ولا خفاء في أن المقصود بالإفادة: الحكم بمعنى وقوع النسبة أو لا وقوعها، لا الإيقاع والانتزاع كما تفيده تعدية الحكم بقوله (على أمر معلوم له) ففيه مسامحة، والمراد متعلق حكم كذلك، وتقدير المفعول به، وجعل حكما مفعولا له لا يحضر به إلا بصر حديد وعن فهم المتعلم بعيد.
(بإحدى طرق التعريف) إذ لا يجتمع اثنان منها (بآخر) لو اكتفى به (أو مثله) لكفى.
قال الشارح: أشار بقوله (آخر) إلى وجوب مغايرة المسند والمسند إليه بحسب المفهوم، ولا ينتقض بنحو: أنا أبو النجم، وشعري شعري، فإن الخبر مؤول، فأبو النجم: بمعنى المشتهر الدائرة على الألسنة، وشعري شعري على ما ذكره الشارح بتقدير: شعري الآن مثل شعري السابق، وعلى ما يمكن أنه بمعنى الكامل؛ لأن إضافة الشعر إليه تشعر بالكمال، أو المعنى: كل شعر لي، مثل:
شعر آخر لي، يريد: أن أشعاري متماثلة غير متفاوتة، وهذا آية التمكن في الشعر، وعدم التلون، ولا كمال فوقه.
ولا بأس بالاتحاد في اللفظ، فتقول بمعنى: عين: تريد بالثاني: الينبوع، وتقول: هو هو، عند اختلاف المرجعين، ولا بالترادف عند اختلاف المقصودين، نحو: الليث الأسد، تريد بالأول ما وضع له هذا اللفظ، وبالثاني مفهوم الأسد بعينه.
ولو قال: على مفهوم بآخر لكان أحسن، حيث كان يشعر بأن المغايرة في المفهوم، لا في الخارج، والمراد بالمماثلة مجرد كونه معلوما بإحدى طرق التعريف، ولو تركه لكان أحسن؛ لاشتهار مماثلة المعرف بالمعرف في المماثلة في مرتبة التعريف، ولو حمل المماثلة على المماثلة في التحقق بأن يتحدا في الوجود لكان أفيد.
وقد أفاد أنه يجب عند تعريف المسند تعريف المسند إليه اختيار الغير مذهب سيبويه، فإنه يجوز الإخبار بالمعرفة عن النكرة المتضمنة للاستفهام، أو أفعل التفضيل في جملة هي صفة نحو: مررت برجل أفضل منه أبوه، فإنه أفضل عنده مبتدأ، خبر عند غيره، وأفاد أيضا أنه: لا يجب ترجيح المسند إليه في
стр. 492
التعريف، أو مساواته مع المسند فيه كما يجب في المنعوت.
(أو لازم حكم كذلك) (١) أي: حكم موصوف بما ذكر، هذا هو المراد وفي صحة تشبيه كذلك خفاء، إذ هذا الحكم غير ما سبق، فالظاهر الأخصر، أو لازمه بذكر المضمر، وذلك إذا كان المخاطب عالما بالحكم.
ومما ينبغي أن يعلم: أن الإطلاق الذي يفيده هذا البيان ليس صحيحا؛ لأنه وإن كان لا منع من ترجيح واحد من المسند والمسند إليه على الآخر في مرتبة التعريف، لكن ليس لك أن تجعل أي المعرفتين شئت مسندا إليه، والآخر مسندا، بل له ضابطة ذكرها المفتاح ونقحها المصنف في الإيضاح فقال:
وتفسير هذا، أي: بيان ما ذكر في وجه تعريف المسند إليه أنه قد يكون الشيء صفتان من صفات التعريف، ويكون السامع عالما باتصافه بإحداهما دون الأخرى، فإذا أردت أن تخبره أنه متصف بالأخرى تعمد إلى اللفظ الدال على الأولى، وتجعله، وتعمد إلى اللفظ الدال على الثانية، وتجعله خبرا، فيفيد السامع ما كان بجهله من اتصافه بالثانية.
ثم قال: وإذا لم يعرف أن لزيد أخا أصلا، فلا يقال: أخوك زيد؛ لامتناع الحكم بالمعين على من لا يعرفه المخاطب أصلا، وإنما يقال ذلك إذا عرف المخاطب أن له أخا، وأريد تعيينه له هذا، فأفاد أنه كما لا يصح الإخبار بالمعرفة عن النكرة لا يصح بمعرفة مفيدة للتعين عن معرفة لا تدل على معين، بل تدل على مبهم، وإنما صوّره بالمضاف؛ لا لأنه لا يجرى في ذي اللام والموصول، بل لظهور أن المقصود أنه لا يخبر بمعين عن مبهم، وإن كان معرفة إذا لا حاصل له، لكن يمكن أن يخبر عن نفس الجنس أو الجنس المستغرق بالمعين مبالغة، وهذا الذي أراده حيث قال: وإن أردت تعيين جنس المنطلق، قلت: المنطلق زيد، هذه زبدة كلامه، وأوهم تقريره الشارح أنه جرى في ذلك على ما قيل: أن تعريف المسند إن كان بغير الإضافة تجب معلومية المسند إليه والمسند، وإن كان بها لا
стр. 493
يجب إلا معلومية المسند إليه، مع أنه يأبى إطلاق الكتاب.
وهاهنا بحث، وهو أن الضابط لا يتناول: زيد أخوك، فإنه ليس هناك صفتان، وكأنه أراد بالصفتين ما يعم الاسم؛ لأنه كالصفة في التعيين، وأن الضابط قاصر؛ لأنه لم يفصل ما إذا عرف كلا من الصفتين للذات، ولم يعرف أن الذات متحددة فيهما؛ كما إذا عرف المخاطب أن له أخا، وعرف زيدا بعينه، ولم يعرف أن زيدا وأخاه متحدان، فتريد أن تفيد أن ذلك الاتحاد، فأنت حينئذ بالخيار، فاجعل أيهما شئت مسندا إليه.
ومن هذا القبيل قوله تعالى وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١) فإنه قد عرف المخاطب موصوفين بصفات الكمال آنفا، وسمع أن جماعة هم المفلحون، فأفاد أنهما المتحدان، نعم، هنا يجب جعل (أولئك) مسندا إليه؛ ليفيد تعليق الحكم بالصفات، لا لأن الحكم بالاتحاد يقتضي ذلك، ولهذا مثله صاحب الكشاف يريد النائب لمن سمع أنه ناب أحد، فكان كالمستخير أنه من هو؟ يريد أنه يعرف زيدا بعينه وعمرو، أو لا يعرف أنه متحد مع أيهما، فتقول: زيد النائب، ولك أن تقول: النائب زيد، وليس تمثيله لمن عرف نائبا، وطالب لتعيينه، لا لاتحاد المعلومين حتى يقال: إن الواجب حينئذ النائب زيد، كما اعترض به الشارح المحقق عليه.
وقد أطنب السيد السند في الرد عليه، وأطال في الإثبات أن الواجب: زيد النائب، وقد عرفت أنه لا يجب شيء منهما.
ولك الخيار على أن لنا أن نرد على الشارح باختيار أن الواجب النائب زيد، ومراد الكشاف بقوله: زيد التائب النائب زيد، إلا أنه قدم الخبر تنبيها على أن تقديم المبتدأ فيما إذا كان المبتدأ والخبر معرفتين لا يجب عند وجود القرينة على تعيين المبتدأ، وإن أطلق النحاة وجوب التقديم.
قال صاحب المفتاح بعد هذا الضابط: وإذا تأملت ما تلوناه عليك أعثرك على معنى قول النحويين: لا يجوز تقديم الخبر على المبتدأ إذا كانا معرفتين معا، بل أيهما قدمت فهو المبتدأ، واعترض عليه السيد السند بأن بحث النحويين ليس
стр. 494
مما يخص المتكلم البليغ، والوجوب لهذا يتعلق بنظر البليغ، فيجب أن يكون الوجوب الذي نظرهم فيه المعنى يستوي فيه البليغ وغيره، وهو التباس المحكوم عليه بالمحكوم به.
ونحن نقول: تقديم المبتدأ لهذا الغرض على الخبر يجب بعد دخول كان أيضا، والنحوي لا يوجبه، فعلم أن ليس نظر النحوي على هذا المعنى (نحو: زيد أخوك، وعمرو المنطلق باعتبار تعريف العهد أو الجنس) (١) جعله الشارح متعلقا بالمثال الثاني، وتوطئة لقوله: والثاني قد يفيد قصر الجنس كذلك، ولك أن تجعله متعلقا بهما؛ لأنه كما أن اللام تكون للعهد وللجنس كذلك الإضافة، لكن صرح الرضي بأن هذا العهد أصل وضع الإضافة، وإن كثر استعمالهما في غيره.
وقال السيد السند: إن الأصل في المعرف باللام أيضا ذلك (وعكسهما) عطف على ما أضيف إليه نحو أي، ونحو أخوك زيد، والمنطلق عمرو، وفيه مع تكثير الأمثلة التنبيه على قوله: (والثاني) أي: اعتبار تعريف الجنس أعم من أن يكون في المسند أو المسند إليه ورد لقوله: وقيل: الاسم متعين ... إلخ إجمالا، وتوطئة لذكره.
(قد يفيد قصر الجنس (٢) على شيء تحقيقا) قال الشارح: أي: قصرا محققا مطابقا للواقع، أو مبالغة فيه، وفيه: أن المبالغة ليست في القصر، بل في النسبة بواسطة القصر، وأنه لا يلزم في قصر التحقيقي أن يكون مطابقا للواقع، بل يكفي أن يكون على اعتقاد ظنّا كان أو جهلا، أو يقينا.
فالأولى جعل تحقيقا مفعولا له للقصر، أي: قصرا للتحقيق، وإفادة الواقع (نحو: زيد الأمير) مثل به للقصر تحقيقا؛ لأن وحدة الإمارة أقرب من وحدة الشجاعة (أو مبالغة) أي: للمبالغة، لا لإفادة الواقع، ثم في جعل تحقيقا أو مبالغة قيدا للقصر أنه يلزم أن يكون التحقيق والمبالغة مفادي تعريف الجنس،
стр. 495
وليس كذلك، أو ليس مفاده إلا القصر، وأما بناءه على المبالغة أو التحقيق، فمما يستفاد من المقام، ويمكن توجيهه بأن يراد بالإفادة: الإفادة بمعونة القرينة.
(لكماله فيه) في الإيضاح لكمال معناه في المحكوم عليه (١)، وهذا يفيد أنه جعل ضمير كماله للجنس وضمير فيه للشيء، ولو عكس لتم المقصود، لكن جعل الضميرين على ترتيب المرجعين أقرب إلى الفهم (نحو: عمرو الشجاع) والقصر الحقيقي أعم من أن يكون مبنيّا على الاستغراق الحقيقي أو العرفي، فزيد الأمير، يحتمل أن يراد به: كل أمير البلد، فيكون استغراقا عرفيا، فيفيد قصر إمارة البلد تحقيقا، وأن يراد به كل الأمير، فيفيد قصر الأمير مطلقا، لكنه كاذب.
ومثاله الصادق ما ذكره المفتاح على مذهب الاعتزال، أي: الله تعالى العالم الذات، أي: عالم بذاته، لا بالعلم، ومن قبيل: زيد الأمير، أنت الحبيب.
قال الشيخ: ليس معناه: أنك الكامل في المحبوبية، حتى أنه لا محبة في الدنيا إلا ما أنت به حبيب، كما في: أنت الشجاع، ولا أن أحدا لم يحب أحد مثل محبتي لك، حتى إن سائر المحبات في جنبها غير محبة، بل معناه: أن المحبة مني بجملتها مقصورة عليك، وليس لغيرك حظ في محبة شيء.
وسماه الشارح لدقته نكتة، وما وجه كونه نكتة إلا أنه مبني على الاستغراق العرفي، ولم يتنبه له السيد السند فقال بعد تقسيم الشارح الجنس إلى المطلق كما في الأمثلة المذكورة: والمقيد بوصف، أو حال، أو ظرف، أو مفعول أو غير ذلك، وليس ما ذكره الشيخ إلا الجنس المقيد؛ لأنه في تقدير: أن الحبيب لي، لا وجه لجعل ما ذكره الشيخ نكتة منفردة، بل هو من دواخل التقسيم، ولا يتجه ما ذكره؛ لأن كونه نكتة بناء على أنه جنس مطلق فيه دقة، وهو اعتبار الاستغراق العرفي.
نعم، زيد الأمير أيضا منه، وكأنه لم يتنبه له الشارح، وإنما قال: قد يفيد قصر الجنس؛ لأن إفادته قصر الجنس بمعونة اقتضاء المقام الاستغراق، وهو المقام
стр. 496
الخطابي دون الاستدلالي، فالمنطلق زيد يفيد القصر؛ لأنه بمعنى: كل منطلق زيد، فإذا كان كل منطلق زيدا، انحصر المنطلق في زيد، وكذا زيد المنطلق بمعنى: زيد كل منطلق، فإذا كان زيد كل منطلق، ينحصر المنطلق في زيد، يكشف عن ذلك كلام المفتاح.
وبهذا المعنى ما في الإيضاح حيث قال: ثم التعريف بلام الجنس قد لا يفيد قصر المعرف على ما حكم عليه به كقول الخنساء:
إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا (١)
في مرثية أخيها صخر، فإنه ليس المقام طالب اعتبار رأيت بكاءك كل حسن جميل، بل تطلب إثبات الحسن الجميل له؛ إذ تكفل الشرط سلب الحسن عن كل ما عداه، والمراد بقتيل: كل قتيل، كقوله تعالى: عَلِمَتْ نَفْسٌ* (٢) ثم تعريف الخبر باللام يطلب نكتة لولا يفيد القصر؛ لئلا يلغو، بل لا يكون اختيارا للمرجوح، وهو تعريف الخبر إذ الأصل فيه التنكير، ومما يجعل نكتة، وحمل عليه الشارح البيت ما نقله عن الشيخ في قول حسان:
وإنّ سنام المجد من آل هاشم ... بنو بنت محزوم ووالدك العبد (٣)
من أن معنى التعريف فيه: أن يثبت العبودية له، ثم يجعله ظاهر الأمر فيها معروفا بها.
ولك أن تجعل النكتة، فيه أن تجعل الخبر لتفخيمه، أو خساسته نصب العين حاضرا في الأذهان.
وأما تعريف المسند إليه، فيستغنى عن أمر زائد على التعيين؛ لأن الأصل فيه التعريف، وربما تكلف الشارح بأن المعرف بلام الحقيقة أيضا يفيد القصر؛ لأنه يحكم باتحاد الجنس مع المسند، أو المسند إليه، واتحاد الجنس يوجب القصر؛
стр. 497
إذ لا يتجاوز أحد المتحدين الآخر، وأورد على نفسه: أن زيدا قائم أيضا حاكم باتحاد الجنس، فيفيد القصر.
ورد بأنه حاكم باتحاد الفرد دون الجنس، فليس اللازم إلا عدم التجاوز عن فرد ما من الجنس، فلا يلزم قصر الجنس، وزيفه السيد السند بأن مفهوم النكرة لو سلم أنه مفهوم فرد ما من الجنس، لا الجنس نفسه، فالاتحاد مع هذا المفهوم يستلزم حصر هذا المفهوم، وهو في قوة حصر الجنس، ويمكن دفعه بأن الحكم في المعرفة باتحاد الجنس الغير المقيد بالوحدة، فينصرف إلى اتحاد الطبيعة بخلاف النكرة، فإن الحكم فيه باتحاد الجنس الغير المقيد بالوحدة، فيفيد اتحاد حصته، فلا يفيد الحصر، ثم هذا القصر حقيقي، أو ادعائي، ولم يتبين أنه يكون لرد الخطأ، أو لدفع التردد كما هو شأن القصر الإضافي، وكأنه لم يوجد إلا لذلك.
قال الشارح المحقق: إنما خص حكم القصر بتعريف الجنس؛ لأن القصر يكون في الدائر بين العموم والخصوص، والعهد يفيد تساوي المبتدأ والخبر، فلا يصدق أحدهما بدون الآخر، ومثل هذا الاختصاص لا يقال له القصر في الاصطلاح، وفيه نظر، إذ المعهود يصح أن يكون نوعا، فنقول: زيد المنطلق، مريدا لنوع الفلاني من المنطلق، فلا يفيد التساوي مع المبتدأ، ويكون دائرا بين العموم والخصوص على أنه يتجه عليه ما ذكره السيد السند من أن هذا لا ينافي إلا قصر الأفراد، ولا يمنع قصر التعيين والقلب، ويمكن دفع ما ذكره بأن بناءه على أن القصر لتعريف المسند والمسند إليه لا يكون إلا حقيقيّا أو ادعائيا.
والأولى أن يقال: تخصيص القصر بتعريف الجنس؛ لأنه فرع قصد الاستغراق على ما يقتضيه بيان المفتاح.
(وقيل) قائله الإمام الرازي (الاسم متعين للابتداء) الأولى للإسناد إليه ليندرج فيه معمولات النواسخ، ويعم قوله للخبرية بظاهرها (لدلالته على الذات والصفة للخبرية لدلالتها على أمر نسبي) طالب للارتباط بالغير، فيستحق جعلها مربوطة لا مربوطا إليها، وفيه رد لقول النحاة: إن المعرفتين أيهما قدمت فهي مبتدأة دفعا للالتباس، بأنه لا التباس في معرفتين. إحداهما: اسم، والأخرى: صفة. ولتحقيق علماء هذا الفن أن أيتهما كانت معلومة فهي مبتدأة،
стр. 498
وأيتهما كانت كالمستخبرة فهي الخبر.
(ورد) هذا الحكم (بأن المعنى) إما كمرمى أو على المشهور (الشخص الذي له الصفة) لأن اللام موصولة، ومعناه: شخص تعين بالصلة، وفيه أنه لا يطرد في قولنا: الحسن زيد؛ بل لأنه الصفة المبتدأة لها موصوف مقدر لا محالة، أو مؤولة بذات لها صفة، وفيهما أن ذلك لا يدفع قول الإمام: إن الكون صفة قرينة على كونها خبرا، فلا يتعين المقدم أو المعلوم بالابتداء.
وقوله: (صاحب هذا الاسم) مما لا حاجة إليه؛ لأنه إذا جعل الصفة دالة على الذات لم يترجح كون لا اسم مبتدأ، فلا حاجة إلى جعل الاسم في معنى الصفة نعم.
لو اشترط في الخبر كونه مشتقا، أو مؤولا به، كما هو مذهب الكوفي احتيج إليه، لكنه غير صحيح، والصحيح ما عليه البصريون.
وقال الشارح: هذا التأويل باعتبار خصوص المثال لجعل المنطلق إشارة إلى الشخص بعينه، فلا يفيد حمل زيد عليه، فينبغي أن يكون المقصود بزيد تعين اسمه لمن لا يعرف اسمه.
والسيد السند قال: التأويل؛ لأن الخبر في الحقيقي لا يحمل كما صرح به المنطقيون، وعلى التقديرين، فقوله: صاحب هذا الاسم في خصوص هذا المثال لا يجرى في قولنا: المنطلق الإنسان، ولا مدخل له في الرد، ففيه خزازة، ولعل من قال: لا حاجة إليه، أراد نفي الحاجة إليه في الرد، لا إنه لا نفع له أصلا، إنما أول لصاحب هذا الاسم بتقدير هذا المضاف، لا بتأويل العلم بمسمى به كما هو المشتهر؛ لئلا يصير نكرة، فخرج عما نحن فيه من كون المسند والمسند إليه معرفتين.
(وأما كونه جملة) (١) المسند في الجملة الخبرية لا يكون إلا جملة خبرية، وهل يجب أن تكون خبرية مطلقة أو لا؟ اختلف فيه.
فكثير من النحاة ذهبوا إلى وجوبها اسما، واستدلوا عليه تارة بأن: الخبر هو
стр. 499
الذي يحتمل الصدق والكذب، وكأنهم أرادوا: أن النحاة نقلوا اسم الخبر مما يحتمل الصدق والكذب إلى ما هو مدار احتمالهما من طرفي الجملة، أي: المسند، فالخبر ليس اسما، إلا لمسند له مزيد مدخلية في ذلك الاحتمال، فهذا تمسك برعاية مناسبة الاسم، ومثله غير عزيز في العلوم العربية النقلية حتى الفقه، ولا يخفى على من له درية في النقليات.
وأما كونه غلطا من اشتراك لفظ الخبر بين المركب التام ومسند الجملة الاسمية، فبعيد جدّا، وإن ركن إليه الشارح المحقق والسيد السند حتى قال: لا خفاء فيما ذكره الشارح من أنه غلط من الاشتراك.
وتارة بأن: الخبر يجب أن يكون ثابتا للمبتدأ، والإنشاء ليس بثابت في نفسه، فلا يكون ثابتا لغيره، ورده الشارح بأن الخبر يجب أن يكون مسندا إلى غيره، والإسناد لا يقتضي الثبوت كما في: أزيد عندك؟
ولك أن ترده أيضا بأن الخبر قد يكون مسلوبا عن غيره، وما ليس بثابت لا يأتي سلبه عن غيره، وبأن الثابت لغيره لا يقتضي الثبوت في نفسه.
ألا ترى أن الأعمى ثابت لغيره، وليس ثابتا في نفسه؟
وأوّل السيد السند استدلالهم بأن المراد: أن الخبر يجب ملاحظة ثبوته لغيره سواء اعتقد أو شك فيه أو رفع، وما ليس بثابت في نفسه لا يمكن ملاحظة ثبوته لغيره، وزعم أنه تام، وفرع عليه: أنه يجب تأويل إنشاء وقع خبرا بالخبر.
ويرده أنا لا نسلم أن ما ليس بثابت لا يمكن ملاحظة ثبوته لغيره، بل كما يلاحظ الثبوت للتردد فيه، وللرفع يلاحظ للطلب، فيلاحظ ثبوت الضرب للمخاطب في: أضرب، ويطلب، فيلاحظ كذلك في: زيد أضربه، ومما يجتلي به صدق إمكان ملاحظة ثبوت الخبر للطلب قولنا: كن قائما، فإنك لاحظت ثبوت القائم للمخاطب للطلب، ولا ريبة في صحة أزيد عندك؟ فكذا في صحة:
زيد، هل أبوه قائم؟ فإنك تلاحظ بنسبة أبوه قائم إلى زيد وتشك فيه وتستفهم عنه.
وأما ما ذكره في توضيح عدم صحة جعل الإنشاء خبرا من الإنشاء والطلب قائم
стр. 500
بالمنشيء، فلا يكون حالا للمبتدأ إلا باعتبار تعلقه به أو استحقاقه له، فلا بد من ملاحظة هذه الحيثية معه، وملاحظة هذه الحيثية بجعله خبرا.
ففيه أولا: أنه يصح أن يكون المبتدأ نفس الطالب، كما في قولنا: أنا لأقتلن نفسي.
وثانيا: أن المربوط بالمبتدأ ليس الطلب، بل المطلوب؛ ليتعلق الطلب به بعد ربطه، وإن اقتضاء ملاحظة الحيثية صيرورته خبرا أول المسألة، فالحق: أن خبر المبتدأ يصح أن يكون إنشاء، وكذا إخبار النواسخ إلا الأفعال الناقصة وأفعال القلوب، (فللتقوّى)، وسبب التقوى بكون الخبر جملة على ما في المفتاح، وهو أن المبتدأ؛ لكونه مبتدأ يستدعي أن يسند إليه شيء، فإذا جاء بعده ما يصلح أن يسند إلى ذلك المبتدأ صرفه ذلك المبتدأ إلى نفسه سواء كان خاليا عن الضمير أو متضمنا له، فينعقد بينهما حكم، ثم إذا كان متضمنا لضميره المعتد به بأن لا يكون الخبر معه متشابها بالخالي عنه كما مر، صرفه ذلك الضمير إلى المبتدأ ثانيا، فيكتسي الحكم قوة.
أقول: لو قال: هو أن المسند إليه لكونه مسندا إليه يستدعي أن يسند إليه شيء لكان أعم وأوضح، ثم المستفاد من كلامه أن السامع أولا يصرف الجملة الصالحة إلى المبتدأ مع قطع النظر عن إسناد فيه، وثانيا: يصرفه إليه باعتبار إسناد فيه. والأظهر: أنه يصرفه الضمير أولا؛ لأن كونه صالحا للصرف إليه بملاحظة الضمير، ثم يصرفه للمبتدأ إلى نفسه لكونه صالحا.
قال الشارح المحقق: فعلى ما ذكره المفتاح لا تقوى في زيد ضربته؛ لأن الضمير لم يصرفه إلى زيد ثانيا، وفيه بحث؛ لأن زيدا صرف ضربته إلى نفسه باعتبار أنه مضروب، فتكرر هذا الصرف بالضمير، ووجه التقوى على ما نقل عن دلائل الإعجاز: أن الاسم لا يؤتي معرى عن العوامل إلا لحديث قد يؤدي إسناده إليه، فإذا قلت: زيد، فقد أشعرت قلب السامع بأنك تريد الإخبار عنه، فهذا توطئة له وتقدمة للإعلام به، فإذا قلت: قام دخل في قلبه دخول المأنوس، وهذا أشد للثبوت، وأمنع عن الشبهة والشك، وبالجملة ليس الإعلام بالشيء بغتة مثل الإعلام به بعد التنبيه عليه والتقدمة، فإن ذلك يجري مجرى
стр. 501
تأكيد الإعلام في التقوى والأحكام، فيدخل فيه نحو: زيد مررت به، وزيد ضربته، وهذا مؤيد بحمل كلام السكاكي على ما يشمله كما فعلنا، لا على وجه يخرج كما وهمه الشارح.
لكن في قوله: هذا أمنع عن الشبهة والشك مدخول بأن التقدمة تشبه الملوح لجنس الخبر، فكما اعتبر تقديم الملوح موجبا للشك ينبغي أن يعتبر تقديم المبتدأ موجب له.
وقال السيد السند: لا تعويل على ما ذكره الشيخ؛ لأن هذا التقوى بعينه متحقق في كل خبر مؤخر، فلا يصلح لكونه داعيا إلى الجملة، ويمكن دفعه بأن ليس تعرية الاسم عن العامل إلا في الخبر الفعل؛ لأن التعرية تقتضي تحقق العامل، ولم يتحقق في: زيد إنسان، وزيد قائم ما يصلح للعمل في زيد حتى تكون في تقديمه عليه تعرية له عن العامل، بخلاف: زيد قام، فإنه في تقديم زيد تعرية له عن عمل قام، وإنما خص التقدمة والتوطئة بالتعرية؛ لأن فيه عدولا عن العامل الأقوى للتوطئة، وأما في: زيد قائم، فليس لزيد طريق ثبوت في الكلام، إلا بجعله مبتدأ حقه التقديم.
ونحن نقول: تقوية الحكم في الخبر الجملة؛ لأن الجملة ابية لا ترتبط بشيء إلا بمزيد اعتمال للسامع، فيتمكن في نفس للسامع لامتداد توجهه، واشتغاله بها بخلاف المفرد، لكنه يقتضي أن يكون في الجملة السببية أيضا تقوى الحكم.
ونحن نقول: لا نتحاشى عنه، فليكن لإيرادها جملة جهتان.
(أو لكونه سببيا كما مر) (١) أي: مثل مثال مر، حيث قال: المراد بالسببي مثل: زيد أبوه قائم، فقوله: كما مر حوالة المثال على سابق الكلام.
وفسره الشارح بقوله: من أن إفراده لكونه غير سببي مع عدم إفادة تقوى
стр. 502
الحكم، ولا يخفى ما فيه من التعسف، ومن نكات إيراد المسند جملة كون المسند إليه ضمير شأن، وقصد التخصيص، نحو: أنا سعيت في حاجتك، ولا وصمة في إهمالهما إلا عدم استيفاء النكات، ولكن في إهمالهما في بيان نكتة الإفراد شدة الوصمة.
(واسميتها وفعليتها (١) وشرطيتها لما مر)؛ لأن جعل الجملة التي وقعت خبرا اسمية لما دعا إلى جعل مسندها اسما فلما جعل مسندها اسما صارت اسمية بالضرورة، فلا داعي إلى الاسمية، بل إلى جعل مسندها اسما، وهكذا فعليتها وشرطيتها، هكذا ينبغي أن يفهم هذا المقام، فإنه من خصائص الخواص، لا كما يفهمه العوام من أن الاسمية، لإفادة عدم التجدد، وعدم التقييد بأحد الأزمنة والفعلية لإفادة التجدد، والتقييد بأحد الأزمنة، على أخصر وجه، وكونها شرطية للاعتبارات الحاصلة من اختلاف أدوات الشرط.
ولك أن تجعل ضمير اسميتها، ونظيريه إلى مطلق الجملة، فيحصل المقصود في ضمن حصول ما هو أعم.
وهكذا قوله: (وظرفيتها الاختصار الفعلية) ومقتضى الاختصار ترك الفعلية، والتحقيق: أنه ليس لظرفية الجملة نكتة داعية إليها بالذات، إنما تصير ظرفية بالضرورة، لما مر من دواعي حذف المسند، فتأمل.
ثم التحقيق الحقيق باختيار مهرة هذا الفن: أن ليس الخبر الظرف جملة إذ ليس فيه تقدير شيء فضلا عن الفعل، وإنما القول بالحذف لداع لفظي هو وجوب المتعلق للظرف من غير أن يدعو إليه رعاية المعنى، ففي التقدير ترك رعاية المعنى لمصلحة قواعد اللفظ، ولهذا تراهم يجعلون قوله:
فإنّك كالليل الذي هو مدركي (٢)
стр. 503
من المساواة، والمراد بالظرفية: المعنى المصدري، وجرى فيه على التجوز باستعمال الظرف فيما يشمل المنصوب بتقدير في، والجار والمجرور حقيقة المنصوب بتقدير في، صرح به الرضي ولو حملت على الحقيقة لقصرت عن تناول مثل: زيد في الدار، ولا يرضى به محصل.
والمراد بالضمير في قوله (إذ هي) أي: الظرفية، الجملة الظرفية، ففيه استخدام أو إرجاع إلى المفهوم بالالتزام.
(مقدرة بالفعل) الأولى مقدرة بالجملة، كما هو المشهور، وكأنه ظنها غير صحيحة، لما رأى أن ضمير الفعل انتقل إلى الظرف، ولذا صارت جملة ظرفية، فليس المقدر إلا الفعل، ومنشؤه عدم الفرق بين قولنا: مقدر بجملة، وقولنا:
المقدر جملة، فإن الموصول بالباء معناه: المؤولة بالجملة، ففرع عليه عدم شبهته لعدم صحة تقديره بالفعل؛ إذ الجملة لم تؤول بالفعل، بل قدر فيه الفعل، فالصحيح: أن المقدر فعل.
وإنما قال: (على الأصح) لأن تقدير الفعل مذهب جمهور النحاة، ومذهب البعض: أن المقدر اسم فاعل، فليس الخبر الظرف حينئذ جملة، فالمراد بقوله:
إذ هي ذات الجملة الظرفية، لا الجملة الظرفية المأخوذة بوصف كونها جملة، حتى يلزم كونها جملة ظرفية على غير الأصح أيضا هذا.
ولك أن تجعل المقدرة على صيغة اسم الفاعل، فتكون (هي) راجعة إلى الظرفية المذكورة صريحا، ويكون المعنى؛ إذ كون الجملة ظرفا سبب لتقدير الفعل، فعبر عن سبب التقدير باسم الفاعل، ومثله غير عزيز ولا مستبعد في تمييز.
(وأما تأخيره؛ فلأن ذكر المسند إليه أهم كما مر) (١)، أو لأن الأصل في المسند التأخير، أو لأن فيه ضميرا إلى المسند إليه، نحو: زيد في داره فإنه يسترجح على: في داه زيد.
стр. 504
(وأما تقديمه، فلتخصيصه بالمسند إليه) (١) أي: قصر المسند إليه على المسند، وكان الظاهر أن يقول: فلكون ذكره أهم لم يفصل على طبق بيان تقديم المسند إليه، إلا أنه تفنن لطي ذكر العلة، ووضع علة العلة مكانه، ومن جهات التقديم اشتهار المسند إليه على ضمير، نحو: في الدار صاحبها، فإنه لا يجوز:
صاحبها في الدار، وكونه ظرفا، والمبتدأ نكرة محضة، وتضمنه الاستفهام مع إفراده، لا مطلقا، كما ذكره الشارح، وكونه خبرا عن (إن)، والمصنف لا يذكر أمثالها؛ لأنها مفروع عنها في النحو، وإن كان لذكرها في هذا العلم من حيث إنها مقتضى الحال مساغ، ويجمعها في هذا العلم اتباع الاستعمال الواجب (نحو: لا فيها) أي: في خمور الجنة (غول) في القاموس: الغول الصداع والسكر والمشقة (بخلاف خمور الدنيا).
يرد عليه: أنه إذا كان تقديم المسند في الآية للحصر يفيد نفي حصر الغول في خمور الجنة، لا نفي الغول عنها.
وأورد عليه أيضا: أن تقديم المسند يفيد القصر في خمور الجنة، والمسند ليس إياها، بل مجموع الظرف المركب من الجار وضمير خمور الجنة.
ويمكن دفع الثاني: بأن شدة اتصال الجار والمجرور سوغ إسناد ما للمجرور إلى المجموع حتى ساغ أنه يقال: الجار والمجرور في محل النصب، لكن الشارح المحقق لم يلتفت إليه؛ لأنه جواب جدلي، وأجاب عنه بما يندفع به الأول أيضا: بأن جعل النفي جزءا من المسند تارة ومن المسند إليه أخرى، فقال: المراد: أن الغول مقصور على الحصول في خمور الجنة لا يتجاوزه إلى عدم الحصول في خمور الدنيا.
أو أن عدم الغول مقصور على عدم الحصول في خمور الجنة لا يتجاوزه إلى عدم الحصول في خمور الدنيا، ويرد على الثاني: أنه كيف جاز الفصل بين حرف النفي والغول مع التركيب بينهما بالمسند؟
وأورد عليه السيد السند أيضا أنه يقتضي جواز أن يكون النفي فيما أنا قلت جزءا من المسند، فلم يكن فرق بين: ما أنا قلت، وأنا ما قلت: وقد بالغ في
стр. 505
الفرق بينهما كما هو الحق. ويمكن أن ينازع فيه بأن جواز الفصل بالظرف مع اشتهار التوسع فيه بما لا يتوسع في غيره لا يقتضي جوازه بغيره.
ويرد على الوجهين: أن كون لا جزءا من أحد الطرفين خلاف ما تحكم به الفطرة السليمة، بل هو من قبيل الفصل بين لا لنفي الجنس واسمه بخبره، فلذا وجب الرفع والتكرير، وهذا كله بناء على قصر النظر على ظاهر ما ذكره الشارح المحقق. وتحقيقه: أن النفي إذا دخل على ما فيه قيد، فربما يرجع النفي إلى الأصل، ويصير القيد قيدا للنفي، وله غير نظير.
ألا ترى أنه جعل قوله تعالى: وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (١) لاستمرار النفي، مع أن النفي دخل على المستمر، وقوله وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢) جعل للمبالغة في نفي الظلم مع أنه دخل على ما يفيد المبالغة في الظلم.
فلعل الشارح جعل: (لا فِيها غَوْلٌ) (٣) لتقييد النفي بالحصر الذي كان في مدخوله، وجعل مال حصر النفي في خمور الجنة أحد الأمرين: حصر عدم الغول فيها، أو حصر الغول في الانتفاء عنها.
وبهذا اندفع كل ما ألقيناه إليك من الواردات اندفاعا بينا، ويندفع ما ذكره السيد السند أيضا بأن: ما أنا قلت، وإن صار بهذا العمل في معنى: أنا ما قلت، لكنه تعارف استعماله في رد إثبات الغول لغير المتكلم، لا لرد إثبات نفي الغول لغيره، كما في صريح؛ أنا ما قلت، فلا ينهدم بهذا ما اعتنى بشأنه من الفرق بين: ما أنا قلت، وأنا ما قلت.
قال السيد السند: والحق في الجواب أن لا فيها غول نظير: ما أنا قلت، فإيلاء الظرف للنفي للنزاع في غول ثابت، وقع الخطأ أو الشك في محله فإذا نفي محلية خمور الآخرة له ثبت محلية ما يقابلها من خمور الدنيا، وأيده بشهادة من الكشاف، وأنت لا ترتب بعد ما مهدناه لك أن هذا غير خارج مما ذكره الشارح، قد مهدت بعون الله لك روضة، فلا تدعني من دعائك أيها الشارح؛
стр. 506
إذ قد تبقى في الدنيا، وأنا البارح الطالح لعل الله يبدل ببركة دعائك عملي الفاسد بالصالح.
فإن قلت قد جعل البعض قوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ (١) من قصر الصفة على الموصوف، فهل جاء تقديم المسند لذلك؟ فيكون عبارة المتن محتملة للأمرين، بأن تكون الباء داخلة في صلة التخصيص على المقصور، أو المقصور عليه، قلت: قد سماه المصنف توهما من البعض، على أنه يحتمل أن ذلك البعض جعل اللام في لَكُمْ للاختصاص، فجعل معنى لَكُمْ دِينُكُمْ: دينكم مختص بكم، وجعل التقديم للاهتمام، لئلا يكون المعنى تخصيص الاختصاص، فاستفاد الاختصاص من اللام، وجعله لتخصيص الدين بصاحبه، وحكم بأنه قصر الصفة على الموصوف؛ لأن الدين صفة صاحبه، ولهذا لم يقدم الظرف في لا رَيْبَ فِيهِ (٢) فيه: أنه لا مجال لتقديم الظرف في لا رَيْبَ فِيهِ لأنه يجب التكرير، ولم يقصد إلى متعدد في هذا النظم لينافي التكرير. إلا أن يقال:
قصده بلا ريب فيه: القراءة الغير المشهورة من رفع الريب، تجعل (لا) بمعنى (ليس)، إلا أن الناظر في الكشاف يحكم بأنه بنى الأمر على القراءة المشهورة.
(لئلا يفيد ثبوت الريب في سائر كتب الله) سواء جعل القصر حقيقيا، أو إضافيا، لا تقول: فليكن نفي الريب بالإضافة إلى كتاب السحر والشعوذة؛ لأنا نقول: التخصيص بهذا الكتاب من بين كتب الله بجعل النفس مبادرة إلى سائر الكتب، وهاهنا بحث شريف، وهو:
أنهم جعلوا معنى ذلك الكتاب: أنه الكتاب الكامل في الهداية، بحيث صار محل أن يحصر فيه الكتاب لتنزيل سائر الكتب معها منزلة العدم، وجعلوا لا ريب فيه تأكيدا للحكم السابق ونفيا لتوهم أنه مما يرمى به جذافا كما سيأتي في بحث الفصل والوصل، فمعنى لا ريب فيه أنه لا ريب فيه: باعتبار كماله في الهداية إلى هذه الدرجة، فإذا لم يكن سائر الكتب في درجته، فما المانع عن إفادة الريب فيها بهذا الاعتبار. ويمكن أن يدفع، بأنه لا ريب فيها بهذا الاعتبار أيضا، للجزم
стр. 507
بأنها بتلك المثابة، ولو كانت محل الريب لكان ذلك الكتاب أيضا محل الريب، فافهم.
(أو التنبيه من أول الأمر على أنه) أي: المسند (خبر لا نعت) (١) فالتقديم في الخبر والنكرة بمنزلة ضمير الفصل في الخبر المعرفة، هذا في مقام يمكن فيه أن يعرف الخبر من النعت بالتأمل وتتبع القرينة، وفي مقام لا يمكن أن يعرف فيه إلا بالتقديم، فالتقديم ليعلم أنه خبر، لا ليعلم من أول الأمر. ولك أن تقول: لفظ التنبيه مغن عن قوله: من أول الأمر؛ لأن التنبيه إنما يستعمل فيما يمكن المعرفة بدونه، والمراد بالخبر أعم من الخبر في الأصل، أو في الحال؛ ليشمل المفعول الثاني من باب علمت، وكان الأوضح؛ ليعلم أنه مسند، والتقديم لذلك التنبيه أنه ينفع مع أنه مع التقديم يحتمل الحال عن المبتدأ، لأن الحال عن المبتدأ لا يكثر، فلا يعارض احتمال الخبر، ولا يوجب الالتباس (كقوله) أي:
قول حسان في مدح أفضل من كل ملك وإنسان:
له همم لا منتهى لكبارها وهمّته ... الصّغرى أجلّ من الدّهر (٢)
أي: لا يسعه الدهر، ولا يخفى أن حسن النظام يقتضي جعل قوله: وهمته الصغرى ... إلخ في سلك لا منتهى ... إلخ، وخلوه عن ضميرهم يأباه إلا أن يقدر الضمير، أي: همته الصغرى منها، أي: من همته.
ولك أن تجعل من موجبات التقديم التحرز عن الفصل بين المبتدأ والخبر بالوصف سيما الطويل، وتجعل البيت منه، فإنه لو قيل: همم لا منتهى لكبارها له؛ لبعد الخبر عن المبتدأ.
قال الشارح: هذا التقديم إنما هو في الخبر الظرف، لأنه لو قدم غيره يلتبس الخبر بالمبتدأ، فيكون من قبيل الالتجاء من ورطة إلى أخرى، فلا يقدم في رجل قائم لدفع الالتباس بالصفة؛ لأنك لو قلت: قائم رجل لالتبس بالمبتدأ، ورجل بالبدل منه.
стр. 508
وتوجيه ما ذكره: أنه قد يصح الإخبار عن النكرة المحضة، وذلك إن كان مفيدا، نحو: كوكب انفض الساعة، وإلا فكيف يتوهم كون قائم مبتدأ؟
(أو التفاؤل)؛ إذ لفظ الخبر مما يتفاءل به المخاطب، فيقدم اهتماما بالتفاؤل، أو لأن العادة التفاؤل أول ما يقرع السمع، فيقدم؛ لئلا يفوت التفاؤل به بوقوعه، لا في أول التكلم أو التطير (نحو: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ) (١).
(أو التشويق إلى ذكر المسند إليه كقوله) أي: قول محمد بن وهيب في المعتصم بالله المكنى بأبي إسحاق:
[ثلاثة تشرق الدنيا] (٢) فأعل تشرق [ببهجتها] والجملة صفة ثلاثة عبر عن نور الكوكبين بالبهجة أي الحسن تغليبا لحسن أبي إسحاق على نورهما ووسط ذكر أبي إسحاق إشعارا بما اشتهر من أن خير الأمور أوسطها:
شمس الضّحى وأبو إسحاق والقمر
إضافة الشمس إلى الضحى طالبة لتقييد القمر بكونه بدرا، إلا أنه فاته لضيق الشعر، واعتمد على أنه يتفطن الفطن بالتقييد من تقييد الشمس.
قال الشارح في شرح المفتاح: الأولى أن يكون التقدير: لنا ثلاثة ويكون شمس الضحى بدلا عن الثلاثة، ومن حق هذه النكتة تطويل الخبر وقد جاء بدونه كقوله:
وكالنّار الحياة فمن رماد ... وآخرها وأوّلها دخان (٣)
ومما جعله الساكي سبب التقديم أن يكون المراد من الجملة إفادة التجدد، فيقدم فيه المسند على المسند إليه، ولما كان زيد قام، يشارك قام زيد في إفادة التجدد كما صرح به، ومع ذلك لم يقدم على زيد، مع أنه المسند إليه لقام
стр. 509
كضميره لاتحاد الضمير، والمرجع احتاج إلى تقييد المسند إليه بأن يكون فاعلا للمسند لا مبتدأ، إلا أنه أبى في بيان هذا التقييد بكلام مغلق، صار معترك الآراء، ولو نقلها لصارت فصولا، ولصار نقلها هاما سنح لي فيها أبوابا، وتعد كل ذلك فصولا، فتركتها؛ لأني أحب لأمثالها خمولا.
والأمر ما لم يلتفت إليها السيد السند ولم يتلبث في هذا الموقف وليقتد المتفطن في السلوك بمثل هذا السالك العارف.
فقال الشارح: إن المصنف ترك هذا المقتضى؛ لأن فيه خللا، وفيه أن خلل البيان لا يوجب ترك المقصود، ولا يقتضي إلا تبديله بالبيان المحمود.
فأقول: إنما تركه؛ لأن التقديم ليس لإفادة التجدد، بل لكون المسند إليه فاعلا، وذلك لا يخص بمقام التجدد، بل فاعل كل مسند يستلزم التأخر لاتباع الاستعمال الوارد، فهذا التقديم مما فرغ عنه في العلم الآخر، وقد عرفت أن دأب المصنف عدم التعرض له.
(تنبيه) أي: هذا تنبيه؛ إذ يذكر فيه ما لو لم يذكر لبلغه المتفطن بنفسه.
(كثير (١) مما ذكر في هذا الباب والذي قبله) يعني: أحوال المسند إليه (غير مختص بهما) ولو قال بكثير مما ذكر في المسند والمسند إليه لكان أخصر وأوضح، وأشار إلى أن ما ذكره في أحوال الإسناد لا يجري كثير منه في غيره، وقد أشار إلى ما يجري منه في غيره في باب أحوال الإسناد، حيث قال: غير مختص بالخبر، والمراد بما ذكر في هذا الباب والذي قبله ما ذكر في كل منهما، والمراد بقوله: غير مختص بهما غير مختص بشيء منهما، فيفيد جريان كثير مما ذكر في كل منهما في الآخر كما يفيد جريانه في غيرهما (كالذكر والحذف وغيرهما) من التعريف والتنكير وغير ذلك.
(والفطن إذا أتقن اعتبار ذلك فيهما) قد نبه على أنه لا بد للقائس من الفطانة، وإتقان الأصل، لأنه إنما يتيسر بتلخيص لب ما هو المعتبر في الأصل، ولا يمكن ذلك بدون الإتقان والفطانة (لا يخفي عليه اعتباره في
стр. 510
غيرهما) (١) من المفاعيل والملحقات بها والمضاف إليه، وإنما قال: كثير؛ لأنه ربما يكون منها ما لا يجري في الغير كضمير الفصل، فإنه يختص بالمسند إليه وكالفعلية، فإنه يخص المسند، وقيل إنما قال ذلك؛ لأنه لو قال: وجميع ما ذكر لأفاد أن كلا مما ذكر يجري في كل غير، مع أن التعريف لا يجري في الحال، والتمييز، والتقديم في المضاف إليه.
قال الشارح المحقق: وهذا ليس بشيء، لأن قولنا: جميع ما ذكر في البابين غير مختص بهما لا يقتضي جريان شيء من المذكورات في كل ما يغاير البابين فضلا عن جريان كل منها فيه، إذ لا يكفي لعدم اختصاص بالبابين ثبوته في واحد مما يغايرهما، أقول: يريد ذلك القائل أن المصنف قصد أن كثيرا مما ذكر يجري في كل غير؛ لأنه اللائق بمقام التعليم، فاختار الكثير على الجميع لعدم صدق ما قصده في حق الجميع والله تعالى أعلم.
إلهي ندعوك بنهاية التضرع والابتهال، ونسألك دراية خير متعلقات الأفعال، وحذف عامة مفاعيلنا عن أنظارنا بقرائن الإخلاص في الأعمال والتوفيق لتوفيق الأهم فالأهم فيما أنعمت علينا من الآجال، ولعدم التعدي على طلب رضاك وتنزيله منزلة اللازم من الآمال.
***
стр. 511
(أحوال متعلقات الفعل) (١)
على صيغة اسم المفعول على ما في الرضى، وكأنه في عرف العربية مختص بما سوى الفاعل، ولهذا قال: تلبسه دون تعلقه؛ لأن الفاعل كالمفعول من الملابسات، لا من المتعلقات، والمراد به: جميع أحوال متعلقات الفعل، لأن وضع الباب لها، إلا أنه اختصر على ذكر البعض للاستغناء عن ذكر الباقي فيما سبق في غير هذا الباب لظهور جريانه فيه؛ كما نبه عليه، وتفسيره ببعض أحوال المتعلقات حيث لم يذكر إلا البعض كما ذكره الشارح المحقق، وهم، وكيف لا، ولو لم يكن المراد جميع الأحوال لم ينحصر الفن في الأبواب الثمانية؛ والبعض الذي يفصل هنا لا يقتصر على ما أشير إليه إجمالا، كما وهمه الشارح، إذ لم يذكر في السابق الحذف كتنزيل المتعدي منزلة اللازم (الفعل مع المفعول كالفعل مع الفاعل) (٢) التركيب من قبيل زيد قائما كعمر وقاعدا، وفي مثله يتقدم الحال على العامل المعنوي، فقوله: مع المفعول حال من ضمير في قوله: كالفعل والعامل فيه الكاف؛ لتضمنه معنى التشبيه، وقوله: مع الفاعل حال من الفعل، والعامل فيه معنى الفعل أيضا أعني: الكاف، والأصل: الفعل والمفعول قيد، ودخول مع شائع على المتبوع، وكأنه أشار إلى أن كلا ما فيه قيد، تنوط فائدته على القيد فكان القيد هو الأصل في نظر البليغ، وإن سمى فضلة في علم آخر (في أن الغرض من ذكره معه) أي: ذكر الفعل مع واحد منهما على طبق السابق، أو ذكر واحد منهما مع الفعل، قال الشارح في شرحه:
هذا هو الحق يعرف بالتأمل، وأوضحه السيد السند بوجوه ثلاثة:
أحدها: أن الكلام في أحوال متعلقات الفعل من ذكرها وحذفها وغيرهما، لا في أحوال الفعل، وفيه أن هذه توطئة لحال متعلقات الفعل، لا بيان
стр. 512
حالها.
وثانيها: أن كل واحد من الفاعل والمفعول قيد للفعل دون العكس، والقيد أحق بالمعية من الأصل، وفيه أن الفاعل والفعل ظرفا النسبة، وليس شيء منهما أصلا للآخر على أنك عرفت استحقاق الفعل للمعية، وثالثها: أن قوله: فإذا لم يذكر متعلق بالمفعول دون الفعل، وفيه أنه محتمل كما لا يخفى، وكأنه تنبه الشارح لاحتمال الكلام للوجهين، فسوى بينهما في المختصر، ونحن اقتفيناه على هذا الأثر، والمراد بذكره معه أعم من الذكر لفظا أو تقديرا؛ لأنه كون الغرض إفادة التلبس لا يخص الذكر لفظا، والأولى من جمعه معه (إفادة تلبسه به) نفيا أو إثباتا (لا إفادة وقوعه) نفيا أو إثباتا (مطلقا) أي من غير بيان تلبسه بالفاعل أو المفعول، كذا فسره الشارح المحقق، وحينئذ قوله: لا إفادة وقوعه مطلقا عار من الفائدة إذا كل أحد يعلم أنه مع ذكر شيء منهما لا يكون الغرض إفادة الوقوع فقط من غير تلبس بالفاعل، فالأوجه أن قوله مطلقا تأكيد للنفي، أي: لا إفادة وقوعه أصلا إذ مناط الإفادة هو القيد، والأصل مع القيد مسلم مفروغ عنه، لكن قوله: مطلقا فيما بعد، يؤيد ما ذكره الشارح، ولا يخفى أن الغرض من ذكر الفاعل والمفعول لا ينحصر في إفادة التلبس، بل يتوقف فهم معنى الفعل عليهما، أما الفاعل فبين، وأما المفول به، فلشهادة تعريف المتعدي له، وهذا الكلام توطئة لبحث حذف المفعول به، كما نبه عليه بقوله: (فإذا لم يذكر معه) أي: لم يذكرا واحد منهما مع الفعل، أو لم يذكر الفعل مع واحد منهما، والوجه هو الثاني؛ لأن الأول يشعر بترك المفعول، وذكر الفعل الثاني يفيد ترك المفعول، وذكر الفعل بلا خفاء (فإن كان الغرض إثباته لفاعله أو نفيه عنه مطلقا) فيكون ما لم يذكر مفعولا به، وترك ما إذا كان المذكور غير الفاعل، فإنه قد تقرر في النحو أمره من أنه لا يقدر الفاعل، بل ينوب المفعول منابه، وتغير صفة الفعل على أنه من أحوال المسند إليه، واعلم أن شرح هذا المقام على هذا الوجه من خصائصنا، والشارح جعل ضمير ذكره إلى كل واحد منهما، ولا يخفى أنه ليس قدرا مشتركا بين المشبه والمشبه به، بل القدر المشترك واحد منهما، وأنه ليس الغرض من الذكر مع كل منهما إفادة التلبس بكل منهما؛ بل بواحد منهما، وجعل ضمير فإذا لم يذكر إلى المفعول به، وهو خلاف السوق، والمراد بالإطلاق
стр. 513
نظرا إلى الإطلاق السابق على ما فسره الشارح أن لا يتقيد بالمفعول به، لكن فسره المصنف في الإيضاح بالإطلاق عن المفعول عاما كان أو خاصا، والإطلاق عن عموم نفس الفعل بإرادة جميع أفراده، وعن خصوصه بإرادة بعض أفراده، وفيه أن التنزيل منزلة اللازم لا يتوقف على الإطلاق بهذا المعنى، فإن لك أن تقول:
فلان يعطي كل إعطاء أو إعطاء كذا (نزل منزلة اللازم) لم يقل: جعل لازما؛ لأنه في معنى المتعدى، لأن يعطي بمعنى: يفعل الإعطاء، إلا أنه لما كان المفعول داخلا في معناه لم يحتج إلى ذكر مفعول، فصار كاللازم في أنه لا يطلب منصوبا (لأن المقدر) بواسطة القرينة (كالمذكور) في أن الغرض من الفعل إفادة تلبسه به، لا وقوع مفهومه مطلقا (وهو ضربان) أي: المنزل منزلة اللازم نوعان (لأنه إما أن يجعل الفعل مطلقا كناية عنه) أي: عن ذلك الفعل (متعلقا بمفعول مخصوص دلت عليه) أي: على ذلك المفعول (قرينة) ولا بد للمعنى المكني أيضا من قرينة، ولو جعل ضمير عليه راجعا إلى الفعل المتعلق بمفعول مخصوص لم يفت بيان قرينه، لكن يلزم خلو الجملة عن ضمير موصوفها، أي: مفعول مخصوص إلا أن يجعل حالا بعد حال عن قوله عنه بتقدير قد، والاقتصار على الكناية يشعر بنفي صحة التجوز، ولم يقم عليه دليل، ولا دليل على نفي جعله كناية عن فعل متعلق بمفعول عام، فتقول: فلان يعطي بمعنى يعطي كل أحد، لأن العطاء إذا صدر عن مثله لا يخص أحدا، وقوله تعالى:
وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ (١) يحتمله؛ لأنه بمعنى توجد منه الدعوة، ودعوته ملزومة لدعوة كل أحد لتقرر عموم لفظه (أولا) يجعل كذلك (الثاني) كقوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٢) مثال للإثبات والنفي على ترتيبهما، وقدمه على الأول لتقدم عدم الجعل على الجعل، والحقيقة على الكناية، ولشرف شاهده، ولاستتباعه ذكر كلام السكاكي في معرفته مزيد دقة النظر، وقد فاز بها المصنف، فله مزيد اهتمام بذكره، وقال الشارح:
لأنه أكثر وقوعا قال (السكاكي) (٣) مخالفا لعبد القاهر حيث لم يعترف إلا بكونه
стр. 514
لمجرد إثبات الفعل، أو نفيه، ولم يقل بإفادة التعميم على ما في الإيضاح، وليس هذا كلام السكاكي بعينه، بل هو مما استنبطه المصنف مما ذكره لحسن ظن به، وخرج من عبارته بنقصان مدلوله؛ إذ عبارته أو القصد إلى نفس الفعل بتنزيل المتعدي منزلة اللازم ذهابا في نحو: فلان يعطي إلى معنى: يفعل الإعطاء، ويوجد هذه الحقيقة إيهاما للمبالغة بالطريق المذكور في إفادة اللام للاستغراق، وحمل المصنف الطريق المذكور على ما ذكره في بحث لام الاستغراق من أن كون الحكم استغراقا أو غير استغراق إلى مقتضى المقام، فإذا كان خطابيا مثل: المؤمن عز كريم، والمنافق خب لئم، حمل المعرف باللام مفردا كان، أو جمعا على الاستغراق بعلة إيهام أن القصد إلى فرد دون آخر مع تحقق الحقيقة فيهما تعود إلى ترجيح أحد المتساويين، ولا يخفى أن كلام السكاكي يفيد اختصاص التنزيل بمقام التعميم للادعاء والمبالغة، ورأى المصنف أنه قد يكون لمجرد إفادة الثبوت أو النفي كما في هذه الآية، وقد يكون لإفادة العموم على الحقيقة من دون قصد المبالغة والادعاء فغيره إلى قوله (ثم) يعني: بعد كون الغرض مجرد الإثبات أو النفي (إن كان المقام خطابيا) بالفتح، كما نقل بعض تلامذة الشارح المحقق ممن يوثق به؛ لأنه منسوب إلى الخطابة بالفتح مصدر خطب، أي: أنشأ الخطبة سمى الظني خطابيا؛ لأن الخطب معاون الظنون والإقناعات (لا استدلاليا) (١) يطلب فيه اليقين (أفاد ذلك) أي: الثبوت أو النفي مطلقا، لا كون الغرض ثبوته للفاعل، أو نفيه عنه مطلقا كما في الشرح، فافهم (مع التعميم دفعا للتحكم) أي:
الترجيح بلا مرجح في الحمل، أو في الإرادة، فإن قلت: لم يتعرض لمقام هو غير الخطابي واليقيني من الجدليات والجهليات، قلت: حق ذلك، ويستدعي أن يحمل الاستدلالي على ما يستدل عليه، لا على ما يطلب فيه اليقين، كما زعم الشارح، لكنه لا يقابل الخطابي الذي يستدل عليه بالخطابة، ويحتاج إلى تكلف إرادة استدلال غير الخطابة، وتقديره أنه لا يخص إفادة التعميم بالمقام الخطابي، فإنه ربما يقتضي البرهان التعميم، نحو: خلق الله، فإنه في تقدير يفعل الخلق، ويوجد هذه الحقيقة، والبرهان دل على أنه يفعل كل خلق، فيحمل في ذلك المقام البرهاني على التعميم، والإشكال لا يخلو عن صعوبة، لكنه ذلل بعون
стр. 515
الله، وهو أن المقام الخطابي ما يكتفي فيه بالظن من كلام المخاطب، ويقنع بظن أنه أفاد، والمقام الاستدلالي ما يطلب فيه ما إفادة المخاطب بلا شبهة سواء كان المفاد مما يمكن أن يقام عليه البرهان، أو يكون من الظنون، فتأمل، ووجه إفادة التنزيل العموم في المقام الخطابي أن يعطي في معنى: يفعل الإعطاء، فهو مما يتضمن معرفا باللام بدعوة المقام الخطابي إلى الاستغراق، فيحمل عليه إما استغراق المفرد، فيكون بمعنى: كل إعطاء، وإما استغراق الجميع؛ لأن المصدر يستوي فيه المفرد والجمع، فيكون بمعنى جميع الإعطاءات، وقال الشارح العلامة:
الطريق المذكور هو ما ذكر من كون اللام للاستغراق مفيدا للمبالغة في آخر بحث لام الاستغراق، حيث قال: إن حاتم الجواد يفيد الانحصار مبالغة لعدم مطابقة حقيقة الانحصار، وله وجهه إلا أنه قال في بيانه: إن معنى قولنا: فلان يعطي هو لا غيره، يوجد حقيقة الإعطاء، لا غيرها.
وقال الشارح: هذه فرية بلا مرية؛ لأنه وأن يفيد محصل يعطي، وهو يفعل كل إعطاء أنه يعطي لا غيره، لكن لا أمر يقتضي قوله: لا غيرها، ويمكن دفعه بأنه استفاد قوله: لا غيرها من قصد الاستمرار من المضارع، فإذا استمر إعطاؤه، فلا فعل له غيره، ولا يخفي أن هذا الحصر مما يزيد في المبالغة في الإعطاء، وهاهنا بحث أورده الشارح المحقق وهو أن إفادة التقسيم ينافي كون الغرض إفادة الثبوت أو النفي مطلقا بمعنى فسره الشارح به، وأجاب بأن المفاد أعم من الغرض والمقصود، ورده السيد السند بأن الخارج عن القصد لا يعد من الخواص، ولا يعتد به، وهو مندفع بأن ما لا يعتد به ما لا يتعلق به الغرض أصلا، لا ما لا يكون غرضنا من حاق الكلام، ونظير ذلك ما قد سبق أن كون المسند إليه موصولا يكون للإيماء إلى وجه بناء الخبر، ثم أنه ربما يجعل ذريعة إلى التعريض بالتعظيم لشأنه، والتعميم من المعاني الغرضية الغير المنافية لعدم الغرضية من نفس الكلام، وكذلك الاستغراق، فإن المعرف مستعمل في الماهية المعينة، واعتبار الفرد مدلول القرينة، على أن لك أن تريد بإفادة التعميم بأن ما يفيده من الثبوت المطلق، أو النفي المطلق في قوة العام، وبمنزلته، ولا ينفك عنه، ومثل هذا لا يرد بأنه ليس إفادة يعتد بها، إذ لم يجعل التعميم من الدواعي إلى التنزيل، بل جعل الداعي إليه في قوة التعميم، وكشف عن حال
стр. 516
ذلك الداعي مزيد كشف فتأمل، ثم تحمل فنجمل.
وأجاب عنه في شرح المفتاح، وجعله أظهر بأن التعميم مدلول الفعل بمعونة المقام الخطابي، وفيه أنه حينئذ يكون كناية عن ثبوت الفعل العام، فيناسب جمعه مع الضرب الثاني.
(والأول) (١) من الضربين (كقول البحتري) أبو عبادة الشاعر وهذه النسبة إلى البحتر- بالضم- أبو حي من طي لا جدي بن تدول ابن بحتر؛ لأنه شاعر جاهلي (في المعتز بالله) أعلى صيغة اسم الفاعل يقال: اعتز لفلان عد نفسه عزيزة، أي من عزز الله أو على صيغة المفعول أي: المعزز بإعزاز الله إياه والثاني أنسب [شجو] أي: حزن [حسّاده وغيظ عداه] جمع عدو [أن يرى مبصر ويسمع واع] (٢) الأصح الوقوف على المنقوص بلا إعادة ما حذف بسبب التنوين ولهذا لا تكتب الياء في قاض على الأصح (أي: يكون ذو رؤية وذو سمع، فيدرك) بالبصر (محاسنه) وبالسمع (أخباره الظاهرة الدالة على استحقاقه الإمامة دون غيره) ممن لم يتصف بها (فلا تجدوا إلى منازعته الإمامة) مفعول ثان للمنازعة (سبيلا) مفعول الوجدان الأولى ترك هذا التفريع، فإن الحاسد يغيظ ويحزن بمجرد سماع كمالات المحسود، وإن كان بعد موته.
والحاصل أنه نزل يرى ويسمع منزلة اللازم، واستغنى به عن تقدير المفعول، ليدل به على أن العام يستلزم المتعلق منه بهذا الخاص، فلا حاجة إلى تقييده به في إفادته، ولو قدر المفعول لفات هذا القصد الذي فيه من المبالغة في المدح ما لا يحصى كما لا يخفى، وقد ضمن الشاعر كلامه أنهم يغيظون من أن يكون لهم بصر وسمع، ويتمنون عماهم وصممهم؛ لئلا يدركوا محاسنه، وإن محاسنه، وإن كانت أمورا معنوية صارت في الظهور مما لا يخفى على الإبصار، ويتعلق به الإبصار، ونحن نقول: قد يجعل الفعل المنزل كناية عن متعلق بأكثر من مخصوص، والأحسن أن يجعل البيت منه، أي: أن يكون ذو رؤية فيدرك
стр. 517
محاسنه، وأخباره المذكورة، ويدرك ضدها لهم وهاهنا إشكال قوي لم يسمع ممن سبق فيه روى، وهو أنه إذا جعل كناية عن المتعلق بمخصوص، خرج عن أن يكون الغرض منه إثباته أو نفيه مطلقا، نعم، لو لم يجعل كناية، وجعل معنى معرضا للاستقام (وإلا) عطف للشرطية على الشرطية التي وقعت جزاء لقوله:
فإن لم يذكر معه، وقوله: وإلا لتقدير انتفاء ما ذكر في شرط المعطوف عليه، إن لم يكن الغرض إثباته لفاعله أو نفيه عنه مطلقا، وذلك إما بأن يعتبر تعلقه بمفعول أو يعتبر في الفعل عموم أو خصوص على ما يقتضيه ما نقل من تفسير الإطلاق من المصنف، وحينئذ لا يترتب عليه قوله (وجب التقدير) أي:
تقدير المفعول به؛ لأن الخصوص المذكور ليس بالتقييد بالمفعول به، وهذا مما يقتضي أن لا يعتبر في الإطلاق إلا الإطلاق من المفعول به، واعتبر الشارح في هذا الشرط محذوفا، وهو: بل قصد تعلقه بمفعول (بحسب القرائن) (١) أي:
بسبب القرائن، وجمع القرائن نظرا إلى المواد، أو المراد بعض القرائن، اختاره على قوله بحسب القرينة إشارة إلى كثرة القرائن، كما صرح بها في بحث الإيجاز حيث قال: وأولته، أي: الحذف كثيرة وفصل بعضها، ولا يخفى أن الأحق بكونه مقام التفصيل أول مقام احتيج فيه إليه، وقيد الحذف هنا بحسب القرائن، ولم يقيد حذف المسند إليه والمسند، مع أن الجميع سواء فيه إشارة إلى أن الحاجة إلى رعاية القرينة هنا أشد، إذ الكلام يتم بدون متعلق الفعل، فلا يمكن المخاطب لفهمه ما لم يضطره الفاهم إليه بخلاف المسند والمسند إليه، فإنه لا يعرض عن فهم شيء منهما، وإن عجز يسأل المتكلم وعبر عن الحذف في مقام الإيجاب بالتقدير، وفي بيان مقام النكتة بالحذف؛ لأن التقدير الحذف مع النية، والواجب هو النية، لا الإسقاط، والداعي إلى النكتة الحذف، لا النية، فناسب في الأول عبارة دالة على النية؛ لينصرف إليها الوجوب، وفي الثاني ما يخلو عن النية لتعليق النكتة بما هو خلاف الأصل من الترك، والفرق بين مقام التنزيل التقدير، من نفائس أمر النظير والتدبير، حتى يمتحن به الفحول، وترجح فيه بعض العقول، على بعض العقول، ومما رجح فيه المصنف الشيخ عبد القاهر والزمخشري على المفتاح، وعكس الأمر الشارح المحقق في قوله تعالى: وَلَمَّا وَرَدَ
стр. 518
ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ (١) حيث ذهب الشيخ عبد القاهر والمفتاح إلى أن المراد يقع منهم السقي ومنهما الذود؛ لأن ترحم موسى عليهما لذودهما، وسقي القوم لا لسقي القوم المواشي، وذودهما الغنم، إذا لا مدخل في الترحم، لكون المسقي الإبل وكون المذود الغنم، فلو قيد الفعلان بهما لأوهم خلاف المقصود، وجعله المفتاح في تقدير: يسقون مواشيهم، وتذودان غنمهما، وادعى أن الكلام ينصب إلى تلك الإرادة.
قال الشارح: هذا أقرب إلى التحقيق؛ لأن ملاك الترحم أنهما تذودان غنمهما حتى لو كانتا تذودان غنم الغير لم يكن المقام مقام الترحم، وكذا حال السقي؛ لأنهم لو يسقون مواشي غيرهم لم يكن الأمر كذلك، ويمكن تقوية الشيخين بأن الترحم بصدور الذود للظلم عليهما، والسقي للتعدي سواء كان الذود لغنمهما، أو لغنم غيرهما، والسقى لمواشيهم أو مواشي غيرهم، حتى لو كان ذلك لرعاية النوبة لم يكن موجبا للترحم.
[الحذف وأغراضه]
(ثم) أي: بعد ثبوت القرينة لا بد من نكتة (الحذف إما للبيان) أي:
الإظهار (بعد الإيهام) أي: الإخفاء (كما في فعل المشيئة) أي: كما شاع في فعل المشيئة، ولم يقل كما في المشيئة ليعلم أنه لا يخص بلفظهما، بل يوجد كلما وجد الفعل سواء ذكر بلفظهما أو بلفظ الإرادة أو غير ذلك، فإنه يحذف مفعولها في الشرط؛ لدلالة الجزاء عليه، ولا ينبغي أن يخص ذلك بالشرط، كما يوهمه بيان الشارح؛ إذ لا يفرق المتفطن بين قولك بمشيئة هداكم أجمعين، وبين المثال المذكور في الحذف لتلك النكتة (ما لم يكن تعلقه به غريبا) يوهم أن كون الحذف للبيان بعد الإبهام مقيد بذلك الوقت، حتى لو كان غرابة في تعلقه لم يكن الحذف لذلك، وليس بمراد، بل المقيد به الحذف، فإنه تنتفي القرينة حينئذ على الحذف؛ لأن الغرابة تعارض القرينة، فلا يلتفت الذهن إلى المحذوف، فهجر في المفعول الغريب الحذف لغلبة الالتباس، ولا يخفى أنه كما أن الحذف في فعل المشيئة مقيد بنفي غرابة التعلق بالمفعول المحذوف، كذلك الحذف مطلقا مقيد
стр. 519
به، فينبغي أن يقول: ثم حذف المفعول ما لم يكن تعلق الفعل به غريبا (نحو:
فَلَوْ شاءَ) (١) أي: هدايتكم أجمعين لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ مثال لعدم الغرابة، أو لحذف فعل المشيئة، أو للحذف للبيان بعد الإبهام، وقد مر أن التفسير بعد الإبهام يوجب مزيد تقرير، وتمكين في النفس (بخلاف) الأظهر أنه متعلق بالمثال، أي: عدم غرابة التعلق، مثل: فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٢) بخلاف (نحو) قول الخريمي (٣) في مرثية ابنه، ووصف نفسه بشدة الحزن، والصبر على مصيبته:
ولو شئت أن أبكي دما لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع (٤)
ومنها:
وأعددته ذخرا لكلّ ملمّة ... وسهم المنايا بالذّخائر مولع (٥)
فإن تعلق المشيئة ببكاء الدم غريب، فلا يصح فيه حذف مفعول المشيئة، ولا حذف مفعول مفعوله: لأنه ملبس كحذفه، فتوجه عليه أنه كيف حذف ذلك الشاعر البليغ من مفعول المشيئة في مقام غرابة التعلق به ما جعله ملبسا؟
فدفعه بقوله (وأما قوله:
فلم يبق منّي الشّوق غير تفكّري ... فلو شئت أن أبكي بكيت تفكّرا (٦)
فليس منه) أي: ليس مما تعلق فعل المشيئة فيه بمفعوله غريب، حتى يكون حذف مفعول مفعوله ملبسا؛ إذ ليس التقدير: ولو شئت أن أبكي تفكر بكيت تفكرا؛ إذ البلاغة في مقام المبالغة في أنه لم يبق فيه غير التفكر أن يقول: لو شئت البكاء بكاء أي شيء كان؛ لبكيت تفكرا، لا أن تقول: وإن شئت أن
стр. 520
أبكي تفكرا بكيت تفكرا، لا لما قال الشارح من: إنه لا يترتب على قوله: فلم يبق مني الشوق إلخ: لأن بكاء التفكر ليس سوى الأسف والكمد، والقدرة عليه لا يتوقف على أن لا يبقى فيه غير التفكر، بخلاف عدم القدرة على البكاء الحقيقي، بحيث يحصل بدل الدمع التفكر، فإنه يتوقف على أن لا يبقى فيه غير التفكر لظهور ترتبه؛ لأن بكاء التفكر، وإن لبس إلا الكمد والحزن من العين لا يمكن، إلا إذا لم يكن فيه دمع، بل لأنه كم بين المعنيين، فليس الاشتباه إلا بحمل الشعر على المعنى المرجوح، ومثله لا يكاد يليق لدفع الاشتباه، فكيف للاشتباه؟ ولا يخفى ذلك على أهل الانتباه، ولعمري حل هذا المقام، على هذا الوجه النظام؛ لحرى بأن يوصى باغتنامه الكرام، وقد حرم منه أقوام من الفحول بعد أقوام، والله يهدي من يشاء باللطف والإلهام، لكن كلام الإيضاح يشعر بأن معنى قوله: ليس منه، أنه ليس مما يصلح أن يكون الجزاء فيه تفسيرا لمفعول المشيئة، فيكون إشارة إلى ما قال الشيخ في دلائل الإعجاز، وأورده المصنف في الإيضاح؛ لتوضيح قوله (لأن المراد بالأول البكاء الحقيقي) حيث قال: لأنه لم يرد أن يقول: لو شئت أن أبكي تفكرا لبكيت تفكرا؛ بل أراد أن يقول: أفناني النحول، فلم يبق مني غير خواطر تجول في حتى لو شئت البكاء، فمريت جفوني وعصرت عيني؛ ليسيل منها دمع لم أجده، ولخرج منها بدل الدمع التفكر، فالمراد بالبكاء في الأول الحقيقي، وفي الثاني غير الحقيقي، فلا يصح تفسيرا للأول، والعجب أن الشارح مع تذكره لكلام الشيخ في هذا المقام ولما في الإيضاح؛ فسر قوله: فليس منه، بقوله، أي: مما ترك فيه حذف مفعول المشيئة بناء على غرابة تعلقها به على ما يسبق إلى الوهم، ووقع فيه صاحب الضرام، ومنهم من جعل قوله: وأما قوله: ناظرا إلى قوله: كما في فعل المشيئة، لا إلى قوله: بخلاف، وجعل المراد منه: أن حذف مفعول أبكى ليس للبيان بعد الإبهام، بل لأمر آخر؛ لأن قوله: لبكيت تفكرا، لا يصلح بيانا لمفعول أبكى؛ لأنه ليس التفكر، ولا يرده التأمل في سابق الكلام والتدبر فيه، إلا أنه ليس التفكر مما تتداوله الألسن في هذا المقام، فقول الشارح: إنه ناشئ من سوء التأمل، وقلة التدبر ليس بذلك (وإما لدفع توهم إرادة غير المراد ابتداء) إما قيد للدفع، أي: الدفع قبل حدوثه، فإن التوهم في حز اللحم إنما
стр. 521
يحدث بعد سماعه، أو قيد للتوهم، أي: توهم يحدث في ابتداء الكلام، فأريد منع حدوثه، وإن كان يدفعه آخر الكلام، وبالجملة المناسب البليغ لمنع توهم إرادة غير المراد، لأن الدفع للحادث والمنع لما هو بصدد الحدوث، ومع ذكر المنع لا حاجة إلى قوله: ابتداء، فهو أخصر أيضا (كقوله) أي: البحتري [وكم ذدت] دفعت [عنّي من تحامل حادث] في الشرح: كم خبرية مميزها تحامل حادث فصل بينهما بفعل متعد، فزيد من؛ لئلا يتلبس بمفعول ذلك المتعدي؛ لأنه إذا فصل بين كم الخبرية ومميزه يكون منصوبا، لامتناع إضافته إلى التمييز، وما ذكره موافق لقول النحاة، وفيه أنه إنما يندفع به الالتباس على مذهب غير الأخفش والكوفيين، فإنهم لما جوزوا زيادة «من» مطلقا لا يعلم أنه زيد على المفعول أو التمييز، وبهذا يعلم أن الضابط لزيادة «من» ليس مجرد عدم الإيجاب، بل هو، أو كون المزيد فيه تمييزا لكم الخبرية، فصل بينه وبين كم بفعل متعد، ونحن نقول: يحتمل أن يكون كم استفهامية محذوفة المميز، أي: كم مرة أو زمانا، ويكون زيادة من في المفعول، لأن الكلام غير موجب، والاستفهام لادعاء الجهل بعدده؛ لكثرته مبالغة في الكثرة، وفيه الاستغناء عن الفصل بين كم ومميزه:
وسورة أيام حززن إلى العظم (١)
أي: قطعن اللحم إلى العظم (إذ لو ذكرنا اللحم لربما توهم قبل ذكر ما بعده) أي: ما بعد اللحم (إن الحز لم ينته إلى العظم؛ بل جاوزه في بعض اللحم)، كذا في الإيضاح ونحن نقول: التوهم فيه، إما أنه لم يبلغ العظم ولم ينته إليه بل جاوزه، وعبارة المتن يحتمله، ويحتمل أن يكون المعنى: حززن كل شيء إلى العظم من الجلد والعصب واللحم، فالحذف للتعميم (وإما لأنه أريد ذكره ثانيا) جعل الذكر ثانيا بناء على أن المقدر كالمذكور (على وجه يتضمن إيقاع الفعل على صريح لفظه) أي: على المفعول المعبر بصريح لفظه شاع التسامح بتنزيل اللفظ منزلة المعنى وبعكسه، وما ذكره لا يشمل الحذف في مثل: عرفت وعرفني زيد؛ لأنه ليس ذكره ثانيا على وجه يتضمن إيقاع الفعل على صريح
стр. 522
لفظه؛ بل إسناد الفعل إلى صريح لفظه، فالأولى على وجه يتضمن تلبس الفعل بصريح لفظه (إظهار الكمال العناية بوقوعه عليه) الأولى تلبسه به، ووجه الإظهار أن في الضمير خفاء يخاف معه عن الفعلية، فلما حفظه عن الخفاء ظهر كمال العناية به (كقول البحتري: [قد طلبنا فلم نجد لك في السّؤدد]) السيادة [(والمجد والمكارم)] جمع مكرمة بضم الراء وفتح الميم-[(مثلا)] (١) وهذا المثال إنما هو على مذهب البصريين، وإلا فمثلا مفعول قد طلبنا، ووجه الحذف على ما هو المشهور الاحتراز عن الإضمار قبل الذكر في الفضيلة، وعن الإظهار، فإن كلا منهما خلاف الاستعمال الوارد (ويجوز أن يكون السبب) للحذف (ترك مواجهة الممدوح بطلب مثل له) إذ ظاهره التجويز، فإن ما لا يجوز العاقل وجوده لا يطلب، قال الشارح: وأيضا في هذا الحذف بيان بعد الإبهام، وفيه أن البيان بعد الإبهام المزيد التقرير والتمكن، ولا يناسب تقرير طلب المثل في ذهن الممدوح، ويجوز أن يكون السبب دفع توهم السامع أنه وجد له مثلا، وقلقه منه.
(وإما للتعميم) (٢) في المفعول (مع الاختصار كقولك: قد كان منك ما يؤلم، أي: كل أحد) واعترض عليه الشارح: بأن المفيد للعموم هو المقدر العام المعلوم بالقرينة، فالحذف لمجرد الاختصار، والاعتراض قوي، وإن شنع عليه السيد السند بأن منشأه عدم التمييز بين ما يكون العلم بتقديره عاما، مع قطع النظر عن الحذف وبين ما يكون الموصل إلى تقديره عاما الحذف، فإنه لما حذف يستدل على تقديره عاما بأن تقديره غير عام، والمقام خطابي يوجب التحكم، فهاهنا الحذف للتعميم؛ لأنه ما لم يحذف لا يمكن التوصل إلى تقديره عاما بالمقام الخطابي، وفي القسم الأول لمجرد الاختصار، فإن ما ذكره كلام متعجب؛ إذ لا يعقل محصل للقول لحذف العام للتعميم، ولا يكون الحذف قرينة على تعيين العام؛ إذ القرينة هو المقام الخطابي الدال على أن المقدر عام، إلا أن الحذف
стр. 523
شرط للتمسك به في معرفة العموم، وما من قرينة على تقدير العام إلا وهي كذلك فأحسن التأمل، ونحن نقول وبالله التوفيق.
قال المصنف في الإيضاح: وإما للقصد إلى التعميم في المفعول، والامتناع عن أن يقصره السامع على ما يذكر معه دون غيره مع الاختصار، كقولك: قد كان منك ما يؤلم أي: ما الشرط في مثله أن يؤلم كل أحد وكل إنسان.
هذا، ويستفيد منه المتفطن أن حذف الخاص للدلالة على أن تعلق هذا الفعل لا يختص بهذا الخاص، بل يعمه وغيره، وإنما خص التعليق بمقتضى المقام لا للاختصاص، وكيف لا وقد قال والامتناع عن أن يقصره السامع على ما يذكر معه دون غيره؟ فعلم أن المحذوف الذي كان يذكر معه لم يكن عاما، وكان بحيث لو ذكر أوهم الاختصاص، فقوله: أي كل أحد ليس بيانا للمقدر بل للتعميم الذي أفيد بحذف الخاص، والتقدير: ما يؤلمني إيلامه لا يخص بي، فأفيد عدم الاختصاص بتعرية الكلام عن صورة التخصيص مع اعتباره في التقدير، ونبه بتفاوت بين هذا المثال، والآية بقوله تعالى: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ (١) فإن التعميم المستفاد من السابق للمبالغة، وهنا على الحقيقة، فإن الله تعالى يدعو العباد كلهم، إلا أنه لا يجيبه منهم إلا السعداء فالمقدر يدعوكم، والمخاطب أمة محمد ﵇، حذف المفعول إفادة لعموم دعوة الله لكل إنسان، ولا يخفى عليك أن شرح هذا المقام على هذا الوجه من نفائس الكلام، وليس التنبيه لك على عظم قدر ما خصني الله به من الإنعام في كل حين وآن؛ لأن يكون في مقام الامتنان، بل لأني أخاف على ما ألقي إليك من أن يكون مصداقا للمثل السائر أن الشيء إذا كثر هان.
(وإما لمجرد الاختصار) وفي بعض النسخ (عند قيام قرينة) واعترض عليه بأنه مستغني عنه بقوله: وجب التقدير بحسب القرائن، واعتذر الشارح بأنه تذكرة لما سبق، وغيره بأن المعنى عند قيام قرينة على أن الغرض مجرد الاختصار، ورده الشارح بأنه لا يخص بمجرد الاختصار، بل يشترك فيه جميع الأقسام، ويتجه عليه أن تذكر ما سبق أيضا، لا يخص بمجرد الاختصار، ولعل مراد
стр. 524
المصنف: أن الحذف بمجرد الاختصار إنما تحسن عند قيام القرينة من غير حاجة إلى إقامتها، فإن هذا الحذف لتعليل مؤنة الإفادة عند ضيق المقام، فلا يحسن ما لم يكن في الحذف تخفيف مؤنة الذكر من غير حاجة إلى مؤنة أخرى (نحو:
أصغيت إليه أي: أذنى) فإن النسبة إلى الأذن مأخوذة في الإصغاء، فالقرينة قائمة مع ذكر الفعل (وعليه قوله تعالى: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ (١) أي:
ذاتك) فإن الجزاء قرينة على أن المفعول ذاتك، ولتفاوت بين القرينتين لا يخفى قال وعليه.
(وإما للرعاية على الفاصلة) عدي الرعاية بعلى لتضمين معنى المحافظة (نحو قوله تعالى: وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى) (٢) أي:
ما قلاك، ولا مزاحمة بين هذا وقول الكشاف أن الحذف للاختصار وظهور المحذوف؛ إذ لا تزاحم في النكات، والأولى بالاعتبار في هذا المقام ما ذكره صاحب الكشاف؛ إذ الحذف للرعاية على الفاصلة لا مدخل له في البلاغة؛ لأنه لتحصيل الفاصلة التي هي من المحسنات البديعية، فذكره في علم المعاني إنما يصح على سبيل الاستطراد، وربما تدعو رعاية الفاصلة إلى الذكر.
(وإما لاستهجان ذكره [كقول عائشة ﵂: ما رأيت منه]) (٣) ﵊ ([ولا رأى مني] أي: العورة) والأحسن أن الحذف لتأكيد أمر ستر العورة حتى أنه يستر لفظها على السامع.
(وإما لنكتة أخرى) قد عرفت منها واحدة أخرى، وتركت لمزيد التفصيل؛ لأنك صرت ممن يتحرى، ومما ذكره الشارح المحقق ما روعي فيه قوله تعالى:
стр. 525
لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً (١) أي: لينذر الذين كفروا من كون الغرض ذكر المنذر به لا غير، وفيه أن حذف المنذر هنا للتنزيل بالنسبة إلى المنذر؛ لأنه ليس المقصود لا للتقدير، فهو بمعزل عما نحن فيه (وتقديم مفعوله) لم يقل وتقديمه، مع أن المقام مقامه ليتضح ضمير عليه. فافهم (ونحوه) (٢) أي نحو المفعول، والظاهر دخول الظرف والجار والمجرور فيه لا في مفعوله؛ لأن حمل المفعول إلى الآن على المفعول به يدعو إلى جملة هنا عليه، والمراد بنحوه: الفضلات لا شبه الفعل؛ إذ لو كان لقيل: ومفعول نحوه عليهما، ولا يذهب عليك أن ما ذكره من التأكيد لا يجري في الكل؛ إذ لا يقال: قائما جئت وحده، ولا لا غيره، ولا يوم الجمعة جئت وحده، إن خص الحال بالمفعول به، وقد نبه بذكر نحوه على أن البحث السابق أيضا لم يخص بالمفعول به، بل يتوقع فيه منك التحري والمقايسة، وهكذا كان دأبه، فربما يصرح بنحوه، وتارة يعتمد على معرفة مخاطبه أن مباحث هذا الفن مما للقياس فيه مساغ، وليس جل أمره السماع كما في النحو، ومما ترك فيه الوصفية بالمقايسة قوله (لرد الخطأ في التعيين) (٣) فإنه لا ينحصر التقديم فيه، بل يكون لنحوه من رد خطأ المخاطب في اعتقاد الشركة، أو لإزالة تردده، لكن قوله: بعد ولذلك ... إلخ، كان داعيا إلى ذكره؛ لأنه يجب إدخاله في المشار إليه ليتم التعليل، فاعتراض الشارح عليه بأنه كان عليه أن يذكره متجه، واعتذار السيد السند بأن المصنف لم يذكر رد الخطأ في الاشتراك، وما يتعلق به من التأكيد بوحده اعتمادا على المقايسة بما سبق ضعيف، أوجبه الغفلة عن التعليل، لكن اعتراضه بأن فاته التقديم في الإنشاء نحو: زيدا أضربه، أو لا تضربه، فإن اعتبار رد الخطأ فيه تكلف ضعيف جدا، لأن كلامه في الأبواب السابقة على الإنشاء في الخبر يدلك عليه ما ذكره في باب الإنشاء، حيث قال: تنبيه الإنشاء كالخبر في كثير مما ذكر في الأبواب الخمسة السابقة، فليعتبره الناظر، ومما يعجب قوله: إن الأحسن أن يقول: بدل لرد الخطأ؛ لإفادة الاختصاص، إذ إفادة الاختصاص أيضا لا تجري في الإنشاء إلا بتكلف؛ لأنها
стр. 526
إفادة ثبوت شيء لشيء ونفيه عن غيره، ولا يقبله الإنشاء (كقولك: زيدا عرفت لمن اعتقد أنك عرفت إنسانا، وأنه غير زيد) وهو مصيب في اعتقاد أنك عرفت إنسانا، ومخطئ في التعيين أنه غير زيد (وتقول لتأكيده) أي: تأكيد هذا التقديم، لا لتأكيد رد الخطأ؛ لأن المؤكد في المتعارف هو المفيد الأول، لا مفاده، ألا ترى أنك تجعل في: جاء زيد، زيد الثاني تأكيد الأول، فلا يغرنك قول الشارح المحقق، أي: تأكيد هذا الرد (لا غيره) أي: تقول لأجل إيراد المؤكد هذا اللفظ، لا أنك تقول لإيراد التأكيد زيدا عرفت، لا غيره كما ذكره الشارح، ولعل غرضه تعيين محل لا غيره في المركب (ولذلك) أي: ولأن التقديم لرد الخطأ في التعيين ونحوه مما راد على أصل اعتقاد الحكم (لا يقال ما زيدا ضربت ولا غيره)؛ لأنه يوجب التناقض، فإن ما زيدا ضربت، أثبت ضربك لغيره ونفاه ولا غيره (ولا ما زيدا ضربت، ولكن أكرمته) فإن (لكن) للرد إلى الصواب، ولا خطأ في اعتقاد عدم الصرب حتى يرد إلى الإكرام، بل في مفعول عدم الضرب، فالواجب فيه: ولكن عمرا، قال الشارح إلا أن تقوم قرينة على أن التقديم ليس للحصر، قلت: ألا يكفي قوله: ولا غيره، وقوله:
ولكن أكرمته قرينة على ذلك.
(وأما نحو زيدا عرفته (١)، فتأكيد أن قدر المفسر قبل المنصوب) إما لأنه في قوة عرفت زيدا عرفته، ففيه تكرار مفيد للتأكيد، وإما لأن فيه إبهاما قبل التفسير، وفيه مزيد التقرير (وإلا فتخصيص) اقتصر على التخصيص؛ لأنه لازم للتقديم غالبا فنزل التأكيد مع التقديم ها هنا لقلته منزلة العدم، وقوله: وإما نحو زيدا عرفته مرتبط بقوله: كقولك زيدا عرفت، وفي قوة وإما زيدا عرفته، فمحتمل للأمرين، وفيه رد على الكشاف حيث جزم بأنه للتخصيص، وقال هو أوكد في إفادة الاختصاص من إِيَّاكَ نَعْبُدُ (٢) ولا يبعد أن يكون في عبارة المصنف إشارة إليه، حيث جعله عين التخصيص مبالغة في كماله في التخصيص،
стр. 527
ولا يخفى أن التأكيد في: زيدا عرفته أيضا أبلغ منه في: عرفت زيدا عرفته، وإن لم يذكره أحد منهم، فليكن في جعله نفس التأكيد أيضا إشارة إليه، ثم خفى وجه كونه أوكد في إفادة الاختصاص على زمرة الخواص؛ إذ لا يخفى أن في ذكر المفسر خلوا عن قصد الاختصاص، فليس فيه إلا تكرار الإثبات، فليس فيه إلا تأكيد الإثبات، دون الاختصاص، وألجأهم إعضال الإشكال إلى التأويل بحمل تأكيد الاختصاص على تأكيده باعتبار جزئه الثبوتي، وهذا في هذا المقام أحسن المقال، ونحن نقول بتوفيق الله الملك المتعال وجه كونه آكد في الاختصاص أن الاختصاص يفهم إجمالا ثم تفصيلا، ولا يخفى تأكيد في التفصيل بعد الإجمال، ولا فرق بين: زيدا عرفته مع قرينة قصد الاختصاص وبينه بدونها في التفصيل والإجمال وفي بعض النسخ.
(وأما نحو قوله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ) (١) في الإيضاح فيما قرأ بالنصب (فلا يفيد إلا التخصيص) قد عرفت أنه مبني على الغالب، وتنزيل القليل منزلة العدم، ويتجه عليه بعد أن هذا الحصر فاسد لفساد إثباته وسلبه، أما الأول، فلنبو المقام عن قصد التخصيص، إذ ليس المقصود: إنا هدينا ثمود دون غيرهم رد الخطأ المخاطب، بل الغرض إثبات أصل الهداية لهم، ثم الإخبار عن سوء صنيعهم، ألا ترى أنه إذا جاءك زيد وعمرو، ثم سألك سائل: ما فعلت بهما تقول: إما زيدا فأكرمته وإما عمرا، فأهنته، وليس في هذا حصر وتخصيص؛ لأنه لم يكن عارفا بثبوت أصل الإكرام والإهانة، كذا ذكره الشارح، ووافقه السيد السند وفيه نظر؛ لأن المقام لا ينبو عن قصد القصر الحقيقي، بل يساعده، فيكون المعنى: إنا هدينا ثمود من أهل زمانهم دون غيرهم، أي:
اصطفيناهم من بين الأقوام بالهداية، فلم يعرفوا حقه وأضاعوه، وهذا أدل على سوء صنيعهم، وأما ما ذكره من المثال فلا ينافى الحصر؛ لأن بناءه على الغالب، وأما الثاني؛ فلأن التخصيص لا ينفك عن التأكيد، حتى قال الشارح المحقق:
إنه ليس الحصر إلا تأكيدا على تأكيد، وقد بين لتقديم ما في حيز الفاء وبعده، إما فوائد ليس التخصيص منها، وهي الفصل بين إما والفاء والتعويض عن المحذوف بعد إما، وإبقاء الفاء السببية متوسطة؛ إذ لا تقع في ابتداء الكلام،
стр. 528
ورعاية ما تعارف في كلامهم من شغل حيز ما التزم حذفه بشيء آخر ويمكن في دفعه بتكلف أن الحصر بالإضافة إلى مجرد التأكيد (وكذلك) إشارة إلى قولك:
زيدا عرفت فلذا أتى بما هو للبعيد (بزيد مررت) فإنه لرد الخطأ في تعيين الممرور به، وكذلك يوم الجمعة سرت إلى غير ذلك، ومع دخول إما ليس إلا للتخصيص.
(والتخصيص لازم للتقديم غالبا) أي: لتقديم المعمول على الفعل وشبهه لا لمطلق التقديم، إذ لا يصح في تقديم بعض المعمولات على بعض كما سيظهر لك، ولا في تقديم المسند إليه؛ إذ التخصيص والتقوى سواء في نحو: هو يأتيني، صرح به الشارح المحقق في بحث القصر من شرح المفتاح، ووافقه السيد السند في شرح المفتاح، وهو ظاهر كلام عبد القاهر في بحث المسند إليه كما مر، وكان الأخصر الأعذب والتقديم للتخصيص غالبا، إذ في تقييد اللزوم بالغالب خرازة، وكأنه أراد الإشارة إلى توجيه قول المفتاح: والتخصيص لازم للتقديم، وقد يكون لمجرد الاهتمام، أو التبرك، أو الاستلذاذ، أو موافقة كلام السامع، أو ضرورة الشعر، أو رعاية الفاصلة، أو السجع، وما أشبه ذلك (ولهذا يقال في: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) معناه: نخصك بالعبادة والاستعانة، وفي لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١) معناه: إليه تحشرون لا إلى غيره، فإن قلت: تفسير ما قدم فيه المعمول بالاختصاص لا يتوقف على لزومه للتقديم غالبا حتى يظهر كونه لهذا، قلت: تفسيره به مع وجود غيره من النكات كالتبرك ورعاية الفاصلة في المثالين، وموافقة فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٢) في إِيَّاكَ نَعْبُدُ من غير طلب قرينة يدل على أن اللازم غالبا، وفيه رد لما قال ابن الحاجب من أن التقديم في نحو: الله أحد وإياك نعبد، للاهتمام، ولا دليل على كونه للحصر.
(ويفيد في الجميع) أي: في جميع صور تقديم متعلقات الفعل (وراء التخصيص) بعد نكتة التخصيص (اهتماما بالمقدم) وفيه أنه لا وجه لتخصيص الاهتمام بما سوى التخصيص؛ إذ لا ينفك التقديم عن الاهتمام؛ لأنهم إنما يقدمون الأهم والكسب، وفيه إيماء إلى ما قال الشيخ عبد القاهر: إنا لا نجد
стр. 529
شيئا يجري مجرى الأصل في التقديم غير العناية والاهتمام، لكن ينبغي أن يفسر وجه الاهتمام، ويبين له معنى، ولا يقتدي بكثير من الناس في ظنهم كغاية أن يقال: إنه قدم للاهتمام، وقد فصلناه لك تفصيلا في أحوال المسند إليه، فالمراد بالاهتمام: الاهتمام المستند إلى أمر، فهذا الكلام إيضاح للتقييد بقوله غالبا (ولهذا) أي: للاهتمام (يقدر) المحذوف (في (بسم الله) مؤخرا) والأولى ولهذا أيضا؛ لئلا يوهم اختصاص تقدير المؤخر بنكتة الاهتمام؛ لأنه بمجموع الأمرين من التخصيص والاهتمام، وليس المقصود من قوله: ولهذا الاستشهاد على ما سبق كما يتبادر إلى الوهم، حتى يرد أن تقدير المؤخر فيه لا يدل على أن التقديم يفيد في الجميع اهتماما بالمقدم، ووجه الاهتمام باسم الله بين (وأورد) على كون اسم الله أهم، فالإيراد على قوله: ولهذا يقدر إلخ، أو أورد على كون الاهتمام من مقتضيات التقديم، فالإيراد على قوله المذكور أو على قوله: ويفيد في الجميع ...
إلخ، وهناك احتمال في غاية الدقة، وهو أنه عطف على يقدر، أي: ولكون التقديم مفيدا للاهتمام لا محالة، أورد على نظم القرآن اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ (١) وأوجب بهذين الجوابين، فيكون قوله: ولهذا للأمور الثلاثة (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) لأنه يصح تقديم اقرأ إن لم يكن الاهتمام موجبا للتقديم، أو لم يكن اسم الله أهم (وأجيب بأن الأهم فيه القراءة) وذلك لا ينافي كون اسم الله أهم في بسم الله؛ لأن الفعل فيه ليس أهم من اسم الله لعدم عروض ما يجعله أهم من اسم الله، ويعارض الجهة الذاتية فيه للأهمية، ويترجح عليها، كما في اقرأ، أو لا ينافي اقتضاء الأهمية في: بسم الله؛ لأنه ليس هنا أهمية اسمه تعالى، وذلك لأنها أول آية نزلت بالاتفاق، وأول ما يؤمر به الرسول بالقراءة، فأمر القراءة أهم في هذا المقام، وقول الشارح: لأنها أول سورة نزلت بناء الأمر على واحد من الأقوال الثلاثة، ثانيها أن أول سورة نزلت هي الفاتحة، وثالثها هي المدثر، لكنه لا خلاف في أن هذه الآية أول آية نزلت، ويتجه عليه أن القول بأنها أول سورة نزلت لا يستلزم القول بأنها لم يسبق هذه الآية شيء في النزول؛ لأن الفاتحة أول سورة نزلت على قول، مع الاتفاق بأن هذه الآية أول ما نزلت؛ إلا أن يقال:
القول بأنها أول سورة نزلت لا ينفك عن القول بأن جميع أجزائها متقدمة على
стр. 530
غيرها، ولك أن تجعل وجه أهميتها أن في تقديم اسم الله إيهام الاختصاص، وهو لا يناسب المقام؛ إذ ليس مقروءا آخر حتى يكون الحصر مفيدا، ولا ينبغي أن يقول: إن معنى عبارة المتن أن الأهم من القراءة وتخصيص القراءة القراءة فلم يقدم الاسم؛ لئلا يفيد الأمر بتخصيص القراءة، مع أن الأهم الأمر بالقراءة؛ لأنه بعيد عن الفهم جدا، والداعي إليه من الاجتناب عن جعل الأمر بالقراءة أهم من اسم الله ليس بسديد؛ إذ لا مانع من كون غير اسم الله أهم منه بعارض (وبأنه) أي: باسم ربك (متعلق باقرأ الثاني (١)، ومعنى الأول أوجد القراءة) أي: طلب ثبوت القراءة للفاعل من غير تقييد بشيء بخلاف الثاني، فإن معناه أوجد القراءة باستعانة اسم الله، ولم يرد أن الأول منزل منزلة اللازم دون الثاني بتوهم أن الباء في باسم ربك زائدة للدلالة على التكرير والدوام، كما في: أخذت الخطام، وأخذت بالخطام كما ظنه الشارح، فاعترض بأنه بعيد، وقال: والأحسن أن الباء للاستعانة، ويمكن أن يقال: أراد الشارح أن الأحسن في توجيه عبارة الجواب ذلك، فتأمل، واعترض السيد السند على هذا الجواب على هذا بأنه لما بين أن طلب تخصيص القراءة باسم الله لا يناسب كونه أول آية نزلت، فلا يصح تعلقه باقرأ الثاني؛ لأن المطلوب حينئذ يكون ذلك، والشارح لما جعل باسم الله متعلقا باقرأ الأول، تضاعف الإشكال، وهذا الإشكال لا يتجه؛ لأن الأمر بالقراءة حصل بقوله: اقرأ فبعده يناسب أن يطلب تخصيص القراءة، ولو بوجه، فإنما يتجه لو جعل وجه أهمية القراءة أن في تقديم بسم الله إيهام الاختصاص، وقد عرفت له وجها آخر، فنقول: لا اعتداد بإيهام طلب التخصيص؛ لأن المقام ينفيه، فتقديمه لمجرد كونه أهم للتبرك به، والاستلذاذ بذكره، نعم، يرد على جعل بسم الله متعلقا بالأول أن لا يكون القارئ مستغنيا في قراءة السورة باسم الله.
(وتقديم بعض معمولاته) أي: الفعل (على بعض) لأن أصله التقديم، أو أصل الآخر التأخر؛ بل لرعاية الأصلين (كالفاعل في: ضرب زيد عمرا)، فإن أصله التقديم على المفعول؛ لكونه عمدة، وكون المفعول فضلة، ولشدة اتصاله بالفعل (والمفعول الأول في نحو: أعطيت زيدا درهما) أي: المفعول