوي يقتضي أن يقال في مقام الإخبار عن قيام زيد، ويخص بمقام جواب السائل، كزيد قام، ويكذبه ما نقله المفتاح عن أبي العباس في جواب الكندي حين قال: إني أجد في كلام العرب حشوا. يقولون: عبد الله قائم، وإن عبد الله قائم، وإن عبد الله لقائم، والمعنى واحد من أنه قائم قال: بل المعاني مختلفة، فعبد الله قائم إخبار عن قيامه، وإن عبد الله قائم جواب عن سؤال سائل، وإن عبد الله لقائم جواب عن إنكار منكر، فالحق: أنهم لم يلتقوا إلى التقوي في زيد قائم أصلا، وجعلوه
[ومما نرى تقديمه كاللازم]
كزيد إنسان مطلقا (ومما نرى) على صيغة المتكلم المعروف، أو الغائب المجهول (تقديمه كاللازم)، أي: مما يعلم معاشر علماء المعاني لا مما يظن تقديمه كاللازم لقوة مقتضى التقديم فيقدم أبدا؛ لأن لا يليق أن يترك البليغ ما هو كاللازم لقوة، وإن ليس لازما؛ لأن الأعون على المراد ليس لازما لا يجوز للعاقل تركه (لفظ مثل وغير) وشبه ومماثل ومغاير، إلا أن الشائع في الاستعمال مثل وغير، فلذا
стр. 392
اختارهما، لكن فرق بين مثل ومماثل في الكناية عن الحكم على المضاف إليه بالحكم المذكور، فإنه يلزم من الحكم على المضاف إليه الحكم على المثل بطريق الأولى؛ لأن المثل هو الأدني، وفي المماثل يلزم الحكم على المضاف إليه؛ لا لأنه الأولى، بل لأنهما متساويان في منشأ الحكم؛ لأن المماثل هو المشارك المساوي بخلاف المثل، فإنه الأدنى الملحق (نحو مثلك لا يبخل، وغيرك لا يجود بمعنى: أنت لا تبخل) بجعل نفي البخل عن المثل كناية عن نفي البخل عنك؛ لأنه إذا لم يبخل من هو على صفة لك هي فيك أكمل منها فيه، فلا محالة أنت لا تبخل (وأنت تجود)؛ لأنه إذا انتفى الجود الموجود في محل عن غيرك مطلقا، فأنت تجود لا محالة، بل المستفاد أنك تجود على الكمال مستمرّا في الحال والاستقبال، فإنه إذا انتفى الجود عن غيرك مع استمراره على الكمال، فلا محالة أنت محله على الانفراد والاستقلال (من غير إرادة تعريض بغير المخاطب)، أي: غير مراد به التعريض بغير المخاطب، بأن يراد بالمثل إنسان غير المخاطب مماثل له، وبالغير غير المخاطب مماثلا كان أو لم يكن، وما ذكره الشارح: أنه يراد بغيرك غير مماثل له لا يظهر وجهه، وقوله: من غير ... إلخ، حال من النحو المضاف إلى المثالين، ولفظ من زائدة في الإثبات؛ لتضمنه النفي؛ لأنه في قوة لا من إرادة تعريض بغير المخاطب، ونظيره: ضربتني من غير جرم، أي: غير ذي جرم، وهذا أظهر مما قالوا برمتهم في توجيهه: أن الغير بمعنى لا، أي: ضربا ناشئا من عدم جرم، وهو كناية عن ضرب لم ينشأ عن جرم، وينبغي أن يحمل الإرادة على القصد بالذات، وإلا فالكناية لا تستلزم نفي إرادة الحقيقة، والأولى حذف التعريض والاكتفاء بقوله: من غير إرادة غير المخاطب إذ إرادة غير المخاطب يمنع كون التقديم كاللازم سواء كان في الكلام تعريض لغير المخاطب، وحكم عليه من عرض الكلام لا على وجه الاستقامة على ما هو معنى التعريض اصطلاحا، أو لم يكن، ولهذا ترى السيد السند احتاج إلى حمل التعريض على الدلالة الخفية، وجعله لنفي أن تريد بمثلك لا يبخل: نفي البخل عن شخص معين مشتهر بالمماثلة، فيجعل لفظ مثل كناية عن هذا الشخص المعين، فلخفاء دلالة الكناية ذكر لفظ التعريض، ولا يخفى ما فيه لشمول قوله: من غير إرادة تعريض بغير
стр. 393
المخاطب، حينئذ قولنا: مثلك لا يبخل في معنى فلان لا يبخل، بأن تريد بمثلك فلانا على وجه الاستقامة دون الكناية؛ لأن الإضافة العهدية تفيده من غير كناية، وفي معنى: مثلك مطلقا لا تبخل، فإنك تريد فيه غير المخاطب من غير دلالة خفية فينبغي أن يجعل قوله: من غير إرادة التعريض بغير المخاطب إشارة إلى أن التقديم لا يلزم في شيء من هذه الصور، ولا يخص بما خصه السيد السند، وغاية التوجيه: أنه أراد الدلالة الخفية، وفيه على أن مثلك لا يبخل اشتهر في معنى: أنت لا تبخل، إلى أن صار دلالته على غير المخاطب بوجه من الوجوه خفية وبما ذكرنا ظهر أن قوله من غير إرادة تعريض بغير المخاطب تأكيد لقوله بمعنى: أنت لا تبخل، لا قيد ثان حتى لو كان مع إرادة المخاطب تعريض بغير المخاطب لم يكن التقديم كاللازم على ما وهم. كيف؟ .
وقوله: (لكونه أعون على المراد بهما) يقتضي لزوم التقديم في الكل.
والظاهر أن أعون من العون، وإن كان استعمال الإعانة أشهر فإن قلت: لا إعانة للتأخير على المراد فكيف يصح قوله: أعون؟ قلت: كأنه أراد لكونه مثل وغير مع التقديم أعون على المراد بهما منهما مع التأخير، فإن قلت: إن كان المخاطب منكرا أو مترددا، فتقديمهما واجب أو حسن، وإن كان خاليا تقديمهما غير جائز، فكيف صح الحكم بلزوم التقديم؟ قلت: كأنه أريد: أن التقديم ليس لقصد تقوية الحكم للرد، بل لكونه أعون على ما هو المراد من لفظ مثل، وغير من إيراد الحكم على وجه أبلغ، لا للرد، فإن كون الحكم أبلغ ليس للرد، إذ لم يقل أحد: أن قولنا: جاءني أسد للرد على المخاطب على أنك سمعت عن الشيخ وغيره: أن التأكيد ربما يكون لفوائد أخر غير رد الإنكار وإزالة التردد، وإن تكلمنا فيه، ولا يذهب عليك أن هذا الحكم لا ينبغي أن يخص بلفظ مثل وغير ولا بالكناية، بل يجرى في المجاز أيضا، فترى تقديم المسند إليه في: أنت تقدم رجلا، وتؤخر أخرى كاللازم؛ لكونه أعون على المراد، وهو إيراد الحكم على وجه أبلغ، إذ المجاز أبلغ من الحقيقة.
(قيل: وقد يقدم) (١) المسند إليه، وذلك إذا كان المسند إليه مقارنا بما
стр. 394
يفيد شمول القصد لجميع أفراده كلفظ كل وما يجري مجراه، وكان المحكوم به منفيّا وكان بحيث لو قدم صار المبتدأ فاعلا بخلاف قولك: كل إنسان لم يقم أبوه، فإنه لا يفوت فيه العموم لو قيل: لم يقم أبوه كل إنسان، وعند النحاة هذا التقديم بخوف التباس المبتدأ بالفاعل حتى إنه يجب في: زيد لم يقم أيضا وإن لا يفوت العموم في قولك: لم يقم زيد، ومما لتضمنه هذا المفعول أنه قد يقدم؛ لأنه لا يدل على العموم كما في: إنسان لم يقم بخلاف: لم يقم إنسان، فإنه يدل على العموم ويستفاد منه نكتتان للتأخير: إحداهما: الدلالة على العموم والأخرى:
الاحتراز عنها، ولا يخفى أن هذا التقديم ليس داخلا تحت الأصل الذي هو الأهمية المفسر وجهها بالدلالة على العموم، بل الدلالة على العموم بذاتها يستدعي التقديم؛ لأنها حاصلة من نفس التقديم، ولا يخفى أن دلالة التقديم على العموم يترتب على الحقيقة، فيصح أن يكون عرضا منه كما يفيده قوله: (لأنه دال على العموم) أي: شمول الحكم لجميع أفراد المسند إليه، وليس المراد بالعموم ما يوصف به اللفظ حتى يشكل جعل التقديم دالا عليه، على أنه إذا كان اللفظ دائرا بين كونه عاما وغير عام، فلا بأس بأن يجعل شيئا دالا على عمومه، ويتوسل بعمومه إلى شمول الحكم؛ لأن الأعذب جعل التقديم دليلا على شمول الحكم مستلزما بعموم اللفظ.
ووجه دلالة التقديم على العموم أنه بالتقديم يكون الحكم موجبا، فيشمل الكل وثبوت النفي لكل واحد عمومه وشموله (بخلاف ما لو أخر) أي: بخلاف التأخير على أن «ما» مصدرية (نحو لم يقم كل إنسان) فإنه يصير الحكم سالبا، ويكون رفعا للإيجاب الكلي، فلا يفيد شمول النفي (فإنه يفيد نفي الحكم) أي:
المحكوم به (عن جملة الأفراد) أي: عن جميع الأفراد (لا عن كل فرد)، وإنما قال بخلاف التأخير، لأنه لو كان العموم متحققا في كل من صورتي التقديم والتأخير لا يصح التقديم؛ لكونه دالا على العموم كما في كل إنسان قام، وقام كل إنسان، لكن الحاجة إليه لدفع الوهم، ونظرا لتحقيق لا يلتفت إليه؛ لأنه إذا ساوى التقديم والتأخير في العموم فلا دلالة لشيء منهما عليه، فلا يتصور فيه التقديم للدلالة على التعميم، ونحن لا نعرف فائدة لكلمة (لو) في قوله ما لو أخر
стр. 395
بل لا يقدر على تصحيحه، وتعيين جواب له، وكان الأصح بخلاف التأخير، وبما بينا من الوجه السديد والسبيل الرشيد استغنيت عن سلوك المسلك البعيد الذي دلك عليه هذا القائل بقوله: (وذلك) أي: كون التقديم مخالفا للتأخير على هذا الوجه اعتبره البلغاء بشهادة الاستعمال (لئلا يلزم ترجيح التأكيد على التأسيس) فهذا بيان الداعي إلى الاستعمال، لا إتمام الدعوى بالاستدلال، حتى يرد أن إثبات المنقول بمحض المعقول بعيد عن القبول، ومن البين أن التقديم في: كل إنسان لم يقم، يشتمل على تكرير الإسناد فيفيد التقوية لا محالة، فلا بد لجعل النكتة فيه إفادة العموم دون تأكيد الحكم من سبب، وذلك السبب أن تقوية الحكم تأكيد وإفادة العموم تأسيس، وترجيح التأكيد على التأسيس كترجيح الخسيس على النفيس، فلا تظن بالبليغ، ولولا منافاة ما يتبع هذا الكلام للحمل على هذا المرام لحملته عليه، ومع ذلك أكاد أجترئ بأن ما يعقبه بيان له من غير صاحبه بما لا يرضى به، وليس هذا أول قارورة كسرت في الإسلام، ولقد بين ترجيح التأكيد على التأسيس لولا التقديم للتعميم والتأخير لا للتعميم؛ لقوله: (لأن الموجبة المهملة)، وهي ما لم يشتمل على ما يفيد كون المحكوم عليه بعض الأفراد أو كله (المعدولة المحمولة)، وهي ما جعل النفي جزأ من مفهومه (في قوة السالبة الجزئية)، وهي التي ذكر فيها ما يدل على أن السلب عن البعض، وهو قسمان: ما يدل على السلب عن الجملة المستلزمة للسلب عن البعض، وسوره ليس كل، وما يدل على السلب عن البعض المستلزمة للسلب عن الجملة، وسوره ليس بعض، وبعض ليس، فالسالبة الجزئية مطلقا لا يقتضي السلب عن الجملة، بل ما كانت مشتملة على رفع الإيجاب الكلي، فلذا وصف السالبة الجزئية مطلقا بقوله: (المستلزمة نفي الحكم عن الجملة)، ولم يقل المقتضية نفي الحكم عن الجملة بخلاف السالبة الكلية، فإن مطلقها صريحة في نفي الحكم عن كل فرد، فلذا يصفها بالاقتضاء.
وقد بعد عن المرام الشارح المحقق في هذا المقام فقال في بيان الاستلزام: لأن صدق السالبة الجزئية إما بانتفاء الحكم عن كل فرد، أو عن البعض فقط ويستلزم التقديرين الانتفاء عن الجملة؛ لأن الكلام في مفهوم القضية دون مناط صدقها؛
стр. 396
لأنهم مدار التأكيد والتأسيس، ثم بنى عليه استعمال الاستلزام والاقتضاء، وغفل عن أن قولنا: لم يقم كل إنسان سالبة جزئية يصدق في حقها: أن صدقها إما بالسلب عن كل فرد وإما بالسلب عن بعض فقط دون بعض، مع أنها مقتضية للنفي عن الجملة كاقتضاء السالبة الكلية النفي عن كل فرد، وقال السيد السند: إن الواضح أن يقال: لأن مفهوم السالبة الجزئية صريحا نفي الحكم عن البعض، وذلك مغاير لنفي الحكم عن الجملة، لكن يستلزمه كما ذكره الشارح، ولا يخفى ما فيه أيضا؛ لأن صريح قولنا: لم يقم كل إنسان، نفي الحكم عن الجملة مع أنها سالبة جزئية بلا مسامحة، وكأنه اشتباه للسلب الجزئي بالسالبة الجزئية، لأن السلب الجزئي ما يفيد السلب عن البعض، والسالبة الجزئية قضية تفيد السلب عن البعض، إما بمفهومها الصريح، أو بطريق الاستلزام، وهاهنا إنكار مليحة اختفت عن أنظار الفحول، واستقبلتني بالقبول فأبرزتها لبصائر القلوب وأبصار العقول- حفظها الله عن الحاسد المتعصب الجهول- أوليها: إن القوة شاعت في هذا المقام من كتب الميزان في معنى التلازم، فلذا احتاج الشارح المحقق إلى تقييد السالبة الجزئية بوجود الموضوع؛ لئلا ينافي ما حقق به في موضعه أن السالبة المحصلة أعم من الموجبة المعدولة، ولا يخفى أن ما هو بصدده لا يتوقف على دعوى استلزام سالبة المعدولة، بل يكفي فيه استلزام الموجبة المعدولة السلب، فالأولى أن يكون التسامح باستعمال القوة في الاستلزام، وثانيتها: أن الأولى أن يقال: لأن الموجبة المهملة المعدولة المحمول يستلزم إثبات النفي للبعض، فلو لم يفد الكل العموم لزم ترجيح التأكيد على التأسيس، وثالثتها: أن إفادة التقديم العموم لا يخص الجملة الخبرية، فإنه يجرى في قولنا: الكل إنسان ما لم يقم ولم يقم كل إنسان فليس الدليل واردا على الدعوى (دون كل فرد).
وإذا ثبت أن إنسانا لم يقم معناه: نفى القيام عن جملة الإفراد لا عن كل فرد، فلو كان كل إنسان لم يقم كذلك، كان كل تأكيدا لا تأسيسا فيلزم ترجيح التأكيد المرجوح على التأسيس الراجح، فثبت العموم (والسالبة المهملة في قوة السالبة المقتضية النفي عن كل فرد) يريد السالبة المهملة التي موضوعها نكرة بدليل قوله:
(لورود موضوعها في سياق النفي)؛ لأن الورود في سياق النفي يفيد العموم إذا
стр. 397
[مبحث كلمة كل]
كان الوارد نكرة، وقد بلغ ذلك من الإشهار إلى أن استغنى الورود عن التقييد بالنكرة، ولك أن تجعل اللام للوقت، وتجعل قوله هذا تقييدا للحكم، لا تعليلا، فيندفع- أيضا- أنه لا وجه لتعليل هذا الحكم، وعدم تعليل كون الموجبة المهملة المعدولة في قوة السالبة الجزئية، ووجهه الشارح المحقق، بأنه يحتاج هنا إلى التعليل؛ لأن هذه الدعوى منافية لما تقرر في محله أن المهملة في قوة الجزئية، وفيه نظر؛ لأن الحكم بأن كل مهملة في قوة الجزئية لا ينافي أن بعض المهملة في قوة الكلية، ولا بد من تخصيص المقدمة الكلية الحاكمة بأن النكرة الواردة في سياق النفي تفيد العموم بما سوى نكرة عامة قبل ورودها في سياق النفي، وإلا لتناقض حكمه بأن لم يقم كل إنسان لنفي الحكم عن الجملة دون كل فرد (وفيه نظر)؛ لأنه على تقدير أن يكون كل إنسان لم يقم لإفادة النفي عن الجملة، ولم يقم كل إنسان لإفادة النفي عن كل فرد، لا يلزم أن يكون شيء منهما تأكيدا لا تأسيسا؛ لأن التأكيد (١) الإعادة بلفظ ما أفيد بلفظ آخر، وهناك لم يكن إفادة معنى مرتين بلفظين؛ (لأن النفي عن الجملة في الصورة الأولى) أي: الموجبة المهملة المعدولة (وعن كل فرد في الثانية) أي: السالبة المهملة (إنما إفادة الإسناد إلى ما أضيف إليه كل، وقد زال ذلك بالإسناد إليها، فيكون تأسيسا لا تأكيدا كما كان قبل دخول كل كذلك) هكذا أوضح الشارح هذا المقام.
وفيه أنه لو كان التأكيد ما ذكره لم يصح أنه يؤكد التقديم في: أنا سعيت تارة بوحدي، وتارة مرة بلا غيري فالصحيح: أن التأكيد إعادة ما أفيد بشيء بمفيد آخر، وفيما ذكره المصنف بحيث؛ لأن المسند إليه عند التحقيق: ما أضيف إليه كل، وكل لبيان أفراد المسند إليه، ولذا لا يوصف، بل المضاف إليه فالنفي عن الجملة أو عن كل فرد لا يستفاد إلا من الإسناد إلى ما أضيف إليه، وأيضا لا يجرى ما ذكره لو وضع لام الاستغراق موضع كل؛ لأن المفيد للنفي في الصورتين الإسناد إلى أمر واحد، فاللام لتأكيد ما يفيده الإسناد وتقريره، فإن قلت: هذا الجواب ينافي الجواب الذي بعده؛ لأن مقتضاه: أن كلا على هذا التقدير في
стр. 398
الصورتين تأسيس لا تأكيد، ومقتضى قوله: (ولأن الثانية) أي: السالبة المهملة، نحو: لم يقم الإنسان (إذا أفادت النفي عن كل فرد فقد أفادت عن الجملة فإذا حملت) كل (على الثاني لا يكون تأسيسا) إن كلا إذا أفادت ما أفاده التركيب قبل دخوله تأكيد: قلت: الجواب الثاني مبني على تسليم أن كلا تأكيد، ففي هذا الجواب تسليم ما منع في الأول وقد نبه عليه المصنف في الإيضاح حيث قال: وإن سلمنا أن يسمى توكيدا يعني: لو اصطلح على تفسير التوكيد بما يفيد معنى يحصل بدونه، ولا مسامحة فيه، فالثانية بعد الحمل على ما حملت لا يكون تأسيسا، بل تأكيدا، ولا يكون فيه ترجيح التأسيس على التأكيد، بل ترجيح تأكيد على تأكيد، ولا يخفى أنه يمكن أن يناقش حينئذ- أيضا- بأن ما هو المشهور: أن التأسيس خير من التأكيد بالمعنى الاصطلاحي (١)، ولهذا أوضح بأن الإفادة خير من الإعادة، وأما كون التأكيد بهذا المعنى خيرا من التأسيس المقابل له فغير بين ولا مبين، وكيف ولا يتحاشى أحد من استعمال بعض الإنسان لم يقم، ولم يقم بعض الإنسان مع أنه يفيد فائدتهما مع الإنسان لم يقم، ولم يقم الإنسان؟ وأجاب الشارح عما ذكره المصنف بأن إفادة النفي في الجملة في ضمن إفادة النفي عن كل فرد خلاف بعض مع الثبوت لبعض، وكل إفادته على الوجه المحتمل؛ لأن يكون في ضمن النفي عن كل فرد، وفي ضمن النفي عن بعض مع الثبوت لبعض، والكل يفيد الثاني، والمفاد قبل الكل هو الأول فيكون تأسيسا وفيه ضعف؛ لأن: لم يقم كل إنسان لنفي الشمول مع بقاء أصل الفعل كما سيجيء.
فالجواب الصحيح: أن النفي عن الجملة مع كل بأن يكون منفيّا عن البعض ثابتا لبعض، وهذا المعنى غير النفي عن الجملة بأن يكون منفيّا عن كل فرد كما كان قبل كل ومنهم من أجاب بأنه إذا حمل الكل على الثاني يكون تأسيسا؛ لأن دلالة: لم يقم إنسان عليه بالالتزام، ودلالة: لم يقم كل إنسان بالمطابقة، ويكفي في التأسيس اختلاف الدلالتين، ورده الشارح بأنه يلزم حينئذ أن لا يكون كل إنسان لم يقم على تقدير جعله للنفي عن جملة الإفراد تأكيدا، لأن
стр. 399
دلالة قولنا: إنسان لم يقم بطريق الالتزام، وهو ظاهر، ولا يخفى عليك أن دلالة كل إنسان لم يقم أيضا على النفي عن الجملة بطريق الالتزام؛ لأنه لإثبات عدم القيام للكل، ويلزمه النفي وإن دلالة: لم يقم إنسان على النفي عن جميع الأفراد- أيضا- عند المستدل بطريق الالتزام؛ لأنه في قوة الكلية، فلو كان: لم يقم كل إنسان، بعموم النفي لم يكن تأكيدا، ولك أن تمنع بطلان ترجيح التأكيد على التأسيس؛ لأن استعمال كل في التأكيد أكثر، فالأصل فيه كونه للتأكيد، وأن تدفعه بأنه لا اشتباه في أن الإفادة خير من الإعادة، وذلك يقتضي بطلان ترجيح التأكيد على التأسيس فلا تسمع المنع ما لم يعارض هذه المقدمة أمرا لا اشتباه فيه، وكون كل في التأكيد أكثر إنما يسلم إذا أضيف إلى الضمير، فإنه لا يكون إلا تأكيدا أو مبتدأ، وبعد ثبوته لا يقاوم تلك المقدمة؛ لأن في اعتباره ترجيح جانب اللفظ، وفي اعتبار هذه المقدمة ترجيح جانب المعنى، وإذ دار الأمر بين رعاية المعنى وبين رعاية اللفظ يراعى المعنى؛ (ولأن النكرة المنفية إذا عمت كان قولنا: لم يقم إنسان سالبة كلية لا مهملة)، ولا في قوة الكلية، فإن قلت: هذا لا يضر هذا القائل فيما هو بصدده من ترجيح التأكيد على التأسيس، بل ينفعه؛ لأن كونه سالبة كلية أقوى في إثبات مطلوبه من كونه في قوتها قلت: نظر المصنف لم يقتصر على تزييف دليله، بل عم ذلك، وخطأه في الاصطلاح، ومقصوده: التنبيه على فساد جعله مهملة لئلا يتخذ قوله مذهبا، ومنشأ غلط ما شاع في كتب الميزان من تعيين الأسوار وعدم اطلاعه على التحقيق الذي ذكره الشيخ في الإشارات من أن كل ما يدل على كمية الأفراد فهو سور حتى اللام والتنوين، وبهذا أظهر أن قصر النظر على تخطئة القائل في السالبة المهملة من قصور النظر إذ جعل: إنسان لم يقم- أيضا- مهملة خطأ، ولما كان ما ذكره من الدعوى صدقا، وكان المناقشة مع القائل فيما ذكره من التوجيه أراد أن ينبه على ذلك دفعا؛ لتوهم بطلان الدعوى من تزييف التوجيه فأتي عقيبه بكلام الشيخ.
قال في الإيضاح في هذا المقام: اعلم أن ما ذكره هذا القائل من كون كل في النفي مفيدة للعموم تارة، وغير مفيدة أخرى مشهور، وقد تعرض له الشيخ
стр. 400
عبد القاهر وغيره هذا (وقال عبد القاهر: إن كانت) (١) كلمة (كل داخلة في حيز النفي) دخول الشيء في حيز النفي: أن يتعلق النفي بثبوت الشيء له، أو بثبوته لشيء، أو يتعلق شيء به، أو بتعلقه بشيء، ولما كان يتوهم أن الداخل في حيز النفي ما دخل عليه أداته دفع ذلك الوهم بالتعميم فقال: (بأن أخرت عن أداته)، أي: بلا فاصلة سواء كانت معمولة لها أو لا، ولا يخفى أن يناسب هذا الفن حرف النفي، وأداة النفي لغة أرباب الميزان، وكأنه أراد آلة النفي واختيارها على حرف النفي ليشمل ليس بلا خفاء (نحو) قول أبي الطيب:
ما كل ما يتمنّى المرء يدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السّفن (٢)
فكل في هذا المثال معمول للنفي على لغة دون لغة وكونه مثالا للمعمول للفعل المنفي أظهر من كونه مثالا لما أخرت عن الأداة بلا فصل؛ لأنه من مواقع اختيار النصب في كل (أو) كانت (معمولة للفعل المنفي) أو شبهه نحو: ما أنا ضارب كل رجل (نحو: ما جاء القوم كلهم) قال الشارح المحقق قدم التأكيد؛ لأن كلا أصل فيه، ولا يخفى أن التابع أن يكون التأكيد أصلا فيه دون العكس (أو ما جاء كل القوم) لم يقل: وما جاء كلهم تنبيها على أن الكل المضاف إلى الضمير لا يكون إلا تأكيدا (أو لم آخذ كل الدراهم أو كل الدراهم لم آخذ) وغير «ما» إلى «لم» لأن معمول ما لا يتقدم عليه (توجه النفي إلى الشمول خاصة، وأفاد الكلام ثبوت الفعل، أو الوصف لبعض) قال الشارح المحقق:
ولو قال ثبوت الحكم ليشمل ما إذا كان الخبر جامدا، نحو: ما كل سوداء ثمرة لكان أحسن.
قلت: وليشمل، نحو: ما كل القوم كاتبا أبوه، أو يكتب أبوه، فإنه ليس فيه ثبوت الفعل، أو الوصف لبعض، بل لمتعلق بعض، وقلت: لا بد أن يقال: أو ثبوت البعض لشيء ليشمل، نحو: ليس القوم كل العلماء، ولا يخفى بعد ذلك: أن هذه الكلية منقوضة بقولنا: ما زال كل إنسان متنفسا وبأخواته؛ لأنها لا تفيد ثبوت الفعل لبعض، بل ثبوت أمر آخر وراء الفعل للكل، وأنه يرد
стр. 401
أنه إن أريد بكونه معمولا للفعل النفي أن يكون معمولا لفعل دخل عليه النفي يخرج عنه، نحو: ليس كل إنسان ناجيا، ولو أريد أن يكون معمولا لفعل يدل على النفي لدخل فيه، نحو: انتفى كل إنسان (أو تعلقه) أي: الفعل أو الوصف (به) أي: ببعض، أورد عليه الشارح المحقق بعد نقله عن الشيخ:
المبالغة في أن النفي للعموم خاصة مع بقاء الأصل في بعض مواد تخلف من كلام الله نحو: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ (١) ونحو: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢) وقوله: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (٣) فقال: والحق أن هذا الحكم أكثري لا كلى. قلت: يمكن أن يعتذر عن تلك المواد، بأن نفي المحبة كناية عن البغض، والنهي عن الإطاعة كناية عن الأمر بالاجتناب والمضادة، فكلمة كل: ليست معمولة للفعل المنفي فيها، ولا يخفى أن هذا التحقيق من الشيخ ليس بخصوص كل، بل هو مبين على ما حققه غير مرة أن النفي إذا دخل على كلام فيه قيد يتوجه إلى القيد، ويثبت الأصل.
والتحقيق أن هذا أكثري لا كلي، ولا يبعد أن يقال: مراد الشيخ: أن مقتضى ورود النفي أن ينصرف إلى القيد، حتى لا يستفاد منه إلا ذلك، كما أن مقتضى وضع اللفظ لمعنى أن لا يفهم منه إلا ذلك المعنى، وذلك لا ينافي أن يفرض أمر يخرجه عن مقتضاه، ويعمل به ما لا يرضاه، ولا يخفى: أن البعضية قيد في الكلام كالعموم المستفاد من كل عام، ومقتضى ذلك أن يفيد: ما جاءني بعض القوم، ثبوت الحكم للكل لرجوع النفي إلى البعضية، مع أنه ليس كذلك.
والفرق من مواهب الأنظار الدقيقة ولا ضنة بك إن كنت أهلا له، فنقول: قد شاع استعمال البعض في البعضية المطلقة المجامعة للكل أكثر من شيوع الوحدة في الوحدة المطلقة المجامعة للكثرة، فكما أن: ما جاءني رجل، يجامع عموم النفي، فكذلك: ما جاءني بعض القوم فلذا لا يفيد مجيء الكل (وإلا) أي: وإن لم يكن كلمة كل داخلة في حيز أداة النفي، بأن لا يكون في الكلام نفي، نحو: كل إنسان قام، أو قام كل إنسان، أو كان؛ لكن لم يدخل كل في حيزه (عم) لكلام
стр. 402
ما أحاطت كل به من الإفراد، ولما كان العموم في المثبت واضحا، اقتصر على بيانه في الكلام المنفي فقال: (كقول النبي- ﵇ لما قال له ذو اليدين) - وهو الخرباق السلمي (١) - ويقال له: ذو الشمالين- أيضا- ولعلهم أشاروا بذلك إلى ضعفهما، أو إلى قلة غايتهما، ويقال له: الأضبط، وهو الذي يعمل بيديه، كذا في شروح المصابيح، وفي الشرح أن قوله: وإلا بمعنى: وإن لم يكن كلمة كل داخلة في حيز النفي، ويكون في الكلام نفي ومعنى قوله: عم عم النفي، وما ذكرنا أشمل، وما ذكره أظهر (أقصرت الصلاة) فاعل قصرت (أم نسيت يا رسول الله) مقول قول ذي اليدين ومقول قول النبي- ﵇ (كل ذلك لم يكن) (٢) أي: لم يثبت القصر ولا النسيان، وفيه إشكال، وهو أنه: كيف صدر عن معدن الصدق ما لم يطابق؟ حتى قيل: مراده ﷺ كل ذلك لم يكن في اعتقادي، فيكون صادقا، ولا يخفى أنه يتجه أنه كيف يظن به ﷺ الاعتقاد الغير مطابق فيما ليس؟ فلا بد أن يلتزم أنه لا بعد في وقوع الاعتقاد الغير المطابق أو القول الغير المطابق فيما ليس هو من الأمور الدينية، ولا يبعد أن يقال: النسيان ليس منه ﷺ ، بل أنساه ربه، ولذا أمرنا بأن: لا نقول:
نسيت، بل نسّيت على صيغة المجهول من التفعيل، ولا يخفى أن هذا الترديد مبني على عدم الفرق بين السهو والنسيان، وإلا ينبغي أن يقال: أقصرت الصلاة؟ أم نسيت؟ أم سهوت؟ وقوله: (وعليه) لا فائدة فيه، والظاهر، وقول أبي النجم:
قد أصبحت أمّ الخيار تدّعى ... عليّ ذنبا كلّه لم أصنع (٣)
стр. 403
برفع كله، لئلا يكون معموله للفعل المنفي، ويفيد عموم النفي إذ المعنى على:
أني لم أفعل شيئا من الذنوب، لا أني لم أصنع جميعها قال المصنف: المعتمد في إثبات المطلوب الحديث وشعر أبي النجم، أما الاحتجاج بالحديث، فمن وجهين:
أحدهما: أن السؤال بأم عن أحد الأمرين لطلب التعيين بعد ثبوت أحدهما على الإبهام، فجوابه: إما بالتعيين، أو بنفي كل منهما، وثانيهما: ما روى أنه لما قال ﷺ كل ذلك لم يكن، قال ذو اليدين: بعض ذلك قد كان، والإيجاب الجزئي نقيضه السلب الكلي هذا، وما في المصابيح: قد كان بعض ذلك، فأقبل على الناس، فقال: أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم، فيقدم، فصلى، والذي أرى أنه: يصح الجواب بإثبات كل منهما أيضا، لأن الجواب ينفي كل منهما تخطئة في اعتقاد ثبوت أحدهما، وليشاركه الجواب بإثبات كل منهما في التخطئة في هذا الاعتقاد، وهذا كلام وقع في البين، فلنرجع إلى ما كنا فيه، ثم قال: وبقول أبي النجم يعني: وأما الاحتجاج بقوله؛ ما أشار إليه الشيخ عبد القاهر، وهو أن الشاعر فصيح، والفصيح السابع في مثل قوله: نصب كل، وليس فيه ما يكسر به وزنا، وسياق كلامه أنه لم يأت بشيء مما ادعت عليه هذه المرأة، فلو كان النصب مفيدا لذلك، والرفع غير مفيد لم يعدل عن النصب إلى الرفع من غير ضرورة، هذا وفيه بحث؛ لأنه إن أراد بالمطلوب عدم إفادة الداخل في حيز النفي العموم، وإفادة غير الداخل، فالحديث لا نفي في إثباته، على أن نظم دليله، لا يبطل كون كليهما مفيدا، وإن أراد الثانية فقط؛ لكفاه أن يقول: فلو لم يكن الرفع مفيدا لذلك لم يرفعه، ولا دخل لحديث النصب فيما هو بصدده، واعترض الشارح المحقق عليه بما توجيهه منع الشرطية القائلة، فلو كان النصب إلى آخر بسند أنه لا مجال هنا للنصب إذ الكل المضاف إلى الضمير لا يعدو التأكيد إلى غير المبتدأ وقال نظير هذا الاستدلال استدلال سيبويه على أن حذف الضمير المنصوب عن خبر الجملة للمبتدأ جائز في السعة بقول الشاعر:
[ثلاث كلّهنّ قتلت عمدا]
حيث حذف الضمير عن خبر المبتدأ، مع أنه لا ضرورة؛ إذ لو نصبت كلهن
стр. 404
لاستقام الوزن، ولم يكن حذف الضمير، ونظير اعتراضنا اعتراض ابن الحاجب عليه، بأنه لا يصح نصب كلهن؛ لأنه لا يلي العامل اللفظي، بل يجب إما كونه مبتدأ أو تأكيدا، ولا يخفى أن اعتراض ابن الحاجب لا يتوجه على سيبويه، إذ لو لم يجز حذف الضمير في السعة لم يكن وجه الاختيار الرفع على نصب كلهن مع سلامته عن الحذف، واستوائهما في عدم الجواز على النزاع بين ابن الحاجب وسيبويه يؤول إلى النزاع في صحة كون الكل المضاف إلى الضمير معمولا للعوامل اللفظية أصالة، وقد صرح المغني بثبوته على قلة، ولا أظن بك أن لا تتذكر هنا ما قدمناه لك أن مراد الشيخ: أن التقديم على النفي يفيد العموم إذا خلى، وطبعه كإفادة الوقوع في حيز النفي رفع العموم كذلك، ولا ينافي ذلك تخلف الإفادة لعارض، فلا يذهب عليك أن إثبات الحديث والشعر تلك الدعوى دونه خرط القتاد.
[وأما تأخيره فلاقتضاء المقام]
(وأما تأخيره فلاقتضاء المقام تقديم المسند) يعني: أن تأخيره ليس من مقتضيات الأحوال، وإنما هو من ضرورات مقتضى الحال، فلذا لا يبحث عنه، وبما ذكرنا اندفع ما يتجه عليه أن التأخير ليس مقتضى الحال فلا معنى للبحث عنه، وإنما يتجه لو كان مقصوده: أن تأخيره مقتضى أحوال تبين في تقديم المسند وستعرفها، وليس كذلك، ولذا لم يعد مجيئها، لا في هذا الكتاب، ولا في الإيضاح، وقد يعد الشارح حيث ظن أن المقصود ذاك، فقال: وسيجيء بيانه، ومما يقتضي تأخيره اقتضاء المقام تقديم متعلق المسند، نحو: على الله عبده متوكل. فتأمل (هذا كله) قد نبه بإيراد كله تأكيدا أو مبتدأ على أن المشار إليه متعدد، واختار هذا مع أن الشائع في التعبير عن المتعدد المذكور ذلك رعاية؛ لكون مقتضى الظاهر قريبا، بخلاف مقتضى الظاهر، ويريد أن كلا من الإضمار والنظائر إلى هنا (مقتضى) الحال (الظاهر) ولقد أعجب حيث صدر بحث خلاف مقتضى الظاهر، بما هو خلاف مقتضى الظاهر من وجوه: حيث وضع اسم الإشارة موضع الضمير، والمفرد موضع الجمع تنبيها على أنه جعلها بحسن البيان، ولطف المدح واحدا، وبنهاية الإيضاح كالمحسوس، ولك أن تجعل هذا فصل الخطاب، أي: خذ هذا وما بعده كلاما لمبتدأ، ولقد نبهناك على ما خلط بالمباحث من خلاف مقتضى
стр. 405
الظاهر، ففي صدق هذه الدعوى نظر، إلا أن يقال: أشار بهذا إلى ما هو المقاصد من المباحث المتقدمة.
(وقد يخرج الكلام على خلافه) أي: مقتضى الظاهر، أو الظاهر في هذا الباب وغيره- أيضا- كما علمت أنه يخرج كذلك في باب الإسناد غير مرة، لأسرار خفية مع أولى بصائر ذكية، وهذا النوع، وإن كان ذا مزية، وفي درجة علية بحق أن لا يكون مكثورا لما يقابله، لكن قل بالنسبة إليه لما قل مستعده، ومقابله، وقائله، فلذلك أتي بكلمة: «قد» مع المضارع، إشارة إلى أن مقابله هو الكثير الشائع، وبدأ فيه بوضع الضمير موضع الظاهر على خلاف ما في المفتاح حيث ابتدأ بوضع اسم الإشارة موضع الضمير؛ لأنه يفوق ما وراء كيف، وهي في ضمائر أكثر من تلك المواقع لا يعدون خلاف مقتضى الظاهر فقال: (ويوضع الضمير موضع المظهر)، وذلك إذا لم يتقدم المرجع بلفظ دال عليه، أو بقرينة، وهكذا ورثنا من الأكبر، فالأكبر، ويقول العبد الأصغر لا يبعد أن يجعل الإخراج على خلاف مقتضى الظاهر تقديم المفسر، وتأخير المفسر، فيكون الإخراج مما هو مقتضى ظاهر الحال من التقديم إلى خلافه من التأخير، وبالعكس الأول في التفسير؛ لأنه في باب الضمير حقه التقديم، وثانيهما: في الضمير؛ لأن حقه التأخير ولا يخفى لطف التعبير عن وضع المضمر موضع الظاهر بإخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر (كقولهم: نعم رجلا مكان:
نعم الرجل)، ونعم رجلين مكان: نعم الرجلان، ونعم رجالا مكان: نعم الرجال، فقد أشار إلى أن الضمير عبارة عن متعقل مبهم يفسره التمييز، وهو مع تمييزه بمنزلة الرجل، واختلف في الرجل هل هو بمعنى كل رجل؟ فجعل الممدوح بمنزلة جميع أفراد الرجل مبالغة، أو بمعنى هذا الجنس بجعله بمنزلة نفس الجنس مبالغة، أو بمعنى مبهم بحسب الوجوه، فإن الإبهام يناسب الكمال، والتعظيم، وقيد التمثيل، بقوله: (في أحد القولين) كما قيده المفتاح مرادا به القول بأن: نعم الرجل جملة مستقلة، والمخصوص بالمدح خبر مبتدأ محذوف؛ احترازا به عن القول بكون نعم الرجل خبره، ففي توجيه الاحتراز، مع أنه لا خلاف في أن ذلك الضمير مبهم على كل تقدير، فوجهه الشارح المحقق أن التقييد
стр. 406
بأن كون الضمير مبهما مقطوع به في هذا القول، وفي القول الآخر يحتمل الرجوع إلى المخصوص، فأشكل عليه أمور أحدها: أن الضمير حينئذ متعين لا إبهام فيه، ففات الإبهام، ثم التفسير، ولم يبق لإيراد التمييز معنى، ووجب إبراز الضمير في التثنية والجمع.
فأجاب بأن الاستتار من خواص هذا الباب، ولهذا الباب خواص وبأن الإبهام والتفسير يكفي له تأخير المرجع، والتمييز للتأكيد كما في: نعم الرجل رجلا وقوله تعالى: ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً (١) هذا وتبعه السيد السند في شرح المفتاح، ولا يخفى ما فيه من التكلفات، بل التعسفات على أن الإبهام العارض من تأخير المرجع لا يكفي في التمييز؛ لأنه لرفع الإبهام المستقر، ولعدم تعقل كلام السلف على ما لا ينبغي وجب توجيه أمثال هذه الآفات، ونحن نقول:
احتراز عن القول الآخر؛ لأنه على ذلك القول ليس من قبيل وضع المضمر موضع المظهر؛ لأن المقام ليس مقام المظهر، بل هو من قبيل وضع مضمر مبهم مقام مضمر معين، فإن قلت: قد تقرر في النحو أن ضمير الغائب وضع لما تقدم ذكره لفظا أو معنى، أو حكما، وأن الضمير المبهم سواء كان ضمير الشأن، أو غيره مما وضع لغائب تقدم حكما، فكيف صح جعله خلاف مقتضى الظاهر وهو مستعمل فيما وضع له؟ قلت: شاع استعماله في غير المتقدم حكما، فمقتضى الظاهر في مقام يلتبس المراد منه، ولا يتضح أن يؤتى بما يتضح منه المراد، وإن كان الإتيان به بمقتضى الوضع، فالإتيان به، وإن كان دون الظاهر عدول عن مقتضى الظاهر.
(وقولهم: هو أو هي زيد عالم) اختاره على: زيد قائم؛ لأن الجملة المفسرة لضمير الشأن يجب أن يكون أمرا عظيما يعتني به، ويستحق أن يختال لتمكينه في نفس السامع، وذكر الجملة الاسمية؛ لأن الفعلية لا تقع مفسرة له ما لم يدخل عليه شيء من النواسخ، ولم يقل: هو زيد عالم، وهي هند عالمة، مع أنه لا يجوز تأنيثه ما لم يكن في مفسره عمدة مؤنث، فحينئذ، يختار تأنيثه تنبيها على أن مقتضى القياس: أن يستوي المذكر والمؤنث في كل جملة؛ لأن كل جملة شأن
стр. 407
وقصة من غير فرق، وتخصيص المؤنث بما عمدته مؤنث بحكم الاستعمال على خلاف القياس (مكان الشأن أو القصة) يعني: وضع هو مكان الشأن، وهي لفظ مكان القصة، فهو راجع إلى الشأن المعقول، وهي إلى القصة المعقولة يفسرهما الجملة بعده (ليتمكن) متعلق بوضع المضمر موضع المظهر، وتعليل له (ما يعقبه) أي: ذلك الضمير (في ذهن السامع؛ لأنه إذا لم يفهم منه) أي:
من الضمير (معنى)، إما لعدم تنبهه للضمير لاستتاره كما في: نعم رجلا، وكان زيد قائم، وإما لخفاء المراد منه بعد سماعه، (انتظره) أي: انتظر ما يعقبه.
قال الشارح المحقق: لما جبل الله عليه النفوس من التشوق إلى معرفة ما قصد إبهامه، ونقول: لأن الإنسان حريص على ما منع؛ ولأنه لا يرضى أن يضيع ما قاساه من المشقة في حصوله، ولأنه بعد أن تأكد طمعه في حصول فائدة من التكلم، لا يندفع طمعه حتى يحصل، وبما ذكرنا اندفع ما أورده الشارح المحقق من أن ما ذكره لا يتم إلا في ضمير الشأن دون الضمير في باب نعم، إذ السامع ما لم يعلم المفسر لم يعلم أن فيه ضمير افتعلل وضع المضمر موضع المظهر في باب نعم بما ذكره ليس بسديد، وعلمت أن تمامه في ضمير الشأن على إطلاقه وهم، واستغنيت عن أن تخصيص التعليل بضمير الشأن كما ذهب إليه الشارح المحقق في شرحه على المفتاح، وتمسك فيه بتمحيلة في عبارة المفتاح ليست في عبارة المتن، وموجودة في الإيضاح، نعم يرد أن اللائق بنظر البليغ أن يكون المقصود: تمكين ما هو العمدة، والمقصود، وهو فاعل نعم دون التمييز، الذي هو فضلة في الكلام، ففي ضمير الشأن يتم أن المقصود تمكين ما يعقبه من الجملة وأما في باب نعم فاللائق أن المقصود: تمكين فاعله في النفس، فالأوجه أن يقال: المراد بما يعقب الضمير فائدته، وما يطلب حصوله عقيب تصوره، وفي نعم إذا تصور المستتر فيه يحصل معناه بالتوسل تمييزه، والعود منه إلى التمييز، ثم من التمييز إليه، فيحصل بعد انتظار، فيتمكن في الذهن؛ لأن الإنسان مجبول بحفظ ما حصل بتعب ومشقة، وإن قل مقداره، وبعدم المبالاة لفوت ما حصل بسهولة، وإن كان عظيما؛ ولأن سماع الضمير المبهم كسماع حرف التنبيه يزيل الغفلة فيدرك ما يعقبه بريئا عن الغفلة، ولأنه يتصور بسماع الضمير مبهما ثم يأتي بالتفسير معينا،
стр. 408
فيتمكن بالتكرار، ومن وضع المضمر موضع المظهر ما في باب تنازع العاملين، وما له رجلا، وما لها قصة، وربه رجلا، وقوله: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ (١) وأشار المصنف إلى ما أشاروا، واكتفى به ثقة بفهمك الوافي أن توفى حق الكل، وله غير نظير، فاعتذار الشارح عن غير تنازع العاملين، بأنه ليس من باب المسند إليه ليس بذلك؛ لأن ما يلوح من قول المصنف، وقد يخرج الكلام على خلافه أي: خلاف مقتضى الظاهر دون أن يقول: وقد يخرج أي: المسند إليه على خلافه يلوح بأن قصده إلى أعم، ويتأيد ذلك بتعرضه بغير المسند إليه- أيضا- مرة بعد مرة، على أنه لا ينفع ما ذكره في ضمير باب التنازع، ولا في ضمير فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ؛ لأن منه فقضيت سبع سموات، لأن الإضمار، والتفسير بالبدل شائع في الفاعل والمبتدأ- أيضا- وقد جعل الشارح المحقق من نكات وضع المضمر موضع المظهر اشتهار المرجع ووضوح أمره، كقوله تعالى:
إِنَّا أَنْزَلْناهُ (٢) أي: القرآن؛ أو لأنه بلغ من عظم شأنه إلى أن صار متعقل الأذهان، نحو: هو الحي الباقي، وفي كونهما مقام الظاهر نظر؛ لأن هذا المقام مقام أضمر؛ لظهور المرجع من غير سبق ذكر، ومقام وضع المضمر موضع الظاهر مقام لم يسبق مرجع الضمير، ولم تدل عليه قرينة حال، كما صرح به المفتاح، نعم منه ما أضمر لادعاء أن الذهن لا يلتفت إلى غيره، كقوله:
زارت عليها للظلام رواق ... ومن النّجوم قلائد ونطاق (٣)
أي: زارت الحبيبة حال كونها مستورة برواق من الظلام، وحال كونها عليها قلائد، ونطاق من النجوم، فإن قلت: هل يجوز أن يكون ادعاء التقرر في الأذهان نكتة لإيراد ضمير الشأن؟ قلت: لا؛ لأنه مناف لتفسير الضمير (وقد يعكس) أي: يوضع المظهر موضع المضمر.
(فإن كان اسم إشارة فلكمال العناية بتمييزه) أي: المسند إليه أو المظهر (لاختصاصه بحكم بديع) أورد في الكلام له، والأولى لكونه محكوما عليه بأمر
стр. 409
بديع هذا إذا أريد بقوله: لاختصاصه بحكم بديع كونه مختصّا بحكم بديع كما هو المشهور، أما لو أريد تخصيصه بالحكم البديع فيعني التعبير باسم الإشارة، ليجعل مخصوصا بحكم بديع؛ لأنه لو لم يتميز والتبس بالغير لا يخص الحكم به، بل كان ترددا بينه وبين ما يلتبس به، فعبارته سديدة (كقوله: ) أي: كقول ابن الراوندي (كم عاقل عاقل) أي: كامل العقل كذا قالوا: ويحتمل أن يكون من قبيل كل فرد فرد (أعيت) أي: أعجزته، أو أعيت عليه، أي: صعبت، وحذف العائد المفعول أهون من حذف العائد المجرور، والأبلغ أن يجعل حذف المفعول للتعميم، أي: أعيت كل واحد، أو صعبت على كل أحد طرق معاشه، فتشكل عليه المعيشة، ولغيره إعانته (مذاهبه) أي: طرق معاشه (وجاهل جاهل) عطف على عاقل عاقل (تلقاه مرزوقا) عطف على أعيت مذاهبه، ولا بأس إذ المجرور مقدم، ويحتمل أن يكون مرزوقا حالا من المفعول، وأن يكون حالا من الفاعل، أي: تلقاه مرزوقا أنت بسبب ملاقاته، وفيه مزيد مبالغة في ثروته سيما إذا جعل المضارع للاستمرار (هذا الذي ترك) أي: صير فإن ترك إذا عدى باثنين يكون بمعنى صير على ما في التسهيل (الأوهام حائرة وصيّر العالم النّحرير) المتقن (زنديقا) (١) أي: نافيا للصانع منكرا للآخرة، وتفسيره بمجرد النافي للصانع كما في بيان الشارح المحقق، والسيد السند في شرح المفتاح لا يوافق ما في القاموس هو من لا يؤمن بالآخرة، والربوبية، وفي القاموس أو هو معرب زندين، أي: دين المرأة، فإن قلت: إذا كان هذا مصير الأوهام ذوات حيرة، فغاية أمر العالم أن يتحير، فمن أين التصيير جازما بنفي الصانع؟ قلت: جعله الغضب المستولى عليه من حرمانه، مع استحقاقه منكرا للصانع معاندا.
فقوله: هذا إشارة إلى حكم معقول غير محسوس، وهو كون العاقل محروما، والجاهل مرزوقا، فكان المقام مقام الإضمار؛ لكنه لما اختص بحكم بديع، وجعل الأوهام حائرة، والعالم المتقن زنديقا كملت عناية المتكلم بتمييزه، فأبرزه في معرض المحسوس، فكأنه يرى السامعين أن هذا الشيء المتعين المتميز هو الذي له
стр. 410
تلك الصفة العجيبة، والحالة البديعة، فإن قلت: بذكر اسم الإشارة لا يزيد فيه تمييز إذ لا تصحبه الإشارة المفيدة لكمال التميز، فكيف يوجب كمال العناية بتميزه ذكر اسم الإشارة الغير المفيد له؟ قلت: إذا أبرزه في معرض المحسوس جعل بصيرة السامع متوجهة إليه توجه الباصرة إلى المحسوس، فحصل عنده مزيد تمييز، والأظهر أنه للتنبيه على كمال ظهوره إلى أن بلغ منزلة المحسوس.
قال السيد السند، وقد رد على ابن الراوندي من قال: كم من أريب فهم قلبه مستكمل العقل مقل عديم، ومن جهول مكثر ماله، ذلك تقدير العزيز العليم، ومن قال: نكد الأريب وطيب عيش الجاهل قد أرشدك إلى حكيم كامل (أو التهكم بالسامع) جعله المفتاح عديل الاختصاص بحكم بديع، ووجه كمال العناية تمييزه، وكذا نظائره التي بعدها، واعترض عليه بأن التهكم بالسامع ونظائره يوجب إيراد اسم الإشارة، ولا يوجب كمال العناية بتمييزه، وأجاب عنه السيد السند في شرح المفتاح: بأن التهكم بطلب اسم الإشارة الموجبة لكمال التميز، فالتهكم يصير سببا لكمال العناية بتميزه الموجب لإيراد اسم الإشارة، ولا يخفى أنه تكلف، فلذلك قال الشارح المحقق: هو عطف على كمال العناية.
بقي الكلام في أنه يكون مقصود المصنف، لأنه لم يتعرض في الإيضاح لقصور المفتاح، فهو يشهد بأنه رضى بما فيه، واختصره من غير عدول عنه (كما إذا كان فاقد البصر) الأخصر كما إذا كان أعمى، أو لا يكون؛ ثم مشار إليه (أو النداء على كمال بلادته) قدمه على فطانة؛ لأنه أنسب بالتهكم (أو فطانة) حيث تنزل غير المحسوس عنده منزلة المحسوس، أو التنبيه على كمال حدة بصره، فاحفظها، فإنها من المبدعات (أو ادعاء كمال ظهوره) لم يقل: أو التنبيه على كمال ظهوره؛ لأن وضع اسم الإشارة موضع الضمير لا يخلو عن الادعاء؛ لأن جعله محسوسا ادعاء.
(وعليه) أي: على وضع اسم الإشارة (من غير هذا الباب)، أي: باب المسند إليه قول ابن دمينه: (تعاللت) أي: أظهرت العلة (كي أشجي) على صيغة المعروف، كما هو المعروف من باب علم لازما أي: أخرت، ويحتمل صيغة المجهول من باب: نصر متعديا أي: أحزن (وما بك علّة) حال مؤكدة؛
стр. 411
لأنه يفهم من التعالل عدم العلة أو جملة دعائية معترضة (تريدين قتلي) الظاهر أردت؛ إلا أنه أراد حكاية الحال الماضية (قد ظفرت بذلك) (١) القتل المحسوس، ويحتمل أن يكون ذلك للإشارة إلى بعد القتل؛ لأنه لكمال شجاعته يبعد عن قلة كل أحد، وهي قد ظفرت بمجرد تعالل (وإن كان) المظهر الموضوع موضع المضمر (غيره) أي: غير اسم الإشارة (فلزيادة التمكين)، وذلك إما لأن ذلك الاسم الظاهر تعليل الاحتمال، وإما لأن الظاهر لما وقع غيره موقعه كان كحدوث غير متوقع فأثر في النفس تأثيرا بليغا، ويمكن فيه زيادة تمكن وفي اختصاصه بغير اسم الإشارة نظر (نحو: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ) (٢) وعندي: أن ترك الإضمار؛ لأنه يتبادر الذهن منه إلى الشأن الذي ذكر آنفا، ولا يبعد أن يكون من نكات وضع غير اسم الإشارة موضع الضمير التنبيه على بلادة السامع، حيث لا يفهم الضمير، وادعاء الخفاء بحيث لا يتضح إلا بتكرار البيان الواضح (ونظيره)، ولا خفاء في أنه لا حاجة إلى قوله (من غيره).
قوله تعالى: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ (٣) أي: ما أنزلنا القرآن إلا بالحكمة المقتضية لإنزاله، وما نزل إلا بالحكمة، ولا يخفى أن الظاهر: فبالحق نزل؛ لأنه لازم الإنزال بالحق، إلا أن يقال: المراد بالإنزال تقدير النزول.
قال السيد في شرح المفتاح: لو فسر الحق بالأوامر والنواهي لم يكن مما نحن فيه، قلت: وحينئذ يكون الواو في موقعه (أو إدخال الروع في ضمير السامع) المهاب (وتربية المهابة) والإخفاء. وإن إدخال الروع في الضمير المهاب وتربية المهابة واحد فلذا عطف بالواو، ولو أريد إدخال الروع ابتداء لكان مخالف تربية المهابة؛ لأنها إدخال الروع بعد وجوده، وقيل مع ذلك: هما متقاربان، والمقصود منهما بيان نكتة واحدة، وهي إدخال الروع، فلذا لم يعطف بأو، وقلت: ولم يقل مثالها، بل مثالهما إشارة إلى أن القصد من الإدخال، ولتربية إلى نكتة واحدة: (أو تقوية داعي المأمور) إلى ما أمر به، وهو عظمة الأمر
стр. 412
(مثالهما)، أي: مثال إدخال الروع مطلقا وتقوية داعي المأمور (قول الخلفاء:
أمير المؤمنين يأمرك بكذا وكذا) مكان: أنا آمرك ويمكن أن يكون النكتة فيه إظهار النصفية بأني لا أطلب منك مطاوعتي، بل مطاوعة أمير المؤمنين أيا كان (وعليه) أي: على وضع المظهر موضع المضمر للنكتتين قوله تعالى: فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ (١) وحيث لم يقل عليّ؛ لأن في سماع لفظ الله الجامع لجميع صفات اللطف والقهر إدخال روع في قلب السامع ما ليس في سماع ضمير المتكلم، وتقوية الداعي إلى التوكل ما لا يخفى، ولا وجه لتخصيصه بالتقوية، كما فعله الشارح المحقق، والسيد السند في شرح المفتاح (أو الاستعطاف) أي:
طلب العطف والرحمة؛ لأن في المظهر دلالة على ما يوجب إظهاره رحمة المخاطب بخلاف الضمير (كقوله:
إلهي عبدك العاصي أتاكا ... مقرّا بالذّنوب وقد دعاكا
فإن تغفر فأنت لذاك أهل ... وإن تطرد فمن يرحم سواكا (٢)
ولا يخفى أنه لو قال: وإن ترحم فمن يرحم لكان في غاية اللطافة، وكأنه احترز عن لفظ الرحم؛ لشيوعه في وصف الشيطان.
قال الشارح المحقق: حيث لم يقل: أنا العاصي أتيتك على أن يكون العاصي بدلا؛ لأن في ذكر عبدك من استحقاق الرحمة وترقب الشفقة ما ليس في لفظ:
أنا، وفيه- أيضا- يمكن في وصفه بالعاصي كما في قوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً إلى قوله: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ (٣) حيث لم يقل: فآمنوا بالله وبي؛ ليتمكن من إجراء الصفات المذكورة عليه، ويشعر بأن الذي وجب الإيمان به بعد الإيمان بالله هو الرسول الموصوف بتلك الصفات كائنا من كان أنا أو غيري إظهارا للنصفة وبعدا من التعصب لنفسه. هذا فقد جعل المظهر الذي هو عبدك مقام أنا في:
стр. 413
أنا العاصي وأشكل عليه موقع العاصي، فجعله بدل الكل على مذهب الأخفش، مع أن الجمهور على منعه إلا عن ضمير الغائب، وتبعه السيد السند، وسعى في ترجيح مذهب الأخفش، ونحن نقول: وضع عبدك موضع أنا الغير المقرون بالوصف؛ ولذا صحّ أن يكون من نكات ذلك الوضع التمكن من الوصف بالعاصي، والأجمع ضمير المتكلم- أيضا- بتحقق ذلك التمكن بإيراد الوصف بدلا؛ لأن النافع في مقام التضرع ذكر وصف العبودية، لا جعله صفة نحوية قال (السكاكي (١): هذا) (٢) إشارة إلى ما يستفاد من أقرب مثال، وهو وضع المظهر مكان ضمير المتكلم (غير مختص بالمسند إليه) لا يخفى أنه لغو، لا فائدة فيه، لا في كلام المصنف ولا في كلام السكاكي؛ لأنه قد سبق منهما- آنفا- وعليه فإذا عزمت فتوكل على الله (ولا بهذا القدر) أي: النقل من التكلم إلى الغيبة لا يخص بهذا القدر الذي كلامنا فيه من وضع الاسم الظاهر موضعه، بل قد يكون لوضع ضمير غائب موضعه، ثم أضرب عن هذا المقصد إلى الأهم الأعم، فقال: (بل كل من التكلم والخطاب والغيبة مطلقا) أي: واحدا كان، أو مثنى، أو مجموعا مذكرا أو مؤنثا (ينقل إلى الآخر)، ولذا عبر عن المتكلم والمخاطب والغائب بالمصدر؛ ليصح إطلاقه على الجميع، وزاد المصنف قوله:
مطلقا تصريحا بما قصده، وللتنبيه على غير ما يضامن الإطلاق، عن أن يكون مقتضى المقام من غير أن يعبر عنه بعبارة أخرى، كما في الأمثلة السابقة حتى
[ويسمى هذا النقل عند علماء المعاني التفاتا]
يصح قوله: (ويسمى هذا النقل عند علماء المعاني التفاتا)، وليس المراد الإطلاق عن أن يكون معبرا بعبارة أخرى، كما يستفاد من سوق كلام الشارح المحقق؛ لأن هذا التقييد لا يستفاد من سابق الكلام؛ بل ما ذكرنا من التقييد
стр. 414
ومن الإطلاق عن أن يكون في المسند إليه، وما ذكره الشارح المحقق، وتبعه السيد السند من أن في قوله: ولا بهذا القدر أدنى تسامح؛ إذ المراد: ولا يخص مطلق النقل بهذا القدر من النقل من التكلم إلى الغيبة غير ملتفت؛ لأن العبارة بعيدة عنه جدّا، والحمل عليه تعسف، ولا يعود إليه قائل، وإنما قال عند علماء المعاني مع بيان التسمية في علم المعاني يغنى عنه، لئلا يتوهم أن التسمية اصطلاح منه، حيث اشتهر خلافه بين الجمهور؛ ولرد ما توهمه عبارة الكشاف، حيث قال: يسمى التفاتا في علم البيان، وتوجيهه: أنه جرى في استعمال علم البيان على مذهب من يسمى العلوم الثلاثة بيانا، لا أنه من علمي المعاني والبيان بحيثيتين، بل من الثلاثة ولذا ذكره السكاكي في علم البديع أيضا، لأنه من حيث اشتماله على إيراد طرق مختلفة لا يخرج عن أقسام المجاز، وليس له حال مخصوص بياني يستدعي ذكره بخصوصه في علم البيان حتى يكون سببا لتسميته، ومن قال:
إنه من العلوم الثلاثة فلا بد له من إثبات حسن عرضي به كحسن ذاتي، وفيه بحث.
قال الشارح: مأخوذ من التفات الإنسان من يمينه إلى شماله، ومن شماله إلى يمينه، قلت: لأنه فيه ربما ينتقل من التكلم إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى التكلم باسم (كقول امرئ القيس) في المرثية كذا ذكره العلامة في شرح المفتاح [تطاول ليلك] بتذكير الخطاب، وإن كان الشائع في خطاب النفس التأنيث بدليل: [ولم ترقد] بتذكير الخطاب [بالأثمد] (١) قال الشارح والسيد السند في شرح المفتاح: الأثمد- بفتح الهمزة وضم الميم- اسم موضع ويروى بكسرهما، وفي القاموس الأثمد كأحمد وبضم ميمه، أراد المصنف مزيد التصريح بأن التعبير بإحدى الطرق في مقام يقتضي الطريق الآخر التفات عنده، فاكتفى في التمثيل
стр. 415
بأول مصراع امرئ القيس، مع أن السكاكي أورد أبياته الثلاثة، إذ هذا الالتفات في المصراع الأول فقط أتي من بين شواهد السكاكي بهذا؛ لأنه بالغ السكاكي في مدح امرئ القيس في هذا المقام بحيث يترائى أي: إن أوثق ما ذكره هذا الشعر، وما ذكره الشارح المحقق من أنه خصص هذا المثال من بين أمثلة السكاكي لما فيه من الدلالة على أن مذهبه: أن كلا من التكلم والخطاب والغيبة إذا كان مقتضى الظاهر إيراده، فعدل عنه إلى الآخر، فهو التفات؛ لأنه قد صرح بأن في قوله: [ليلك] التفاتا؛ لأنه خطاب لنفسه ومقتضى الظاهر [ليلى]، ففيه أن من بين أمثلته كثيرا يحصل منه هذه الدلالة، إلا أن يقال: أراد أنه خصص هذا المثال من بين الأمثلة المشتملة عليه هذا البيت، وحينئذ يمكن أن يراد في النكتة، ويقال الأنسب في مقام الاقتصار على مثال واحد: أن يذكر مثال الأول ما ذكر في القاعدة، وهو نقل الكلام من التكلم ولا يذهب عليك أنه ينبغي للشارح أن يقول: لما فيه من الدلالة على أن مذهب علماء المعاني عنده كذا، لا أن مذهبه كذا، لأنه ادعى أن ما ذكره مذهب علماء المعاني، لا أنه مذهبه.
(والمشهور أن الالتفات هو التعبير عن معنى بطريق من الثلاثة بعد التعبير عنه بآخر منها)، وكأنه حمل السكاكي قولهم: بعد التعبير عنه بآخر منها على أعم من التعبير حقيقة أو حكما، واقتضاء المقام تعبيرا في حكم التعبير، ولا يخفى أن التعبير عن معنى يقتضي المقام التعبير عنه بلفظ مذكر بلفظ مؤنث، وبالعكس، وكذا التعبير بمذكر بعد التعبير بمؤنث يشارك الأمثلة المذكورة في النكت، فينبغي أن يجعل تحت الالتفات، وله نظائر أرجو أن تتفطن لها، ولا تقتصر على ما ألقيته إليك، ولو لم يثبت أنها جعلت التفاتا، فتجعلها ملحقات به، وصرح العلامة في شرح المفتاح غير مرة بتقيد تعريف الالتفات بأن: يكون التعبير الثاني على خلاف مقتضى الظاهر وادعى الشارح المحقق: أن التنبيه لوجوب زيادة هذا القيد من عنده، وتمسك بأنه لو لم يقيد التعريف لدخل فيه ما ليس من الالتفات، نحو: أنا زيد وأنت عمرو، ونحو: إياك نستعين، فإنه بعد التعبير بالغيبة، مع أنه لا التفات إلا في إياك نعبد، لأنه بعد إياك نعبد يقتضى
стр. 416
الظاهر: إياك نستعين ويمكن إخراجه عن التعريف بأن يراد بقوله: بعد التعبير عنه بطريق آخر بعدية بلا واسطة كما هو المتبادر، ومنهم من توهم أن في [يا أيها الذين آمنوا] التفاتا ومقتضى الظاهر: آمنتم، ويرده ما ذكره المازني في قول علي- ﵁[أنا الذي سمّتني أمّي حيدره] (١) أنه لولا اشتهار مورده وكثرته لرددته، إذ القياس: سمته أمه، وعلى هذا في قوله التفات (وهذا) أي:
التفسير المشهور (أخص) من تفسير السكاكي. قال في الإيضاح: وهذا أخص من تفسير صاحب المفتاح، فقول الشارح أي: الالتفات بتفسير الجمهور أخص منه بتفسير السكاكي تفسير لعبارته بغير ما يرضاه، وكلام الكشاف ظاهر في موافقة السكاكي حيث قال: التفت امرؤ القيس ثلاث التفاتات في ثلاثة أبيات يعني بها
تطاول ليلك بالأثمد ... بات الخلىّ ولم يرقد
وبات وباتت له ليله ... كليلة ذي العائر الأرمد
وذلك من نبأ جاءني ... وحبّرته عن أبي الأسود
وتجويز أن يكون قوله مبنيّا على الانتقال من الخطاب إلى الغيبة، وإلى التكلم التفاتان، ومن الغيبة إلى التكلم التفات آخر باطل؛ إذ لا انتقال من الخطاب إلا إلى الغيبة؛ لأنه إذا انتقل إلى الغيبة لم يبق في الخطاب حتى ينتقل عنه إلى التكلم، وكذا تجويز أن يكون أحد الالتفاتات، الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في ذلك، لأن كون خطاب ذلك إلى نفسه غير ظاهر فلا ينافي ذلك التجويز كون كلام الكشاف ظاهرا فيما قاله السكاكي (مثال الالتفات عن التكلم إلى الخطاب وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (٢) مكان: أرجع، فإن ما عبر عنه بضمير المتكلم في: أعبد ما أبرز بصورة الخطاب في ترجعون؛ لأنه داخل في ترجعون، والمعنى: أرجع وترجعون.
قال الشارح المحقق: فإن قلت: ترجعون ليس خطابا لنفسه حتى يكون المعبر عنه واحدا قلت: نعم، ولكن المراد بقوله: ما لي لا أعبد: المخاطبون،
стр. 417
والمعنى: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم كما سيجيء، فالمعبر عنه في الجميع المخاطبون وفيه نظر؛ لأنه لم يعبر عن المخاطبين بضمير المتكلم؛ بل إنهم المعرض بهم بهذا الكلام من غير الدخول وفي العبارة ونظم التركيب، ثم قال: فإن قلت: حينئذ قوله يكون «ترجعون» واردا على مقتضى الظاهر، والالتفات يجب أن يكون على خلاف مقتضى الظاهر، قلت: لائم أن قوله: ترجعون على مقتضى الظاهر؛ لأن الظاهر يقتضي أن لا يغير أسلوب الكلام، ويجري اللاحق على سنن السابق، وهذا الخطاب مثل التكلم في قوله: بناء جاءني، وقد قطع المصنف بأنه وارد على مقتضى الظاهر، وزعم أن الالتفات عند السكاكي لا ينحصر في خلاف مقتضى الظاهر، وهذا مشعر بانحصاره فيه عند غير السكاكي وفيه نظر؛ لأن مثل: ترجعون وجاءني في الآية والبيت التفات عند السكاكي وغيره، فلو كان واردا على مقتضى الظاهر لما انحصر الالتفات خلاف مقتضى الظاهر عند غير السكاكي أيضا فلا يتحقق اختلاف التفات بينه وبين غيره، ثم الحق أنه منحصر في خلاف مقتضى الظاهر، وأن مثل ترجعون وجاءني من خلاف المقتضى على ما حققناه. هذا كلامه.
ولو نظر في كلام المصنف حق النظر لا يتجه عليه شيء مما ذكر؛ لأنه قال في الإيضاح: وأما قول امرئ القيس: تطاول ليلك ... إلخ، فقال الزمخشري: فيه ثلاث التفاتات وهذا ظاهر على تفسير السكاكي؛ لأن في كل بيت التفاتا على تفسيره، لا يقال: الالتفات عنده من خلاف مقتضى الظاهر، فلا يكون في البيت الثالث التفات؛ لوروده على مقتضى الظاهر؛ لأنا نمنع انحصار الالتفات عنده في خلاف المقتضى لما تقدم- هذا كلامه- ولا يخفى على الناظر أنه مانع، ولا زعم للمانع، وتقييد عدم الانحصار بكونه عند السكاكي إنما يشعر بثبوته عند غيره على القول بمفهوم المخالفة، وهو إنما يثبت عند قائله إذا لم يكن للتقييد فائدة أخرى، وله في كلام المصنف فائدة أخرى ظاهرة، وهو أن المقصود منه دفع الاعتراض على المقدمة القائلة بأن في كل بيت التفاتا عند السكاكي، ثم الحق أن نظائر يرجعون على مقتضى الظاهر نظرا إلى الوضع، وعلى خلافه نظرا إلى الأسلوب، كلام المصنف في نفي الالتفات بناء على أنه على مقتضى الظاهر مبني
стр. 418
على حمل خلاف مقتضى الظاهر على خلاف مقتضى ظاهر الوضع، ومنع الانحصار في ذلك، وهو لا ينافي اشتراط كونه على خلاف مقتضى الظاهر بوجه ما (وإلى الغيبة إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ) (١) مكان لنا وقد كثر في الواحد من المتكلم لفظ الجمع تعظيما له لعدهم المعظم كالجماعة، ولم يجئ ذلك في الغائب والمخاطب في الكلام القديم، وإنما هو استعمال الوالدين كقوله: بأي نواحي الأرض أبغى وصالكم وأنتم ملوك لمقصدكم، نحو: تعظيما للمخاطب، كذا قالوا.
ولا يخفى أنه جاء إطلاق الجمع الغائب على الواحد كما في: نعم الماهدون، فإن الاسم الظاهر غائب، ويخالفه ما في الكشاف في سورة هود أنه يجوز أن يكون المخاطب في قوله تعالى: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ (٢) النبي وحده، ويكون جمع الضمير تعظيما له كما في قوله:
[فإن شئت حرمت النساء سواكم] (٣)
وما فيه في «سورة المؤمنون» في قوله تعالى: ارْجِعُونِ أنه جمع الضمير تعظيما كما في قوله: [فإن شئت حرمت النساء سواكم] وقوله: ألا فارحموني يا إله محمد، ولا يبعد أن يجعل للواحد لفظ الجمع؛ لكونه بمنزلة جمع لا في العظمة، بل لغيرها، نحو: ضربنا للمبالغة في كثرة ضربه، حتى أنه كالضاربين، وكمرضنا للتنبيه على شدة مرضه كأنه متعدد من المرضى.
(ومن الخطاب إلى التكلم) قول علقمة بن عبدة: [طحا بك] مذكرا ومؤنثا؛ لأنه خطاب لنفسه أي: ذهب بك [قلب في الحسان] أي: في طلب الحسان فهو متعلق بطحا، وقال الشارح المحقق: متعلق بقوله [طروب] وحينئذ يناسب أن يكون التقديم للحصر قال المرزوقي: طروب في الحسان له طرب في طلب الحسان ونشاط في مراودتها (بعيد الشّباب) أي: زمانا بعد الشباب قريبا
стр. 419
منه، والتصغير للقريب، فينافي قوله: (عصر حان) أي قرب (مشيب)؛ لأن المشيب خلاف الشباب، ولهذا قيل المراد: بعيد أكثر زمان الشباب أي: حين كاد ينصرم الشباب، وقرب المشيب أوصل المراد بالمشيب (ألجومة) (١)، وقوته (يكلّفني) التكليف: الأمر بما يشق عليك، كذا في القاموس فتعديته بالمفعول الثاني بتقدير الباء أي: يكلفني بوصال (ليلى) وروى بالتاء الفوقانية بجعل ليلى فاعلا، قال الشارح: والمفعول محذوف إن: شدائد فراقها، وأقول الأنسب حينئذ أن يكون بين يكلفني وسط تنازع في قوله وليها، ويكون المعنى: يكلفني ليلى وحبها المفرط وليها (وقد شطّ) أي: بعد (وليّها) أي: قربها، وجوز الشارح أن يكون خطابا للقلب ويكون فيه التفات آخر من الغيبة إلى الخطاب ويجوز أن يكون خطابا على طبق «طحا بك»، فيكون الالتفات بتمامه في يكلفني،
[وعادت عواد بيننا وخطوب] (٢)
قال المرزوقي: عادت إما من المعاداة، كأن الصوارف والخطوب صارت تعاديه، ويجوز أن يجعل من عاد يعود، أي: عادت عواد، وعوائق كانت تحول بيننا إلى ما كانت عليه قبل هذا، والعوادي جمع العادية، وهي ما يصرفك عن الشيء، ويشغلك على ما في القاموس، ولك أن تجعل عاد من الأفعال الناقصة، أي: صارت عواد حائلة بيننا، وإن المعاداة بين العوادي في أخذ التكلم وشغلها، ولا يخفى لطف هذه النكتة على أهلها (وإلى الغيبة حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) (٣) مكان بكم (ومن الغيبة إلى التكلم وَاللَّهُ
стр. 420
الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ) (١) مكان ساقه، ولا يتوهم أنه قد مر مثاله في قول علقمة، حيث عبر عن ليلى بعد التعبير عنه باسمها العلم بضمير المتكلم حيث قال بيننا؛ لأن التعبير عن الغائب بضمير المتكلم مع الغير ليس خلاف مقتضى الظاهر، فتأمل.
(وإلى الخطاب: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ) (٢) مكان إياه نعبد، ومنهم من اشتراط في الالتفات اتحاد المخاطب في التعبيرين المختلفين، وكأنه دعاه إليه أنه لا يوجد بدون النكتة التي صرحوا بعمومها لكل التفات، ومنع ذلك بأنه يكفي فيها اتحاد السامع، ويمكن دفعه بأن المراد بالمخاطب ما يعم السامع، فإنه في حكم المخاطب، وحينئذ يتجه على ما ذكره الشارح المحقق، أنه أخص من الالتفات المعتبر عند الجمهور أنه باطل؛ لأنه لا بد من اتحاد السامع عند الكل بقرينة الاتفاق على عموم تلك النكتة المتوقفة على ذلك الاتحاد، على أنه ما لم يثبت أن ما هو التفات مخصوص بالسكاكي ليس التفاتا عنده، لا يظهر كونه أخص مما هو الالتفات عند الجمهور، ولم يثبت ذلك نعم، ما ذكره في ضرام السقط أن قول أبي العلاء:
هل يزجرنّكم رسالة مرسل ... أم ليس ينفع في أولاك الوكّ
أي: في أولئك رسالة، وإن كان يرى فيه التفات ليس منه؛ لأن المخاطب بهل يزجرنكم بنو كنانة، وبقوله: أولاك أنت تشعر بأنه أريد اتحاد المخاطب حقيقة، أو لا مانع من اتحاد السامع فيه، لكن الكلام في أنه هل هو تحقيق من صاحب اتضرام أو وهم لعدم التنبيه لعموم المخاطب السامع، وقد يطلق الالتفات على تعقيب الكلام بجملة مستقلة متلاقية له في المعنى على طريق المثل، أو الدعاء، أو نحوهما من المدح والذم، كقوله تعالى: وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (٣) وقوله ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ (٤) قد يطلق على كلام ذكر في أثناء المقصود لدفع ما اختلج في قلب السامع مما ذكرته قبل إتمام المقصود، كقول
стр. 421
ابن ميادة:
فلا حرمة تبدو وفي اليأس راحة ... ولا وصله يصفو لنا فنكارمه (١)
فكأنه لما قال: فلا حرمة تبدو، وقيل له: ما تصنع، فأجاب بقوله: وفي اليأس راحة (ووجهه) أي: وجه الالتفات الداعي إليه أيا كان فهذا الوجه يعم كل الالتفات، بل يعم وضع الظاهر موضع المضمر وعكسه، والتعبير بالماضي عن المستقبل، وعكسه إلى غير ذلك (أن الكلام إذا نقل من أسلوب) يتوقعه السامع (إلى أسلوب) لا يتوقعه سواء وجد المتوقع قبل غير المتوقع كما في الالتفات المشهور أو لم يوجد، كما فيما يخص السكاكي من الالتفات (كان أحسن نظرية) قيل: المسموع في المفتاح المهموز، لكن جعله السيد السند في شرح المفتاح محتملا؛ لأن يكون من طرء عليه إذا أورد عليه أي: حسن إيراد أو أن يكون ناقصا من: طريت الثوب، إذا عملت به ما جعله كأنه جديد، واللام في قوله: (لنشاط السامع) إما للتقوية، فيكون النشاط مفعول التطرية بمعنى التجديد، وإما للتعليل، فيكون غرضا من التطرية، وهو الموافق لقوله: (وأكثر إيقاظا للأصفاد إليه وقد يختص) تحقيقا (مواقعه بلطائف) أي: قد يختص بعض مواقعه ببعض اللطائف، لا أنه يختص كل التفات سوى هذا الوجه العام بلطيفة كما فسره به الشارح، وإلا لأوجب ذلك أن لا يكتفي في الالتفات بالنكتة العامة، وقد أشار بجمع الكثرة إلى كثرتها (كما في الفاتحة) أي: في سورة الفاتحة، ولك أن تريد فاتحة سورة الفاتحة (فإن العبد إذا ذكر) الأولى حمد، لأن الحمد أقوى في التحريك من مجرد الذكر (الحقيقي بالحمد عن قلب حاضر) بأنه العبد الذليل، وهو سيد جليل (يجد من نفسه محركا للإقبال عليه، وكلما أجرى عليه صفة من تلك الصفات العظام قوى ذلك المحرك إلى أن يؤول الأمر إلى خاتمتها المفيدة أنه مالك للأمر كله في يوم الجزاء).
стр. 422
وجه ذلك بأنه أضيف مالك إلى يوم الدين على طريق الاتساع، والمعنى على الظرفية، أي: مالك في يوم الدين، والمفعول محذوف دلالة على التعميم، وأورد عليه أن المحذوف المقدر كالملفوظ، فكأنه قيل: مالك يوم الدين جميع الأمور، فيلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، أقول: يا سارق الليلة أهل الدار مشتمل على هذا المجاز، مع ذكر المفعول الحقيقي، وتوجيهه جعل المفعول بدلا، والجمع بين الحقيقة والمجاز غير عزيز في البدل، كما في: قطع زيد يده، وسلب زيد ثوبه، فقول هذا القائل: والمفعول محذوف يريد به ما كان مفعولا قبل الاتساع وصار بدلا بعده (فحينئذ يوجب) ذلك المحرك (الإقبال عليه) أي:
على ذلك الحقيق بالحمد (والخطاب بتخصيصه بغاية الخضوع) الذي هو العبادة إذ العبادة نهاية التذلل (والاستعانة في المهمات) إشارة إلى اختيار تفسير إياك نستعين بالاستعانة في جميع المهمات على تفسيره بالاستعانة في العبادة، والمرجح عكسه على ما بين في محله، فاللطيفة الداعية إلى هذا الالتفات قوة المحرك الحاصلة من تفصيل الصفات، لا التنبيه على أن القارئ ينبغي أن يأخذ في القراءة، كذلك؛ لأن القرآن نزل على لسان العباد، والعبد في قراءته لا يقصد أن القارئ ينبغي أن يكون كذلك، فيعم البيان بيان المتن حيث أسقط ما في المفتاح من: أن اللطيفة المختصة هي ذلك التنبيه، ولم يتنبه له الشارح المحقق فظنه مقصرا في تقرير كلام المفتاح، وقال تتميما لبيانه: واللطيفة المختصة بها موقع هذا الالتفات هو أن فيه تنبيها على أن العبد إذا أخذ في القراءة يجب أن يكون قراءته على وجه يجد من نفسه ذلك المحرك المذكور.
هذا وقد ظهر لك أن: إياك نستعين ليس من الالتفات في شيء؛ لأنه مقتضى الظاهر بعد العدول إلى الخطاب في إياك نعبد، فلا يلتفت إلى ما يوهمه سوق بيان النكتة من أن فيه التفاتا دعت إليه قوة محرك الإقبال، وجزالة نكتة المفتاح وبراعته، على ما ذكره الزمخشري، لا يحتاج إلى الإيضاح، وهو أن الخطاب يشعر بأن المخصص بالعبادة والاستعانة هو الموصوف بالصفات، وهي العلة في التخصيص؛ لأن الخطاب لكونه بالغا في التعين مقام المشاهد، وذلك التعين إنما جاء من قبل الصفات، وذكر الشارح أن النكتة فيه التنبيه على أن
стр. 423
العابد ينبغي أن يكون متوجها إليه بالكلية، بحيث كأنه يراه، ولا يلتفت إلى ما سواه. هذا وينبغي أن يضم إليه، وعلى أن المستعين ينبغي أن يكون كذلك؛ ليجاب.
فإن قلت: كونه كذلك في مقام تخصيص العبادة لا يقتضي التنبيه على وجوب كونه ذلك في مقام العبادة، قلت: يمكن أن يتكلف للشارح بأنه لما جعله في مقام الحمد، وهو عبادة كذلك نبه عليه، أو بأنه لما جعله في سورة لا يكون الصلاة بدونها، كذلك نبه على ذلك، وهذا مراده، لا أنه لما جعله كذلك في مقام عرض العبادة نبه على ذلك وهاهنا سوانح غيبية لمن له أهلية منها:
أن المراد بقوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ، فعرف كما في: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (١) أي: ليعرفون فحصر المعرفة فيه بعد حصر الحمد، وأشار إلى الشركة العامة في ذلك تنبيها على أن حصر المعرفة في مقام مشاهدة الكثرة، وذلك كمال التوحيد، ولا يخفى أن المنبه على تلك المشاهدة صيغة الخطاب، ومنها أنه تعالى نبه أولا على أنه غائب عن كل مثلى بعالم الحس، وطريق الوصول إليه التوجه إلى تفصيل صفاته بقلب حاضر، فإن نهاية التفصيل حضوره عنده بحيث يسعه أن يخاطبه وبحضوره يرى العبد: أن القدرة كلها له وهو ذليل عاجز، فيخاطبه بإظهار ذل من سواه وعجزه في كل ما عناه، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله.
قال الشارح المحقق: ولما أنجز كلامه إلى ذكر خلاف المقتضى الظاهر أورد عدة أقسام منه، وإن لم يكن من مباحث المسند إليه، أقول: قد مهد البحث في أول الشروع في بحث خلاف مقتضى الظاهر على وجه لا يخص المسند إليه ونبه على أن بحثه غير مختص حيث قال: وقد يخرج الكلام على خلافه، ولم يقل، وقد يخرج المسند إليه على خلافه، فقوله: (ومن خلاف المقتضى) بمعنى: خلاف المقتضى الذي كلامنا فيه، وهو مطلق خلاف المقتضى، ونبه بقوله: (ومن) على أنه لا ينحصر فيما ذكر كيف وجميع المجازات خلاف مقتضى الظاهر في القاموس، لقيه، كتلقاه، والتقاه هذا، فقوله: (تلقى المخاطب بغير ما يترقب) مما عدي
стр. 424
إلى المفعول الثاني بالباء، أي: جعل المخاطب متلقيا غير ما يترقب (بحمل) أي: بسبب حمل (كلامه على خلاف مراده تنبيها على أنه) أي: ذلك المخالف (أولى بالقصد) وأقول: أو هو الواجب أن يقصد على حسب تفاوت المقامات، وكونه أولى إما بالنظر إلى المتكلم أو المخاطب أو غيرهما، ولا يخفى أن التلقي لا يتوقف على حمل كلامه على خلاف مراده، بل يصح أن يكون للتنبيه على أن غيره أولى بالإفادة والتخاطب به، فالحمل على خلاف المراد مؤنة لا حاجة إليه (كقول القبعثري (١) للحجاج (٢) وقد قال) الحجاج متوعدا له. أشار بقوله:
وقد قال وجعله حالا أنه قال ذلك بديهة، وأكد فطانته بقوله: متوعدا له، حيث لم يحل بينه وبينها وعيد الحجاج (لأحملنك على الأدهم مثل الأمير حمل الأدهم والأشهب) (٣) نبه الحجاج أنه الأولى بالقصد نظرا إلى حال الأمير، كما أشار إليه المصنف، ولو كان قصده إلى أنه الأولى بالقصد نظرا إلى المخاطب يقال: مثلي حمل على الأدهم والأشهب، أي: الفرس الذي غلب سواده حتى ذهب البياض، والفرس الذي غلب بياضه حتى ذهب ما فيه من السواد وضم الأشهب للقرينة على المراد بالأدهم، أو لإفادة أنه لا ينبغي أن يكتفي بالأدهم (أي: من كان مثل الأمير في السلطان) الغلبة (وبسطة اليد) أي: الكرم والنعمة والمال (فجدير بأن يصفد).
قال الشارح: بأن يعطي من الأصفاد (لا أن يصفد) من حد ضرب أي
стр. 425
يقيد ويوثق، وفي القاموس جعل كلا من الأصفاد والصفد مشتركا بين المعنيين فلك أن تجعلهما على لفظ واحد، وكلا منهما بمعنى، وأن تجعل كل لفظ مخالفا للآخر، إما كما فعله الشارح، أو على عكسه. روي أنه قد أغضب الحجاج قوله: وقال الأدهم حديد، فقال: بلا توقف: لأن يكون حديدا خير من أن يكون بليدا، أي: خير بالنسبة إلى الأمير أو بالنسبة إلي (أو السائل بغير ما يتطلب) في الصحاح التطلب هو الطلب مرة بعد أخرى، فالأولى لغير ما تطلب؛ لأن ذلك التلقي لا يخص بمن يبالغ في الطلب، وكأنه أوقعه فيه حسن المناسبة بين يترقب ويتطلب، فرجح رعاية جانب اللفظ على المعنى (بتنزيل سؤاله منزلة غيره) الكلام فيه كالكلام في حمل الكلام على خلاف المراد، هل هو ضروري أم لا؟ (تنبيها على أنه الأولى بحاله) أي: بحال السائل، أو على أنه الأولى بحال المجيب، فالأولى الاكتفاء بقوله: (على أنه الأولى أو المهم) من غير ذكر.
والفرق بين الأولى والمهم هو: الفرق بين الأهم والمهم، فالمهم هو الواجب، ولا يخفى أن تلقي السائل بغير ما يتطلب مندرج تحت تلقي المخاطب بغير ما يترقب، ولا تفاوت بينهما إلا بحسب العبارة (كقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) (١)، كما أن السؤال عن حكمة تفاوت الأهلة أولى بحالهم، الجواب: بيان الحكمة أولى بحال الرسول- ﵇ لأنه المبعوث لبيان أمثاله، في الشرح سألوا عن السبب في اختلاف القمر في زيادة النور ونقصانه حيث قالوا: ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط، ثم يتزايد قليلا قليلا، حتى يمتلي ويستوي، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ، فأجيبوا ببيان الغرض من هذا الاختلاف، وهو أن الأهلة بحسب ذلك الاختلاف معالم يوقت به الناس أمورهم من المزارع، والمتاجر، ومحال الديون، والصوم، وغير ذلك، ومعالم الحج يعرف بها وقته، وذلك للتنبيه على أن الأولى والأليق بحالهم أن يسألوا عن الغرض، لا عن السبب؛ لأنهم ليسوا ممن يطلعون بسهولة على ما هو من دقائق علم الهيئة، ولا يتعلق لهم به غرض. هذا كلامه.
وفي الوجه الأول: أنه يلزم أن يكون في الآية بيان أن السؤال عن الغرض