فلم يحتج إلى اعتبار اتصاله بالسؤال، فعلى هذا يمكن أن يكون وجه قوله فيفصل عنها، كما يفصل الجواب عن السؤال أنه يفصل عنها لكونها ابتداء كلام، ولكن لا يلايم ذلك جعل هذا القسم كالمتصلة، بل ينبغي تسميتها كالمبتدأ، والأمر فيه بيّن هيّن، ولك أن تقول اتصال الجواب والسؤال داخل في قولهم: أو بيانا لها؛ لأن الجواب بيان مبهم السؤال، ويمكن أن يجعل وجه فصل الثانية عن المنزّل منزلة السؤال أنه كالبيان له؛ لأنه يتبين به لأنه تضمنت السؤال.
ومنهم من جعل هذا القسم كالمنقطعة وادعى أن فصل الجواب عن السؤال لكمال الانقطاع بينهما لاختلافهما خبرا وإنشاء؛ ولهذا لم يعد الجواب والسؤال عن مواقع الفصل لاندراجهما تحت كمال الانقطاع، وليس بشيء لانتقاضه بقولك:
اضرب زيدا في جواب من أضرب؟ ؛ لأن الفصل فيه ليس باختلافهما خبرا وإنشاءا.
واعلم أن تنزيل الأولى منزلة السؤال من تصرفات المصنف، وأما غيره فاكتفى بمجرد تضمنها السؤال، ولا يخفى أن ما اعتبره بجعل الدواعي إلى الفصل أقوى، فقول الشارح بأنه لا حاجة إلى ذلك التنزيل تزييف لما هو الأحرى، ورفض لما اعتباره في نظير البليغ أولى، ولا يذهب عليك أن ما ذكره السكاكي من نكات التنزيل منزلة الواقع من نكات التنزيل منزلة السؤال.
ولا يبعد أن يكون قصد المصنف من نقله الإشارة إلى نكات ذلك التنزيل أيضا (قال السكاكي: فينزل ذلك) السؤال المدلول عليه (منزلة السؤال الواقع لنكتة كإغناء السائل عن أن يسأل أو) لأن (لا يسمع عنه شيء) كراهة سماع كلامه أو أن لا ينقطع كلامة بكلامه، ولا ينفك عن اتصاله ونظامه أو القصد إلى إفادة كثير بلفظ قليل إلى غير ذلك، والمقصود من نقل كلام السكاكي بيان أنه جعل الفصل بجعل المقدر كالمذكور، ففصل الجواب عنده عن السؤال المقدر لا عن الجملة الأولى بخلاف ما اعتبره المصنف حيث نزّل الجملة السابقة منزلة السؤال فإن الفصل عنها، وهذا أنسب بعبارة كالمتصلة بها وجعل وجه الفصل شبه كمال الاتصال بينهما (ويسمى الفصل لذلك استينافا).
وهذه التسمية تشعر بما ذكرنا من أن الفصل لكونه ابتداء كلام غير مسبوق بما
стр. 632
يعطف عليه لا لاتصاله بالسابق.
(وكذا) الجملة (الثانية) فالاستيناف لفظ مشترك، والمختص بالثانية المستأنفة (وهو) أي: الاستيناف بالمعنى الأول؛ لأن الكلام في الفصل والوصل ظاهر أو إن كان مرجع البحث إلى اللفظ فافهم.
(على ثلاثة أضرب) اختاره على ضروب؛ لأن المختار في تمييز العدد جمع القلة إذا وجد ليطابق اللفظ والمعنى، والضرب: النوع وتنوع الاستيناف لتنوع السؤال المقدر (لأن السؤال إما عن سبب الحكم مطلقا) لا عن خصوص سبب فيجاب بأي سبب كان، سواء كان سببا بحسب التصور كالتأديب للضرب أو سببا بحسب الخارج (نحو:
قال لي كيف أنت قلت عليل ... سهر دائم وحزن طويل (١)
أي: ما سبب علتك أو ما بالك؟ ) أي: ما شأنك؟ (عليلا) أي:
مع أي سبب أنت فإنه ينشأ من صدر البيت السؤال عن سبب العلة فإن العادة التفحص عن سبب علة العليل.
ولك أن تجعل السؤال عن حاله لتستدل به عن سبب علته فيكون من القسم الثالث، والأظهر أن قوله: سهر دائم خبر بعد خبر، ووصف لنفسه بالمرض والسهر الدائم والحزن الطويل، وتنبيه على أن مرضه مما لا يرجى فيه الصحة.
ولا يخفى أن هذا القسم يقتضي عدم التأكيد لما مر من أن الكلام الابتدائي لا يؤكد، ولا وجه لإهماله هنا، وبيانه في القسم الثاني (وإما عن سبب خاص) للحكم (نحو: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ (٢) كأنه قيل:
هل النفس أمارة بالسوء)؟ فقيل: نعم، إن النفس لأمارة بالسوء.
(وهذا الضرب يقتضي تأكيد الحكم كما مر) في الإيضاح في باب أحوال الإسناد الخبري في الشرح من أن المخاطب إذا كان مترددا في الحكم طالبا له حسن
стр. 633
تقويته بمؤكد؛ فعلم أن المراد بالاقتضاء هنا الاستحسان لا الوجوب.
هذا والنكتة في التعبير بالاقتضاء أن المستحسن في باب البلاغة كالواجب، ولا يتأتى للبليغ تركه.
ونحن نقول معنى قوله كما مر أنه إن كان سؤال السائل مع الشك حسن المؤكد، وإن كان مع الإنكار وجب التوكيد بحسنه إلا أن يجري الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، والظاهر أن المثال للمنكر إنكارين حيث أكد الكلام باللام وإن، وكأن أحد الإنكارين إنكار أمر بعض النفوس بالسوء، والآخر كون البعض كثير الأمر به.
وهذا كله على طبق ما تقرر فيما بينهم أن المقدر هل النفس أمارة بالسوء، والحق أن الناشيء من السابق ليس إلا أنه ما سبب عدم تبريئك إما أن السبب أنها أمارة أو أنها منقادة لمن يأمر بالسوء وأنك تخاف من المخالفين تكذيبك ما لا يخطر بالبال، فتقدير هل النفس أمارة بالسوء تكلف، والأظهر تقدير ما سبب عدم تبريئك، إلا أنه أكد الجواب؛ لأنه في معرض الإنكار على ما بين، فالكلام مع خالي الذهن المنزل منزلة المنكر إنكارين، وفي الشرح فإن قلت: اعبد ربك إن العبادة حق له، فهو جواب للسؤال عن سبب خاص، أي: هل العبادة حق له؟ ، وإذا قلت: فالعبادة حق له فهو بيان ظاهر لمطلق السبب، ووصل ظاهر لحرف موضوع للوصل.
وإذا قلت: العبادة حق له، فهو وصل خفيّ تقديري والاستيناف جواب لسؤال عن مطلق السبب، أي: لم يأمرنا بالعبادة له؟ وهذا أبلغ الوصفين وأقواهما فتتفاوت هذه الثلاثة بحسب تفاوت المقامات، وكأن مراده بوصل ظاهر بحرف موضوع للوصل ربط ظاهر لا الوصل الذي نحن فيه؛ لأن الفاء في قوله فالعبادة حق له للتعليل لا عاطفة، ولا يخفى أن الأول أيضا وصل خفي تقديري لا تفاوت بينه وبين الثالث في ذلك.
(وأما عن غيرهما) إما مطلقا فلا يقتضي تأكيدا، وإما عن غير خاص فيقتضي التأكيد على ما مر، وكأنه اكتفى بانسياق الذهن من تقسيم السبب إليه، ومع ذلك أشار إلى القسمين بالمثالين، إلا أنه أورد من الخاص مثالا لا
стр. 634
يقتضي التأكيد، وكان ينبغي أن يأتي بمثال يقتضي التأكيد، وستعرف حقيقة الحال في المثال الثاني (نحو قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ (١) أي: فإذا قال إبراهيم) فأجاب بأنه حياهم بتحية أحسن من تحيتهم عارية عن الثبات والدوام لفعليتها وتحيته دالة عليه لاسميتها.
(وقوله: [زعم) أكثر استعماله في الاعتقاد الباطل، وقد يستعمل في الحق على ما في القاموس (العواذل) أي: الجماعات العواذل، أما الرجال كما هو ظاهر صدقوا أو الرجال والنساء فصدقوا تغليب (أنّني في غمرة) أي: شدة (صدقوا) فالزعم استعمل في الاعتقاد الحق. قال الشارح: ولما كان هذا مظنة أن يتوهم أن غمرته مما ستتكشف كما هو شأن أكثر الغمرات والشدايد استدركه بقوله: (ولكن غمرتي لا تنجلى)] (٢).
ففصل قوله: صدقوا عما قبله لكونه استينافا جوابا للسؤال عن غير السبب، كأنه قيل: أصدقوا في هذا الزعم أم كذبوا؟ فقيل: صدقوا.
هذا وهكذا في «المفتاح» «فح» وجه عدم التأكيد أن السؤال عن التصور، والتصور لا يطلب التأكيد.
ونازع السيد السند في كون الهمزة وأم سؤالا عن التصور، فكان مقتضى الظاهر التأكيد، وقد حققنا أنه طالب التصور فتذكر، لكن نقول: إذا دار الكلام بين النفي والإثبات لا معنى للسؤال بالهمزة وأم؛ إذ لا معنى لإظهار حصول التصديق بأحدهما؛ لأنه مفروغ عنه يعرفه كل أحد، ألا ترى أنه لا يقال: أزيد قام أم لم يقم؟ والمتعارف في مثله السؤال عن جانب يهتم به، فيقال: أصدقوا؟ وحينئذ يجب التأكيد للمتردد فيه، ويكون ترك التأكيد؛ لأن ظهور حاله يدفع التردد والشك.
والأوجه أن المراد زعم العواذل أنني في غمرة ينكشف؛ لأن العزل يدفع الغمرة فلولا زعم الانكشاف لم يتحقق، فالزعم حينئذ في معناه المشهور، ولما كان
стр. 635
زعمهم مركبا سأل أنهم هل صدقوا؟ فأجاب بأنهم صدقوا في البعض، وكذبوا في البعض؛ فقوله: صدقوا إشارة إلى صدقهم في كونه في الغمرة. وقوله: [ولكن غمرتي لا تنجلي]، إشارة إلى كذبهم في اعتقاد الانجلاء.
هكذا ينبغي أن تحقق المقام وهذا شأن من ليس في ربقة التقليد في غاية الاستحكام.
(وأيضا) نبه به على أنه تقسيم مستأنف، وليس من دواخل التقسيم السابق، ونبه بقوله (منه) على أنه لم يتصد فيه لحصر الأقسام؛ إذ منه ما يأتي بصفته التي لا يترتب عليه الحكم، ومنه ما يأتي باسمه مع الوصف الذي يترتب عليه الحكم لا تقول الأول داخل فيما يبنى على صفته، والثاني فيما يأتي بإعادة الاسم؛ لأن المراد بالوصف ما يترتب عليه الحكم، وبالاسم مجرد الاسم بقرينة قوله: وهذا أبلغ منه، ولم يستوف الأقسام؛ لأن بعض ما بقي ملحق بالأول والبعض ملحق بالثاني في الأحكام إلحاقا بينا لا يخفى على ذوي الأفهام.
(ما يأتي بإعادة اسم) المراد بالاسم ما يقابل الصفة، أي: لفظ دال على ذات في غاية الإبهام باعتبار معنى هو المقصود (ما استؤنف) أي: ابتدأ (عنه) وكأن «عن» بمعنى «من»، والمراد بمفعوله الذي بلا واسطة هنا الكلام حذف على ما قاله الشارح لظهور المرام، والمفعول بواسطة نائب عن الفاعل، وليس التقدير أوقع الاستيناف عنه فيكون من قبيل حبل بين العير والنزوان كما يوهمه كلام الشارح؛ لأنه لا داعي إليه، بل نقول مفعوله الأول ضمير مستتر راجع إلى ما رجع إليه ضمير منه، أي: ما استؤنف الاستيناف منه، إذ مفعوله الأول يكون الحديث، والاستيناف حديث (نحو: أحسنت) على صيغة الخطاب على ما ذكره الشارح المحقق.
ومع ذلك جعل السؤال المقدر لماذا أحسن إليه إما على صيغة المتكلم أو الماضي المجهول فيكون المخاطب سائلا عن سبب إحسانه مع أنه أعلم بسبب ما فعله فيحتاج توجيه سؤاله إلى أن يجعل مبنيا على النسيان أو امتحان المخبر هل يعرف السبب أو لا؟ ، وهو بعيد وليس لك أن تقدر السؤال من قبيل السامع دون المخاطب لأنه يأباه قوله: صديقك، وكان الواجب حينئذ صديقه القديم؛
стр. 636
فلذا قال السيد السند: فالواجب أن يكون السؤال المقدر هل هو حقيق بالإحسان؟ ؛ لأنه إذا أخبر بإحسانه اتجه السؤال عن أنه هل وقع موقعه أو لا؟ ، وحينئذ يجب التأكيد فقيل: صديقك القديم حقيق بالإحسان مؤكد بتعليل الحكم بالصفة، هذا لكنه لا يجرى في زيد حقيق بالإحسان فلا بد فيه من تنزيل السائل منزلة غيره لما يقتضيه المقام.
ويرد عليه أيضا أنه أعلم بأنه صديقه القديم فيكون أعلم بأنه حقيق فلا بد من البناء على النسيان أو الامتحان، ولك أن تجعل أحسنت على صيغة التكلم فيكون السؤال من المخاطب الغير المحسن فيتجه بلا خفاء (إلى زيد، زيد حقيق بالإحسان، ومنه ما يبنى على صفته) عدل عن عبارة الكشاف، ومنه ما يأتي بإعادة صفته؛ لأن المراد بالإعادة في عبارته ذكر صفته عبر عنه بالإعادة بطريق المشاكلة لوقوعه في صحته إعادة اسمية فاحترز عن خفاء البيان، لكنه جعل البيان قاصرا؛ لأن البناء لا يشمل تأخير المسند إليه بظاهره فيخرج عنه: أحسنت إلى زيد يستحق صديقك القديم الإحسان (نحو: أحسنت إلى زيد صديقك القديم هل لذلك، وهذا) أي: الاستيناف المبني على الصفة (أبلغ) لاشتماله على بيان سبب الحكم الذي في الجواب، وفرق بين بيان سبب الحكم الذي في الجواب، وبيان سبب الحكم المتضمن للسؤال، فإن قولنا: زيد حقيق بالإحسان بيان لسبب الإحسان إلى زيد مع أنه لا يشتمل على سبب استحقاقه للإحسان، وبهذا ظهر ضعف ما قال الشارح أنه إن كان السؤال في الاستيناف عن السبب فالجواب لا محالة يشتمل على بيانه فلا يترجح جواب على جواب بالاشتمال عليه إذ الكل يشتمل عليه، وإن كان عن غيره فلا معنى لاشتماله على بيان السبب، وقد أجاب بأنه إذا أثبت لشيء حكم، ثم قدّر سؤال عن سببه، وأريد أن يجاب بأن سبب ذلك أنه مستحق لهذا الحكم وأهل له، فهذا الجواب يكون تارة بإعادة اسم ذلك الشيء فيفيد أن سبب الحكم كونه حقيقيا به، وتارة بإعادة صفته فيفيد أن سبب استحقاقه لهذا الحكم هو هذا الوصف، وليس يجري هذا في سائر صور الاستيناف فليتأمل.
هذا كلامه ولا يخفى أن جوابه يخص القسمين بالسؤال عن السبب مع أنهما
стр. 637
يجريان في الجميع، ولولا ذلك ينبغي أن يذكرا قبل السؤال عن غيرهما ويخصهما بما يكون الجواب لاستحقاق مع أنه يجري في غيره كما يقال: أحسنت إلى زيد زيد يدفع أعدائي أو كامل الشجاعة يدفع أعدائي.
والشارح المحقق جعل الأظهر أن اسم الإشارة أشير به إلى الصفة من قبيل الثاني؛ لأنه في معنى الصفة وإن كان اسما؛ ولهذا صح الحكم على الثاني بكونه أبلغ من الأول مطلقا، لكن الضمير الراجع إلى الصفة ليس كالصفة لما عرفت من الفرق بين اسم الإشارة في إحضار الموصوف وبين الضمير، ولا حاجة للخبير إلى التذكير.
(وقد يحذف صدر الاستيناف) الأظهر: وقد يحذف بعض الاستيناف؛ لأنه لا يخص الحذف صدره (نحو قوله) تعالى: يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ (١) لأنه في تقدير يسبحه رجال في جواب: من يسبحه فيها؟ ، كما أشار إليه بقوله (كأنه قيل: من يسبحه؟ ) ولا يخفى أن المحذوف ليس الصدر فقط، بل المفعول والظرف أيضا؛ (وعليه) نبه به على التفاوت بين المثالين، وهو كون المحذوف في أحدهما المسند أو في الآخر المسند إليه، وكون الحذف في الأول جائزا وفي الثاني واجبا، وله وجه آخر يكشف عنه قوله على قول (نعم الرجل زيد على قول) أي: قول من يجعله في تقدير هو زيد، لا على قول من يجعله مبتدأ نعم الرجل.
(وقد يحذف كله إما مع قيام شيء مقامه نحو) قول الحماسي يهجو بني أسد:
زعمتم أنّ إخوتكم قريش
المراد الإخوة في الشرف أو النسب (لهم إلف) أي: إيلاف مع القبايل لا يتعرضهم قبيلة في رحلتيهم المعروفتين في التجارة رحلة الشتاء ورحلة الصيف يتجرون آمنين مكرمين (وليس لكم إلاف)] (٢).
стр. 638
أي: مؤالفة كالقتال بمعنى المقاتلة والمراد نفي مطلق الإلاف عنهم، فتفسير الشارح بقوله أي: مؤالفة في الرحلتين المعروفتين ليس كما ينبغي وبعده: أولئك أمنوا جوعا وخوفا، وقد جاعت بنو أسد، وخافوا وهو يدل على ما ذكرنا من أن المراد نفي مطلق الإلاف فافهم. كأنهم قالوا: أصدقنا في هذا الزعم؟ فأجيبوا بكذبتم، وأقيم ما يدل على كذبهم مقامه، وجوّز المصنف كونه جوابا لسؤال آخر، كأنه لما أجيبوا بكذبتم سئل عن سبب تكذيبهم، فأجيبوا بقوله: لهم إلف، ففي البيت استئنافان.
فإن قال الشارح: فإن قلت في الوجه الأول أيضا لا بد من جعل له «إلف» جوابا لسؤال عن سبب الكذب، وأجاب بأنه يحتمل أن يكون تأكيدا للكذب أو بيانا فالوجه مبني على أحد الاحتمالين فافترق الوجهان.
وقد عرفت أن ذلك من إقامة العلة مقام الشيء وهو أولى مما ذكره كما لا يخفى ولك أن تجعل الزعم متضمنا لدعوى الكذب، وتجعل المقدر سؤالا عن سبب الكذب فلا يكون استينافا محذوفا، ولو قوبل بالتقدير فتقدير ما علامة كذبنا هو الجدير (أو بدون ذلك) أي: بدون قيام الشيء مقامه (نحو فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (١) أي: نحن على قول) الأولى أي: هم نحن على قول؛ إذ تقدير نحن متفق إنما الاختلاف في تقدير مبتدأ له، والأولى على القول لئلا يتوهم من ينكر قول مخالفته للقول السابق (وأما الوصل لدفع الإيهام فكقولهم: لا وأيدك الله): فقولهم لا إخبار لرد خبر سابق فهو خبر، وأيدك الله جملة إنشائية دعائية، فبينهما كمال الانقطاع، وإنما عطف مع كمال الانقطاع لدفع الإيهام؛ لأن لا وأيدك الله ظاهر في الدعاء على المخاطب يمنع التأييد عنه فنبه بالعطف على أن لا جملة مستقلة فدفع الإيهام علة مشتركة بين الوصل والفصل، لا يقال لا الداخلة على الماضي يلزمه التكرير فلا إيهام مع عدم التكرير؛ لأنا نقول ذلك:
إذا لم يدخل في الدعاء كما تكرر في محله، وقد يعطف للتوسط مع دفع الإيهام كما إذا قيل لك: هل أضرب زيدا؟ فتقول: لا، وأيدك الله، فإن (لا) هنا إنشائية بمنزلة لا تضرب فالعطف للتوسط ولدفع الإيهام، ولا تزاحم، ولك أن
стр. 639
تعطف مع عدم الجامع لدفع إيهام الرجوع عن الحكم السابق فتقول فلان يكتب ويقعد فيعطف لئلا يوهم ترك العطف أن يقعد رجوع وإضراب عن يكتب.
قال الشارح: لا ردا للكلام السابق فكأنه قيل: هل الأمر كذلك؟ فقيل:
لا.
قلت: جعل لا رد للسابق لا يستدعي تقدير استفهام، ثم الواو في مثل هذا التركيب هل للعطف حتى يكون فيه الوصل أو زائدة لدفع الوهم كما زيد فيه: ربنا ولك الحمد في رواية على ما في الصحاح، مع أنه لا إيهام؟ . أو واو اعتراضية، والجملة الدعائية معترضة كما في قوله:
إنّ الثّمانين وبلّغتها (١)
لي فيه تردد وفي ثبوت الوصل لدفع الإيهام توقف فتأمل. (وإما للتوسط) أي: إما الوصل للتوسط وجزاءه فإذا اتفقتا وأقسامه عقلا اثنى عشر والمكرر منها أربعة والمحصل ثمانية، ومعرفة معنى الوصل لدفع الإيهام، ومعنى الوصل للتوسط مفروغ عنها هناك.
وإنما ذكرهما للتمثيل فقوله: وإما للتوسط (فإذا اتفقتا) أي: الجملتان (خبرا وإنشاء لفظا ومعنى أو معنى فقط) وهو ستة أقسام ليس لتعيين التوسط، بل لتقسيمه ثلاثة أقسام ليأتي بأمثلة ثلاثة لها فلا يرد أنه تعيين بالأعم؛ إذ يدخل فيه مواقع للفصل من كون الجملتين المذكورتين فيما بينهما كمال الاتصال، أو كمال الانفصال أو شبه أحدهما ولا بد من قيود ليتم التعيين.
فقول الشارح: ولا بد من التقييد بوجود الجامع إلا أنه ترك القيد اعتمادا على ما سبق من أنه مع عدم الجامع بينهما كمال الانقطاع فيه آثار الإهمال، فالاتفاق فيه لفظا ومعنى في الخبرية مع الاختلاف في الفعلية والاسمية (كقوله تعالى: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ (٢) ومع الاتفاق فيهما مثل قوله تعالى:
стр. 640
(إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) (١) في الإنشائية مثل (قوله:
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا (٢) وكأنه لم يمثل له من المختلفتين في الاسمية والفعلية لعدم وجدانه، والاتفاق معنى لم يذكر له إلا مثالا محتملا لقسمين من أقسامه الستة، وبين الاحتمالين فكأنه مثّل بمثالين، ونبه على أنه مثال الاتفاق معنى فقط، ومثال محتمل لا صرح بإعادة الجار، فقال (وكقوله) تعالى:
(وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) (٣) فعطف قولوا على لا تعبدون مع اختلافهما خبرا وإنشاء لفظا لاتفاقهما معنى؛ لأن: لا تعبدون بمعنى لا تعبدوا نهيا عدل إليه للمبالغة في النهي كأنه شرع للامتثال فيخبر عنه، ولا بد لقوله: وبالوالدين من متعلق أشار إليه بقوله: (أي: لا تعبدوا وتحسنون بمعنى أحسنوا) يصح عطفه على تعبدون بمعنى لا تعبدوا فيكون مثالا للمتفقين لفظا ومعنى وبقوله (أو أحسنوا) تقديرا لما هو الظاهر فيكون مثالا للمختلفين لفظا متفقين معنى، ويكون في قوله «وقولوا» تكرار لهذا المثال لو كان معطوفا على لا تعبدون تمثيل للقسم الثالث لو كان معطوفا على أحسنوا ومنه قوله تعالى في سورة الصف وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٤) عطفا على تؤمنون قبله في قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ (٥) لأنه بمعنى آمنوا على ما في الكشاف، وذلك لأن المتعارف في الدلالة والتعليل الأمر لا الخبر، وكأنه عدل إلى لفظ الخبر للتنبيه على أن المراد استمرار الإيمان، لكن «المفتاح» أشار إلى تزييفه وبينه المصنف في الإيضاح أولا بأن عطف فعل مخاطب على فعل مخاطب آخر غير مرض، والمخاطب بتؤمنون هم المؤمنون خاصة بدليل: بالله وبرسوله، والثاني هو النبي ﷺ .
وقيده الشارح بأنه إذا لم يصرح بالنداء كما في الآية، فلا يقال: قم واقعد
стр. 641
بدون يا زيد ويا عمرو.
وقال السيد السند: قيل: لأنه قبيح، وقيل: غير جائز، وثانيا بأن:
تؤمنون بيان لما قبله بطريق الاستيناف كأنهم قالوا كيف نفعل؟ فقيل:
تُؤْمِنُونَ أي: آمنوا، فلا يصح عطف بَشِّرِ عليه؛ لأنه لا مدخل له في البيان، وفيه بحث لا نأمن أن المخاطب بالأول المؤمنون خاصة بل النبي والأمة، وللنبي أيضا يجب الإيمان برسالة نفسه على أنه يجوز أن يكون المراد برسوله كل من رسله؛ فتكون التجارة العامة الإيمان، والخاصة بالرسول التبشير، وأن النداء لا يصلح العطف مع تعدد المخاطب إلا برفع الالتباس، والالتباس في الآية مرتفع بتعين الرسول للتبشير فكأنه قيل: بشّر يا محمد، وكفى شاهدا على جوازه عدم تحاشي العلامة عنه ونعم مؤيدا أنهم لم يجعلوا من جهات الفصل امتياز كل فعل عن الآخر بمخاطب مع انتفاء النداء وجعل «المفتاح» بشّر عطفا على: قل محذوفا قبل: يا أيها الذين آمنوا، وحذف القيل سيما في القرآن في غاية الكثرة، وجعل المصنف تقديرا «بشّر» أقرب مما اعتبره، ولما لم يكن رجحان ما ذكره على ما اعتبره السكاكي سوى الشارح بينهما.
(والجامع بينهما يجب أن يكون باعتبار المسند إليهما) في الجملتين (والمسندين) كذلك (جميعا (١) نحو: يشعر) كينصر (زيد ويكتب) للمناسبة الظاهرة بين الشعر والكتابة وتقارنهما في خيال أصحابهما (ويعطي ويمنع) لتضاد الإعطاء والمنع وإنما اعتبر الجامع بين الجملتين باعتبارهما دون الجامع بين المسندين والمسند إليهما؛ لأنه ربما يتحدان: المسندان أو المسند إليهما، وفي اعتبار الجامع بينهما مزيد تكلف وفيه رد وتخطئة لما يفهم من كلام السكاكي؛ حين قال: الجامع العقلي بين الجملتين أن يكون بينهما اتحاد في تصور مثل الاتحاد في المخبر عنه أو الخبر أو في قيد من قيودهما فإنه يفهم منه كفاية الجامع من متصور واحد، فرده المصنف لما فهم من غير هذا الموضع من كلامه أنه لا يكفي الاتحاد في المسند حيث لم يجوز خفى ضيق وخاتمي ضيق مع اتحاد المسند، والجامع يتفاوت بحسب
стр. 642
المقامات فرب جامع في مقام لا يصلح جامعا في مقام آخر فإذا كنت في دعوى أن الموجودات متفاوتة تقبل منك قولك: الشجر طويل، والنملة قصيرة، والسماء متعالية، وماء البحر راكدة.
ومجرد الشيئية يكفي جامعا للمسند إليهما ومجرد الكون مفيد للتفاوت في المسندين، فليكن هذا ذخرا لك فإن لها منافع جليلة، ومؤنة ضبط قليلة. وبه يندفع ما أورده السيد السند على المصنف أن التعويل على ما ذكره السكاكي من كفاية الاتحاد في متصور، فإن الجامع ما يكون جامعا ولو في موضع ولا يدفع كونه جامعا أنه يمنع عن الالتفات إليه ومقام وخفى ضيق وخاتمي ضيق مقبول في مقام تعداد الأشياء الضيقة المتعلقة بالمتكلم لا يليق في مقام تعداد ضيقات العالم.
ووجه الدفع أن المسند إليه في الجملتين متناسبان في هذا المقام؛ لأن النظر في التعلق بالمتكلم (وزيد شاعر، وعمرو كاتب، وزيد طويل، وعمرو قصير لمناسبة) أي وقت مناسبة (بينهما) معتبرة في المقام كما عرفت فربما كانت أخوة أو صداقة أو مجرد إنسانية أو حيوانية أو جسمية أو شيئية فتفسيرهما بمجرد الأخوة أو الصداقة، وإن وافق الإيضاح تضييق للمسلك الرحيب، ولا يليق بمن له في معرفة الأساليب، عظم النصيب.
(بخلاف زيد شاعر، وعمرو كاتب بدونهما) أي: بدون تلك المناسبة (و) بخلاف (زيد شاعر، وعمرو طويل مطلقا) سواء كانت بين المسند إليهما مناسبة معتبرة أو لا لفوت المناسبة بين الشعر والطول، وقد عرفت أن فوت المناسبة بين الشعر والطول بعيد عن حيز القبول، نعم في أغلب الاستعمالات كذلك، ولا يخفى أن رعاية المناسبة بين الفصلات أيضا مما لا بد منها، وكما تستبعد الفعل جمع جملتين متباعدتين في المسند والمسند إليه يستبعد جمعهما في تباعد قيد من قيودهما، وإن كان تفاوت بين الفصلة وبينهما في الركنية؛ إذ لا يرى النظر البليغ فرق بينهما في جعل الجملتين متباعدتين ولا يبعد أن يقال: ما سوى المسند والمسند إليه من لواحقهما.
***
стр. 643
فالتباعد فيه تباعد في أحدهما (السكاكي الجامع بين الشيئين) (١) ذكر السكاكي الجامع بين الجملتين، وعدل عنه المصنف إلى الجامع بين الشيئين؛ لأن الجامع يجب في المفردات أيضا، فنبه على أن ما ذكره لا يخص الجملتين (إما عقلي (٢) بأن يكون بينهما اتحاد في التصور) (٣) عدل عن عبارة السكاكي في التصور؛ لأن المتبادر منه كفاية الاتحاد في متصور واحد، فعدل إلى المعرف ليفيد أن الجامع الاتحاد في جنس المتصور فلا يفيد كفاية متصور واحد، ولا ينافي ما سبق من اشتراط الاتحاد في المسند والمسند إليه، إلا أنه لا يجرى في المفردين المعطوفين الاتحاد في التصور؛ إذ لا يعطف المتحدان والتماثل والتضايف والتضاد في المفردات باعتبار أنفسها، وفي الجمل باعتبار المسند والمسند إليه، ولنفصّل لك.
أولا: الجامع العقلي والوهمي والخيالي، فإنها من مزالق السالكين، ولنكتف ببيان الحق المبين، ولنعرض عن بيان ضلال المتباعدين عن مرتبة التمكين فإنه طول بلا طول ليس إلا مجرد قول فاعلم أن:
العقل: قوة للنفس الناطقة بها يدرك المفهومات الكلية، والخيال قوة لها خزانة تصور المحسوسات.
والوهم: قوة يدرك بها معان جزئية منتزعة عن المحسوسات.
وللنفس قوة أخرى تتصرف في مدركاتها تركيبا وتفكيكا تسمى مفكرة عند إعمال العقل إياها، ومتخيلة عند إعمال مجرد الوهم إياها، وهو المدار للفصل والوصل.
[الجامع بين الشيئين]
فالمراد بالجامع العقلي ما هو سبب لاقتضاء العقل اجتماع الجملتين عند المفكرة، وبالوهمي ما لا يكون سببا إلا باختيال الوهم وإبرازه له في نظر العقل في صورة ما هو سبب لاقتضاء العقل وبالخيالي ما يكون سببا بسبب تقارن أمور في
стр. 644
الخيال، حتى لو خلى العقل ونفسه غافلا عن هذا التقارن لم يستحسن جمع الجملتين بقي الجمع بين أمرين سببه التقارن في الحافظة التي هي خزانة الوهم والتقارن في خزانة العقل، وهي المبدأ الفياض على ما زعموا لإلف وعادة، فإن الإلف والعادة كما يكون سببا للجمع في الخياليات تكون سببا للجمع بين الصور العقلية والوهمية، فاختل السيد السند بحمل الخيال على مطلق الخزانة، وقال:
ولما كان الخيال أصلا في الاجتماع؛ إذ يجتمع فيه الصور التي منها ينتزع المعاني الجزئية والكليات أطلق الخيال على الخزانة مطلقا، والأقرب أن يجعل التقارن في غير الخيال ملحقا متروكا بالمقايسة؛ إذ جلّ ما يستعمله البلغاء مبنيا على التقارن هو الخيالي، فاقتصر على بيانه.
وإن أردت القصر فالجامع إما التقارن في الخزانة مطلقا فهو الخيالي والملحق به، والثاني إما أن يكون بسبب أمر يناسب الجمع ويقتضيه بحسب نفس الأمر فهو العقلي، وإلا فهو الوهمي.
(أو تماثل) (١) وهو في الاصطلاح الكلامي: الاتحاد في النوع، والتجانس:
الاتحاد في الجنس، والتشابه: الاتحاد في العرضي.
وأشار إلى أن التماثل راجع إلى الاتحاد في التصور بقوله: (فإن العقل بتجريده المثلين عن الشخص في الخارج ترفع التعدد بينهما)، وهذا إنما يفي ببيان الجامع بين قولنا: زيد قائم، وعمرو قاعد أما في بيان الجامع بين قولنا:
الرومي أبيض، والحبشي أسود فلا؛ فإن العقل لا يطلب اتحاد الرومي والحبشي بالتجريد عن التشخص، بل عن وصف الرومية والحبشية اللتين هما كلّيان، والجواب أنه كلام على وجه التمثيل، وتصوير للمقصود فيما هو أكثر تداولا بين البلغاء.
ومن هذا القبيل تقييد التشخص بالخارجي لا؛ لما قال الشارح والسيد السند: إن ذلك لأن تجريد العقل والحاصل فيه عن التشخص العقلي غير ممكن؛ لأن معنى التجريد عدم ملاحظة التشخص، ونسبته إلى الذهني كنسبته إلى
стр. 645
الخارجي.
بقي أن التجانس عن التشابه أيضا يصير جامعا عقليا أو يصح الإنسان كذا والحمار كذا في مقام بيان أحكام أنواع الحيوان.
ويصح زيد الكريم كذا، وعمرو الكريم كذا في مقام بيان أفراد الكريم.
قال الشارح المحقق: المراد بالتماثل اشتراكهما في وصف له نوع اختصاص بهما، وسيتضح ذلك في باب التشبيه.
وكأنه أراد كونه أقوى أو أعرف إلى غير ذلك مما يتفاوت اعتباره بالنظر إلى الغرض من التشبيه.
قلت: ضابط الاختصاص هنا أن يكون نظر المقام على ذلك الوصف، ولا يخفى عليك أنّ جعل الأمرين المعتبرين في مقام العطف واحدا بهذا الاعتبار تصوير من الوهم للاثنين في صورة الواحد، وإبراز له في معرضه، ويليق بأن يجعل من الوهمي.
قال الشارح: إنما يكفي التجريد عن التشخص في ارتفاع التعدد مع أن الأوصاف الكلية كالتفاوت بالحمرة والسواد أيضا موجبة للتعدد؛ لأن العقل يجوّز الشركة في الوصف الكلي، والتمايز بالوصف الكلي في الواقع، لا في تجويز العقل، وفيه نظر؛ لأنه لو كفى تجويز العقل الاشتراك والتوحيد في مشترك لكان بين جميع الجزئيات الخارجية اتحاد في النوع لتجويز العقل دخول الكلي تحت نوع الإنسان مثلا، فالوجه أن العقل قد يرفع التعدد بالتجريد عن التشخص، وذلك إذا كان التعدد عنده من قبل التشخص فتأمل.
(أو تضايف) وهو كون الشيئين بحيث لا يمكن شيء منهما بدون الآخر تحققا وتعقلا، ولا يخفى أنه سبب لجمع الأمرين في المفكرة، ولا يخفى أن استلزام تعقل أحدهما الآخر يكفي في سببية الجمع في المفكرة، فلا نحتاج إلى اشتراط التضايف.
فإن قلت: كما أن التضايف يكون في التصور يكون في التصديق فيصح أن يجعل التضايف بين نفس الجملتين جامعا بينهما، من غير أن يتوصل إلى
стр. 646
التضايف بين مسنديهما والمسند إليه لهما، بل هو جامع أقوى، وقد فات القوم.
قلت: كأنهم لم يلتفتوا إليه؛ لأن الجملتين المتضايفتين كذلك تغني إحداهما عن ذكر الأخرى، فلا يجمع بينهما البليغ فضلا عن أن يعتبر الوصل بينهما (كما) أي: كتضايف (بين العلة) وهو ما يتوقف عليه الشيء (والمعلول) وهو ما يتوقف على الشيء.
وفي «المفتاح» والسبب والمسبب وهما يرادفان العلة والمعلول؛ فلذا أسقطهما لئلا يحتاج إلى تخصيص العلة والمعلول بالفاعل والمفعول، والسبب والمسبب، والغاية والمغيا أو حمل السبب على الأخص من العلة، وهو ما يفضي إلى الشيء في الجملة على ما هو عند الأصوليين، والأولى كالعلية والمعلولية (والأقل والأكثر) ليكون أحدهما من التضايف الحقيقي، والآخر من المشهور.
والأقل: عدد يغني قبل الآخر عند عدهما بشيء واحد، بأن يسقط ذلك الشيء منهما حتى يفنيا.
والأكثر: ما يقابله، وكون الأول مثالا لما يخص بالمعقول، والثاني لما يعم المحسوس والمعقول وهم من العلّامة؛ فإن ماديهما معقولتان لا غير وأنفسهما شاملتان بلا تفاوت.
(أو وهمي (١) بأن يكون بين تصوريهما) الصواب بأن يكون بينهما (شبه تماثل) بأن يكون أحدهما شبيها بفرد من نوع الآخر (كلوني بياض وصفرة، فإن الوهم يبرزهما في معرض المثلين) (٢) تعليل للتمثيل أو توجيه لكون هذا القسم وهميا وعلى كل لضمير يبرزهما مرجع آخر فعليك بإبرازهما إن كنت من المبارزين؛ (ولذلك) أي: للجامع الوهمي أو للإبراز المذكور (حسن) من الحسن وفاعله الجمع أو من التحسين وفاعله ضمير الوهم.
(الجمع بين الثلاثة التي في قوله:
стр. 647
ثلاثة تشرق الدّنيا ببهجتها ... شمس الضّحى وأبو إسحق والقمر) (١)
قال الشارح: فإن الوهم يبرزهما في معرض الأمثال، ويتوهم أن هذه الثلاثة من نوع واحد، وإنما اختلفت بالعوارض والمشخصات بخلاف العقل فإنه يعرف أن كلا منهما من نوع على حدة، وإنما اشتركت في عارض هو إشراق الدنيا ببهجتها على أن ذلك في أبي إسحق مجاز، هذا وفيه نظر؛ لأنه قد حقق أن المراد بالتماثل الاشتراك في وصف له نوع اختصاص بهما، لا الاشتراك في الحقيقة النوعية، وهذا الوصف هنا الإضاءة، وهي مشتركة بين الشمس والقمر فهما متماثلان حقيقة، بل نقول: المراد بالإشراق حسن حال الدنيا بالنور الحسي، وبالعدل الذي هو النور المعنوي. عبر عن الكل بالإشراق تغليبا فبين الثلاثة تماثل؛ لكونها تحت المصلح فتأمل.
ولك أن تجعل القدر المشترك بينهما البهجة (أو تضاد) (٢) وهو كون الأمرين الوجوديين بحيث لا يتوقف تعقل كل منهما على تعقل الآخر، ولا يمكن تواردهما على محل واحد، وحينئذ لا يصح تمثيله بما يتصف بالسواد والبياض، فالمراد بالتضاد ما يحتوي على هذا المعنى ما يتصف بالضد الحقيقي بطريق عموم المجاز.
ولك أن لا تتكلف في التضاد وتفسر قوله: بينهما بما يعم بين نفسيهما أو جزئيهما.
قال الشارح: التضاد هو التقابل بين أمرين وجوديين يتعاقبان على محل واحد بينهما غاية الخلاف.
هذا والتعاقب أن يلزم الضدان أن المحل كالصحة والمرض، وقد ذكر الأصفهاني أنه معتبر في التضاد الحقيقي كأن يكون بينهما غاية الخلاف، وغيره لم
стр. 648
يذكر اعتباره واقتصر بغاية الخلاف، ولا يخفى أن تعريف التقابل على ما ذكره يبطل التمثيل بالسواد والبياض، فعليك بحمله على المشهور كما ذكرنا أو بعدم اعتبار هذا القيد في تعريف الحقيقي (كالسواد والبياض، والإيمان والكفر) قال الشارح: الحق أن بينهما تقابل العدم والملكة، لا تقابل التضاد؛ لأن الإيمان:
هو التصديق للنبي- ﵊ في جميع ما علم مجيئه به بالضرورة، أعني قبول النفس لذلك والإذعان له من غير جحود وإباء مع الإقرار باللسان، والكفر: عدم الإيمان عمن من شأنه أن يكون مؤمنا، هذا يريد أن الأولى جعله في شبه التضاد (وما يتصف بها) أي: بالمذكورات كالأسود والأبيض، والمؤمن والكافر (أو شبه تضاد (١) كالسماء والأرض) فإنهما يشبهان الأسود والأبيض في الاتصاف المعقول عند تعقلهما بالمتضادين، وهو غاية الارتفاع وغاية الانحطاط، وإنما افترقا بدخول الوصف في الأسود والأبيض، وخروجه عنهما فالأولى أن يقول: وما يشتق منه، مكان قوله: وما يتصف بها.
(والأول والثاني) الأول هو السابق على الغير وغير المسبوق به، والثاني هو المسبوق بواحد فقط، والفرق بينهما، وبين الأسود والأبيض بأن السلب جزء مفهومي وصفيهما دون الأسود والأبيض، فإن عدم المسبوقية جزء مفهوم الأول، وعدم المسبوقية بغير الواحد جزء مفهوم الثاني، وفرّق الشارح بوجه آخر أيضا وهو أن المتضادين يجب أن يكون بينهما غاية الخلاف وليس ذلك بين الأول والثاني، فإن خلاف الثالث معه أكثر منه.
وقال السيد السند: إن هذا القيد لم يعتبره من اعتبره إلا في التضا:
الحقيقي، دون التضاد المشهور، وبهذا الاعتبار انحصر التقابل في الأقسام الأربعة وكأنه اعتبره الشارح في تعريف التضاد ليتمكن من هذا الفرق، والأولى تركه والاكتفاء بالفرق الآخر.
стр. 649
هذا وأقول: إنما اعتبره الشارح قيد غاية الخلاف ليخرج لوني بياض وصفرة عن حد التضاد، ويصح جعلهما من شبه التماثل دون التضاد كما جعله المصنف إلا أن يقال: قد يكون للضدين شبه تماثل، فلونا بياض وصفرة من الوهمي من جهتين (فإن الوهم ينزلهما منزلة التضايف) قال الشارح المحقق: فإنه لا ينحصر أحد الشبيهين أو التضادين إلا وينحصر الآخر.
هذا وفيه أنه إذا كان الأمر كذلك كان التضاد وشبهه جامعا من غير حاجة إلى تنزيل الوهم إياه منزلة المتضايفين (ولذلك تجد الضد أقرب خطورا بالبال مع الضد منه) من غير الضد، فخطور السواد مع البياض أقرب من حضوره مع الحلاوة.
وهاهنا نظر، وهو أنه إذا علل تنزيل الوهم إياه منزلة التضايف بأنه يخطر بالبال الضد مع الضد كالمضايف مع المضايف لا يصح تعليل كونه أقرب خطورا بالبال مع الضد بتنزيل الوهم إياه منزلة التضايف، وكأن الوجه في خطور الضد مع الضد أن العقل يتوجه حين تصور الضد إلى تمييزه وتعيينه، وأول ما يتميز عنه هو الضد الآخر؛ لأن التمييز عنه أكمل.
اعلم أن التضايف مشتمل على تقابل فلو جمعهما المتخيلة باعتبار التقابل؛ فالجامع وهمي ولو جمعهما باعتبار التضايف فالجامع عقلي.
(أو خيالي) (١) عطف على عقلي أو وهمي (بأن يكون بين تصوريهما) الصواب بينهما (تقارن في الخيال سابق) (٢) على العطف؛ إذ لا يكفي مطلق التقارن، وإلا فالعطف لا ينفك عن التقارن، والمراد خيال المخاطب وليس التقارن بأن يكونا ثابتين في الخيال؛ إذ الصور المتقارنة والمتباعدة كلها ثابتة في الخيال معا، والخيال خزانتها. بل المراد تقارنهما عند التذكر والإحضار.
(وأسبابه مختلفة) متكثرة جدّا؛ (ولذلك اختلفت الصور الثابتة في الخيالات ترتبا) بمعنى أنه يترتب صورة على صورة بسرعة أو ببطء، الأولى اجتماعا ليشمل الصورتين الحاضرتين معا لكمال تقارنهما من غير ترتب (ووضوحا)
стр. 650
فمنها ما يتذكّر بأدنى توجه، ومنها ما يتذكّر بعد توجه تام، وفيه منع لجواز استناد الاختلاف إلى الاختلاف في الذكاء والغباوة، ويدفعه ظهور اختلاف الأذكياء والأغبياء في ذلك، من غير تفاوت الذكاء والغباوة.
(ولصاحب علم المعاني) (١) الأحسن أن يجعل تحت التعليل أي:
لاختلاف أسبابه يكون لصاحب علم المعاني، أي: لصاحب مباحث الفصل والوصل، والتعبير عنه بعلم المعاني تلويح إلى ما اشتهر فيما بينهم من دعوى حصر البلاغة في الفصل والوصل كما سمعت، ولا يليق بك أن تظن إن كان اللائق ولطالب علم المعاني (فضل احتياج إلى معرفة الجامع) فيقع في الاعتذار بأن العدول إلى الصاحب للتفاؤل للطالب؛ لأن المراد بالجامع جزئياته الواقعة في التراكيب في مقام رعاية الفصل والوصل يرشدك إليه المعرفة فلا تجهل (لا سيما الخيالي فإن جمعه على مجرى الإلف والعادة).
ولا يخفى أن الناس فيهما على أنحاء شتى لا يكاد يحيط بها الجهد والطاقة، والشارح المحقق حمل علم المعاني على حقيقته فاحتاج في إثبات الدعوى إلى دعوى أن أعظم أبوابه الفصل والوصل، وهو مبني على الجامع، وفي الدعوى خفاء لا يدفعه إلا أنه ادّعاء.
[محسنات الوصل]
(ومن محسنات الوصل) (٢) فيه إشعار بأن للعطف غير ما ذكر من المحسنات أيضا.
قال الشارح: ومن محسنات الوصل بعد تحقق المجوزات.
قلت: الظاهر أنه من المحسنات بالحسن الذاتي الداخل في البلاغة؛ حيث ذكر في المعاني دون البديع فهو أيضا من المجوزات التي لا بد للبليغ منه (تناسب الجملتين في الاسمية والفعلية) لم يقل اسمية الجملتين وفعليتهما مع أنه أخصر
стр. 651
للإشعار بوجه التحسين. (والفعليتين في المضي والمضارعة) والمضارعتين في الحالية والاستقبالية.
قال صاحب «المفتاح»: إذا أردت مجرد نسبة الخبر إلى المخبر عنه من غير التعرض بقيد زائد كالتجدد والثبوت، وغير ذلك لزم أن يراعي ذلك فتقول: قام زيد، وقعد عمرو، وزيد قائم، وعمرو قاعد، وفيه إشكال وهو أنه كيف يجامع إيراد الماضي عدم إرادة التجدد؟ ، ويدفع بأن المراد مجرد ثبوت المثبت الماضوي من غير زائد من الحدوث في الماضي، وكذا لا ينبغي زيد قائم، وقام عمرو، مع أن كليهما ماضوي للتفاوت بالاسمية والفعلية؛ ولذا يختار النصب في: قام زيد، وعمرا أكرمته، ويختلف المعطوف عليه في: زيد قام، وعمرو أكرمته، وزيد قام، وعمرا أكرمته.
وزعم الشيخ ابن الحاجب أنه يختلف الاعتبار في المعطوف عليه ففي النصب يعتبر فعليتها، وفي الرفع اسميتها والجملة ذات وجهين؛ ولهذا لم يحتج النصب إلى ضمير راجع إلى المبتدأ؛ لأنه ليسا عطفا على الخبر.
وتوجيه الشيخ هذا شاهد بكمال دقة نظره إلا أنه لا بد له من بيان وجه استواء النصب مع الرفع مع غناء الرفع عن الحذف، ولا يجرى فيه ما ذكروه من قرب المعطوف عليه باعتبار العطف على الخبر إلا أن يقال: فعليتها أولى بالاعتبار؛ لأنه باعتبار الخبر الذي هو محض الفائدة. (إلا لمانع) وهو اختلاف القصد بالمعطوف والمعطوف عليه فإنه يمنع عن رعاية توافقهما، فاللازم حينئذ عدم التناسب، ويستفاد مما ذكروه أن محسنات الفصل عدم تناسب الجملتين في الفعلية والاسمية وما شاكل ذلك فإنه يقوي مقتضى الفصل ويربيه فافهم.
وهذا آخر مباحث الفصل والوصل. ومنه الانتقال إلى الفرع بعد الفراغ من الأصل فإن البحث في هذا الباب عن الحال بالتبعية، لا بالاستقلال يدل عليه عنوان الباب والله أعلم بالصواب.
(تذنيب) في القاموس: ذنبه يذنبه كيضرب وينصر: تلاه ولم يفارقه، فعلى هذا التذنيب جعل الشيء تاليا للشيء غير مفارق عنه، وهل هو عربي أو مصنوع؟ أهل التدوين لم نجده في كتب اللغة، وفي عبارة الصحاح: ذنب
стр. 652
عمامته إذا جعل له علامة وهو أيضا يناسب المقام، والذنابة بالضم التابع، وفي تسمية المبحث تذنيبا لا ذنابة إشارة إلى أن إيراد بحث الحال في بحث الوصل والفصل لا يخلو عن تكلف تنزيل الشيء منزلة غيره، وأنه ليس مانعا للفصل والوصل في حد ذاته إنما صار تابعا يجعل للقوم، وتصرف منهم وتنزيل له منزلة ما هم فيه في هذا البحث.
(أصل الحال المنتقلة) وهي ما لا يكون لصاحبها غالبا أو دائما، وتقابلها الدائمة والمؤكدة على رأي، وخصت المؤكدة بما تقرر مضمون الجملة الاسمية على رأي، وقيل، ليس ذلك التقرير الحال المؤكدة، بل شرط وجوب حذف عاملها، وكونه شرطا لها إنما هو ظاهر العبارة والحق تأويلها.
وفي «المفتاح»: أن الحال المطلق هي المنتقلة وما يقابلها يقيد بالمؤكدة. (أن يكون بغير واو) وإنما قيدها بالمنتقلة؛ لأن المؤكدة يجب فيها ترك الواو نحو: هو الحق لا شبهة فيه، على ما صرح به «المفتاح» وتبعه «اللباب»، فلا وثوق بإطلاق عبارة بعض النحاة أن الحال التي هي جملة اسمية بالضمير وحده ضعيف، والأولى أن لا تقيّد الحال بالمنتقلة؛ لأن أصل الحال مطلقا ذلك إلا أنه وجب هذا الأصل في المؤكدة لتأكد مقتضى ترك الواو بكونه مؤكدا، ولا مجال للواو بين المؤكد والمؤكد، ولا ينافي وجوب الأصالة؛ إذ الأصل في الفاعل التقديم على معمولات الفعل، وربما يجب تقديمه، وله غير نظير: أن يكون بغير واو في المفتاح؛ لأنها معربة بالأصالة لا بالتبعية، ولا مجال للواو في المعرب بالأصالة، والتحقيق فيه:
هو أن الإعراب دالّ على تعلق معنوي للمعرب بشيء في الكلام فوجود الإعراب بلا واو يكفي في إفادة التعلق، ويغني عنه، هذا كلامه إلا أنه عبره الشارح المحقق إلا أن الإعراب للدلالة على المعاني الطارية على المعرب بسبب تركيبه مع العوامل، فاتجه عليه أنه لا يتم في المعرب بالعامل المعنوي؛ إذ لا تركيب فيه مع العامل ومن أدلة المفتاح ما أشار إليه بقوله: (لأنها في المعنى حكم على صاحبها كالخبر) لأنك تقيد بها ثبوت أمر لصاحبها ربما لا يعلمه المخاطب قبل سماع الحال. وقوله:
стр. 653
(أو وصف له) أي: في المعنى وصف له (كالنعت) زيادة على «المفتاح» من المصنف، فهي ذات جهتين لها شبه بالخبر في أنه ربما يفيد حكما كما لا يعلمه المخاطب، وشبه بالنعت لدلالتها على معنى في الصاحب، وكونها بحيث لو أسقط لم يختل الكلام، ولم يخرج عن التمام، ويرد على تلك الوجوه الثلاثة دخول الواو في الخبر في قولهم:
فلمّا صرّح الشّرّ فأمسى وهو عريان
وفي قوله: ما أحد إلا وله نفس أمارة، وفي النعت، كقوله تعالى:
سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ (١) وقوله تعالى: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (٢) والجواب بعد تسليم أن مدخول الواو في هذه الأمثلة كلها خبر أو صفة أنه لا ينافي أصالة عدم الواو لندورها وخروجها عن الأصل، ونحن نزيد لك وجها رابعا، وهو أن الحال في المعنى ظرف لعامله، ولا واو في الظروف ويرد عليه شيء من تلك الحروف.
(ولكن خولف) هذا الأصل (إذا كانت) الحال (جملة) في الجملة لأنه لم يخالف في جملة فعلها مضارع مثبت، وتلك المخالفة تارة على سبيل الوجوب، وتارة على سبيل الرجحان وتارة على سبيل التساوي.
قال الشارح المحقق: وإنما جاز كونها جملة؛ لأن مضمون الحال قيد لعاملها ويتضح التقييد بمضمون الجملة، ونحن نقول: لأنها في المعنى خبر ونعت، ويصح كونهما جملتين (فإنها) تعليل للمخالفة (من حيث هي جملة (٣) مستقلة بالإفادة فيحتاج إلى ما يربطها بصاحبها) وأيضا الأصل في الجملة الاستقلال فلا يخرج عنه إلا لموجب.
(وكل من الضمير والواو صالح للربط، والأصل الضمير (٤) بدليل
стр. 654
المفردة) من الأحوال (والخبر والنعت) والصلة، ويتجه عليه أن المتبادر منه والمفرد منها أن المفردة ترتبط لصاحبها بالضمير، مع أنه كالجهد يرتبط بنفسها كما يحكم به الوجدان واعتبار الضمير؛ لأنه لا بد له من فاعل، ويمكن دفعه بأن المراد المفردة التي مسندة إلى متعلق الصاحب نحو: جاء زيد قائما أبوه، والمراد أن الأصل الضمير فقط، فالعدول في الحال إلى ضميمة الواو أو مجردها لداع، وذلك أن الحال لكون ما قبلها يتم بدونها احتاجت إلى مزيد رابط، وهو الواو الدالة على الربط من أول الأمر ولا ينتقض بالنعت؛ لأن النعت كثيرا ما لا يتم ما قبله بدونه كما في: رجل يعلم فعل كذا.
قال الشارح المحقق: الواو أشد في الربط من الضمير؛ لأنها الموضوعة له، وتوضيحه أن الضمير يذكر في الكلام لغرض آخر، ويلزمه الربط بخلاف الواو.
والمستفاد من هذا الكلام أن الواو في الحال لمزيد الربط، لكن في «المفتاح» أن الواو في الحال لداعى الوصل بين الجمل التي ليس بينهما كمال الاتصال وشبهه ولا كمال الانقطاع وشبهه مع وجود الجامع.
(فالجملة) التي تقع حالا (إن خلت عن ضمير صاحبها وجب فيها الواو) فلا يجوز: خرجت زيدا على الباب، سواء كان اللام في قوله: الباب للعهد حتى يكون في قوة يأتي أو للجنس لعدم الضمير هذا مقتضى ظاهر بيانهم، والقياس على الخبر الجملة يحكم بأن المراد بالضمير العائد.
قال الشارح: وجوّزه البعض عند ظهور الملابسة.
قلت: جعل الصحاح مثله بتقدير الواو. ومن مواضع وجوب الواو ما في «المفتاح» من نحو: جاءني رجل وعلى كتفه سيف إذ لو لم يذكر الواو لالتبس بالصفة، ولما أوهم هذا الكلام وجوب الواو في: جاء زيد ويتكلم عمرو عقّبه بقوله: (وكل جملة خالية من ضمير ما يجوز أن ينتصب عنه حال يصح أن تقع حالا بالواو إلا المصدرة بالمضارع المثبت، نحو: جاء زيد ويتكلم عمرو لما سيأتي) من وجه الامتناع في المضارع الغير الخالي عن ذلك الضمير لظهور اشتراك الوجه.
стр. 655
قال الشارح المحقق: ما يجوز أن ينتصب عنه حال الفاعل والمفعول المعرفان أو المنكران المخصوصان.
قلت: المنكّر المخصوص شرط نصب الحال المؤخر عن صاحبها لا شرط نصب الحال مطلقا فالنكرة المحضة أيضا مما يجوز أن ينتصب عنه حال، فإن كان يجوز أن ينتصب عنها الحال التي هي جملة مؤخرة مع الواو، كما في المفتاح فلا يصح إخراجها ويمتنع تقييد النكرة بالمخصوصة، وإن لم يجز نصب الحال عنها مع تأخرها، كما هو ظاهر عبارة كتب النحاة.
فعبارة المتن فاسدة؛ إذ لا يجوز دخول الواو في الجملة الحالية التي صاحبها نكرة محضة لوجوب تقديمها على النكرة، ولا يتقدم الحال مع الواو؛ ولأنه كتقديم المعطوف على المعطوف عليه، وإنما لم يقل عن ضمير صاحبها؛ لأن ما يجوز أن ينتصب عنه حال أعم من صاحبها فربما يصير صاحبها بجعل الجملة حالا بالواو، وربما يمتنع أن يصير صاحبها بامتناع جعلها حالا كما في المصدرة بالمضارع المثبت.
وما وجهه به الشارح المحقق شاهد عن غفلة معجبة؛ حيث قال: إنما لم يقل عن ضمير صاحب الحال؛ لأنه خبر المبتدأ هو قوله: يصح أن يقع حالا عنه بالواو، وما لم يثبت هذا الحكم لم يصح إطلاق صاحب الحال عليه إلا مجازا فإنه يشعر بأنه يصح صاحب الحال مجازا، والمصنف اجتنب عنه تحرزا عن التجوز، وقد عرفت أنه لا يصح تجوزا أيضا في نحو: جاء زيد ويتكلم عمرو، وإنما قال:
يجوز أن ينتصب عنه حال، ولم يقل يجوز أن ينتصب تلك الجملة حالا عنه لتدخل فيه الجملة المصدرة بالمضارع المثبت، حتى يصح الاستثناء؛ لأنه لا يجوز نصب تلك الجملة حالا عنه.
لكن يجوز نصب حال عنه، ونحن نقول: يجب أن يستثنى المصدر بالماضي الخالي عن قد لفظا أو تقديرا أيضا، والمراد بقوله: كل جملة غير دائمة بقرينة أن الكلام في الحال المنتقلة فلا يلزم صحة وقوع الجملة الخالية عن الضمير حالا بالواو، مع كونها مؤكدة ولا اعتداد بإيهام عبارته جواز وقوع المصدرة بالمضارع المثبت حالا مع خلوها عن الضمير بلا واو؛ لأنه لم يخرج إلا عن الحكم بصحة
стр. 656
وقوعها حالا بالواو، لا عن صحة وقوعها حالا مطلقا؛ لأنه يدفع هذا الوهم إيجاب الواو في الخالية عن الضمير، والمراد: كل جملة صح أن يقع حالا في الجملة يعني يصح من نوعها وقوعه حالا وإلا لورد الجملة الإنشائية الخالية عن ضمير ما يجوز أن ينتصب عنه حال.
قال الشارح المحقق: القرينة عليه سوق الكلام، ويتجه عليه أن السوق يقتضي إرادة جملة صح أن يقع حالا، لا أن يقع نوعهما حالا، إلا أن يقال:
السّوق يقتضيها لاستثناء ويتكلم عمرو عنها.
والحاصل أن الظاهر تقييد الجملة بصحة وقوعها حالا، والاستثناء صرفها عن صحة وقوع خصوصها حالا، فبقي اشتراط صحة وقوع نوعهما، لكن لا يخفى أنه تكلف، وكان الأخصر الأوضح: أن يقول بدل قوله: وكل جملة إلخ، ويمتنع دخول الواو عن المضارع المثبت لما سيأتي، ومما لا يصح وقوعها حالا عند النحاة: الجملة الشرطية لزعمهم أن حرف الشرط لطلبه صدر الكلام يمتنع ارتباط جملتها لذي الحال بخلاف المبتدأ؛ لأن اقتضاءه للخبر أقوى من اقتضاء ذي الحال فلا تقع الشرطية في موقع الحال إلا إذا جعل خبرا «عن» ضمير ذي الحال نحو:
جاء زيد وهو إن يسأل تعط وما ذكروا منتقض بإن المكسورة، فإن الجملة المصدرة بها تقع حالا، وبالصفة فإن اقتضاء الموصوف ليس أشد من اقتضاء ذي الحال وإن ادعوه بسند مزيد اشتباك النعت بالمنعوت؛ لأن مزيد الاشتباك خفيّ إلا أن يقال: النعت مخصوص التعلق بالمنعوت بخلاف الحال فإن له تعلقا بالعامل وتعلقا بصاحبها، واقتضاء المقتضي لما اختص به أشد من المشترك بينه وبين غيره.
وما ذكر من أن المصدرة بالمضارع المثبت لا يقع حالا بالواو، «وإن» الشرطية لا تقع حالا بمنع حرف الشرط إنما يصح في غير مضارع بعد حرف شرط حذف جوابه الذي يكون ضد الشرط أولى بكونه ملزوما لذلك الجزاء نحو أكرمك وإن تشتمني، فإن صاحب «الكشاف» ذهب إلى أن الواو في مثل هذا الشرط للحال، وهو خرج عن طلب الجزاء بدخول الواو الحالية إلا أن يكون تابعا للخبري حيث جعل الواو عاطفة على شرط محذوف أي: إن لم تشتمني وإن
стр. 657
تشتمني، أو لما قيل: إن الواو اعتراضية، والجملة معترضة.
(وإلا) أي: وإن لم تخل الجملة التي تقع حالا عن ضمير صاحبها، فإما أن تكون فعلية أو اسمية، والفعلية إما أن يكون فعلها مضارعا أو ماضيا، والمضارع إما أن يكون مثبتا أو منفيا.
فمنها ما يجب فيه الواو، ومنها ما يمتنع، ومنها ما يستوي فيه الأمران، ومنها ما يترجح فيه أحدهما، فأشار إلى بيان ذلك وأسبابه بقوله: (فإن كانت فعلية والفعل مضارع مثبت، امتنع دخولها أي: دخول الواو (نحو: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (١)) أي: لا تعط والحال أنك لا تعده كثيرا، والنهي راجع إلى الحال وإلا فالعطاء غير ممنوع؛ (لأن الأصل) في الحال هي الحال (المفردة).
قال الشارح المحقق: بعرافة المفرد في الإعراب، وتطفل الجملة عليه بسبب وقوعها موقعه، وهذا يوجب أن يكون الأصل المفردة الغير المثبتة؛ إذ لا عرافة لها في الإعراب، والحكم بإعرابه لوقوعه في محل لو وقع فيه معربا لأعرب؛ فالأولى أن يبين عرافته في الحالية بالعرافة في الارتباط، فإن المفردة ترتبط بذاتها، والجملة إنما ترتبط بتأويلها بالمفردة.
(وهي تدل على حصول صفة) عارية عن شائبة النفي؛ إذ نهج الحال أن يقال: جاء زيد راكبا، ولا يقال ماشيا، وأن يقال: جاء زيد ماشيا لا راكبا صرح به «المفتاح».
وقال السيد السند في شرح «المفتاح»: يمنع عن قولنا: لا راكبا نظر البليغ وأن لا ينازع فيه النحوي، فلا يرد أن ثبوت صفة يوجد مع النفي؛ لأن النفي أيضا صفة، إلا أنه صفة غير محصلة (غير ثابتة (٢) مقارن) ومعنى المقارنة:
اتحاد زمان مضمون عامله ومضمونه، لا اتصال زمانيهما، كما هو ظاهر المقارنة لما جعل (قيدا له) من عامله (وهو كذلك) أي: المضارع المثبت، كالمفردة في جميع هذه الصفات، فكما لا تدخل الواو، والمفردة لا تدخله، وإنما جعلنا
стр. 658
ضمير وهو كذلك راجعا إلى المضارع لما في الإيضاح والمضارع كذلك، ودلالة المضارع يستلزم دلالة الجملة الحالية، وبهذا الاعتبار يتم التعليل، وإلا فالمطلوب امتناع دخول الواو على الجملة الحالية بمشابهتها المفردة، فلا يفيد مشابهة المضارع، ولك أن تجعل ضمير وهو راجعا إلى هذا القسم من الفعلية التي فعلها مضارع، وتجعل قوله: (أما الحصول فلكونه فعلا مثبتا) في تقدير فلكون فعله فعلا مثبتا.
وقوله: (وأما المقارنة فلكونه مضارعا) في تقدير فلكون فعله مضارعا، وهكذا الحال في نظائره في الحمل والصرف عن ظاهره، ووجه دلالة المضارع على المقارنة أنه يدل على الحال بحكم الوضع والحال مقارن لزمان عامله، وهذا غلط نشأ من اشتراك لفظ الحال بين ما يقابل زمان استقبال وبين ما نحن فيه، وإنما ركن المصنف إليه؛ لأنه شاع في هذا المبحث هذه المغلطة فلاح له أنهم بنوا هذا التعليل عليه، وإن كان ظاهر الضعف و «للمفتاح» مسلك آخر، وهو أن المشارك للمفردة في الدلالة على الحصول وعدم الثبوت يأبى عن الواو، وهو المضارع فقط؛ إذ الماضي المثبت لمقارنة قد لفظا أو تقديرا كالمنفي فإنه قد سلب الاحتمال عن الماضي، كيف والماضي قبل دخول قد عليه احتمل كل جزء من أجزاء الماضي، وقد حصره فيما يقرب الحال كما أن النفي جعله مستغرقا غير محتمل لكل جزء، والشارح قال: الأولى أن يتمسك بدل الدلالة على المقارنة بأنه يوازن اسم الفاعل، وبتقديره معنى؛ لأنه يشترك بين الحال والاستقبال، ونحن نقول:
المضارع يشارك اسم الفاعل في الإعراب، ولما جاء في النظم والنثر الواو مع ما يظن به أنه حال وجب عليه الذّبّ عن قاعدته الممهدة من امتناع دخول الواو على المضارع المثبت.
فقال: (وأما ما جاء من نحو) وأشار بإدراج لفظ النحو إلى أنه غير مقتصر على ما ذكر (قول بعض العرب: قمت وأصك وجهه، وقوله) أي: عبد الله ابن همام السلولي
[(فلمّا خشيت أظافيرهم) أي: أسلحتهم، كذا في الشرح، ولك أن تريد قوتهم على عكس ما شاع من التعبير عن الضعف بقلم الأظافر (نجوت وأرههم
стр. 659
مالكا] (١).
فقيل: على حذف المبتدأ أي: أنا أصك وأنا أرهنهم) وهو بعيد؛ إذ لا ينبغي للبليغ أن يبرز تركيبه بالحذف في معرض الممتنع (وقيل: الأول شاذ) مخالف للقياس (والثاني ضرورة).
وقال عبد القاهر: هي أي: الواو (فيهما للعطف والأصل قمت وصككت، ونجوت ورهنت عدل) من لفظ الماضي (إلى لفظ المضارع حكاية للحال الماضية) وإحضارا لها في صورة الكائن المتحقق في الحال لغرابتها، (وإن كان) الفعل مضارعا (منفيا فالأمران) الظاهر الأمران بدون الفاء ليكون بتقدير جاز الأمران في مقابلة امتنع دخولها، وكأنه أشار بذكر الفاء إلى تقدير الماضي، مع قد للتحقيق المناسب لمقام المخالفة مع «المفتاح» حيث جعل الأمرين مستويين.
وقد رجح «المفتاح» ترك الواو، ولم يجعل استواء الأمرين إلا في الظرف الذي يحتمل الاسمية والفعلية، ورأيته على كتفه سيف، لأنه يحتمل تقدير سيف على كتفه، وتقدير يكون على كتفه سيف (كقراءة ابن ذكوان) كعطشان راوي ابن عامر (فاستقيما ولا تتبعان (٢) بالتخفيف) أي: بتخفيف النون، فإن لا حينئذ للنفي دون النهي؛ فيكون إخبارا فلا يصح العطف فتعين أن يكون حالا.
كذا في الشرح.
وفيه أنه فليكن نفيا في معنى النهي، عبر عنه بصورة الخبر مبالغة فيكون موافقا للقراءة العامة نهيا ونفيا وتأكيدا (ونحو وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ) (٣) أي: ما نصنع حال كوننا غير مؤمنين، ومجموع الآيتين مثال جواز الأمرين والشارح جعلهما مثالين للواو ولتركه بطريق اللف والنشر وإعادة النحو في قوله:
ونحو ما لنا يرجح نحوه.
стр. 660
وأشار إلى وجه جواز الأمرين بقوله (لدلالته على المقارنة؛ لكونه مضارعا دون الحصول) أي: الثبوت والتجدد فإن كلا منهما منتف أما الثبوت فللنفي، وأما الحدوث فلأن النفي أزلى، وإليهما أشار بقوله: (لكونه منفيا) ومما ينبغي أن يعلم أن المنفي بلن لا تقع حالا؛ لأنها حرف استقبال ويشترط في الجملة الواقعة حالا خلوها عن حرف الاستقبال كالسين ولن ونحوهما.
وعلله النحاة بتنافي الحال والاستقبال، وهذه مغالطة ظاهرة نشأت من اشتراك لفظ الحال بين هذا القسم من المنصوب وبين ما يقابل الاستقبال؛ ولما كان هذا غلطا فاحشا أراد الرضي أن يبريهم عن الغلط بأن يجعل كلامه بيان سرّ نحويّ صار دأبهم فيه القناعة بما هو أوهن عن بيت العنكبوت فقال: معنى كلامهم أنهم لم يرضوا بتقدير الحال بما يوهم التنافي بينه وبين الحال، بناء على أن له منافاة بمعنى آخر للحال.
وقال السيد السند: اشتراك لفظ الحال بين ما ينافي الاستقبال وبين الجملة الحالية الغير المنافية له لا يقتضي كراهة تصدير الجملة الحالية بعلم الاستقبال فهذا وجه مستتبع جدّا، وقد عرفت أن الكراهة لإيهام التنافي، وهو مما يقنع به في الاستعمالات، نعم هنا أمر آخر يتعجّب عن غفلة هؤلاء الفحول عنه، وهو أن وضع الحال للجملة الحالية استعمال نحوي حدث بعد وضع اللغة بمدد مديدة، فكيف يجعل الإيهام الناشيء من قبله داعيا لاستعمال العرب وتحرزهم فيه عما يوهم التنافي بعد هذا الوضع، ولا يبعد أن يقال: التحرز عن دخول علم الاستقبال؛ لأنه بمنزلة اسم الفاعل لمشاركته له لفظا ومعنى، ولا يدخل عليه ما هو علم الاستقبال فلم يرضوا لدخوله على ما هو بمنزلته، وإنما رضوا بدخول لم ولما لأنهما يخرجانه إلى المضي، فلا يكون كاسم الفاعل معنى. وزعم بعض النحاة أن المنفي بلفظ ما يجب أن يكون بدون الواو لأن المضارع المجرد يصلح للحال فكيف إذا ضمّ إليه ما يدل بظاهره على الحال، وهو ما وهذا مبني على أن يكون وجه امتناع المضارع عن الواو وظهوره في الحال.
وأما على ما ذكره المصنف فغير متجه لفوات الدلالة على الحصول بل الحدوث؛ لأن النفي في الحال لا ينافي الاستمرار فالجواب عما ذكروا منع كون
стр. 661
العلة ما ذكروه لا أن الدلالة على الحصول قد فاتت كما ذكره الشارح، وجعل ما ذكره راجعا إلى ما ذكرنا بعيد عن سوق كلامه ولا مشاحة مع من يرضى في مقام التوجيه بإخراج البياني عن نظامه.
والشيخ عبد القاهر نص على جواز الواو مع ما (وكذا) أي: كالمضارع المنفي (إن كان) الفعل في الجملة الحالية (ماضيا لفظا أو معنى) بأن يكون مضارعا منفيا بلم أو لما في جواز الأمرين على السواء، واستوفى أمثلة الأقسام إلا لما، لا مع الواو.
وقال الشارح لأنه لم يجده: وحكمه بجواز الأمرين فيه بمقتضى القياس (كقوله تعالى: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ (١) وقوله: أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) (٢) واستدل به من يوجب قد في الماضي المثبت (وقوله: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ (٣) وقوله: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ (٤) وقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ (٥) أما المثبت فلدلالته على الحصول) لكونه فعلا مثبتا دون المقارنة لكونه ماضيا والماضي لا يقارن الحال، وفيه ما مضى من المغالطة، وكذا في قوله (ولهذا) أي: لعدم دلالته على المقارنة (شرط) الماضي المثبت (بأن يكون مع قد ظاهرة أو مقدرة).
وقال الشارح: التقدير شرط في الماضي المثبت أن يكون مع «قد» ظاهرة أو مقدرة؛ لأن «قد» تقرب الماضي من الحال، ودفع الرضي المغالطة بمثل ما سمعت، وتعقبه السيد بمثل ما تعقب به سابقا فتذكر ما سمعت منا، ومما زاد الشارح في هذا المقام أنه قال: لو كان المعتبر هو المقارنة للحال التي هي زمان التكلم؛ لوجب تصدير المضارع المثبت بالواو إذا كان العامل مستقبلا كقولنا:
سيجيء الأمير تقاد الجنايب بين يديه؛ لعدم المقارنة للقطع بأن المضارع
стр. 662
هاهنا ليس بمعنى الحال، وفيه: أولا أن اللازم عدم صحة الوقوع حالا، لا وجوب الواو التي هي فرع الوقوع حالا، وثانيا أنه بانتفاء الدلالة على المقارنة ينتفي استواء الأمرين دون وجوب الواو، ويمكن دفع الثاني بمزيد تكلف تركناه لمن لا ينزه عنه.
وقال السيد السند: إن الحق أن امتناع تصدير الحال بعلم الاستقبال ووجوب «قد» في الماضي؛ لأن المضارع في الحال يستعمل في الحال بالنسبة إلى العامل يعني في حال العامل، والماضي قيد بقد لتقريبه من الحال بالنسبة إلى عامله يعني لتقريبه بزمان العامل، ولو قيد المضارع بعلم الاستقبال لأوهم الاستقبال بالنسبة إلى العامل، والحاصل أنه كما يكون المراد بالمستقبل الاستقبال حقيقة أو بالنسبة إلى ما قبله كذلك الحال والماضي، وهو المعتبر في الحال.
وهذا المقال نعم المقال لو ثبت أن المراد بصيغة المضارع أبدا معنى الحال بمعنى حال العامل وبالماضي مع «قد» المقرب من زمان العامل، ولا وثوق مع هذه الدعوى بمجرد أن النحوي ادعى التزام قد فليكن الحق مع من لم يجعله ملتزما فربما تكون الحال مع قد لتقريب الماضي من زمان الحال، وحينئذ يكون هي وعاملها مقربين بالحال، وتارة تكون على مضيها فلا تكون مع قد، هذا ثم يرد أنه لما قربها قد من زمان الحال، وحصلت المقارنة يجب أن يمتنع الواو إلا أن يقال:
فرق بين ما هو عارض وبين ما هو لذاته فإن قلت: قول أبي العلاء:
أصدّقه في مرية وقد امترت ... صحابة موسى بعد آياته التّسع
يشهد على اشتراط المقارنة في الحال، وكذلك قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً (١) قلت: يتكلف في أمثالهما لتحصيل المقارنة بتأويل الحال بقولنا: والقصة هذه، والقصة قصة أزلا وأبدا أو بقولنا: ومعلوم ذلك والعامل مقارن بزمان العلم (وأما المنفي فلدلالته على المقارنة دون الحصول أما الأول فلأنّ «لما» للاستغراق) أي: لامتداد النفي من حين الانتفاء إلى حين التكلم نحو: ندم زيد ولما ينفعه الندم، أي: عدم نفع الندم متصل بحال التكلم (وغيره) أي: غير «لما» مثل «لا» «ولم» (لانتفاء متقدم) على زمان التكلم (مع أن
стр. 663
الأصل استمراره) أي: استمرار الانتفاء لاستمرار الانتفاء المتقدم كما يستفاد من الشرح؛ لأن تحقيقه يؤدي إلى أن الأصل استمرار النفي مطلقا (فيحصل به) أي: بأن الأصل استمراره كما في الشرح لا باستمراره ليعم «لما»؛ (لأنه مخصوص بغير لما) بقرينة قوله: الدلالة عليها عند الإطلاق؛ لأنه عند عدم التقييد بما يخرجه عن الاستمرار ينصرف إليه.
والفرق بين «لما» و «لم» كما بين لا لنفي الجنس ولا بمعنى ليس، في أن الأول نص في الاستغراق فلا يمكن تخصيصه، فلا يقال لا رجل، بل رجلان، والثاني ظاهر فيه ويجامع الإثبات في البعض، فكذا لا يصح لما يضرب زيد أمس، بل ضرب الآن، ويصح لم يضرب أمس، بل ضرب الآن بخلاف المثبت فإن وضع الفعل على إفادة التجدد من غير أن يكون الأصل استمراره، فإذا قلت: ضرب زيد لا يستفاد منه إلا الضرب في جزء من أجزاء الزمان الماضي.
(وتحقيقه) أي: تحقيق أن الأصل استمرار النفي (أن استمرار العدم لا يفتقر إلى سبب) أي: إلى وجود سبب إذ سببه عدم السبب، وإلا فلا بد للممكن من سبب سواء فيه وجوده وعدمه؛ إذ ما لا يفتقر عدمه إلى سبب هو الممتنع لذاته.
(بخلاف استمرار الوجود).
قال الشارح: ولكون الأصل استمرار العدم دون الوجود كان النهي موجبا للتكرار دون الأمر، وكأنّ نفي النفي داوم الإثبات كما فيما زال وأخواتها، وأورد عليه أن نفي النفي دوام النفي، ونفي الدوام لا يقتضي الثبوت دائما، فداوم الإثبات في مازال لا بد له من مقتض سوى ورود النفي، وجوابه أن النفي حين ورود النفي عليه خارج عن أصله؛ لأنه لو استمر لم يرد النفي عليه، والنفي الوارد على أصله فنفي النفي داوم العدم لنفي في الجملة فيفيد دوام الثبوت.
وقيل: نزل النفي المدخول منزلة الثبوت ليكون النفي والثبوت في طرفي يقتضي (وأما الثاني فلكونه منفيّا) وفيه ما عرفته غير مرة (وإن كانت) الجملة اسمية (فالمشهور جواز تركها لعكس ما مر في الماضي المثبت) أي للدلالة على
стр. 664
المقارنة بحكم الاستمرار لا على حصول صفة غير ثابتة.
أما المثبت فللثبات، وأما المنفي فلعدم الحصول، وإنما لم يكتف بقوله:
(وأن دخولها أولى) لاختصاص جواز الترك بتعليل (لعدم دلالتها) أي:
الاسمية على عدم الثبوت، هذا علة جواز الترك ومدار الأولوية على قوله: (مع ظهور الاستيناف فيها) فالأولى الاكتفاء به، ووجه ظهور الاستيناف فيها دون الفعلية أن الفعلية قريب من الصفة فكونها حالا أقرب من الاسمية.
(فحسن زيادة رابطة نحو: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١) في الشرح أي وأنتم من أهل المعرفة أو وأنتم تعلمون ما بينه وبينها من التفاوت.
هذا ونحن نقول والله أعلم: وأنتم تعلمون التفاوت بينكم وبينها فهل تعدلون من الله تعالى إلى من دونكم في الرضى أن الجملة المصدرة بليس في حكم الاسمية؛ لأن ليس في معنى النفي بخلاف ما كان وما يكون.
(وقال عبد القاهر (٢): إن كان المبتدأ) في الجملة الاسمية (ضمير ذي الحال وجبت الواو) سواء كان الخبر فعلا أو اسما كما أشار إليه بقوله (نحو: جاء زيد وهو يسرع أو وهو مسرع) ونسبه الرضي إلى الأندلسي، وقال: وجه الوجوب أنه لا يزيد على الحال المفردة بحسب المآل فنبه بالواو، على أن القصد إلى الجملة لا إلى المفرد بالتأويل كما يدعو إليه مساواته بالمفرد.
وقال الشيخ: وذلك لأن الجملة أي: الحالية لا يترك فيها الواو حتى يدخل في صلة العامل، أي: عامل الحال، وينضم إليه في الإثبات ويقدر بتقدير المفرد في أن لا تستأنف بها الإثبات، فترك الواو في: جاء زيد يسرع بجعله في قوة مسرعا في عدم القصد إلى الإثبات فيه، وهذا مما يمتنع في: جاء زيد وهو يسرع، أو وهو مسرع لأنك إذا أعدت ذكر زيد وجبت بضميره المنفصل المرفوع كان بمنزلة إعادة اسمه صريحا في أنك لا تجد سبيلا إلى أن يدخل «يسرع» في صلة المجيء وتضمه إليه في الإثبات من غير استيناف إثبات؛ لأن ذكره لا يكون حتى يقصد استيناف الخبر عنه بأنه يسرع، وإلا لكنت تركت المبتدأ بمضيقه، وجعلته لغوا في
стр. 665
البين وجرى مجرى أن تقول: جاءني زيد وعمرو يسرع بإيراد جملة مخالفة للأولى في المسند إليه والمسند، ثم تزعم أنك لم تستأنف كلاما ولم تبتديء للسرعة إثباتا.
وعلى هذا فالأصل والقياس أن لا تجيء الجملة الاسمية إلا مع الواو، وما جاء بدونه فسبيله سبيل الشيء الخارج عن القياس والأصل بضرب من التأويل ونوع من التشبيه؛ وذلك لأن معنى كلمته: فوه إلى في مشافها، وجاء زيد حاضراه الجود والكرم بمنزلة حاضره الجود والكرم بسبب تقديم الخبر، أي:
حاضرا عنده الجود والكرم، ويجوز أن يكون جميع ذلك على إرادة الواو كما جاء الماضي على إرادة «قد».
هذا كلامه مع أدنى توضيح، فاستفاد منه الشارح أن الجملة الاسمية مطلقا يجب فيها الواو، والوجوب في جملة مبتدأها اسم صريح آكد، حيث جعلت مشبها بها، وأن الجملة الاسمية مطلقا لا يترك فيها الواو إلا بالتأويل بالمفرد، وقال:
وافقه الكشاف على ذلك، وتبعه السيد السند، وجعل نقل المصنف مختلّا في تخصيص وجوب الواو بالضمير.
وقال السيد: الحق أن الظاهر الموضوع موضع المضمر في حكمه فلا تفاوت بين جاء زيد وهو يسرع أو وزيد يسرع.
أقول: لو لم يكن الحكم مختصّا بالضمير لم يكن لتخصيص الحكم بالضمير معنى فالحكم على خصوص الضمير من الشيخ ينبيء عن تخصيصه به.
وأما تشبيه الضمير في استيناف الحكم بالظاهر فلأن الاستئناف فيه أظهر؛ لأنه جعل السابق مقطوع النظر حيث لم يذكر مقتضاه من الضمير، وأيضا استئناف الحكم في: جاء زيد وعمرو يسرع أظهر من وهو يسرع؛ فلذا جعل مشبها به له في استيناف القصد إلى الإثبات، لكنه أبعد مما جعل فيه المبتدأ اسما ظاهرا عن التأويل بالمفردة؛ إذ عند عدم القصد إلى الاستيناف لا وجه لذكر الضمير في نحو: جاء زيد وهو يسرع، دون الاكتفاء بقوله: يسرع، ولذكر الظاهر وجه، ولو كان في موضع الضمير؛ لأن إليه داعيا لا محالة فلا مجال لعدم قصد الاستيناف في المبتدأ الضمير فلا بد من الواو وللربط بخلاف المبتدأ الظاهر.
стр. 666
فإنه يحتمل الإيراد لداع مع عدم قصد الاستيناف فلا حاجة إلى الواو ولتنزيله منزلة المفردة، وبهذا يتبين أنه ليس الظاهر الموضوع موضع الضمير مثل الضمير كما زعم السيد السند، ويعلم منه أن الجملة الحالية مما يقصد به استيناف الإثبات، وأن الجملة التي في محل الإعراب لا يجب تأويلها بالمفرد، وترتبط بغيرها مع أنها جملة كما زعم الرضي، على خلاف ما عليه ابن الحاجب من وجوب التأويل بالمفرد.
ومما يستفاد من الكشاف أن الجملة المعطوفة على الحال يجب فيها ترك الواو وكراهة اجتماع حرفي عطف؛ لأن واو الحال واو عطف في الأصل.
ثم قال الشيخ: مقوله كل ما ذكر إلى آخر التذنيب.
(وإن جعل نحو: وعلى كتفه سيف، حالا كثير فيها تركها) نحو قول بشار:
إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها
ونحو:
خرجت مع البازي عليّ سواد (١)
ثم قال الشيخ: الوجه في مثل هذا أن يكون الاسم فاعلا للظرف لاعتماده على ذي الحال لا مبتدأ أو ينبغي أن يقدر هاهنا خصوصا أن الظرف في تقدير اسم الفاعل دون الفعل، اللهم إلا أن يقدر فعلا ماضيا مع قد.
وقال المصنف لعله إنما اختار تقديره باسم الفاعل لرجوعه إلى أصل الحال وهي المفردة؛ ولهذا كثر فيها ترك الواو، وإنما جوز التقدير بالفعل الماضي لمجيئها بالواو قليلا، وإنما لم يجوز التقدير بالمضارع، لأنه لو قدر بالمضارع لامتنع الواو.
قال الشارح المحقق: وفيه نظر؛ لأنه كما أن أصل الحال الإفراد، فكذا الخبر والنعت، فالواجب أن يذكر مناسبة يقتضي اختيار الإفراد في الحال على الخصوص دون الخبر والنعت ولأن الأهم أن جواز التقدير بالمضارع يوجب امتناع
стр. 667
الواو، وكيف لا وجواز التقدير بالمفرد لا يوجب امتناعها؛ إذ يكفي لجوازها إمكان تقدير الماضي، وجعل الجملة الاسمية، والحق جواز تقدير الجملة الاسمية وفعلية ماضوية ومضارعية، فكثرة ترك الواو للاسمية والإفراد والمضارعية، ومجيء الواو لاحتمال الاسمية والماضوية.
هذا ونحن نقول: يمكن إتمام ما ذكره المصنف بضميمة أن المبتدأ والمنعوت أدعى للخبر والنعت من ذي الحال للحال؛ ولذا كان احتياج الجملة الحالية إلى الربط أشد فأصالة الإفراد فيها آكد، ومع ذلك يحتاج في تقديرها اسمية إلى خلاف أصل هو تقديم الخبر، فتقدير الظرف فيها جملة يحتاج إلى مزيد مؤنة، فالوجه تقديره مفردا ولولا مجيئه قليلا بالواو لم يقدر جملة فتقدير الفعل مع أنه خلاف الأصل لتصحيح الواو وتقدير الماضي مع «قد» مرجح على جعل الجملة اسمية؛ لأنه يجوز في ترك الواو من غير ترجيح الذكر، ومن غير ارتكاب تقديم الخبر.
(ويحسن الترك) ولقد أعجب حيث ختم بحث التذنيب بمحسن الترك كما ختم بحث الأصل بمحسن الوصل أي: يحسن ترك الواو في الجملة الاسمية (تارة لدخول حرف) من نواسخ المبتدأ (على المبتدأ كقوله) أي: الفرزدق:
(فقلت عسى أن تبصريني ... كأنّما بني حواليّ الأسود الحوارد) (١)
أي: الغواضب من حرد إذا غضب فقوله بني الأسود جملة اسمية وقعت حالا من مفعول تبصريني، ولولا دخول كأن عليها لم يحسن ترك الواو، وحوالي بمعنى في أكنافي حال من بني لما في حرف التشبيه من معنى الفعل، وإنما حسن ترك الواو؛ لأنه جعل الجملة في معنى مشبها بني بالأسود الحوارد.
(وتارة لوقوع الجملة) الاسمية الحالية (تعقب مفرد) الأولى مفردة؛ ليخص الحال ولا يشكل بجاءني زيد وأبوه قائم، وينبغي أن يقيد الوقوع بأن يكون لا بطريق العطف؛ لأن ترك الواو فيه واجب كما نص عليه الكشاف.
(كقوله) أي: قول ابن الرومي:
стр. 668
(والله يبقيك لنا سالما ... برداك تبجيل وتعظيم) (١)
الشاهد غير منصوص به لاحتمال أن يكون برداك فاعلا سالما، ويكون تبجيل بدلا من برداك، إذ وصف البدل النكرة من المعرفة لا يجب، بل يحسن وإذا سلم تبجيل الرجل وتعظيمه فقد سلم الرجل؛ لأن سلامة التبجيل فرع السلامة فتأمل.
وأيضا إنما تكون الحال الجملة عقيب حال مفردة لو لم تكن الحال الجملة معمولا سالما؛ لأنه حينئذ لم تتعدد الحال حتى تكون الجملة عقيب مفردة، فما ذكره الشارح من أنه يجوز أن يكونا حالين مترادفين، وأن يكونا متداخلتين فلعل غرضه التنبيه على ما ذكرنا من عدم كونه منصوصا، وإلا لكان مختلا فتأمل.
إلهي محامدك أجل من الإحراز، وغاية الإطناب فيها نهاية الإيجاز، تذييل كل حامد محاد غيره بمحامد غيرها خال عن التكميل والتتميم وكائنات الأزل إلى الأبد في جنب قدرتك تخصيص بعد التعميم، اجتهاد المجتهدين في عبادتك لا يأمن الاعتراض بالتقصير، ولذة الذاكرين لأسمائك الحسنى تزيد بالتكرير بعد التكرير، فكيف نوفي حق حمدك بالأفعال وغاية المني فيه الاجتناب عن الإهمال
(الإيجاز والإطناب والمساواة) (قال السكاكي) (٢) في أول باب الإيجاز والإطناب: (أما الإيجاز والإطناب فلكونهما نسبيين) (٣) أي: من الأمور النسبية التي يكون تعقلها بالقياس إلى تعقل شيء آخر، فإن الموجز إنما يكون موجزا بالنسبة إلى كلام أزيد منه، وكذا المطنب إنما يكون مطنبا بالقياس إلى كلام أنقص منه (لا تيسير الكلام فيها إلا بترك التحقيق) والتعيين يعني لا يمكن أن يقال على التعيين إلا الإتيان بهذا المقدار إيجاز، وبذلك المقدار إطناب؛ إذ رب موجز هو مطنب بالنسبة إلى كلامين.
стр. 669
(والبناء على أمر عرفي) (١) أن يتعارف بين أهل العرف في أداء المقاصد من غير رعاية بلاغة ومزية (وهو متعارف الأوساط) الذين يكتفون بأداء أصل المعاني على ما ينبغي (أي: كلامهم في مجرى عرفهم في تأدية المعاني) وربما يشتمل متعارفهم على الحذف، ومع ذلك لا يسمى اختصارا وإيجازا؛ لأنه متعارفهم، فإن عرفهم في طلب الإقبال: «يا زيد» وهو مشتمل على الحذف وفي التحذير «إياك والأسد» وامرأ ونفسه وحمدا وسقيا.
(وهو لا يحمد في باب البلاغة) من الأوساط كذا ظاهر عبارة «المفتاح»، ولا يحمد أيضا من البليغ معه، لأنه لا يقصد معهم بكلامه مزية سوى التجريد عن المزايا، وبذلك يرتقي عن أصوات الحيوانات.
(ولا يذم) أيضا لا منهم، ولا من البليغ معهم.
وأما المتكلم بمتعارفهم إذا عرى عن المزية فلا يحمد من البليغ معهم، ويذم منه مع البليغ، وإذا اشتمل على المزايا التي هم غافلون عنها كما في إياك والأسد فمعهم لا يحمد من البليغ ولا يذم، ومن البليغ يحمد؛ لأن البليغ قصد به مزايا يتعلق بالإيجازات التي فيها.
(فالإيجاز أداء المقصود بأقل من عبارة المتعارف) الأولى من المتعارف لأنّ المتعارف هو العبارة (والإطناب أداؤه بأكثر منها).
ثم قال في آخر الباب: الاختصار لكونه نسبيا يرجع فيه أي: المرجع في معرفته (تارة إلى ما سبق) أي: كونه أقل من عبارة المتعارف، وهذا التفسير أنسب من تفسير الشارح؛ حيث قال: أي إلى كون عبارة المتعارف أكثر منه، لأن المطابق لما سبق ما ذكرناه إلا أن الشارح راعى المناسبة بقوله (وأخرى إلى كون المقام أي: ظاهر المقام خليقا بأبسط مما ذكر) أي: مما ذكر في المقام فللاختصار معنيان كونه أقل من عبارة المتعارف، وكونه أقل مما يقتضيه ظاهر المقام هل الإيجاز كذلك؟ لم يعلم من كلام المفتاح صريحا، نعم يفهم من قوله في ذكر أمثلة الإيجاز، ومن أمثلة الاختصار أنه لا يفرق بينهما، بل المتبادر من قوله
стр. 670
ثم الاختصار لكونه من الأمور النسبية في مقام تحقيق الإيجاز أنه لا يفرق بين العبارتين.
(وفيه نظر) قد يقصر نظر المصنف، وفات عنه أمران ظاهران:
أحدهما: أنهم جعلوا نحو: نعم الرجل زيد من الإطناب، ولا عبارة للأوساط غيره.
وثانيهما: أنه لم يحفظ تعريف الإيجاز عن دخول الإخلال.
وتعريف الإطناب عن الحشو والتطويل؛ (لأن كون الشيء أمرا نسبيا لا يقتضي تعسر تحقيق معناه) لأن كثيرا من النسبيات يعرف تعريفات جامعة مانعة، وقد عرفت أن مراد السكاكي بتعسر التحقيق تعسر تحقيق مقدار الإيجاز والإطناب لا تعسر تعيين مفهوميهما.
قال الشارح: كيف وقد تبين مفهوماهما في كلام السكاكي، وفيه أنه تبين بالبناء على أمر عرفي على طبق دعواه أنه لا يتيسر إلا بالبناء عليه، (ثم البناء على المتعارف والبسط الموصوف رد إلى الجهالة).
وأجاب عنه الشارح بأن عرف الأوساط معلوم للبليغ وغيره، فتعيين الإيجاز والإطناب به نافع للكل، وأما البناء على البسط الموصوف فإنما ينفع البليغ؛ لأنهم يعرفون أن كل مقام يقتضي أي مقدار من البسط وفيه بحث؛ لأنّ متعارف أوساط العرب لا يتيسر للعجم، فالتعريف لا ينفع إلا بمتتبع لغة العرب، والتضيف عام لكل محصل فهو رد إلى الجهالة لكثير من المخاطبين، وأن البليغ لا يحتاج إلى علم المعاني، فتعريفات الفن لطالبي البلاغة، لا للبلغاء فالتعريف لما يخص معرفته بالبلغاء رد إلى الجهالة، نعم إنما ينفع التعريف؛ لأن معرفة ما سبق في الأبواب السابقة يكفل من معرفة المقامات ما يكفي في معرفة البسط اللائق بالمقام.
(والأقرب) إلى الصواب وإلى الفهم (أن يقال: المقبول من طرق التعبير عن المراد) (١) احتراز عن غير المقبول من الإخلال والتطويل والحشو تأدية أصله،