← Баляга

Баляга · id 13680

الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم

العصام الأسفراييني

Полный текст (1 136 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

أركانه إلى التشبيه بمعنى الكلام المذكور أو إلى مفهوم التشبيه بطريق الاستخدام، وضمير الغرض منه وأقسامه إلى التشبيه بمعنى الدلالة المذكورة، باعتبار أفراده بهذا الطريق فإنه بعيد عن ذات التعلم والتعليم، ولا يليق بمقام التفهيم، ولا يرضى به البيان السليم والأداة ليس أداة للتشبيه، بل هي أداة دالة لربط أحد الطرفين بالآخر في مقام التشبيه، والمراد به إما معنى الكاف ونحوه فيلائم المقصود بطرفيه ووجهه، وإما نفس اللفظ الدال تنزيلا للدال منزلة المدلول. قال الشارح المحقق: قدم البحث عن طرفيه يعني من بين الأركان لأصالتهما؛ لأن وجه الشبه قائم بهما، والأداة آلة لبيان الشبه بينهما؛ ولأن ذكر أحد الطرفين واجب ألبتة بخلاف الوجه والأداة. هذا كلامه، وفيه أنه يقال في جواب هل زيد كالأسد نعم فيحذف الطرفان إلا أن يقال المحذوف بقرينة كالمذكور، ولا يحذفان الطرفان بلا قرينة بخلاف الوجه والأداة فإنهما لم يحذفا بقرينة في: جاءني أسد. ونحن نقول: قدم البحث عن طرفيه؛ لأن البحث عن التشبيه؛ لأنه مبنى الاستعارة التي هي أحد طرفي التشبيه فاهتمام صاحب البيان بالطرف في الطرف الأعلى، وهذا هو الوجه الأجلى، وإن خفي إلى الآن. ولا يبعد أن يقال قدم، ليكون البحث عن طرف في طرف، فتأمل. [وأقسامه] (وفي الغرض منه، وفي أقسامه) قال المصنف في الإيضاح في تقسيمه بهذه الاعتبارات: وبهذا علم وجه تأخير أقسامه. [إما حسيان أو عقليان إو مختلفان] (طرفاه إما حسيان) أي: منسوبان إلى الحس، وهو منحصر في الحس الظاهر عند المتكلمين، وعليه بناء التقسيم (كالخد) المشهور بالفتح، ويوافقه إعجام الصحاح، لكن في القاموس الخدان والخدتان بالضم ما جاور مؤخر العينين إلى منتهى الشدق، أو اللذان يكتنفان الأنف عن يمين وشمال، أو من لدن المحجن إلى اللحى مذكر. (والورد) في القاموس: ورد كل شجر نوره، وغلب على الحوجم يريد الورد الأحمر (والصوت الضعيف) أي: الذي لا يسمع إلا عن قريب (والهمس) في

стр. 737

الشرح: هو الصوت الذي أخفى حتى كأنه لا يخرج عن فضاء الفم، لكن في القاموس: هو الصوت الخفي، وكل خفي أو أخفي ما يكون من صوت القدم (والنكهة) أي: ريح الفم أو النفس المخرج من الفم إلى أنف آخر، والأخيرة هو الملائم بالعنبر (و) الأول هو الملائم بريح (العنبر والريق) أي: ماء الفم (والخمر) وهو ما أسكر من عصير العنب أو عام، ورجح العموم بأنه حرمت وما بالمدينة خمر عنب، وما كان شرابهم إلا البسر والتمر (والجلد الناعم) أي: اللين (والحرير). قال الشارح المحقق: وهذا كله مما فيه نوع تسامح إلا في الصوت الضعيف، والهمس والنكهة، وذلك لأن المدرك بالبصر إنما هو لون الخد والورد، وبالشم رائحة العنبر، وبالذوق طعم الريق والخمر، وباللمس ملامسة الجلد الناعم والحرير ولينهما لا نفس هذه الأشياء؛ لكونها أجساما، لكنه قد استمر في العرف أنه يقال أبصرت الورد، وشممت العنبر من حد علم أو نصر وذقت الخمر، ولمست الحرير من حد ضرب أو نصر. هذا كلامه، وأجاز السيد السند في شرح المفتاح أن يكون مبنيا على العرف، ولا يكون تسامحا. فإن قلت: مع ورود العرف كيف جزم الشارح بالتسامح، ورجح السيد السند كونه تسامحا؟ قلت: لأن السكاكي جرى في هذا المقام على الاصطلاحات، والظاهر أن المصنف بنى الأمر على العرف؛ لأنه لو لم يكن كذلك لأصلح هذا التسامح الذي وقع من المفتاح كما أصلح تسامحا آخر، وهو أنه مثّل للطرفين بالخد عن التشبيه بالورد ... وهكذا إلى آخر الأمثلة، ولا يذهب عليك أنه النكهة أيضا مع التسامح على أحد التوجيهين، وأن هذه أمثلة مما طرفاه حسيان، سواء جعل تشبيه الكلي بالكلي أو الجزئي بالجزئي، فالكل مشتمل على التسامح؛ لأن الكلي ليس حسيا. قال في المفتاح: كالريق إذا شبه بالخمر على زعم القوم. قال السيد السند في شرحه: يريد القوم المؤلفين بشربها، وفيه دفع لما يقال من أن طعم الخمر مكروه فليس له لذة طعم، هذا ولك أن تقول المراد على زعم

стр. 738

القوم الفساق، فإنهم يثبتون للريق لذة طعم، والأشبه أنه أراد زعم علماء البيان، حيث جعلوا التشبيه في لذة الطعم، وأشار إلى أن الأشبه أن تشبيه الريق بالخمر ليس في الطعم، بل في التذاذ روحاني، والمشبه به لذة النفس بالخمر فليس شيء من الطرفين حسيا (أو عقليان) عطف على قوله: حسيان، (كالعلم والحياة) في المختصر نقلا عن «المفتاح» و «الإيضاح» أن وجه الشبه بينهما كونهما جهتى إدراك، قال: والمراد بالعلم هاهنا ملكة يقتدر بها على إدراكات جزئية لا نفس الإدراك، ولا يخفى أنه جهة وطريق إلى الإدراك كالحياة. هذا كلامه، ولا يخفى أن الملكة كما أنه سبب لإدراكات جزئية هي صور للجزئيات؛ ولذا وصفت بالجزئية كذلك هي سبب لإدراكات كلية هي صارت سببا لحصول الملكة، فإن الإدراكات إذا تكررت ورسخت تصير ملكة، والملكة تصير سببا لاسترجاع تلك الإدراكات بلا تجشم كسب جديد، فالإدراك أولا سبب لحصول الملكة، والملكة سبب لحصول الإدراك ثانيا، فلا يخفى أن الإدراك أيضا سبب للإدراك فلا صحة لنفس إرادة نفس الإدراك على أن سبب إدراك لإدراك غني عن الكسب، وبالجملة هو مدح العلم بأنه كالحياة تميز صاحبه عن الميت والجماد. ولك أن تجعل وجه الشبه تميز الصاحب عن الجماد، وذا يصح على أي معنى تحمل العلم فتحمل، والأوجه أن وجه الشبه كونهما سببى انتفاع بالمرافق، فإنه لا انتفاع بدون العلم، كما أنه لا انتفاع بدون الحياة. ولك أن تريد بالإدراك الوصول إلى الشيء فيكون معنى كونهما جهتي إدراك جهتي وصول إلى الشيء فيئول إلى الأوجه من الأوجه فتنبه، ولا تغفل فإن ملاك العلم التنبه، وملاك الغفلة التحصر والتأوه. (أو مختلفان) بأن يكون المشبه عقليا، والمشبه به حسيا أو على العكس، فنبه على الأول بقوله (كالمنية) وهو الموت، وفسر بعدم الحيوة عما من شأنه. وقال السيد السند: الأظهر أنه عدم الحياة عما اتصف بها، ويؤيد الأول قوله تعالى: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ (١) (والسبع) بفتح الباء وضمها وسكونها

стр. 739

المفترس من الحيوان، وعلى الثاني بقوله: (والعطر وخلق كريم) إما بإضافة الخلق إلى الكريم، كما في الشرح، لكن لا بتقدير رجل كريم كما فيه، إذ لا وجه للتخصيص، بل بتقدير شخص كريم، وإما بالوصف فيكون من قبيل عيشة راضية، فالعطر وهو الطيب مشموم، والخلق وهو كيفية نفسانية تصدر عنها الأفعال بسهولة من غير سبق رؤية عقلي، ونبه بتقديم الأول على كثرته، كما نبه عليها المفتاح بتمثيل الأول بثلاثة أمثلة، وتمثيل الثاني بواحد، وكأن وجه قلته أن المحسوس أصل للمعقول ينتزعه منه العقول؛ ولذلك قيل: من فقد حسا فقد فقد علما، يعني المستفاد من ذلك الحس، فتشبيه المحسوس بالمعقول جعل الفرع أصلا، والأصل فرعا، وهو مستهجن (١)؛ ولذلك لو حاول محاول المبالغة في وصف الشمس بالظهور، والمسك بالطيب فقال: الشمس كالحجة في الظهور، والمسك كخلق فلان في الطيب، كان سخيفا من القول، وهذا سر نحوي يعلل به الواقع ويزين به اللغة، فلا يسمع فيه ما يناقش به من أنّ الأهم عدم جواز جعل الفرع أصلا لجواز كون الفرع من وجه أصلا، ولو سلم فليس كل محسوس أصلا لكل معقول فليشبه محسوس بفرع محسوس آخر، وما يمكن أن يناقش به من أن المحسوس ما هو الخيالي، وليس أصلا للمعقولات وأن سخافة المثالين المذكورين؛ لأن المشبه أظهر وأعرف. نعم لا يتم التمسك به في عدم الجواز، كما فعله من ادعاه، ولا في عدم الجواز، إلا بعد جعل المعقول كالمحسوس كما فعله البعض غاية الأمر أن جعله كالمحسوس أبلغ. [والمراد بالحسي] ولما كان المشهور من الحسي ما أدرك بتعلق الإحساس بنفسه، وبالعقلي ما لا يكون للحس الباطن مدخل فيه والمتبادر إلى الوهم جعل المحسوس المخترع داخلا في المحسوس، احتاج إلى تفسير الحسي والعقلي، فقال: (والمراد بالحسي المدرك هو أو مادته بإحدى الحواس) جمع حاسية، وهي كالحساس مشتقة من الإحساس على خلاف القياس (الخمس الظاهرة) تقييد الحواس بالظاهرة يشعر بالقول بالحواس الباطنة، وجعل الوجدانيات داخلة في العقلي ناسب إنكارها

стр. 740

اتباعا لمذهب المتكلمين، وحمل الظاهر على المستغنية عن البيان، وإن كان دقيقا لطيفا مشارا إليه بالبنان، لكنه بعيد كالمخالف (فدخل فيه) أي: في الحسي بسبب زيادة أو مادته في تفسيره. الخيالي وهو المعدوم الذي فرض مجتمعا من أمور كل واحد منها مما يدرك بالحس. فإن قلت: لو فسر الحسي بما لو أدرك لأدرك بإحدى الحواس الظاهرة، لكان أقرب إلى الفهم وأنسب؛ لأن جعل الوهمي في قرن الخيالي أنسب من جعله في قرن العقلي. قلت: إنما يكونان في قرن لو لم يتفاوتا بكثرة تشبيه المحسوس بالخيالي، وقلة تشبيهه بالوهمي كتشبيهه بالعقلي، وأما إذا كان كذلك فهو في قرن العقلي (كما في قوله: [وكأنّ محمرّ الشّقيق) وصفه بالمحمر مبالغة في حمرته؛ لأن الإفعلال للمبالغة، فليس وصف الشقيق به، وهو ورد أحمر لغوا يريد به شقائق النعمان- بضم النون- أضيف إلى النعمان بمعنى الدم أو إلى نعمان بن المنذر؛ لأنه انتهى إلى أرض فيها من الشقائق ما أعجبه، وقال: ما أحسن هذه الشقائق احموها. وكان أول من حماها، لا إلى نعمان بالفتح وهو واد في طريق الطائف، يقال له: نعمان الإدراك، وكأنه رد الشاعر الشقائق إلى المفرد لضرورة الشعراء؛ إذ لم يوجد الشقيق بمعنى الشقائق، بل الشقائق للواحد والجمع. فإن قلت: هذا الوزن مما لا نظير له في الآحاد، ولو كان الشقائق للواحد لوجد له نظير في الآحاد. قلت: ذكر في القاموس أنه سميت بالشقائق تشبيها لها بشقيقة البرق، وهي ما انتشر منه في الأفق، هذا فهو في الأصل جمع سمي به هذا الورد لاشتماله على أوراق، كل ورق، كل ورق منه كشقيقة. (إذا تصوّب) أي: مال إلى السفل (أو تصعّد) أي: مال إلى العلو، قيد المشبه بهذا القيد؛ لأن أوراق الشقائق ليست على هيئة العلم من غير ميل إلى السفل والعلو. (أغلام) جمع علم، وهو ما يشد فوق الرمح (ياقوت نشرن على رماح) جمع

стр. 741

رمح من (زبرجد)] (١). فإن الأعلام الياقوتية المنشورة على الرماح الزبرجدية مما لم يدركه حس؛ لأن الإحساس لا يتعلق بغير موجودي مادي حاضر عند الحس على نسبة مخصوصة، يعرفها كل ذي حس، لكن مادته التي تركبت منها كالياقوت والزبرجد وهيئة العلم والرمح والنشر مما أدرك بالحس. ويمكن تفسير الشعر بما يخرج المشبه به عن كونه خياليا بأن يجعل أعلام ياقوت بمعنى أعلام كالياقوت في الحمرة فيكون تشبيها بليغا، ويراد بالزبرجد خشب مخضرّ كالزبرجد فيكون استعارة. [والعقلي] (وبالعقلي) عطف على قوله بالحسي و (ما عدا ذلك) على قوله: المدرك عطف معمولين على معمولي أمر واحد أي: المراد بالعقلي ما لم يدرك هو ولا مادته بتمامها بإحدى الحواس الظاهرة، سواء أدرك بعض مادته أو لا. (فدخل فيه الوهمي أي: ما هو غير مدرك بها ولو أدرك لكان مدركا بها) أي: لو أدرك على الوجه الجزئي، فلا ينافيه كون أنياب الأغوال متصورة إذا ما لم يتصور لم يتصور جعله مشبها به، وبهذا القيد يتميز عما يدرك بالوجدان، ويصح قوله وما يدرك بالوجدان عديلا له. قال الشارح: وبهذا القيد يتميز عن العقلي، يعني به يتميز الخاص عن العام، ولولا تميزه لا يصح الحكم بدخوله فيه، وربما يقال: أراد التميز عن العقلي الصرف، وما ذكرنا أحسن، فأحسن التأمل. وأعرض عن الوهمي بحسن التعقل (كما في قوله) أي: كمشبه به في قول امرئ القيس. [(أيقتلني) يريد به الرجل الذي أوعده في حب سلمى (و) الحال أن (المشرفيّ) بفتح الراء، قال الشارح: سيف منسوب إلى مشارف اليمن، وجعل القاموس مشارف من الشام، وإنما رد المشارف إلى المشرف؛ لأن الجمع لا ينسب إليه ما لم يرد إلى المفرد (مضاجعي) قال الشارح: أي: ملازمي، وجعل

стр. 742

المضاجعة كناية عن الملازمة، وجعل مضاجعي مبتدأ والمشرفي خبرا؛ حيث قال في تفسيره: والحال أن مضاجعي سيف منسوب إلى مشارف اليمن، ولا بأس بتقديم الخبر مع كونه معرفة كالمبتدأ؛ لأنه يجوز فيما لا التباس فيه على ما هو التحقيق، ولا التباس هنا؛ لأنه يعلم من استبعاد القتل أن له ملازما يمنع القتل. فاللائق تعيينه بالمشرفي لا تعيين المشرفي به، ومن الناس من توهم أن الشارح جعل الكلام قلبا، وابتلي ببيان نكتة القلب، ولم يأت بما يفيد للنفع جلبا، ولا يبعد أن يراد بالمضاجع حقيقته، ويكون فيه إشعار بأن قصد أحد قتلى لا يمكن إلا في حال اضطجاعي ونومي (ومسنونة) قال الشارح: أي: سهام محددة النصال، يقال: سن السيف إذا حدده ووصف النصال بالزرقة؛ للدلالة على صفائها، هذا والأنسب بقوله: (زرق) تفسير سن بالتحديد والصقل على ما في القاموس ولا يخفى أن الأنسب تفسير المسنونة بأسنة الرماح؛ لأن الأسنة هي الأشبه بأنياب الأغوال؛ لأنها أعظم من النصال، وفي كون أنياب الأغوال مما لم يدرك مادته بالحس نظر؛ لأن مادته العظم، وكأنه مبني على توهم أنياب، لا من جنس العظم؛ لأنها تفعل ما لا يمكن للعظم، بل لا يعلم أن مادته أي شيء؛ لأنه لا مناسبة لها بشيء من القواطع، ولا يخترع على صورة الناب المتعارف بخصوصه، بل على صورة مهيبة له، مناسبة في الجملة بصورة الناب (كأنياب أغوال)] (١). الأنياب: جمع ناب، وهو السن خلف الرباعية، والأغوال جمع غول، وهي ساحرة الجن والمنية، وشيطان يأكل الناس أو دابة رأتها العرب وعرفتها وقتلها تأبط شرّا. قال الشارح: ومما يجب له التنبه في هذا المقام أن ليس المراد بالخياليات الصور المرتسمة في الخيال المتأدية إليه من طرق الحواس، ولا بالوهميات المعاني الجزئية المدركة بالوهم على ما سبق تحقيقها في بحث الفصل والوصل؛ وذلك لأن الأعلام الياقوتية ليست مما ردت إلى الخيال من الحس المشترك؛ إذ لم يقع بها

стр. 743

إحساس قط، ولأن أنياب الأغوال ورءوس الشياطين ليست من المعاني الجزئية، بل هي صورة؛ لأنها ليست مما لا يمكن أن يدرك بالحواس الظاهرة على تقدير وجودها، وليست أيضا مما له تحقق كصداقة زيد وعداوة عمرو، بل المراد بالخيالي والوهمي ما اخترعته القوة المتخيلة، أعني: القوة التي من شأنها تركيب الأشياء وتعريفها واختراع أشياء لا حقيقة لها، إما من الأمور المحسوسة الموجودة كما في الخيالي، وإما لا عن شيء، بل هو اختراع صرف على نحو المحسوس، كما في الوهمى، ونحن نقول: لم يسموا ما اخترعته الأمور المتخيلة من الأمور العقلية الصرفة وهميا، بل أدخلوه تحت العقلي مطلقا؛ لأنه لا يلتفت إليه، ولا يعتبر في مقام التشبيه، ولا يمكن للواهمة أن يخدع العقل في توجهه إليه، ويجعله متوجها إليه ملتفتا نحوه؛ لأن المعقولات الصرفة تحت سلطان العقل لا يقبل منها إلا الحق أو التشبيه به، ويعرض عن المخترع الصرف في أول نظره، ويتجه وما ذكره الشارح في نفي كون الوهمي من مدركات الوهم من أنه ليس له تحقق ليس بقوي؛ لأن من أفراد مدركات الوهم ما يجوز أن لا يكون له تحقق، بل يكون بحيث لو أدرك بعد وجوده لأدرك بالوهم. [وما يدرك بالوجدان] (وما يدرك بالوجدان) فسروا الوجداني بما يدرك بالقوى الباطنة، ومدركاتها لا يخرج من الصور والمعاني الجزئية المتعلقة بالمحسوس، فإن المدرك من القوى الباطنة إما الحس المشترك وهو لا يدرك إلا الصور، وإما الواهمة وهي لا تدرك إلا المعاني الجزئية المتعلقة بالمحسوس، فليس ما يدرك بالوجدان بعد الخيالي والوهمي السابقين إلا المعاني الجزئية المتعلقة بالمحسوس، لكن في كون كل ما يدرك بالقوى الباطنة وجدانيا خفاء؛ إذ المشهور في الوجدان ما يجده كل أحد من نفسه عقليا صرفا كان، كأحوال نفسه أو مدركا بواسطة قوة باطنية فتخصيص الداخل بالوجداني من بين سائر مدركات القوى الباطنة تخصيص بلا مخصص (كاللذة والألم). قال الشارح: الحسيين فإنه المفهوم من إطلاقهما بخلاف اللذة والألم العقليين فإنهما ليسا من الوجدانيات، بل من العقليات الصرفة، كالعلم والحياة. وتحقيق ذلك أن اللذة إدراك ونيل لما هو عند المدرك كمال وخير، من حيث

стр. 744

هو كذلك، والألم كمال ونيل لما هو عند المدرك آفة وشر، من حيث هو كذلك. وكل منهما حسي وعقلي، أما الحسي فكإدراك القوة الغضبية أو الشهوية ما هو خير عندها وكمال كتكيف الذائقة بالحلو، واللامسة باللين، والباصرة بالملاحة، والسامعة بصوت حسن، والشامة برائحة طيبة، والمتوهمة بصورة شيء ترجوه، وكذلك البواقي. فهذه مستندة إلى الحس. أما العقلي فلا شك أن للقوة العاقلة كمالا وهو إدراكاتها المجردة اليقينية، وإنما يدرك هذا الكمال ويلتذ به، وهو اللذة العقلية وقس على هذا الألم فاللذة العقلية ليست من الوجدانيات المدركة بالحواس الباطنة، وكذا الألم وهو ظاهر، وأما اللذة والألم الحسيان فلما كان عبارتين عن الإدراكين المذكورين، والإدراك ليس مما يدرك بالحواس الظاهرة دخلا بالضرورة فيما عدا المدرك بإحدى الحواس الظاهرة، وليس من العقليات الصرفة؛ لكونهما من الجزئيات المستندة إلى الحواس، بل من الوجدانيات المدركة بالقوى الباطنة، كالشبع والجوع والفرح والوهم والغضب، وما شاكل ذلك. هذا كلامه، وتتمة تحقيق المقام أن المراد بالإدراك العلم، وبالنيل تحقق الكمال لمن يلتذ؛ فإن التكيف بالشيء لا يوجب الألم واللذة من غير إدراك؛ فلا ألم ولا لذة للجماد بما يناله من الكمال والآفة، وإدراك الشيء من غير النيل لا يؤلم ولا يوجب لذة، كتصور الحلاوة والمرارة، وإنما قال: من حيث هو كذلك؛ لأن الشيء قد يكون مؤلما وموجبا للذة، والفرق بالحيثية، وإنما قال كمال؛ لأنه يستلزم البراءة من القوة وكمال الشيء خروجه من القوة إلى الفعل، وإنما قال خير باعتبار أنه مؤثر، واللذة باعتبار الحصول والتأثير، كذا ذكره المحقق الطوسي في شرحه للإشارات. وفيما ذكره الشارح أبحاث: أحدها: أن المتبادر من اللذة والألم ما هو جسماني، لا روحاني، سواء كان الإدراك بالحس أو بالعقل مثلا نيل الذائقة لحلاوة إذا أدرك لذة الجسمانية، سواء أدرك هذا النيل بوجه جزئي، فيكون الإدراك بالحس أو أدرك بوجه كلي فيكون عقليا صرفا.

стр. 745

وثانيها: أن إدراك القوة الغضبية إن أريد به العلم فلا إدراك للقوة الغضبية، وإن أريد النيل، فلا بد من الشعور به، حتى يكون لذة والشعور به ليس حسيا، كيف ونيل القوة الغضبية ليس معنى جزئيا متعلقا بمحسوس حتى يكون إدراكه بالواهمة أو ليست القوة الغضبية من المحسوسات. وثالثها: أن تكيف الواهمة بصورة شيء يرجوه مما لا يعقل؛ لأنه إنما يدرك معنى جزئيا متعلقا بمحسوس والمرجو غير موجود، حتى يمكن تعقله على وجه جزئي، بل تعقله قبل الوجود إنما بوجه كلي فهو من مدركات العقل. ورابعها: أن كمال القوة العاقلة لا ينحصر في الإدراكات النفسية، ولا في إدراك المجردات، بل إدراك المحسوسات أيضا كمال لها كالظنون مثلا. ومن كمالاتها الملكات الفاضلة كالشجاعة والسخاوة إلى غير ذلك. نعم أجل كمالاتها تلك الإدراكات. وخامسها: أن الإدراك بالقوة الباطنة ليس من الصور المحسوسة، ولا من المعاني الجزئية المتعلقة بالمحسوس؛ لأن القوى غير محسوسة، بل عند التحقيق ذلك الإدراك صفة للنفس المجردة، فلا يكون لذة حسية بمعنى كون إدراكه بالحس. واعلم أن نيل ما هو خير لا يخص نيل المدرك ما هو خير، بل نيل ما يحبه المدرك أيضا من قبيل اللذة فإدراك الشخص حس أنّبه، فإنه لذة مع أنه نيل أنبه ما هو كمال وخير له، وأن اللذة قد يكون بمجرد إدراك ما هو خير من غير نيل سوى الإدراك كإدراك الصور الحسنة، فإنه لذة ولا نيل سوى إدراكه. ودعوى أن اللذة بإدراك هذا الإدراك ليست ظاهرة، وحينئذ نقول: اللذة العقلية مجرد إدراك النفس الأمور المطابقة إدراكا ثانيا من غير أن يدرك إدراكها كما ذكره الشارح، فليكن سادس الأبحاث، ولتكن الجهات ستة، يكون كل منها لذة. قال السيد السند: إنه لا يخفى أن إيراد أمثال هذه التحقيقات في أمثال هذه المقامات مما لا يجرى للمتعلم نفعا، بل ربما زاده خبرة في تفاصيل هذه المعاني ودقائق العبارات، فالأولى بحال هذه العلوم أن يقتصر فيها على الأمور العرفية، وما يقرب منها، ولعل ذاك افتخار منه باطلاعه على العلوم العقلية، وما ذكر فيه

стр. 746

من التدقيقات. هذا كلامه، وليس بذاك؛ فإن السكاكي أدرج في كتابه مقدمات حكمية واصطلاحات عقلية، فلا بد للشارح لكلامه أن يخوض في تفصيل مرامه، فليس منطق افتخار إلا بالسكاكي، ويشهد لذلك أنه يشكو الشارح فيما بعد عن السكاكي، ويقول: لا يتفرع على أمثال هذه التقسيمات أحكام متفاوتة، فهي قليلة الجدوى. وكان هذا ابتهاج من السكاكي باطلاعه على اصطلاحات المتكلمين. [وجه التشبيه] (ووجهه) أي: وجه التشبيه (ما يشتركان) أي: الطرفان (فيه) بحكم التشبيه فيئول المعنى إلى ما دل على اشتراكهما فيه، فلا يرد نحو ما أشبهه بالأسد للجبان؛ لأن الشجاعة ليست مشتركة بينهما، مع أنها وجه الشبه للدلالة على مشاركتهما فيها، ولا يلزم أن يكونا من وجوه التشبيه فيه: زيد كالأسد، الوجود والجسمية والحيوانية. ويتجه أنه يلزم أن يكون الطرفان قبل الدلالة على الاشتراك فيه طرفين إلا أن يتجوز، وأخرج التعريف مخرج من قتل قتيلا، ولا يخفى أن الوجه ليس أحوج إلى التعريف من الطرفين، كما يوهمه كلامه. وهما دل على اشتراكهما في شيء. قال الشارح: المراد بكلمة: ما معنى له مزيد اختصاص بهما، واستشهد فيه بقول الشيخ عبد القاهر: إن التشبيه الدلالة على اشتراك شيئين في وصف هو من أوصاف الشيء نفسه خاصة، كالشجاعة في الأسد، والنور في الشمس، ولا يخفى أن الشاهد لا يدل إلا على مزيد اختصاص بالمشبه به، ثم نقول: لما كان ظاهر عبارة الشيخ موهما لوجوب كون وجه الشبه خارجا عن الطرف، وكونه وصفا ثابتا للشيء في نفسه من غير اعتبار معتبرا ومختصا بالمشبه به، مع أن الظاهر أن ذلك شرط كون التشبيه مقبولا، وهو غير معتبر في مفهوم وجه الشبه، ولا في مفهوم التشبيه أسقطه المصنف عن تعريف التشبيه، ولم يعتبره في تعريف وجه الشبه ووضع موضع الوصف كلمة ما ليشمل الجزء بلا خفاء وذكر قوله (تحقيقا أو تخييلا) تصريحا بأن وجه الشبه لا يجب أن يكون من أوصاف الشيء

стр. 747

في نفسه فتعديل تعريف المصنف باعتبار أمور تجعله موافقا لكلام الشيخ عدول عن طريق سلكه. قال المصنف: (والمراد بالتخييل) أن لا يكون وجوده في المشبه به إلا على تأويل، وكأنه اقتصر في البيان على ما أوجده، وإلا فمفهوم ما يشتركان فيه تخييلا أعم؛ ولذا قال الشارح: هو أن لا يوجد في أحد الطرفين أو كليهما إلا على سبيل التخييل والتأويل (نجوما) أي: وجه شبه (في قوله) يعني القاضي التنّوخي (١) المنسوب إلى قبيلة تنوخ المسماة بمفعول من تنخ بالمكان أقام به سموا به لأنهم اجتمعوا فأقاموا في مواضعهم، ووهم الجوهري (٢)، فجعل النسبة إلى تنوخ من قبيل تقول. (وكأنّ النّجوم) جمع نجم كأنجم وهو الكوكب (بين دجاه) أي: دجى الليل، والمرجع في البيت السابق، وروى دجاها فالضمير لليلة أو للنجوم، فالإضافة لأدنى ملابسة، والدجى كالعلى جمع دجية، وهي الظلمة بناء ومعنى (سنن) جمع سنة، وهي في اللغة السيرة، ومن الله حكمه وأمره ونهيه، وما سلكه النبي ﷺ مع الترك أحيانا (لاح) أي: ظهر (بينهنّ ابتداع)] (٣). الابتداع: الإنشاء، والبدعة: الحدث في الدين بعد كماله، والمراد بالابتداع على ما بين وجه التشبيه إحداث البدعة، ولا يخفى أن طرفي البيت لا يتلايمان فإنه جعل النجوم بين الدجى، والسنن بينهن الابتداع، والملايم أن تجعل بينهن الدجى أو السنن بين الابتداع وتحصيل الملائمة كما يمكن باعتبار القلب في الأول يمكن باعتباره في الثاني وأشار إليهما. أما إلى الأول فبقوله: من خصوله من خصول أشياء مشرقة بيض في جوانب شيء مظلم أسود، فإن مفهومه أن جعل الدجى بين النجوم. وأما إلى الثاني فبقوله بالسنن بين الابتداع، وأشار إلى ترجيح الثاني بإيراد تفصيله وتوضيحه دون الأول، وكان وجه الترجيح أن التأويل دار بين المتقدم والمتأخر ترجيح المتأخر،

стр. 748

ويكون أحرى به؛ لئلا يكون كالعمل قبل الحاجة، وكنزع الخف قبل الوصول إلى الماء، لكن لا يخفى أن الأول أنسب بالمقام وأبلغ، كيف؟ وفيه بيان كثرة النجوم وغلبتها على ظلام الليل كغلبة السنن في الإسلام على البدعة، والنكتة في القلب حينئذ الإشارة إلى أن الواقع كون الدجى ظرفا للنجوم، والقول بكون الدجى بين النجوم كما هو المقصود في هذا المقام بقرينة المشبه به قول تخييلي؛ لأنه كذلك تخييل في المرأى لغلبة النجوم على الدجى كما أن قلب سنن بين الابتداع للإشارة إلى أن السنن هي الأصل الذي حدث فيها البدعة، واللائق بأن يجعل ظرفا للبدعة دون العكس، وإن دعت الحاجة إليه. وقال الشارح: هو للإشارة إلى كثرة السنن، حتى كانت البدعة هي التي تلمع بينها (فإن وجه الشبه فيه) أي: في هذا التشبيه (هو الهيئة الحاصلة من حصول أشياء مشرقة بيض، في جوانب شيء مظلم أسود) هي الظلمات، ولا يخفى أن جعل الظلمة وإن كان لها وجه من أنها مظلمة بذاتها كما أن الضوء مضيء بذاته، لكن جعلها سوداء وقابلته اللون مما لا يوجد له مساغ، فلا يكون تلك الهيئة في المشبه أيضا إلا تخييلا، ولا يكون تحقيقا كما يلوح من قوله: (وهي غير موجودة في المشبه به إلا على طريق التخييل) إلا أن يقال لإيراده بالتحقيق ما ثبت في الواقع، ولا ينمحي بالتدقيق، وإنما هو ما يكون في المرأى، ولا يحوج إلى تكلف أو خيال للنفس، فإنه كالرؤيا ولا يخفى أنه يرى بين النجوم أمور مظلمة سود تؤول عند التحقيق بالتدقيق إلى ظلمات صرفة، وهو منشأ قوله بين دجاه دون أن يقول بين أمور مظلمة سود. (وذلك) أي: وجودها في المشبه به على طريق التخييل (أنه) أي: لأنه وهذا أظهر مما في الشرح من جعل ذلك إشارة إلى بيان وجودها في المشبه به بطريق التخييل، أي: بيانه بأنه والضمير للشأن (لما كانت البدعة، وكل ما هو جهل يجعل صاحبها كمن يمشي في الظلمة فلا يهتدي للطريق ولا يأمن من أن ينال مكروها) من الوقوع في مهلكة أو العثور على داهية مهلكة (شبهت)، جواب لما، أي: البدعة ونظائرها من الجهالات (بها) أي: بالظلمة (ولزم بطريق العكس أن تشبه السنة، وكل ما هو علم بالنور) ووجه جعل تشبيه

стр. 749

السنة بالنور فرع تشبيه البدعة بالظلمة دون العكس أن العلم قد يكون مع الضلال، كما في العالم الغير العاقل، والجهل لا ينفك عن الضلال، أو أن التنفير عن البدعة متقدم على الترغيب بالسنة، فالتشبيه في البدعة أسبق أو أن ظلمة الكفر كانت سابقة قد ارتفعت بالسنة، فتشبيه الجهل والبدعة يستحق أن يكون سابقا على تشبيه العلم والسنة، وجعل السكاكي كلا منهما مستقلا. (وشاع ذلك) أي: كل من التشبيهين (حتى يخيل أن الثاني) أي: كل ما هو علم (مما له بياض وإشراق) قدم الثاني على خلاف ترتيب الوجود والذكر السابق لقوة شاهده وشرفه، (نحو) قوله ﵇ «(أتيتكم بالحنيفية) أي: بالملة الحنيفة المنسوبة إلى الحنيف أي: الثابت على الإسلام (البيضاء)» هذا لا يدل إلا على ثبوت البياض، دون الإشراق كما هو المرعى، ولو أريد بالبيضاء الشمس وجعلت صفة للحنيفية بتأويلها بالمشرقة كقولك مررت بزيد الأسد، أي: الجريء لم يدل إلا على تخييل الإشراق. (والأول على خلاف ذلك كقولك: شاهدت سواد الكفر من جبين فلان، فصار) لذلك الشيوع المستلزم للتخييل المذكور (تشبيه النجوم بين الدجى بالسنن بين الابتداع كتشبيهها) أي: بالنجوم بين الدجى (ببياض الشيب في سواد الشباب) في القبول والرواج (أو بالأنوار (١) مؤتلقة) بالقاف أي: لامعة (بين النبات الشديدة الخضرة) التي يرى أسود فنبه به على أن المحقق أعم من المحقق في الواقع أو في المرأى وبادي النظر، كما أشرنا إليه. وقد جعل صاحب المفتاح البيت من التشبيه المقلوب على نحو: وبدا الصّباح كأنّ غرّته ... وجه الخليفة حين يمتدح (٢) ففيه ادعاء أن نور السنن صار بحيث يشبه به نور النجوم، وأن الابتداع فوق الظلمة في الإظلام وليس لك أن تجعل الكاف للتشبيه وأن من الحروف المشبهة

стр. 750

بالفعل فيصير المعنى: وككون النجوم بين دجاها سنن لاح بينهن ابتداع، أي: كتلك الهيئة تلك الهيئة فيخرج بذلك التشبيه عن كونه مقلوبا؛ لأنه وجب زيادة ما بعد الكاف إذا دخل على أن فيقال كما أن ولا يقال كان؛ لئلا يلتبس بكأن من الحروف المشبهة. (فعلم) من تصوير وجه التشبيه وأنه المشترك بين الطرفين (فساد جعله في قول القائل: النحو في الكلام كالملح في الطعام، كون القليل مصلحا والكثير مفسدا؛ لأن المشبه) أي: النحو (لا يحتمل) أي: لا يحتمل سببا بين (القلة والكثرة) لا أنه ليس مردودا بينهما، ويتعين فيه أحدهما، كيف وإذا روعي في جميع أجزاء الكلام فقد حصل النحو، وإن أهمل في جزء فلا نحو في الكلام، فوجه الشبه هنا أن الكلام يصلح بوجوده ويفسد بعدمه، بمعنى أنه لا ينتفع به لفوات الدلالات، بل ليضر به للانتقال إلى غير المقصود كما أنه لا ينتفع البدن بطعام لا ملح فيه، بل يستضر به ويمرض ولا يقتصر الفساد على فوت الانتفاع، بل كما لا لذة لطعام لا ملح فيه لا لذة لكلام لا نحو فيه ولو سلم أنه برعايته في بعض أجزاء الكلام يحصل النحو، فالفساد بقلته لفوته في البعض لا بكثرته. قال صاحب المفتاح: وربما أمكن تصحيح جعله، فقال الشارح: فكأنه أراد بكثرة النحو استعمال الوجوه العربية والأقوال الضعيفة، ونحو ذلك مما يفسد به الكلام، وفيه أن استعمال الوجه غريب بدل الوجه المستفيض لا تجعل النحو كثيرا في الكلام فكأنه أراد بكثرة النحو إيراد الكلام محتملا لوجوه مختلفة، ومحتمل التطبيق على قواعد متباينة فيوجب تحير السامع لصيرورة المركب بمنزلة المفردات المشتركة. (وهو) أي وجه التشبيه (إما غير خارج عن حقيقتهما) أي: حقيقة شيء من الطرفين (كما في تشبيه ثوب بآخر في نوعهما أو جنسهما أو فصلهما) أو في الجنس والفصل. (أو خارج) عن حقيقة واحد منهما أو المراد غير خارج عن حقيقة كلا الطرفين، أو خارج عن حقيقة كليهما، ولا يخفى أن تشبيه الإنسان بالفرس في

стр. 751

الحيوانية، لا في الحيوان كما هو دأب أرباب اللسان، وكون الشيء حيوانا ليس جنسا، فكأنه أريد بالوجه الداخل على ما يؤخذ بالنظر إلى الداخل، وأن قوله غير خارج يشمل نفس الحقيقة؛ ولذا اختاره على الداخل، وإنما قدمه على القسم الثاني مع كونه سلبيا له وغير عريق في لطايف الشبيه، بل لا يجري فيه إلحاق الناقص بالكلام الذي هو العمدة في باب التشبيه؛ إذ هو مبنى الاستعارة، وكيف وقد تقرر أنه لا تفاوت الأشياء في الذاتيات، وهي في الأمور المشاركة فيه سواء، لعدم تقسيمه وتقسيم الثاني وتذييله بتفصل، فلو قدم لا قضى بفصل قسيم عن آخر بفصل طويل، ولا يذهب عليك أن دخول بعض المفهومات الكلية في الأشخاص وخروج بعضها من تدقيقات الفلسفة، وتحصيل التمييز عنهما بالتحليل، وهم مع طول باعهم فيه معترفون بالعجز عن تمييز الحقيقة عن غيرها؛ لتعسر تمييز الجنس عن العرض العام وتعسر تمييز الفصل عن الخاصة، وهم مخصون فيه، بل يتعسر تمييز الحقيقة عن أجزائها أو يحتمل أن يكون تمام حقيقة الإنسان الناطق الحيوان أو يكون الناطق خاصة غير شاملة، ويتعسر تمييز الجنس عن فصل الجنس أو يحتمل أن يكون جنس الإنسان مجرد الحساس. أما أهل العرف واللسان فلا يعقلون من الداخل في الطرف إلا الأجزاء الخارجية، فالداخل في الإنسان عندهم الرأس واليد والرجل وهم برآء عن التشبيه في مفهوم داخل في الحقيقة، وليس المشبه به عندهم إلا المعاني القائمة بالطرفين، وليس الجنس والنوع عندهم إلا الأخص والأعم فالماشي نوع المتحرك عندهم والمتحرك جنسه، فأمثال هذا التقسيم من تفلسف السكاكي والبهتان العظيم. (صفة): هي الخارج لا بد أن يكون معنى قائما بالطرفين، والخارج الذى ليس كذلك غير صالح لكونه وجه شبه (إما حقيقية) أي: موجودة في الطرفين لا بالقياس إلى شيء. [إما حسية كالكيفيات الجسمانية] (وإما حسية) (١) أي: مدركة بالحس الظاهر (كالكيفيات الجسمية) أي: المنسوبة إلى الجسم باختصاصها به والكيفية نسبة إلى كيف كالماهية إلى ما

стр. 752

والكمية إلى كم وضعت لما يجاب به عن السؤال بكيف. وخصها المتكلمون ببعض الأحوال فكيفية فتكيف من مصنوعاتهم صرح به أهل اللغة، وليس المقدار والحركة منها عندهم كما يعلمه من فنهم، فتارة يقال أراد بالكيفيات مطلق الصفات، وتارة يقال: أراد بالمقدار وضعه من الطول والقصر والتوسط بينهما، وبالحركة السرعة والبطء والتوسط بينهما ويزيف الثاني بأن في كون هذه الأمور صفات حقيقة نظرا إذ رب طول يصير قصيرا بالنسبة إلى طول، ورب بطء يصير سرعة بالنسبة إلى آخر. ونحن نقول لو جعل قوله كالكيفيات الجسمية مثالا للصفات الحسية وقوله مما يدرك بيانا لها وإشارة إلى نفسها لم يرد شيء. (مما يدرك بالبصر) هو في اللغة حاسة العين ونفسها، وفي عرف الحكمة قوة مرتبة في العصبتين المجوفتين اللتين يتلاقيان فيفترقان إلى العينين، وفيه نظر؛ لأنه لا يصدق على بصر بعض الحول، فإن الحول قد يكون بتقاطع العصبتين إلى العينين، وقد يكون بعدم تلاقيهما فلا يصدق التعريف على بصر من لم يتلاق عصبتاه، بل على بصر الأحوال أصلا، لما قيل: إن قوله يتلاقيان فيفترقان ينبئ عن عدم التقاطع فتفطن. ولا يخفى أنه يدرك بالبصر غايته أنه لا يدرك مطابقا إذا لم يكن حوله نظريا، بل يكون عارضا ويرى الواحد اثنين، ويصدق على قوى أخرى مودعة فيهما. (من الألوان والأشكال) المدرك بالذات بالبصر هو اللون والضوء، وما عداهما يدرك ثانيا، وبالعرض واللون مع كونه مدركا بالذات إدراكه مشروط بإدراك الضوء اكتفأ، وكأنه لم يذكر الضوء بذكر يدرك بالذات في التنبيه على المدرك بالذات. واختار اللون بالذكر تنبيها على أنه المدرك بالذات دفعا لما يتوهم من توقف إدراكه على إدراك الضوء أنه مدرك بالعرض، وأكثر ذكر المدرك بالعرض؛ لأنه أبعد من كونه مبصرا كما بالغ في توضيحه. والأشكال كالشكوال جمع شكل وهو في اللغة الصورة المحسوسة والمتوهمة في عرف الحكمة هيئة إحاطة نهاية واحدة بالجسم أو السطح كالكرة والدائرة أو

стр. 753

نهايتين كشكل نصف الكرة ونصف الدائرة أو أكثر مما لا يليق تفصيله بالمقام. (والمقادير): هي جمع مقدار، وهو في اللغة مبلغ الشيء وفي عرف الحكمة كم متصل قار الذات والكم عرضي يقبل التجزأ لذاته ونعني بالاتصال أن يكون لأجزائه حد مشترك بتلاقي عنده بمعنى أن كل جزء فرض فيه يكون نهايته متحدة مع مبدأ الآخر بخلاف العدد، فإن الأربعة إذا قسم إلى نصفين مثلا لم يكن نهاية نصف منها مبدأ نصف آخر، وهذا هو الاتصال الذاتي الذي هو فصل للكم المتصل بخلاف الاتصال العرضي كاتصال خط بخط فإنه متصل بالقياس إلى الغير لا في حد ذاته، وبهذا اندفع أنه لا نهاية لسطح الكرة فلا يكون كما متصلا؛ لأن الحدس هو الحد الفرض اللازم بعد فرض القسمة لا النهاية الموجودة. وذكر قار الذات لإخراج الزمان؛ لأن المراد به أن يكون الأجزاء المفروضة ثابتة، وليس الزمان كذلك. (والحركات): جمع حركة على وزن عرفة وهي لغة ضد السكون. وفي عرف المتكلمين حصول جسم في مكان بعد حصوله في مكان آخر. قال الشارح: يعني مجموع الحصولين وهذا مختص بالحركة الأبنية هذا، وفي التعريف أنظار لا يفي به المقام، وعند الحكماء هو الخروج من القوة إلى الفعل على سبيل التدريج عن الخروج دفعة كتبدل الصورة النارية بالهوائية، فإنه يسمى كونا وفسادا لا تقول الحركة من الأعراض النسبية، فكيف جعلها صفة حقيقية؛ لأنا نقول نفس النسبة لا تكون صفة حقيقية، وأما معروض النسبة يكون حقيقية والحركة نسبية بالمعنى الثاني، وقد نبه بإيراد الأمثلة جموعا على تنوع كل منها. أما الألوان والأشكال فظاهرة، وأما المقادير فلأنها إما أجسام تعليمية، وإما سطوح وإما خطوط وإما الحركات فلانقسامها إلى الوضعية وغيرها أو إلى القسرية والطبيعية والإرادية إلى غير ذلك. (وما يتصل بها) قال الشارح: أي بالمذكورات كالحسن والقبح المتصف بهما الشخص باعتبار الخلقة التي هي عبارة عن مجموع الشكل واللون، من الضحك والبكاء الحاصلين باعتبار الشكل والحركة وكالاستقامة والانحناء والتحدب والتقعر

стр. 754

الداخلة تحت الشكل، وغير ذلك. هذا وفيه أنه حمل الحركات على كيفياتها من سرعتها وبطؤها، والحالة المتوسطة بينها حفظ لما هو المصطلح من الكيفيات على ما هو أحد التوجيهين السابقين، فلا يصح حينئذ تمثيل ما يتصل بالمذكورات بالضحك والبكاء الحاصلين باعتبار الشكل والحركة. وأما قوله الداخلة تحت الشكل تقييد للأمور الأربعة لأنها تعرض للخط قطعا مع أنه لا شكل له لأن نهايتي الخط لا يحيطان به، وأما ما يعرض للخط فداخل في قوله غير ذلك فإنها أيضا مما يتصل بالمذكورات؛ لأنها مما يتصل بالمقدار فلا يتجه ما أورده السيد السند عليه من أن هذه الأمور تعرض للخط ولا شكل له. نعم يتجه أنها لما كانت داخلة تحت الشكل فقد دخلت في قوله والأشكال؛ فلا معنى لجعلها داخلة تحت ما يتصل بها إلا أن يقال تسامح في قوله تحت الشكل، وأراد به تحت ما يتصل بالشكل الأول. وأورد السيد السند أن الأشكال مما يتصل بالمقادير فلا وجه لضمها مع الألوان وإفرادها عما يتصل بها ويرده أن إفرادها وضمها إلى الألوان؛ لأن حسن الشخص وقبحه مما يتصل بمجموعها. (أو بالسمع) عطف على قوله بالبصر وهو في اللغة الأذن، وحد الأذن يكون للواحد والجمع. وفي عرف الحكمة قوة رتبت في العصب المفروش على سطح باطن الصماخين يدرك بها الأصوات، وفيه نظر؛ لأنه يصدق على قوة رتبت في إحدى العصبتين. (من الأصوات الضعيفة والقوية والتي بين بين) وإنما وصف الأصوات تنبيها على أن أنواعها أمور اعتبارية لا غير بينها إلا باعتبار أوصاف متفاوتة بالإضافة بخلاف الألوان وأخواتها، والطعوم، والروايح. وفي كون الأصوات باعتبار القوة والضعف والتوسط من الأصوات الحقيقية نظر؛ لأنها تختلف باختلاف المضاف إليها، ولا يذهب عليك أن للأصوات أيضا أمورا منفصلة، بها تدرك بالسمع كحسنها وقبحها، والكيفيات الحاصلة من الاعتماد على مخارج الحروف وكونها، موزونة ومنشورة، وكذا للطعوم والروايح؛ فتخصيص ما عد من مدركات البصر ومدركات اللمس بقوله: وما يتصل بها آنفا

стр. 755

في لا موجب له. (أو بالذوق) هو في اللغة مصدر ذاق بمعنى اختيار الطعام. وفي عرف الحكمة قوة منبثة في العصب المفروش على جرم اللسان، وفيه أنه يخرج عنه القوى المودعة في أبعاض هذا العصب، ويدخل فيه قوى غير مدركة للطعوم مودعة فيه، ويمكن دفع الأول بأدنى تمحل فانظر وادفع النظر. (من الطعوم) وأصولها تسعة وطرفاها الحلاوة والمرارة، وما بينهما من الحرافة والملوحة والحموضة والدسومة والعفوصة والقبض والتفاهة. والعفوصة: طعم ينقبض به ظاهر اللسان وباطنه. والقبض: طعم ينقبض به ظاهر اللسان. والتفاهة: طعم لا يحصل من ذي الطعم بسهولة لكمال صلابته، والبعض لهم يقبض ظاهر اللسان، وقد يستعمل بمعنى القابل للطعم. (أو بالشم) وهو في اللغة حس الأنف. وفي عرف الحكمة قوة مرتبة في زائدتي مقدم الدماغ الشبيهتين بحلمتي الثدي وفيه. (من الروايح) جمع رايحة. قال الشارح: لا حصر لأنواعها ولا أسماء لها إلا من جهة الموافقة أو المخالفة كرايحة طيبة أو منتنة أو من جهة الإضافة إلى محلها كرايحة المسك أو إلى ما يقارنها كرايحة الحلاوة. هذا وكان المراد بالأنواع المفهومات المندرجة تحتها، وإلا فالرايحة الطيبة ورايحة المسك ليستا نوعين مختلفى الحقيقة، ولا يبعد أن يكون رايحة الحلاوة من قبيل الإضافة إلى المحل، ويكون المراد رايحة ذي الحلاوة. (أو باللمس) هو في اللغة المس باليد. وفي عرف الحكمة قوة سارية في البدن كله تدرك بها الملموسات. قالوا: لم يختلف في الكبد والرئة والعظم والطحال والكلية، فعلى هذا لا يصدق التعريف على شيء من المحدود، ولا يصلحه ضم الاستثناء أيضا؛ لأنه لا يصدق على لامسة عضو عضو.

стр. 756

ولو أريد المدرك بالملامسة، ويصدق على القوة الغاذية الثامية؛ إذ لو أريد بالملموس ما عليه اللغة كان قاصرا، ولو أريد المدرك باللامسة يلزم الدور، ولم يراع في ذكر الحواس الترتيب الذي راعوه، إذ قدموا اللامسة، لأنها يحتاج إليها الحيوان أشد حاجة، ولهذا نشر في جميع الأعضاء، ولم يخل عنه حيوان حتى الخراطين الناقد للأربعة، لأن التشبيه أكثر ما يقع في المبصرات، فلما قدم البصر جمع معه ما سوى اللامسة يجامع الاختصاص بعضو الرأس إلا أنه ينبغي أن يؤخر الذائقة من الثلاثة ليتصل باللامسة لشدة المناسبة بينهما؛ ولذا قال الإمام الرازي: لولا كثرة مباحث المبصرات لقدمنا المذوقات لتكون رديفة للملموسات. (من الحرارة والبرود والرطوبة واليبوسة والخشونة والملامسة) في المواقف الملاسة عند المتكملين استواء وضع الأجزاء في ظاهر الجسم والخشونة عدمه، فهما على هذا القول من باب الوضع وعند الحكماء هما كيفيتان ملموستان قائمتان بالجسم، وفي شرحه، وقيل: قائمتان بسطح الجسم. (والصلابة واللين) في المواقف هو عدم الصلابة عما من شأنه فهو عدم ملكة، وقيل: بل كيفية بها تطيع الجسم للغامز. وفي شرحه قال الإمام الرازي: هما من الكيفيات الاستعدادية دون الكيفيات الملموسة. وقال الشارح: وكون هذه الأربعة من الملموسات مذهب بعض الحكماء. (والخفة والثقل) هو كعنب مصدر، وكعلم حاصل بالمصدر ولا يخفى أن مفهومات الأمور المذكورة ظاهرة متشاركة فيها الصبيان وغيرهم، والاشتغال بتعريفاتها لغو وإن شاعت في غير هذا الفن فتركناها لذلك. (وما يتصل بها) أي: بالمذكورات كالبلة والجفاف وغيرهما. [أو عقلية كالنفسية] (أو عقلية) عطف على قوله حسية وتقسيم الخارج من وجه الشبه بالحسي والعقلي؛ لمزيد اهتمام به، وإلا فغير الخارج منه أيضا قد يكون حسيا، وقد يكون عقليا إذ المراد بالحسي ما يكون أفراده مدركة بالحس، لكن لما لم يكن التشبيه به كثيرا تدور عليه الاستعارة لم يتعلق به اهتمام يدعو إلى تقسيمه وتفصيله. وأيضا تقسيمه إلى الحسي والعقلي عائد إلى حسية الطرف وعقليته، بخلاف

стр. 757

تقسيم الخارج فلم يستغن عنه بتقسيم الطرفين. (كالكيفيات انفسانية) نسبة إلى النفس على غير قياس النسبة كالجسماني في النسبة إلى الجسم والكيفية النفسانية ما يختص بذوات الأنفس الحيوانية، وقيل: ما يختص بذوات الأنفس حيوانية كانت أو نباتية. كذا يستفاد من المواقف والاختصاص بالإضافة إلى ما فيه الأجسام فلا إشكال في التمثيل بالعلم المشترك بين ذوات الأنفس، والواجب على أنه قد يمنع الاشتراك، لكون علمنا عرضا وحادثا دون علمه تعالى فإنه قديم، وليس بعرض. (من الذكاء) وهو كالسواء سرعة الفطنة كذا في القاموس. وعرف بشدة قوة للنفس مقدمة لاكتساب الآراء وبأخص منه بمرتبتين، وهو ملكة سرعة إنتاج القضايا وسهولة استخراج النتائج بواسطة كثرة من أدلة المقدمات كالبرق اللامع، فلا يشتمل ملكة اكتساب الآراء التصويرية وسرعة الإنتاج وسهولة الاستخراج النظريتين، وعلى الأول سؤال مشهور ذكره بعض الفضلاء الجامعين للعلوم من أن الذكاء يجامع اكتساب الرأي فكيف يكون معدا وأفخمه بعض الأذكياء المختلفين بنهاية الذكاء بأن منشأ الإشكال اشتباه صور الكلمات والأشكال فظن المعد على صيغة اسم الفاعل وهو اسم مفعول أي: قوة مهيئة هيأها الله تعالى لاكتساب الآراء. هذا ونحن نقول فليكن اسم فاعل بمعنى قوة مهيئة تهيئ النفس لاكتساب الآراء، أو بمعنى المعد اصطلاحا، ولا نسلم أن شدة القوة يجامع اكتساب الرأي بل حين حصول الاكتساب بغير القوة، والظاهر حملة الأمثلة على المعاني اللغوية ليكون تمثيلا لوجه الشبه بما يدور فيما بين البلغاء، فالظاهر في قوله: (والعلم): حمل العلم على اليقين فإنه من أفعال اليقين في اللغة، أعني: الاعتقاد الجازم المطابق الثابت، وإن كانت معانيه الأخر أيضا عقلية من المعاني الثلاثة التي ذكرت في بيان تعريف البيان. ومما هو مصطلح الحكيم من الصورة الحاصلة من الشيء عند الذات المجردة لا حصول صورة الشيء في العقل كما ذكره في الشرح؛ لأنه أحد أقسام العلم، أعني: العلم الكاسب كما حقق، وليس من معاني العلم ومن إدراك الكلي أو المركب في مقابلة المعرفة بمعنى إدراك الجزئي أو

стр. 758

البسيط ومن مقابلة الصناعة، وهي ملكة يقتدر بها على استعمال موضوعات ما نحو عرض من الأعراض صادرا عن البصيرة بحسب الإمكان. وقول الشارح: وقد يقال: العلم على ملكة يقتدر بها ... إلخ كأنه سهو القلم، والمقصود بالكتابة، وقد يقال: العلم على مقابل ملكة يقتدر بها إلى هنا. (والغضب) وهو حركة النفس ومبداها إرادة الانتقام. (والحلم) وهو أن يكون النفس مطمئنة لا يحركها الغضب بسهولة، ولا تضطرب عند إصابة المكروه. (وسائر الغرايز) جمع غريزة وهي الطبيعة والطبيعة السجية جبل عليها الإنسان كالطباع أو الطياع ما ركب فينا من المطعم والمشرب، وغير ذلك من الأخلاق التي لا تزايلنا. كذا في القاموس فعلى هذا يدل قوله وسائر الغرايز، أي: باقي الغرايز على أن الممثل سابقا مبادي الأمور المذكورة، لأنها التي جبل عليها الإنسان لا أنفسها، ولو جرينا على تفسير الغرايز بملكة تصدر عنها صفات ذاتية على ما في الشرح لاستدعى حمل ما سبق على الملكات، وبالجملة لا يصح حمل العلم على حصول الصورة أو الاعتقاد أو إدراك المركب، كما يشعر به كلام الشرح. ومن سائر الغرايز الكرم والقدرة والشجاعة ومقابلاتها. [وإما إضافية] (وإما إضافية) عطف على قوله: إما حقيقية وكاشف عن المراد به فإن الحقيقي له معنيان: أحدهما الصفة الثابتة للشيء مع قطع النظر عن غيره موجودة كانت أو معدومة ويقابل الإضافي بمعنى الأمر النسبي الثابت للشيء بالقياس إلى غيره. وثانيهما الموجود ويقابله الاعتباري الذي لا تحقق له سواه، سواء كان معقولا بالقياس إلى غيره أو مع قطع النظر عن الأغيار، وقد نبه على ضعف عبارة المفتاح، حيث جعل الحقيقي متقابلا لما هو اعتباري ونسبي؛ لأن الحقيقي ليس له معنى مقابل للاعتباري والنسبي بمعنى ما لا يكون اعتباريّا ولا نسبيّا. (كإزالة الحجاب في تشبيه الحجة بالشمس).

стр. 759

واعلم أنه لم يف المصنف بما وعد في ديباجة الكتاب من حذف الحشو والتطويل والتعقيد، ونسى عنه في هذا المقام؛ لأن هذه التقسيمات ما لا تنفع له في هذا الفن، بل يوجب تحير الأفهام وإيقاع المبتدئين في الظلام، حتى إن الشارح قال: كأنه ابتهاج من السكاكي باطلاعه اصطلاحات المتكلمين، فهو من التطويلات المشكلة على المبتدي فيجب حذفه لمن التزم تنقيح الكلام عن التطويل والتعقيد، وكأنه منع المصنف حذفه لاتقائه من الاتهام بأنه لم يعرف على اصطلاحات المتكلمين فحذفه لعدم فهمه مقاصد المفتاح في هذا المقام لكونه عاريا عن معرفة مصطلحات الكلام. [وأيضا إما واحد] (وأيضا) وجه التشبيه (إما واحد) في ذاته بمعنى أنه لا جزء له، وإلا فلا يقابل بينه وبين المركب، لأنه أيضا واحد حقيقة إذ الوحدة تعرض للشيء حقيقة. نعم لو قال إما بسيط أو مركب لكان أوضح. (وإما بمنزلة الواحد) ولما كان ما هو بمنزلة الواحد عاما لأن بعروض الوحدة جهات شتى من الوحدة بالموضوع والوحدة بالمحمول إلى غير ذلك قيده بقوله: (لكونه مركبا من متعدد) إما تركيبا حقيقيا بأن يكون وجه التشبيه حقيقة ملتئمة من متعدد أو تركيبا اعتباريا بأن يكون هيئة منتزعة انتزعها العقل من متعدد، والاعتبار عند البلغاء للاعتباري، بل الظاهر أن يخص التركيب في هذا العرف بالمركب الاعتباري، ويجعل المركب الحقيقي داخلا في الواحد على خلاف ما في المفتاح، حيث قال غير الواحد إما أن يكون في حكم الواحد لكونه إما حقيقة ملتئمة وإما أوصافا مقصودا من مجموعها إلى حقيقة واحدة أو لا يكون في حكم الواحد وستعرف وجهه. (وكل منهما) أي: كل واحد من الواحد وما هو بمنزلته. (إما حسي أو عقلي) والعقلي الذي هو بمنزلة الواحد إما مركب من العقليات الصرفة أو من الحسي والعقلي؛ لأن المركب من الحسي والعقلي عقلي، كذا حققه الشارح المحقق، والسيد السند، وفيه أن تحقيق العقلي ما حصل في نفس العقلي، وتحقيق الحسي ما حصل في الحس المشترك أو الواهمة، والمركب المذكور

стр. 760

ليس شيء منهما، بل مجتمعا منهما فالحق أن يقسم ما هو بمنزلة الواحد أيضا ثلاثي كالمتعدد. [أو متعدد] (وإما متعدد) (١) عطف على إما بمنزلة الواحد، أي وجه التشبيه إما واحد أو غيره، وغير الواحد إما بمنزلة الواحد، وإما متعدد بأن يقصد بالتشبيه تشريك الطرفين في كل واحد من متعدد، بخلاف المركب من وجه الشبه فإن القصد فيه إلى تشريكهما في مجموع الأمور أو في الهيئة المنتزعة عنها. كذا في الشرح وكأنه دعاه إلى تأويل المنفصلة ذات ثلاثة أجزاء إلى منفصلتين ذاتي جزءين أن الحكم الانفصالي لا يمكن أن يتحقق إلا بين أمرين؛ إذ لا يمكن أن تكون القضية واحدة إلا طرفان. هذا ويمكن جعل الجزءين الأولين بمنزلة أمر واحد وهو غير متعدد، أي وجه الشبه إما غير متعدد، وإما متعدد هل يمكن الحكم بالانفصال بين أمور، فظني أن الحق أنه ممكن على سبيل الإجمال كما يحكم به الوجدان فإن القضايا المنفصلة ذوات الأجزاء الثلاثة فصاعدا تشتمل على أحكام إجمالية إذا فصلت صارت القضية الواحدة أكثر من قضيته، ولا يخطر بالبال نسب متعددة مقصودة بتصديقات متعددة في الصورة الإجمالية، فالداعي إلى التكليف ليس إلا وضع التفصيل موضع الإجمال. ولا يخفى أن هذا التقسيم يجري في الطرفين أيضا فإن المشبه أو المشبه به قد يكون واحدا، وقد يكون بمنزلة الواحد، وقد يكون متعددا. والقول بأن تعدد الطرف يوجب تعدد التشبيه عرفا دون تعدد وجه الشبه لو تم لتم وجه التخصيص. وقوله: (كذلك) صفة لمتعدد، وإشارة إلى انقسامه إلى حسي وعقلي. (أو مختلف) أي: بعضه حسي وبعضه عقلي، وكما أن آحاد المتعدد، وقد تختلف كذلك أجزاء المركب كما أشرنا إليه، ولم يلتفت إليه؛ لأن المقصود في المتعدد الآحاد دونه على عكس المركب، فإن الملتفت فيه المركب الذي هو عقلي دون الأجزاء المختلفة، فاعتد بحال الآحاد دون الأجزاء.

стр. 761

كذا في الشرح، وقد عرفت ما فيه، ولك أن تريد بقوله كذلك أنه إما حسي أو عقلي، وإما واحد أو بمنزلة الواحد، وبقوله أو مختلف أن بعضه حسي وبعضه عقلي، وبعضه واحد وبعضه بمنزلة الواحد، لكن إيراد الأمثلة يوافق الأول، وحمل العبارة عليه أسهل. (والحسي) أي: وجه الشبه الحسي (طرفاه حسيان، لا غير) فالمتعدد الذي بعضه حسي دخل في هذا الحكم؛ لأن فيه وجه شبه حسيا فلم يحتج إلى تأويل الحسي بالحسي بتمامه أو ببعضه، كما فعله الشارح، ولا إلى أن يقال حكم المختلف أخيل اشتراك العلة (لامتناع أن يدرك بالحسي من غير الحسي شيء) ويتجه عليه أن الحس كما سيجيء ما أفراده حسية فيجوز أن يدرك من الطرف الحسي والعقلي ما يصدق عليهما، ودفعه أن المراد أن وجه الشبه الخارج الحسي طرفاه حسيان، وهو أمر قائم بالطرفين، لكن لا بد أن يراد بحسية الطرفين أعم من الحسية حقيقة أو تنزيلا يشمل نحو قوله: كأنّ النّجوم بين دجاها ... سنن لاح بينهن ابتداع فإن وجه الشبه حسي مع أن السنن والابتداع ليست حسية، لكنها نزلت منزلة الحسي. [والعقلي أعم] (والعقلي أعم) أي: طرفا العقلي أعم من الحسيين، أو من طرفي الحسي؛ لأنهما يكونان عقليين ومختلفين أيضا. (لجواز أن يدرك بالعقل من الحسي شيء) بل قد حقق في غير هذا العلم أن النفس في مبتدأ الفطرة خالية من العلوم كلها، ويحصل لها المحسوس باستعمال الحواس، والمعقول بالانتزاع من المحسوس؛ (ولذلك يقال التشبيه بالوجه العقلي أعم) أي: أعم تحقيقا، إذ كل طرفين يتحقق فيهما التشبيه بوجه حسي يتحقق فيهما بوجه عقلي، ولا عكس. أو المراد طرفا التشبيه بالوجه العقلي أعم من طرفي التشبيه بالوجه الحسي، وكل ما يصلح طرفا للثاني يصلح طرفا للأول دون العكس، وفيه نظر، إذ ما صح فيه التشبيه بالوجه الحسي يحتمل أن لا يكون فيه أمر عقلي له مزية اختصاص بأحد الطرفين، فيوجد التشبيه بالوجه الحسي دون العقلي.

стр. 762

(فإن قيل هو مشترك فيه) لا حاجة إلى فيه (فهو كلي، والحسي ليس بكلي) فيه تطويل، ويكفي هو مشترك فيه، والمشترك فيه ليس بحسي، بل منافاة المشترك فيه للحسية أظهر من منافاة ما يجوز العقل فيه الاشتراك بالنظر إلى مجرد مفهومه. (قلنا: المراد) يعني المراد المصطلح عليه في لفظ الحسي (أن أفراده مدركة بالحسي) وبهذا اندفع ما ذكره المفتاح أن جعل المشترك فيه حسيا يخالفه التحقيق، ولا يرد ما ذكره الشارح أنه لا يصلح جوابا لما في المفتاح من أن التحقيق في وجه الشبه يأبى أن يكون حسيا، ومراد المصنف جواب ما فيه كما يظهر من الإيضاح لا أنه عدل المصنف من التحقيق إلى التسامح؛ لأن التحقيق لا يأبى أن يكون وجه الشبه مما أدرك أفراده بالحسي. (الواحد الحسي) شروع في تمثيل الأقسام الستة عشر بعد التحصيل بالتقسيم، فتأمل. وقول الشارح: شروع في تعداد أمثلة الأقسام، خفي؛ إذ لم يذكر على طريقة التعداد (كالحمرة) كونها ونظائرها واحدا بمعنى ما لا جزء له مما يتطرق إليه المعنى فذاك يدعو إلى جعل الواحد في مقابلة المركب الاعتباري، الذي هو الهيئة المنتزعة، ويأتي له داع آخر. (والخفاء) أي: خفاء الصوت من المسموعات. قال الشارح: وفيه تسامح لأن الخفاء ليس بمسموع ودفعه السيد السند بأن المراد بالخفاء ما يقابل الجهر. (وطيب الرايحة) من المشمومات. (ولذة الطعم) من المذوقات. (ولين الملمس) من الملموسات. (فيما مر) أي: في تشبيهات مرت من تشبيه الخد بالورد والصوت الضعيف بالهمس، والنكهة بالعنبر، والريق بالخمر، والجلد الناعم بالحرير. (والعقلي) عطف على الحسي عطف صفة على صفة أي: الواحد العقلي.

стр. 763

(كالعراء عن الفائدة) هي ما اكتسب من علم أو مال. (والجرأة) فيها لغات حيث جارت على وزن الجرعة والشبهة، والكراهة والكراهية والجراية باليا على وزن الكراهية شاذة، وهي في اللغة الشجاعة لكنها أعم من الشجاعة في عرف الحكماء لاختصاص الشجاعة بما صدر عن روية، فيختص بالعقلاء. قيل: ولذا اختارها على الشجاعة لتصفوا اشتراكهما بين الرجل الشجاعة والأسد عن ثبوت اشتباه. (والهداية) أي: الدلالة الموصلة إلى المطلوب أو الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب على الاختلاف فيها. (واستطابة النفس) إضافة إلى الفاعل، يقال: استطاب واستطبب الشيء وجده طيبا (في تشبيه وجود الشيء) هذا الظرف متعلق لظرف المتقدم الواقع خبرا عن الواحد العقلي (العديم) فعيل بمعنى مفعول من عدمه كعلمه أي فقده أو بمعنى الفاعل من عدم ككرم بمعنى الفاعل من عدم ككرم بمعنى انعدم، والانعدام لحن في اللغة من المتكلمين، ولم يثبت في اللغة انعدم، وإنما تكلم به المتكلمون، والعديم يعارف في اللغة في الأحمق. (النفع) فاعل العديم أو نائبه (بعدمه) الأولى بالعدم؛ لأن الظاهر تشبيه وجود عديم النفع بالعدم لا بعدمه ورجع الضمير إلى مطلق الشيء شيء وهذا التشبيه الأول شبه عقلي ذكر، وهكذا إما يأتي على ترتيب الوجوه المتقدمة، وقد راعى في ترتيب الوجوه الأربعة ما هو أسبق، فقدم ما طرفاه معقولان؛ لأنه أنسب بالواحد العقلي، ثم ما طرفاه حسيان، ثم ما الشبه فيه عقلي؛ لأن الأصل تشبيه المعقول بالمحسوس دون العكس، وقد أنكر الشيخ على من جعل هو معدوم أو هو والعدم، سواء تشبيها ونقول: لم يثبت للموجود هنا ما هو للمعدوم، بل أردت نفي وجوده، لكن هذا الحكم مبني على تشبيه الوجود بالعدم فإنهم لما شبهوا الوجود بالعدم في العراء عن الفائدة، وينزل منزلته صار هو معدوم النفي الوجود، وكذا هو والعدم سواء، ثم لما شاهد الشيخ أن الدخيل في البلاغة لا يكاد يوافقه، ولا يتمكن من أن لا يجعل هو معدوم اختصار موجود كالمعدوم، وشيء كلا شيء ووجود شبيه بالعدم، كما أن زيد أسد اختصار زيد

стр. 764

كالأسد بالغ في أن الحق معه، وقال الأمر كذلك، لكن إن أبيت إلا أن تعمل على ظاهر قولهم موجود كالمعدوم إلى غير ذلك، فلا مضايقة فيه يريد أن كلا ميسر لما خلق له (١)، ويجب العمل بما روى حسن: «كلّم الناس على قدر عقولهم». وبهذا استغنيت عن أن يقول المصنف ممن لا مضايقة للشيخ معه في جعل وجود شبيه بالعدم تشبيها، فظهر ضعف ما قال الشارح أن كلام الشيخ ساقط بما حققه المصنف، فإن الحق معه، ولا مجال لإنكار التشبيه. كيف والشيخ لم ينكر التشبيه في وجود كالعدم، بل في قولهم: هو معدوم أو هو والعدم سواء، فأحسن التأمل، وزين التعقل تنفع من يعقبك أحسن المنافع الذي ليس له مبطل ولا رافع. (والرجل الشجاع) نبه على معنى الجراءة؛ فلهذا لم يقل والرجل الجريء، كما هو الظاهر (بالأسد والعلم) بأي معنى أخذ، وقد عرفت (بالنور) هو الضوء أيا ما كان أو شعاعه والذي يبين الأشياء. (والعطر بخلق كريم) بإضافة الخلق أو وصفه بالكريم، وجزم الشارح بالأول، والجزم خلافه. والخلق السجية والمروءة والدين جاء بضمة وبضمتين، وتحمل الوحدة على البساطة يخفي صحة التمثيل بالعراء عن الفائدة واستطابة النفس الشائبة التركيب. وقد ذكر في المفتاح والإيضاح من أمثلة العقلي فيما طرفاه عقليان تشبيه العلم بالحياة، في كونهما جهتي إدراك، واتفق الشارحان بأن بيان ذلك أن المراد بالعلم الملكة التي هي سبب تفاصيل الإدراكات؛ إذ لو أريد الإدراك لم يكن للتشبيه معنى. أقول: المراد بالإدراك الوصول، وتفاصيل الإدراكات والعلوم كالحيوة جهات للوصول، وهذا قريب مما قال الشارح هنا. ولو جعل وجه الشبه بين العلم والحياة الانتفاع بهما كما أن وجه الشبه بين

стр. 765

الجهل والموت عدم الانتفاع كان أيضا صوابا. [والمركب الحسي فيما طرفاه مفردان] (والمركب الحسي) من وجه الشبه لا يكون طرفاه إلا حسيين فلم ينقسم باعتبار حسية الطرفين وعقليتهما واختلافهما، لكن ينقسم باعتبار أفراد الطرف وتركيبه، ولم يشر إلى تقسيم الطرف إلى المركب والمفرد والمختلف؛ لأنه يحصل في ضمن تقسيم الوجه باعتباره، ولم يكتف بذلك في تقسيم الطرف إلى الحسي والعقلي والمختلف تنبيها على أن الطرف أيضا مقصود بالبحث كالوجه، وليس أحدهما تبعا للآخر. وفي الشرح إنما قسم وجه الشبه المركب (١) هذا التقسيم دون الواحد؛ لأن معنى تركيب وجه الشبه أن يكون هيئة منتزعة من أشياء تشترك فيه هيئتان منتزعتان كذلك بأن يعمهما تلك الهيئة والطرف المركب بأن يكون هيئة منتزعة من أشياء؛ إذ لا معنى لتركيب الطرف وتركيب وجه الشبه إلا ذلك، فلا يمكن تشبيه المركبتين إلا بالاشتراك في مركب يعمهما، فلا يمكن أن يكون طرفا وجه الشبه الواحد مركبين. هذا تنقيح كلامه، ولا بد من بيان أنه لا يجري هذا التقسيم في وجه الشبه المتعدد، وأنه لا يكون طرفا الواحد مختلفين أيضا، حتى يتم وجه التخصيص ويتبين عدم صحة الاختلاف لما ذكره من أن التشبيه في الهيئة إنما يكون باشتراك الهيئتين فيها، ولا يتم عدم الجريان في المتعدد ما لم يتبين أنه لا يمكن تشبيه الهيئتين المنتزعتين يجوز أن يكون في غير الهيئة من كونهما معجبتين أو مرتين أو مرغوبتين أو مكروهتين، إلى غير ذلك. فيصح أن يكون الواحد من وجه الشبه طرفاه مفردين ومركبين ومختلفين. فإن قلت إذا كان معنى التركيب ما حققته، فكيف صح قول السكاكي: وجه الشبه إما واحد أو غير واحد، وغير الواحد إما في الحكم الواحد؛ لكونه إما حقيقة ملتئمة وإما أوصافا مقصودا من مجموعهما إلى هيئة واحدة أو لا يكون في

стр. 766

حكم الواحد يعني المتعدد. قلت: هذا مما استصعبه الشارح، ويمكن دفعه بأنه أراد بالحقيقة الملتئمة ما يكون هيئة منتزعة من أمور لا يكون أوصافا؛ ولهذا قابلها بالأوصاف، فإن قلت: لا تستبعد ذلك لولا يأبى عنه ما صرح به من أن عد العراء عن الفائدة واستطابة النفس من الواحد تسامح؛ لأن وجه التسامح ليس أن فيهما شائبة التركيب. قلت: لو سلم فلا إباء؛ لأنه لعله أراد التسامح في الاصطلاح بالتوسعة في التسمية بالواحد، واعتباره على وجه يندرج فيه كثير من المركبات، ومما يؤيده أن لا معنى للتركيب إلا ذلك، جعل استعارة الفعل واستعارة الأسماء المتصلة به استعارة تبعية معدودة من الاستعارة في المفرد، دون الاستعارة التمثيلية التي هي استعارة مركبة. (فيما) أي: في تشبيه (طرفاه مفردان كما) أي: في وجه شبه (في قوله). قال الشارح: يعني أحبية بن الحلاج أو أبي قيس بن الأسلت وقد يقع فيه الإيضاح، لكن في القاموس الأسلت من أوعت صدع أنفه، ووالد أبي قيس الشاعر [(وقد لاح) هو كالاح بمعنى بدا (في الصّبح) هو ضوء الصباح، وهو حمرة الشمس في سواد الليل (الثّريا) تصغير ثروى مؤنث ثروان كسكرى سكران للمرأة المسمولة سمي تصغيرها النجم لكثرة كواكبه مع ضيق المحل (كما ترى) أي: في المرأى وهو مأخذ قول المصنف في المرأى، وله احتمال آخر كما ترى (كعنقود ملّاحيّة) العنقود معلوم، والملاحية بضم الميم وتخفيف اللام عنب أبيض طويل على ما في القاموس. وينبغي أن يحمل عليه قول الشارح عنب في حبه طول، وقد يشدد اللام كما في البيت والملاحية صفة عنب أو شجرة، ولك أن تجعل الإضافة بيانية (حين نوّرا)] (١) أي: أخرج نوره بالفتح، وهو الزهر الأبيض أو المطلق والزهر شاع في الأصفر (من الهيئة) بيان لما كما في قوله: (الحاصلة من تقارن الصور البيض

стр. 767

المستديرة الصغار) المقاديرة (في المرأى) قيد التقارن بقوله في المرأى مستفيدا من قول الشاعر كما ترى؛ لأنه لا يقارن في الحقيقة، إذ لو كان إرائتها متصلة متراكمة، ولأنه لا لون في الفلكيات أو لا علم بلونها، ولا يعلم استدارتها وهي في الواقع كبار فيما يشعره قول الشارح إنه متعلق بالصغر؛ لأنها كبار في الواقع تخصيص بلا مخصص. (على الكيفية المخصوصة) من كون البياض على نسبة معينة واحدة بين الأجزاء، وكذا الاستدارة والصغر والتقارن، وقوله: (إلى المقدار المخصوص) إما حال من الكيفية كما يشعر به عبارة الشارح وشارحي المفتاح، ولا يلزم الحال من الحال؛ لأن الكيفية في الجملة الظرفية مفعول بالواسط، فيصح نصب الحال عنه أو حال من التقارن، أي: الهيئة الحاصلة من التقارن منضما إلى المقدار المخصوص للعنقود والثريا من الطول أو العرض على ما فسره أو إلى المقدار للمجموع من الثريا والعنقود، ولا حرارة من الصور الصغار، يعني أن الهيئة منتزعة عن الصفات والمقادير، لا عن مجرد المقادير. ولقد أحسن صاحب المفتاح حيث زاد على الشيخ قوله على الكيفية المخصوصة، ولم يكتف بذكر المقدار المخصوص، كما اكتفى الشيخ مريدا بالمقدار مقدار القرب والبعد؛ لأن إرادة الكيفية بالمقدار بعيد وفي عدم اعتبار المقدار في الهيئة شديد. ولقد غفل الشارح حيث نسب إلى المفتاح أنه سكت عن ذكر المقدار كما أن الشيخ سكت عن ذكر الكيفية والمصنف جمع بينهما؛ لأن الجامع بينهما المفتاح، والمصنف تبعه في ذلك ولا ينصر الشارح بأنه لعله لم يكن في نسخته ذكر المقدار؛ لأنه شرحه في شرحه على المفتاح، وجعل الكيفية المخصوصة نفيا للتلاصق والنظام، ولشدة الافتراق كما ذكره الشارح نقلا عن الشيخ وتبعه المحقق الشريف في شرحه للمفتاح مشتمل على لغو؛ إذ لا ينطوي شدة الافتراق تحت التقارن عرفا. قال الشارح: إنما جعل الشعر من مفرد الطرفين؛ لأن قوله حين نورا قيد للمشبه به لا جزءه، والتقييد لا ينافي الإفراد.

стр. 768

أقول بعد تحقيق المركب دخول حين نورا في المشبه به أيضا لا يوجب التركيب إذ لا معنى للتركيب إلا انتزاع الهيئة من عدة أمور، فالتحقيق يغني عن هذا التدقيق، ومن الله العون والتوفيق وإحكام القول والتوثيق. [أو مركبان] (و) المركب الحسي (فيما) أي: في تشبيه (طرفاه مركبان كما) أي: مركب حسي (في قول بشار [: كأنّ مثار) اسم مفعول من أثار الغبار، أي: هيجه (النّقع) والإضافة بيانية، ولو جعل كأن للتشبيه لم يكن المحذوف من أركان التشبيه إلا الوجه، وإن جعل للظن كأن أداة التشبيه أيضا محذوفة، ويكون كقولك: أظن زيدا أسدا، فيكون أبلغ وهذا أصل مهدية لك في كل تشبيه مشتمل على كلمة كان جليا كأنه جرى بأن يتخذه جليا (فوق رءوسنا، وأسيافنا) منصوب معطوف على المثار بواو المقارنة، كما في كل رجل وضيعته، وهذا معنى قول الشيخ إن أسيافنا في حكم الصلة للمصدر؛ لئلا يقع في التشبيه تفرق يعني أنه متصل بالمثار ومنضم معه، ومن تتمته وليس مستقلا في الملاحظة، وذلك الاتصال نشأ من المقارنة المستفادة من العاطف، ولم يرد الشيخ أنه مفعول معه وعامله المثار؛ لأن النقع ليس معمولا للمثار؛ لأنه لم يعتمد حتى يكون له معمول، وحذف المعتمد عليه تكلف لا يعتمد عليه ولو جعلت المثار مصدرا لكان النقع مفعوله بلا كلفة، وكان أسيافنا مفعولا معه، وكان هذا أنسب بكلام الشيخ، ويكون كلام الشيخ أدعى له، ولا يذهب عليك أن ليس الإثارة مشبهة؛ لأن المثار أيضا ليس مشبها، وفي تشبيه المركب لا يلي المشبه أداة التشبيه، فجعل الشارح المحقق هذا الاحتمال وهما منهم (ليل تهاوى) قال الشارح: أي: يتساقط بعضها في إثر بعض، وهو مضارع مؤنث حذف إحدى تائيه ومن جعله ماضيا لم يؤنث؛ لأنك في الإسناد إلى ظاهر الجمع الغير السالم بالخيار، فقد أخل بكثير من اللطايف التي قصدها الشاعر على ما ستطلع عليه في أثناء شرحه هذا، واختلف في بيان الإخلال فقال بعضهم: إن سقوط بعض في إثر بعض يستفاد من صيغة الحال، فإن ما يحصل في زمان الحال شأنه أن يحصل بالتدريج واختلاف الحركات وما يتبعها بسقوط بعض في إثر بعض، ولا يخفى أن الحصول التدريجي مقتضى الانطباق على زمان حالا كان أو غيرها، وأن

стр. 769

اختلاف الحركات يجامع سقوط الجميع معا، وقال بعضهم: يفوت ما يفيده صيغة المضارع من استحضار الصورة العجيبة المستفاد من جعل الماضي في معرض الحال، وقيل: يفوت الاستمرار التجددي المفاد بصيغة المضارع المناسب للمقام، وفي هذين القولين أنه فوت لطيفة لا يذكر في أثناء شرحه لا إخلال بكثير من لطائف يذكر فيه، ونحن نقول ليل تهاوى كواكبه، يفيد وصفه الليل بالخلو عن الكواكب، فيلزم تشبيه مثار النقع والسيوف بالليل الخالي عن الكواكب، بخلاف ليل تتهاوى (كواكبه)] (١) فإنه يفيد وصفه بكونه والكواكب يسقط بالتدريج المنطبق على وجود الليل يحكم به ذائقه لا يفوتها دقائق فحاوي البيان، وحقايق تطاوي التبيان كواكبه أي كواكب له؛ لأن سقوط السيوف وارتفاعها إنما يكون لطائفه طائفة منها، لا لواحد فواحد، فهذا مفهوم الجمع الاستغراقي بمعنى كل جمع جمع وإسناد المضارع الاستمراري. (من الهيئة) بيان لما في قوله: كما (الحاصلة من هوى) قال الشارح: بفتح الهاء، ونحن نقول: الأظهر ضم الهاء؛ لأن الهوى بالضم السقوط من علو إلى سفل، والهوى بالفتح إما كالهوى بالضم، وإما مقابل له فتخصيصه بالإصعاد، كتخصيص الضم بالانحدار على ما حققه القاموس (أجرام) أي: أجسام، وقد يعارف الجرم في الجسم العلوي، كما تعارف الجسم في السفلي (مشرقة مستطيلة متناسبة المقدار، متفرقة في جوانب شيء مظلم) فوجه الشبه مركب كطرفيه، لكن التركيب أعجب مما يفيده بيان المصنف؛ لأنه دخل في هذا التركيب اختلاف حركات بالسرعة والبطء، وبالجهات وبالاعوجاج والاستقامة والارتفاع والانخفاض وتلاقي تلك الأجرام وتداخلها، وتصادم بعضها وبعضها، كما هو شأن تهاوي الكواكب طائفة في إثر طائفة على ما نقل من أسرار البلاغة للشيخ، فإنه قال: نبه على جميع ذلك بكلمة واحدة، وهي قوله تهاوى، وقد عرفت وجهد، وأنه لو كان ماضيا لم يفده وليس مرادهم أن عبارة البيت لا يحتمل إلى تشبيه المركب بالمركب في مركب، بل لا ينكر أن مثله يحتمل التشبيهات المتعددة المتفرقة، والتشبيه الواحد إما تشبيه مركب بمركب كما عرفت، وإما تشبيه مثار

стр. 770

النقع المقيد بالليل المقيد إنما يريدون أن لا اعتداد فيما يحتمل تشبيه مركب بمركب، لما سواه من الاحتمالات، وأنه لا ينبغي أن يلتفت إلى القصد في هذا الشعر إلى تشبيه السيوف بالكواكب، والحجامة بالليل؛ ولهذا نفاه الشيخ في هذا البيت وأثبت تشبيه المركب بالمركب، ولم يلتفت إلى نفي تشبيه المقيد بالمقيد، مع أنه لا معين تشبيه المركب بالمركب بدونه، لظهور أنه كالتشبيهات المتفرقة في حكم الساقط مع التشبيه المركب. والعاقل يكفيه الإشارة، والبليغ يكتفي بأدنى تبليغ. [أو مختلفان] (و) المركب الحسي (فيما) أي: تشبيه (طرفاه مختلفان) بالإفراد والتركيب، وهو قسمان أشار إلى الأول بقوله: (كما مر في تشبيه الشقيق) بأعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد]. ولو قال كما مر في تشبيه الشقيق وما سيجيء في تشبيه نهار مشمس قد شابه زهر الربى؛ لكان مستوفيا للأقسام. وهاهنا بحث، وهو أنه لا يظهر أن المقصود بالتشبيه الشقيق، لا الهيئة الحاصلة من نشر أوراق الشقيق المحمرة على ساقاته الخضر، بل الظاهر من قوله إذا تصوب أو تصعد، أن النظر في المشبه والمشبه به على الحركات أيضا. (ومن بديع المركب الحسي) أي: الغاية في الشرف والبلاغة في القاموس البديع الغاية في كل شيء، وذلك إذا كان عالما أو شجاعا أو شريفا. (ما) أي: وجه شبه (يجيء في الهيئات) والصفات (التي تقع عليها الحركة) أي تتركب من تلك الهيئات كقول النحويين: ولا يتأتى الكلام إلا في اسمين أو في فعل واسم، لكن لا بد من اعتبار تغليب بأن يراد الهيئات ما يشمل الهيئات المجردة والهيئة وما يقارنها من أوصاف الجسم؛ ليصح جعل ما يجيء فيها على وجهين إذ أحد وجهيه ما جاء في الهيئة وما يقارنها من وصف الجسم وإلا فلا يصح قوله. (ويكون على وجهين): أحدهما: أن يقترن أي: يوصل من قرنت الشيء بالشيء من حد نصر وصلته به، والمراد أن يقترن في اعتبار العقل وتركيبه (بالحركة غيرها من

стр. 771

أوصاف الجسم كالشكل واللون)، ومع ذلك في قوله يجيء في الهيئات تسامح، والمراد أنه يجيء في الحركات الواقعة على الهيئات يرشد إلى ذلك قوله فيما بعد من الهيئة الحاصلة من الاستدارة مع الإشراق والحركة السريعة المتصلة، مع تموج الإشراق. وأصل هذا الكلام ما نقل عن الشيخ في أسرار البلاغة: اعلم أنما يزاد به التشبيه سحرا أن يجيء في الهيئات التي تقع عليها الحركات والهيئة المقصودة في التشبيه على وجهين. أحدهما: أن يقترن بغيرها من الأوصاف. والثاني: أن تجرد هيئة الحركة، حتى لا يراد غيرها، فجعل الشيخ الهيئات طرف التشبيه لا وجه الشبه المركب، وجعل الهيئة المقصودة بالتشبيه على وجهين؛ لأنه يجيء في الهيئات التي تقع عليها الحركة فيرى كلامه عن شائبة اضطراب، ولم يحتج إلى تكلف. (كما) أي وجه شبه (في قوله) أي: ابن المعتز أو أبي النجم [(والشمس كالمرآة في كفّ الأشلّ)] (١) أي: الرجل الأشل، والشلل أي: اليبس في اليد، أو ذهابها، والمراد هاهنا المرتعش؛ لأن عديم اليد ويابسها لا يكون في كفه مرآة. وقد صرح به السيد السند في شرحه للمفتاح. (من الهيئة الحاصلة من الاستدارة مع الإشراق) الظاهر أن يضم إليه تموجه، فيقول: وتموجه إلا أنه أخره عن قوله: (والحركة السريعة المتصلة)؛ لأنه مسبب عنها، وعدل عن قول المفتاح، وشبه تموج الإشراق إلى قوله (مع تموج الإشراق)؛ لأنه مغلق إذ إضافة الشبه إلى الإشراق معنى، والتركيب من قبيل حب رمانك لمن لا رمان له وله حب رمان؛ إذ لا تموج للإشراق؛ لأنه اضطراب موج البحر، بل له ما يشبه التموج فحذف الشبه، وأراد بالتموج الاضطراب.

стр. 772

(حتى يرى الشعاع) بالضم كالشعة الذي تراه من الشمس كالجبال مقبلة عليك إذا نظرت إليها أو الذي تراه ممتدا كالرياح بعيد الطلوع، وما أشبه، وبالفتح له معان أخر لا يناسب المقام وتفصيلها في القاموس. (كأنه بهم) كيعم (بأن ينبسط) أي: يزيد الانبساط، تقول: هممت بالشيء إذا أردته (حتى يفيض) أي: يسيل استعار الفيض للشعاع كما استعار التموج للإشراق للآلاف من أجزاء الكلام ورعاية لغاية الانتظام (من جوانب الدائرة، ثم يبدو له) أي: يندم، وأصله بداله رأي آخر غير الأول، وإسناد الندامة إلى الشعاع عديل لإثبات الإرادة له وملايم له (فيرجع من الانبساط) الذي بداه (إلى الانقباض) كأنه مجمع من الجوانب إلى الوسط وهذه الهيئة إنما يظهر في الشمس بعد تجديد النظر إليها ليتبين جرمها، بخلاف المرأة فإنه يؤدبها في بادي النظر؛ فلذا جعلت مشبها بها للشمس. (والثاني) من الوجهين (أي: تجرد) الحركة (عن غيرها) ولا يلاحظ منها غيرها من أوصاف الجسم. (فهناك أيضا لا بد من اختلاط حركات) أي: امتزاجها ومزج العقل وتركيبه إياها (إلى جهات مختلفة) يتعلق بالحركات، أي: لا بد من أن يتحرك بعض الجسم إلى اليمين وبعضه إلى الشمال مثلا، أو يتحرك تارة إلى اليمين، وتارة إلى الشمال مثلا، فتدبر ولا تقتصر، وإلا لكان وجه الشبه مفردا. ومعنى قوله أيضا أنه كما لا بد من حركات لا بد من كونها إلى جهات مختلفة، وهذا أظهر مما فسره الشارح به من أنه كما لا بد في الوجه الأول من أن يقرن الحركة بغيرها لا بد في الوجه الثاني أيضا من اختلاف حركات مختلفة بالجهات فإن قلت: لا شبهة في إمكان انتزاع الهيئة المركبة عن حركات مختلفة بالسرعة والبطء إلى جهة واحدة، وعن حركات الأجسام إلى جهة واحدة. قلت: لعله أراد أنه لا بد لهذا القسم من بديع المركب الحسي من الاختلاط المذكور، فإنه لو انتفى لم يبق مركبا كما أشار إليه بقوله (كحركة الرحى والسهم لا تركيب فيها) أو بقي، ولم يكن بديعا كما ذكرت، إلا أنه اكتفى بذكر ما هو أبعد لزوما لانتفاء الشرط فتأمل.

стр. 773

ويؤيد ما ذكرنا ما قال الشيخ: كل هيئة من هيئات الجسم في حركاته إذا لم يتحرك إلى جهة واحدة فمن شأنه أن يفر ويندر، وكلما كان التفاوت في الجهات التي يتحرك إليها أبعاض الجسم أشد كان التركيب في هيئة المتحرك أكثر. (بخلاف حركة المصحف في قوله) أي: قول ابن المعتز [(وكأنّ البرق مصحف قار) اسم فاعل من قرأ، حذفت همزته بعد قلبها لانكسار ما قبلها، كما قلب في بادي الرأي، لذلك كما ذكر في التفسير (فانطباقا مرّة وانفتاحا)] (١) أي ينطبق انطباقا مرة وينفتح انفتاحا مرة، إلا أن يكون الانطباق والانفتاح في البرق سريعا دون مصحف القارى، إلا أن يندم القارى عن القراءة فيجعله منطبقا عقيب الانفتاح، فالمصحف يتحرك إلى العلو في الانطباق وإلى السفل في الانفتاح من لطيف ذلك قول الشاعر في صفة الرياض: حفّت بسرو كالقيان تلحّفت ... خضر الحرير على قوام معتدل فكأنّها والرّيح جاء يميلها ... تبغي التّعانق ثمّ يمنعها الخجل (٢) السرو: اسم جنس، يطلق على القليل والكثير، والقيان: ككتان جمع قنية كرحمة، وهي الجارية مغنية كانت أو غيرها، والتلحف: أخذ الشيء لحافا، والقوام: القامة وحسن الطول، والخجل كالفرس، التحير والدهش من الاستحياء، ومقتضاه أن يكون معتد لا على وزن اسم المفعول مصدرا ميميا فيكون مبالغة في وصف القامة بالاعتدال. (وقد يقع التركيب) أي: التركيب في الطرف كان أو في الوجه، والأشبه أن يجعل اللام للعهد إشارة إلى التركيب البديع، ويؤيده أنه قال في الإيضاح: ومن لطيف ذلك قول أبي الطيب، وأشار بكلمة قد إلى قلته؛ نظرا إلى التركيب في الحركات (في هيئة السكون كما) أي: كتركيب (في قوله) أي: قول أبي الطيب، وهذا هو الوجه دون قول الشارح كما أي كوجه الشبه الذي في قوله بشاهد سوق التركيب، وبيان المصنف لكلمة ما، فإنه ذكر في بيانه تركيب المشبه، لا وجه الشبه، إذ الإقواء والهيئة الحاصلة من موقع كل عضو من الكلب

стр. 774

في إقعائه هي المشبه، والهيئة الحاصلة من جلوس البدوي المصطلي، وموقع كل عضو منه في جلوسه المشبه به. وينبغي أن يجعل التركيب في هيئة السكون أيضا على وجهين. أحدهما: أن تجرد عن غيره من صفات الجسم، كما في قوله: (في صفة كلب) أي: نعته [(يقعي) من الإقعاء، وهو مشترك بين (جلوس) الكلب على استه، وجلوس الحيوان مع التساند إلى ما وراءه (البدويّ المصطلي)] (١) اسم فاعل من الاصطلاء، وهو الاستدفاء بالنار. وفي تشبيهه بالبدوي المصطلي مبالغة في استدامته على الإقعاء، كاستدامة البدوي المصطلي على هذا النوع من الجلوس، وفي وصفه بالاستدامة على الإقعاء ترتبه لوضع بجدل القوائم فإنها لا تفتر ولا تصرر بالإقعاء تتمته بأربع مجدولة لم تجدل أي بقوائم محكمة الخلق. يقال: فلان مجدول الخلق أي: محكم الخلق، وأصل المجدول المفتول. وقوله لم تجدل: أي: لم تفتل من طاقات، بل خلقت محكمة مع عدم الفتل. ويحتمل أن يراد بنفي الجدل نفي جمعها كما يكون للكلب في غير صورة الإقعاء من الهيئة الحاصلة، أي: (من) تركيب (الهيئة الحاصلة من موقع) أي: من وقوع (كل عضو منه) وسكونه (في إقعائه) ومن تركيب الهيئة الحاصلة من موقع كل عضو من البدوي المصطلي في جلوسه، ومن تركيب القدر المشترك بين الهيئتين. وثانيهما: أن يقرن بالسكون غيره من أوصاف الجسم من الشكل واللون وغيره، كما في قول الشاعر في صفة مصلوب: [وكأنّه عاشق قد مدّ صفحته] أي: عرض وجهه. [يوم الوداع إلى توديع مرتحل]. أو قائم من نعاس فيه لوثته ... مواصل لتمطّيه من الكسل (٢) فإن المشبه والمشبه به فيه الهيئة الحاصلة من هيئة السكون في مد صفحته

стр. 775

واصفرار الوجه الذي يكون للمصلوب والعاشق، أو لقائم من النعاس الاسترخاء الذي في القائم من النعاس ومواصلة التمطي، وزاد اللطف في التشبيه بالقائم من النعاس الممتطي المواصل للتمطي لأجل الكسل فإن في ملاحظة التمطي، وبيان سببه تفصيلا في التشبيه ليس في التشبيه بالتمطي؛ لأنه أمر جلي ولطف التركيب على حسب التفصيل. (و) المركب (العقلي) من وجه الشبه (كحرمان) مصدر حرمت الشيء كعلمه وضربه منعه الشيء فهو مضاف إلى (الانتفاع) إضافة المصدر إلى مفعوله الثاني. وقوله: (بأبلغ نافع) صلة الانتفاع وقوله: (مع تحمل التعب في استصحابه) متعلق بالحرمان ومرتبط به (في قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً (١) جمع سفر بكسر السين أي الكتاب. قال في الإيضاح: فإنه منتزع من أمور مجموعة قرن بعضها ببعض، وذلك أن روعي من الحمار فعل مخصوص، وهو الحمل وأن يكون المحمول شيئا مخصوصا، وهو الأسفار التي هي أوعية العلوم وأن الحمار جاهل بما فيها، وكذا في جانب المشبه. هذا كلامه، ولا يخفى أن الجهل في جانب المشبه تنزيلي تخييلي، ولو جعل المرعى أن الحمار غير منتفع بها لكان مشتركا بينه وبين أهل التوراة بلا تكلف وتصرف. (واعلم أنه قد ينتزع من متعدد) أي: يجعل المتعدد منتزعا منه، سواء كان المنتزع طرفا أو وجه شبه فلا ضمير في ينتزع، وجعل الشارح فيه ضمير وجه الشبه، ويؤيده الضمير في قوله: (فيقع الخطأ لوجوب انتزاعه عن أكثر) ونحن نجعل الضمير للمنتزع المفهوم من الفعل. فإن قلت: هل حاصل هذا التحقيق إلا أنه قد يقع الخطأ لالتباس الشيء
следующие страницы →