إفادة ثبوت شيء لشيء ونفيه عن غيره، ولا يقبله الإنشاء (كقولك: زيدا عرفت لمن اعتقد أنك عرفت إنسانا، وأنه غير زيد) وهو مصيب في اعتقاد أنك عرفت إنسانا، ومخطئ في التعيين أنه غير زيد (وتقول لتأكيده) أي: تأكيد هذا التقديم، لا لتأكيد رد الخطأ؛ لأن المؤكد في المتعارف هو المفيد الأول، لا مفاده، ألا ترى أنك تجعل في: جاء زيد، زيد الثاني تأكيد الأول، فلا يغرنك قول الشارح المحقق، أي: تأكيد هذا الرد (لا غيره) أي: تقول لأجل إيراد المؤكد هذا اللفظ، لا أنك تقول لإيراد التأكيد زيدا عرفت، لا غيره كما ذكره الشارح، ولعل غرضه تعيين محل لا غيره في المركب (ولذلك) أي: ولأن التقديم لرد الخطأ في التعيين ونحوه مما راد على أصل اعتقاد الحكم (لا يقال ما زيدا ضربت ولا غيره)؛ لأنه يوجب التناقض، فإن ما زيدا ضربت، أثبت ضربك لغيره ونفاه ولا غيره (ولا ما زيدا ضربت، ولكن أكرمته) فإن (لكن) للرد إلى الصواب، ولا خطأ في اعتقاد عدم الصرب حتى يرد إلى الإكرام، بل في مفعول عدم الضرب، فالواجب فيه: ولكن عمرا، قال الشارح إلا أن تقوم قرينة على أن التقديم ليس للحصر، قلت: ألا يكفي قوله: ولا غيره، وقوله:
ولكن أكرمته قرينة على ذلك.
(وأما نحو زيدا عرفته (١)، فتأكيد أن قدر المفسر قبل المنصوب) إما لأنه في قوة عرفت زيدا عرفته، ففيه تكرار مفيد للتأكيد، وإما لأن فيه إبهاما قبل التفسير، وفيه مزيد التقرير (وإلا فتخصيص) اقتصر على التخصيص؛ لأنه لازم للتقديم غالبا فنزل التأكيد مع التقديم ها هنا لقلته منزلة العدم، وقوله: وإما نحو زيدا عرفته مرتبط بقوله: كقولك زيدا عرفت، وفي قوة وإما زيدا عرفته، فمحتمل للأمرين، وفيه رد على الكشاف حيث جزم بأنه للتخصيص، وقال هو أوكد في إفادة الاختصاص من إِيَّاكَ نَعْبُدُ (٢) ولا يبعد أن يكون في عبارة المصنف إشارة إليه، حيث جعله عين التخصيص مبالغة في كماله في التخصيص،
стр. 527
ولا يخفى أن التأكيد في: زيدا عرفته أيضا أبلغ منه في: عرفت زيدا عرفته، وإن لم يذكره أحد منهم، فليكن في جعله نفس التأكيد أيضا إشارة إليه، ثم خفى وجه كونه أوكد في إفادة الاختصاص على زمرة الخواص؛ إذ لا يخفى أن في ذكر المفسر خلوا عن قصد الاختصاص، فليس فيه إلا تكرار الإثبات، فليس فيه إلا تأكيد الإثبات، دون الاختصاص، وألجأهم إعضال الإشكال إلى التأويل بحمل تأكيد الاختصاص على تأكيده باعتبار جزئه الثبوتي، وهذا في هذا المقام أحسن المقال، ونحن نقول بتوفيق الله الملك المتعال وجه كونه آكد في الاختصاص أن الاختصاص يفهم إجمالا ثم تفصيلا، ولا يخفى تأكيد في التفصيل بعد الإجمال، ولا فرق بين: زيدا عرفته مع قرينة قصد الاختصاص وبينه بدونها في التفصيل والإجمال وفي بعض النسخ.
(وأما نحو قوله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ) (١) في الإيضاح فيما قرأ بالنصب (فلا يفيد إلا التخصيص) قد عرفت أنه مبني على الغالب، وتنزيل القليل منزلة العدم، ويتجه عليه بعد أن هذا الحصر فاسد لفساد إثباته وسلبه، أما الأول، فلنبو المقام عن قصد التخصيص، إذ ليس المقصود: إنا هدينا ثمود دون غيرهم رد الخطأ المخاطب، بل الغرض إثبات أصل الهداية لهم، ثم الإخبار عن سوء صنيعهم، ألا ترى أنه إذا جاءك زيد وعمرو، ثم سألك سائل: ما فعلت بهما تقول: إما زيدا فأكرمته وإما عمرا، فأهنته، وليس في هذا حصر وتخصيص؛ لأنه لم يكن عارفا بثبوت أصل الإكرام والإهانة، كذا ذكره الشارح، ووافقه السيد السند وفيه نظر؛ لأن المقام لا ينبو عن قصد القصر الحقيقي، بل يساعده، فيكون المعنى: إنا هدينا ثمود من أهل زمانهم دون غيرهم، أي:
اصطفيناهم من بين الأقوام بالهداية، فلم يعرفوا حقه وأضاعوه، وهذا أدل على سوء صنيعهم، وأما ما ذكره من المثال فلا ينافى الحصر؛ لأن بناءه على الغالب، وأما الثاني؛ فلأن التخصيص لا ينفك عن التأكيد، حتى قال الشارح المحقق:
إنه ليس الحصر إلا تأكيدا على تأكيد، وقد بين لتقديم ما في حيز الفاء وبعده، إما فوائد ليس التخصيص منها، وهي الفصل بين إما والفاء والتعويض عن المحذوف بعد إما، وإبقاء الفاء السببية متوسطة؛ إذ لا تقع في ابتداء الكلام،
стр. 528
ورعاية ما تعارف في كلامهم من شغل حيز ما التزم حذفه بشيء آخر ويمكن في دفعه بتكلف أن الحصر بالإضافة إلى مجرد التأكيد (وكذلك) إشارة إلى قولك:
زيدا عرفت فلذا أتى بما هو للبعيد (بزيد مررت) فإنه لرد الخطأ في تعيين الممرور به، وكذلك يوم الجمعة سرت إلى غير ذلك، ومع دخول إما ليس إلا للتخصيص.
(والتخصيص لازم للتقديم غالبا) أي: لتقديم المعمول على الفعل وشبهه لا لمطلق التقديم، إذ لا يصح في تقديم بعض المعمولات على بعض كما سيظهر لك، ولا في تقديم المسند إليه؛ إذ التخصيص والتقوى سواء في نحو: هو يأتيني، صرح به الشارح المحقق في بحث القصر من شرح المفتاح، ووافقه السيد السند في شرح المفتاح، وهو ظاهر كلام عبد القاهر في بحث المسند إليه كما مر، وكان الأخصر الأعذب والتقديم للتخصيص غالبا، إذ في تقييد اللزوم بالغالب خرازة، وكأنه أراد الإشارة إلى توجيه قول المفتاح: والتخصيص لازم للتقديم، وقد يكون لمجرد الاهتمام، أو التبرك، أو الاستلذاذ، أو موافقة كلام السامع، أو ضرورة الشعر، أو رعاية الفاصلة، أو السجع، وما أشبه ذلك (ولهذا يقال في: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) معناه: نخصك بالعبادة والاستعانة، وفي لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١) معناه: إليه تحشرون لا إلى غيره، فإن قلت: تفسير ما قدم فيه المعمول بالاختصاص لا يتوقف على لزومه للتقديم غالبا حتى يظهر كونه لهذا، قلت: تفسيره به مع وجود غيره من النكات كالتبرك ورعاية الفاصلة في المثالين، وموافقة فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٢) في إِيَّاكَ نَعْبُدُ من غير طلب قرينة يدل على أن اللازم غالبا، وفيه رد لما قال ابن الحاجب من أن التقديم في نحو: الله أحد وإياك نعبد، للاهتمام، ولا دليل على كونه للحصر.
(ويفيد في الجميع) أي: في جميع صور تقديم متعلقات الفعل (وراء التخصيص) بعد نكتة التخصيص (اهتماما بالمقدم) وفيه أنه لا وجه لتخصيص الاهتمام بما سوى التخصيص؛ إذ لا ينفك التقديم عن الاهتمام؛ لأنهم إنما يقدمون الأهم والكسب، وفيه إيماء إلى ما قال الشيخ عبد القاهر: إنا لا نجد
стр. 529
شيئا يجري مجرى الأصل في التقديم غير العناية والاهتمام، لكن ينبغي أن يفسر وجه الاهتمام، ويبين له معنى، ولا يقتدي بكثير من الناس في ظنهم كغاية أن يقال: إنه قدم للاهتمام، وقد فصلناه لك تفصيلا في أحوال المسند إليه، فالمراد بالاهتمام: الاهتمام المستند إلى أمر، فهذا الكلام إيضاح للتقييد بقوله غالبا (ولهذا) أي: للاهتمام (يقدر) المحذوف (في (بسم الله) مؤخرا) والأولى ولهذا أيضا؛ لئلا يوهم اختصاص تقدير المؤخر بنكتة الاهتمام؛ لأنه بمجموع الأمرين من التخصيص والاهتمام، وليس المقصود من قوله: ولهذا الاستشهاد على ما سبق كما يتبادر إلى الوهم، حتى يرد أن تقدير المؤخر فيه لا يدل على أن التقديم يفيد في الجميع اهتماما بالمقدم، ووجه الاهتمام باسم الله بين (وأورد) على كون اسم الله أهم، فالإيراد على قوله: ولهذا يقدر إلخ، أو أورد على كون الاهتمام من مقتضيات التقديم، فالإيراد على قوله المذكور أو على قوله: ويفيد في الجميع ...
إلخ، وهناك احتمال في غاية الدقة، وهو أنه عطف على يقدر، أي: ولكون التقديم مفيدا للاهتمام لا محالة، أورد على نظم القرآن اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ (١) وأوجب بهذين الجوابين، فيكون قوله: ولهذا للأمور الثلاثة (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) لأنه يصح تقديم اقرأ إن لم يكن الاهتمام موجبا للتقديم، أو لم يكن اسم الله أهم (وأجيب بأن الأهم فيه القراءة) وذلك لا ينافي كون اسم الله أهم في بسم الله؛ لأن الفعل فيه ليس أهم من اسم الله لعدم عروض ما يجعله أهم من اسم الله، ويعارض الجهة الذاتية فيه للأهمية، ويترجح عليها، كما في اقرأ، أو لا ينافي اقتضاء الأهمية في: بسم الله؛ لأنه ليس هنا أهمية اسمه تعالى، وذلك لأنها أول آية نزلت بالاتفاق، وأول ما يؤمر به الرسول بالقراءة، فأمر القراءة أهم في هذا المقام، وقول الشارح: لأنها أول سورة نزلت بناء الأمر على واحد من الأقوال الثلاثة، ثانيها أن أول سورة نزلت هي الفاتحة، وثالثها هي المدثر، لكنه لا خلاف في أن هذه الآية أول آية نزلت، ويتجه عليه أن القول بأنها أول سورة نزلت لا يستلزم القول بأنها لم يسبق هذه الآية شيء في النزول؛ لأن الفاتحة أول سورة نزلت على قول، مع الاتفاق بأن هذه الآية أول ما نزلت؛ إلا أن يقال:
القول بأنها أول سورة نزلت لا ينفك عن القول بأن جميع أجزائها متقدمة على
стр. 530
غيرها، ولك أن تجعل وجه أهميتها أن في تقديم اسم الله إيهام الاختصاص، وهو لا يناسب المقام؛ إذ ليس مقروءا آخر حتى يكون الحصر مفيدا، ولا ينبغي أن يقول: إن معنى عبارة المتن أن الأهم من القراءة وتخصيص القراءة القراءة فلم يقدم الاسم؛ لئلا يفيد الأمر بتخصيص القراءة، مع أن الأهم الأمر بالقراءة؛ لأنه بعيد عن الفهم جدا، والداعي إليه من الاجتناب عن جعل الأمر بالقراءة أهم من اسم الله ليس بسديد؛ إذ لا مانع من كون غير اسم الله أهم منه بعارض (وبأنه) أي: باسم ربك (متعلق باقرأ الثاني (١)، ومعنى الأول أوجد القراءة) أي: طلب ثبوت القراءة للفاعل من غير تقييد بشيء بخلاف الثاني، فإن معناه أوجد القراءة باستعانة اسم الله، ولم يرد أن الأول منزل منزلة اللازم دون الثاني بتوهم أن الباء في باسم ربك زائدة للدلالة على التكرير والدوام، كما في: أخذت الخطام، وأخذت بالخطام كما ظنه الشارح، فاعترض بأنه بعيد، وقال: والأحسن أن الباء للاستعانة، ويمكن أن يقال: أراد الشارح أن الأحسن في توجيه عبارة الجواب ذلك، فتأمل، واعترض السيد السند على هذا الجواب على هذا بأنه لما بين أن طلب تخصيص القراءة باسم الله لا يناسب كونه أول آية نزلت، فلا يصح تعلقه باقرأ الثاني؛ لأن المطلوب حينئذ يكون ذلك، والشارح لما جعل باسم الله متعلقا باقرأ الأول، تضاعف الإشكال، وهذا الإشكال لا يتجه؛ لأن الأمر بالقراءة حصل بقوله: اقرأ فبعده يناسب أن يطلب تخصيص القراءة، ولو بوجه، فإنما يتجه لو جعل وجه أهمية القراءة أن في تقديم بسم الله إيهام الاختصاص، وقد عرفت له وجها آخر، فنقول: لا اعتداد بإيهام طلب التخصيص؛ لأن المقام ينفيه، فتقديمه لمجرد كونه أهم للتبرك به، والاستلذاذ بذكره، نعم، يرد على جعل بسم الله متعلقا بالأول أن لا يكون القارئ مستغنيا في قراءة السورة باسم الله.
(وتقديم بعض معمولاته) أي: الفعل (على بعض) لأن أصله التقديم، أو أصل الآخر التأخر؛ بل لرعاية الأصلين (كالفاعل في: ضرب زيد عمرا)، فإن أصله التقديم على المفعول؛ لكونه عمدة، وكون المفعول فضلة، ولشدة اتصاله بالفعل (والمفعول الأول في نحو: أعطيت زيدا درهما) أي: المفعول
стр. 531
الأول لأفعال يباين مفعولها الثاني المفعول الأول، لما فيه من معنى الفاعلية، وهو أنه عاط أي: آخذ للعطاء، قيل: الأصل تقديم المفعول المطلق، ثم المفعول به بلا واسطة حرف الجر، ثم الذي بالواسطة، ثم المفعول فيه الزمان، ثم المكان، ثم المفعول له، ثم المفعول معه، والأصل أن يذكر الحال عقيب صاحبها، والتابع عقيب المتبوع، وأن يقدم النعت على التأكيد، والتأكيد على البدل، أو البيان، وهما سيان.
هذا، ويعرف من هذا الترتيب أنه لو اتصل بأحدهما ضمير المتأخر، هل يلزم الإضمار قبل الذكر لفظا ورتبة أو لا: فضربت بعصاه زيدا، ليس فيه ذلك الإضمار؛ لأن زيدا مقدم رتبة، وضربت صاحبها بالعصا فيه إضمار قبل الذكر؛ لأن المفعول به بواسطة مؤخر لفظا ورتبة، فإن قلت: تقييد المفعول الأول بباب أعطيت حشو إذ الأصل في كل مفعول أول تقديمه على الثاني، قلت: تقديم المفعول الأول من باب علمت من قبيل تقديم المسند إليه على المسند، وليس مما نحن فيه، نعم، تقديم المفعول الأول من باب أعلمت مما نحن فيه، لكنه ملحق بالمفعول الأول من باب أعطيت، قال ابن الحاجب: وهذه الأفعال المتعدية إلى الثلاثة مفعولها الأول كمفعولي أعطيت، فهو مندرج في نحو: أعطيت زيدا درهما (أو لأن ذكره أهم) قد عرفت أن الأهمية أصل لا يتخطاه تقديم، لكن لا بد من بيان وجه الأهمية، كأصالة التقديم أو كونه نصب عين للمتكلم، أو السامع، أو كون إخلال في تأخيره إلى غير ذلك، فلا وجه لجعل الأهمية قسيما لطرفيه، بل هو نسخ لبيان المفتاح، حيث جعل الأهمية أصلا مستندا إلى الأصالة وغيرها (نحو قتل الخارجي فلان) في القاموس الخارجي: رجل يسود بنفسه من غير أن يكون له قديم، وإرادته في هذا الكلام غير ظاهرة، والمستفاد من الإيضاح أن المراد من: خرج على السلطان، حيث قال: لما إذا خرج رجل على السلطان، وعاث في البلاد وكثر به الأذى، فقتل، وأردت أن تخبر بقتله، فتقول: قتل الخارجي فلان؛ إذ ليس للناس فائدة في معرفة قاتله وإنما الذي يريدونه هو وقوع القتل عليه ليخلصوا من شره (أو لأن في التأخير) أي: للتأخير (إخلالا ببيان المعنى) مقصور أو مشدد بمعنى: المقصود، وهو أنسب، وكأنه قال: ببيان المراد ما سبق كان تقديما للمقتضى، وهذا وما بعده تقديم لمانع عن التأخير، ويندرج
стр. 532
في الإخلال ببيان المعنى موجبات للتقديم، فصلت في النحو من انتفاء الإعراب لفظا، والقرينة في الفاعل والمفعول ووقوع الفاعل أو المفعول بعد إلا، أو معناها ونظائرها في باب المبتدأ والخبر والفاعل والمفعول، فتذكر، والإخلال ببيان المعنى كما يكون بظهور احتمال في التأخير واضح يصرف النفس عن فهم المقصود بأن لا يلتفت إليه، أو يصير مترددا كذلك يكون باحتمال تعلقه بغير ما علقه به لفظا، وأن لا يظهر له معنى، فليشوش فهم السامع، ويوجب تأمله فيه، ومكثه معه رجاء تحصيل معنى له، ومنه قوله تعالى: وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا (١) بتقديم قوله: من قومه على الوصف، وحقه التأخير؛ لأن الوصف من تتمة الموصوف، وحق الحال أن تأتي بعد تمام صاحبها، لأنه لو أخر لاحتمل أن يكون من صلة الدنيا على ما ذكره صاحب المفتاح، فإنه ليس الاحتمال إلا بحسب اللفظ من غير تأمل في المعنى؛ إذ لا معنى للحياة الدنيا من قوم نوح، وبهذا اندفع اعتراض المصنف على المفتاح بأن تعلق من قوله بالدنيا غير معقول، وإن شهد له الشارح المحقق بأنه حق، وإن كان مناقشة في المثال، وجعل الشارح إياه مناقشة في المثال إثر الإهمال؛ لأنه منازعة في جعله نكتة في الآية الكريمة، ويحتمل أن يكون الذين كفروا بدل بعض من قومه، فلا يكون هناك تقديم شيء على شيء (نحو: وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ) (٢) فيه مثال التقديم؛ لأن الأصل فيه التقديم، ولا مقتضى للعدول عنه؛ لأن الوصف المفرد مقدم على المركب، كما بين في محله، وعلى هذا لا يبعد أن يقال: قدم (مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) (٣) على قوله: (يَكْتُمُ إِيمانَهُ) (٤) لأنه محتمل الإفراد، ويحتمل الإفراد ينبغي أن يكون مقدما على الجملة الصريحة، ألا ترى أنه يجعل أين في: أين زيد؟ في حكم المفرد في وجوب التقديم على المبتدأ مع أنه جملة لكونها غير صريحة فإنه لو أخر (من آل فرعون) عن (يكتم إيمانه) لفهم غير المقصود، ولم يفهم المقصود، أشار إلى الأول بقوله (لتوهم أنه من صلة يكتم) والأولى صلة يكتم؛ لأنه ليس له صلات، حتى
стр. 533
يكون التبعيض في موقعه، وإلى الثاني بقوله (فلم يفهم أنه منهم) ويحتمل أن يكون التقديم لتحصيل صفة التوجيه، وهو إيراد اللفظ محتملا لوجهين، ولا يذهب عليك أن التحرز عن الإخلال ببيان المعنى يجري في تقديم الفضلة على الفعل أيضا، كقولك: أزيدا ضربت؛ لأنه لو قلت: أضربت زيدا؟ لانقلب إلى الاستفهام من الفعل، والمراد الاستفهام من المفعول.
(أو بالتناسب) عطف على قوله: ببيان المعنى أي: التقديم، لأن في التأخير إخلالا بالتناسب (كرعاية الفاصلة، نحو: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى) (١) فإن فواصل الآي على الألف، فقدم الجار والمجرور، والمفعول على الفاعل لذلك، وقدم الجار والمجرور على المفعول؛ ليتصل الفاعل بالمفعول، ولم يتعرض للتقديم الذي يكون المتكلم ملجأ إليه مضطرا، كما في: وجه الحبيب أتمنى، حيث قدم فهي المفعول على الفاعل؛ لأن تقديمه على بلجئ إليه، لأنه لا مدخل له في البلاغة، إلهي نبتهل إليك في قصر الآمال، على خير ما يسعد ختم الآجال، ونسألك قلب وجوه قلوبنا إلى التوجه إلى إفرادك بالعبادة يا معبود، والتوفيق لتعيينك على ما ينبغي في المشاهدة عند شهود كل موجود، يا واجب الوجود، ويا غاية كل مقصود، أيدنا بقصر التقديم على أمرك في كل ما هو الأهم، وارزقنا القيام بالنفي والاستثناء في مقام العطف إلى التوحيد على الوجه إلا.
(ثم القصر) قالوا: هو في اللغة: الحبس، ومناسبته بالمعنى الاصطلاحي ظاهرة، أقول: في القاموس القصر اختلاط الظلام، ولا يبعد أن يكون النقل منه؛ لأن في القصر الاصطلاحي اختلاط الحكم الإيجابي بالسلبي، وفي الاصطلاح على ما عرفه الشارح المحقق في شرح المفتاح جعل بعض أجزاء الكلام مخصوصا بالبعض، بحيث لا يتجاوزه، ولا يكون انتسابه إلا إليه، ولا يخفى أنه لا يصدق على اختصاص زيد بالقيام، فإنه لا تخصيص فيه لجزء من أجزاء الكلام بالآخر؛ لأنه لم يخص الفاعلية لزيد بالقيام، ولا مفعولية القيام بزيد، وإن لزم اختصاص القيام بزيد؛ لأنه ليس اختصاص جزء بجزء، بل اختصاص صفة بموصوف، لا
стр. 534
من حيث الجزئية للكلام، فتقييد السيد السند التعريف بقوله: بطريق معهود في شرح المفتاح احترازا عن قولنا: اختص القيام بزيد كما أوضحه في حواشيه على شرحه محل تأمل، نعم، لو جعل القصر مقصورا على الطرق الأربعة احتيج إلى التقييد؛ لإخراج ضمير الفصل وتعريف المسند إليه وتعريف المسند.
(وهو حقيقي وغير حقيقي) أي: مجازي؛ لأن حقيقة التخصيص إثبات شيء لشيء وسلبه عن جميع ما عداه، فاستعماله في تخصيص شيء بشيء وسلبه عن بعض ما عداه بطريق المجاز، وفيه أن القصر الادعائي حينئذ يجب أن يدخل في غير الحقيقي، مع أن الإثبات لشيء، والسلب عن جميع ما عداه ادعاء داخل في القصر الحقيقي، فلذا جعله الشارح مقابلا للإضافي، وفيه أن القصر مطلقا إضافي، فالحقيقي بالإضافة إلى جميع ما عدا الشيء، وغير الحقيقي بالإضافة إلى بعضه، فالحقيقي بأي معنى يعتبر لا يخلو عن شوب إلا أن يدعي أنه اصطلاح من القوم، فترجع المناقشة إلى وجه التسمية، ويكون هينا، فاختيار السيد السند التوجيه الأول، ورد على الشارح التوجيه الثاني ليس بذاك، فإن قلت: تقسيم القصر إلى الحقيقي والمجازي يستلزم استعمال القصر في المعنى الحقيقي والمجازي معا، قلت: المراد بالحقيقي ما يكون حقيقة بالنسبة إلى اللغة، وكذا بالمجازي، وإلا فالقصر المنقسم له معنى اصطلاحي يندرج فيه كلا القسمين حقيقة.
(وكل منهما) أي: من الحقيقي وغير الحقيقي (نوعان: قصر الموصوف على الصفة، وقصر الصفة على الموصوف) (١) قال الشارح: الفرق بينهما واضح، فإن معنى الأول: أن الموصوف ليس على غير تلك الصفة، لكن تلك الصفة يجوز أن تكون حاصلة لموصوف آخر، ومعنى الثاني أن تلك الصفة ليست إلا لذلك الموصوف، لكن يجوز أن تكون لذلك الموصوف صفات أخر.
هذا، وفيه بحث؛ لأنه لا يستفاد من شيء من القصرين جواز اشتراك المقصور عليه، بل يحتمل امتناع الاشتراك، فليس الجواز مدلول القصر، وأيضا لا موجب لإفراد الموصوف، وجمع الصفة، وقال السيد السند: وجه الانحصار فيهما أن القصر إنما يتصور بين شيئين بينهما نسبة، فإما أن يكون قصرا للمنسوب
стр. 535
إليه على المنسوب، وهو المراد بقصر الموصوف على الصفة، وإما أن يكون قصرا للمنسوب على المنسوب إليه وهو المراد بقصر الصفة على الموصوف وفيه أن قولنا:
ما ضرب زيد إلا عمرا، وفيه قصر الفاعل على المفعول، وبينهما نسبة هي فاعلية زيد لعمرو، فزيد منسوب إلى عمرو، وقد قصر باعتبار هذه النسبة على عمرو، ومع أن زيدا ليس صفة معنوية لعمرو، فلا يصح هذا الوجه للانحصار.
(والمراد المعنوية (١)، لا النعت النحوي) لما ذكر الصفة في بحث المسند إليه بمعنى النعت، حيث قال: وإما وصفه، أي: إيراد الصفة احتاج هنا إلى التنبيه على نفي إرادته؛ لأنه مظنة أن يتبادر الذهن إليه، ولم يقل: المراد المعنوي لا المنعوت؛ لأن المذكور بالذات في الكتاب سابقا الصفة الموجبة لاشتباه الصفة هنا بالنعت، ولا بد هنا من تنبيه آخر، وهو أن المراد بالصفة المعنوية أعم مما يستنبط من الكلام، ومما هو مصرح به حيث وصف به صريحا ليتناول: ما ضربت إلا زيدا، أو إلا في الدار إلى غير ذلك؛ إذ ليس المفعول في الكلام موصوفا، ولا الفعل المذكور وصفا له، بل يستنبط وصف هو المضروبية، ويجعل المفعول في مآل الكلام موصوفا به، والصفة المعنوية يقال: على ما قام بالغير، وعلى ما تجريه على الغير، وتجعل الغير فردا له وذلك بجعله حالا، أو خبرا، أو نعتا، والأظهر أن المراد الثاني، ولو أريد الأول لم يكن المقصور عليه في: ما الباب إلا ساج، وما زيد إلا أخوك ساج، وأخوك، بل الكون ساجا، وهو خلاف المشهور، وتأويل عنه مندوحة، وهذا كما قال: وصف المحمول، وإما حمله على ما دل على ذات مبهمة باعتبار معنى هو المقصود، فبعيد؛ إذ لم يشتهر وصفها بالمعنوية، ولا يصح في كثير من موارد القصر إلا بتكلف، أو تعسف،
стр. 536
ولو لم يكن تعريف النعت على ما ينبغي وما يتعلق بتعريفاتهم له من النقض والإبرام، مما يعده عقلاء الأنام، من فضول الكلام؛ لذكرت ما يتعجب عنه أولوا الأحلام.
(والأول من الحقيقي نحو: ما زيد إلا كاتب، إذا أريد أنه لا يتصف بغيرها) أي: بغير الكاتب وتأنيث الضمير؛ لأنها صفة واكتفى عن تعريفه بالتمثيل إشارة إلى وضوحه بخلاف غير الحقيقي، وقيد مثال هذا القسم دون قسيمه لمعرفة القيد في مثال قسيمه بالمقايسة (وهو لا يكاد يوجد) مبالغة في نفي وجوده، والمراد إما نفي وجوده في نفس الأمر حتى يكون نفيا لصدق هذا القصر، فلا ينافي تقسيم الحقيقي إليه؛ لأنه يكفي للتقسيم وجود الكاذب منه على أنه لا كلام في وجود إلا دعائي منه، وإما نفي لوجوده في ما بين التراكيب وحينئذ معنى قوله (لتعذر الإحاطة) لظهور تعذر الإحاطة (بصفات الشيء) (١) ظهورا لا يخفى على أحد، فلا يأتي بهذا القصر عاقل لعدم إمكان الغلط فيه ولا التغليط، وحينئذ التعويل في التقسيم على ما يقصد به المبالغة، ووجه تعذر الإحاطة الكثيرة، وخفاء الكثير بحيث لا يعلمها إلا العليم الخبير.
(والثاني: كثير، نحو: ما في الدار إلا زيد) (٢) مرادا به الدار المخصوصة، وهاهنا إشكال قوي وإن لم يسمعه من قوى، وهو أنه يمكن قصر حقيقي في كل قصر إضافي، فينبغي أن يوجد قصر الموصوف على الصفة بهذا الاعتبار كثيرا فتقول في: ما زيد إلا قائم: ما زيد شيئا مما تعتقده إلا قائم.
(وقد يقصد به) (٣) المتبادر عوده إلى الثاني؛ لكونه أقرب، ولأن التعليل
стр. 537
الظاهر فيه قد يقتضيه إذ كون الادعائي في مطلق الحقيقي قليلا، وليس القسم الأول منه إلا ادعائيا، والثاني أيضا يكون ادعائيا خفي، فلذا اختار الشارح عوده إلى الثاني اعتمادا على معرفة إمكان قصد المبالغة في الأول أيضا هذا إذا لم يتوقف المجاز على صحة المعنى الحقيقي، أما إذا توقف، فيتعين العود إلى الثاني (المبالغة لعدم الاعتداد بغير المذكور) أو لكمال الاعتداد بالمذكور، فالأول في مقام مذمة غير المذكور ودعوى نقصانه، والثاني في مقام مدح المذكور وبيان نهاية كماله، والفرق بين الحقيقي والادعائي والإضافي في موارد الاستعمال دقيق كثير، إما بتلبس أحد القصدين بالآخر، فليتأمل السامع الذكي، لئلا يخبط، ولا نقول: إن الفرق بين مفهوم الادعائي والإضافي خفي، كما فسر به السيد السند دعوى الشارح دقة الفرق بينهما، وهذا مخفي، ومن البدائع الدقيقة المستخرجة بمعونة الفطرة الرفيعة أنه يقصد المبالغة بالقصر الإضافي، فيقال لمن اعتقد ضرب زيد وعمرو: ما ضرب إلا زيد، لا لرد اعتقاده، بل لتنزيل ضرب عمرو منزلة العدم، هذا، والحمد لله على ما أنعم.
(والأول) أي: قصر الموصوف على الصفة (من غير الحقيقي تخصيص أمر بصفة دون) صفة (أخرى (١) أو مكانها) أي: صفة أخرى.
(والثاني) أي: قصر الصفة على الموصوف من غير الحقيقي (تخصيص صفة بأمر دون آخر (٢) أو مكانه) ومعنى دون آخر متجاوزا الآخر فهو حال عن الأمر، أو الفاعل المحذوف للتخصيص، وهو في الأصل، أو في مكان من الشيء يقال: هذا دون ذاك إذا كان أحط منه قليلا، ثم استعير للتفاوت في الأحوال، فقيل: زيد دون عمرو في الشرف، ثم استعمل في كل تجاوز حد إلى
стр. 538
حد، وتخطي حكم إلى حكم، كذا قيل، ويمكن أن يكون الاستعارة للتجاوز من أصل معناه، لأن من التفاوت في الأحوال، وبالجملة نصبه على الظرفية، وإن لم تبق كما هو شأن الظروف اللازمة الظرفية، لأنه مع الانتقال عن الظرفية يلزم نصبها، ومنه لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ (١) بالنصب مع فاعليته، فإياك وإن تجعل نصبه على الحالية، وبالجملة فهو يقتضي تجاوز صاحبه عما أضيف إليه في عامله، ويجعل تعلق عامله مخصوصا بصاحبه، وينفي الاشتراك بينه وبين ما أضيف إليه، فقولك: جاء زيد دون عمرو، يقتضي تجاوز زيد عن عمرو في تعلق المجىء به، وينفي اشتراك التعلق بينهما إذا تمهد هذا، فنقول ففي التعريفين إشكال قوي؛ لأنه يفيد أن القصر تخصيص خص نسبته بشيء دون آخر، فيكون في القصر الإضافي إثبات التخصيص لأمر ونفيه عن آخر، ومن المبين فساده، ولو جوز التجوز بالتخصيص عن الإثبات، فيكون معنى تعريف قصر الموصوف على الصفة مثلا إثبات صفة لأمر دون أخرى يكون مجرد إثبات الصفة قصرا لأن قوله: دون أخرى، لا يفيد سلب صفة أخرى، بل لا يفيد الإعدام إثبات صفة أخرى، وهو متحقق مع السكوت عنها، وكذا الحال في قوله: أو مكانها، واعترض عليه الشارح المحقق بأنه يصدق على القصر الحقيقي؛ لأن المراد بقوله: دون أخرى ما يعم الواحدة والمتعددة، وإلا لم يكن التعريف جامعا لخروج قصر إضافي اعتبر فيه الإضافة إلى متعددة، كقولك: زيد كاتب لا شاعر، ولا منجم لمن اعتقد الشركة للثلاثة أو العكس، ويؤيده أن المفتاح قيد التعريف بما يخرج الحقيقي حيث قال: هو تخصيص الموصوف عند السامع بوصف دون ثان، فاعتبر اعتقاد السامع تميزا له عن القصر الحقيقي؛ إذ لا يعتبر فيه اعتقاد السامع، ووافقه السيد السند حيث قال: لو لم يكن في تعريف المفتاح قوله عند السامع لجعلته شاملا للقصر الحقيقي، كمن غفل عن هذا القيد وجعله شاملا معه للحقيقي، وعرض به الشارح، وألجأ الإشكال الشارح إلى أن قال: هو تعريف بالأعم؛ إذ ليس المقصود منه التمييز عن الحقيقي، بل تعريف تفريع التقسيم إلى قصر الإفراد والقلب والتعيين عليه، وهذا مع ضعفه كما لا يخفى، لشيء عجاب لا يليق بمحصل فضلا عن محل من ذوي الألباب، وهو أن المصنف صرح في الإيضاح
стр. 539
بأن السكاكي أهمل القصر الحقيقي، فلو كان عنده أن التعريف يشمله لما حكم بالإهمال، فإن قلت: قد ذكرت أن في تعريف السكاكي ما يخرجه، فلذا لم يحكم بشموله، قلت: لو كان يعلم أن هذا القيد لإخراجه لما أسقطه عن تعريفه، ولم يقصد التعريف بالأعم، ويمكن أن يجاب عنه بأن مكانها، أي: صفة أخرى، يقتضي أن يراد بصفة أخرى صفة ثابتة حتى يتعقل له مكان، ولا يمكن أن يراد الثابتة في نفس الأمر، فالمراد الثابتة في اعتقاد المتكلم، وذلك يدعو إلى أن يراد بأخرى في قوله: دون أخرى أيضا الصفة الثابتة في اعتقاد المتكلم؛ لأنه مرجع الضمير في مكانها، ولهذا اسقط المصنف قول السكاكي عند السامع عن تعريفه اعتمادا على انسياق الذهن إليه من باقي التعريف، ولما لم يقيد السكاكي القصر في مقام التعريف بهذا التعريف بغير الحقيقي، وكان كلامه موهما أنه يعرف مطلق القصر، وتنبه المصنف أنه تعريف لغير الحقيقي، وعرّف غير الحقيقي به، استشعر أن يقال: تعريفه غير مانع؛ لأنه تعريف لمطلق القصر حيث عرف السكاكي به مطلق القصر، فدفعه في الإيضاح بأن السكاكي أهمل القصر الحقيقي دفعا لما يتجه عليه لا تعرضا به؛ إذ لا بأس بإهمال ما لا يتعلق به غرض كلي في البلاغة، وظنّه الشارح اعتراضا على السكاكي، ودفعه بأنه داخل في تعريفه، فكيف يكون مهملا وقد عرفت ما فيه؟ . (فكل منهما) يتجه لما يتضمنه التعريف من التنويع (ضربان) فالأضرب أربعة: تخصيص أمر بصفلة دون أخرى، وتخصيص أمر بصفة مكان أخرى، وتخصيص صفة بأمر دون آخر، وتخصيص صفة بأمر مكان آخر.
(والمخاطب بالأول من ضربي كل من يعتقد الشركة) (١) هكذا اتفقت كلمتهم، وينبغي أن يصحح خطاب من يعتقد اتصاف المسند إليه بالمقصور عليه، ويجوز اتصافه بالغير، فيقصر قطعا لتجويز الشركة، وجعل المفتاح من تساويا عنده داخلا في المخاطب بالأول؛ لأنه يفيد إثبات الصفة بموصوف دون آخر ممن جوز المخاطب اتصافه بها، لا مكان من جعله متصفا، وأخطأ: لأنه لم يجعل أحدهما متصفا، بل جوز اتصاف كل منهما، فليس أحدهما مكان متميز عن
стр. 540
مكان الآخر حتى يعقل جعل أحدهما مكان الآخر.
[أنواع القصر]
قال الشارح: وهو الحق لكمال وضوح فساد ما ذكره المصنف، ورجح كونه هفوة منه على أن يتكلف التصحيح كلامه؛ لأنه لا يمكن تصحيحه إلا بتكلفات، ولا يطيقها اللسان، ويضيق عنهما الأوان، فارجع إلى الشرح إن اشتهيت البيان، ونحن نقول بتوفيق المستعان: قد خالف المصنف المفتاح في جعل قصر التعيين تحت قوله مكان آخر، ومكان أخرى، لا تحت قوله: دون آخر، ودون أخرى بجامع بين قصر القلب، وبينه هو أنهما لمن اعتقد الاتصاف بالنظر إلى أحد الأمرين، لا بالنظر إليهما، وبأنهما لرد اعتقاد المخاطب، العكس بيانه أنه مخاطب قصر التعيين في طلب التعيين في عرضة الخطأ في التعيين، وعلى تقدير خطئه في التعيين يرده القصر إلى العكس، فقصر التعيين لرد الخطأ بالقوة كما أن قصر القلب لرد هذا الخطأ بالفعل، ولا فرق بين خطأين يرد بهما، إلا بأنه في قصر التعيين بالقوة، وفي قصر القلب بالفعل، فظهر أن الحق مع المصنف، ولا هفوة منه، وبهذا ظهر كون قصر التعيين لرد الخطأ وإن أشكل على الفحول (ويسمى قصر إفراد لقطع الشركة) المعتقدة على ما حققه المصنف، ولقطع الشركة المعتقدة، أو بحسب التجويز على ما زعم المفتاح.
(وبالثاني من يعتقد العكس) أي: عكس الحكم الذي اشتمل على القصر (ويسمى قصر قلب) لأن الغرض منه قلب ما عند المخاطب، هكذا كلمتهم، وينبغي أن يجوز أن يكون المخاطب به من اعتقد ثبوت الحكم لمن نفاه، وجوز ثبوته للآخر فثبته للآخر وتنفيه عما أثبته له (لقلب حكم المخاطب أو تساويا عنده ويسمى قصر تعيين) لأنه يقطع الاحتمال الذي عند المخاطب، قال الشارح: هذا التقسيم لا يجري في القصر الحقيقي؛ إذ العاقل لا يعتقد اتصاف أمر بجميع الصفات، ولا اتصافه بجميع الصفات غير صفة واحدة، ولا تردده أيضا بين ذلك، وكذا لا يعتقد اشتراك صفة بين جميع الأمور، ولا ثبوتها للجميع غير واحدة، ولا ترددها أيضا بين الجميع، وفيه نظر؛ لأن القصر الحقيقي يصح أن يكون لرد اعتقاد أن في الدار زيدا مع إنسان، فيقال في رده: ما في الدار إلا زيد؛ لأنه لا بد لنفي إنسانها من عموم النفي، كما لا يخفى لصحة قولنا: ما في البلد من علمائه إلا زيد لمن اعتقد أن جميع علمائه في البلد، أو تردد المسند بين
стр. 541
علمائه، أو بجعل المسند لما سوى زيد من علمائه، على أنه لا مانع من رد اعتقاد الشركة بالقصر الحقيقي، فيكون قصر إفراد، وقلب اعتقاده به، فيكون قصر قلب، والتعيين به كذلك، نعم، لا يجب أن يكون المخاطب به واحدا من هؤلاء، بل يحتمل أن يكون خاف الذهن، ومن بدائع قصر القلب ما يريد به الشركة، فكان كالجامع للقصر ونقيضه؛ إذ القصر قد يكون لقطع الشركة، ولا يكون للشركة، فيكون الكلام معه كالجامع بين المتنافيين، وفيه السحر الواضح الذي يوجب الحسن والزين كقوله تعالى: (وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا) (١) فإنه قدم (للناس) للتخصيص وقصر القلب، وذلك إنما يتحقق بجعل الناس للاستغراق، أي: لجميع الناس، لا لبعضهم، رد الاعتقاد من ادعى أنه بنى العرب فقط، فصار بذلك القصر رسالته مشتركا بين الناس منتقلا من الخصوص إلى العموم، وهذا من دقائق القصر.
[شروط قصر الموصوف على الصفة]
(وشرط قصر الموصوف على الصفة إفرادا عدم تنافي الوصفين) (٢) قال المصنف في الإيضاح: ليتصور اعتقاد المخاطب اجتماعهما، وهذا التعليل يدل على أن المراد عدم ظهور تنافي الوصفين، ويصح اعتقاد اجتماع المتنافيين ممن يخفى عليه تنافيهما، ونحن نقول: وهكذا ينبغي أن يشترط عدم تلازمهما ليصح اعتقاد المتكلم والمخاطب الانفراد (وقلبا تحقق تنافيهما) أي: تنافي الوصفين ليكون إثبات المخاطب المنفية في كلام المتكلم مشعرا بانتفاء غيرها، هكذا في الإيضاح من غير خطأ، وإن وهم البعض أن مراده ليكون إثبات المتكلم ما أثبته في كلامه مشعر بانتفاء غيرها، وبالجملة فيه نظر؛ لأن معرفة انتفاء بها، لا يتوقف على هذا، بل يحصل في كلام المتكلم بالقصر، وفي كلام المخاطب يمكن بطرق غير محصورة، لا يخفى، وأيضا يخرج حينئذ: ما زيد إلا شاعر، لمن اعتقد أنه كاتب لا شاعر، عن أقسام القصر، على أنه لا شبهة في أنه قصر قلب كما صرح به صاحب المفتاح، ومنهم من قال: مراده تنافي الوصفين في اعتقاد المخاطب، وهذا عجب، كيف لا وقد غفل عن قوله وقصر التعيين أعم؟ لأنه إن أراد بالتنافي في اعتقاد المخاطب اعتقاده سلب أحدهما وإيجاب الآخر، فلا يوجد معه
стр. 542
قصر التعيين، وإن أراد عدم اجتماع اعتقادهما، فلا يوجد قصر التعيين مع قصر الإفراد، وأعجب منه أن الشارح المحقق غفل عن فساد كلامه من هذا الوجه، وتشبث في إبطاله تارة بأنه حينئذ يكون شرطا ضائعا؛ لإغناء معرفة أن قصر القلب هو الذي يعتقد فيه المخاطب العكس عنه، وتارة بأنه صرح صاحب المفتاح: بأن المخاطب يجب أن يعتقد العكس، فلا يصح قول المصنف: إنه لم يشترط في قصر القلب تنافي الوصفين، ولا يذهب عليك أنه لا وجه لتخصيص الشرط بقصر الموصوف على الصفة؛ لأنه لو تم الاشتراط ينبغي أن يكون شرط قصر الصفة على الموصوف أيضا في الإفراد عدم تنافي الموصوفين في الوصف، فقال: لا يصح القصر إفرادا في: أفضل البلد، إلا زيد؛ لأنه لا يجتمع الموصوفان في وصف الأفضلية، بل يصح ذلك القصر قلبا، وكأنه لم يقصد التخصيص بما ذكره، بل عول على ظهور المقايسة.
(وقصر التعيين) كأنه لم يقل: وقصر التعيين منه (أعم) لإجراء الحكم على الأعم، والتنبيه على أن الحكم السابق أيضا لا يخص، والمراد بالأعمية: الأعمية بحسب التحقيق بمعنى أن كل ما يصلح لأحدهما يصلح للتعيين، وربما يصلح للتعيين ما لا يصلح للأفراد، وربما يصلح له ما لا يصلح للقلب، كما صرح به في الإيضاح، لكن عبارته حيث قال: كل ما يصلح أن يكون مثالا لقصر الإفراد أو قصر القلب يصلح أن يكون مثالا لقصر التعيين من غير عكس، غير صحيحة لظهور صدق كل ما يصلح مثالا لقصر التعيين، يصلح مثالا لأحدهما، لكن مراده ما ذكرنا، وفي قوله: وشرط قصر الموصوف على الصفة إفرادا عدم تنافي الوصفين وقلبا تحقيق تنافيهما العطف على عاملين مختلفين من غير تقديم المجرور، وصحته مرجوحة.
(وللقصر طرق) كأنه نبه بترك وصف الطرق بالأربعة على وفق المفتاح، والعدول من قوله: أولها، وثانيها إلى منها، ومنها على أن الطرق لا تخصر؛ إذ منها ضمير الفعل، وتعريف المسند أو المسند إليه بلام الجنس، ولم يذكر هنا؛ لأن كلامه في الطرق العامة وهما مخصوصان بالمسند والمسند إليه (منها العطف) كأنه شاع العطف في هذا البحث في العطف بلا وبل، مع النفي في المعطوف عليه، فلذا أطلق: وإلا فليس غيرهما سوى لكن من طرق القصر، ولكن ليس
стр. 543
من طرق العامة لاختصاصها بقصر القلب.
وقال السيد السند في شرح المفتاح: عدم ذكره لسبقه في بحث العطف، وكأنه اكتفى في كون الطريق من الطرق العامة بأن لا يقتصر على طرفين مخصوصين كالمسند والمسند إليه، وكأنه نبه بتكرار المثال، على أنه لا يتجاوزهما لا بالاكتفاء بهما، وإلا لكان الاكتفاء بإلا أيضا مقتضيا لعدم تجاوز النفي والاستثناء إلا (كقولك في قصره) أي: قصر الموصوف على الصفة (إفرادا:
زيد شاعر، لا كاتب أو ما زيد كاتبا، بل شاعر، وقلبا: زيد قائم، لا قاعد، أو ما زيد قائما، بل قاعد) وليس زيد قائما، بل قاعد (وفي قصرها:
زيد شاعر، لا عمرو، أو ما عمرو شاعرا، بل زيد) ويصح أن يقال: ما شاعر عمرو، بل زيد، لكنه يجب حينئذ رفع الاسمين؛ لبطلان عمل ما بتقديم الخبر، كذا في الشرح، ودليله قاصر، وإطلاق دعواه للصحة فاسد، أما الأول؛ فلأن رفع الاسمين لبطل عمل ما، إلا إذا كان زيد مبتدأ والصفة خبره، وأما إذا كان الصفة مبتدأ، وما بعده فاعلا، فليس رفع الاسمين لبطلان عمل ما بتقديم الخبر، بل لأن ما لا يعمل إلا إذا دخل على المبتدأ والخبر، وأما الثاني، فلأن صحته إنما تتم لو لم يكن عمرو فاعلا؛ إذ حينئذ لا يصح، لأنه بطل النفي فيما بعد بل، فيلزم عمل الصفة من غير اعتماد، وكأنه أراد: ويصح أن يقال: ما شاعر عمرو، بل زيد بتقديم الخبر على الاسم، وأما ما ذكر العلامة في شرح المفتاح من أنه لا يجوز تقديم خبر ما على اسمه مع العمل وبدونه أيضا، فخلاف المجمع عليه.
قال الشارح: لما لم يكن في قصر الموصوف على الصفة مثال الإفراد صالحا للقلب لتنافي شرطهما عند المصنف، أفرد لكل مثالا في جميع الطرق بخلاف قصر الصفة، فإنه لإطلاقه عن الشرط يكفي لقسميه مثال، فلذا اكتفى، ولما كان قصر التعيين أعم، فجميع الأمثلة تصلح له، فلم يتعرض له هذا، وهذا كلام قوي يزيف ما ذكرنا أنه ترك المصنف اشتراط قصر الصفة مع عدم التفاوت بينه، وبين قصر الموصوف اعتمادا على المقايسة، فكأنه لم ينتبه لعدم التفاوت، وكأنه أراد الشارح أنه أفرد في الأكثر، وإلا فهو لم يفرد في التقديم، هاهنا بحث شريف لا يحق إلا لرجل كريم نلقيه إليك بالهام ملك عليم، وهو أن قولك: زيد شاعر لا
стр. 544
كاتب، إلقاء حكمين لمخاطب يعلم الأول، فيخلو عن فائدة الخبر؛ إذ من البين أن ليس مقصودك إفادة أنك عالم به، بل مقصودك تسليم ما اعتقده، ولم يعد فائدة للخبر، وثانيهما: منكر وقد خلا عن المؤكد، وأن زيد قائم لا قاعد إلقاء حكمين منكرين بلا تأكيد، ويمكن أن يقال: القصد بالأول إفادة العلم به؛ لأن التسليم معناه الموافقة مع المخبر في العلم، والثاني تأكيد بأنه ألقاه مقرونا بتسليم بعض الدعوى، فكأنه قال: إني أخبر مع نصفة وتحقيق فأوافق فيما أعلم، وأخالف فيما هو منكر، وأما زيد قائم لا قاعد، فقد تأكد فيه لا قاعد بفهمه قبل ذكره من إثبات القيام، وتأكيد الحكم بالقيام بنفي القعود بقد تقرر أن أحدهما واقع، ومن هذا اندفع أن قوله: لا قاعد لغو؛ لأنه اتضح بإثبات القيام، ودفعه الشارح المحقق بأن ذكره للتنبيه على أن المخاطب يعتقد العكس ومجرد الإثبات خال عن هذه الفائدة، ولا يذهب عليك أن طريق العطف مخصوص بغير الحقيقي لا يجري فيه قصر حقيقي.
(ومنها) أي: من الطرق (النفي والاستثناء) (١) لا الاستثناء مطلقا، إذ الاستثناء من الإيجاب ليس القصد فيه إلى الحصر، بل إلى تصحيح الحكم الإيجابي، فهو بمنزلة تقييد طرف الحكم، فكما أن جاءني الرجال العلماء ليس قصرا، كذلك جاءني الرجال إلا الجهال ليس قصرا، وهذا بخلاف الاستثناء من النفي؛ فإن المقصود من نحو: ما جاءني إلا زيد قصر الحكم على زيد، لا تحصيل الحكم، وإلا لقيل: جاءني زيد، فتأمل.
وقال السيد السند في حواشي شرحه على المفتاح: ولعل السر في ذلك أن المستثنى إذا كان جزئيا للمستثنى منه، كما في المفرغ من المنفى، نحو: ما جاءني إلا زيد، وما يؤول إليه المفرغ المذكور إذا صرح فيه بالمقدر، نحو: ما جاءني أحد إلا زيد، حسن أن يعتبر اعتقاد المخاطب للشركة، أو للعكس، أو تردده في
стр. 545
ذلك الجزئي، وما يقابله من الجزئيات الأخر، وأما إذا كان المستثنى جزءا من المستثنى منه، كما في قولك: جاءني القوم إلا زيدا، وقولك: قرأت إلا يوم كذا، فإنه لا يحسن فيه ذلك الاعتبار، كما يشهد به الذوق السليم، وفيه أن فيما ذكره دعاوي غير بينة، ولا مبينة، ويوجب أن لا يكون ما جاءني القوم إلا زيدا للقصر، ولا يفيد عدم كون جاءني كل رجل إلا زيدا قصرا (كقولك في قصره) إفرادا (ما زيد إلا شاعر، و) قلبا (ما زيد إلا قائم، وفي قصرها) إفرادا وقلبا (ما شاعر إلا زيد) (١) والكل يصلح مثالا للتعيين والتفاوت بالمخاطب، وفي هذا المثال تحقيق دقيق يخص بالتنبيه له من حد نظره في إدراك أسرار العربية، وهو أن ليس التقدير ما أحد شاعر إلا زيد؛ لأنه يجب نصب شاعر؛ لأن نقض النفي بإلا لا يوجب إبطال عمل ما، إلا في ما بعد إلا، ألا ترى ما زيد شيئا إلا شيء، وما شاعر أحد إلا زيد، على أن يكون زيد فاعلا؛ لأنه يشكل عمل شاعر في زيد، لأنه لما بطل نفيه فيما بعد إلا لم يبق معتمدا على النفي فيما بعد إلا فتعين أن يكون المقدر مبتدأ مؤخرا، ولعلك تنظر في تحقيق ما ذكرناه في شرح الكافية في انتقاض نفي ما ولا بإلا، فينفعك في هذا المقام نفعا ما.
(ومنها) أي: من الطرق (إنما) حذف من عبارة المفتاح المضاف؛ إذ فيه ومنها: استعمال إنما لظنه به أنه حشو مفسد حيث يوهم أن دلالة إنما ليست بالوضع، كما وهمه البعض، لكن أدرجه المفتاح، لأن الطريق ما يسلكه السالك، ويشتغل به، وذلك استعمال إنما فإنه فعل يشتغل به كإخوانه لا نفس إنما (كقولك في قصره) إفراد (إنما زيد كاتب و) قلبا (إنما زيد قائم، وفي قصرها) إفرادا وقلبا (إنما قائم زيد) قال الشارح المحقق: إن الشيخ لم يوافق المفتاح في عموم طريقي العطف، وإنما لأقسام القصر، بل قال: إنهما لقصر القلب، وما نقل عن الشيخ في بيانه لا يدل إلا على المتبادر من إنما قصر القلب
стр. 546
إذا أطلق من غير تقييد بنحو وحده مما أن يشعر بقطع الشركة أو مما يشعر بقطع التردد من قولك: بلا شبهة وبلا تردد، أو قطعا، ومن البين أن ما ذكره إنما يستقيم مع إطلاق العطف حتى لو قيل: جاءني زيد لا عمرو أيضا لكان بقطع الشركة، فلا مناقشة مع السكاكي في الحكم، بل في المثال حيث فات منه التقييد، ونازع السيد السند فيما ذكره في إنما بأن المتبادر من النفي والاستثناء قطع الشركة ذكره إنما يتم لو لم تكن إنما بمعنى ما وإلا كما اشتهر، بل بمعنى العطف، ونحن نقول: لعل كلام الشيخ مبين على أن المتبادر من التخطئة، التخطئة من كل وجه، وذلك في قصر القلب، فما ذكره من تبادر قصر القلب جاز في الجميع، وتشبيه إنما بالعطف كلام على سبيل التمثيل (لتضمنه معنى ما وإلا) علة لكون إنما من طرق القصر وكان الأولى أن يقدم على هذه الدعوى، ودليله بيان وجه كون النفي والاستثناء مفيدا للقصر، فذكره بعد ذلك كما فعله فوت لترتيب الكلام.
والتقديم أيضا من طرق القصر، لتضمنه معنى ما وإلا، ولهذا فسر الأئمة قولهم: «شرّ أهرّ ذا ناب» ب: ما أهرّ ذا ناب إلا شرّ، فتخصيص إنما بهذا التعليل تخصيص بلا مخصص إلا أن يقال: خصه بالتعليل للإشارة إلى رد ما ذكره بعض الأصوليين من أن وجه إفادته القصر أن ما نافية وأن للإثبات، ولا يرجع النفي والإثبات إلى ما بعده لظهور التناقض، فأحدهما راجع إلى ما بعده والآخر إلى ما عداه، وكون ما راجعا إلى ما بعده خلاف الإجماع، فيتعين الإثبات لما بعده والنفي لما عداه، وإنما رده لكونه تكلفا بعيدا عن الاختيار، وليس تخصيصه بالتعليل لما أن بعض الأصوليين أنكروا كونه مفيدا للقصر تمسكا بقول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات) (١) وبقوله: إنما الولاء بالعتق (٢)، على ما نقله الرضى في بحث وجوب تقديم الفاعل؛ لأن كون التقديم أيضا مفيدا للقصر مما خالف فيه الشيخ ابن الحاجب على ما مر، وقد استدل على تضمنه ما وإلا بأوجه ثلاثة إشارة إلى الأول بقوله (لقول المفسرين) وكأنه استدل بإجماعهم، فإن قلت: التفسير مستمد من هذا الفن، فكيف يتمسك صاحب
стр. 547
هذا الفن بقول أصحاب التفسير فيما ادعاه، وهو مرجعهم في تصحيح دعاويهم، قلت: التمسك بقوله من حيث أنهم علماء العربية، لا من حيث أنهم أصحاب التفسير إلا أنه عين مكانا قالوا فيه ذلك، فالوجه في الحقيقة إتيان قول أئمة العربية واستعمال العرب (إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ (١) بالنصب: معناه: ما حرم عليكم إلا الميتة) وأيد قولهم بقوله (وهو المطابق لقراءة الرفع (٢) لما مر)؛ إذ القراءة أن المراد أن يكون بعضها مفسرة لبعض، فإذا كان قراءة الرفع مفيدة لحصر المحرم في الميتة ينبغي أن يكون المراد في قراءة النصب أيضا الحصر، فلو لم يكن إنما للحصر لكان النظم مفوتا لأداة الحصر، مع إرادته، تعالى عن ذلك، ولما اكتفى بقوله: لقراءة الرفع من غير تعرض لحرم، تبادر منه أن حرم على حاله التي كانت له في قراءة النصب، وهو البناء للفاعل، وهو المراد أو في قراءة البناء للمفعول يحتمل أن تكون الميتة مرفوع حرم، فلا تكون فيه دليل على كون إنما للحصر، ووجه إرادة الحصر في قراءة الرفع على ما بينه المفتاح، أن ما موصولة، إذ لا مجال لكونها كافة، وإلا لم يصح رفع الميتة إلا بتقرير إنما حرم الله عليكم شيئا هو الميتة، ولا يجوز حذف موصوف الجملة في مثله، كما بين في محله، والميتة خبره، فهو مثل المنطلق زيد؛ إذ اللام في اسم الفاعل موصولة وقد عرفت أنه يفيد قصر الجنس، وبهذا اندفع ما توهم من قلة التتبع، وعدم التنبه أن قراءة الرفع يفيد قصر الميتة على ما حرم، وقراءة النصب عكسه، فكيف يتطابقان؟ فإن قلت: التأكيد ليس بقوي، إذ لا يلزم الحصر تعريف المسند إليه تعريفا جنسيا، بل قد يفيده، قلت: إنما يحتمل عدم إفادته إذا ظهر له فائدة أخرى، وهنا لم تظهر، وأشار إلى الثاني بقوله (ولقول النحاة (٣): إنما لإثبات ما يذكر بعده ونفي ما سواه) أي: مما يقابله؛ إذ لا يخفي أن المنفى بعد إنما ليس جميع ما سوى المذكور، ولو قالوا: ونفى ما يقابله لكان واضحا، وأظن أن
стр. 548
مرادهم الإشارة إلى أن المثبت يجب أن يكون مذكورا بعده، والمنفي غير مذكور، لا إلى تعيين المنفي، ولا يخفى أن قول النحاة أشبه بقول الأصوليين من أن إن فيه لإثبات ما ذكره بعده وما لنفي ما سوى المذكور فذكره لاثبات تضمن أنها بمعنى ما وإلا في مقام رد أن تكون إن وما محل نظر، نعم، يتم ما ذكره الشارح في شرح المفتاح من الاستدلال بعموم النكرة بعدها، كما في قوله ﵇ (إنما لامرىء ما نوى) (١) فإنه يدل على ورود نفيه على ما ذكر بعده، وذلك إنما يتحقق لتضمنه النفي، لا لكون ما للنفي، إذ لو كان ما للنفي لوجب أن يقال:
إنما لامرىء غير ما نوى، وكذا ما ذكره في هذا الشرح من الاستدلال بصحة عمل الصفة في: إنما قائم أبوك، على ما صرح به بعض النحاة، نعم، يتجه على قول هذا البعض أنه كيف عمل الصفة ولم يعتمد على النفي حين العمل في أبوك لانتقاض النفي بمعنى إلا وأشار إلى الثالث بقوله: (ولصحة انفصال الضمير معه) أي: مع إنما في مقام لا يصح الفصل بدون إنما مع أنه لا يتصور من مواقع صحة انفصال الضمير معه إلا فصل الضمير من عامله لغرض، فيقال: إنما يقوم في الدار أنا، ولولا أن أنا في المعنى بعد إلا لوجب أن يقال: إنما أقوم في الدار، وكأنه قال: لصحة انفصال الضمير، ولم يقل: ولوجوب انفصال الضمير معه، مع أنه أدل على المطلوب لتردده في الوجوب؛ لأن الضمير معه ذو وجهين، الاتصال بحسب الظاهر والفصل في المعنى، فالقياس أن يجوز العمل بالوجهين.
وقال الشارح في شرح المفتاح: الظاهر وجوب الفصل؛ إذ لو قيل: إنما أقوم لكان المعنى ما أنا إلا أقوم، وإنما يعلم كون الفاعل المقصور عليه لو قيل: إنما أقوم أنا، وفيه بحث؛ لأن الجزء الأخير في إنما أقوم هو الفاعل لا المسند، وكأنه وقع فيه من كلام الشيخ حيث قال: لو قال إنما أدافع عن أحسابهم لم يكن المقصور عليه المتكلم، بل قوله: عن أحسابهم، ولكن ما قاله الشيخ إلا لأنه لو أضمر المتكلم في الفعل لم يبق جزءا أخيرا، ويصير الجزء الأخير المتعلق، وقال السيد السند: لا كلام في وجوب الانفصال إذا كان للفعل متعلق إنما الكلام في مثل إنما أقوم، وهو محل التوقف هذا، أقول: كلام النحاة يحكم بوجوب الانفصال، فإنهم حكموا بأنه لا يجوز المنفصل إلا لتعذر المتصل، وعدوا منه الفصل لغرض،
стр. 549
وينبغي أن يعم الفصل المعنوي واللفظي ليشمل هذا البيت، فالبيت عندهم من مواضع تعذر الاتصال، والظاهر أن مأخذ قول النحاة إشعار فيها إشعار بالقصر لانفصال الضمير، فلا معنى لجعله وجها ثالثا، فإن قلت: صحة انفصال الضمير معه ليس إلا لكون الضمير مستثنى في المعنى، والأصوليون لا ينكرونه، بل يجعلون إن للإثبات، وما للنفي لتحصيل معنى القصر، فمعنى إنما أدافع عن أحسابهم أنا عندهم أيضا ما أدافع إلا أنا فكيف يصير حجة عليهم. قلت: لو جعل أن للإثبات، وما للنفي لا يقع الضمير بعد معنى إلا، بل يكون التقدير:
إني أدفع عن أحسابهم، وما يدافع غيري، ويكون مآل الكلام القصر، ولا يخفى أنه لا يقع حينئذ الضمير بعد معنى إلا بخلاف ما قاله النحويون (قال الفرزدق [أنا الذّائد]) من الذود وهو الطرد [(الحامي الذّمار)] وهو العهد، وفي الأساس: هو الحامي الذمار؛ إذ أحمى ما لم يحمه لئيم وعنيف من حماه وحريمه [(وإنّما يدافع عن أحسابهم)] أي: القوم العار [(أنا أو مثلي)] (١) فلولا مراده أنه لا يدافع عن أحسابهم إلا أنا؛ لقال: إنما أدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي بتأكيد ضمير الفاعل ليصبح العطف عليه، وبهذا اندفع أنه لم لا يجوز أن يكون الانفصال للضرورة، على أنه لا يجوز للضرورة الإخراج عن الأصل، وإنما الجائز هو الرد إلى الأصل، والأصل في الضمائر الاتصال، وإسناد يدافع إلى أنا، إما لاشتراك الصيغة بين الغائب والمخاطب والمتكلم المنفصلين، وإما لأنه في الحقيقة مسند إلى مستثنى منه غائب، نقل عن علي بن عيسى الرلفي مناسبة بين إنما، ومعنى النفي والاستثناء دعت إلى وصفها له، وهو أن إن للتأكيد وما يزاد للتأكيد، ففي الجمع بينهما تأكيد على تأكيد، كما أن في القصر ذلك قال الشارح:
وجهه أن قولك: جاء زيد لا عمرو، لمن تردد المجىء بينهما، يفيد إثبات المجىء لزيد صريحا، وهو تأكيد للإثبات المطلق المسلم الثبوت، وفي قولك: لا عمرو إثبات المجىء ضمنا لزيد ثانيا: لأن المجىء لما كان مسلم الثبوت لأحدهما، فإذا نفيته عن عمرو إثبات المجىء، فقد أثبته لزيد ضرورة، فقد جاء تأكيد بعد تأكيد لنفس الحكم، أو تأكيد لخصوص الحكم بعد تأكيد لنفس الحكم هذا، ولا
стр. 550
يخفى عليك أنه تصوير في مثال مخصوص، وأما في: ما جاءني زيد بل عمرو، فالإثبات الصريح تأكيد للإثبات الضمني الحاصل من قوله: ما جاءني زيد، وأنه لا حاجة إلى هذا التكلف؛ لأن الإثبات الضمني إثبات من مؤكد، لأنه برهاني، فقد جاء التأكيد على التأكيد باجتماع إثبات برهاني، وإثبات صريح، ثم قال الشارح: ويجب أن يعلم أن هذه مناسبة ذكرت لوضع، إنما متضمنا بمعنى ما وإلا فلا يلزم اطرادها حتى يكون كل كلام فيه تأكيد على تأكيد مفيدا للقصر مثل: إن زيدا لقائم، وفيه نظر؛ لأن التأكيد إما لرد الإنكار، وإما لدفع التردد، وكل منهما يستلزم القصر، ففي الإنكار قصر القلب، وفي التردد قصر التعيين، وإن لم يفد التأكيد على التأكيد قصرا اصطلاحا، ولم يجعل من طرق القصر، فتأمل، نعم هذا لا يخص التأكيد على التأكيد، بل يحصل مع مجرد التأكيد.
(ومنها التقديم) (١) أي: تقديم ما حقه التأخير، كخبر المبتدأ، ومعمولات الفعل؛ إذ لا قصر في: زيد إنسان، وأنا تميمي، وها هنا إشكال، وهو أنه كيف يحكم بأن حق المسند إليه في: أنا كفيت مهمك التأخير دون أنا تميمي؟ إلا أن يقال: حق مبتدأ الجملة الفعلية غير السببية أن لا يجعل مبتدأ؛ لأن الأصل في الإسناد أن لا يتكرر، والأصل في الجملة أن يستقل: ولا يربط بالغير، فالأصل أن يقال: كفيت أنا مهمك، فأنا كفيت مهمك، من قبيل تقديم ما حقه التأخير، غايته أنه مع التقديم مبتدأ، ومع التأخير تأكيد، لكنه يشكل بما أنا تميمي، فإنه يفيد القصر، فكيف يحكم بأنه حقه التأخير وليس في أنا تميمي حقه التأخير؟ إلا أن يقال: الصفة مع النفي بمنزلة الفعل، ولذا يعمل، وكان الأحسن الأوفق بدأ به أن لا يكتفي في تمثيل قصر الموصوف على الصفة بقوله (كقولك في قصر: تميمي أنا) وإن كان يصلح لاعتباره مقابلا لسلب التميمي، فيكون قصر قلب، ولاعتباره مقابلا للقيسية، كما اعتبره المفتاح، فيكون قصر إفراد؛ إذ لا منافاة بين النسبة إلى قبيلتين، فإن النسبة تكون بالنسب وبالولاء، وقد تنبه لأن؛ فإنه الأحسن، فعدل عنه في الإيضاح، ومثل
стр. 551
لقصر الموصوف بقوله: شاعر هو وقائم هو (وفي قصرها أنا كفيت مهمك) لمن اعتقد شركة الغير أو انفراده، أو تردده، واعلم أن قولك: ما تميمي أنا، وهل تميمي أنا؟ يحتمل أن يكون من قبيل تقديم ما حقه التأخير، وأن يكون من قبيل ما حقه التقديم، واستخير ذلك من تذكر الوجهين في: أقائم زيد، إن بلغك خبر من المبتدأ، ولست بعار عن نحوه.
(وهذه الطرق) الأربعة تتفق من وجه، وهو: أن المخاطب معها يلزم أن يكون حاكما حكما منسوبا بصواب وخطأ، وأنت تطلب بها تحقيق صوابه، ونفي خطئه تحقق في قصر القلب كون الموصوف على أحد الوصفين أو كون الوصف لأحد الموصوفين، وهو صوابه تعيين حكمه، وهو خطؤه وتحقق في قصر الإفراد حكمه في بعض، وهو صوابه، وتنفيه عن البعض وهو خطؤه.
(وتختلف من وجوه) كذا في المفتاح، ولما كان ما ذكر في بيان الاتفاق مستغنى عنه بما مر من تعيين المخاطب في أقسام القصر، ومع ذلك لم يكن صحيحا؛ إذ لا يلزم كون المخاطب على خطأ؛ بل اللازم كونه على شك، أو خطأ، أسقطه المصنف ح، ونعما هو، إلا أن يقال: قصر التعيين في شاك يعتقد أن غاية الأمر الشك، ولا سبيل إلى الاعتقاد لرد الخطأ في اعتقاد التوقف وفي غيره، نزل منزلة من اعتقد التوقف، ولم يجوز سبيل الخروج عن الشك.
(فدلالة الرابع) (١) أي: التقديم قدمه في البيان على خلاف المفتاح؛ لأنه أدخل في البلاغة (بالفحوى) كسلمى وحمراء وعشراء، وهو مفهوم الكلام ومذهبه يعني: يرشد إلى القصر خصوصية المفهوم بحسب البيان مع التقديم، ويخص به ذوق دون ذوق، حتى حرم عن دركه بعض من له كعب أعلى في درك الدقائق العقلية والنقلية، وأنكره الحاجب، وكان آخر يقول لمن يسأله عن فائدة تقديم وقع في الكلام القديم: أنه فاعل مختار بفعل ما يشاء، ولعلك تقول: كان هذا حكم في مبادئ الاستعمال، وإلا فقد شاع قصد القصر في مقام التقديم
стр. 552
بحيث صار موضوعا بالغلبة للقصر، وربما يوجه دلالته بأن المخاطب، إذا أخطأ في قيد من قيود الكلام يقتضي الاهتمام برد الخطأ فيه تقديمه.
(والباقية) بالجر عطف على الرابع (بالوضع) عطف على قوله: بالفحوى، عطف على معمولي عاملين مختلفين، والمجرور مقدم، أي: بالوضع لمعان يحصل منه القصر، فإن حرف النفي وضع للنفي، وحرف الاستثناء للإخراج عن حكم النفي، ويلزم من اجتماعهما قصر، وهكذا غيره، والمقصود في الفن أحوال تلك الثلاثة من كون قصرها إفرادا أو قلبا، أو تعيينا، وهي إنما تستفاد بحسب المقام دون ما يستفاد منها بالوضع وقوله: (والأصل في الأول النص على المثبت والمنفي) إشارة إلى وجه آخر من الوجوه، وقد أشار إلى كيفية النص عليهما بقوله (كما مر) من تقديم النفي في العطف ببل، وتقديم الإثبات في العطف بلا، وليس المراد منه مجرد حوالة المثال، كما يتبادر من ظاهر المقال (فلا يترك) النص عليهما (إلا) ليكثر منها (كراهة الإطناب) ورعاية السجع، ولا يخفى التفصيل على أولي الألباب، وربما يدعو إلى ترك النص، ورجحان الاختصار، أو كراهة المساواة، ولا يبعد إدخال المساواة تحت الإطناب بقرينة (كما إذا قيل: زيد يعلم النحو والتصريف والعروض، أو زيد يعلم النحو وبكر وعمرو)؛ إذ لا يخفى أن النص بالمثبت والمنفي فيهما مساواة لا إطناب (فنقول فيهما: زيد يعلم النحو لا غير)، أو تقول في الأول: زيد يعلم العلمين لا العروض، وفي الثاني:
الرجلان يعلمان النحو، ولا عمرو، وربما يكون زيد يعلم النحو، لا غير نصا على المثبت والمنفي، كما إذا قصد القصر الحقيقي، فلذا قيده بقوله: إذا قيل، فاعرفه، وحذف المضاف إليه من لا غير أمارة غاية الاجتناب عن الإطناب، ولا غير مبني على الضم تشبيها بالغايات لحذف المضاف إليه مع كونه منويا، أي: لا غيره بمعنى: لا غير زيد، أو لا غير النحو، وهذا على تقدير كون لا عاطفة، إما على تقدير كونها لنفي الجنس، كما في بعض كتب النحو، أي: لا غيره عالم، أو معلوم، فليس من طرق القصر (أو نحوه)، والمراد بنحو: لا غير لا من عداه، ولا من سواه، ولا علما آخر.
والمستفاد من الإيضاح أن المراد به ما في المفتاح من نحو: ليس غير، وليس إلا، ويتجه عليه أنه ليس من طريق العطف، بل النفي والاستثناء وأجاب عنه
стр. 553
الشارح بأن العدول من الأصل بوضع مجمل مقام النص على المنفي، قد يكون مع حفظ العطف، وقد يكون بترك العطف، وإيراد ما يؤدي مؤداه، ووصفه بالدقة، ووصى بالتأمل، وفيه أنه ليس مما كان الأصل فيه النص على المثبت والمنفي، بل طريق الاستثناء الذي الأصل فيه النص على المثبت فقط، والأصل فيه مرعي، وليس مما نحن فيه.
(وفي الباقية) من الطرق، والأولى ترك في ليكون العطف على معمولي عاملين مختلفين مع تقدم المجرور، وأما مجموع الجار والمجرور فمنصوب (النص على المثبت فقط) الاقتصار على المثبت في النفي والاستثناء واجب كما ستعرف، فلا يصح في حقه أن الأصل فيه ذلك، وقد يتكرر النص على المثبت في النفي والاستثناء لمزيد تقريره لداع، وذلك في: ليس غير، وليس إلا ليس، ألا تقول: زيد يعلم النحو ليس إلا، والداعي في قصر القلب ظاهر؛ لأن الجزء المثبت منكر للمخاطب، فلا أنفع من التقرير، وكذا في قصر التعيين؛ لأن الجزء الثبوتي مشكوك للمخاطب، فلا أنفع من مشكوك، وأما في قصر الإفراد، فالمبالغة في الاتصاف ومزيد إظهار؛ لأنه مخالفة مع الصواب، وإنما المخالفة في تحقق خطئه، وهذا أدخل في قبول المخاطب نفي الشركة، فاحفظه، فإنه من ودائعنا، وأما جمعه مع بدائعنا، وأشار إلى ثالث من وجوه الاختلاف بقوله:
(والنفي) (١) يعني: بلا العاطفة بقرينة دليله، لا بقرينة أنه لا دليل على امتناع ما زيد إلا قائم ليس هو بقاعد، كما ذكره الشارح؛ لأن تلك القرينة بمعزل عن الاعتبار مع وجود ما ذكرنا، وإنما لم يقل: والأول (لا يجامع الثاني) كما في المفتاح؛ لأن الحكم مختص بلا، كذا في الشرح يريد أن المدعي مخصوص بقرينة دليله؛ لأنه يجامع بل الثاني حتى يناقش فيه بظهور امتناع ما زيد إلا قائم، بل قاعد، على أن الحكم هو الفرق بين الثاني والأخيرين، وكما لا يصح: ما زيد إلا قائم، بل قاعد، لا يصح إنما زيد قائم، بل قاعد، وتميمي أنا، بل قيسي، نعم يتجه أن المعدول إليه لا يترجح لأن الحكم كما لا يعم الأول بأسره، لا يعم النفي، وكما يتخصص النفي بالقرينة تخصص الأول، على أن في العدول إلى النفي إيهاما
стр. 554
أنه اختار ما ذكره الشيخ من أن النفي في ما نحن فيه النفي يتقدم تارة نحو: ما جاءني زيد، وإنما جاءني عمرو، وبتأخر أخرى نحو: إنما جاء زيد، لا عمرو، و (إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) (١) فإنه يدل على أن النفي الذي نحن فيه أعم من النفي بلا العاطفة والتنزيل برد كلام الشيخ، قال تعالى: (وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ) (٢) وكان المناسب أن يقول:
ولا يجامع الثاني، يعني: النفي والاستثناء، فلا يقال: ما زيد إلا قائم، لا قاعد، وما يقوم إلا زيد، لا عمرو، كما قد يقع في تراكيب المصنفين، لكن لا يمكن أن يستشهد به، وإن كثر في الكشاف؛ لأن عبارته ليست مما يستشهد بها، فنفي المجامعة نفيها في كلام العرب العرباء والمهرة البلغاء، وما ذكره في تعليله مناسبة اقتضت نفي المجامعة، ومما ينبغي أن تنظر فيه نظر من يسلك في المزلقة ما يكاد يشتبه بالجمع بين لا والنفي والاستثناء، وهو ما يؤكد به النفي والاستثناء، وهو في صورة العطف بلا، وهو جملة مستقلة جيء به للتأكيد ليس إلا، ومنه قول الكشاف: ما هي إلا شهوات لا غير، فإنه لم يقصد عطف الغير على شهوات، بل جعل لا غير جملة مستقلة تأكيدا للقصر، وأراد به لا غير الشهوات موجودة، فكأنه قيل: ما هي إلا شهوات، ومنه قوله: وما كان ذلك إلا نفيا لا شبهة فيه الإسلام، فإن قوله: لا شبهة في الإسلام نفي جنس والمعنى لا شبهة في الإسلام، كأنه أكد به القصر السابق، وكيف لا يسمى هذا المسلك مزلقة؟ وقد عدهما الشارح المحقق من الجمع الذي يقع في كلام المصنفين، وأوضح به دعوى أنه مما يكثر في الكشاف، ويكاد أن تجري بإنكار الوقوع فيه ولا تخاف (لأن شرط المنفى بلا) العاطفة، كذا قيدها الشيخ في دلائل الإعجاز وصاحب المفتاح (أن لا يكون منفيا قبلها بغيرها) أي: منفيا نفيا صريحا، كما هو المتبادر بغير لا هذا حشو مفسد؛ لأنه يوهم أنه يجوز في العطف بلا أن يكون قبلها منفي بلا حتى يصح أن يقال: جاءني زيد، لا عمرو، ولا بكر، مع أنه صرح بمنعه الرضى، وأوجب أن يقال: جاءني زيد، لا عمرو، ولا بكر، وقال: فخرج لا مع الواو عن العاطفة إلى الزائدة، وبين هذا الشرط الشارح المحقق والسيد السند بما ذكر في
стр. 555
تعيين ما وضع له لا، حيث قال النحاة: إنها وضعت لنفي ما أوجب للمتبوع، وكان مرادهم نفي ما أوجب للمتبوع عما بعدها، أو نفي ما بعدها عما أوجب له المتبوع، أو نفي التعلق بما بعدها بعد التعلق بالمتبوع؛ ليشمل: جاءني زيد، لا عمرو، وزيد قائم، لا قاعد، وضربت زيدا لا عمرا، إلا أنهم تسامحوا في البيان، واكتفوا بذلك المعنى في العطف على المسند إليه، واعتمدوا على المقايسة لظهور الحال بعد هذا القدر من البيان، وقال السيد السند: نفى ما أوجب للمتبوع في جاءني زيد، لا عمرو ظاهر، وفي زيد شاعر، لا منجم، هو كون الشيء مسندا حيث نفى عن المنجم بعد إيجابه للشاعر، وفيه أن وضع «لا» ليس لهذا المعنى، وهذا اللازم وضعه على أن المراد بما أوجب في: جاءني زيد، لا عمرو، للمتبوع حينئذ، ينبغي أن يكون كونه مسندا إليه، فهو كزيد شاعر، لا منجم، في الظهور والخفاء، وقال الشارح المحقق: إن الموجب في: زيد قائم، لا قاعد هو زيد حيث أوجب للقيام، وقد نفى عن القعود، ولا يخفى أنه في غاية البعد، وهذا كلام وقع في البين، فلنرجع ما كنا فيه، فمحصل بيانهما أن «لا» لما وضعت لنفي ما أوجب للمتبوع ينبغي أن لا يكون المنفي بها منفيا قبلها، وفي قولك: ما زيد إلا قائم، قد نفيت عن زيد كل صفة غير القيام، فإذا قلت: لا قاعد، فقد نفيت بها ما كان منفيا قبلها، وفيه أن وضع «لا» لا يقتضي إلا أن يكون المنفي بها ثابتا للمتبوع بالتفصيل المذكور، وأما أنه لا يكون منفيا بغير لا فلا يقتضيه، غاية ما في الباب أن يتكرر النفي، وذلك لا ينافي مقتضى وضع لا، ولا شك أن الإيجاب للمتبوع في: ما جاءني إلا زيد لا عمرو، متحقق غايته أن النفي عما بعد أيضا، قد تحقق، فيكون في ذكر لا عمرو، تكرار، فالوجه أن النفي الصريح يوجب تكرارا صريحا بخلاف النفي الضمني، فإنه ليس بتلك المثابة، فاحترز عن الأول دون الثاني، والأظهر أن النفي لا يجامع التقديم الذي للقصر، ولا اسما للقصر، بل يحمل «إنما» على التأكيد، كما هو أصل وضع «إن» التأكيد بما، ومنه: إنما زيد أضربت؛ فإن إنما فيه ليس للقصر كقول أبي الطيب [إنما لذة ذكرناها] ويحمل التقديم على مجرد الاهتمام، فلذا جاز الجمع بين التقديم ولا، وإنما ولا، والنفي وإلا، والنفي والاستثناء نص في القصر، فيلغو العطف معه، فلذا لا يجامعه (ويجامع) النفي بلا العاطفة (الأخيرين) أي: إنما والتقديم (فيقال:
стр. 556
إنما أنا تميمي، لا قيسي، وهو يأتيني، لا عمرو) ومن العجاب تمثيل السكاكي بقوله: وهو يأتيني، وقد أنكر كون التقديم فيه للتخصيص كما عرفت، وأعجب منه أن الشارح المحقق اعترض عليه بأن الأولى التمثيل بزيد أضربت؟ لأنه شائع في التخصيص بخلاف هو يأتيني، فإن التخصيص والتقوى فيه سواء، والسيد السند وافقه، وكأنه هذا المقام بغفلة، ولم يسلم فيه قافلته (لأن النفي فيهما غير مصرح به) بل صريحهما الإثبات، ويلزمهما النفي بخلاف النفي والاستثناء، فإن نفيه مصرح به، وإن لم يكن المنفي مصرحا به (كما يقال: امتنع زيد عن المجىء، لا عمرو) فكما جاز هذا التركيب مع عدم جواز: لم يجىء زيد، لا عمرو، وللفرق بين النفي المصرح به، وغير المصرح به جاز مجامعة النفي الأخيرين دون الثاني، فلا يردانه لا يصلح نظيرا لما سبق؛ لأن المنفي بلا ليس منفيا قبلها فيه، بخلاف ما سبق والواضح في هذا القيد عبارة المفتاح، حيث قال: ووجه صحة مجامعة لا العاطفة إنما مع امتناع مجامعتها ما، وإلا عين وجه صحة أن يقال: امتنع عن المجىء زيد، لا عمرو، ومع امتناع أن يقال: ما جاءني زيد، لا عمرو، وهو كون معنى النفي في إنما، وفي قولك امتنع عن المجىء ضمنا لا صريحا، قال الشارح: ثم ظاهر كلامهم يقتضي جواز قولنا: أتى زيد إلا القيام، لا القعود، وقرأت إلا يوم الجمعة، لا سائر الأيام؛ لأن المنفي بلا، ليس منفيا بشيء من كلمات المنفي، اللهم إلا أن يقال: التصريح بالاستثناء مشعر بأن النفي أيضا في حكم المصرح أي: لم يرد زيدا إلا القيام، وما تركت القراءة إلا يوم الجمعة فيمتنع بزيد أنه لا يصح قوله: والنفي لا يجامع الثاني لمجامعته في هذين المثالين، اللهم إلا أن يقال: إلخ.
وفيه بحث، لأن الاستثناء عن المثبت ليس الثاني، وإنما الثاني النفي والاستثناء على أن بناء صحة قرأت إلا يوم كذا على تأويله بالنفي بخلاف ما تقرر في محله أنه استثناء من الإثبات لاستقامة المعنى، ثم قال (السكاكي) (١) لا وجه لتقديم قول السكاكي مع تقديم الشيخ إلا أن يقال: ذكر قول السكاكي للترنيف بقول الشيخ، والترنيف إنما يكون بعد الذكر.
стр. 557
(شرط مجامعته للثالث) من قال: تقدير شرط، حسن مجامعته للثالث ليوافق كلام الشيخ لم تتضح عبارة السكاكي، والتقيد بالثالث فيما بينهم؛ لأن دلالة الرابع على القصر أضعف من الثالث؛ لأنه ليس بالوضع، وفيه تنبيه على أن مجامعته النفي مع الرابع أجلى وأشبع، قال الشارح المحقق: لم تذكروا هذا الشرط في التقديم، لا وجوبا ولا استحسانا، فكان دلالته على القصر أضعف، وقد عرفت أن كونها أضعف ليس فيه ريبة (أن لا يكون الوصف مختصا بالموصوف) (١) الباء داخل على المقصور عليه بقرينة المثال، وإن كان صحة الحكم لا يقتضيه، بل لو جعل داخلا على المقصور لصح؛ إذ شرطه أيضا أن لا يكون الموصوف مختصا بالوصف، فلا يقال: إنما الزمن قاعد، لا قائم، فترك بيانه لظهور حاله بالمقايسة، وقد قيد السكاكي الوصف بقوله في نفسه، أي: لا يكون مختصا نظرا إلى نفسه، وإلا فلا بد من اختصاص الوصف حتى يصح القصر نحو إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ (٢) فإن كل عاقل يعرف أن الاستجابة، أي:
الإجابة كما في شرح العلامة للمفتاح لا يكون إلا زيد ممن يسمع ويعقل، وأسقطه المصنف في الإيضاح أيضا؛ لأن المدار على ظهور الاختصاص سواء كان منشؤه نفس الوصف، أو الموصوف، أو عرف، وغفل الشارح عما قصده، فظنه إهمالا، وقيده به في الشرح قال (عبد القاهر: لا يحسن) المجامعة المذكورة (في الوصف المختص) أي: مقدار ما يحسن في غيره، وهذا أقرب لرجحانه عقلا ونقلا؛ لأن الشيخ أعلى كعبا، ولأن شهادة المثبت أصدق من شهادة الثاني؛ إذ الإحاطة بالنفي متهمة لا يكاد يقبل، ولا يذهب عليك أنه لا يتصور القصر في الوصف الظاهر الاختصاص إلا لتنزيل المخاطب منزلة المخطئ، أو المتردد لداع، ولذا كان قول عبد القاهر أرجح عقلا.
(وأصل الثاني) إشارة إلى الوجه الرابع من وجوه الاختلاف، ووجه الاقتصار في ذلك الاختلاف على الثاني والثالث، كأنه أن الأول والرابع مستويا النسبة بالمجهول والمعلوم، فوجه الاختلاف أن انقسام الطرق ثلاثة أقسام، فلا يرد أنه في هذا الوجه ليس اختلاف الطرق، بل الطريقين (أن يكون ما استعمل)
стр. 558
من الإسناد، والتعلق يدل عليه قوله: فيما سبق، وكل من الإسناد والتعلق، إما بقصر أو بغير قصر، وفسره الشارح بالحكم (له مما يجهله المخاطب وينكره) فاستعماله في قصر التعيين على خلاف الأصل، إذ لا إنكار فيه ولو اكتفى بقوله:
ينكره لكفاه (بخلاف الثالث) فإنه يجىء لخبر، لا يجهله المخاطب على ما في دلائل الإعجاز، قال الشارح المحقق: وفيه إشكال؛ لأن المخاطب إذا كان عالما بالحكم، لم يصح القصر، ولا إشكال فيه؛ لأنه يصح أن يكون إما عالما في ما ينزل منزلة المجهول دون النفي والاستثناء، ويكون النفي والاستثناء غالبا في المنكر، وربما يستعمل في معلوم منزل منزلة المجهول، كما أنه ربما يستعمل إنما في مجهول منزل منزلة المعلوم، ومآل تنزيل المجهول منزلة المعلوم فيها تنزيل المجهول الحقيقي منزلة المجهول، لا دعائي، كما أن مآل تنزيل المعلوم منزلة المجهول في النفي، والاستثناء بتنزيل المجهول، لا دعائي منزلة المجهول الحقيقي، ولا يخفى كمال لطافة هذين التنزيلين، ووقته، واختصاصهما بمن يكاد يتوجه بفطنة، وهل هذا إلا ما يحق به البلغاء المخاطبة، (وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ) (١) ووجه الشارح كلام الشيخ تحمل قوله: يجىء لخبر لا يجهله المخاطب على خبر من شأنه أن لا يجهله، ولا ينكره حتى أن إنكاره يزول بأدنى تنبيه، وليس مما يصر عليه، فقال: وهو الموافق لما في المفتاح حيث قال: إن طريق إنما يسلك مع مخاطب في مقام لا يصر على خطئه، أو يجب عليه أن لا يصر، وأشار بكون بيان الشيخ موافقا للمفتاح إلى أن المصنف في بيانه، إما في غفلة عن الموافقة أو في عدول عن عبارة المفتاح مع وضوحها إلى عبارة متعلقة (كقولك لصاحبك، وقد رأيت شبحا) بالتحريك، وقد يسكن أي: شخصا كذا في الصحاح (من بعد ما هو إلا زيد إذا اعتقد) صاحبك أو على صيغة المجهول للعلم بفاعله، أي: اعتقد ذلك الشبح (غيره) أي: زيد بأن يكون زيدا وعمرا، أو يكون عمرا مصرا على هذا الاعتقاد، فالمثال يحتمل القسمين فلذا اكتفى به، لا لأنه يختص بقصر القلب، وجعله المفتاح مخصوصا بقصر القلب، حيث قال: إذا توهمه غير زيد، ويصر على إنكار أن يكون إياه، فالمصنف أسقط قوله: ويصر على إنكار أن يكون إياه لتكثير الفائدة، لا لمجرد تقليل اللفظ، ولم يقل إذا اعتقد غيره،
стр. 559
أو تردد، لأنه مخصوص بالمنكر كما سبق، وقد ينزل المعلوم منزلة المجهول المنكر (لاعتبار مناسب، فيستعمل له) أي: لذلك المعلوم، كذا في الشرح، ويحتمل التعليل، أي: لأجل هذا التنزيل.
(الثاني إفرادا) أي: لإفراد، أو حال كونه قصر إفراد، وإلى الثاني ذهب الشارح، ولا بد من حذف مضاف آخر، أي: طريق قصر إفراد، لأن الثاني طريق القصر لا نفسه، فالوجه هو الأول نحو: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ (١) أي:
مقصور على الرسالة لا يتعداها إلى التبرء من الهلاك، لو جعل القصر بالنظر إلى استعظام هلاكه، أي: لا يتعداها إلى استعظام هلاكه، واستبعاده لاستغنى عن التنزيل، ويكون على مقتضى الظاهر (نزل استعظامهم هلاكه منزلة إنكارهم إياه) (٢) فلزم تنزيل علمهم منزلة الجهل، فلا يرد أن الملائم لدعوى تنزيل المعلوم منزلة المجهول ذكر تنزيل علمهم منزلة الجهل، لا تنزيل استعظامهم منزلة الجهل.
قال الشارح: والاعتبار المناسب الإشعار بعظم هذا الأمر في نفوسهم، وشدة حرصهم على بقاء النبي ﷺ فيما بينهم حتى كأنهم ينكرون هلاكه، ونحن نقول: الاعتبار المناسب التنبيه على مفاسد الاستعظام، حتى لحق بالجهل في الفساد، وتحذيرهم عنه كما يحذر عن الجهل، والأقرب عندي أنه قصر قلب، أي: وما محمد إلا رسول، لا إله، نزل استعظامهم هلاكه منزلة دعوى ألوهيته؛ لأن البقاء يخص الإله (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) واعتقاد الألوهية ينافي الرسالة (أو قلبا) عديل لقوله: إفرادا (نحو: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ) (٣) فإن المخاطبين بهذا الكلام، وهم الرسل لم يكونوا جاهلين منكرين؛ لكونهم بشرا، لكنهم نزلوا منزلة المنكرين (لاعتقاد القائلين أن الرسول لا يكون بشرا مع إصرار المخاطبين على دعوى الرسالة)، فنزلوا منزلة من يعتقد رسالته، وينكر بشريته، وقلبوا
стр. 560
الحكم، وقالوا: لستم مرسلا، ولكنكم بشر، وفائدة تنزيلهم منزلة المنكر للبشرية المبالغة في المنافاة بين الرسالة والبشرية، قال السيد السند: فرق بين هذا المثال والمثال السابق، فإن المنشأ في التنزيل فيه هو حال المتكلم والمخاطب، وفي السابق حال المخاطب فقط.
هذا، ولا يخفى أنه وهم، لأن المنشأ في التنزيل مطلقا، مخالفة علم المتكلم لما عليه المخاطب، إلا أنه في السابق علمه مطابق للواقع، وهنا غير مطابق، ونأتيك ببحث شريف نظنه موهبة رءوف لطيف، وهو أن ما جعلوه تنزيلا يحتمل أن يكون على مقتضى الظاهر، ويكون الكلام من قبيل الكناية، فيكون إن أنتم إلا بشر بمعنى: إن أنتم إلا غير رسل لاستلزام البشرية نفي الرسالة، فذكر البشرية، وأريد انتفاء الرسالة، ففي الكلام قصر قلب من غير تنزيل، وإنما اختار المصنف في مقام التمثيل: (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا) الآية دون ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ (١)؛ لأنه كان في الأول إشكال يحتاج إلى الدفع، وهو أنه يلزم أن يكون قول الرسل: (إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) (٢) تسليما لذلك القصر، واعترافا بانتفاء رسالتهم، فأجاب عنه بقوله (وقولهم: إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ من مجاراة الخصم) أي: الجرى معه وعدم المخالفة في السلوك، ومن قبيل تسليم المقدمة وإظهار الإنصاف (ليعثر) لينزل الخصم من العثار وهو الزلة، لا من العثور وهو الوقوف (حيث يراد تبكيته) أي: إسكاته وإلزامه، لا لتسليم انتفاء الرسالة، وفيه أن تسليم القصر يستلزم تسليم البشرية، وانتفاء الرسالة أيضا، وفيه العثار في يد الخصم؛ لإعثاره، ليجاب بأن المراد منه: نحن بشر مثلكم، والنفي والاستثناء لغو لم يقصد به معنى، وإنما ذكر لمجرد موافقة الخصم في العبارة، ولا يخفى أن الجواب حينئذ أن المراد بالنفي والاستثناء مجرد إثبات البشرية، ولا مدخل فيه؛ لكونه من مجاراة الخصم على أن ذلك بعيد عن النظم، بل لا يليق ببلاغته؛ لأن الموافقة للخصم في عبارة يكون صريحا في تسليم دعواه بمعزل عن البلاغة، فالوجه أن يقال: إن القائلين اعتقدوا أن الرسول يكون ملكا، لا بشرا، فنزلوا الرسل في دعوى
стр. 561
رسالتهم منزلة من يعتقد ملكيته، وينكر بشريته، فقيل لهم: إن أنتم إلا بشر مثلنا، وقلبوا حكمهم، وعكسوه، يعني: أنتم بشر، لا ملك، فقولهم: إن نحن إلا بشر، ليس فيه تسليم انتفاء الرسالة، بل تسليم المقدمة للمجاراة، وإلزامهم بقوله: وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ (١) يعني: انتفاء الملائكة، وثبوت انتفاء البشرية لا يستلزم انتفاء الرسالة، وها هنا بحث شريف آخر، وهو أن قول الكفار: فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢) يدل على أنهم لا ينكرون رسالة البشر، فالوجه إنهم اعتقدوا أن الرسل ادعوا فضلا، وامتيازا عنهم استحقوا بذلك النبوة، فقالوا: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا يعني: لا يتجاوزون البشرية إلى امتياز حتى يستحقوا الرسالة، وحينئذ وصف البشرية بالمماثلة مقتضى المقام، فقولهم إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ تسليم لمقدمتهم، وقولهم: وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ من عباده منع لطلب الرسالة الامتياز، بل (هو فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده) (وكقولك) عطف على قوله: كقولك لصاحبك (إنما هو أخوك لمن يعلم ذلك ويقربه) ظاهر هذه العبارة على ما قررنا عليه بيان الشيخ من أن إنما لا تستعمل إلا بحسب التنزيل بعيد عن الحمل على ما أوله الشارح؛ لأنه حينئذ يكون المعنى لمن يكونه من شأنه أن يعلم ذلك ويقر به، وحينئذ لا وجه لقوله (وأنت تريد أن ترققه) لأن الخطاب حينئذ للإفادة، لا للترقيق، ولذا قال الشارح معترضا على المصنف:
الأولى أن يكون هذا المثال من قبيل التنزيل منزلة المجهول.
والمراد بالترقيق جعله رقيقا مشفقا بإلقاء ما يعلمه أحد إليه، ولم نجده في كتب اللغة، وإنما وجدنا ترقق له إذا رق قلبه له، ونقول: أو تريد الإخبار برقته على المخاطب إذا كان منكرا لرقته عليه، ولو جعل قوله: ترققه للنسبة، أي: تريد أن تنسبه إلى الرقة لكان المراد هذه النكتة، فهي من محتملات عبارته، لكن ما في المفتاح هو الأول.
(وقد ينزل المجهول منزلة المعلوم لادعاء ظهوره) أو ادعاء أنه مما يجب أن يعلم، ويسعى في تحصيله، فكل من يخاطب به، فهو عالم به، ومجرد لمقدمات
стр. 562
معرفته (فيستعمل له الثالث نحو: ) قوله تعالى حكاية عن اليهود: (إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ) (١) ادعوا أن كونهم مصلحين لكمال ظهوره معلوم للمخاطب، أو لكون معرفة المصلح أمرا واجبا لم يرض أحد من نفسه بالجهل بإصلاحهم (ولذلك) الادعاء المستلزم لكمال الإنكار (جاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ (٢) للرد عليهم مؤكدا بما ترى) أي: بما تعلمه محققا أو بما تبصره لكمال ظهوره على حسب إنكارهم تصدير الكلام بحرف التنبيه الموجب لكمال العناية بتفهيمه، وبأن، وإسمية الجملة، وبضمير الفصل الذي للتأكيد عند ما يفيد الحصر، وبتعريف المسند المفيد لحصر الإفساد فيهم ادعاء، والحصر على تأكيد، وادعاء حصر الفساد فيهم تأكيد آخر هذا، وهنا تأكيد آخر لم يشر إليه المصنف، وهو توبيخهم وتقريعهم بقوله: (وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ) (٣) وجعله داخلا في قوله:
ما ترى كما يشعر به كلام الشارح بعيد عن السوق ويأباه بيان الإيضاح (ومزية إنما على العطف) المشارك له في الدلالة على القصر بحسب الوضع، فلا يرد أن تلك المزية مشتركة بين التقديم، وإنما لكن يتجه أن ما عليه المزية لا ينحصر في العطف، بل منه النفي والاستثناء (أنه يعقل منها الحكمان معا) كما هو مقتضى القصر؛ لأن القصر أمر إجمالي لا ترتيب في تعقله بين الحكمين، فهو مفهوم إنما، ومترتب على تعقل الحكمين في العطف تفصيلا، فالقصر مع إنما من حاق العبارة، وفي العطف لازم مفهوم العبارة، وفي الشرح أن المزية في ذلك أنه يفهم القصر من أول الأمر، ولا يذهب الوهم إلى خلافه.
(وأحسن مواقعها التعريض) أي: الإشارة إلى معنى غير مقصود من حاق العبارة (نحو: إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (٤) فإنه تعريض بأن الكفار من فرط جهلهم كالبهائم، فطمع النظر منهم كطمعه منها) ففيه تعريض بطامع النظر منهم، وبما لا ينبغي أن يصدر منه الطمع وبالكفار، وبكونهم كالبهائم، هذا مقتضى سوق كلام المصنف، والمطابق لما ذكره في الإيضاح، وهو أحسن مما ذكره
стр. 563
الشيخ في دلائل الإعجاز من أن المقصود منه ذم الكفار، وأن يقال: إنهم من فرط جهلهم كالبهائم، وكون أحسن مواقعها التعريض دون ما وإلا؛ لأن المخاطب به من لا يجهل الحكم بخلاف النفي والاستثناء، فيكفي في حسن موقع النفي والاستثناء إفادة مدلوله بخلاف إنما، فإنه لا اعتداد معه بمدلول الكلام، وإنما مناط الفائدة ما يتوسل به إليه، فإن قلت: فلا موقع له إلا التعرض، قلت من مواقعه: إفادة لازم فائدة الخبر.
(ثم) أشار بكلمة ثم إلى البعد بين البحثين، والانتقال من بحث إلى بحث، فهو بمنزلة الفصل والباب (القصر كما يقع بين المبتدأ والخبر) وقد سبق أمثلة كثيرة (يقع بين الفعل والفاعل) ومنه (إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ) والمقصود إلحاق غير المبتدأ والخبر بهما في الكثرة دفعا لتوهم قلته أو عدمه، حيث أكثر أمثلتهما، ولم يأت من الفعل والفاعل إلا بواحد، ولم يأت من غيرهما بشىء ولدفع توهم أنه لا يكون بين الفاعل والمفعول، والفعل والفاعل؛ إذ ليس أحدهما صفة، والآخر موصوفا، حتى يكون من قصر الصفة على الموصوف، أو العكس، والمراد بالفعل ما يعم شبه الفعل كما شاع، ولك أن تدرج شبه الفعل في قوله (وغيرهما) أي: غير الفعل والفاعل.
قال الشارح: كالفاعل والمفعول والمفعولين من باب أعطيت، وذي الحال، والحال، والفعل، وسائر المتعلقات سوى المفعول به، والكل يرجع إلى قصر الفعل مقيدا بما عد مقصورا في المقصور عليه، ولذا انحصر القصر في قصر الصفة على الموصوف، والعكس هذا، ولا يظهر الفرق بين: ما ضرب زيد إلا عمرا، وبين ما ضرب زيد إلا في الدار، حتى يصح جعل القصر في الأول بين زيد وعمرو، أو في الثاني بين ضرب، وفي الدار، بل القصر في الثاني أيضا في الظاهر بين: زيد وفي الدار، وعند التحقيق بين الفعل المقيد بالفاعل والظرف (ففي الاستثناء يؤخر المقصور عليه) عن المقصور (مع أداة الاستثناء وقل تقديمهما) دون تقديم أحدهما بأن يقول في: ما جاءني إلا زيد ما جاء إلا إياي زيد؛ لأن القصر فيما يلي إلا فينعكس المقصود أو بأن يقول: ما جاءني زيد إلا، فإنه لا معنى له أصلا (بحالهما) أي: كائنين بحالهما الذي قبل التقديم من اتصال المقصور عليه بالأداة وتقديم الأداة عليه واحترز به عما إذا لم يكونا بحالهما بأن
стр. 564
يتقدم المقصور عليه على الأداة فتقول في: ما جاءني إلا زيد، ما جاء إلا إياي، لا لأن التقديم فيه كثير، بل لأنه لا يجوز أصلا، لأن القصر إنما يكون فيما يلي إلا فينعكس المقصود (نحو: ما ضرب إلا عمرا زيد، وما ضرب إلا زيد عمرا) والدليل على وقوع هذا التقديم قول الشاعر:
لا أشتهي يا قوم إلا كارها ... باب الأمير ولا دفاع الحاجب (١)
وقوله:
كأن لم يمت حيّ سواك ولم يقم ... على أحد إلا عليك النّوائح (٢)
(لاستلزامه قصر الصفة قبل تمامها) في المثالين المذكورين؛ لأن المقصور ضرب زيد في عمرو، لا مطلق الضرب، وضرب واقع على عمرو في: زيد لا مطلق الضرب، ففي التقديم إيهام المقصود، أولا وينبغي أن يعلم أن ما ضرب إلا عمرا زيد أضعف من: ما ضرب إلا زيد عمرا؛ لأن فيه رعاية الأصل من تقديم الفاعل، وفي: ما ضرب إلا عمرا زيد، خلاف الأصل، ولا يخفى أن قوله: لا أشتهي إلخ من قصر الموصوف على الصفة فإنه من قبيل قصر المتكلم وقت الاشتهاء على الكراهية، ففيه قصر الموصوف على الصفة قبل تمامه؛ لأن وقت الاشتهاء باب الأمير، ودفاع الحاجب من تتمة المقصور، فالتعليل قاصر، ويمكن أن يعلل الحكم بأن المقصور بمنزلة أمر واحد، والفصل بين أجزائه بالمقصور عليه، كالفصل بين أجزاء كلمة. وبعض النحاة منع التقديم بحالهما أيضا، وجعل ما ضرب إلا عمرا زيد كلامين بتقدير ضرب زيد في جواب من ضرب؟ ولا يخفى أنه تكلف وقال المصنف: هذا التقدير باطل؛ لأنه يفيد الحصر في الفاعل أيضا ومنعه البعض؛ لأن المقدر خال عن أداة القصر وقال الشارح المحقق إن السؤال المقدر يقتضي الجواب باستيفاء الضارب حتى لو ضرب زيد عمرو، وقلت في جواب من ضرب عمرا زيد، لم يتم الجواب. فقال: نعم يمكن التزام القصرين في هذه الصورة والتزام أنه لا يقدم المفعول مع إلا على الفاعل، إلا إذا أريد القصران.
стр. 565
هذا ونقول إن إيراد المصنف لا يقتصر على هذا المقام، بل يتجه على مواضع متعددة وهي مذاهب جماهير النحاة منها زيد يعطي عمرا أمس درهما؛ فإنهم جعلوه في تقدير أعطاه درهما، في جواب ما أعطاه؛ ومنها زيد معطي غلامه أمس درهما، في جواب ما أعطى؛ ولا يمكن التزام الحصر فيه؛ إذ لم يردوا على الكسائي في قوله بأن المنصوب مفعول الصفة دون الفعل المقدر بأنه يفوت الحصر، ومنها قولهم إن زيدا ضرب الناس عمرا في تقدير يضرب عمرا في جواب من يضربه وقتها، قولهم في [ليبك يزيد ضارع] إنه في تقدير يبكيه ضارع في جواب من يبكيه؟ ومن البين أن ليس المعنى على أنه لا يبكيه إلا ضارع، ولو التزمنا القصرين في ما ضرب إلا عمرا زيد على مذهب بعض النحاة، لم يكن المخالفة بين السكاكي وذلك البعض في مجرد توجيه النصب بل في معنى التركيب أيضا، وحينئذ يرجح قول السكاكي (١) ومن تبعه؛ لأنهم لم يقولوا بذلك إلا بعد تحقيق المراد بالتركيب، والبعض أقرب بالغفلة عن أنه يلزمهم القصر بتقدير السؤال، فالتحقيق أن السؤال بمن يقتضي الحصر، لو لم يكن مقدرا ناشئا من الكلام فأبكى في تقدير من يبكيه مثلا في البيت قاصد تعيين الفاعل المتروك لا سائلا عن عموم الباكي فكأنك تريد من يبكي بالبكاء الذي قصدت الأمر به لقولك ليبك فتأمل.
(ووجه الجميع) أي: السبب في إفادة القصر أو طرز الجميع وطريقيه فيها في الجميع أي: جميع صور القصر مما هو بين المبتدأ والخبر والفعل والفاعل ومتعلقات الفعل إلى غير ذلك وإنما اقتصر على بيان الوجه في النفي والاستثناء لأن وجه القصر في العطف بين وإنما أرجع إلى النفي والاستثناء، والتقديم إما راجع إلى النفي والاستثناء أو إلى العطف مزيدا ضربت في معنى ما ضربت إلا زيدا أو زيدا ضربت لا غير، واقتصر على البيان في المفرغ؛ لأن البيان فيه يجعله مردودا إلى غير مفرغ فإذا بين فكأنه بين غير المفرغ أيضا (أن النفي في الاستثناء المفرغ) وهو الذي ترك فيه المستثنى منه ففرغ الفعل الذي قبل إلا وشغل المتعلق عنه بالمستثنى كذا قالوا فوصفه بالمفرغ وصف بحال المتعلق أي: مفرغ العامل أو على الحذف والإيصال أي: المفرغ له ونحن نقول هو الذي فرغ عن إعرابه ليشتغل بإعراب المستثنى منه والأولى أن يقولوا: ففرغ العامل الذي قبل إلا وشغل عنه بالمستثنى