والندب عند الشارح، ونحن نقول: لما اختلف في رويد ونظائره، فقيل:
موضوعة للفظ الأمر، وقيل: لمدلوله، لكن وضعا ثانيا، واشتهر أن لام الأمر اللام المطلوب بها الفعل، ولم يكن وضع رويد للفظ الأمر ظاهرا؛ إذ المتبادر خلافه. قال: والأظهر (أن صيغته من المعبر به باللام نحو: ليحضر زيد) ونحو قوله تعالى: (فَلْيَفْرَحُوا) (١) على صيغة المخاطب (وغيرها نحو أكرم عمرا ورويد بكرا، موضوعة لطلب الفعل استعلاء) أي: طلب استعلاء، في الصحاح: استعلى الرجل، أي: علا واستعلاه، أي: علاه، فظاهر العبارة اشتراط العلو، كما هو مذهب جمهور المعتزلة، لا طلب العلو، أو عد الطالب نفسه عاليا، كما هو مذهب أبي الحسين، لكنهم قصدوا بالاستعلاء طلب العلو، أو العد عاليا حتى قال الشارح في هذا المقام: سواء كان عاليا في نفسه أو لا، وفسره بكونه على طريق طلب العلو، وعد نفسه عاليا، وكان صيغة الاستعلاء بهذا المعنى من مصنوعات المصنفين.
قال الشارح المحقق: وفي هذا إشارة إلى أن أقسام صيغة الأمر ثلاثة:
الأول: المعبر به باللام، ويختص بالفاعل غير المخاطب، والثاني: ما يصح أن يطلب بها الفعل من الفاعل المخاطب بحذف حرف المضارعة، والثالث: اسم دل على طلب الفعل، وهو عند النحاة من أسماء الأفعال، وإلا ولأن لغلبة استعمالهما في حقيقة الأمر، أعني: طلب الفعل على سبيل الاستعلاء، سماهما النحويون أمرا، سواء استعملا في حقيقة الأمر، أو في غيرها حتى أن لفظ «اغفر» في: اللهم اغفر لي، أمر عندهم، وأما الثالث: فلما كان اسما لم يسموه أمرا تمييزا بين البابين، وفيما ذكره أبحاث أحدها: أن اختصاص المعبر به باللام بالفاعل غير المخاطب منه بسند قوله: (فَلْيَفْرَحُوا) إلا أن يقال: لم يقيد بالشاذ وبصيغ المجهول المخاطب، إلا أن يقال: لعله يدعى أنه أمر الغائب بصرف المخاطب، وفيه أن الظاهر أنه أمر المخاطب بأن يكون بحيث يقع عليه الضرب، فالأولى أن يجعل الجميع تحت قوله نحو: ليحضر زيد، وثانيها: أن النحاة لم يسم المعبر به باللام أمرا؛ بل مضارعا مجزوما، والأمر عندهم ليس إلا ما حذف منه
стр. 597
حرف المضارعة.
قال الرضى: النحاة يسمون الأمر كلما يصح أن يطلب به الفعل من الفاعل المخاطب بحذف حرف المضارعة سواء طلب على وجه الاستعلاء، وهو المسمى بالأمر عند الأصوليين أو لمن يطلب كذلك، فالصواب سماها الصرفيون على طبق ما في المفتاح، وثالثها: أن تسمية المستعمل في غير الأمر أمرا لا يخص النحاة، بل يعم جميع أئمة اللغة، يدل عليه ما سيذكره من كلام المفتاح، ويشعر به قول المصنف: وقد يستعمل بغيره فتأمل (لتبادر الفهم عند سماعها إلى ذلك) وهل التبادر عند سماع المعبر به باللام من الصيغة، أو من اللام؟ فيه تأمل.
قال صاحب المفتاح: واتفاق أئمة اللغة على إضافة نحو: قم، وليقم إلى الأمر بقولهم: صيغة الأمر، ومثال الأمر، ولام الأمر دون أن يقولوا: صيغة الإباحة أو لام الإباحة مثلا يمد ذلك، وإنما جعله ممدا لا دليلا لاحتمال أن تكون الإضافة لنفس التبادر، لا لكونها حقيقية فيه، لكن الظاهر الإضافة إلى الموضوع له، ولم يلتفت إليه المصنف؛ لضعفه عنده، حيث قال في الإيضاح: وفيه نظر لا يخفى على المتأمل، والنظر إما ما ذكرنا، وفيه أنه لا يخرجه عن الإمداد، وإنما يسقط عن درجة كونه دليلا، وأما ما ذكره الشارح من منع كون الإضافة إلى الأمر بمعنى طلب الفعل استعلاء؛ بل بمعنى كلى يصدق على نحو: قم، وليقم.
وإضافة الصيغة من إضافة العام إلى الخاص، وإضافة اللام من إضافة الداخل إلى المدخول بدليل استعمالهم ذلك في مقابلة صيغة الماضي والمضارع، وفيه أيضا ما مر على أن ما رأينا هو استعمال الماضي والمضارع في مقابلة صيغة الأمر (وقد يستعمل لغيره) أي: لغير طلب الفعل استعلاء، لعلاقة بينه وبين معنى الأمر بحسب القرائن، فإن قامت قرينة على منع إرادة معنى الأمر فمجاز، وإلا فكناية، ولا يخفى عليك أن مباحث الأمر كالاستفهام ليس من فن المعاني، وليس منه إلا نكات العدول من الحقيقة إلى التجوز بالأمر، ولا أثر لها فيما ذكره، وذلك الغير إما غير الطلب، وإما الطلب، لا مع الاستعلاء، فإلى الأول أشار بقوله:
стр. 598
(كالإباحة: نحو: جالس الحسن أو ابن سيرين) وقد اشتهر هذا المثال في الإباحة وسره غير ظاهر؛ لأنه بالندب أشبه؛ إذ لا يتوهم منع مجالستهما حتى يحتاج إلى الإباحة، والعلاقة بين الإيجاب والإباحة أن الإيجاب لا ينفك عن الإباحة، والصحة، وفي التعبير عنها بالإيجاب كمال المبالغة، وترك الندب ربما يشعر بأن المصنف جعله داخلا فيما وضع له صيغة الأمر، وجعله من قبيل طلب الفعل استعلاء.
(والتهديد) أي: التخويف، وفي الصحاح: مع دعوة، والإنذار: الإبلاغ مع التخويف، والعلاقة بين الإيجاب والتهديد أن إيجاب ما يوجب العقوبة مبالغة في وقوع العقوبة، ولا يلتفت إلى ما توهمه عبارة المفتاح أن الإباحة والتهديد فيهما الطلب (نحو: اعملوا ما شئتم والتعجيز نحو فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) (١) إذ ليس المط إتيانهم بصورة لكونه محالا كذا في الشرح، ولأنه لا ينفع الإتيان في دفع الريب في المط بالأمر، بل نسبة العجز إليهم، والمناسبة بين الإيجاب والتعجيز أن الإيجاب يوجب السعي في المأمور، وبالسعي فيه يظهر العجز.
والتسخير نحو كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (٢) ذليلين.
(والإهانة: نحو كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً) (٣) ويعرف التسخير من الإهانة، بأنه في التسخير لا ينفك الأمر عن الانقياد، وفي الإهانة لا يتحقق المأمور.
(والتسوية: نحو فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا) (٤) والفرق بينه وبين الإباحة أنه في مقام توهم ترجيح المخاطب أحدهما، والثاني في مقام توهم المنع عن الفعل، والعلاقة بين الإيجاب والتسوية أن إيجاد أحد الأمرين يوجب تسويتهما في الإيجاب، فأريد به التسوية والتمني نحو:
ألا أيّها الليل الطّويل ألا انجلي
وأخر:
стр. 599
بصبح وما الإصباح منك بأمثل (١)
أنث الخطاب لتأويل الليل بالليلة. أو الليلاة، فإن الثلاثة بمعنى على ما في القاموس، أو بتأويله بالليلة؛ لأن المراد بالجنس الواحدة في الصحاح: ليل وليلة كتمر وتمرة، وجمعه على ليالي بزيادة الياء على خلاف القياس، ونظيره أهل وأهالي، وقيل أصله ليلاة؛ لأن تصغيره لييلة، هذا وحينئذ الإشكال في تذكير الطويل، ولا يبعد أن يقال: الياء رد لما هو أصل؛ إذ الضرورة ترد الكلمة إلى أصلها، ولا يصح أن يكون إشباع الكثرة كياء أميل؛ لأنه لا تكتب الياء الحاصلة من الإشباع، وإنما حمل على التمني لامتناع حقيقة الأمر؛ لأن الانجلاء ليس مقدورا له، ولا يبعد أن يجعل من ظرافة الشعراء بجعل الليل بمنزلة إنسان متعصب يجري على البخل بالنفع للشاعر، فلا ينجلي لاعتقاده أن الانجلاء أنفع له، فيقول له: انجلى بصبح، فإنك أخطأت، وليس الإصباح، أي: الصبح منك بأمثل، أي: أفضل فلا يتجاوز عادتك لاعتقادك الخطأ، ووجه عدم فضل الصباح، أنه لا تفاوت في شدة همومه بين الظلم والمضيء، أو أن عينه يرى النهار كالليل مظلما؛ لازدحام الهموم والاشارة إلى القسم الثاني من غير الموضوع له.
إما من التمني إن كان الطلب المعتبر في هموم الأمر أعم من التمني، ويكون المميز قيد الاستعلاء، وأما من الدعاء إن كان الطلب مقيدا بما يستدعي الإمكان، واختار الشارح الثاني، ولا يتم إلا بدعوى أن المتبادر منه هذا الطلب. قال الشارح: إنما حمل على التمني دون الترجي؛ لأن الشاعر لاستطالته تلك الليلة لا طماعة له في الانجلاء، ولك أن تقول: لشدة همومه واضطرابه سمى انجلاء في إتيانه، وذلك الانجلاء يستحيل.
(والدعاء: نحو: رب اغفر لي) فإنه طلب للفعل على سبيل التضرع.
(والالتماس: كقولك لمن يساويك رتبة) لا حاجة إلى هذا القيد، وكأنه أراد مثالا متفقا عليه (افعل بدون الاستعلاء) إذ مع الاستعلاء أمر، ولا بد
стр. 600
من قيد آخر يميزه عن الدعاء هذا. قال الشارح: وقد تفارق الالتماس فيما يكون مع نوع من التضرع لا إلى حد الدعاء. قلت: فينبغي أن يقيد تعريف الدعاء بمزيد التضرع.
(ثم الأمر، قال السكاكي (١): حقه الفور) جمع السكاكي الأمر والنهي في هذا الحكم (لأنه الظاهر من الطلب) فيكون كذلك الدعاء والالتماس، فالتعليل لإثبات الدعوى، وتعميمه عبارة السكاكي؛ لأنه الأظهر غيره إلى الظاهر ليكون نظيره خاليا عن شائبة تسليم الظهور، ونبه السكاكي على ذلك الظهور بالنظر في حال أخويهما الاستفهام والنداء، فإنه لا رتبة في الفور فيهما، ومما يوضح كونه للفور أن الطالب لا يرضى بفوت المط إلا لضرورة، وأن الانتظار مهروب عنه (ولتبادر الفهم عند الأمر بشىء بعد الأمر بخلافه إلى تغيير الأمر الأول دون الجمع وإرادة التراخي) وهذا على إطلاقه، لا يصح لأنه إذا كان بالعطف يتبادر الفهم إلى الجمع والتراخي، كأن يقال: قم واقعد، أوثم اقعد أو فاقعد، ويحتمل أن يكون داخلا في قوله (وفيه نظر) أي: في قوله: حقه الفور، والنظر فيه راجع إلى النظر في دليله، أو في كل من دليله نظر لكون الظهور من الطلب بلا قرينة ممنوعا، وكذا التبادر بلا قرينة، بل الحال متفاوتة بالنسبة إلى المقامات، وللسكاكي دليل آخر لم يذكره، وكان حقه أن يذكر ليتم نظره، وهو استحسان العقلاء تأديب الخادم إذا أخر الامتثال، ولك أن تقول: ولاعتذار العقلاء عند تأخير الامتثال.
(ومنها) أي: من أنواع الطلب (النهي) وهو طلب الكف عن الفعل استعلاء، ولعلك تتفطن بما يتعلق به توجها ودفعا إن كان الأمر بيدك (وله حرف واحد في) الأخصر (وله لا الجازمة وحدها) والأولى (فهو) صيغة واحدة (نحو قولك: لا تفعل) ليعلم أن ليس له صيغة أخرى كما أنه ليس له حرف آخر ولعله احترز بتقييد الجزم بقوله: في نحو قولك: لا تفعل، عن المذكر، وصيغة جمعي المؤنث، فإنها لا تجزم فيهن، لكونها مبنيات، ونبه بتقديم الظرف في قوله:
وله حرف واحد على حصر لا الجازمة في النهي.
стр. 601
(وهو كالأمر) لو اكتفى به لأفاد معناه الحقيقي والمجازي برمته بلا خفاء، ولم يحتج إلى تطويل قوله: (في الاستعلاء، وقد يستعمل في غير طلب الكف) كما هو مذهب البعض.
(أو الترك) كما هو مذهب البعض فإنهم اختلفوا في أن مقتضى النهي كف النفس عن الفعل بالاشتغال بالضد أو ترك الفعل، وهو نفس أن لا تفعل. قال الشارح المحقق: والمذهبان متقاربان، يعني لا ثمرة للخلاف، ويدفعه ما ذكره السيد السند: أن الخلاف مبني على الاختلاف في كون عدم الفعل مقدورا، ولا وجه للاختصاص على قوله.
(كالتهديد: كقولك لعبد لا يمتثل أمرك: لا تمتثل أمري) ومثال التسوية من النهي قد سبق، وينبغي أن يبين أن حقه الفور؛ لئلا يتوهم أنه كالأمر في منع الفور فيه بمقتضى الوضع، وقال السكاكي: إن كان الطلب بالأمر والنهي راجعا إلى قطع الواقع كقولك للساكن تحرك، والمتحرك: لا تتحرك، فالأشبه المرة، وإن كان راجعا إلى إيصال الواقع كقولك في الأمر المتحرك: تحرك، وفي النهي له: لا تسكن، فالأشبه الاستمرار وقد يستعظم الأمر والنهي لطلب الدوام والثبات على ما كان المخاطب عليه من الفعل والترك نحو: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا (١) أي دم وأثبت على ذلك، كذا في الشرح، والأولى على ما كان المأمور عليه ليشمل نحو: ليهدنا الله الصراط المستقيم، وهل هذا المعنى سوى ما ذكر السكاكي من الاستمرار حتى تذكر معه، كما فعله الشارح في خفاء.
(وهذه الأربعة) يعني: التمني والاستفهام والأمر والنهي (يجوز تقدير الشرط بعدها) مع أداته، ولا بد من ذكر هذا القيد؛ لأن تقدير الشرط قد ينفك عن تقدير أداته نحو (الناس مجزيون بأعمالهم إن خيرا) ولو قال: تقدير حرف الشرط لكان مستلزما تقدير الشرط؛ إذ لا يكون تقدير حرف الشرط بدون تقدير الشرط، وهذا الشرط ينبغي أن يقدر بأسره، ولا يجوز التقدير مع ذكر جزء، فلا يقال: أكرمني إياي أكرمك، يذكر مفعول الشرط والشرط المقدر على
стр. 602
طبق هذه الأربعة، فكل قيد يراد في الشرط يذكر في الطلب، فيقال عند إرادة إن تكرمني قائما أكرمني قائما، وعند إرادة إن تكرمني في الدار أكرمني في الدار وهكذا، والمراد جواز تقدير الشرط مطلقا لأن هذه الأربعة قرائن بخلاف الحذف في غيرها، فإنه لا يصح إطلاق الحذف فيه؛ إذ قد توجد قرينة وقد لا توجد، فالضابط فيه وجود القرينة، والضابط في هذه الأربعة وجود أحدها؛ لا لأنه يستغني الحذف معها عن القرينة، بل لعدم انفكاكها عن القرينة، فليس مقابلة قوله: وفي غيرها لقرينة، مع قوله وهذه الأربعة ... إلخ. باعتبار وجود القرينة وعدمها كما يوهمه ظاهر عبارته، وتحقيق القرينة مع الأربعة بما قيل من أن الطلب لكونه فعلا اختياريا لا بد له من حامل عليه، وذلك الحامل هو إما المطلوب المقصود لذاته، وإما غيره إذا كان المطلوب مقصودا لغيره وهو الأكثر؛ لأن أكثر الاشياء يطلب لغيره غالبا، فإذا سمع الطلب يتوقع بيان مسببه بحسب الخارج لمطلوبه المذكور حامل على هذا الطلب بتصوره، وهذا هو العلة الغائبة التي قالوا في شأنها: أول الفكر آخر العمل وقد نظمه نظما حسنا من قال:
نعم ما قال زمرة الدّول ... أوّل الفكر آخر العمل
فإذا جاء بعد الأربعة ما يصلح سببا للطلب، لتفرعه على المطلوب بجعل مسببا له، وهذا معنى الشرط والجزاء، فيقدر الشرط إظهارا للسببية المقصودة، ولما قيل من أن كل كلام لا بد فيه من حامل للمتكلم عليه في قاعدة التكلم، فإن التكلم في قاعدة البيان في الكلام الخبري، لإفادة مضمون، وفي الطلبي للطلب المتعلق بما هو مقصود لذاته قليلا وبما هو مقصود لغيره غالبا، فإذا ذكر ذلك الغير بعد ما فيه معنى الطلب فهم إرادة ترتبه على المطلوب، وهذا معنى الشرط والجزاء، ولا يخفى تميز هذا الوجه عن الأول، لأن الأول مبني على أن الطلب فعل اختياري لا بد له من حامل عليه والثاني أن الكلام في عرف أرباب اللسان لا بد له من حامل عليه، سواء كان ما يفيده طلبا أو غيره، والسيد السند ظن أنهما وجه واحد وخطأ الشارح المحقق حيث جعلهما وجهين، فجواز تقدير الشرط بشرطين التفرع المذكور وقصد السببية وكأنه دل عليه بالأمثلة، ولا يذهب عليك أن حذف الشرط من مباحث الإيجاز، وليس له تعلق بهذا المقام، والبحث عنه هنا من فضول الكلام (كقولك: ليت لي مالا أنفقه أي إن أرزقه) الأولى أن
стр. 603
يكون لي؛ لأنه مفهوم من الطلب (وأين بيتك، أزرك إن تعرفينه؟ ) الأظهر، أي: أن أعرف؛ لأن السبب هو المعرفة سواء كان بتعريف المخاطب، أو بدونه لا يقال، وهذا التقدير لا يعم كل استفهام، فإنه لا يجري في قولك: أتكرمني أكرمك فإنه لا يصح أن التقدير إن تعرفني، أو أن أعرف إكرامك أكرمك، بل إن تكرمني أكرمك؛ لأنا نقول السببية بين ما بعد الطلب والمطلوب، والمطلوب في الاستفهام الفهم فلو لم يتفرع المذكور بعد الاستفهام على الفهم لا يقدر الشرط وإن تفرع على المفهوم (وأكرمني أكرمك) أي: تكرمني (ولا تشتمني يكن خيرا لك) أي: إن لا تشتم.
(وأما العرض، كقولك: ألا تنزل عندنا تصب خيرا فمولد من الاستفهام) (١) يريد أنه لا حاجة إلى عد العرض بعد عد الاستفهام لدخوله تحت الاستفهام، هكذا يستفاد من كلام الشارح المحقق والسيد السند، وفيه أن المراد بالاستفهام ما يكون على حقيقته؛ إذ لا يقدر الشرط بعد غير العرض من المولدات، فلا يغني ذكر الاستفهام عن ذكره، فالأولى أن يقال: المراد أن العرض في التقدير محمول على أصله، وأن لا يشاركه في اقتضاء الشرط، وبيان المفتاح ملائم لهذا المعنى جدا، حيث قال: هذه الأبواب الأربعة تشترك في الإعانة على تقدير الشرط بعدها، وأما العرض فليس بابا على حدة، وإنما هو من مولدات الاستفهام، نعم يتجه أن العرض أيضا تعين على تقدير الشرط؛ لأنه لا بد لعرض النزول من فائدة، فإذا ذكر ما يصلح فائدة للنزول يجعل فائدة مترتبة عليه، فلا حاجة إلى جعله محمولا على أصله، ولما كان المقصود النزول لا النفي، فالمذكور في الحقيقة الإثبات، فلذا يقدر الشرط مثبتا، مع أنه يجب التقدير بقرينة الأمور الأربعة من جنس تلك الأمور الأربعة، إن مثبتا فمثبت، وإن منفيا فمنفي، فلا يجوز: لا تكفر تدخل النار عند الجمهور خلافا للكسائي، ونحن نظن أن لا خلاف بينه وبين الجمهور؛ إذ هم لا يجوزون تقدير المخالف للأربعة بقرينتها لاشتمال النفي على الإثبات، وهو يجوز مع القرينة، وقيل تقدير المثبت بعد النهي أقرب من تقدير المنفي بعد الأمر، لاشتمال النفي على الإثبات
стр. 604
دون العكس، فأسلم تدخل النار، أبعد من: لا تكفر تدخل النار، وفيه أن الأمر بالشىء يتضمن النهي عن ضده، فالأمر بالشىء أيضا يشتمل على ذكر عدمه بهذا الاعتبار.
(ويجوز في غيرها) أي: تقدير الشرط في غير المواضع الخمسة (لقرينة) قلت وكذا معها لقرينة لو لم يقدر من جنس المذكور من الخمسة (نحو: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ (١) أي: إن أرادوا وأولياء بحق) الأظهر أن الشرط المقدر إن أرادوا أولياء؛ لأن قوله: هُوَ الْوَلِيُّ للحصر وتنزيل غيره منزلة العدم لا ينحصر الولي بحق، والظاهر أنه قصر قلب، بدليل أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ، أي: متجاوزين الله، فإنه ظاهر في ترك الله، واتخاذ غيره وليا، لكن الشارح جعله قصر إفراد، وقد يمنع وجود القرينة في المثال المذكور لصحة تفرع، فالله هو الولي على ما قبله؛ لأن الاستفهام المستفاد من قوله: أم اتخذوا للإنكار فيؤول إلى النفي أي: لا يليق أن يتخذوا من دون الله وليّا، فالله هو الولي، وأجاب عنه الشارح المحقق بأنه ليس كل ما فيه معنى الشىء حكمه حكم ذلك الشىء؛ إذ لا يخفى على ذي طبع حسن قولنا: لا تضرب زيدا فهو أخوك، بخلاف أنضرب زيد فهو أخوك؟ استفهام إنكار، وإنما يحسن بالواو الحالية، والجواب بعيد عن التحصيل، أما أولا: فلأن ما ذكر في بيان أن ليس كل ما فيه معنى الشىء حكمه حكم ذلك الشىء مما لا يفيده؛ لأن معنى أتضرب زيدا؟
ليس معنى النهي، بل نفي اللياقة، فالشرط المقدر بعده أن لا يليق أن تضرب زيدا فهو أخوك بخلاف النهي، فإن الشرط المقدر بعده: إن لا تضرب زيدا فهو أخوك، ولا خفاء في أن نفي الضرب يصير سببا لبقاء الأخوة دون نفي لياقة الضرب، فإنه يجامع الضرب، ولا يبقى معه الأخوة، وإما ثانيا فلأن النفي المذكور غير حق؛ لأن ما فيه معنى الشىء حكمه الذي يقتضيه المعنى حكم ذلك الشىء بلا شبهة، وأما ثالثا: فلأن ورود منع القرينة لا يتوقف على أن يكون حكم ما فيه معنى الشىء حكم ذلك الشىء لا محالة، بل يكفيه جواز أن يكون كذلك، وهاهنا بحث وهو أن ما مر أنه يجوز تقدير الشرط بعد هذه الأربعة إن أريد به جواز تقدير الشرط بعدها باعتبار معانيها الحقيقة، يدخل الدعاء والالتماس في
стр. 605
قوله: ويجوز في غيرها لقرينة مع أنهما في سلك الأمر؛ لأن النحاة جعلوا التقدير في جواب الأمر النهي، وهما يشملهما عندهم، وإن أريد به أنه يجوز تقدير الشرط بعدها باعتبار جميع معانيها فباطل.
[من أنواع الطلب]
(ومنها) أي: من أنواع الطلب (النداء) (١) أي: الكلام المستعمل في طلب الإقبال، وبيان حقيقته وظيفة لغوية، ومجازاته بيانية، ونكات اختيار الحقيقة، أو مجاز من مجازاته وظيفة هذا العلم، وقد خلا عنه هذا البحث (وقد تستعمل صيغته) أي: صيغة النداء، يختص بهذا الكلام، وتسمية هيئة الكلام، صيغة غير شائعة، وكأنه لكون النداء بمنزلة مفرد من مفردات المنادى له في أنه الغرض من ذكره، أطلق اسم الصيغة عليه (في غير معناه) أي: معنى المنادى الموضوع له، إما مع بقاء النداء بأن ينقل من قسم إلى قسم، كاستعمال «يا» لنداء البعيد ولنداء القريب وبالعكس، وإما مع الخروج عن النداء مطلقا كالمثالين المذكورين، ومنه ما ذكر للتنبيه على أن المنادى حاضر في القلب لا يغيب عنه نحو:
أسكّان نعمان الأراك تيقّنوا ... بأنّكم في ربع قلبي سكّان
فجعله مستعملا في نداء البعيد كما فعله الشارح بعيد، ومنه المستعمل في التحسر، والتوجع ومنه الاستغاثة، ومنه التعجب، ومنه الندبة، ومنه التوله، والتحير، وجعل قوله في غير معناه مخصوصا بالقسم الثاني كما فعله الشارح لا داعي إليه.
(كالإغراء في قولك لمن أقبل يتظلم: يا مظلوم) فإنه ليس بطلب الإقبال؛ لكونه حاصلا، وإنما الغرض إقباله على زيادة التظلم وبث الشكوى، ولذا لا يذكر له المنادي له.
(والاختصاص (٢) في قولهم: أنا أفعل كذا أيها الرجل) ملتزم الحذف
стр. 606
لحرف النداء، والشائع فيه أي: وقد يعدل عنه إلى مضاف، أو علم، أو معرف باللام، وفي كون المعرف باللام منادى لنصبه، وفي كون العلم منادى لنصبه دون البناء على الضم مزيد تكلف، ولذا أنكر النداء في الأول ابن الحاجب، ولتفصيله كتب النحو، وتناول الغاية منه لو نلت شرحنا على الكافية، ولما كان الاختصاص مع نقله عن معناه الأصلي منقولا إلى محل من الإعراب دون الإغراء خصه بقوله (أي: متخصصا من بين الرجال) تنبيها على أنه يمكن في موضع الحال.
(ثم الخبر قد يقع موقع الإنشاء) طلبا كان كالأمثلة المذكورة أو غيره كالخبر الذي يذكر للمدح، أو الذم، أو التحسر، أو التعجب.
(إما للتفاؤل) بإبرازه في صورة الحاصل (أو لإظهار الحرص في وقوعه) حتى كأنه يخيل إليه حاصلا (كما مر) من قوله: إن ظفرت بحسن العافية فهو المرام، فهو تنظير.
(والدعاء بصيغة الماضي من البليغ يحتملهما) معا بأن يقصدهما معا، وعلى سبيل البدل بأن يقصد أحدهما، والأظهر أن الدعاء ممن يعرف هذين النكتتين يحتملهما سواء كان بليغا أو لا وحمل البليغ عليه بعيد (أو للاحتراز عن صورة الأمر)؛ لئلا يؤدي إلى سوء الأدب، والأولى أو للاحتراز عن صورة الاستعلاء ليشمل الاحتراز عن صورة النهي أيضا، وفيه أن الدعاء بصيغة الماضي يحتمله أيضا، فلم خص الاحتمال بما سبق، ولك أن تجيب بأن صيغة الماضي لا مدخل له في الاحتراز عن صورة الأمر، وللعود محال، إذ النكتة لا تجب أن يرجح الشىء على جميع الأغيار، ولك أن تقول: يكفي هذا القدر من الفرق نكتة لتخصيص الاحتمال بالسابقين تأمل (أو لحمل المخاطب على المطلوب بأن يكون ممن لا يحب أن يكذب) من التكذيب، أي: ينسب إلى الكذب (الطالب) (١) فإنك إذا جئت بالخبر مع إرادة الطلب ينسب الطالب إلى الكذب نظرا إلى ظاهر اللفظ، كذا قيل، ولا يخفى أنه تكلف، والأحق الأدق أن في التعبير عن ايتني غدا بقولك: تأتيني غدا دعوى أن المخاطب يبادر إلى الإجابة لا محالة حتى
стр. 607
يستحق أن يعبر عن الطلب عنه بالخبر، فلو لم يمتثل بضرب لصرت في هذه الدعوى التي يضمها التعبير بالخبر كاذبا قال الشارح: فالخبر في هذه الصور مجاز؛ لاستعمالها في غير ما وضع له، ويحتمل بعضها الكناية، هذا وفيه أن اللفظ لا يكون محتملا للمجاز والكناية؛ لأنه إن وجدت القرينة المانعة عن إرادة الحقيقة، فمجاز بلا شبهة وإلا فكناية كذلك.
(تنبيه: الإنشاء كالخبر في كثير مما ذكر في الأبواب الخمسة السابقة) لا في الجميع فإن التأكيد في الإنشاء ليس للشك، أو الإنكار من المخاطب، ولا ترك التأكيد لخلوه عن الإيقاع والانتزاع، بل لأنه بعيد عن الامتثال، أو قريب منه (فليعتبره) أي: فليقس الإنشاء (الناظر) على الخبر، وجعل الشارح ضمير (فليعتبره) راجعا أو عائدا إلى الكثير، أي: فليعتبر، وليراع ذلك الكثير في الإنشاء.
* إلهي مننت علينا بفصل الخطاب* وأحسنت إلينا بفضل معرفة الكتاب* وأجيبت الأسئلة المحاويج أحسن جواب* نسألك بيانا به وصل الطلاب إلى الصواب* وتبيانا به كمال الاتصال بحسن المآب* وكمال الانقطاع عن الجهل والخطأ والاضطراب* إلهي أنعم علينا بأحوال لها تذنيب لجزيل الثواب* وأكرمنا بالتوفيق لأعمال تنجينا عن وبيل العقاب.
*** الجلد الأول ويليه الجلد الثاني، وأوله:
بحث الفصل والوصل
стр. 608
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(الفصل و الوصل)
أورد قوله الفصل والوصل على طبق ما ذكره في تفصيل الأبواب الثمانية. قال الشارح: قدم الفصل؛ لأنه الأصل، والوصل طار عليه، والوجه ما ذكرنا، وهذا أوجه للتقديم في التفصيل، لا في هذا المقام كما لا يخفى على من يعرف المقام.
[الوصل]
(الوصل عطف بعض الجمل على بعض) قدم تعريف الوصل على عكس ذكرهما، وعلى خلاف المفتاح؛ لأنه وجودي سابق على العدميّ في المعرفة، ولا يبعد أن يقال: يقدم الفصل تارة ويؤخر أخرى؛ لئلا يتوهم بالتزام تقديم أحدهما أن له مزية في باب البلاغة على الآخر.
وعبارته مشعرة بأن الوصل والفصل مختصان اصطلاحا بالجمل، والمقتضيات لهما جارية في المفردات أيضا فلا ينبغي التخصيص اصطلاحا، ونحن نفهم من عبارة المفتاح عدم اختصاصهما بها، وإنما هما الأصل في الجمل؛ حيث قال:
تمييز موضع العطف عن غير موضعه في الجمل هو الأصل في هذا الفن، وإن حمله السيد السند على أن المراد أن بحث الحال خارج عن الأصل، متفرع على الفصل والوصل. وبالجملة لا يقتصر على رعاية جهات العطف وتركه فيما بين الجمل- واحفظها في المفردات أيضا- لئلا يكون بمعزل عن البلاغة، وكيف يظن أن عطف الجمل التي هي أخبار لمبتدأ، أو أحوال لصاحب، أو صفات لمنعوت، وتركه مبنيات على أحوال، دون ما في المفردات كذلك.
وقد وافقني في ذلك السيد السند؛ حيث تكلم في وجه الفصل والوصل بين مفردات في خطبة شرح المطالع، وقد اختار الجملة على الكلام؛ ليشمل ما له محل من الإعراب، والصلة بلا كلام، ولم يقل عطف جملة على جملة؛ ليشمل عطف جملتين على جملتين؛ فإنه ربما لا يتناسب حمل أربع مترتبة، بحيث يعطف كل على ما قبلها، بل يتناسب الاثنتان الأوليان والاثنتان الأخريان، فيعطف في كل اثنتين أولا، ويعطف الأخريان على الأوليان؛ لأن مجموع الأخريين يناسب مجموع الأويين.
стр. 609
ونظيره في المفردات: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ (١) فإنه عطف أولا الآخر على الأول، والباطن على الظاهر بجامع التضاد، ثم عطف مجموع الظاهر والباطن على مجموع الأول والآخر، ليناسب بين المجموعين باعتبار أجزائهما، والمراد بالجمل ما فوق الواحد ليشمل عطف إحدى الجملتين على الأخرى، وحمل الجمل على جمل يكون في العالم لا يليق بالعالم.
[والفصل]
(والفصل تركه) (٢) أي: ترك عطف بعض الجمل على بعض، ومن شأنه العطف إذ لا يقال الفصل في ترك عطف الجملة الحالية على جملة قبلها؛ إذ ليس من شأن الحال العطف على ما هي قيد له، ثم إنه رتب على التعريف بيان الأحكام إشارة إلى أن معرفة الحكم بعد معرفة الشيء، فقال: (فإذا أتت) ورتب العطف ثلاث مراتب: مرتبتان منها قريبتان التناول، ومرتبة بعيدة على طبق ما في المفتاح، إلا أنه جعل المرتبة الأولى ما لا محل للجملة من الإعراب، والمفتاح ما يكون العطف فيه بغير الواو، والحق مع المفتاح؛ لأن العطف بغير الواو لا يطلب شرطا، فهو أقرب تناولا على الإطلاق، وما له محل من الإعراب يجتمع فيه حين العطف بغير الواو جهتا قرب أو اتفقا في جعل إحدى المرتبتين بالجملة محل من الإعراب، ولا ينحصر فيه؛ إذ الوصل في جملة أتت بعد جملة هي صلة موصول اسميّ أو حرفيّ، وقصد تشريك الثانية للأولى عطفت على الأولى كالآتية بعد ما له محل من الإعراب بلا تفاوت، فتقول: الذي ضرب وقتل، وعجبت من أن ضربت وأكرمت، فنحن نقول: فإذا أتت (جملة بعد جملة فإما أن يكون لها محل من الإعراب) أو تكون صلة (أو لا) ولقد ضمن بيانه وجوب تقديم المعطوف عليه (وعلى الأول إن قصد تشريك الثانية لها في حكمه) أي:
في حكم الإعراب بأن تكون مشاركة للأولى في جهة الإعراب ويكون إعرابهما من جهة واحدة، وليس الخبر الثاني ولا الحال الثانية، ولا الصفة الثانية مشاركا للأولى في الحكم؛ إذ جهة الإعراب في كل منهما ما فيه لا ما في سابقه، بخلاف التابع فلا يشكل أنه قصد تشريك الثاني للأول في الأخبار المتعددة ونظائرها مع أنه
стр. 610
ترك العطف (عطف عليهما كالمفرد) أي: كعطف المفرد على المفرد وفي هذا التشبيه إشعار بوجه حسن العطف أي: كما أن العطف في مقام قصد تشريك المفرد، مقبول كذلك في هذه الجملة؛ لأن الجملة التي لها محل من الإعراب واقعة موقع المفرد، ولما كان عطف المفرد على المفرد يشترط في قبوله الجهة الجامعة فرّع على التشبيه قوله:
[فشرط كونه مقبولا بالواو]
(فشرط كونه مقبولا بالواو ونحوه) مما لا يدل إلا على مطلق الجمع، وهل هي متحققة في كلام العرب لم توجد على سبيل الحقيقة ولا مانع من التجوز كما قيل إن «ثم» في قوله:
عدل ووصف وتأنيث ومعرفة ... وعجمة ثمّ جمع ثمّ تركيب
بمعنى الواو لضرورة الشعر. وكما قال الكوفيون إن «أو» في قوله تعالى:
إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١) بمعنى الواو، وكما قال المصنف في التذنيب من الإيضاح: إن الفاء يجيء بمعنى الواو، وجعله منه.
ولقد أمرّ على اللئيم يسبّني ... فمضيت ثمّة قلت لا يعنيني (٢)
واستشهد عليه بخبر عبد الله بن عتيك فإن أردته فارجع إليه ويؤيد أن ما ذكر نحوه لمراعاة ما في معناه تجوزا أنه قال فما بعد إن قصد ربطها بها على معنى عاطف سوى الواو، ولم يقل على عاطف سوى الواو فالمراد بالواو الواو المستعمل في معناه الحقيقي، حتى يدخل الواو بمعنى «أو» في غير الواو، ولما لم يعلم وجود العاطف بمعنى الواو تجوزا في كلام البلغاء لم يبال المفتاح بالاحتمال، ولم يذكر قوله تعالى ونحوه، وقد صعب ذكره حتى قرئ منصوبا عطفا على مقبولا ومجرورا عطفا على الضمير المجرور على المذهب الضعيف، وفسر المنصوب بنحو المقبول من المستحسن والقريب من الطبع، وهو كما ترى، وفسر المجرور بنحو عطف الجملة
стр. 611
من عطف المفرد، ولا أظنك في ريبة مما ألهمنا به، ولا يخفى أن هذا الاشتراط على مذهب من لم يجعل الواو للترتيب (أن يكون بينهما جهة جامعة) فهذا الوصل إنما يتيسر بعد معرفة الجهة الجامعة كالقسم الثالث إلا أن في القسم الثالث أمورا أخر لا بد من ضبطها لم يشترط في هذا القسم من عدم كمال الاتصال وكمال الانقطاع وشبه أحدهما؛ فلذا عد قريب التناول دون الثالث، (نحو: زيد يكتب) أي: ينشيء النثر، كذا سمعت من الثقات (ويشعر) من حد نصر وكرم بمعنى: يقول الشعر أو الثاني بمعنى يجيد الشعر، كذا في القاموس؛ لما بين الكتابة والشعر من المناسبة، (أو يعطي ويمنع)؛ لما بينهما من التضاد (ولهذا) أي: لكون شرط قبول عطف الجملة بالواو وجود الجامع، لا كون شرط قبول العطف بالواو مفردا كان أو جملة؛ إذ جعل الشرط في المفرد جملة مسلّما حتى فرّع عليه اشتراط القبول في الجملة، فلا يحسن تعليل الشرط المفرد بعد تسليمه، فإن قلت: فلا يتم الدليل لأنه من عطف المفرد على المفرد.
قلت: إن المفتوحة بعد العلم في حكم المكسورة؛ لكون ما بعدها منزّل منزلة مفعولي علمت، فلو لم يكن وجود الجامع شرطا في الجملة أيضا لم يعب على الشاعر لجعل المعطوف والمعطوف عليه بمنزلة الجملة (عيب على أبي تمام قوله [زعمت) أي: الحبيبة [هواك] يا نفس [عفا الغداة] أي: اندرس في عداة الهجرة [كما عفاه عنها] أي: عن اللوى وهو موضع [طلال باللّوى ورسوم].
(لا) أي: ليس الأمر كما زعمت:
([والّذي هو عالم أنّ النّوى صبر) أي: مرّ. في الصحاح الصبر ككتف هذا الدواء المر، ولا يسكن إلا للضرورة هذا، وفيه نظر إذ لغات كتف لا يختص الشعر (وأنّ أبا الحسين كريم):
لا زلت عن سنن الوداد ولا غدت ... نفسي على إلف سواك تحوم (١)
جواب القسم لا والبيت الآخر مؤكد وهو جواب القسم كما ذكره الشارح.
وعيب البلغاء على أبي تمام بفوت الجامع بين المعطوف والمعطوف عليه؛ إذ لا
стр. 612
مناسبة بين مرارة النوى وكرم أبي الحسين دليل تام على الاشتراط، وأن يمكن الجواب عنه بأن مراد أبي تمام أن مرارة النوى وكرم أبي الحسين مما لا يعلمه إلا الله كما يتبادر إليه العرف من حوالة علم الشيء إلى الله.
وفيه كمال المبالغة في عظمة الشيء بحيث لا تدركه العقول بينهما أنهما مما لا يحيط بهما علم أحد، فتأمل (وإلا) أي: وإن لم يقصد تشريك الثانية للأولى في حكم إعرابها (فصلت عنها) الأولى أن يقابل فصلت بوصلت أو عطفت بلم يعطف (نحو وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (١) لم يعطف اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ على (إنّا معكم) الأولى لم يعطف اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ على إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ لئلا يوهم أن كلامه في مجرد إنا معكم، لا في المجموع كما وهمه الشارح والسيد السند وغيرهما؛ لأنه ما حكاه الحاكي هو المجموع وقصد تعلق القول به، لا بكل من قوله: إنا معكم، وقوله:
إنما نحن مستهزئون، فلا نصيب بالقول إلا للمجموع، كما أنه لا نصيب هو إذا قيل: قلت زيد إلا لمجموع زيد، ولا نصيب بشيء من إنا معكم وإنما نحن مستهزئون في النصيب، كما لا نصيب لزاء زيد، ففي هذه الحكاية كل من إنا معكم، وإنما نحن مستهزئون جملة لا محل لها من الإعراب، ووجه الفصل عن كل منهما ليس عدم قصد التشريك في حكم الإعراب، بل إن العطف عليه عطف على ما هو كجزء كلمة، وهو بهذا الاعتبار داخل في قوله، وعلى الثاني وليس الفصل فيه بشيء، مما ضبط، بل لما ذكرنا فهو قسم منه غفلوا عنه برمتهم، فاحفظه عنه ما قرت به، ولا تتبع إهمالهم؛ فإنه ليس لهم إلا بذل ما رزقوا، والله يرزق من يشاء.
وقوله: (لأنه ليس من مقولهم) علة لمحذوف كأنه قيل: لأنه لم يقصد تشريكه لإنا معكم لأنه ليس من مقولهم.
قال الشارح: وإنما قال: على إِنَّا مَعَكُمْ دون إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ؛
لأنه بيان لإنا معكم فحكمه حكمه، وقد عرفت ما فيه، وأنكر السيد السند كونه بيانا لوضوح إنا معكم ومغايرتهما في المعنى، وجعل الحق كونه تأكيدا كون معنى
стр. 613
إنا معكم (شبا الثبات) (١) على اليهودية، وإنما نحن مستهزئون تحقير ضد اليهودية، ودفع الاعتداد به، ودفع نقيض الشيء تأكيد له، أو لأن معنى إِنَّا مَعَكُمْ المعية قلبا، وهو يستلزم مخالفة أصحاب محمد معنى، والموافقة صورة. وهو الاستهزاء، فيؤكده إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (٢)، أو جعله استئنافا في جواب ما بالكم، إن صح إنكم معنا توافقون أهل الإسلام، قال وعلى أي تقدير لا يصح عطفه على إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ؛ لأنه ليس مقولا لهم، ولا يصلح أن يكون تأكيدا أو تتمة الجواب عن سؤالهم، ومن المباحث النفيسة التي خفيت إلى الآن أن فصل اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ من قوله إِنَّا مَعَكُمْ لا ينبغي أن يكون من هذا الفن؛ لأنه للاحتراز عن ضعف التأليف؛ لأن عدم قصد التشريك هنا لئلا يفسد أصل المعنى بناء على قاعدة العطف فيما بين النحاة صحة التشريك فالتمثيل به خال عن التحصيل، ومثال ما نحن فيه زيد ضرب ذهب لم يعطف ذهب على ضرب، مع أنه يصح أصل المعنى في قصد التشريك، ولا يخالف قاعدة النحو المشهورة؛ لئلا يشارك الحكم السابق في القصر.
(وعلى الثاني) أي: على تقدير أن لا يكون للأولى محل من الإعراب (إن قصد ربطها بها على معنى عاطف) لم يقل على عاطف (سوى الواو) وأدرج المعنى ليدخل فيه الواو بمعنى أو ويخرج ثم واو بمعنى الواو (عطفت) به لا بد من اشتراط أن لا يكون للأولى حكم لا يجرى في الثانية فتأمل (نحو: دخل زيد فخرج عمرو أو ثم خرج عمرو إذا قصد التعقيب أو المهلة) الصواب إذا قصد التعقيب بلا مهلة أو بمهلة، والعاطف الذي يقصد به عطف جمل، لا محل لها من الإعراب مما سوى الواو ما سوى لا وحتى فإنهما مختصان بالمفردات إلا أنه يعطف بلا المضارع على المضارع فيقال: أقوم لا أقعد لمضارعته الاسم كذا في الرضى.
وقال السيد السند: إن وجه اختصاص حتى بالمفردات امتناع وجود شرطها، وهو كون ما بعدها جزأ مما قبلها أضعف أو أقوى ولا تحقق له في الجمل أصلا، وفيه بحث؛ لأنهم ذكروا في قوله تعالى: أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ
стр. 614
وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١) إن الثانية بدل البعض من الأولى لدخولها فيها.
ثم قال: وظاهر المفتاح يشعر بوقوع حتى في عطف الجمل؛ حيث قال في بحث العطف: ولا بد في «حتى» من التدريج لما ينبئ عنه قوله:
وكنت فتى من جند إبليس فارتقى ... بي الحال حتّى صار إبليس من جندي (٢)
إذ الظاهر أنه مثال لحتى العاطفة، وحينئذ تجعل الشرط المذكور مخصوصا بحتى العاطفة للمفردات، هذا وفيه أنك عرفت أنه يجري الشرط في الجمل وتفصيله في البيت أنه اندرج في ارتقى في الحال صار كذا وصار كذا فيصح حتى صار إبليس من جندي، وإنما قال الظاهر؛ لأنه يجوز أن يكون نظير الإفادة تدريج حتى العاطفة، وله في المفتاح غير نظير ويحمل قوله: ولا بد في «حتى» على حتى مطلقا مساغ، ومعنى البيت على ما هو المشهور أنه صار بمتابعة إبليس مترقيا في الشرارة إلى أن تبعه إبليس متابعة الجندي للسلطان، ففيه تحذير عن ارتكاب الصغائر فإنه يفضي إلى الجزاءة على أكبر الكبائر، ويحتمل أن يكون المراد أني صرت بالتوبة إلى أن انقاد بي إبليس ولا يزاحمني في الطاعة، ففيه ترغيب في العبادة والجد فيه وإزالة الخوف من تسويل النفس وغلبة الشيطان فإنه يندفع بالثبات على الخير، وإنما شاع العطف بما سوى الواو وحتى ولا؛ لأن لها معنى محصلا وفائدة يعتد بها، بخلاف الواو فإنه لا يفيد إلا اشتراك الجملتين في التحقق، ولا توجه للنفس إلا الاشتراك في التحقق بعد معرفة تحققهما؛ لأنه ليس معنى يعجب النفس، وإنما يعجبها ويجعلها طالبا له بشرائط لا يتيسر معرفتها إلا الأوحدي بعد أوحدي؛ فلذا ترى المهرة يبوحون بحصر البلاغة فيه مبالغة في كونه مدارا لها لا تقول: لو لم تعطف الجملتان لأوهم أن الجملة الثانية رجوع عن الأول؛ لأنا نقول: لا كلام في صحة العطف في مقام التوهم، وهو عطف لدفع
стр. 615
الإيهام، وسيأتي نظيره لكن لا يغني عن الشرائط في مقام لا مجال فيه للإيهام؛ لوضوح الأمر من غير شائبة الإيهام، ونحن لم نفصل كل معاني ما سوى الواو مع أن العطف لا يتأتى لا بعد معرفتها؛ لأن المتكفل لها علم آخر، وقد فصلناها لك قبل أن تأتي هذا المقام في شرح الكافية بما لا مزيد عليه. (وإلا) أي: وإن لم يقصد ربط الثانية بالأولى على معنى عاطف سوى الواو (فإن كان للأولى حكم لم يقصد إعطاؤه للثانية) من تقييد بحال أو ظرف أو غير ذلك (فالفصل) (١) متعين، كذا في الإيضاح، لا يقال الملازمة ممنوعة؛ لأنه قال السكاكي: إن هذا القطع يأتي إما على وجه الاحتياط، وذلك إذا كان يوجد قبل الكلام السابق كلام غير مشتمل على مانع من العطف عليه، لكن المقام مقام احتياط فيقطع لذلك.
وإما على وجه الوجوب، وذلك إذا كان لا يوجد؛ لأنا نقول المراد فإن كان للأولى حكم لم يقصد إعطاؤها للثانية، ولم يسبق على الأولى ما يصح العطف عليه بقرينة أنه تأتي بيان هذا القسم، وهو الذي جعلته كالمنقطعة، وسمي الفصل له قطعا (نحو وَإِذا خَلَوْا) (٢) الآية (لم يعطف اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ على «قالوا» لئلا يشاركه في الاختصاص) أي: في اختصاصه باعتبار حكم المتكلم لا باعتبار مضمونه (بالظرف لما مر) (٣) من أن المفعول ونحوه مقيدات للحكم، فلا يرد أنا لا نسلم وجوب المشاركة في الاختصاص بالظرف؛ لما مر من أن التقديم يفيد التخصيص؛ لأنا نسلم أن تقديم الشرط يفيد التخصيص، وإنما يفيده ظرف لم يتضمن ما يوجب صدر الكلام؛ لأنك عرفت أن المراد اختصاص الحكم لا مضمون الجملة، والقيد يخص حكم المتكلم لا محالة، وعرفت أن ما مر ليس معناه كون التقديم للتخصيص، بل كون الظرف للتقييد فإن قلت: عبارة
стр. 616
الإيضاح لا يساعد ما ذكرت؛ لأنه قال: لئلا يشاركه في الاختصاص بالظرف المتقدم، فإن وصف الظرف بالمتقدم يشعر بأن للتقدم مدخلا في المشاركة في الاختصاص، والتقييد بالظرف لا مدخل فيه للتقدم.
قلت: قيده به؛ لأن العطف عليه المقيد إنما يفيد المشاركة في القيد المتقدم دون المتوسط، أو المتأخر، يدل عليه كلام الشارح المحقق.
واعلم أن في الآية ثلاثة أمثلة؛ لأنه لا ريبة في صحة عطف اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ على مجموع الشرط والجزاء؛ إذ عطف غير الشرطية على الشرطية وبالعكس كثير، والجامع أيضا يتحقق إذ تقاولهم بهذه المقالات ينسب الاستهزاء، بل عين الاستهزاء والمسند إليه في كل منهما مستهزئ بالآخر؛ لأن استهزاءهم بالمؤمنين في أحكام الله.
فوجه ترك العطف عليها أن عطفها عليه يوهم عطفها على الجزاء، فالقطع لدفع الوهم، وهو حينئذ مثال للفصل لتكون كالمنقطعة، وكأنّ المصنف غفل عنه فاقتصر على جعله مثالا للفصلين دون الثالث.
قال الشارح المحقق: فإن قلت: إذا عطف شيء على جواب الشرط، فهو على ضربين: أحدهما: أن يستقل كل بالجزائية نحو: إن تأتني أعطك وأكسك.
والثاني: أن يكون المعطوف عليه، ويكون بحيث يتوقف على المعطوف الشرط سببا فيه بواسطة كونه سببا في المعطوف عليه، كقولك: إذا رجع الأمير استأذنت وخرجت، أي: إذا رجع استأذنت وإذا استأذنت خرجت، فلم لا يجوز أن يكون عطف اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ على «قالوا» من هذا القبيل.
قلت: لأنه حينئذ بصير وإذا قالوا ذلك استهزأ الله بهم، وهذا غير مستقيم؛ لأن الجزاء أعني: استهزاء الله بهم إنما هو على نفس استهزائهم وإرادتهم إياه، لا على إخبارهم عن أنفسهم بإنا مستهزؤن بدليل أنهم لو قالوا ذلك لدفعهم عن أنفسهم والتسلم عن شرهم لم يكن عليهم مؤاخذة، كذا في دلائل الإعجاز.
قلت: أولا: دليل الشيخ مدخول؛ لأن المراد بالقول القول عن اعتقاد،
стр. 617
كما لا يخفى فترتيب الاستهزاء على هذا القول المخصوص، لا على القول المطلق، ولا يتم ما ذكره دليلا على عدم ترتيب الاستهزاء على القول المخصوص.
وثانيا: أنه أورد على الشيخ أن العطف على جواب الشرط له احتمال ثالث، وهو أن لا يستقل بشيء بالجزائية، بل يكون الجواب مجموع الشرط والجزاء، ويدفعه أن العطف حينئذ ليس على الجزاء، بل العطف مقدم على الجعل جزاء.
وثالثا: أن اختصاص الاستهزاء بوقت الخلو بحاله بعد؛ لأن القول مختص بوقت الخلو، والاستهزاء بوقت القول، والمختص بالمختص بالشيء مختص به، والأعجب من ذلك كله أن منع كون العطف موجبا للتقييد مما لا يضر؛ لأن المقصود بيان نكتة للفصل يجعل المراد من الآية ما لا يستقيم معه الوصل، هو أن المراد استهزاء الله مطلقا، ولو عطف على الجزاء لفات الإطلاق لإفادته الاختصاص بوقت الخلو.
فالمناقشة بأنه يحتمل الاختصاص بوقت القول مما لا يضر في تعيين الفصل؛ لأن العطف يفيد الاختصاص بأحد الطرفين لا محالة على أن الأظهر الأشيع الاحتمال الأول، وأن المصنف لم يعين الظرف وأن يتبادر منه وقت الخلو.
وكأن مهابة الشيخ شغلت المحققين عن مشاهدة ضعف كلامه، والله يختص من يشاء بإنعامه.
(وإلا) عطف على قوله (فإن كان للأولى حكم) أي: إن لم يكن للأولى حكم (لم يقصد إعطاؤه للثانية) وذلك بأن لا يكون لها حكم زائد على مفهوم الجملة، أو يكون ذلك ولكن قصد إعطاؤه للثانية أيضا.
فإن قلت: مع قصد الإعطاء كيف يصح الفصل ويفوت الحكم؟ .
قلت: لا ينحصر الإعطاء في حكم العطف فليصرح بالحكم في المعطوف.
فإن قلت: من الممتنع أن لا يكون للأولى حكم زائد على مفهوم الجملة إذ الكلام البليغ لا يخلو عن معنى مراد.
قلت: المراد حكم زائد على مفهوم الجملة يمكن إعطاؤها للثانية بالعطف.
стр. 618
[فى بيان «كمال الانقطاع»]
(فإن كان بينهما) أي: بين الجملتين (كمال الانقطاع بلا إيهام) من الأقسام العقلية كمال الاتصال مع إيهام وشبه كمال الاتصال معه، ولم يتعرضوا لهما فكأنهما لم يوجدا، (أو كمال الاتصال أو شبه أحدهما فكذلك) يتعين الفصل، وفيه أنه مع شبه كمال الانقطاع لا يتعين الفصل، بل الفصل أولى للاحتياط على ما سمعته مما نقلناه من «المفتاح»، إلا أن يقال: فرق بين المتعين والواجب والأولى أيضا متعين عند البليغ، (وإلا) أي: وإن لم يكن بينهما واحد من الثلاثة، وذلك بأن يكون توسط بين الكمالين أو إيهام مع كمال الانقطاع، (فالوصل) متعين إما في الأول فلتحقق المناسبة والمغايرة، وإما الثاني فللضرورة، ووجه تعين الفصل مع شبه كمال الانقطاع عدم المناسبة؛ لأن المناسبة مع المانع عن رعايتها كالعدم، ومع كمال الانقطاع بلا إيهام ظاهر، ومع كمال الاتصال عدم المغايرة، ومع شبه كمال الاتصال عدم المغايرة المحوجة إلى العطف في الربط؛ فالمقامات ستة، أخذ المصنف في تفصيلها على ترتيب أدى إليه التقسيم.
لكن لم يتعرض في التقسيم الأول لعدم الإيهام؛ لأنه مستغن عن البيان واكتفى بقوله: (أما كمال الانقطاع فلاختلافهما خبرا وإنشاء) أي: في الخبرية والإنشائية، والأولى خبرية وإنشائية، ولو اكتفى بكونه خبرا أو إنشاء لكفاه؛ لأن اختلاف الجملتين في الخبرية أن يكون إحداهما خبرا دون الأخرى.
والجملة إذا لم تكن خبرا فلا محالة تكون إنشاء وكذا الإنشائية (لفظا ومعنى) مصدران للاختلاف أي: اختلافا لفظيا أو معنويا بأن يكون إحداهما خبر لفظا ومعنى، والأخرى إنشاء كذلك، وهو الشايع أو تكون إحداهما خبرا لفظا، إنشاء معنى، والأخرى بعكس ذلك، وهو مما لم يعثر عليه (نحو:
وقال رائدهم أرسوا نزاولها ... فكلّ حتف امرئ يجري بمقدار) (١)
الرائد الذي يتقدم القوم لطلب الماء والكلأ. وأرسوا من أرسيت السفينة
стр. 619
حبستها بالمرساة، والمراد أمرهم بحبس أنفسهم في مكانهم عن الذهاب. نزاولها أي: يحاول الحرب ونعالجها وكون الإرساء حبس السفينة أو وهم البعض أن الضمير للسفينة، ومنهم من جعلها للحمر، والوجه الأول كما تشهد به تتمة البيت. ومعنى قوله: كل حتف امرئ إلخ أن أي: حتف يرد على المرء بتقدير الله، سواء كان حتف أنفه أو موتا آخر. فلا يرد الثاني الجبن ولا الأول الإقدام، وفرق بينه وبين حتف كل امرئ، وكأنّ الشارح غفل فقال في تقرير معنى البيت: فإن موت كل نفس يجري بمقدار الله تعالى وقدرته، لا الجبن ينجيه ولا الإقدام يرديه.
والمثال هو المحكي لا من حيث إنه في الحكاية فإن الفصل فيه لحفظ المحكى على ما كان، كما هو مقتضى الحكاية لا للاختلاف خبرا وإنشاء.
وإنما الفصل لذلك في كلام الرائد، ولم يعطف الرائد «نزاولها» على «أرسو»؛ لاختلاف الجملتين خبرا وإنشاء لفظا ومعنى، وليس عدم صحة جعله مثالا من حيث إنه في الحكاية؛ لأنّ الممثل الفصل بين جملتين لا محل لهما من الإعراب، وهما في كلام الحاكي في محل النصب بالقول كما ذكره السيد السند؛ لأن المقول مجموعهما وهو المنصوب، ولا نصيب بشيء من الجزئين في النصب.
وبهذا تضاعف ضعف ما ذكره الشارح من أنه مثال لمجرد الاختلاف لا لاختلاف جملتين لا محل لهما من الإعراب إذ الجملتان هنا منصوبتا المحل، ولا تزاحم بين كمال الانقطاع وشبه كمال الاتصال فلا يرد أن نزاولها إما تعليل للطلب كما قيل لا للإرساء وإلا لا يجزم كما في: أسلم يدخل الجنة، فهو جواب لسؤال مقدر، أي: ما بالك بأمرنا بالإرساء، فليس الفصل لكمال الانقطاع، بل شبه كمال الاتصال.
وإما حال كما نقول أي: أقيموا في حال مزاولة الحرب، ولا يخافوا الحتف فإن حتف كل امريء بمقدار، ولا يخفى أن الأمر بالإقامة في حال المزاولة أشد تأكيدا للمزاولة، فكذلك ليس الفصل للاختلاف المذكور إذ الحال لا نعطف على الجملة المقيدة بها حتى يكون تركه فصلا مبنيا على نكتة.
واعلم أن الاختلاف خبرا وإنشاء لا يمنع العطف فيما له محل من الإعراب كما
стр. 620
هو ظاهر بيان المتن حيث لم يشترط فيما له محل من الإعراب عدم الاختلاف، وقد وقع في التنزيل وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١) وصرح العلامة الزمخشري على جوازه في سورة نوح (أو معنى) أي: (فقط) وأما الاختلاف لفظ.
فقط فليس من موجبات الفصل كما ستعرفه (نحو: مات فلان ﵀ (٢) أي: ليرحمه الله، ففصل ﵀ عما قبله لاختلافهما خبرا وإنشاء معنى، ويحتمل أن يكون الفصل للتنبيه على الاختلاف، وهذا موجب سانح فاحفظه (أو لأنه) عطف على قوله: لاختلافهما (لا جامع بينهما كما سيأتي) (٣) من أن المعتبر الجامع باعتبار المسند إليه والمسند جميعا وأن الجامع أي شيء هو.
[وأما كمال الاتصال]
(وأما كمال الاتصال) فبتنزيل الجملة الثانية منزلة تابع من التوابع سوى العطف، لكنهم لم يتعرضوا لكون الثانية بمنزلة النعت للأولى، وبنى الشارح ذلك على أن النعت دال على بعض أحوال المتبوع، وهذا المعنى مما لا تحقق له في الجمل.
وشيد السيد السند بنيانه بأنه يستلزم كون الجملة من حيث هي جملة محكوما عليها.
ولك أن تقول: ومحكوما به، والجملة من حيث هي لا تصلح لشيء منهما، ونحن نقول: ليس التنزيل إلا مقتضيا لنوع مناسبة، ولا يقتضي رعاية خصوص صاحب المنزلة في المنزل، وإلا يصلح التنزيل منزلة البدل؛ لأن البدل مقصود بالنسبة والجملة من حيث هي جملة لا تصلح لذلك، على أن الجملة ربما تدل على حال جملته كأن تقول: زيد قائم علمت، فبفصل علمت عن زيد قائم؛ لأنه يدل على أنه معلوم فيكون بمنزلة النعت.
стр. 621
(فلكون الثانية مؤكدة للأولى) موافقة اللفظ والمعنى نحو: زيد قائم زيد قائم وقعد زيد قعد زيد، وكأنه لظهوره لم يتعرضوا له أو مخالفة اللفظ متقاربة المعنى جدّا، فهو بمنزلة التأكيد بالتكرير أو مخالفة المعنى مقررة للأولى فهو بمنزلة التأكيد المعنوي كما سنفصلها، وكلاهما (لدفع توهم تجوز أو غلط) كالتأكيد (نحو) لا رَيْبَ فِيهِ (١) بالنسبة إلى ذلك الكتاب على تقدير كونهما جملتين لا محل لهما من الإعراب، وهو المختار كما بين في محله (فإنه لما بولغ في وصفه ببلوغه) متعلق بوصفه (الدرجة القصوى في الكمال بجعل) متعلق ببولغ (المبتدأ ذلك) المشعر بكمال العناية تمييزه وبعد درجته لعظمته عن الإفهام (وتعريف الخبر باللام) الدال على حصر الكتاب فيه، وهو يقتضي جعل غيره من الكتب لنقصانه بالنسبة إليه كأنه ليس كتابا. والشيخ لم يجعل ذلك مبتدأ، بل جعله في تقدير هو ذلك الكتاب وجعله تعالى: لا ريب فيه بمنزلة هو ذلك الكتاب هو ذلك الكتاب على ما في دلائل الإعجاز، وكأنه تحاشى عن تنزيل كتب الله منزلة العدم؛ لما فيه من سوء الأدب وجعل لا رَيْبَ فِيهِ بمنزلة التأكيد اللفظي؛ لأن دعوى عدم الريب في كمال الهداية بمنزلة دعوى الهداية يقينا.
(جار) جواب لما (أن يتوهم السامع قبل التأمل) في كمالات الكتاب (أنه مما يرمي به) أي: مما يتفوه به (جزافا) هي مثلثة بمعنى ما يقال بلا تأمل، ولا يخفى أنه كناية عن كونه غلطا؛ لأن القول بلا تأمل في عرضة الغلط دون التجوز، وجعله بمنزلة جاءني زيد نفسه يستدعي أن لا يدفع به الغلط على ما ذهب إليه الشارح المحقق والسيد السند، لكن خالفناهما وشيدنا صحة دفع الغلط به في بحث التأكيد، وأيضا الكلام المؤكد به مجاز عن الكمال حقيقة في نفي غيره من الكتاب، والتأكيد المعنوي يدفع التجوز؛ فلا يصح اتباعه المجاز؛ لئلا يوجب كونه حقيقة على خلاف المقصود، ودفع الجزاف إنما يتحقق لو أريد بلا ريب فيه نفي الريب في الكمال، أما لو أريد نفي الريب في كونه من عند الله كما هو المشهور المتبادر فلا يندفع به الجزاف؛ لأن غيره من الكتب يشاركه في ذلك النفي (فأتبعه) أي: ذلك الكتاب (إياه) أي: لا ريب فيه (نفيا لذلك) التوهم
стр. 622
(فوازنه) أي: عديله من وازنه بمعنى عادله، يقال: هو وزنه وزنته ووزانه كذا في القاموس، فعلم أن (وزان نفسه في: جاء زيد نفسه) يريد فيه لفظ الوزان؛ إذ يقال: هو وزانه، لا وزانه وزانه على ما عرفت، ولا يصلحه قول الشارح في المختصر: أي وزان: لا ريب فيه مع ذلك الكتاب وزان نفسه مع زيد، فلا يكون الوزان زائدا كما توهم؛ إذ لا يوازن لا ريب فيه بمتبوعه، بل بما يعرف به حاله من نظيره الواضح الحال.
(ونحو هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) «١» عطف على قوله نحو لا ريب فيه وإشارة إلى جملة مؤكدة متقاربة المعنى لسابقتها منزلة منزلة التكرير (فإن معناه أنه) أي:
الكتاب (في الهداية) متعلق بما بعده (بالغ درجة لا يدرك كنهها) أي: نهايتها (حتى كأنه هداية محضة) الأولى حتى إنه هداية محضة إذ في حمل الشيء على الشيء في مقام المبالغة دعوى الاتحاد من غير شائبة تردد، والأولى هداية عظيمة محضة؛ لأن تنوين هدى للتعظيم، فالمبالغة في جعل الهدى المنون خبرا له، وليس معنى البلوغ تلك الدرجة معنى التنوين، وكونه الهداية المحضة معنى التعبير، كما يستفاد من الشرح؛ لأن التنوين لا يفيد تعظيم الهادي، بل الهداية فالبلوغ المبالغ فيه بتمامه مستند إلى حمل الهدى المنون عليه وجعله عين الهدى المعظم (وهذا معنى ذلِكَ الْكِتابُ «٢» لأن معناه كما مر الكتاب الكامل والمراد بكماله كماله في الهداية لأن الكتب السماوية بحسبها) أي: بقدرها أو بسببها (يتفاوت في درجات الكمال) لا بحسب غيرها فتقدم الجار والمجرور للحصر مبالغة في الاعتماد بشأن هذا التفاوت فلا يرد منع الحصر بسند أنه قد يتفاوت بجزالة النظم وبلاغته كالقرآن فإنه فاق الكتب بإعجازه.
والشارح دفع المنع بأن هذا التفاوت أيضا داخل في الهداية؛ لأنه إرشاد إلى التصديق، ودليل عليه وإنما يندفع به لو كان السند مساويا، ولك أن تجعل:
هدى للمتقين في تقدير: فيه هدى للمتقين مريدا به حصر الهداية بكونها فيه فيكون كذلك الكتاب في حصر الهداية وتكون المماثلة أتم، وبالتأكيد اللفظي أقرب (فوازنه وزان زيد الثاني في: جاءني زيد زيد) الأولى فوزانه وزان زيد
стр. 623
قائم الثاني في زيد قائم زيد قائم إلا أنه أراد رعاية المناسبة بين وزاني قسمي الجملة المؤكدة، قال السيد السند: إذا كان كل ما مر «لا ريب فيه» و «هدى للمتقين» تأكيدا لذلك الكتاب فلا يظهر وجه لفصل هدى للمتقين من لا ريب فيه؛ إذ الممتنع عطف المؤكد على المؤكد، لا عطف تأكيد على تأكيد بل العطف فيه أنسب.
وكأنه لهذا لم يلتفت الزمخشري إلى هذا الاحتمال الذي اختاره «المفتاح» والمصنف، وجعل «لا ريب فيه» تأكيد ذلك الكتاب، و «هدى للمتقين» تأكيد «لا ريب فيه»، وحينئذ فصل الجملة متّجه بلا إشكال.
هذا ونقول والله المستعان: ويا للكبوة من أشجع الفرسان فيما هو المستوى عن الميدان، ولولا فضل الله فالإنسان هو الإنسان إنما عدل «المفتاح» عن توجيه الزمخشري؛ لأنه لا يوجد لتأكيد التأكيد نظير في المفردات عند الجمهور؛ فإنهم نصوا على أن التأكيدات المجتمعة كلها للمؤكد كالصفات المتتالية بموصوف، نعم ابن برهان على أن التأكيد بعد التأكيد تأكيد للتأكيد، وهي المقيس عليه للجمل وكأن الزمخشري تبع مذهب ابن برهان، وكما لا يعطف المؤكد على المؤكد لا يعطف تأكيد على تأكيد، فلا يقال: جاءني قوم كلهم، وأجمعون على أنه يكفي في فصل التأكيد عن التأكيد إيهام العطف على المؤكد هذا، ولكن زيد في أسباب الفصل ما غفلوا عنه، وهو كون الجملتين المتواليتين تأكيدين لشيء فاحفظه وانظمه مع ما ذكروا (أو بدلا منه) عطف على قوله: مؤكدة للأولى، أي:
القسم الثاني من كمال الاتصال بأن تكون الجملة الثانية بدلا من الأولى أبدلت من الأولى؛ (لأنها غير وافية بتمام المراد)، إن وفت ببعض منه بخلاف الثانية فإنها وافية به (أو) لكون الثانية (كغير الوافية) بتمام المراد؛ لكونه مجملا أو خفيّ الدلالة، (بخلاف الثانية) فإنها وافية، لا تشبه غير الوافية، لكونها مفصلة أو واضحة الدلالة. هكذا ينبغي أن يفهم المراد، لا كما ذكره الشارح من أن البدل مطلقا يجب أن يكون وافيا لا يشبه غير الوافي؛ إذ واف يشبه غير الوافي يصلح لجعله بدلا مما لا نفي.
(والمقام يقتضي اعتناء بشأنه) أي: بشأن تمام المراد وجعل الضمير راجعا
стр. 624
إلى المراد يوجب فوت تمام المراد.
قال الشارح: لأن الغرض من الإبدال أن يكون الكلام وافيا بتمام المراد، وهذا إنما يكون فيما يعتني بشأنه.
أقول: لا بد في كل كلام أن يكون وافيا بتمام المراد والبلاغة ينافي فوت بعض المراد، فكون المقام مقتضيا للاعتناء بشأنه لم يعتبر لإيراد ما نفي بتمام المراد، بل لإيراد ما لا يفي به من المبدل منه، فإنه مع وجود البدل يشبه أن يكون المبدل منه لاغيا مهروبا عنه للبليغ، فأشار إلى وجه إيراده بأن المقام يقتضي اعتناء بشأن تمام المراد فيذكر أولا غير الوافي لتصير النفس طالبا لتمامه متشوقا إليه؛ فيتمكن في نفس المخاطب حين ذكره في فصل تمكن.
(لنكتة) النكتة: هي المقام والعبارة تشعر بأنها غيره، فالأولى وهو أي:
المقام كونه إلى آخره وكأنه أراد بالمقام غير ما يتعارف من الحال، بل ما كان التكلم (ككونه مطلوبا في نفسه) الأولى ترك قوله في نفسه فإنه يكفي كونه مطلوبا سواء أكان مطلوبا في نفسه أو ذريعة إلى غيره، (أو فظيعا) هايلا لو ذكر أول مرة من غير سبق المبدل، ربما لا يحيط به الذهن ويذهل عن ضبطه لفظاعته، (أو عجيبا) يمنع التعجب منه حرزه في أول السماع من غير تقدمة وتوطئة (أو لطيفا) لا يتمكن في البصيرة للطافته بدون المكث في طلبه وتعقله زمانا فينزل الثانية من الأولى منزلة بدل البعض أو الاشتمال، ويسمى في هذا الفن بدلا، وبيان المصنف ناظر إلى أنه لم يعتبر بدل الكل، وكلام «المفتاح» ساكت عنه.
ومن أمثلة «المفتاح» للبدل قوله تعالى: بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١) قال: فصل قالُوا أَإِذا مِتْنا (عن) قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ؛ لقصد البدل. ومنها قوله تعالى اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢) قال: لم يعطف اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ للبدل.
وجزم الشارح المحقق والسيد السند في شرح «المفتاح» أن المثال الثاني بدل
стр. 625
الكل، مع أن المصنف صرح بأنه من بدل الاشتمال، وجعل السيد المثال الأول أيضا منه، لكنه قال الشارح في الشرح اقتداء بالإيضاح: ولم يعتبر بدل الكل؛ لأنه لا يتميز عن التأكيد إلا بأن لفظه غير لفظ متبوعه، وأنه المقصود بالنسبة دونه بخلاف التأكيد، وهذا المعنى مما لا تحقق له في الجملة التي لا محل لها من الإعراب، وأيده السيد السند بأن الجملة التي تعتبر مؤكدة وإن ناسبت التأكيد لفوت القصد بالنسبة مع أن استيناف القصد الذي في الجمل بمنزلة القصد بالنسبة يتحقق فيها ناسبت بدل الكل أيضا بالمغايرة في اللفظ والاتحاد في المعنى لم يجعل بدل الكل؛ لأن العمدة في البدل هو الكون مقصودا بالنسبة وقد فاتت.
أقول: فيما ذكره الشارح نظر من وجوه: أحدها: أنه لا ينحصر الامتياز عن التأكيد فيما ذكره، بل منه الامتياز بأن البدل في حكم تكرير العامل نعم إنه أيضا منتف في جمل لا محل لها من الإعراب.
وثانيها: أنه لا يتميز عن مطلق التأكيد بأن لفظهما يغاير الجملة الأولى؛ إذ من التأكيد ما يغاير لفظه لفظ المؤكد، وهو التأكيد المعنوي، وربما ينزل الجملة منزلة التأكيد المعنوي كما عرفت.
وثالثها: أن ما ذكره جاز في البيان؛ إذ البيان لا يتميز عن التأكيد إلا بأن لفظه غير لفظ الأول؛ فينبغي أن لا يعتبر، ولا يخفى أن إسقاط بدل الكل عن الاعتبار لإغناء البيان عنه أولى بالاعتبار؛ إذ التباس البيان بالبدل مشتهر. وقد تصدى النحاة بنصب علامة للتمييز بينهما دون البدل والتأكيد، فالتمسك في عدم اعتباره بعدم تمييزه عن التأكيد دون البيان ينبيء عن الغفلة (نحو:
أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) (١) مثال للمنزل منزلة بدل البعض كما نبه عليه (فإن المراد التنبيه على نعم الله تعالى، والثاني أوفى بتأديته)؛ لأن الأولى وإن كانت أشمل، لكن الثانية أوفى في ذلك البعض؛ (لدلالته عليها بالتفصيل من غير إحالة على علم المخاطبين المعاندين).
الأولى ترك المعاندين؛ لأن الأظهر أن التنبيه ليس مخصوصا بهم، بل يشمل المعترفين ليزيدوا في الشكر ويتمكنوا من الاعتراف (فوزانه وزان وجهه في:
стр. 626
أعجبني زيد وجهه؛ لدخول الثاني في الأول) كما لا يخفى لأن الأول يشمل على ما لا يحصى.
وللآية احتمال آخر في غاية الدقة والحسن، وهو أن (ما) في قوله (ما تعلمون) مصدرية، أي: أمدكم بعلمكم وتمييزكم من بين الحيوانات الشهوية بأنكم من ذوي العلم، أمدكم بأنعام. الآية، نبّه على الإمداد في العالم الروحاني، وعلى الإمداد في العالم الجسماني.
ولما كان بين الإمدادين من التباين والتفاوت فصل الجملتين تنزيلا للتباين منزلة عدم التناسب، ولو جعل ما موصولة فالأشبه أنه من ذكر الخاص بعد العام؛ لصرفه في نظر المخاطبين المعاندين لكمال شغفهم بها.
والشايع فيه عطف الخاص على العام، ولما أعاد العامل استغنى به عن العاطف فهذه من جهات الفصل جريت بأن يجعلها نصب العين، وإن أهملوه من البين وما ينزل منزلة بدل الاشتمال ما أشار بقوله (نحو:
أقول له ارحل لا تقيمنّ عندنا: وإلا)
أي: وإن لم ترحل.
(فكن في السّرّ والجهر مسلما) (١)
أي: منقادا، والإسلام الانقياد. وفي الشرح أي: كن كالمسلم في استواء حالته في الدين، على خلاف المنافق المتدين في الملاء غير المتدين في الخلاء (فإن المراد) أي: المقصود (به) والغرض من استعماله فالمراد بمعنى الغرض لا ما استعمل فيه اللفظ (كمال إظهار الكراهة) أي: كمال إظهار كمال الكراهة (لإقامته) أي: إقامة المخاطب (وقوله: لا تقيمن عندنا أوفى بتأديته) أي:
تأدية الغرض من الاستعمال؛ (لدلالته عليه) أي: على الكراهة وتذكير الضمير لعدم الاعتداد بتأنيث المصدر، وبما قررنا لم يلزم كون إظهار الكراهة ما استعمل فيه اللفظ مع ظهور بطلانه، كما لزم على من جعل ضمير عليه لكمال إظهار الكراهة (بالمطابقة) أي: بالدلالة الواضحة التي صارت في الوضوح
стр. 627
كالمطابقة، وإلا فمعنى: «لا يقيمن»، النهي عن الإقامة، وهو ليس عين الكراهة.
ومما يوضح الكراهة قوله: «عندنا»، فإنه يدل على أنه لا يرضى بالمقارنة والمصاحبة ويستهجن رؤيته.
وقال الشارح: تعارف هذا اللفظ في الكراهة الشديدة للكراهة من غير طلب الكفّ عن الإقامة مع التأكيد (مع التأكيد) الظاهر جدّا في الكراهة الشديدة (فوزانه وزان حسنها في: أعجبنا الدار حسنها؛ لأن عدم الإقامة مغاير للارتحال) فلا يكون تأكيدا ولا بيانا (وغير داخل فيه مع ما بينهما من الملابسة) والملازمة، ووجه كونه مثالا لجمل لا محل لها من الإعراب قد عرف.
(أو بيانا) أي: القسم الثالث من كمال الاتصال بأن تكون الجملة الثانية بيانا (لها) للأولى فينزل منزلة عطف البيان من متبوعه في إفادة الإيضاح فلا يعطف عليها، كما لا يعطف موضع الشيء عليه فإما أن يذكر في كلمة بعد كلمة أي أو بدونها وبعد أن جعل المفتاح، أي المفسرة من الحروف العاطفة لا يصح منه جعل كون الثانية بيانا للأولى من موجبات الفصل (لخفائها) يعني يتوقف البيان على كون الأولى خفيا، وفيه بحث لأنه ربما يطلب به مزيد الإيضاح دون إزالة الخفاء (نحو: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (١) وتشبه أن يكون الآية من بدل البعض؛ لأن وسوسة الشيطان كان أكثر مما ذكر، فما ذكره بعض مما قبله (فإن وزانه وزان عمر في:
أقسم بالله أبو حفص عمر) (٢) الملايم لما سبق، فوزانه وكون الجملة الثانية بيانا للأولى أعم من أن يكون بتمامها بيانا لتمام الأولى، أو تكون بتمامها بيانا لجزء الأولى أو تكون جزءا منها بيانا لجزء الأولى، فإن قوله (قال يا آدم) بيان (لوسوس إليه) ولا خفاء في الشيطان ولا مدخل لتقييد الوسوسة به في البيان، وما قال الشارح المحقق من أنه لو لم يقيد قوله: قال بالشيطان لم يصلح تفسيرا لقوله:
стр. 628
وسوس؛ لأنها القول الخفي لإضلال، وقال أعم فلا بد من تقييده بالفاعل حتى يصلح تفسيرا؛ لأنه بالتقييد بالشيطان ينفهم كونه للإضلال، وكونه خفيا لا يتم؛ لأن البيان يكفي فيه كونه مقيدا بوضوح مع أنه يزيد عليه المبين بوضوح فيحصل من اجتماعهما مزيد إيضاح كما تقرر في النحو، وكذا ما قال السيد السند حيث قال: بل نقول لا بد في الثاني من ملاحظة التعلق بالمفعول أيضا حتى يصلح بيانا للأولى ولا شبهة أن القول المقيد بهذا الفاعل والمفعول ليس بيانا لمطلق الوسوسة ولا لوسوسة الشيطان بل لوسوسة لآدم- ﵇ فالنسبة بالبيانية إنما هي بين الجملتين دون مجرد الفعلين فيه ضعف؛ لأنه يصح بيان المطلق بالمخصوص فيصح أن يكون القول المقيد بمفعولية بيانا للوسوسة المطلقة، والقول المقيد بالمفعول ليس جملة؛ إذ المفعول من متعلقات المسند فلا يلزم أن تكون النسبة بالبيانية بين الجملتين.
فإن قلت: لو كان البيانية من موجبات القطع كيف جاء قوله تعالى:
يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ (١) في سورة وفي أخرى وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ (٢).
قلت: أريد مع الفصل بقوله: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ مطلق العذاب، سواء كان باعتبار أنفسهم أو محبوبهم فجاء يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ بيانا له، ومع الوصل عذابا كان واردا على أنفسهم وحينئذ ويُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ مغاير له مستحق للعطف لا للبيان.
وقال الشارح المحقق: ربما ينزل فرد الشيء لأن فيه زيادة ظاهرة على باقي أفراد الجنس منزلا منزلة أنه من جنس آخر فيعطف عليه لادعائي المغايرة، فالعطف إنما ورد على خلاف مقتضى الظاهر ومقتضى الظاهر الفصل، وأنت تعرف ما له الفصل
[وأما كونها كالمنقطعة عنها]
(وأما كونها) أي: الثانية (كالمنقطعة عنها) أي: عن الأولى (فلكون عطفها عليها موهمة لعطفها على غيرها) مما يؤدي إلى فساد المعنى، وإنما قيدناه به؛ لأن قولنا: زيد قائم وعمرو قاعد وبكر ذاهب، مما يوهم فيه عطف الجملة
стр. 629
الثالثة على جملتين سابقتين عطفها على الأخرى، لكن لا فساد فيه.
ولا يتفاوت المعنى فلا يبالى بهذا الإيهام. وأيضا لو كان مطلق إيهام غير المقصود مردودا لما صح الفصل لدفع إيهام غير المقصود، مع أنه مع الفصل يحتمل الاستيناف، وفيه إيهام الاستيناف الغير مقصود، والمراد بالإيهام إما الدلالة الضعيفة فحينئذ يتبادر العطف على الغير أو الشك فيه، ويكون معلوما بطريق الأولى.
وإما التغيير بالإيهام لكون المدلول ضعيفا فاسدا، وحينئذ يشمل الكل.
قال الشارح المحقق: وشبه هذا بكمال الانقطاع بأنه يشتمل على مانع العطف كما أن المختلفتين إنشاء وخبرا والمتفقتين اللتين لا جامع بينهما ليشمل على مانع، لكن هذا دونه؛ لأن المانع في هذا خارجي، ربما يمكن دفعه بنصب قرينة أقول ما ذكر من وجه الشبه مشترك بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع ومحوج إلى التمسك بأنه كمن اتجه له طريقان، فالأولى أن يقال: وجه الشبه تغاير الجملتين مع الاشتمال على مانع العطف، ونحن نقول: وجه الشبه أن فيه إيهام خلاف المقصود، كما أن في عطف الجملتين المختلفتين خبرا وإنشاء إيهام اتفاقهما معنى؛ لأنه الشايع، وفي عطف غير المشتملتين على الجامع إيهام الجامع والأدق أن يقال: لمعارضة إيهام خلاف المقصود وجود الجامع الحق الجامع بالعدم، وشابه الجملتان الغير المنقطعتين الجملتين المنقطعتين بعدم الجامع (ويسمى الفصل لذلك قطعا) لأن الجملتين كانتا متصلتين لوجود التناسب والجامع فقطع لمانع، فالفصل فيه كأنه قطع متصل (مثاله [وتظنّ سلمى أنني أبغي بها) أي:
بدلها (بدلا أراها) على صيغة المجهول شاع في الظن أي: أظنها (في الضّلال) أي: في سلوك طريق لا يوصل إلى المطلوب (تهيم)] (١) أي: تتحير، وإنما جعل ضلالها مظنونا مع أن المناسب دعوى اليقين تحرزا عن دعوى التيقن في ضلالها وإشعار بأن غاية الجرأة دعوى الظن أو لأنه لا يروج منه دعوى اليقين في
стр. 630
براءة ذمته عن مظنون سلمى، يعني فصل أراها عن قوله تظن سلمى مع اتفاقهما خبرا واتحاد المسند فيهما وتناسب المسند إليه لهما؛ لأن الأول محبوب، والثاني محب، فبينهما تضايف أو تقارن في الخيال؛ لأن العطف يوهم خلاف المقصود، وهو عطف أراها على أبغي وهو أقرب ولكونه كالمفرد العطف عليه كعطف المفرد على المفرد لا يقال لا مناسبة بين مسند أبغي وأراها، وكفى ذلك في نفي التوهم؛ لأنا نقول: كفى بالمناسبة كونه متعلق الظن، وفيه أن اختيار الفصل على العطف لذلك إنما يتمشى لو لم يكن في الفصل أيضا إيهام خلاف المقصود، ولا خفاء في احتمال كون أراها حالا عن فاعل أبغي وخبرا بعد خبر لأن إلا أن يقال الأصل في الجملة أن لا تخرج عن الاستقلال، والأصل هو الفصل، فإذا منع المانع عن العارض الذي هو العطف يختار الأصل بمرجح الأصالة وإن لم يخل عن مانع كان مع العطف فليتأمل.
في المفتاح: ولا يصح جعل الفصل لرعاية الوزن؛ لأنه ليس هناك أي ليس في مرتبة الداعي المعنوي فمع وجوده لا يستند صنع البليغ إلى الأمر اللفظي، ويعلم منه أن من نكات الفصل رعاية الوزن (ويحتمل الاستيناف) كأنه قيل: كيف يراها في هذا الظن فقال: أراها متحير في أودية الضلال
[وأما كونها كالمتصلة بها]
(وأما كونها) أي:
الثانية (كالمتصلة بها) بالأولى (فلكونها) أي: الثانية (جوابا لسؤال اقتضته الأولى، فتنزل) الأولى (منزلته) أي: منزلة السؤال؛ لأنه كلفظ السؤال في إفادة معناه (فتفصل) الثانية (عنها، كما يفصل الجواب عن السؤال) لما بينهما من الاتصال، كذا في الشرح، فقوله: كالمتصلة معناه كالمتصلة الكاملة، وإلا فبالتنزيل يحصل الاتصال؛ ولهذا قيد الاتصال سابقا بالكمال أو كمال الاتصال عبارة عن الاتصال الحقيقي.
ولم يقتصر على الاتصال وأدرج لفظ الكمال لحسن مقابلة الاتصال بشبه الاتصال؛ لأن الاتصال التنزيلي اتصال ناقص، وهذا يشعر بأن من موجبات كمال الاتصال كون الجملتين سؤالا وجوابا، وإنما لم يعد ذلك في تفصيل كمال الاتصال؛ لأن الجواب والسؤال لا يحتاج الفصل فيهما إلى اعتباره؛ لأنهما يكونان في كلام متكلمين فالجواب أبدا ابتداء كلام غير مسبوق بما يعطف عليه،
стр. 631
فلم يحتج إلى اعتبار اتصاله بالسؤال، فعلى هذا يمكن أن يكون وجه قوله فيفصل عنها، كما يفصل الجواب عن السؤال أنه يفصل عنها لكونها ابتداء كلام، ولكن لا يلايم ذلك جعل هذا القسم كالمتصلة، بل ينبغي تسميتها كالمبتدأ، والأمر فيه بيّن هيّن، ولك أن تقول اتصال الجواب والسؤال داخل في قولهم: أو بيانا لها؛ لأن الجواب بيان مبهم السؤال، ويمكن أن يجعل وجه فصل الثانية عن المنزّل منزلة السؤال أنه كالبيان له؛ لأنه يتبين به لأنه تضمنت السؤال.
ومنهم من جعل هذا القسم كالمنقطعة وادعى أن فصل الجواب عن السؤال لكمال الانقطاع بينهما لاختلافهما خبرا وإنشاء؛ ولهذا لم يعد الجواب والسؤال عن مواقع الفصل لاندراجهما تحت كمال الانقطاع، وليس بشيء لانتقاضه بقولك:
اضرب زيدا في جواب من أضرب؟ ؛ لأن الفصل فيه ليس باختلافهما خبرا وإنشاءا.
واعلم أن تنزيل الأولى منزلة السؤال من تصرفات المصنف، وأما غيره فاكتفى بمجرد تضمنها السؤال، ولا يخفى أن ما اعتبره بجعل الدواعي إلى الفصل أقوى، فقول الشارح بأنه لا حاجة إلى ذلك التنزيل تزييف لما هو الأحرى، ورفض لما اعتباره في نظير البليغ أولى، ولا يذهب عليك أن ما ذكره السكاكي من نكات التنزيل منزلة الواقع من نكات التنزيل منزلة السؤال.
ولا يبعد أن يكون قصد المصنف من نقله الإشارة إلى نكات ذلك التنزيل أيضا (قال السكاكي: فينزل ذلك) السؤال المدلول عليه (منزلة السؤال الواقع لنكتة كإغناء السائل عن أن يسأل أو) لأن (لا يسمع عنه شيء) كراهة سماع كلامه أو أن لا ينقطع كلامة بكلامه، ولا ينفك عن اتصاله ونظامه أو القصد إلى إفادة كثير بلفظ قليل إلى غير ذلك، والمقصود من نقل كلام السكاكي بيان أنه جعل الفصل بجعل المقدر كالمذكور، ففصل الجواب عنده عن السؤال المقدر لا عن الجملة الأولى بخلاف ما اعتبره المصنف حيث نزّل الجملة السابقة منزلة السؤال فإن الفصل عنها، وهذا أنسب بعبارة كالمتصلة بها وجعل وجه الفصل شبه كمال الاتصال بينهما (ويسمى الفصل لذلك استينافا).
وهذه التسمية تشعر بما ذكرنا من أن الفصل لكونه ابتداء كلام غير مسبوق بما
стр. 632
يعطف عليه لا لاتصاله بالسابق.
(وكذا) الجملة (الثانية) فالاستيناف لفظ مشترك، والمختص بالثانية المستأنفة (وهو) أي: الاستيناف بالمعنى الأول؛ لأن الكلام في الفصل والوصل ظاهر أو إن كان مرجع البحث إلى اللفظ فافهم.
(على ثلاثة أضرب) اختاره على ضروب؛ لأن المختار في تمييز العدد جمع القلة إذا وجد ليطابق اللفظ والمعنى، والضرب: النوع وتنوع الاستيناف لتنوع السؤال المقدر (لأن السؤال إما عن سبب الحكم مطلقا) لا عن خصوص سبب فيجاب بأي سبب كان، سواء كان سببا بحسب التصور كالتأديب للضرب أو سببا بحسب الخارج (نحو:
قال لي كيف أنت قلت عليل ... سهر دائم وحزن طويل (١)
أي: ما سبب علتك أو ما بالك؟ ) أي: ما شأنك؟ (عليلا) أي:
مع أي سبب أنت فإنه ينشأ من صدر البيت السؤال عن سبب العلة فإن العادة التفحص عن سبب علة العليل.
ولك أن تجعل السؤال عن حاله لتستدل به عن سبب علته فيكون من القسم الثالث، والأظهر أن قوله: سهر دائم خبر بعد خبر، ووصف لنفسه بالمرض والسهر الدائم والحزن الطويل، وتنبيه على أن مرضه مما لا يرجى فيه الصحة.
ولا يخفى أن هذا القسم يقتضي عدم التأكيد لما مر من أن الكلام الابتدائي لا يؤكد، ولا وجه لإهماله هنا، وبيانه في القسم الثاني (وإما عن سبب خاص) للحكم (نحو: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ (٢) كأنه قيل:
هل النفس أمارة بالسوء)؟ فقيل: نعم، إن النفس لأمارة بالسوء.
(وهذا الضرب يقتضي تأكيد الحكم كما مر) في الإيضاح في باب أحوال الإسناد الخبري في الشرح من أن المخاطب إذا كان مترددا في الحكم طالبا له حسن
стр. 633
تقويته بمؤكد؛ فعلم أن المراد بالاقتضاء هنا الاستحسان لا الوجوب.
هذا والنكتة في التعبير بالاقتضاء أن المستحسن في باب البلاغة كالواجب، ولا يتأتى للبليغ تركه.
ونحن نقول معنى قوله كما مر أنه إن كان سؤال السائل مع الشك حسن المؤكد، وإن كان مع الإنكار وجب التوكيد بحسنه إلا أن يجري الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، والظاهر أن المثال للمنكر إنكارين حيث أكد الكلام باللام وإن، وكأن أحد الإنكارين إنكار أمر بعض النفوس بالسوء، والآخر كون البعض كثير الأمر به.
وهذا كله على طبق ما تقرر فيما بينهم أن المقدر هل النفس أمارة بالسوء، والحق أن الناشيء من السابق ليس إلا أنه ما سبب عدم تبريئك إما أن السبب أنها أمارة أو أنها منقادة لمن يأمر بالسوء وأنك تخاف من المخالفين تكذيبك ما لا يخطر بالبال، فتقدير هل النفس أمارة بالسوء تكلف، والأظهر تقدير ما سبب عدم تبريئك، إلا أنه أكد الجواب؛ لأنه في معرض الإنكار على ما بين، فالكلام مع خالي الذهن المنزل منزلة المنكر إنكارين، وفي الشرح فإن قلت: اعبد ربك إن العبادة حق له، فهو جواب للسؤال عن سبب خاص، أي: هل العبادة حق له؟ ، وإذا قلت: فالعبادة حق له فهو بيان ظاهر لمطلق السبب، ووصل ظاهر لحرف موضوع للوصل.
وإذا قلت: العبادة حق له، فهو وصل خفيّ تقديري والاستيناف جواب لسؤال عن مطلق السبب، أي: لم يأمرنا بالعبادة له؟ وهذا أبلغ الوصفين وأقواهما فتتفاوت هذه الثلاثة بحسب تفاوت المقامات، وكأن مراده بوصل ظاهر بحرف موضوع للوصل ربط ظاهر لا الوصل الذي نحن فيه؛ لأن الفاء في قوله فالعبادة حق له للتعليل لا عاطفة، ولا يخفى أن الأول أيضا وصل خفي تقديري لا تفاوت بينه وبين الثالث في ذلك.
(وأما عن غيرهما) إما مطلقا فلا يقتضي تأكيدا، وإما عن غير خاص فيقتضي التأكيد على ما مر، وكأنه اكتفى بانسياق الذهن من تقسيم السبب إليه، ومع ذلك أشار إلى القسمين بالمثالين، إلا أنه أورد من الخاص مثالا لا
стр. 634
يقتضي التأكيد، وكان ينبغي أن يأتي بمثال يقتضي التأكيد، وستعرف حقيقة الحال في المثال الثاني (نحو قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ (١) أي: فإذا قال إبراهيم) فأجاب بأنه حياهم بتحية أحسن من تحيتهم عارية عن الثبات والدوام لفعليتها وتحيته دالة عليه لاسميتها.
(وقوله: [زعم) أكثر استعماله في الاعتقاد الباطل، وقد يستعمل في الحق على ما في القاموس (العواذل) أي: الجماعات العواذل، أما الرجال كما هو ظاهر صدقوا أو الرجال والنساء فصدقوا تغليب (أنّني في غمرة) أي: شدة (صدقوا) فالزعم استعمل في الاعتقاد الحق. قال الشارح: ولما كان هذا مظنة أن يتوهم أن غمرته مما ستتكشف كما هو شأن أكثر الغمرات والشدايد استدركه بقوله: (ولكن غمرتي لا تنجلى)] (٢).
ففصل قوله: صدقوا عما قبله لكونه استينافا جوابا للسؤال عن غير السبب، كأنه قيل: أصدقوا في هذا الزعم أم كذبوا؟ فقيل: صدقوا.
هذا وهكذا في «المفتاح» «فح» وجه عدم التأكيد أن السؤال عن التصور، والتصور لا يطلب التأكيد.
ونازع السيد السند في كون الهمزة وأم سؤالا عن التصور، فكان مقتضى الظاهر التأكيد، وقد حققنا أنه طالب التصور فتذكر، لكن نقول: إذا دار الكلام بين النفي والإثبات لا معنى للسؤال بالهمزة وأم؛ إذ لا معنى لإظهار حصول التصديق بأحدهما؛ لأنه مفروغ عنه يعرفه كل أحد، ألا ترى أنه لا يقال: أزيد قام أم لم يقم؟ والمتعارف في مثله السؤال عن جانب يهتم به، فيقال: أصدقوا؟ وحينئذ يجب التأكيد للمتردد فيه، ويكون ترك التأكيد؛ لأن ظهور حاله يدفع التردد والشك.
والأوجه أن المراد زعم العواذل أنني في غمرة ينكشف؛ لأن العزل يدفع الغمرة فلولا زعم الانكشاف لم يتحقق، فالزعم حينئذ في معناه المشهور، ولما كان
стр. 635
زعمهم مركبا سأل أنهم هل صدقوا؟ فأجاب بأنهم صدقوا في البعض، وكذبوا في البعض؛ فقوله: صدقوا إشارة إلى صدقهم في كونه في الغمرة. وقوله: [ولكن غمرتي لا تنجلي]، إشارة إلى كذبهم في اعتقاد الانجلاء.
هكذا ينبغي أن تحقق المقام وهذا شأن من ليس في ربقة التقليد في غاية الاستحكام.
(وأيضا) نبه به على أنه تقسيم مستأنف، وليس من دواخل التقسيم السابق، ونبه بقوله (منه) على أنه لم يتصد فيه لحصر الأقسام؛ إذ منه ما يأتي بصفته التي لا يترتب عليه الحكم، ومنه ما يأتي باسمه مع الوصف الذي يترتب عليه الحكم لا تقول الأول داخل فيما يبنى على صفته، والثاني فيما يأتي بإعادة الاسم؛ لأن المراد بالوصف ما يترتب عليه الحكم، وبالاسم مجرد الاسم بقرينة قوله: وهذا أبلغ منه، ولم يستوف الأقسام؛ لأن بعض ما بقي ملحق بالأول والبعض ملحق بالثاني في الأحكام إلحاقا بينا لا يخفى على ذوي الأفهام.
(ما يأتي بإعادة اسم) المراد بالاسم ما يقابل الصفة، أي: لفظ دال على ذات في غاية الإبهام باعتبار معنى هو المقصود (ما استؤنف) أي: ابتدأ (عنه) وكأن «عن» بمعنى «من»، والمراد بمفعوله الذي بلا واسطة هنا الكلام حذف على ما قاله الشارح لظهور المرام، والمفعول بواسطة نائب عن الفاعل، وليس التقدير أوقع الاستيناف عنه فيكون من قبيل حبل بين العير والنزوان كما يوهمه كلام الشارح؛ لأنه لا داعي إليه، بل نقول مفعوله الأول ضمير مستتر راجع إلى ما رجع إليه ضمير منه، أي: ما استؤنف الاستيناف منه، إذ مفعوله الأول يكون الحديث، والاستيناف حديث (نحو: أحسنت) على صيغة الخطاب على ما ذكره الشارح المحقق.
ومع ذلك جعل السؤال المقدر لماذا أحسن إليه إما على صيغة المتكلم أو الماضي المجهول فيكون المخاطب سائلا عن سبب إحسانه مع أنه أعلم بسبب ما فعله فيحتاج توجيه سؤاله إلى أن يجعل مبنيا على النسيان أو امتحان المخبر هل يعرف السبب أو لا؟ ، وهو بعيد وليس لك أن تقدر السؤال من قبيل السامع دون المخاطب لأنه يأباه قوله: صديقك، وكان الواجب حينئذ صديقه القديم؛