أوصاف الجسم كالشكل واللون)، ومع ذلك في قوله يجيء في الهيئات تسامح، والمراد أنه يجيء في الحركات الواقعة على الهيئات يرشد إلى ذلك قوله فيما بعد من الهيئة الحاصلة من الاستدارة مع الإشراق والحركة السريعة المتصلة، مع تموج الإشراق.
وأصل هذا الكلام ما نقل عن الشيخ في أسرار البلاغة: اعلم أنما يزاد به التشبيه سحرا أن يجيء في الهيئات التي تقع عليها الحركات والهيئة المقصودة في التشبيه على وجهين.
أحدهما: أن يقترن بغيرها من الأوصاف. والثاني: أن تجرد هيئة الحركة، حتى لا يراد غيرها، فجعل الشيخ الهيئات طرف التشبيه لا وجه الشبه المركب، وجعل الهيئة المقصودة بالتشبيه على وجهين؛ لأنه يجيء في الهيئات التي تقع عليها الحركة فيرى كلامه عن شائبة اضطراب، ولم يحتج إلى تكلف.
(كما) أي وجه شبه (في قوله) أي: ابن المعتز أو أبي النجم [(والشمس كالمرآة في كفّ الأشلّ)] (١) أي: الرجل الأشل، والشلل أي: اليبس في اليد، أو ذهابها، والمراد هاهنا المرتعش؛ لأن عديم اليد ويابسها لا يكون في كفه مرآة.
وقد صرح به السيد السند في شرحه للمفتاح.
(من الهيئة الحاصلة من الاستدارة مع الإشراق) الظاهر أن يضم إليه تموجه، فيقول: وتموجه إلا أنه أخره عن قوله: (والحركة السريعة المتصلة)؛ لأنه مسبب عنها، وعدل عن قول المفتاح، وشبه تموج الإشراق إلى قوله (مع تموج الإشراق)؛ لأنه مغلق إذ إضافة الشبه إلى الإشراق معنى، والتركيب من قبيل حب رمانك لمن لا رمان له وله حب رمان؛ إذ لا تموج للإشراق؛ لأنه اضطراب موج البحر، بل له ما يشبه التموج فحذف الشبه، وأراد بالتموج الاضطراب.
стр. 772
(حتى يرى الشعاع) بالضم كالشعة الذي تراه من الشمس كالجبال مقبلة عليك إذا نظرت إليها أو الذي تراه ممتدا كالرياح بعيد الطلوع، وما أشبه، وبالفتح له معان أخر لا يناسب المقام وتفصيلها في القاموس.
(كأنه بهم) كيعم (بأن ينبسط) أي: يزيد الانبساط، تقول: هممت بالشيء إذا أردته (حتى يفيض) أي: يسيل استعار الفيض للشعاع كما استعار التموج للإشراق للآلاف من أجزاء الكلام ورعاية لغاية الانتظام (من جوانب الدائرة، ثم يبدو له) أي: يندم، وأصله بداله رأي آخر غير الأول، وإسناد الندامة إلى الشعاع عديل لإثبات الإرادة له وملايم له (فيرجع من الانبساط) الذي بداه (إلى الانقباض) كأنه مجمع من الجوانب إلى الوسط وهذه الهيئة إنما يظهر في الشمس بعد تجديد النظر إليها ليتبين جرمها، بخلاف المرأة فإنه يؤدبها في بادي النظر؛ فلذا جعلت مشبها بها للشمس.
(والثاني) من الوجهين (أي: تجرد) الحركة (عن غيرها) ولا يلاحظ منها غيرها من أوصاف الجسم.
(فهناك أيضا لا بد من اختلاط حركات) أي: امتزاجها ومزج العقل وتركيبه إياها (إلى جهات مختلفة) يتعلق بالحركات، أي: لا بد من أن يتحرك بعض الجسم إلى اليمين وبعضه إلى الشمال مثلا، أو يتحرك تارة إلى اليمين، وتارة إلى الشمال مثلا، فتدبر ولا تقتصر، وإلا لكان وجه الشبه مفردا.
ومعنى قوله أيضا أنه كما لا بد من حركات لا بد من كونها إلى جهات مختلفة، وهذا أظهر مما فسره الشارح به من أنه كما لا بد في الوجه الأول من أن يقرن الحركة بغيرها لا بد في الوجه الثاني أيضا من اختلاف حركات مختلفة بالجهات فإن قلت: لا شبهة في إمكان انتزاع الهيئة المركبة عن حركات مختلفة بالسرعة والبطء إلى جهة واحدة، وعن حركات الأجسام إلى جهة واحدة.
قلت: لعله أراد أنه لا بد لهذا القسم من بديع المركب الحسي من الاختلاط المذكور، فإنه لو انتفى لم يبق مركبا كما أشار إليه بقوله (كحركة الرحى والسهم لا تركيب فيها) أو بقي، ولم يكن بديعا كما ذكرت، إلا أنه اكتفى بذكر ما هو أبعد لزوما لانتفاء الشرط فتأمل.
стр. 773
ويؤيد ما ذكرنا ما قال الشيخ: كل هيئة من هيئات الجسم في حركاته إذا لم يتحرك إلى جهة واحدة فمن شأنه أن يفر ويندر، وكلما كان التفاوت في الجهات التي يتحرك إليها أبعاض الجسم أشد كان التركيب في هيئة المتحرك أكثر.
(بخلاف حركة المصحف في قوله) أي: قول ابن المعتز [(وكأنّ البرق مصحف قار) اسم فاعل من قرأ، حذفت همزته بعد قلبها لانكسار ما قبلها، كما قلب في بادي الرأي، لذلك كما ذكر في التفسير (فانطباقا مرّة وانفتاحا)] (١) أي ينطبق انطباقا مرة وينفتح انفتاحا مرة، إلا أن يكون الانطباق والانفتاح في البرق سريعا دون مصحف القارى، إلا أن يندم القارى عن القراءة فيجعله منطبقا عقيب الانفتاح، فالمصحف يتحرك إلى العلو في الانطباق وإلى السفل في الانفتاح من لطيف ذلك قول الشاعر في صفة الرياض:
حفّت بسرو كالقيان تلحّفت ... خضر الحرير على قوام معتدل
فكأنّها والرّيح جاء يميلها ... تبغي التّعانق ثمّ يمنعها الخجل (٢)
السرو: اسم جنس، يطلق على القليل والكثير، والقيان: ككتان جمع قنية كرحمة، وهي الجارية مغنية كانت أو غيرها، والتلحف: أخذ الشيء لحافا، والقوام: القامة وحسن الطول، والخجل كالفرس، التحير والدهش من الاستحياء، ومقتضاه أن يكون معتد لا على وزن اسم المفعول مصدرا ميميا فيكون مبالغة في وصف القامة بالاعتدال.
(وقد يقع التركيب) أي: التركيب في الطرف كان أو في الوجه، والأشبه أن يجعل اللام للعهد إشارة إلى التركيب البديع، ويؤيده أنه قال في الإيضاح:
ومن لطيف ذلك قول أبي الطيب، وأشار بكلمة قد إلى قلته؛ نظرا إلى التركيب في الحركات (في هيئة السكون كما) أي: كتركيب (في قوله) أي: قول أبي الطيب، وهذا هو الوجه دون قول الشارح كما أي كوجه الشبه الذي في قوله بشاهد سوق التركيب، وبيان المصنف لكلمة ما، فإنه ذكر في بيانه تركيب المشبه، لا وجه الشبه، إذ الإقواء والهيئة الحاصلة من موقع كل عضو من الكلب
стр. 774
في إقعائه هي المشبه، والهيئة الحاصلة من جلوس البدوي المصطلي، وموقع كل عضو منه في جلوسه المشبه به.
وينبغي أن يجعل التركيب في هيئة السكون أيضا على وجهين.
أحدهما: أن تجرد عن غيره من صفات الجسم، كما في قوله: (في صفة كلب) أي: نعته [(يقعي) من الإقعاء، وهو مشترك بين (جلوس) الكلب على استه، وجلوس الحيوان مع التساند إلى ما وراءه (البدويّ المصطلي)] (١) اسم فاعل من الاصطلاء، وهو الاستدفاء بالنار. وفي تشبيهه بالبدوي المصطلي مبالغة في استدامته على الإقعاء، كاستدامة البدوي المصطلي على هذا النوع من الجلوس، وفي وصفه بالاستدامة على الإقعاء ترتبه لوضع بجدل القوائم فإنها لا تفتر ولا تصرر بالإقعاء تتمته بأربع مجدولة لم تجدل أي بقوائم محكمة الخلق.
يقال: فلان مجدول الخلق أي: محكم الخلق، وأصل المجدول المفتول. وقوله لم تجدل: أي: لم تفتل من طاقات، بل خلقت محكمة مع عدم الفتل.
ويحتمل أن يراد بنفي الجدل نفي جمعها كما يكون للكلب في غير صورة الإقعاء من الهيئة الحاصلة، أي: (من) تركيب (الهيئة الحاصلة من موقع) أي: من وقوع (كل عضو منه) وسكونه (في إقعائه) ومن تركيب الهيئة الحاصلة من موقع كل عضو من البدوي المصطلي في جلوسه، ومن تركيب القدر المشترك بين الهيئتين.
وثانيهما: أن يقرن بالسكون غيره من أوصاف الجسم من الشكل واللون وغيره، كما في قول الشاعر في صفة مصلوب:
[وكأنّه عاشق قد مدّ صفحته] أي: عرض وجهه. [يوم الوداع إلى توديع مرتحل].
أو قائم من نعاس فيه لوثته ... مواصل لتمطّيه من الكسل (٢)
فإن المشبه والمشبه به فيه الهيئة الحاصلة من هيئة السكون في مد صفحته
стр. 775
واصفرار الوجه الذي يكون للمصلوب والعاشق، أو لقائم من النعاس الاسترخاء الذي في القائم من النعاس ومواصلة التمطي، وزاد اللطف في التشبيه بالقائم من النعاس الممتطي المواصل للتمطي لأجل الكسل فإن في ملاحظة التمطي، وبيان سببه تفصيلا في التشبيه ليس في التشبيه بالتمطي؛ لأنه أمر جلي ولطف التركيب على حسب التفصيل.
(و) المركب (العقلي) من وجه الشبه (كحرمان) مصدر حرمت الشيء كعلمه وضربه منعه الشيء فهو مضاف إلى (الانتفاع) إضافة المصدر إلى مفعوله الثاني.
وقوله: (بأبلغ نافع) صلة الانتفاع وقوله: (مع تحمل التعب في استصحابه) متعلق بالحرمان ومرتبط به (في قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً (١) جمع سفر بكسر السين أي الكتاب.
قال في الإيضاح: فإنه منتزع من أمور مجموعة قرن بعضها ببعض، وذلك أن روعي من الحمار فعل مخصوص، وهو الحمل وأن يكون المحمول شيئا مخصوصا، وهو الأسفار التي هي أوعية العلوم وأن الحمار جاهل بما فيها، وكذا في جانب المشبه.
هذا كلامه، ولا يخفى أن الجهل في جانب المشبه تنزيلي تخييلي، ولو جعل المرعى أن الحمار غير منتفع بها لكان مشتركا بينه وبين أهل التوراة بلا تكلف وتصرف.
(واعلم أنه قد ينتزع من متعدد) أي: يجعل المتعدد منتزعا منه، سواء كان المنتزع طرفا أو وجه شبه فلا ضمير في ينتزع، وجعل الشارح فيه ضمير وجه الشبه، ويؤيده الضمير في قوله:
(فيقع الخطأ لوجوب انتزاعه عن أكثر) ونحن نجعل الضمير للمنتزع المفهوم من الفعل.
فإن قلت: هل حاصل هذا التحقيق إلا أنه قد يقع الخطأ لالتباس الشيء
стр. 776
بغيره مقامه، فما الفائدة للتعرض له؟ وما وجه تخصيصه بالانتزاع فإنه يجري في جميع التشبيهات؟ قلت: المقصود الفرق بين وجه التشبيه المركب والمتعدد بأنه في الأول لا يمكن إسقاط شيء من متعدد، وذكر بخلاف الثاني فإنه لا يخل بالتشبيه الاكتفاء بالبعض منه، ولا يذهب عليك أن من جهات الفرق أنه لا يمكن الزيادة على المتعدد الأول، بخلاف الثاني، وأنه قد يقع الخطأ أيضا بأن ينتزع من متعدد، ويجب الانتزاع بأقل منه، وهذا أنسب مما يستفاد من الإيضاح أن المقصود الفرق بين التشبيه المركب والتشبيهات المجتمعة بأنه يمكن الإسقاط في الثاني دون الأول؛ فإنه لو حذف شيء من التشبيهات المجتمعة لم يتطرق خلل بالتشبيهات الباقية، وأن يختل الغرض من الكلام، كما في: زيد يصفو ويكدر، فإنه لو حذف يكدر كان تشبيه زيد بالماء الصافي بحالة، وإن اختل الغرض من الكلام، وهو وصف زيد بالقعر بخلاف التشبيه المركب فإنه لو حذف شيء مما يوجد منه المركب لم يبق التشبيه بحاله.
واعلم أن المقصود بزيد ويصفو ويكدر زيد ماء ويصفو ويكدر فيكون من قبيل زيد أسد، بل كأنه أسقط الناسخ ماء فلا يرد أن زيدا يصفو استعارة بالكناية لا تشبيه، كما ذكره الشارح أو استعارة تبعية كما ذكره السيد السند.
(كما إذا انتزع من الشطر الأول من قوله [كما أبرقت قوما عطاشا غمامة) حكى أبرقت السماء صارت ذات برق، وفي القاموس والصحاح: أبرقت المرأة تحسنت وتزينت، والناقة شالت بذنبها وتلحقت، وليست بلاقح، ويصح كل من الثلاثة في البيت، لكن لا بد لنصب قوما من تضمين معنى الإطماع، ولا يخفى حسن المعنى الأخير، بحيث يمنع عن الالتفات بغيره، فإن الغمامة هنا كالناقة المتلقح في أنها ترى ما ليس لها، وتدعي كذبا.
وأما ما ذكره الشارح أن في الأساس أبرقت لي فلانة، إذا تحسنت لك وتعرضت، فالمعنى هاهنا أبرقت الغمامة للقوم، أي تعرضت لهم فحذف الجار، وأوصل الفعل ففيه أن الحذف والإيصال سماعي، لا يتجه بناء الكلام عليه ما لم يثبت السماع، وأن أبرقت لي لتضمين الإبراق معنى التعرض كما يفيده قوله:
وتعرضت، واكتفاء الصحاح والقاموس في تفسير أبرقت بتزينت، ولا يصح
стр. 777
الحذف والإيصال فيما يحتاج إلى التضمين؛ لأن الجار قرينة التضمين وحذفه إخلال بالقرينة، فتأمل.
(فلمّا رأوها أقشعت) أي تفرقت (وتجلّت)] (١) أي: انكشفت، ولا بد هنا من تجريد لما عن معنى السببية، وجعله لمجرد الظرفية فانتزاع وجه الشبه من مجرد، وقوله كما أبرقت قوما عطاشا غمامة، وجعل المشبه به منتزعا من مجرد خطأ (لوجوب انتزاعه من الجميع) أي جميع البيت (فإن المراد التشبيه) للحالة المذكورة في الأبيات السابقة.
(باتصال ابتداء مطمع) للغمامة (بانتهاء مؤيس) فالباء دخلت على المشبه به كما هو المتبادر أو المراد أن التشبيه للحالة المذكورة بظهور الغمامة لقوم عطاش، ثم تفرقها وانكشافها في اتصال ابتداء مطمع بانتهاء مؤيس، على أن الباء بمعنى في، وهو غير عزيز في كلام العرب. وبما ذكرنا ظهر ضعف ما قال الشارح:
إن معنى قوله باتصال بواسطة اتصال يعني باعتبار أن يكون وجه الشبه والمقصود المشترك فيه اتصال ابتداء مطمع بانتهاء مؤيس؛ لأن البيت مثل في أن يظهر للمضطر إلى الشي الشديد الحاجة إليه أمارة وجوده، ثم يفوته ويبقى تحسره وزيادة ترح، فالباء في قوله باتصاله ليست هي التي تدخل في المشبه به؛ لأن هذا المعنى مشترك بين الطرفين والمشبه به ظهور الغمامة، ثم انكشافها، بل هي مثل الباء في قولهم التشبيه بالوجه العقلي أعم، فليتأمل.
وينبغي أن لا يخفى أيضا أن المراد ليس مجرد الانتزاع الاتصال ابتداء مطمع بانتهاء مؤيس بلا انتزاع اتصال ابتداء مطمع بانتهاء مؤيس بالتدريج بأن يظهر أمارة اليأس ثم يصير الناس بناء؛ لئلا يفوت فائدة ذكر اقشعت، فالقوم أيضا لم يحفظ عن الخطأ بالكلية فبالله اعتصم إن النفس لأمارة بالسوء إلا من عصم.
(والمتعدد الحسي) عطف على الواحد الحسي.
стр. 778
(كاللون والطعم والرايحة في تشبيه فاكهة) هي التمر كله على الأصح، ومنهم من أخرج منها التمر والعنب والرمان، مستدلا بقوله تعالى: فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (١) ودليله لا يثبت تمام دعواه مع أنه جعل علماء التفسير عطف النخل والرمان من قبيل عطف جبريل على الملائكة. (بأخرى) أي بفاكهة أخرى.
(والعقلي) عطف على الحسي (كحدة النظر وكمال الحذر) كالنظر والنظر الاحتراز.
(وإخفاء السفاد) كالعماد، أي: نزو الذكر على الأنثى قيل: لم ير أحد ذلك منه، وفي المثل: «هو أخفى سفادا من الغراب» وقيل لا سفاد له، بل أمره ما أنشأه بالطاعمة وهو إدخال منقاره في منقارها. وحكى في كمال حذره أنه كان يوصي إلى ولده أن يطير إذا رأى الإنسان إذا توجه إلى الأرض مخافة أن يأخذ الحجر لضربه، فقال ولده: أنا أطير إذا رأيته لعله كان الحجر في يده.
(في تشبيه طاير) أو غيره (بالغراب والمختلف) عطف على الحسي والعقلي على المختلف، أي: متعدد بعضه حسي وبعضه عقلي (كحسن الطلعة) أي:
الوجه (ونباهة الشأن) أي: شرفه مصدر نبه مثلثة: رواه ابن طريف.
(في تشبيه إنسان بالشمس واعلم أنه قد ينتزع الشبه) كالفرس والعلم وكأمير المثل، صرح به القاموس كالصحاح لكن الشارح فرق بأن الشبه كالفرس بمعنى التشابه، وفي كلام الصحاح إشارة إليه وأراد به وجه الشبه (من نفس التضاد) أي: التنافي سواء كان تضادا أو تناقضا أو شبه تضاد (لاشتراك الضدين فيه ثم ينزل) التضاد (منزلة التناسب بواسطة تمليح) أي: إتيان بما فيه ملاحة وظرافة (أو تهكم) أي: استهزاء وسخرية، وقد يجتمعان.
قال الإمام المرزوقي في قول الحماسي:
أتاني عن أبي أنس وعيد ... فسلّ لغيظه الضّحّاك حسّي
إن قائل هذه الأبيات قد قصد بها الهزء والتمليح، هذا والضحاك أبو أنس، وأسل أي ابتلى بالسل (فيقال للجبان ما أشبهه بالأسد وللبخيل هو حاتم)
стр. 779
فكل من المثالين محتمل لكل منهما، ولهما معا فكلام الشرح والمختصر أنه إن كان الغرض مجرد الملاحة من غير قصد إلى استهزاء فتمليح، وإلا فتهكم محل نظر.
والقسمة الصحيحة ثلاثية أورد الشارح على هذه العبارة أنه يستفاد منه أن وجه الشبه نفس التضاد حتى اتخذه البعض مذهبا وفساده ظاهر، إذ لو قلنا للبخيل هو حاتم في التضاد لم يكن فيه تهكم ولا تمليح، ولا حاجة حينئذ إلى قوله، ثم نزل منزلة التناسب، بل لا معنى له أصلا.
هذا وأيضا لا يفهم من قولنا: هو حاتم إلا أنه الحاتم في الجود، حتى لا يتأتى لنا أن نقول المراد هو حاتم في التضاد، وأيضا وجه الشبه حينئذ نفس التضاد، لا ما ينتزع منه.
وأجاب بأن المراد أنه نزل أحد الضدين منزلة الآخر للاشتراك في التضاد، ولجعل وجه الشبه، ويتجه عليه أن التنزيل سابق على الانتزاع، فلا يصح التراخي المستفاد من كلمة ثم.
وأجاب عنه السيد السند في حواشي شرحه على المفتاح بأن القصد إلى التراخي في الرتبة إذ العمدة في التشبيه التنزيل المذكور وما سبق كالتوطئة له، ولا يخفى أنه تكلف.
والحق أن يقال: المراد، وقد يقصد إلى انتزاع وجه الشبه من نفس التضاد، ثم ينزل منزلة التناسب فينزع.
فإن قلت بعد: لم يقع ثم موقعه، والحق الفاء.
قلت: كما يكون ثم لتراخي أول المعطوف عن المعطوف عليه يكون لتراخي آخره، والتنزيل منزلة التناسب إنما يتم بالتهكم أو التمليح كما أشار إليه بقوله:
بواسطة تمليح أو تهكم، فهو من تتمته فيتراخى التنزيل بآخره عن قصد الانتزاع.
هكذا ينبغي أن يبحث عن دقائق الكلام، وتوضيح سرائر المقام، ولا يبعد أن يقال: انتزاع وجه الشبه تحصيله بتكلف وإعمال نظر، فالمراد أنه يجعل نفس التضاد واعتبار التضاد وجه شبه تكلف لا يرتكب إلا لداع؛ فلذا عبر عنه بانتزاع، ثم ينزل ذلك التضاد المعتبر في مقام التشبيه منزلة التناسب بواسطة تمليح
стр. 780
أو تهكم، فينزل أحد الضدين منزلة الآخر، ويصير وجها للشبه بالآخرة.
فلهذا يحصل التمليح أو التهكم، ولا يصح التصريح بالتضاد في بيان وجه الشبه ويصح العطف بثم؛ لأن جعل التضاد وجه الشبه سابق على التنزيل، وبعد التنزيل ينقلب وجه الشبه إلى الضد التنزيلي فيقصد أولا في هو حاتم إلى أنه كالحاتم في التضاد، فإذا جعل التضاد وسيلة الجمع بينهما نزل منزلة التناسب فيصير بخله كرما تنزيلا، فيصير وجه الشبه الكرم التنزيلي، فلا يصح في مقام التصريح بوجه الشبه إلا أن يقال: هو حاتم في الكرم، ولعل المقصود في أمثال هو حاتم للبخيل أنه جانب الضد نهاية كما أن الحاتم نهاية في الجانب الآخر والتمليح في أنه أفاد كمال بخله في صورة كمال الكرم، والتهكم في أنه بالغ في كمال بخله مع إراءة أنه مبالغ في كرمه.
والشارح العلامة جعل التمليح هنا بمعنى الإشارة إلى قصة أو مثل أو شعر نادر، وجعل هو حاتم للتمليح لا للتهكم، ورده الشارح عليه بأنه اشتباه التمليح بالتلميح، وبأنه لا إشارة فيه إلى قصة لحاتم ورده حق، لكن الظاهر أن اعتبار التمليح في هو حاتم باعتبار الإشارة إلى المثل عند الشارح العلامة؛ لأن قولنا:
هو حاتم بمنزلة المثل في كمال الكرم (وأداته) أي: أداة التشبيه، أي: آلته، والأداة لغة الآلة سمي بها ما يتوسل به إلى التشبيه اسما كان أو فعلا أو حرفا، وقد بعد كل البعد من قال: إطلاق أداة التشبيه من خلط العربية بالفلسفة، ومن فروع تسميتهم الحرف أداة، على عكس تسمية المنطقيين أداة السلب بحرف السلب.
(الكاف): حرفا كانت أو اسما، والثاني يكون في الضرورة، والسعة عند الأخفش والجزولي، ويخصه سيبويه بالضرورة، ويلزم الكاف إذا دخلت على أن المفتوحة كلمة ما فيقال كما أن زيدا قائم، ولا يقال كأن زيدا قائم؛ لئلا يلتبس بكلمة كان.
(وكأن): جمعها مع الكاف مبالغة لمذهب غير الخليل (١) من أن كأن كلمة
стр. 781
موضوعة للتشبيه؛ لأن في مذهبه من أن كأن زيدا أسد في الأصل أن زيدا كالأسد غير صورة الجملة، والمعنى على ما كان والكاف من دواخل الخبر معنى وأن المفتوحة صورة رعاية لدخول الكاف عليها صورة مكسورة معنى تكلفات عنها مندوحة، وفي عدها مطلقا من أداة التشبيه موافقة لما اشتهر في عبارة جمهور النحاة، من أنها للتشبيه وعدم المبالاة بما قال الزجاج إنه للتشبيه إذا كان الخبر جامدا، نحو كأن زيدا أسد، وللشك إذا كان مشتقا نحو كأنك قائم لتفرده في هذا التفصيل، فإن قوى ما ذكره من التعليل، وهو أن الخبر إذا كان مشتقا عين الاسم والشيء لا يشبه نفسه ووجهه أن ضمير المشتق عين الاسم، والمشتق عين الضمير، ولا تنصرنه بما يختلج في الوهم أنه كما لا يشبه الشيء نفسه لا يحمل عليه نفسه؛ لأنه ما لا يلتفت إليه نظر العقل؛ لأن وجوب حمل الخبر على الاسم مم (١)، وأما ما يقال في دفع ما ذكره إن كأن زيدا قائم في تقدير كأن زيدا شخص قائم، لكن لما حذف الموصوف وجعل الاسم بسبب التشبيه كأنه الخبر صار الضمير يعود إلى الاسم لا إلى الموصوف المقدر نحو كأنك قلت: مما يعجب، وإن رضى به الشارح وذلك: لأن الشخص القائم إن كان عين زيدا فلا يصح التشبيه، وإن كان غيره فلا يصح جعل ضميره لزيد، قوله: جعل الاسم لسبب التشبيه كان الخبر برده أنه مع ذكر أداة التشبيه لا يجعل المشبه به كأنه المشبه، ولأن موصوف الجملة لا يحذف إلا بشرط، فقد هناك.
لكن الشارح قال: والحق أنه قد يستعمل للظن، سواء كان الخبر جامدا أو مشتقا نحو كأن زيدا أخوك، وكأنه فعل كذا وقد كثر في كلام المولدين.
(ومثل وما في معناه) نحو: شبه وشبه، ونحوه درج ما يشتق من المتماثلة والمشابهة والمضاهاة، وما يؤدي معناه فيه يحتاج إلى تمحل جعل ما في معناه أعم مما في معناه باعتبار المعنى المطابقي أو التضمني، وإلا فلا يشتمل لشبه ونحوه، ولم يستغن بقوله مثل وما في معناه عن ذكر الكاف، وكأن لأن الحرف لا يكون في معنى الاسم والفعل، لاستقلال معناهما دونه
نعم لك أن تخص الكاف سابقا بالحرف، وتدخل الكاف الاسمي في سلك
стр. 782
ومثل وما في معناه، ولا يبعد أن يجعل من أدوات التشبيه صيغة التفعل نحو:
تحلم وتصبى وتشيخ فإنه في معنى حليما وصار صبيا وصار شيخا.
ولا يخفى أنه لم يصر شيخا، بل صار كالشيخ في صدور أفعاله عنه وظهور صفاته منه.
(والأصل في نحو الكاف) (١) أي: الأصل في الكاف ونحوها، ومثل هذه العبارة تعارفت في مثل هذا المعنى، والمراد بنحو الكاف ما لا يدخل إلا على أحد أركان التشبيه، وهو ما يكون الداخل عليه مجرور إلا غير، واحترز به عن نحو كأن ويشبه ويشابه بل عن مماثل فإن قولنا: زيد مماثل عمر ولم يل المماثل المشبه به، بل المشبه، وهو الضمير المستتر فيه؛ ولذا قيدنا المجرور بقولنا: لا غير؛ إذ عمرو في المثال المذكور تجوز نصبه. وقال الشارح: أراد بنحو الكاف ما يدخل على المفرد كالكاف بخلاف كان وتماثل وتشابه، وفيه أن تماثل وتشابه لا يدخل على الجملة، بل على المفرد كالكاف ومثل إلا أن يتكلف بأنه أراد بالمفرد الواحد وتماثل وتشابه ونحوهما يدخل على المتعدد (أن يليه المشبه به) (٢) قد ذكروا حكم الكاف ونحوها وأهملوا حكم كأن ونحوها إذ لا يفهم من بيانهم إلا أن ليس الأصل فيها أن يليها المشبه به ولا يعلم أن ولي غيره واجب أو أصل أو ولي المشبه به وغيرها سيان، فيقول تجب أن يلي كأن المشبه؛ لأن المشبه به الخبر وتقديم الخبر على اسم الحروف المشبهة لا يجوز في غير الظرف والخبر هنا لا يكون ظرفا، فتأمل.
وفي الأفعال وأشباهها الأصل أن يليه المشبه؛ لأنه الفاعل، ويجوز العدول عن الأصل تقديم المشبه به على المشبه؛ لأن تقديم المفعول على الفاعل، ثم نقول: الغرض من هذا التحقيق أن ما ليس بمشبه به قد يقع في الصورة موقعه،
стр. 783
وذلك لا يخص بالكاف ونحوها. وحق البيان في هذا المقام أن يقال: الأصل في الكاف ونحوها أن يليه المشبه به، وفي كأن أن يكون خبره المشبه، وفي الأفعال وشبهها أن يكون مفعولاتها المشبه بها، وقد يخالف ذلك نحو وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ (١) الآية وكأن مثل الحياة الدنيا ماء أنزلناه إلى آخر الكلام، وتشبيه الحياة الدنيا ماء إلى آخره، بل يقول قد يقع غير المشبه به أيضا في موقعه كما في قوله: [وكأن النجوم بين دجاها] فإن النجوم ليست مشبها بها، بل الهيئة، وقس عليه. قال الشارح المحقق: المراد أعم من أن يليه المشبه به لفظا نحو: زيد كالأسد أو كزيد الأسد، ومن أن يليه تقديرا كقوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ (٢) الآية فإن التقدير أو كمثل ذوي صيب فحذف ذوي بقرينة الضمائر الطالبة له وحذف مثل بقرينة جعله مشبها بها لمثلهم يشهد بأن مثل الآية مما يلي الكاف المشبه به، دون غيره كون المقدر كالملفوظ فيما بينهم وكلام الكشاف والإيضاح، وما صرح به المصنف في الإيضاح حيث قال: وأما قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ (٣) فليس منه يعني من قبيل ما لا يلي المشبه به الكاف؛ لأن المعنى كونوا أنصار الله كما كان الحواريون أنصار عيسى حين قال لهم: من أنصاري إلى الله.
هذا ويتبادر من عبارة الإيضاح أنه حذف من بين كلمة ما، وقال كان الحواريون أنصار عيسى حين بيّن، ولا يرشد إلى صحته حذف قاعدة فهو بيان لحاصل المعنى، ولهذا قال: لأن المعنى ولم يقل؛ لأن التقدير كونوا أنصار الله ككون وقت قول عيسى، فالمحذوف مضاف ومضاف إليه كما صرح به المفتاح.
وإضافة الكون إلى الوقت إضافة المظروف إلى الظرف على نحو ضرب اليوم وهذا مما أخفى على أقوام فاشتبه عليهم أنه كيف يضاف الكون إلى الوقت، ولا يبعد أن يجعل ما في كما قال موصولة أي: كالكون الذي قال عيسى لأجله من أنصاري إلى الله، والأوجه أن التشبيه إلى نفس القول يجعل قول عيسى بمنزلة
стр. 784
كون الحواريين أنصار الله في سرعة إجابتهم له، وظاهر قوله تعالى: نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ (١) يقتضي أن يكون المعنى كما كان الحواريون أنصار الله؛ لا كما كان الحواريون أنصار عيسى، إلا أن يقال تقديره نحن أنصار نبي الله لاستدعاء ظاهر من أنصاري إلى الله.
ذلك (وقد يليه غيره) أي: قد يلي الكاف ونحوها غير المشبه به مما يكون له مدخل في المشبه به، وذلك إذا كان المشبه به هيئة منتزعة وذكر بعد الكاف بعض ما ينتزع عنه الهيئة ولا خفاء في كثرته، فالتقليل باعتبار الإضافة، وقد أشار إلى هذا بقوله: (بنحو وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ (٢) ولا يخفى أنه يمكن رعاية الأصل في جميع ما هو من هذا القبيل بتقدير المثل، والحال والشأن، لكنهم رأوهم مستغنين عن جميع ما هو عن الحذف لو أهملوا رعاية هذا الأصل فأهملوه وراعوا أصل أخراهم هو عدم الحذف، وقد يراعونه في مقام الاستغناء عن الحذف إذا كان لا بد في المقام من حذف شيء؛ لأنه بعد الوقوع في الحذف لضرورة يهون ارتكابه فيرتكب لأدنى داع، ومنه قوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ الآية لأن حذف ذوي ضروري للضمائر، وحذف المثل؛ لأنه أنسب بجعل المشبه المثل، وأشد ملايمة له؛ ولهذا القدر لا يقدمون على التقدير فيما لا تقدير ضروريا (وقد يذكر فعل ينبئ عنه) الظاهر ينبئ به أو ينبئ إياه في القاموس إنباءه إياه ربه، فكلمة عن متعلقة بالكشف المتضمن للإنباء، والأولى وقد يذكر ما ينبئ عن التشبيه ليتناول، نحو: أنا عالم أن زيدا أسد، وزيد أسد حقا أو بلا شبهة، وكأن زيدا أسد إذا كأن للظن، ومما لا يشتبه أن ليس مقصود المصنف أن يذكر فعل يدل على نفس التشبيه، فإنه مستفيض كثير مثل يشبه ويشابه ويضاهي ويماثل، بل المراد فعل ينبئ عن حال من أحوال التشبيه على أنه لا يتبادر من قولنا إنباء فلان عن فلان إلا أنه أظهر حالا من أحواله لا أنه أفاد تصوره سيما مع قوله إن قرب وقوله إن بعد، فما ذكره الشارح أن في كون الفعل منبئا عن التشبيه نظرا للقطع بأنه لا دلالة للعلم والحسيان على التشبيه، بل الدال عليه عدم صحة
стр. 785
الجمل وتعين قصد التشبيه لإصلاح الكلام، فلو قال إنه ينبئ عن حال التشبيه من القرب والبعد لكان أنسب ضعيف.
(كما في علمت زيدا أسدا أن قرب) التشبيه أي: نسب إلى القرب لما في العلم من الدلالة على تيقن الاتحاد وتحققه فيفيد مبالغة في التشبيه، وأن الشبه بحيث تيقين بينهما الاتحاد.
قال الشارح: دلالته على قوة المشابهة لما في العلم من الدلالة على تحقق التشبيه وتيقنه، وفيه نظر وهو إنما يصحح وجها لتقريب التشبيه في علمت أن زيدا كالأسد.
(و) كما في (حسبت) زيدا أسدا (إن بعد) التشبيه لما في الحسيان من الدلالة على الظن والتخمين، ففيه إشعار بأن في شبهة الاتحاد فيفيد قوة للمشابهة دون قوة أفادها ذكر العلم. وينبغي أن يعلم أن قولنا: أشك أن زيدا أسد أيضا أبلغ من قولنا زيد كالأسد، فإن إيقاع المشابهة في الشك في الاتحاد يفيد قوة للمشابهة بلا شبهة.
ومن نفايس سوانح هذا المقام أنه قد يدخل ما ينبئ عن حال المشبه به نحو:
قد علمت أن غرة الصباح وجه الخليفة، فإنه يفيد المبالغة في كون وجه الخليفة أتم من الغرة (والغرض منه) أي: من التشبيه (في الأغلب يعود إلى المشبه)؛ لأن التشبيه بمنزلة القياس في ابتناء شيء على آخر، فكان الغرض عائدا إلى المشبه الذي كالمقيس، وقوله في الأغلب لما سيأتي من أنه قد يعود إلى المشبه به.
فإن قلت: فيما سيأتي ما يدل على أنه قليل، وقوله في الأغلب يدل على أنه غالب.
قلت: القلة بالإضافة لا ينافي الغلبة.
(وهو) أي: الغرض (بيان إمكانه) أو وجوبه أو امتناعه أو وقوعه، فالاقتصار على الإمكان من ضيق العطف في البيان، فبيان الإمكان (كما في قوله [فإن تفق) أي: تعل بالشرف (الأنام)] كسحاب الخلق، أو الجن والإنس، أو جميع ما على وجه الأرض [(وأنت منهم فإنّ المسك بعض دم
стр. 786
الغزال)] (١) فإنه أراد أن الممدوح به قد فاق الخلق؛ بحيث لم يبق بينهم وبينه مشابهة، والحال أنه منهم والفائق على هذا الوجه كالممتنع أن يكون من المفوق فاحتج لإثبات كونه منهم بأن حاله كحال المسك، فإن المسك بعض دم الغزال، وقد فاق الدماء بحيث لم يبق له مشابهة بها وجعل الدليل لدفع إنكار كونه منهم أبلغ من جعله لدفع إنكار تفوقه؛ لأن المناسب بمقام المدح هذا، واعرفه ودع ما اشتهر أنه لدفع إنكار تفوقه، وهو منهم فالتشبيه معتبر في نظم البيت ومن المطويات فيه ومن مقدمات الحجة المشار إليها بقوله: فإن المسك بعض دم الغزال، فلا يرد أن جعل البيت من قبيل الشبيه لبيان الإمكان فرية بلا مرية؛ إذ لا تشبيه فيه نعم الأنسب بمقام المدح أنه يجعل التشبيه لبيان الوقوع إذا لإمكان كثيرا ما يعرى عن الوقوع.
(أو حاله) عطف على إمكانه (كما في تشبيه ثوب بآخر في السواد) ويتجه أنه هل البليغ نختار التشبيه على الإخبار عنه بالسواد، فإن هذا أسود أوضح وأخصر من هذا كهذا في السواد، ويمكن أن يقال في التشبيه يستفاد خصوصية السواد ولا يستفاد في الإخبار، ولا يدخل بهذا في بيان المقدار؛ لأن بيان المقدار مسبوق بمعرفة الحال وبيان اللون في أول الأمر مثلا، وإن كان على وجه يتضمن معرفة المقدار لا يعد من بيان المقدار.
وفي كلام السيد السند من شرحه للمفتاح إشعار بذلك حيث قال في شرح قول المفتاح: أو لبيان مقدار حاله يعني أن حاله معلومة، فيراد بيان مقدارها في الشدة والضعف والقلة والكثرة إلى غير ذلك، ومقابله بيان الحال وما يتبعها ببيان الإمكان ونظايره مع أنها من الأحوال بناء على أن المتبادر من الحال ما بعد الوجود.
стр. 787
(أو مقدارها كما في تشبيه ثوب بالغراب في شدته) أي شدة السواد.
(أو تقريرها) عطف على البيان أي تقرير حالها، ولا يخفى أن التقرير لا يخص الحال، فإنه يصح أن يكون لتقرير الإمكان أو تقرير مقدر الحال، وإلا يفيد أن يجعل ضمير تقريرها إلى المذكورات، ويفسر قوله وتقريرها بتقرير شيء منها (كما في تشبيه من لا تحصيل من سعيه) أي: قصده أو عمله أو كسبه (على طائل) أي: فضل أو غنى أو سعة (بمن يرقم) من حد ينصر أي: يكتب أو يخطط (على الماء) وقيد المفتاح الرقم بكونه في حضور المخاطب؛ إذ التقرير فيه أقوى لإعانة المشاهدة في ذلك، كما لا يخفى.
ولك أن تستفيده من صيغة الحال في عبارة المصنف.
قال الشارح: وتبعه السيد رحمهما الله في تقرير التقرير أنك تجد فيه من تقرير عدم الفائدة وتقوية شأنه ما لا تجده في غيره؛ لأن الفكر بالحسيات أتم منه في العقليات لتقدم الحسيات وفرط الإلف بها، وفيه أن هذا المثال لا يخص بتقرير حال غير الحسي، بل يشتمل تقرير بعض حسيات لا تقرير لعدم نفعها كتقرر عدم نفع الرقم على الماء.
(وهذه) الأغراض (الأربعة) وكذلك غرض إلحاق الناقص بالكامل، فقد فات المصنف في ضبط الأغراض، وفي بيان مقتضاها أيضا وفي درجة تقرير الحال؛ لأن إلحاق الناقص بالكامل يستلزمه تكلف ومخالفة لما في المفتاح؛ حيث جعله مقابلا له (يقتضي أن يكون وجه الشبه في المشبه به أتم، وهو به أشهر) في الصحاح الشهرة وضوح الأمر، وفي القاموس: ظهور الأمر في شنعة يعني فظاعة، وبالجملة الشهرة يقتضي عموم أعلم الناس به، وهذه الأغراض لا تطلب إلا أن يكون المخاطب أعلم بحال المشبه به، بل بيان الإمكان والحال والمقدار لا يقتضي علم المخاطب بوجه المشبه في المشبه حتى يتضح صيغة التفضيل، بل يجب في بيان الحال أن يكون المخاطب جاهلا بالمشبه، وكذا في بيان الإمكان والمقدار وأيضا بيان هذا الشرط في هذا المقام مستغن عنه؛ لأنه سيبينه في تقسيم التشبيه إلى المقبول والمردود إلا أن يقال الغرض منه هنا الإشارة إلى وجه كون الغرض في الأغلب عائدا إلى المشبه ووجه إيهام التشبيه المقلوب كون المشبه به أتم من
стр. 788
المشبه.
قال الشارح: وظاهر هذه العبارة أن كلا من الأربعة يقتضي ذلك، ولا يقتضيه إلا تقرير الحال: لأن النفس إلى الأتم الأشهر أميل، فهو بزيادة التقرير والتقوية أجدر، وأما بيان المقدار فيوجب أن لا يكون وجه الشبه فيهما متفاوتا ويوجب أن يكون على نحو واحد فيهما ليتبين المقدار على ما هو عليه؛ ولذلك قالوا كلما كان وجه الشبه أدخل في السلامة عن الزيادة والنقصان كان التشبيه أدخل في القبول، يعني هذا الكلام العام منهم مخصوص ببيان المقدار، وكذا بيان الإمكان يقتضي الأعرفية دون الأتمية، كبيان الحال، فإنه يصح تشبيه الثوب الأسود بما يساويه في بيان سواده، بل المساواة أحق؛ لأنه أسلم من الإيقاع في خلاف الواقع.
هذا كلامه مع تنقيح ومزيد توضيح.
وفيه أبحاث لا يخل عدم الإشارة إليها، بل عدم تصريح.
الأول: أن قولهم يقتضي جواز التفاوت في بيان المقدار كما لا يخفى، لأنه جعل الأدخل في السلامة عن التفاوت أدخل في القبول، ولم يجعل المتفاوت عن القبول بمعزول.
ولك أن ترتكب تأويل قوله: أدخل في القبول بكونه أقرب إلى القبول، ولا يلزم منه إثبات القبول.
والثاني: إذا قلت في مقام التهكم لقصور العامة: هو كظل الرمح يكون التشبيه لبيان مقدار طوله مع التفاوت بينهما، ويمكن دفعه بأن المراد بعدم التفاوت عدم ادعاء أو بحسب الواقع فإنه في بيان المقدار الادعائي لا بد من عدم التفاوت ادعاء. وفيه أن في إلحاق الناقص بالكامل أيضا ادعاء عدم التفاوت، وبينهما فرق دقيق لا يقودك إليه إلا توفيق فاختبر فطانتك، هل لك منها رقيق.
الثالث: أنه لو كان في بيان الإمكان وجه الشبه في المشبه به أتم لكان التشبيه في إدخال المشبه في حيز الإمكان أقوى؛ لأنه إذا كان أقوى مما يستبعد متحققا كان هذا المستبعد أولى بالإمكان.
الرابع: أن في اقتضاء التقرير الأمرين نظرا؛ إذ في تشبيه المعقول بالمحسوس
стр. 789
تقرير حال المعقول؛ لأن إلف النفس بالمحسوس أكثر، وإن لم يكن المحسوس أتم في وجه الشبه، وقد بالغ فيه سابقا كل المبالغة، وإن لم يذكر مما ذكره فيه الابتداء إلا أن يراد بالاقتضاء اقتضاء أولوية، وفي عبارته إرشاد إليه فإن قلت: لم خصص هذه الأربعة بذلك، وعبارة السكاكي كالصريح بأن التزيين والتسوية والاستطراف أيضا يشاركها في ذلك؟ .
قلت: لأنها لا يقتضى الأتمية ولا الأعرفية.
قال الشارح: كلما كان المشبه به أندر وأخفى كان التشبيه بتأدية هذه الأغراض أوفى، ووجه ما قال في الاستطراف ظاهر، وفي التزيين والتسوية أن حسن ما لم يشتهر أكثر تأثيرا فيمن يشاهده وأعجب، وكذا قبح ما لم يشتهر قبحه؛ لأن إلف النفس ليسهل أمر المألوف، ويسكن شغف المشغوف، ولما لم يظهر ما ذكرنا من الوجه أنكر كثيرون ما ذكره فيما سوى الاستطراف كيف لا، وقد شرط السكاكي الأعرفية في التزيين والتسوية؟ ! ولا يخفى أنه لا يصير ما فعله السكاكي حجة عليه؛ لأنه حمله على الأعرفية بالغرض، والسيد السند حمله على الأعرفية في وجه الشبه، وبين وجهه بأن وجه الشبه في تشبه وجه أسود بمقلتي الظبي مثلا ليس له مطلقا السواد، وإلا فلا تزيين، بل هو السواد المخصوص اللطيف الذي يميل إليه الطبع ويقبله، ولا شك أن مقلة الظبي بهذا أعرف، وكذا الحال في التسوية وفيما ذكروه من وجهين:
أحدهما: أن الملازمة المشار إليها بقوله وإلا فلا تزيين مسلمة؛ لأنه بمجرد التشبيه بالمزنين يخيل زينه، ويحصل للطبع ميلان إليه. وثانيهما: أنه إذا اعتبر وجه الشبه السواد اللطيف، فوجه الشبه في المشبه به أتم باعتبار اللطيف.
وهذا كلام وقع في البين فلنرجع إلى ما كنا فيه ونقل هذا مخالفة منه مع السكاكي أو إشارة إلى أن ليس على ما يفيده عبارته معول، بل كلامه مؤول، ولولا مخالفة الإسام بعد تطويل الكلام فيما يجب في شأنه الاهتمام لاقتفينا الشارح بنقل كلامه، وبيان طريق تأويله مع بعده عن المقام وكونه من فضول الكلام.
(أو تزيينه) عطف على بيان إمكانه أو تقريره أي: تزيين المشبه عند السامع (كما في تشبيه وجه أسود بمقلة) أي: شحمة العين التي تجمع السواد والبياض،
стр. 790
أو هي السواد والبياض أو الحدقة، والمراد هنا المعنى الأول وصحة التشبيه مبنية على ما نقله الشارح عن الأصمعي (١) في بحث الإطناب في شرح قوله:
كأنّ عيون الوحش حول خبائنا (٢)
أن عين الظبي والبقر الوحشيين إنما يظهرها البياض والسواد بعد الموت، وأما حال الحياة فعيونهن سود كلها.
(الظبي) معلوم، وكتشبيه صوت حسن بصوت داود، وكتشبيه جلد ناعم بالحرير، وكتشبيه النكهة بريح المسك، وكتشبيه طعم البطيخ بالعسل، فقولنا:
تزيينه عند السامع أحسن من قول الشارح: في عين السامع، وقس عليه.
قوله: (أو تشويهه) يقال: شوهه الله قبحه (كما في تشبيه وجه مجدور) يقال: جدر وجدر فهو مجدور ومجدر، أي خرج منه الجدري (بسلخة) هي العذرة (جامدة) لا طراوة فيها (قد نقرتها) أي: ضرتها يعني بالمنقار (الديكة) بكسر الدال وفتح الياء جمع ديك على وزن. قيل: وهو معلوم، وقد يطلق على الدجاجة (أو استطرافه) أي: عد المشبه طريفا حديثا (كما) أي: كاستطراف (في تشبيه فحم) هو كتمر وتمر، وكأمير الجمر الطافي (فيه جمر) في القاموس الجمر النار المتقد، فلا حاجة إلى قوله (موقد يتجر من المسك موجه الذهب لإبرازه) متعلق بمفهوم ما فإنه عبارة عن استطراف أو تشبيه، وجعله الشارح متعلقا بمقدر أي: إنما استطرف المشبه في هذا التشبيه لإبراز المشبه في (صورة الممتنع عادة) لا عقلا لإمكان ذوبان المسك مع كثرته جدا حتى يعد بحرا.
(وللاستطراف) المطلق لا الاستطراف في المثال المذكور؛ ولذا لم يأت بالضمير لتبادر الذهن منه إلى الاستطراف في المثال.
(وجه آخر) غير الإبراز في صورة الممتنع عادة (وهو) أن يكون المشبه به نادر الحضور في الذهن إما مطلقا كما مر (في تشبيه الفحم، وإما عند حضور المشبه كما في قوله) أي: قول ابن العتاهية في وصف البنفسج [ولازورديّة] بكسر
стр. 791
الراء هو الظاهر الثابت في نسخ رواية المفتاح كذا ذكره السيد السند في شرحه [(تزهو)] لكثر زهي على صيغة المجهول، وزها لغة قليلة، والمعنى تتكبر وتفتخر [(بزرقتها)] لو كانت الزرقة راجحة على الحمرة عند القائل، وفي التعبير عن البنفسج بلازوردية نوع إشعار إليه كأن الباء في قوله بزرقتها للسببية، ولو كانت مرجوحة فالباء بمعنى مع، وكان البيت تعجبا عن تكبرها [(بين الرّياض)] لا يبعد أن يقصد به معنى علانية يعني تزهو علانية، لا على وجه الخفاء [(على حمر)] جمع أحمر [(اليواقيت)] جمع ياقوت معرب من الجواهر، ويكون أحمر وغير أحمر وأجوده الرماني وله منافع كثيرة ينفع الوسواس والخفقان وضعف القلب شريا ولجمود الدم تعليقا، ففي التكبر عليه مزيد تعجب، والمراد بحمر اليواقيت شقايق النعمان، وفي جعلها عين الشقايق وأوراقها شبيهة باليواقيت لونا وشكلا إشارة، وجعل اللازورد منسوبا إليه للبنفسج إشارة إلى تفاوت الشبهين؛ لأن الشقايق وأوراقها شبيهة باليواقيت لونا وشكلا بخلاف البنفسج. فإنه لا يشبه اللازورد إلا لونا، وبهذا ظهر أن تفسير حمر اليواقيت بالأزهار الحمر، دون تفسيرها بالشقايق مبني على الغفلة عن الدقايق، وفيه أيضا أوجه تعجب لتكبر البنفسج [(كأنّها فوق قامات ضعفن بها)] أي: بسببها لثقلها وطول مكثها فوق نزل التعظيم منزلة العظم والجسامة [(أوائل النّار في أطراف كبريت)] (١) هي حجارة توقد بها، وجاء بمعنى الياقوت الأحمر والذهب أيضا، فإن صورة اتصال النار بأطراف الكبريت لا يندر حضورها في الذهن ندرة بحر من المسك موجه الذهب، لكن يندر حضورها عند حضور صورة البنفسج فيستطرف بمشاهدة عناق بين صورتين متباعدتين غاية التباعد.
وللشيخ عبد القاهر وجه آخر وهو أنه أراك شبها لنبات غصن برق وأوراق رطبة من لهب نار في جسم يستولي عليه اليبس ومبنى الطبايع على أن الشيء إذا ظهر من موضع لم يعهد ظهوره منه كان ميل النفوس إليه أكثر ولا يذهب عليك أنه يجري في تشبيه الفحم، فإنه أراك شبها لأمر موجود من أمر ممتنع الوجود؛ ولهذا الشيخ الضعيف وجوه أخر، وهي أنه أراك شبها بين جسم ثقيل لا تقوى
стр. 792
لحمله قامته، وبين جسم لطيف في غاية اللطافة لا يتوهم في شأنه ثقل أو شبها بين أوائل النار، والأمر الدائم أو أنه جعل قامات البنفسج كبريتيا ونفسه أوائل النار فجعل النار مع الكبريت مجتمعة غير معينة للكبريت أو جعل النار والكبريت ذات رايحة طيبة، ويمكن أن يجعل من الإبراز في صورة الممتنع عادة فإن الكبريت الموقدة لا يتكثر في موضع واحد عادة.
ولا يخفى أنه فات القوم من وجوه الاستطراف إبراز الشيء في صورة الممتنع عقلا، وكأنهم لم يلتفتوا إليه لعدم وقوعه في كلام البلغاء.
(وقد يعود) الغرض (إلى المشبه به) ويمكن تربيع قسمة الغرض.
ثالث الأقسام: أن يعود الغرض إلى ثالث هو تحصيل العناق بين صورتين متباعدتين غاية التباعد، فإنه أمر مستطرف مرغوب للطباع جدا.
ورابعها: أن يعود الغرض إلى المشبه والمشبه به جميعا، وهو جعلهما مستطرفين بجمعهما؛ لأن كلا من المتباعدتين يستطرف إذا تعانقا.
(وهو ضربان: أحدهما) وهو الكثير الشايع حتى أوهم صاحب المفتاح قصر العائد إلى الغرض المشبه به عليه في أول بيانه إشارة إلى كثرته إلى حد كأنه ليس غيره، وصرح بقلة الثاني، ثانيا: حيث قال: وربما كان الغرض بيان كونه أهم، ولم يلتفت المصنف إليه، واقتصر على بيان أنه ضربان، فاختصاره هذا مخل، وقد تداركه في الإيضاح؛ حيث قال: وأما الثاني فيكون في الغالب (إيهام أنه أتم من المشبه) في وجه الشبه (وذلك في التشبيه المقلوب) وهو أن يجعل الناقص في وجه الشبه مشبها به قصدا إلى ادعاء أنه زائد.
كذا في الشرح، ولا يخفى أنه يجوز أن يكون التشبيه المقلوب مبنيا على تسليم أنه أتم من المشبه إذا كان بينك وبين مخاطبك نزاع في ذلك وأنت جاريت معه، وأنه يصح التشبيه المقلوب في تشبيه للتزيين والتشبيه والاستطراف لادعاء أن الزينة في المشبه به أتم أو القبح أكثر أو ادعاء أن المشبه به أندر وأخفى، ولا يظهر اختصاصه بصورة إلحاق الناقص بالكامل.
(كقوله) أي: قول محمد بن وهيب [(وبدا) أي: ظهر (الصّباح) هو أول النهار وضوءه يعني حمرة الشمس في سواد الليل (كأنّ غرّته) هي كالغر غرة
стр. 793
بضمهما بياض في جبهة الفرس فوق الدرهم، فيقال: غرة الصبح لبياضه (وجه الخليفة حين يمتدح)] فإنه قصد إيهام أن وجه الخليفة أتم من غرة الصباح في الوضوح، والبعد عن ظلمة العبوس.
قال المصنف: وفي قوله حين يمتدح دلالة على اتصاف الممدوح بمعرفة حق المادح، وبالارتياح له وكونه كاملا في الكرم والاتصاف بالبشر والطلاقة عند استماع المديح. هذا، ولا يخفى أن في إبراز يمتدح مجهولا تربية لطيفة لذلك يعرفه الذكي، فإنه يشعر بأنه لا مدخل في ذلك لخصوصية مادح، ثم أقول لك: أيها الفطن العارف بمقدار اللطايف، المتخلص عن ربقة التقليد، المتعرف بخفايا حسن المعاني، كالقايف إن الشعر يجوز أن يكون تشبيها غير مقلوب بأن يكون تشبيه غرة الصباح بوجه الخليفة في سرعة انتشارها، ولا يخفى أن سرعة انتشار الطلاقة في وجه الخليفة أتم منها بالنسبة إلى انتشار ضوء الصبح.
(و) الضرب (الثاني) من الغرض العائد إلى المشبه به (بيان الاهتمام به كتشبيه الجايع وجها كالبدر في الإشراق والاستدارة بالرغيف) لا في مجرد الإشراق والاستدارة، كما ينبىء عنه ظاهر هذه العبارة، بل في استلذاذ النفس به، فإن استلذاذ النفس بالرغيف ليس باعتبار استدارته وإشراقه فحسب.
(ويسمى هذا) النوع من الغرض (إظهار المطلوب) قال السكاكي: لا يحسن المصير إليه إلا مقام الطمع في تسني المطلوب، يعني تيسره كما يحكي عن الصاحب ابن عباد (١) أن قاضي سجستان دخل عليه فوجده الصاحب متغنيا فأخذ يمدحه حتى قال: وعالم يعرف بالسنجري، وأشار للندماء أن ينظموا عن أسلوبه ففعلوا واحد بعد واحد إلى أن انتهت النوبة إلى شريف من البين، فقال: أشهى إلى النفس من الخبز، فأمر الصاحب أن يقدم له مائدة دقيقة أشهى إلى النفس من الخبز تشبيه مقلوب في المآل؛ لأنه جعل زائدا على الخبز في المشترك بينهما، وهو كونهما مشتهى للنفس.
(هذا) الذي ذكرناه من جعل أحد الشيئين مشبها، والآخر مشبها به إنما يكون (إذا أريد إلحاق الناقص) في وجه الشبه كذا في الإيضاح (حقيقة) كما
стр. 794
في التشبيه الذي يعود الغرض منه إلى المشبه أو ادعاء كما في التشبيه الذي يعود الغرض منه إلى المشبه به.
(بالزائد) كذلك.
قال الشارح: وهذا الكلام محل نظر؛ لأن ما تقدم كله ليس ما يقصد فيه إلحاق الناقص في وجه الشبه بالزائد على ما قررنا فيما سبق. هذا، ويمكن دفعه بأن المراد أن هذا الذي ذكر من جعل أحد الطرفين مشبها والآخر مشبها به لكون أحد الطرفين أتم حقيقة أو ادعاء إذا أريد ... إلخ (فإن أريد الجمع بين شيئين في أمر) (١) مركبا كان أو مفردا حسيا كان أو عقليا واحدا كان أو متعددا، وذلك تارة يكون في المتساويين في وجه الشبه وتارة يكون في المتفاوتين من غير قصد إفادة التفاوت (فالأحسن ترك التشبيه إلى الحكم بالتشابه) (٢) احترازا من ترجيح أحدها المتساويين هذه العبارة قاصرة، ولا تشتمل مثل قولنا تشابه دمعي إذ جرى ومدامتي، فإنه ليس العدول فيه من التشبيه إلى الحكم بالتشابه فأحسن ترك التشبيه إلى إفادة التشابه. وهذا الخلل إنما وقع من قبل المصنف؛ حيث غير عبارة المفتاح إلى التشابه بقوله: إلى الحكم بالتشابه، وخفى على من تلاه إلى أن وفقت بالإفادة فاغتنم السعادة.
قال المفتاح تفاديا عن ترجيح أحد المتساويين، وكأنه أراد التفادي عن إيهام ترجيح أحد المتساويين، وإلا لوجب ترك التشبيه فيختل قوله فالأحسن ويبطل تجويز التشبيه.
ولك أن تجعل وجه ترجيح التشابه حفظ السامع عن توهم زيادة المشبه به، وتوقي البيان عن الالتباس؛ لأن ظاهر العبارة الإلحاق لا التشارك (كقوله) أي قول أبي إسحاق الصابي ([تشابه دمعي إذ جرى) أي: كل وقت جرى، ففائدة الطرف التعميم يؤيده صيغة تسكب المفيدة للاستمرار (ومدامتي) المدام: المطر
стр. 795
الدائم، والحمر كالمدامة؛ لأنه ليس بشراب يستطاع إدامة شربه إلا هي:
(فمن مثل ما في الكأس عيني تسكب ... فو الله ما أدري أبا لخمر أسبلت)
ذكر أسبل الدمع في القاموس بمعنى أرسله، وفي الصحاح: بمعنى هطل، فعلى الأول الباء زائدة، وعلى الثاني للتعدية، فجعل الزيادة وهما مطلقا كما في الشرح، وهم لا يقال زيادة الباء في غير النفي والاستفهام، وفي غير خبر المبتدأ إسماع ولا يثبت السماع بالبيت مع احتمال باء التعدية؛ لأنا نقول باء التعدية أيضا سماعية على أن من جعلها زائدة لعله سمع الزيادة فلا يتم الحكم بكونه وهما ما لم ينف السماع والإحاطة بالنفي متعذرة (جفوني أم من عبرتي كنت أشرب] (١)
[ويجوز التشبيه أيضا]
ويجوز) عن قصد التشابه (التشبيه أيضا) لأن أداة التشبيه قد يستعمل لمجرد قصد التشريك.
(كتشبيه غرة الفرس بالصبح، وعكسه متى أريد ظهور منير في مظلم أكثر منه) والجواز قد استفيد من قوله: فالأحسن واضحا، وكأنه تعرض له لتوضيحه بالتمثيل ولا يخفى أن البيت كما يشتمل على تمثيل الأحسن الذي هو التشابه يشتمل على تمثيل الحايز الذي هو التشبيه؛ حيث اشتمل على قوله فمن مثل ما في الكأس عيني تسكب، وكأنه أراد التمثيل للتشبيه، فأحد الطرفين أكمل مع أنه لم يقصد الإلحاق، بل التشابه بعد التمثيل له بما لا مزية لأحد الطرفين على الآخر، فتأمل.
ولما فرغ من النظر في الطرف والوجه والأداة والغرض حان النظر في تقسيمه بالاعتبارات الأربعة فشرع فيه على ترتب ذكر الأربعة، فابتدأ بالتقسيم باعتبار طرفيه فقال: (وهو) أي: التشبيه (باعتبار طرفيه) أي: المشبه والمشبه به أربعة أقسام: قسمه الأول: أيضا أربعة أقسام، والثالث والرابع قسمان يعلم انقسامهما إلى القسمين من بيان تقسيم الأول إلى الأقسام الأربعة، فاكتفى به ولم يشر إلى تقسيمهما.
стр. 796
والثاني: يحتمل القسمة إلى الأربعة عقلا، وكأنه لم يوجد ولعدم وجوده سقط قسمان من القسم الثالث والرابع؛ فالأقسام العقلية ستة عشر حاصلة من ضرب أربع في أربع، والواقعة تسعة، ومن البين أن تقسيم الطرف يستلزم تقسيم التشبيه باعتبار الطرف، وبالعكس، وهكذا الحال في الوجه والأداة والغرض فالمصنف يقسم تارة الطرف مثلا، ويترك تقسيم التشبيه باعتباره، وتارة يعكس إعمالا للطريقين، وتجديدا للسلوك، وتفننا في البيان.
وأما تقسيم التشبيه باعتبار الطرف هنا مع أنه علم من تقسيم الوجه المركب باعتبار الطرف فلمزيد الاهتمام بالتشبيه الذي وجهه مركب فإنه ما به التفاضل بين البلغاء والتفاضل بين الخطباء وللتنبيه على الفرق بين المفرد والمقيد وهو أحوج شيء إلى التأمل وإعمال الذكاء.
[إما تشبيه مفرد بمفرد]
(إما تشبيه مفرد بمفرد، وهما غير مقيدين كتشبيه الخد بالورد) ولا نعني بالمقيد ما ذكر معه قيد، بل ما لقيده مدخل في التشبيه.
ألا ترى أنه جعل من غير المفيد قوله تعالى: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ (١) مع أن اللباس موصوف؛ لأنه لا دخل في وجه الشبه لهذا الوصف، فإنه إما حسي على ما بينه الزمخشري، وهو أن كل واحد يشمل على صاحبه عند الاعتناق كاللباس أو عقلي كما ذكره غيره، وهو أن كل واحد منهما يصون صاحبه من الوقوع في فضيحة الفاحشة؛ فإن الفاحشة هي الزنا، وما يشتد قبحه من الذنوب، وما نهى عنه، واللباس يصون من كشف العورة، والزنا؛ لأنه ما لم يجرد العورة عن اللباس لا يمكن الزنا كما أن كلا من المرأة والرجل يصون صاحبه عن الوقوع في الزنا، وما يتبعه من الوقوع في المنهيات وقبايح الذنوب، وشيء من الوجهين لا يتوقف على القيد على ما ذكره الشارح.
وفيه بحث دقيق، يتبعه تحقيق، وهو أن المقصود تشبيه كل منهما باللباس في الاشتمال على صاحبه أو صون صاحبه، وذلك ليس لمطلق اللباس، بل للباسة فلإضافة اللباس دخل في وجه الشبه، فالأظهر أن الآية لتشبيه المقيد بالمقيد، ووجه ما قاله أنه شبه كلا منهما باللباس المطلق في الاشتمال أو الصيانة، ثم قيد
стр. 797
الاشتمال أو الصيانة، فتدبر وتذكر التحقيق بمعونة التوفيق، ومنهم من قال في الوجه الثاني مسامحة؛ لأن اللباس يصون صاحبه عن البرد، لا عن فضيحة الفاحشة ككل من الرجل والمرأة، وقد ظهر فساده ويمكن أن يكون وجه الشبه أن كلا منهما يجعل صاحبه موقرا معززا في أعين الناس، كاللباس؛ ففيه إشارة إلى أنه كلما كان الزوج أطهر وأزكى، ويكون أدخل في التوقير كاللباس، وإنما قدم غير مقيدين مع أنه عدمي والمقيدان وجوديان؛ لأنه أقوى في الإفراد الكلام الذي فيه.
(أو مقيدان كقولهم لمن لا يحصل من سعيه على طائل: هو كالراقم على الماء) فإن المشبه هو الساعي المقيد بأن لا يحصل من سعيه على طائل، والمشبه به هو الراقم المقيد بكون رقمه على الماء؛ لأن وجه الشبه فيه التسوية بين الفعل وعدمه، وهو موقوف على اعتبار هذين القيدين.
وقد نبه بهذا المثال على أن القيد يشمل الصلة والمفعول، ولا يخص بالإضافة والوصف كما هو المشهور، ومن القيود الحال. (أو مختلفان) في التقييد وعدمه (كقوله: [والشّمس كالمرآة في كفّ الأشلّ] يقال: الواو حالية، والجملة حال عن المصراع السابق، ومضمون البيت أن الصياد اصطاد، والشمس كذلك فالشمس المطلقة ليست كالمرآة المذكورة، بل هي مقيدة بزمان مخصوص وهو الصباح أو العصر، إلا أن يقال: لا يكفي في تقييد طرف التشبيه بزمان مخصوص مثلا، بل لا بد من اعتباره في نظم الكلام، حتى يكون الطرف مقيدا.
(وعكسه): عطف على قوله كقوله أي: كعكس قوله: وهو المرآة في كف الأشل كالشمس.
[وإما تشبيه مركب بمركب]
(وأما تشبيه مركب بمركب كما) أي: تشبيه (في بيت بشار) الإضافة عهدية يشار بها إلى ما سبق من قوله: [كأنّ مثار النّقع] البيت وتشبيه المركب بالمركب قد تكون بحيث يمكن فيه تشبيهات متعددة بلا تكلف، كما في قوله:
وكأنّ أجرام النّجوم لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق (١)
стр. 798
فإنه كما يشبه الهيئة المنتزعة من أجرام النجوم اللوامع في أديم السماء الصافية الزرقاء هيئة درر نثرن على بساط أزرق.
كذلك يشبه أجرام النجوم اللوامع بالدرر، وأديم السماء بالبساط الأزرق شبها واضحا عاريا عن التكلف، لكنه أين هو عن التشبيه الذي يريك الهيئة التي تملأ القلوب سرورا وعجبا من طلوع النجوم مؤتلفة متفرقة في أديم السماء، وهي زرقاء زرقتها الصافية، وقد يكون بحيث لا يمكن فيه تشبيهات إلا بتكلف، كما تكلف من لم يذق حلاوة التشبيه المركب في قوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً ... (١) الآية فقال شبه المنافق بالمستوقد نارا وإظهاره الإيمان بالإضاءة، وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار.
وقد يكون بحيث لا يمكن فيه تشبيهات متعددة، ومثلوا لذلك بقوله:
كأنّما المرّيخ والمشترى ... قدّامه في شامخ الرّفعه
منصرف باللّيل عن دعوة ... قد أسرجت قدّامه شمعه (٢)
فإنه لا يصح تشبيه المريخ بالمنصرف بالليل عن دعوة.
أقول: وأن لا يحسن تشبيه المريخ بالمنصرف عن دعوة مع الاقتصار عليه، لكن يصح تشبيهه بالمنصرف عن دعوة، وتشبيه المشتري قدامه بشمعة أسرجت، فإن التشبيه ربما لا يحسن وحده، ويحسن إذا جمع مع تشبيه آخر، فبهذا عرف عن التشبيه المتعدد ما يقرب التشبيه الواحد المركب في التضام والتلاصق. وعرف أنه كم بين التشبيه المتعدد والتشبيه المركب، وأنه ليس التشبيهات المركبة في مرتبة فإن ما ساغ فيه التشبيهات المتعددة أيضا بلا تكلف له فضل على ما ساغت فيه بتكلف، وما ساغت فيه بتكلف له فضل على ما لم تسغ فيه أصلا، بل ما ساغت فيه، ولا بد من اجتماعها لهذا المساغ أعلى من الكل؛ لأن وجه تعدده يشبه وجه وحدته في التضام والتلاصق.
ولا يبعد أن يقصد تشبيه المركب بالمركب والأجزاء بالأجزاء في إطلاق
стр. 799
واحد؛ لأنه إذا جاز بأداة واحدة تشبيهات الأجزاء المتعددة، فليجز مع تلك تشبيه الهيئة بالهيئة أيضا.
[وإما تشبيه مركب بمفرد]
(وأما تشبيه مفرد بمركب كما مر من تشبيه الشقيق) بأعلام ياقوت منشورة على رماح من زبرجد فالمشبه مفرد، وهو الشقيق، والمشبه به مركب من عدة أمور، كما ترى، وكذا تشبيه الشاة الحبلى بحمار أتنى مشقوق الشفة والحوافر نابت على رأسه شجرة غصنا.
والفرق بين المركب والمقيد أحوج شيء إلى التأمل؛ ولهذا قال صاحب المفتاح: وهذا أي الفرق بين تشبيه المفرد بالمفرد وتشبيه المركب بالمركب فن له فضل احتياج إلى سلامة الطبع، وصفاء القريحة، فليس الحاكم في تميز البابين إذا التبس أحدهما بالآخر سوى ذلك، ولولا اشتباه المقيد بالمركب لما كان الاشتباه بين البابين بتلك المثابة، وكفى شاهدا في شدة الالتباس وقوع الاختلاف بين المصنف والمفتاح؛ حيث جعل المفتاح تشبيه الشاة الحبلى تشبيه المفرد بالمفرد، والمصنف جعله من تشبيه المفرد بالمركب، وأنه لم يثبت المفتاح تشبه المفرد بالمركب، وبالعكس مع كثرة أمثلتها، فكأنه جعل المركب في الصورتين مقيدا.
قال الشارح: وكان ما ذكره المصنف أقرب.
(وأما تشبيه مركب بمفرد كقوله) أي: قول أبي تمام:
[(يا صاحبيّ تقصّيا) في القاموس تقصيت في المسألة بلغت الغاية فالتقدير في (نظريكما) وفي الأساس تقصيته بلغت أقصاه (تريا وجوه الأرض) قائلين تعجبا (كيف تصوّر) مضارع التصوير مجهول يقال صوره الله صورة حسنة فتصور، والشارح جعله مضارعا فحذفت التاء أي: كيف يتصور (تريا نهارا مشمسا) من أشمس صار ذا شمس أي لم يسترها غيم (قد شابه) أي: خالط النهار (زهر) كقمر جمع زهرة ككثرة وبركة (الرّبى) كهدى جمع ربوة بالضم، وجاءت كرحمة خصها إلا أنها أنضر وأخضر، ولأنها المقصودة بالنظر.
كذا قاله الشارح في المختصر، ويمكن أن يقال خصه لأنه يخالطه الشمس في أول طلوعه وتشبيه أول النهار بالليل المقمر أظهر؛ لأن نور الشمس فيه أضعف
стр. 800
(فكأنّما هو) أي: ذلك النهار (مقمر)] (١) أي: ليل ذو قمر في القاموس المقمر، والمقمرة ليلة فيها القمر، فليس الكلام في تقدير الموصوف حتى يرد قول الشارح فيه تسامح، بناء على أنه في تقدير ليل مقمر ففيه شائبة تركيب على ما وجهه السيد السند، وللتسامح توجيه آخر، وهو أن هذا التشبيه في البيت لا يخلو عن تسامح؛ إذ شبه النهار بالشمس؛ لأن الضمير المشبه به راجع إليه. والمقصود تشبيه الهيئة شبه النهار المشمس الذي اختلط به أزهار الربوات، فنقصت باخضرارها من ضوء الشمس، حتى صار يضرب إلى السواد بالليل المقمر، فالمشبه مركب، والمشبه به مفرد.
(وأيضا) تقسيم آخر للتشبيه باعتبار الطرفين، ولا يناسب التقسيمات الأخر؛ لأنها كانت تقسيما لتشبيه واحد، وهذا تقسيم للتشبيهات المتعددة؛ إذ لا يتعدد طرفا تشبيه واحد. وأيضا ليس من وظايف البيان، بل هو من أفراد اللف والنشر الذي من الصنايع البديعية؛ وكان وجه التعرض له أن الملفوف ربما يلتبس بتشبيه مركب بمركب، وبتبعيته يتعرض للمفروق وأن لا التباس فيه.
ولا يخفى أن الملفوف والمفروق لا يخص بالطرف، بل يجري في الوجه أيضا.
(إن تعدد طرفاه) أي: كل من طرفيه (فإما ملفوف) قال المصنف وتبعه الشارح: وهو أن يؤتى بالمشبهين أولا، ثم بالمشبه بهما. هذا وهو قاصر، ويجب أن يقال: أو بالعكس؛ لئلا يخرج نحو كالعناب والحشف البالي قلوب الطير رطبا ويابسا.
قال الشارح: المراد أعم من الإتيان بطريق العطف أو غيره، وكأنه أراد به مثل قولنا: كالقمرين زيد وعمرو إذا أريد تشبيه أحدهما بالشمس والآخر بالقمر بقرينة (كقوله) أي: قول امرئ القيس يصف العقاب بكثرة اصطياد الطيور
стр. 801
[(كأنّ قلوب الطّير) اسم جمع للطائر (رطبا) بعضها (ويابسا) بعضها (لدى وكرها) هو عيش الطائر، وإن لم يكن فيه (العنّاب) هو كرمان (والحشف) هو كعرس أردء التمر أو الضعيف الذي لا نوى له أو اليابس الفاسد، وكفلس الخبز اليابس (البالي)] (١) شبه الرطب الطري من قلوب الطير بالعناب، واليابس العتيق منها بالحشف البالي؛ إذ ليس لاجتماعهما هيئة مخصوصة يعتد بها ويقصد تشبيهها.
قال الشيخ: فضيلته في اختصار اللفظ وحسن الترتيب لا لأن للجمع فائدة في عين التشبيه.
هذا ولا يذهب عليك أنه لا ضنة في النشر لا على ترتيب اللف (أو مفروق كقوله) أي قول المرقش الأكبر وهو عمرو بن سعد، والمرقش الأصغر عمرو بن حرملة
[(النّشر) أي: نشر تلك النساء ورايحتهما (مسك) أي: نشر مسك (والوجوه دنانير وأطراف الأكفّ) وروى أطراف البنان، فالإضافة بيانية (عنم)] (٢) هو شجر أحمر لين يشبه به بنان الجواري، كذا في الصحاح.
(وإن تعدد طرفه الأول) قال أعني: المشبه (فتشبيه التسوية)؛ لأنه سوى بين المشبهين (كقوله: [صدغ) هو بالضم ما بين الأذن والعين، والشعر المتدلى على هذا الموضع، والمراد هو الثاني (الحبيب وحالي) وكأنه أراد أحوالي فيصح أنه، والصدغ كالليالي كل شعر من الصدغ كليل، وكل حال له كليل المصراع الثاني وثغره في صفاء وأدمعي كاللآلي (كلاهما كالليّالي)] وصف دمعه بالصفاء لينبئ عن كثرة بكائه؛ لأنه إذا كثر جريان ماء المنبع يصفو عن الكدر؛ لأنه يغسل المنبع ويدفع عنه الكدورات التي تمتزج بالماء بخلاف ما إذا جرى أحيانا، فإنه يكون مكدرا بكدورات المنبع (وإن تعدد طرفه الثاني) وقال أعني: المشبه به (فتشبيه الجمع)؛ لأنه يجمع للمشبه وجوه تشبيه أو يجمع له أمورا مشبهات بها (كقوله) أي: قول البحتري:
стр. 802
بات نديما لي حتّى الصّباح ... أغيد مجدول مكان الوشاح
الأغيد الناعم البدن، وتذكير بات ونديما وأغيد يدل على أن الكلام في مذكر، ومكان الوشاح يدل على أنها محبوبة. في القاموس: الوشاح بالضم والكسر قلادتان من لؤلؤ وجوهر منظومتان يخالف بينهما معطوف أحدهما على الآخر، أو أديم عريض مرصع بالجوهر تشده المرأة بين عاتقيها وكشحيها.
[(كأنّما يبسم) بسم يبسم كضرب بسما، وابتسم وتبسم وهو أقل الضحك وأحسنه (عن لؤلؤ منضّد) أي: منضم (أو برد) كجمد لم يصفه بالنظم؛ لأن الذهن ينساق إليه من وصف اللؤلؤ (أو أقاح] (١) جمع أقحوان بالضم كالقحوان، وهو البابونج. قال في الصحاح: جمع على أقاحي بحذف الألف والنون، وقد لا يشدد الياء هذا، فهمزة أقاح مفتوحة، وما اشتهر من كسرها سهو.
شبه ثغره بثلاثة أشياء إلا أنه أورد كلمة أو تنبيها على أن كلا مشبه به على حدة وكلمة أو للتسوية لا للإبهام، حتى يرد أنه ينبغي الواو ويوجه بأنه بمعنى وكيف الواو يجعل بمعنى الواو، وهو أحسن من الواو؛ ولخلوه عن وصمة إيهام جعل المجموع مشبها به.
قال الشارح: شبه ثغره بثلاثة أشياء، ثم اعترض بأن في كونه من باب التشبيه نظرا؛ لأن المشبه أعني: الثغر غير مذكور لفظا ولا تقديرا، إلا أن لفظ كأنما يدل على أنه تشبيه.
أقول: أولا هذا تشبيه بتشبيه بثلاث تقسيمات، والمشبه مقصود في الكلام؛ لأنه في معنى أنه يبسم بسما كبسم عن هذا أو ذاك أو ذلك.
وثانيا: أن تشبيه الثغر بثلاثة أشياء ضمني؛ لأن تشبيه البسم بالبسم عن أحد الثلاثة بستلزم تشبيه الثغر بأحدهما ومما مثل به التشبيه بمتعدد بيت الحريري يغتر عن لؤلؤ رطب، وعن برد وعن أقاح، وعن طلع وعن حبيب.
قال الشارح: شبه ثغره بخمسة، ثم قال: في كونه من باب التشبيه نظر؛
стр. 803
لأن المشبه أعني: الثغر غير مذكور لفظا ولا تقديرا.
أقول: التقدير يغتر أي: يضحك ضحكا حسنا عن مثل لؤلؤ البيت، فالمشبه مقدر في نظم الكلام، وإنما لم يجعل استعارة مغنية عن التقدير؛ لأن الاستعارة أمور منافية لشيء واحد في كلام واحد دعوى ثبوت أمور متنافية لشيء واحد، فلا يقدم عليه عاقل، بخلاف التشبيه بالأمور المتنافية (وباعتبار وجهه) عطف على قوله باعتبار الطرفين، يعني باعتبار وجهه له ثلاث تقسيمات أوليات:
الأول: هو تمثيل وغير تمثيل.
والثاني: هو مجمل ومفصل.
الثالث: هو قريب وبعيد فصرح بالأول، بقوله: (إما تمثيل أو غير تمثيل) ولا يرد أنه تقسيم للشيء إلى نفسه وغيره؛ لأن التمثيل يرادف التشبيه، ويشهد لذلك كلام الكشاف حيث يستعمله استعمال التشبيه، لأنه مشترك بين مطلق التشبيه، وأخص منه وما هو نفس المقسم المعنى الأعم، والقسم ما هو أخص فلا إشكال، وبهذا اندفع أيضا أن تعريفه بقوله:
[وباعتبار وجهه]
[إما تمثيل او غير تمثيل]
(وهو ما وجهه منتزع من متعدد) غير منعكس لخروج بعض أفراد التمثيل عنه، ولا يرد أنه يشمل ما وجهه مركب حسي، فلا يطرد؛ لأن الشيخ قيده في أسرار البلاغة بكونه عقليا حيث قال: التمثيل التشبيه المنتزع من أمور، وإذا لم يكن التشبيه عقليا يقال: إنه يتضمن التشبيه، ولا يقال: إن فيه تمثيلا عليه، وأن يقال: ضرب الاسم مثلا لكذا، يقال: ضرب النور مثلا للقرآن والحياة للعلم هذا إلا لما قال السيد السند في شرحه للمفتاح: إن هذا القيد من قبل الشيخ. لأن ما أمكن لا يثبت مخالفة بين الجمهور والشيخ، بل؛ لأن الشيخ فسره بالتشبيه المنتزع من أمور ثم نبه على أن لفظ التمثيل لا يجوز إطلاقه على الحسي مطلقا، ويجوز إطلاقه على العقلي مطلقا.
ولا يخفى على الذوق السليم أن الشيخ فرق بين كون التمثيل بمعنى التشبيه المنتزع من أمور، وبين التمثيل بمعنى التشبيه بالوجه العقلي حيث جعل الأول معنى مقررا شائعا، والثاني مما قد يستعمل فيه بقوله جاز أن يطلق اسم التمثيل عليه ثم إني أخاف أن يتحير في حل عبارة الشيخ فأفسره لك تبرعا، فلا تؤاخذني
стр. 804
ببسط الكلام فإني لا أفعله ترفعا.
فنقول: يريد بقوله: إذا لم يكن التشبيه عقليا إنه إذا لم يكن الكلام الدال على التشبيه، فإنه جاء بهذا المعنى حيث جعل البعض إطلاق أركان التشبيه على الطرفين والوجه والأداة من فروعه، وحيث قال: إنه يتضمن التشبيه أراد به المعنى المصدري، وكذا بالتمثيل في قوله: إن فيه تمثيلا فلا يشكل عليك أنه ينبغي أن يقول إذا لم يكن عقليا يقال له التشبيه، ولا يطلق عليه التمثيل، وكأنه أراد بضرب الاسم مثلا استعارة الاسم.
(كما مر) وستعرف تعيينه، ولما استشعر المصنف الإشكال على تعريفه بأنه غير مطرد؛ لأنه يدخل فيه التشبيه والوصف المنتزع الحقيقي، مع أنه ليس بتمثيل أشار إلى دفعه بقوله: (وقيده السكاكي) أي: المنتزع من متعدد (بكونه غير حقيقي) كذا فسر الشارح الضمير، ونحن نفسره بالوجه أي: قيد الوجه بكونه غير حقيقي كما قيده بكونه منتزعا من متعدد؛ لأنه قال السكاكي: التشبيه متى كان وجهه وصفا غير حقيقي، وكان منتزعا من عدة أمور خص باسم التمثيل، فقيد الوجه بقيدين، ولم يقيد المنتزع من متعدد، وهذا كلام وقع في البين فلنرجع إلى ما كنا فيه، فنقول: وجه الدفع أن هذا القيد لم يثبت في غير كلام السكاكي فجرينا في التعريف موافقا للجمهور، ولا يبعد أن يقال: أوقع السكاكي فيه قول الشيخ: وإذا كان عقليا جاز أن يطلق اسم التمثيل عليه، فحمل العقلي على ما هو مخترع العقل، ومعتبره فقط ثم إن وجه عدول المصنف من عبارة السكاكي من عدة أمور، على طبق عبارة الشيخ إلى قوله من متعدد كما نبه عليه في الإيضاح حيث قال: أمرين أو أمور ظاهرة.
(كما في تشبيه مثل اليهود بمثل الحمار) فإن وجه الشبه هو حرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع الكد والتعب في استصحابه، فهو وصف مركب من متعدد، وليس بحقيقي، بل هو عائد إلى التوهم. كذا ذكره الشارح، وهو المطابق لكلام المفتاح ممن قال مراد المفتاح بغير الحقيقي ما يقابل الإضافي، فلم ينظر في كلام المفتاح أدنى نظر.
أما إن المراد غير الحقيقي في كل من الطرفين أو يكفي أن يكون ذلك في أحد
стр. 805
الطرفين فهما لم يتضح، لكن المتبادر الأول؛ لأنه الفرد الكامل فليحمل عليه ما لم يصرف صارف، ويقيد مثال التمثيل على بيان السكاكي، وإطلاقه على بيان الجمهور حمل الشارح المحقق على أن جعل ما مر عبارة عن جميع أمثلة ذكرت لوجه الشبه المركب بأقسامها من مركب الطرفين ومفردهما ومختلفهما. وخالفه السيد السند بدعوى أن التمثيل مخصوص بما طرفاه مركبان، وادعى أن تعريفه بما وجهه منتزع من متعدد يتبادر منه المنتزع من متعدد في طرفي التشبيه، لا المركب من متعدد هو أجزاؤه، وإلا لقال مركبا من متعدد، فخرج منه ما ليس طرفاه مركبين، فلم يتناول ما مر إلا ما يركب طرفاه، ونوره بأن المصنف رد على السكاكي جعل التمثيل على سبيل الاستعارة من الاستعارة التحقيقية بأن التمثيل يستلزم التركيب المنافي؛ لاندراجه تحت الاستعارة التحقيقية المندرجة تحت المجاز المفرد، ومباني المخالفة غير سديدة؛ أما حديث التبادر فممنوع، وإنما اختير الانتزاع على التركيب؛ ليعلم أن المدار على التركيب الاعتباري، والهيئة الانتزاعية، لا على التركيب الحقيقي، وليتناول المركب من متعدد هو أجزاؤه ومن متعدد في الطرف وكذا سند رد المصنف على السكاكي ضعيف؛ لأنه رد كون التمثيل على سبيل الاستعارة كذلك. وقد وجد في كلام السكاكي تخصيص الاستعارة التمثيلية بالمركب، ولا يلزم منه تخصيص التمثيل بمعنى التشبيه بالوجه المركب بما طرفاه مركبان.
نعم جعل الشارح في تعريف المجاز المركب باللفظ المستعمل فيما شبه بمعناه الأصلي تشبيه التمثيل قوله تشبيه التمثيل احتراز عن الاستعارة في المفرد، فلو لم يخص التمثيل بما طرفاه مركبان؛ كيف يحترز عنه فبين كلاميه تنافر، لكن لا يوجب ذلك فساد كلامه هناك، بل ينبغي أن يحمل ما سيأتي، على أن الاحتراز بإرادة تشبيه تمثيل خاص؛ إذ لا بد إما من تقييد اللفظ المستعمل بالمركب، أو تقييد تشبيه التمثيل تقييد، والفصل بالتخصيص أولى من الجنس.
ثم نقول: لو كان التمثيل مخصوصا بما طرفاه مركبان لانتقص تعريف المجاز المركب باستعارة لفظ مركب بمعنى مفرد شبه معناه بمعنى المركب بوجه شبه مركب، أو قد سبق أن التشبيه بهذا الوجه يجيء المفرد بمركب.
стр. 806
(وإما غير تمثيل، وهو بخلافه) وهو ما لا يكون منتزعا عن متعدد عند غير السكاكي، ويعلم منه غير التمثيل على مذهب السكاكي، وهو ما لم ينتزع من متعدد أو كان وصفا حقيقيا، والمراد بالوصف الحقيقي وجود ما يكون ما انتزع عنه أوصاف حقيقته، وإلا فالهيئة الانتزاعية أمر اعتباري، لا وجود له.
وهذا أولى من جعله وهو بخلافه بيانا لغير التمثيل على المذهبين، كما يفيده عبارة الشارح؛ لأنه يحوج إلى تكلفات بعيدة من جعل ضمير بخلافه إلى ما يطلق عليه التمثيل، وكذا جعل غير تمثيل بمعنى ما يطلق عليه غير تمثيل، بل جعل قوله: إما تمثيل أيضا، ثم اعتبار التوزيع بجعل كل مما يستفاد من قوله، وهو بخلافه لأحد معنى غير تمثيل. ولما فرغ من التقسيم الأول شرع في التقسيم الثاني بقوله:
[إما مجمل او مفصل]
(وأيضا) التشبيه (إما مجمل، وهو ما لم يذكر وجهه).
ولا ما ستتبعه، ولما كان للمجمل تقسيمان عقبه بهما، وفصل بينه وبين قسميه، والأنسب بمقام التعليم تقديم المفصل؛ لأنه وجودي، ولأنه يندفع به طول الفصل بين القسمين بتقديمه، وكأنه نظر إلى أن المجمل أجمل.
(فمنه) أي: فمن المجمل (ما هو ظاهر يفهمه) أي: يفهم وجهه (كل أحد نحو: زيد كالأسد، ومنه خفي لا يدركه) أي: لا يدرك وجهه (إلا الخاصة) سواء أدركه بالبديهة أو بالتأمل.
فالتقسيم للتشبيه، وتسميته بالظاهر والخفي تسمية له بحال الوجه، وجوز الشارح كونه تفصيلا للوجه بإرجاع الضمير إلى الوجه، ويأباه كون قوله: وأيضا منه تقسيما للتشبيه قطعا، وأن يلايمه أن ما ذكر عقيب القسم الثاني من قوله: وقد يتسامح بذكر ما يستتبعه مكانه تفصيل للوجه وكلام فيه.
(كقول بعضهم): هي الأنمارية فاطمة بنت الخرشب حين مدحت بنيها الكملة وهم: ربيع الكامل، وعمارة الوهاب، وقيس الحفاظ وأنس الفوارس، قالهم حين قاله حين سئلت أيهم أفضل؟ فإنها قالت: عمارة، لا بل فلان، لا بل فلان، ثم قالت: ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل (هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها) كذا ذكره الشيخ جار الله، وقال الشيخ عبد القاهر: إنه قال
стр. 807
من وصف بني المهلب للحجاج؛ لما سأل عنهم أيهم الخدي (١) أسجع؟ ولا تنافي بينهما، بل هما يجتمعان على الصدق توارد أو بطريق أخذ المتأخر عن المتقدم، ولا يخفى أن المراد بالخفي الخفي في حد ذاته، فلا يخرجه عن الخفاء عروض ما يوجب ظهوره، كما في هذا الكلام؛ فإن وصف الحلقة أظهر وجه الشبه، فلا اختصاص لهذا التقسيم بالمجمل، بل يجري في المفصل أيضا، وكأنه خصه به للتنبيه على أنه مع خفاء التشبيه بحذف الوجه، والمراد بطرفاها طرفها الأعلى والأسفل الملايمان للأفضل والأدنى، وإذا لم يعلم الأدنى والأعلى لم يعلم الوسط.
(وأيضا) جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه تقديره آض تقسيم المجمل أيضا عاد عودا، وفائدته التنبيه على أنه استئناف تقسيم للمجمل، وليس تقسيما للخفي، إذ ذكر الوصف المشعر بوجه الشبه أنسب بالخفي، ومنه يعلم أن المعترضة قد تدخل بين العاطف والمعطوف وأما ما قاله الشارح: إن اختار منه، ومنه دون إما، وإما للإشعار بأنه من تقسيمات المجمل دون مطلق التشبيه فليس مما يعتد به؛ لأنه لا مجال لتوهم أنه تقسيم مطلق التشبيه؛ إذ لا معنى لتوسط تقسيم بين قسمي تقسيم، بل الوجه أن لا حصر فيما ذكره؛ إذ يحتمل قسم آخر هو ما ذكر فيه وصف المشبه فقط فلذا لم يأت بأداة الحصر، ولم يجعل التقسيم رباعيا لعدم الظفر به في كلامهم، ولا يخفى جريان هذا التقسيم في المفصل، وكأنه لم يتعرض له؛ لأنه لم يوجد؛ إذ لا معنى لإيراد ما يشعر بوجه الشبه مع ذكره، أو لأن ذكره في المجمل لدفع توهم أنه ليس التقسيم مجملا مع ما يشعر بالوجه، ولا داعي لذكره في المفصل.
(منه) أي: من المجمل (ما لم يذكر فيه وصف أحد الطرفين) أي:
وصف يذكر له من حيث إنه طرف، وهو وصف يشعر بوجه الشبه فخرج منه زيد الفاضل أسد؛ لأن زيدا لا يثبت له الفضل من حيث إنه مشبه بالأسد، وبما ذكرنا حققنا أن نقول هكذا ينبغي أن يفهم لا بمجرد ما ذكر الشارح أن المراد بالوصف وصف يشعر بالوجه، ثم قال: هكذا ينبغي أن يفهم، وإنما قدم العدمي، وهو ما لم يذكر اسم على ما هو وجودي في الجملة، وقدم ما هو
стр. 808
وجودي في الجملة على الوجودي الصرف مع أن حق التعليم يقتضي العكس، حفظا للأقسام عن وقوع فاصلة بينها، ولو بالمثال.
(ومنه ما ذكر فيه وصف المشبه به وحده) لم يذكر مثاله؛ لأنه ذكر آنفا ما هو مثاله (ومنه ما ذكر فيه وصفهما) أي: وصف المشبه والمشبه به كليهما (كقوله) أي: قول أبي تمام في الحسن بن سهل:
ستصبح العيس لي واللّيل عند فتى ... كثير ذكر الرّضى في ساعة الغضب
العيس بالكسر: الإبل البيض، يخالط بياضها شفرة وهو أعيس وهي عيسا أي: سيدخلني الإبل والسير في الليل صباحا عند فتى.
[(صدفت عنه) أي: أعرضت عنه.
(ولم تصدف) من حد ضرب (مواهبه عنّى وعاوده ظنّي) فلم يخب كالغيث (وهو المطر أو الذي عرضه يريد) إن جئته وافاك ريقه، أي: أوله وأفضله، والموافاة الإتيان (وإن ترحّلت عنه لجّ) اللجاج: الخصومة (في الطّلب) ووصف الفتى بكثرة المواهب أعرضت عنه أو لم تعرض، والغيث بأنه يصيبك حسه أو ترحلت عنه وهذان الوصفان مشعران بوجه الشبه، أي: الإفاضة في حالتي الطلب وعدمه، وحالتي الإقبال والإعراض.
(وإما مفصل) عديل إما مجمل (وهو ما ذكر وجهه) لما كان في هذا التعريف تسامح بجعل ما ذكر مما يستتبع وجهه مكان الوجه داخلا فيما ذكر وجهه، وكان ذلك التسامح مبنيا على تسامح آخر نبه على هذا التسامح وعلى منشأة إخراجا للتعريف عن الإبهام الذي هو غاية تبعيده عن الإتقان والإحكام، فقال: (وقد يتسامح بذكر ما يستتبعه) أي: وجه الشبه (مكانه) والشارح جعل هذا إشارة إلى التقسيم بعد التعريف، يعني المفصل: قسمان ما ذكر فيه وجه الشبه حقيقة، وما ذكر فيه وجه الشبه تسامحا (كقولهم للكلام الفصيح) أي: الفصيح وكلام المفتاح فيه كالصريح أو البليغ، والثاني هو الأشبه؛ لأنه أحق بالتشبيه بالعسل.
(هو كالعسل في الحلاوة) وشاع هذا التسامح إلى أن صارت الحقيقة مهجورة، حتى لو قيل: الكلام الفصيح كالعسل لا يفهم القصد إلى أنه مثل العسل، وفي ميل الطبع إليه ولا يجعل المقدر ذلك، بل لو سئل عن وجه الشبه
стр. 809
لا يجاب إلا بالحلاوة.
(فإن الجامع فيها لازمها، وهو ميل الطبع) أي: محبة وروده، كذا فسره السيد السند في شرح المفتاح، وإنما جعل الجامع ميل الطبع؛ لأنه المشترك بين العسل والكلام، لا الحلاوة التي هي من خواص المطعومات، ولا يبعد أن يجعل وجه الشبه نفس الحلاوة، ويجعل ثبوته في المشبه على سبيل التخييل كما في تشبيه السنة بالنجم، والبدعة بالظلمة.
قال السكاكي: وهذا التسامح لا يكون إلا حيث يكون التشبيه في وصف اعتباري، كميل الطبع وإزالة الحجاب، ويشبه أن يكون تركهم التحقيق في وجه الشبه. حيث قسموه إلى حسي وعقلي، مع أنه في التحقيق لا يكون إلا عقليا كما مر من تسامحهم.
هذا، ويحتمل أن يكون قصده أن تسامحهم ناشئ من تسامح البلغاء من وضع المستتبع مكان وجه الشبه، فيقولون: الكلام البليغ كالعسل في الحلاوة، وزيد كالغراب في سواده، أي: سواد الغراب أو سواد زيد.
وقد يقال زيد كالغراب في سوادهما، فلما وضع البلغاء الحسي الملزوم بوجه الشبه الكلي مكانه نزل علم البيان الكلي الذي هو وجه الشبه منزلة جزئياته، فقسموه إلى حسي وعقلي.
ويحتمل أن يكون قصده إلى أن تسامحهم الأول من قبيل هذا التسامح من تنزيل غير وجه الشبه منزلته، فإنهم نزلوا الجزئي منزلة وجه الشبه الكلي، فقسموه إلى الحسي والعقلي.
والشارح العلامة جرى على الأول، لكن لم يسلك في الحقيقة مسلك السداد، والشارح اعتمد على الثاني، لكن لم يأت في بيانه بما عليه الاعتماد، ومن الله الاهتداء والرشاد.
ولا يخفى عليك أنه نشأ من هذا التسامح أيضا التسامح في عد هذا التشبيه مفصلا، والتسامح في التعريف على ما عرفت.
بقى هاهنا بحث، وهو أن ذكر الحلاوة في مقام ميل الطبع من قبيل ذكر الملزوم، وإرادة اللازم وسلوك طريق المجاز ليس تسامحا (وأيضا) تقسيم ثالث
стр. 810
[إما قريب مبتذل أو بعيد غريب]
للتشبيه باعتبار وجهه، وهو أنه (إما قريب مبتذل) أي: غير مصون من أحد، بل يعطي لكل أحد ويناله بمجرد توجيهه، والابتذال عدم الصيانة (وهو ما ينتقل فيه من المشبه إلى المشبه به من غير تدقيق نظر لظهور وجهه في بادي الرأي) أي ظاهر الرأي، فإن جعل من بدا يبدو فالأمر ظاهر لفظا ومعنى، وإن جعل من بدأ مهموزا فوجه حذف الهمزة أنها قلبت ياء لانكسار ما قبلها.
ذكره القاضي في تفسير قوله تعالى: بادِيَ الرَّأْيِ (١) في سورة هود، ووجهه جعل أول الرأي ظاهره، تنزيل أول الرأي منزلة ظاهر الشيء الذي يبدو أولا، ولك أن تجعله حينئذ بمعنى أول الرأي، ولك أن تهمزه كما في قراءة من قرأ «باديء الرأي» بالهمزة، وجعل القاضي تقديره في الآية في وقت حدوث بادي الرأي على حذف مضافين ولك أن تجعله ظرفا تنزيليا فيستغنى عن حذف المضاف، ولا ينتقض التعريف بتشبيهه بكون المشبه به لازما ذهنيا للمشبه مع خفاء وجهه؛ لأنه ليس انتقالا لظهور وجهه في بادي الرأي. وقوله لظهور وجهه قيد للتعريف وتحقيقه أن يكون المشبه بحيث إذا نظر العقل فيه ظهر المفهوم الكلي الذي هو مشترك بينه وبين المشبه به، من غير تدقيق نظر، والتفات النفس إلى المشبه به من غير توقف، ولم يكتف بما ظهر وجهه في بادي الرأي؛ لأنه يتبادر منه الظهور بعد التشبيه، وإحضار الطرفين، وهو لا يكفي في الابتذال، بل لا بد أن يكون انتقال من المشبه إلى المشبه به؛ لظهور وجهه بمجرد ملاحظة المشبه.
(إما لكونه أمرا جمليا) لا تفصيل فيه (فإن الجملة أسبق إلى النفس) من التفصيل؛ وذلك لأن التفصيل بتحليل أمر مجمل أو بجمع أمور مجملة، وبالجملة الجملة أسبق إلى النفس، ولأن النفس مجبولة على درك المجمل، وحفظ المجمل، حتى إن التفصيل كأنه خروج عن جبلتها، ولأن المجمل أحب عندها؛ لأنه الذي يبقى لها بعد التفصيل، فكان التفصيل وسيلة إلى تحصيل مجمل على ما ينبغي.
ألا ترى أن التعريفات التي هي تفاصيل وسائل معرفات هي مجملات، حتى إذا حصل المجمل أعرض النفس عن التعريف، والتفصيل هنا ما خطر بالبال في تفصيل هذا الإجمال، ولعله أجمل مما ذكره الشارح المحقق في شرح هذا المقال،