دون الآخر أو خاصا دون الآخر لا توجيه له، ويمكن أن يقال المتعين ما يكون وضعا للفظ الاستعمال في تحصيل أمر مخصوص، والنحوي إنما يضع اللفظ يستعمله في تحصيل النحوي بخلاف اللغوي، فإن نظره في وضع اللفظ ليس على استعماله لتحصيل أمر مخصوص.
قال الشارح: تقسيم الحقيقة إلى تلك الأقسام باعتبار الواضع، وفي المجاز باعتبار اصطلاح به التخاطب، ولا يخفى أنه يصح تقسيم الحقيقة أيضا باعتبار اصطلاح به التخاطب كما أنه يجوز تقسيم المجاز باعتبار الواضع، فإن الوضع معتبر في مفهوم المجاز مرارا باعتبار غير ما وضعت له وباعتبار العلاقة بين المعنى المجازي وما وضعت له، واعتبار قرينة مانعة عن إرادة ما وضعت له (كأسد) نكّر اللفظ وعرّف المعنى؛ لأن المعنى متعين واللفظ مبهم، دائر بين المعنيين فتأمل.
(للسبع المخصوص) أي: حيوان يصيد (والرجل الشجاع، وصلاة للعبادة والدعاء، وفعل اللفظ) المعهود (والحدث ودابة لذي الأربع) المعهود أي:
الحمار والبغل والخيل (والإنسان) المهان (والمجاز) مطلقا، سواء كان مفردا أو مركبا.
[والمجاز المرسل]
(مرسل: إن كانت العلاقة غير المشابهة)؛ لأنه غير مقيد بعلاقة واحدة هي المشابهة، بل أرسل وردد بين علاقات، وقيل: مرسل ومطلق عن المبالغة، بخلاف الاستعارة.
وفيه أنهم قالوا: المجاز مطلقا أبلغ من الحقيقة؛ لكونه كالدعوى مع البينة.
(وإلا) أي: وإن لم يكن علاقته غير المشابهة، بل يكون علاقته المشابهة.
قال الشارح فيما سيأتي من قول المصنف: والاستعارة قد تقيد بالتحقيقية.
الاستعارة ما كانت علاقته المشابهة أي: قصد أن إطلاقه على المعنى المجازي بسبب تشبيهه بمعناه الحقيقي، فإذا أطلق نحو المشفر على شفة الإنسان، فإن أريد تشبيهها بمشفر الإبل في الغلظ فهو استعارة، وإن أريد إطلاق المقيد على المطلق في المرسن على الأنف من غير قصد إلى التشبيه فمجاز مرسل.
هذا، ولا يخفى أنك إذا قلت: رأيت مشفر زيد، وقصدت الاستعارة،
стр. 842
وليس مشفره غليظا فهو حكم كاذب، بخلاف ما إذا كان مجازا مرسلا (فاستعارة) انحصر المجاز في المرسل والاستعارة؛ لأنه لم يوجد مجاز يكون العلاقة المشابهة وغيرها معا؛ ولهذا أطلق قوله: وإلا فاستعارة وإلا فالاستعارة ما علاقة المشابهة لا غير، ويتجه عليه أنه لا وجه لتوسيط تقسيم المجاز بين قسمي التقسيم الأول له.
[الاستعارة واقسامها]
(وكثيرا ما) في نفسه لا بالقياس إلى المعنى السابق، حتى يكون المعنى السابق قل (تطلق الاستعارة) لم يضمر فاعل يطلق مع سبق ذكره؛ لأنه سبق مراد به معناه، والمراد هنا نفس اللفظ.
(على استعمال اسم المشبه به في المشبه) (١) الأولى على أخذ لفظ المشبه به للمشبه؛ ليستقيم أخذ المستعار منه، بلا تكلف، وليشمل استعارة الفعل والحرف، بلا تأويل، ولقد أكد ذلك الإطلاق بتفريع أثره عليه، فقال: (فهما) أي المشبه به والمشبه (مستعار منه ومستعار له، واللفظ) قد نبه على أنه أراد بالاسم اللفظ باستعماله فيما يقابل المسمى، لا ما يقابل الفعل والحرف (مستعار)؛ لأن اللفظ بمنزلة لباس طلب عارية من المشبه به؛ لأجل المشبه.
كذا في الشرح، والأولى لأنه كأمر طلب عارية، وقد وهم من قال: الأولى مستعار أيضا، أي كما أنه استعارة؛ لأن كونه استعارة ليس نتيجة الإطلاق المذكور، حتى يصح ذكر أيضا.
(والمرسل، كاليد في النعمة) بالكسر الخفض والدّعة، وبالفتح النعم.
قال المصنف: لأن من شأنها أن تصدر عن الجارحة، ومنها تصل إلى المقصود بها، ويشترط أن تكون في الكلام إشارة إلى المولى لها، يقال: اتسعت أيادي فلان عندي، ولا يقال اتسعت اليد في البلد، كما يقال: اتسعت النعمة فيها.
هذا، وينبغي أن يكون هذا الاشتراط مبنيا على عرف في استعمال اليد في النعمة، لا على توقف كونه مجازا عليه، وإلا لا نتقض تعريف المجاز بالصدق على
стр. 843
يد مستعملة في النعمة من غير إشارة إلى المولى لها.
(وفي القدرة) والأولى أو القدرة تنبه، وهي صفة بها يتمكن العالم من الفعل والترك، فهي أخص من القوة، وهي صفة بها يتمكن الحيوان من مزاولة الأفعال الشاقة، وقد جمعهما المفتاح حيث قال: كما إذا أردت بها القوة أو القدرة، والمصنف رأى أن ذكر القوة غير ظاهر الجهة أو حشو فتركها؛ لأنها إما أن يريد بها المعنى المشهور، فاستعمال اليد فيها أقل قليل، وإما أن يريد بها القدرة، كما قيل فحشو.
قال المصنف: لأن أكثر ما يظهر سلطانها في اليد، وبها يكون البطش والضرب والقطع والأخذ، وغير ذلك من الأفعال التي تنبئ عن وجود القدرة ومكانها، والحاصل أن اليد بمنزلة العلة الفاعلية للنعمة، وبمنزلة العلة المادية أو الصورية للقدرة، وبهذا علم أن علاقة السببية والمسببية أعم من الحقيقية والتنزيلية، ولو جعلت اليد آلة لهما لم يبعد.
(والرواية في المزادة) هي وعاء يستقي به يطلق عليها الرواية التي هي البعير أو البغل أو الحمار يستقى عليه.
كذا في القاموس، فتفسير الشارح المزادة بالمزود الذي يجعل فيه الزاد، أي:
الطعام المتخذ للسفر سهو، والعلاقة كون البعير حاملا؛ لأنه كأنه العلة الفاعلية؛ لأنه به يصل المزادة إلى المستقي، ولما كان البحث عن المرسل في غاية العلة، ولذا قدمه على الاستعارة، وكان ذلك موهما لقلة استعماله، أزاح ذلك الوهم بتكثير الأمثلة، لكن ربما يشعر تكثير الأمثلة بأنه جرى على ما قيل أن المجاز يشترط فيه النقل كما في الآحاد حتى لا يجوز استعمال مجاز لم يسمع مع أن الصحيح أنه يتوقف على سماع نوع العلاقة حتى لا يجوز التجوز بعلاقة لم يسمع نوعها، وأما آحاد المجاز فلا يشترط فيه سماع دفعه بذكر تسعة أنواع من العلاقة من الأنواع الثلاثة والعشرين للمجاز المرسل، فإنهم ضبطوا أنواع العلاقة خمسة وعشرين اثنان للاستعارة الشكل، كما للفرس المنقوش والوصف، أعني: ما به الاشتراك غير الشكل والباقي للمجاز المرسل، وفي بعض شروح مختصر ابن الحاجب عدها سبعة وعشرين، ذكرناها في رسالتنا المعمولة في الاستعارة، مع مزيد تحقيق.
стр. 844
ولما اختار المذهب المختار كان حقه أن يستوفي أنواع العلاقة لتوقف العصمة عن الخطأ في التجوز على معرفتها، وكأنه اكتفى بذكر التسعة؛ لأنه اختار أن الأنواع خمسة، كما ضبط ابن الحاجب الشكل والوصف والكون عليه والأول والمجاورة، إلا أنه اكتفى عن ذكرها المجاورة بتعداد سبعة أقسام منها، من السببية والمسببية، والكلية والجزئية، والحالية والمحلية والآلية.
قال الشارح: أورد تسعة غير ما سبق، وما سبق لم يكن إلا السببية على ما حققه، وذكرنا لك فكأنه أراد بالمغايرة أن السابق سببية تنزيلية، وما ذكره سببية حقيقية لكن يأباه أنه قال: يرتقي ما ذكروا من أنواع العلاقة إلى خمسة وعشرين.
والمصنف قد أورد هنا تسعة غير ما سبق، فإنه يدل على أنه أورد تسعة من خمسة وعشرين، والسببية منها أعم من التنزيلية والحقيقية، وإلا لزادت على خمسة وعشرين، والظاهر من قوله: (ومنه) وبعض المجاز المرسل ففي الإخبار به عن (تسمية الشيء باسم جزئه) تسامح، لكنه تسامح أقرب مما وقع في المفتاح؛ حيث قال: المجاز المرسل نحو أن يراد الرجل بالعين، فالتوجيه إما أن يصرف منه عن التبعيض إلى الابتداء، أي: وناشئ من المجاز المرسل كذا، أو بحذف المضاف من المبتدأ، أي: منه ذو تسمية الشيء باسم جزئه.
وأما ما ذكره الشارح من أنه أعني أن في هذه التسمية مجازا مرسلا فوجهه خفي وتسمية الشيء باسم جزئه إنما يصح إذا كان الجزء مدارا في المعنى الذي قصد بالكل، كما أن مدار الرقابة على العين دون غيرها من الأعضاء، حتى لا يصح التعبير عن الرقب باليد، مثلا فلا يبعد أن يقصد بقوله: (كالعين في الربيئة) التقييد أيضا، والربيئة: الطليعة من رئابب القوم، إذا كنت طليعة لهم في مكان عال
(وعكسه كالأصابع) هي جمع أصبع بلغاتها التسع الحاصلة من ضرب حركات الهمزة في حركات الباء، ومن لغاتها: أصبوع، وجمعها: أصابيع. كذا في القاموس.
(في الأنامل) جمع أنملة بلغاتها التسع الواضحة من ضرب حركات الهمزة في حركات الميم، وهي من الأصبع ما فيه الظفر كذا في القاموس، وهو إشارة إلى
стр. 845
قوله تعالى: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ (١) استعمل الأصابع في الأنامل؛ إذ ما يجعل في الأذن أنملة السبابة، هذا إذا أريد بأصابعهم تقسيم الجمع على الجمع كما هو المشهور.
أما لو أريد جعل كل منهم أصابعه في أذنه، ففيه ذكر الأصابع الخمس وإرادة أنملة، وفيه مزيد مبالغة كأنه جعل جميع الأصابع في الأذن، لئلا يسمع من الصواعق شيئا (وتسميته) أي: ومنه تسمية الشيء (باسم سببه نحو: رعينا الغيث) أي: النبات الذي سبّبه الغيث (أو مسببه) لم يقل: وعكسه تفننا، وكذا ذكر الواو في الأقسام تارة، وذكر أو أخرى (نحو: أمطرت السماء نباتا).
وشرط بعض في المسبب أن يكون غاية، فحينئذ يكفي ذكر تسمية الشيء باسم سببه، وأورد في الإيضاح من أمثلة تسمية السبب باسم المسبب قولهم: فلان أكل الدم.
قال الشارح: وظاهر أنه سهو؛ لأنه من تسمية المسبب باسم السبب؛ إذ الدم سبب الدية، والعجب أنه قال في تفسيره: أي الدية المسببة عن الدم.
هذا، ويمكن توجيه كلامه بأنه جعل الدية داعية إلى القتل، حتى لو لم يمكن رجاء النجاة بالدية لم يقدم القاتل بالقتل، ولا تنافي بينه وبين تفسيره؛ لأن المعلول من وجه قد يكون علة من وجه.
ألا ترى أن الغاية مسببة عن ذي الغاية فأشار إلى بيان مسببية الدية عن الدم، يعني أنها مسببة عنه؛ لأنه سببها في الخارج فلا تعجب من المصنف، وتعجب من الشارح، ثم تعجب؛ ولأنك معجبا برأيك الصالح، فإن الله هو الواهب الفاتح. (أو ما كان عليه) أي: تسمية الشيء باسم الشيء الذي كان هو عليه في الزمان الماضي (نحو: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ (٢) اليتيم واليتمان في الإنسان من لا أب له، ما لم يبلغ الحلم.
وفي البهائم ما فقد الأم قبل استغنائه من الأم.
وإيتاء اليتامى أموالهم بعد الحلم، وهم ليسوا بيتامى حينئذ، فإطلاق اليتامى
стр. 846
عليهم بعلاقة أنهم كانوا يتامى من قبل.
(أو ما يئول إليه) أي: تسمية الشيء باسم ما يئول ذلك الشيء إليه في الزمان المستقبل (نحو: إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً (١) أي: عنبا يئول إلى الخمر، إذ المقصود ليس خمرا.
هذا هو التفسير الظاهر الموافق لما ذكره جار الله، والبيضاوي.
وقال الشارح: أي عصيرا يئول إلى الخمر، وفيه خفاء؛ إذ العصر لا يتعلق بالعصير، كما لا يتعلق بالخمر إلا أن يئول العصر بالاستخراج بالعصر، ولا داعي إليه.
(أو محله) أي: تسمية الشيء باسم محله (نحو: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (٢) النادي: مجلس القوم نهارا، أو المجلس ما داموا فيه، وفي التعبير عن أهل النادي به المبالغة في عجزهم عن الجواب كالنادي.
(أو حاله) أي: تسمية الشيء باسم حاله، فيكون على وتيرة نظائره، أو حال فيه كما هو الظاهر فيه (نحو: وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ (٣) أي: في الجنة) التي يحل فيها الرحمة، وفي التعبير عن الجنة بالرحمة دلالة على كثرة الرحمة فيها، حتى كأنها الرحمة نفسها (أو آلته نحو: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٤) أي: ذكرا حسنا) والتعبير عنه باللسان للدلالة على طلب ذكر لا ينقطع دلالته على خبره، كما لا تنقطع كلمات اللسان، وخص الآخرين بالتفسير بخفائهما.
فإن قلت: لم لا يجعل اللسان على حقيقتهما فيكون المعنى: «واجعل لي لسان صدق في الآخرين نافعا لي» ونفع اللسان بعده إنما هو بأن يذكر محاسنه.
قلت: لأن نسبة اللسان إلى الآخرين يكون باللام، لا بفى، بخلاف الذكر، فإن نسبته شاعت بفى، ويحتمل أن يكون المراد واجعل لي كلاما صادقا باقيا في
стр. 847
الآخرين أي: اجعل لي لساني متكلما بكلمات صادقة باقية في الآخرين بأن لا ينسى ولا ينقطع ولا يحرف.
ولا يذهب عليك أن العلاقة بتفصيلها معتبرة في الكناية أيضا؛ إذ لا فرق بين الكناية والمجاز عند المصنف إلا بامتناع المعنى الحقيقي في المجاز دون الكناية.
فإن قلت: كل من العلاقات لا يستلزم اللزوم، وقد سبق في مقدمة الفن أن كلا من المجاز والكناية لفظ أريد به لازم معناه.
قلت: لم تشترط العلاقة لتفيد اللزوم؛ إذ المعتبر اللزوم، ولو بالتأمل في القرينة، فلا يتوقف على العلاقة. فإن قلت: قد دل ما سبق على أن يذكر الملزوم وإرادة اللازم تحقق المجاز والكناية، فينبغي أن لا يتوقف على العلاقة.
قلت: ما سبق قاصر يجب أن يعتبر فيه ما يتم به.
فإن قلت: إذا اكتفى بالعلاقة واللزوم في الجملة، فأوجه اشتراطهم في الجزء أن يكون ملزوما للكل كالرقبة والرأس حتى لم يجوزوا إطلاق اليد على الإنسان.
قلت: ما سبق قاصر تجب العلاقة الجزئية بهذا الوجه لا مطلقا، لكن ينبغي أن يعلم أن مرادهم بكون الجزء ملزوما ليس كونه ملزوما بالمعنى المعتبر عند المصنف في المجاز والحقيقة، بل كونه متبوعا للكل حتى لا يوجد الكل بدونه؛ حيث قالوا: إن الرقبة ملزومة للإنسان؛ لأن الإنسان لا يوجد بدونها، بخلاف اليد، وهذا معنى الملزوم عند علماء البيان.
فإن قلت: ما من جزء إلا وشأنه أن الكل لا يوجد بدونه. قلت: هذا مشكل وإن أجابوا عنه بأن مبنى هذا على العرف فإن بعض الأجزاء مما لا يمنع فوته إطلاق اسم الكل عرفا كاليد، فإنها مع انتفائها يسمى الشخص إنسانا بخلاف الرأس؛ لأن العرف جعل الكل المسمى بالإنسان ما لم يعتبر فيه اليد مثلا، لا أنه مع اعتباره جزء جوز وجود الإنسان بدونه، وأطلق الإنسان.
ومما وقع للشارح المحقق في هذا المقام أنه اشتبه عليه الملزوم بهذا المعنى بالملزوم بمعنى سبق فاستعمله في تصحيح تحقق الملزوم بالمعنى السابق مع العلاقات.
فتمكن، ولا تتبع الزلة، وإن كنت مغلوبا خذ بربقة التقليد، فإنه ليس شأن من له فطنة ما إنما هو شأن بليد أي بليد.
стр. 848
(والاستعارة قد تقيد بالتحقيقية) عدل عن قول السكاكي، والاستعارة المصرح بها تنقسم إلى تحقيقية وتخيلية لوجهين: إما عن التقسيم إلى التقييد؛ فلأن التحقيقية قيد القسم لا نفسه؛ إذ لا يسمى القسم تحقيقية، بل استعارة تحقيقية.
وإما عن الاستعارة المصرح بها إلى الاستعارة، فلأن معنى التحقيقية محقق المعنى فبتقييد الاستعارة بالتحقيقية تخرج التخيلية؛ لأنه عند المصنف ليس لفظا فلا يكون محقق المعنى، وكذا الاستعارة بالكناية عنده نفس التشبيه المضمر في النفس، فلا يكون محقق المعنى، وأيضا ما هو الاسم هو الاستعارة التحقيقية المصرح بها التحقيقية، فلو قال: والاستعارة المصرح بها قد تقيد بالتحقيقية لأوهم ذلك وأفاد بلفظ «قد» إلى أن إطلاقها على الاستعارة التحقيقية قد تكون على إطلاقها؛ لتبادر الفهم إليها.
واعلم أن الاستعارة التخيلية تخرج بقيد التحقيقية عند السكاكي؛ لأن معناها شيء وهمي محض، كما ستعرف.
وأما الاستعارة بالكناية فإنما تخرج من المقيد؛ لأن المقيد بالتحقيقية عنده إنما تكون الاستعارة المصرح بها على ما عرفت، والاستعارة بالكناية داخلة في الاستعارة بالتحقيقية عند السلف؛ لأنه باللفظ المستعار المضمر في النفس، وهو محقق المعنى، ولا يذهب عليك أنه كما يقيد الاستعارة بالتحقيقية يقيد المستعار بالتحقيقي؛ لأن المستعار قد يكون تخييلا، وكذا الاستعارة بالمعنى المصدري، لكن لا لتحقق معناها، بل لتحقق معنى مستعار لها.
وعبارة المصنف لا يصلح أن يكون الاستعارة بالمعنى المصدري لإباء قوله لتحقق معناها عنه لا لإباء قوله كقوله: لدى أسد؛ لأنه مسامحة لا محالة؛ إذ المراد كأسد في قوله فليكن المراد كاستعارة أسد في قوله والضمير في قوله: (لتحقق معناها (١) حسّا أو عقلا) راجع إلى إفراد الاستعارة والمقيد سابقا إما لفظ الاستعارة عند من ليست مشتركة بالاشتراك المعنوي بين التحقيقية وبين التخييلية
стр. 849
والمكنية عنده، وإما مفهومها عند القائل بالاشتراك المعنوي، فهناك استخدام.
ولقد نبه بهذا التعليل على حقيقة النسبة في التحقيقية، وهو أنه نسبة معنى الاستعارة إلى التحقيق فالحسي (كقوله) أي: قول زهير بن أبي سلمى:
[(لدي أسد شاكي السّلاح) في القاموس: شاك السلاح بتشديد الكاف، وشايكه وشاوكه وشاكيه: حديده، وفي الصحاح: شاك السلاح اللابس السلاح التام، وشائك السلاح وشاكيه: حديده، فقول الشارح: شاكي السلاح، أي:
تام السلاح لا يوافق شيئا منهما.
(مقذّف) هو كمعظم على ما في القاموس من رمى باللحم رميا إلى جسيم نبيل، وفسره الشارح بالشجاع أي: مرمى في الوقائع كثيرا تمامه (له لبد) كعنب جمع لبدة، وهو الشعر المتراكب بين كتفي الأسد، ويقال للأسد ذو لبدة، وفي المثل هو «أمنع من لبدة الإنسان» (أظفاره) جمع ظفره (لم تقلّم] (١) التقليم مبالغة القلم بمعنى القطع والمناسب أن يجعل المبالغة راجعة إلى النفي، ولا يجعل النفي داخلا على المبالغة ونظيره قوله تعالى: وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢) وتقليم الظفر كناية عن الضعف في حواشي الكشاف، فلان مقلوم الأظفار: أى ضعيف.
وفي المصراع مبالغات جعله ذا لبد فكأنه أسود؛ إذ لا يكون لأسد إلا لبدة وحصر اللبد فيه كما يفيده تقديم الظرف، والمبالغة في نفي الضعف.
(و) العقلي مثل (قوله تعالى اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٣) أي الدين الحق) يوصف الدين بالحق لاشتماله على الأحكام المطابقة إذ الحق الحكم المطابق والدين أمر متحقق عقلا، وفي التعبير عنه بالصراط طلب الهداية التي تجعله كالمحسوس.
وذكر صاحب المفتاح في قوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ (٤) أن
стр. 850
الظاهر من اللباس عند أصحابنا الحمل على التخييل، وإن كان تحمل عندي أن يحمل على التحقيق، وهو أن يستعار لما يلبسه الإنسان عند جوعه من انتفاع اللون وتغيره ورثاثة هيئته.
هذا والمراد بقوله يحتمل: الاحتمال الذي يساوي التخييل، وينافي كون الظاهر، وإلا فالاحتمال لا ينافي الظاهر.
وهاهنا بحثان:
أحدهما: ما ذكره الشارح المحقق في هذا المقام، وهو أن الحمل على التحقيق مما ذكره الزمخشري؛ حيث قال: شبّه ما غشى الإنسان والتبس به من الحوادث باللباس؛ لاشتمال له على اللابس، إلا أنه يحتمل أن يريد بالحوادث الضرر الحاصل من الجوع، فيكون الاستعارة عقلية، وأن يريد انتفاع اللون ورثاثة الهيئة فيكون حسية كما ذكره السكاكي (١)، فلا يكون من عند السكاكي، وهذا البحث مما ذكره الإيضاح، إلا أنه قال: ظاهر كلام الزمخشري أنها عقلية، وظاهر كلام السكاكي أنها حسية، فالشارح خالف معه بأن كلام الزمخشري محتمل، وكلام السكاكي نص، وإن كان الحق معه في الأول، لكن ليس في الثاني؛ لجواز أن يكون ذكر انتقاع اللون ورثاثة الهيئة في كلام السكاكي على سبيل التمثيل، والأظهر أن مراد الزمخشري بالحوادث ما يعم الكل، ولا يخص بشيء من الحسي والعقلي. ويمكن دفع ما أورده الشارح بأن السكاكي أراد جمهور الأصحاب، ولم يرد بقوله عندي تخصيص الاحتمال بنفسه، بل إنه على خلاف جمهور الأصحاب موافق للزمخشري على أنه يمكن أن لا يريد بأصحابنا علماء المعاني، بل أهل عصره.
وثانيهما: ما ذكره السيد السند أن احتمال التخييل ركيك جدا لا يناسب بلاغة القرآن؛ فإن الجوع إذا شبه بشخص ضار، مجد فيما هو بصدده، فلا بد وأن يثبت له من لوازمه ما له مدخل في الإضرار دون اللباس الذي لا مدخل له فيه، هذا ويمكن دفعه بأن لباس الشخص ما يبرز فيه، فلما شبه الجوع بشخص أثبت له لباس يبرز فيه لا مطلق ما يكسوه، فإذاقة لباس الجوع عبارة عن إبرازها
стр. 851
في معرض الجوع، وفيه إفادة أنها ابتليت بالجوع في الغاية، حتى كأنها نفس الجوع وبارزة في لباسه وظاهرة في معرضه؛ وللآية تتمة بحث يمنع من بيانه خوف الإسام، فليرجع إلى شروح «المفتاح» من أراد التمام.
وقد تم تصوير الاستعارة بما مر إلا أنه ذكر المصنف في الإيضاح هنا تعريفا له فقال: فالاستعارة ما تضمن تشبيه معناه بما وضع له، والمراد بمعناه ما عني به، أي: ما استعمل فيه فلم يتناول ما استعمل فيما وضع له وإن تضمن التشبيه به نحو أسد زيد، ورأيته أسدا، لاستحالة تشبيه الشيء بنفسه على أن المراد بقولنا: ما تضمن مجاز تضمن بقرينة تقسيم المجاز إلى الاستعارة وغيرها، والمجاز لا يكون مستعملا فيما وضع له هنا، وقد أفاد هذا التعريف أن اللفظ لا يستعار من المعنى المجازي، وإن كان مشهورا فيه.
وفي قوله: لاستحالة تشبيه الشيء بنفسه نظر؛ لأنه لا يتم في اللفظ المشترك، لأنه لو تضمن تشبيه معناه لما وضع له لا يجب فيه أن يكون معناه غير الموضوع له للزوم تشبيه الشيء بنفسه، لأنه لا يلزم فيه ذلك التعدد ما وضع له وإخراج الأسد في الأمثلة المذكورة عن التعريف مبني على ما استقر فيه رأيهم أن المراد: بزيد أسد دعوى اندراج زيد تحت مفهوم الأسد؛ ليتوسل بها إلى المبالغة في التشبيه فإن تم، تم، وإلا فلا.
ولا يتجه عليه ما ذكره الشارح أنا لا نسلم أن أسدا في: زيد أسد مستعمل فيما وضع له، بل هو مستعمل في رجل شجاع فيكون مجازا واستعارة، إذ أصله:
زيد رجل شجاع كالأسد، فحذفنا المشبه واستعملنا المشبه به في معناه فيكون استعارة، على أنا إن جوزنا كون زيد أسد محتملا لهذا التوجيه، فليس لأحد أن ينكر صحة أن يقصد به ما تقدم. فالمحترز عنه هو الأسد بهذا المعنى.
وأما ما ذكره السيد السند: من أن الحق مع القوم فإن الفرق بين قولنا: مر دي همجو شيرست زيد، وبين شيرست زيد، يكشف عن ذلك؛ فإن التشبيه في الأول راجع إلى ذات ما حمل على زيد، وفي الثاني إلى زيد مما لا ينفع، فإن من يقول: إن زيدا أسد في معنى: زيد رجل شجاع، يقول شيرست زيد معناه دي همجو شيرست زيد، فلا يفيده تبديل الفارسي بالعربي شيئا. وأعجب منه أنه قال:
стр. 852
إنما أخرنا زيدا في المثال الأول؛ لأنه لو قدم احتمل الكلام رجوع التشبيه إلى زيد، بناء على أن الخبر قصد به المفهوم، ولا معنى لرجوعه إليه، وأما في المثال الثاني فتأخيره للموافقة ودفع توهم استناد الفرق إلى التقديم والتأخير؛ لأن قولنا:
زيد بد مردي همجو شيرست، لا يحتمل إلا تشبيه ذات ما وإلا للغا ذكر مردي، وأن مردي همجو شيرست في صورة التقديم خبر لموجب احتمال رجوع التشبيه إلى زيد بحاله.
نعم لا ينكر جودة ما قال إنك إذا قلت: زيد أسد لم يحسن تقدير الأداة؛ لأن ظاهر دعوى حمل الأسد عليه، وأنه مندرج تحته مبالغة، فلو قدرت فاتت المبالغة، بخلاف ما إذا قلت: زيد الأسد، فها هنا ثلاث مراتب.
الأولى: ادعاء المشابهة بأداة التشبيه لفظا أو تقديرا نحو: زيد كالأسد، وزيد الأسد.
الثانية: ادعاء اندارجه تحت الأسد، كقولك: زيد أسد.
الثالثة: جعل اندراجه تحته مسلما، فالأولى تشبيه اتفاقا، والثالثة استعارة اتفاقا، وأما الثانية فقد ترقّت عن مرتبة صريح التشبيه؛ حيث سيق الكلام ظاهرا؛ لكونه فردا منه، لكن القصد حقيقة إلى إثبات الشبه بطريق المبالغة، ويجوز تقدير الأداة نظرا إلى المآل، وإن لم يحسن نظرا إلى الظاهر، ولا ينتقض ذلك بالاستعارة؛ لأن اللفظ هناك قد استعير بمعنى آخر، وأطلق عليه فتسميتها بهذا الاسم أولى؛ لمزيد اختصاص ومناسبة بينهما، ومن سماها استعارة فكأنه أراد التنبيه على ارتفاعها عن حضيض التشبيه، ولا بد له أن يفسر الاستعارة بما يتناولها أيضا، إذ تعريف المصنف لا يتناولها كما عرفت.
ومما يجب الاحتياط فيه مواضع اشتباه التشبيه بالاستعارة، فإنه ربما يشتبه لتعارض أماراتها حتى قال صدر الأفاضل: إذا ترك المشبه بالكلية وأتى بوجه الشبه ففيه إشكال، نحو: رأيت أسدا في الشجاعة؛ لأن ترك المشبه لفظا وتقديرا، وإجراء اسم المشبه به عليه يقتضي أن يكون هذا استعارة، وذكر وجه الشبه يقتضي أن يكون تشبيها، أي: رأيت رجلا كالأسد في الشجاعة قال الشاعر:
стр. 853
ولاحت من بروج البدر بعدا ... بدور مها تبرّجها اكتنان
يعني لاحت من قصور مثل بروج البدر في البعد بقرات وحشية، هي كالبدور، إظهارهن زينتهن للرجال اختفاء، والمها: جمع مهاة، وهي البقرة الوحشية.
قال الشارح: فالظن أنّ مثل هذا تشبيه؛ لأن المراد بكون المشبه مقدرا أعم من أن يكون محذوفا جزء كلام، أو يكون في الكلام ما يقتضي تقديره، هذا يعني ما يقتضي اعتباره وكونه مرادا في معنى الكلام، وإن لم يكن تقديره على وجه لا يختل نظامه كذا يستفاد من كلام السيد السند، لكن لا يوجد ما لا يمكن تقدير المشبه بدون اختلال النظم، فإن في كل ما بعد استعارة يمكن تقدير «مثل»، فيقال في: جاءني أسد، تقديره: جاءني مثل أسد، وفي: جاءني أسد في الشجاعة، جاءني مثل أسد في الشجاعة.
وينقدح من هذا أن إثبات الاستعارة في كلام العرب مشكل جدا، ومما جعلوه تشبيها قوله تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (١)
واستدلوا عليه بأن بيان الخيط الأبيض بالفجر قرينة على أن الخيط الأسود أيضا مبين سواد الليل، ولا يخفى أن الخيط الأبيض إذا كان مشبها به لا يصح أن يكون مبيّنا بالفجر، بل المبين به المشبه المقدر في الكلام ففيه مسامحة، وأن البيان لا ينافي كون الخيط الأبيض استعارة؛ لأن استعمال الخيط الأبيض في الفحر، بناء على ادعاء دخوله تحت جنس الخيط الأبيض، فلو بين أن المراد بالخيط الأبيض، أي: فرد منه من فرديه المتعارف وغير المتعارف، لم يكن بعيدا.
ومن علامات الاستعارة التي ذكرها الشارح وعدها السيد جيدة: هو أن يصح وضع اسم المشبه مقامه، كما في: رأيت أسدا يرمي، فإنه يصح: رأيت رجلا شجاعا يرمي، ولا يفوت إلا المبالغة في التشبيه، وفيه أنه يصح في التجريد أيضا مثل ذلك، فيصح أن يقال في: لقيت من زيد أسدا، لقيت منه رجلا
стр. 854
شجاعا، ولما كان تقسيم المجاز إلى المجاز المرسل والاستعارة مبنيا على أن الاستعارة مجاز لغوي لا عقلي احتاج إلى إثباته وإبطال كونه مجازا عقليا، فاشتغل عقيب التقسيم به تقريرا لتقسيمه، فقال: (ودليل أنها) أي: الاستعارة (مجاز لغوي كونها موضوعة للمشبه لا للمشبه به ولا الأعم منهما) وذلك معلوم من اللغة، ومسلم عند من يخالف في كونه مجازا لغويا، ويدعى كونه مجازا عقليا.
وما ذكره «المفتاح» والمصنف في بيانه توضيح للبديهي، وهو أنه لو كان الأسد موضوعا لأحدهما؛ لكان إطلاقه على الرجل الشجاع من جهة التحقيق، لا من جهة التشبيه ولا نقلب المطلوب بنصب القرينة، وهو منع الكلمة عن حملها على ما هي موضوعة له إلى إيجاب حملها على ما هي موضوعة له، وأيضا لو كان موضوعا للشجاع مطلقا لكان وصفا لا اسما.
هذا فلا مجال للمناقشة فيه، بأن كون المطلوب بنصب القرينة منع الكلمة عن حملها على ما هو موضوعة له (مم) (١)، بل المطلوب على هذا التقدير منعها عن حملها على بعض معانيها الموضوعة هي لها إلى إيجاب حملها على بعض آخر، كما هو شأن المشترك، وكون المستعار صفة لا يبطل في استعارة، مثل الناطق، والمراد بقوله: لا للمشبه أنه لم يوضع للمشبه لا وحدها ولا مع المشبه به، حتى يكون مشتركا بينهما، فلا يتجه أنه لم يستوف إبطال الاحتمالات، ولا يحتاج إلى أن يقال اكتفى بمشاركة هذا الاحتمال مع احتمال كونه موضوعا للمشبه في اللازم، وإنما احتاج إلى نفي كونه موضوعا لأعم منهما في إثبات كونه مجاز لغويا؛ لأنه لو كان موضوعا لأعم منهما يصح استفادة المشبه عنه بطريق الحقيقة، بأن يطلق العام لعمومه، ويقع على الخاص بمعونة القرينة من غير أن يستعمل في الخاص، كما إذا قلت: رأيت إنسانا فيما إذا رأيت زيدا ولم يرد بالإنسان إلا مفهومه، فإن العام حينئذ مستعمل فيما وضع له، لكنه قد وقع على الخاص من غير استعمال فيه، ومن اشتبه عليه إطلاق العام على الخاص لا بخصوصه بالاستعمال فيه بخصوصه ظن أنه مجاز.
стр. 855
واعترض عليه بأنه لا دلالة للعام على الخاص بوجه من الوجوه.
على أن اعتراضه مما يتعجب منه؛ لأن الدلالة المعتبرة في المجاز تشمل الدلالة بمعونة القرينة.
وفيه بحث؛ لأنه إذا جوز أن لا يكون «نعم ما فعلت» مجازا في مقابلة من قال: أكرمت زيدا، بأن يكون فعلت واقعا باعتبار الخارج على الإكرام بالقرينة، وتكون القرينة مقيدة للعام المستعمل بعمومه لزم أن لا يوجد من قسم المجاز ما يكون عاما مستعملا في الخاص؛ إذ لا يوجد في عام قرينة صارفة عن المعنى الموضوع له، إذ كل ما يظنه قرينة صارفة، يحتمل أن يكون قرينة لوقوع العام على الخاص، ويكون العام معها مستعملا على عمومه، فلا يكون قرينة صارفة.
(وقيل: إنها مجاز عقلي) لا بمعنى إسناد الفعل أو معناه إلى ملابس غير ما هو له بتأول، بل (بمعنى أن التصرف في أمر عقلي لا لغوي) (١) وهذا النفي مدار النزاع، وإلا فلا ينكر من يجعله مجازا لغويا هذا الادعاء؛ ولهذا تردد قول الشيخ عبد القاهر بين كونه مجازا لغويا، وبين كونه مجازا عقليا، فتارة أطلق عليها المجاز اللغوي، وتارة المجاز العقلي لا لالتباس حقيقة الأمر عليه، فإنه مما لا يتوهم في شأنه ذلك، بل للتنبيه على أنها ليست لمجرد نقل اسم، بل فيه احتمال عقلي؛ (لأنها لما لم تطلق على المشبه إلا بعد ادعاء دخوله في جنس المشبه به) بأن جعل الرجل الشجاع فردا من أفراد الأسد.
(كان): تامة جواب لما (استعمالها فيما وضعت له) متعلق بالاستعمال، فلا حاجة إلى ما في الشرح: أنه في تقدير: استعمالا فيما وضعت له يعني الأسد استعمل في مفهومه الحقيقي، وسراية الحكم عليه إلى الرجل الشجاع كسرايته إلى سائر أفراده الحقيقية بناء على إحاطته بالرجل الشجاع لقضية الادعاء المذكور، ولا يخفى أن مجرد ادعاء الدخول يكفي في كون الأسد حقيقة، سواء كان الدخول بدعوى أن للأسد فردين، متعارفا وهو ما له الهيكل المخصوص، وغير متعارف
стр. 856
وهو الرجل الشجاع، أو بدعوى ثبوت الهيكل المخصوص لزيد، فقول الشارح في شرح التنقيح: إن جعلها مجازا عقليا مبنيّ على اعتبار مرجوح هو دعوى الهيكل المخصوص للرجل الشجاع، والحق خلافه، وهو دعوى فرد غير متعارف لمفهومه مما لا وثوق به.
قال المصنف: والدليل على الادعاء أنه لولاه لما كانت استعارة؛ لأن مجرد نقل الاسم لو كانت استعارة لكانت الأعلام المنقولة كيزيد ويشكر استعارة، ولما كانت الاستعارة أبلغ من الحقيقة؛ إذ لا مبالغة في إطلاق الاسم المجرد عاريا عن معناه، ولما صح أن يقال لمن قال: رأيت أسدا أنه جعله أسدا، كما لا يقال لمن سمى ولده أسدا أنه جعله أسدا؛ لأن جعل إذا تعدى إلى مفعولين كان بمعنى صيّر، ويفيد إثبات صفة لشيء حتى لا يقال: جعلته أميرا إلا إذا أثبت له صفة الإمارة.
هذا وفي الوجه الأول: أنه لا يلزم من انتفاء الادعاء أن يكون مجرد نقل الاسم استعارة، بل النقل لعلاقة المشابهة من غير وضع المنقول إليه.
وفي الوجه الثاني: أن الاستعارة أبلغ من الحقيقة لمجرد أنه بمنزلة دعوى الشيء ببينة كما في سائر المجازات على ما سيأتي، وللادعاء دليل آخر، وهو: أنه لولاه لما امتنع استعارة العلم.
(ولهذا) أي: ولأن إطلاق اسم المشبه على المشبه به بعد ادعاء دخوله في جنس المشبه به (صح التعجب في قوله) أي: قول أبي الفضل بن العميد في غلام قام على رأسه يظلله:
[(قامت) (١) فاعله نفس (تظللّني) في الشرح: أي توقع الظلّ عليّ (من الشّمس) أي: من أجلها، ولدفع حرها أو المراد من الشمس تظللني نفس الغلام أي توقع عليّ ظلا حاصلا من الشمس، والأول هو الموافق لقوله:
شمس تظللني من الشمس (نفس أعزّ عليّ من نفسي) بالإضافة إلى ياء المتكلم أو بتنكير نفس وإشباع كسرته كما في الشمس أي: من كل نفس، وهو
стр. 857
أبلغ:
(قامت تظللّني ومن عجب ... شمس تظللّني من الشّمس) (١)
فلولا أنه ادعى له معنى الشمس الحقيقي لما كان لهذا التعجب معنى؛ إذ لا تعجب في أن يظلل إنسان حسن الوجه إنسانا آخر، وفيه نظر؛ لأنه يجوز أن يكون التعجب من استخدامه من بلغ في الحسن درجة الشمس أو من انقياده له وخدمته له.
(والنهي عنه) أي: عن التعجب (في قوله):
[(لا تعجبوا من بلى غلالته) هي ثوب يلاقي البدن (قد زرّ) أي: شدّ (أزراره على القمر)] (٢).
فلولا أن جعله قمرا حقيقيا لما كان للنهي من التعجب معنى؛ لأن الكتان إنما يسرع إليه البلى بسبب ملابسة القمر الحقيقي لا بسبب ملابسة إنسان كالقمر في الحسن.
(ورد بأن الادعاء) مسلم لكنه (لا يقتضي كونها مستعملة فيما وضعت له) فيما ادعى دخوله تحت مفهومها.
وفيه: أن الادعاء لو أوجب صحة كونها حقيقة لكفى، إذ معها لا ضرورة في القول بالتجوز، فدعوى كون المجاز عقليا لا يتوقف على اقتضاء الادعاء الاستعمال فيما وضعت له، بل يكفي فيه أن يقال: يصح أن يكون الأسد مثلا مستعملا في مفهومه، ويكون واقعا على الرجل الشجاع لادعاء أنه من أفراده كما سبق، فالجواب أن يقال: استعمال الأسد في مفهومه لا يوجب شموله للرجل الشجاع، وسراية الحكم كما في أفراده ما لم يقصد به، ويمكن أن يقال: إذا قلت:
رأيت أسدا، وحكمت برؤية رجل شجاع يمكن فيه طريقان:
стр. 858
أحدهما: أن يجعل الأسد مستعارا لمفهوم الرجل الشجاع.
وثانيهما: أن يستعمله فيما وضع له الأسد، ويجعل مفهوم الأسد آلة لملاحظة الرجل الشجاع، ويعتبر تجوزا عقليا في التركيب التقييدي الحاصل من جعل مفهوم الأسد عنوانا للرجل الشجاع؛ فيكون التركيب بين الرجل الشجاع ومفهوم الأسد مبنيا على التجوز العقلي، وإن كان تقييديا، فلا يكون هناك مجاز لغوي.
ألا ترى أنه لا يجوز لغة في قولنا: لي نهار صائم؟ فقد حق القول بأن المجاز عقلي، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
ولما أراد الاستدلال أشار إلى وجه التعجب؛ والنهي عنه بحيث لا يقتضي إرادة المعنى الحقيقي، فقال: (وأما التعجب والنهي عنه فللبناء على تناسي التشبيه قضاء لحق المبالغة) ودلالة على أن المشبه بحيث لا يتميز عن المشبه به أصلا حتى إن كل ما يترتب على المشبه به يترتب عليه.
ولا يخفى أن الكلام قد تم بدونه، إذ التعجب والنهي عنه لم يجعلا دليلين على كونها مستعملة فيما وضعت له، بل استدل بهما على الادعاء، فلما سلم الادعاء، ومنع اقتضاءه كون الاستعارة مستعملة في معناها الحقيقي فلا حاجة إلى المنازعة في كون التعجب والنهي مبنيين على الادعاء، فليكونا مبنيين عليه؛ إذ لا ينافي المجاز اللغوي.
ولما كان في الاستعارة توهم كذب، وذلك يوجب أن لا يقع في القرآن وكلام الرسول، أشار إلى أنها تفارقه فقال:
(والاستعارة) أي: الذي يتضمنه الاستعارة من دعوى دخول المشبه في جنس المشبه به (تفارق الكذب)، ولا تلتبس به لوجهين:
(بالبناء) أي: بسبب بناء الاستعارة، أي: ما تتضمنه (على التأويل) والصرف عن الظاهر الذي هو إفادة تلك الدعوى، واعتقاده إلى جعل أفراد الأسد متعارفا وغير متعارف من غير اعتقاد، بل بمجرد إبراز في هذه الصورة ليتوسل به إلى المبالغة في التشبيه، ولا كذب مع عدم الاعتقاد هو الكذب.
(ونصب القرينة على إرادة خلاف الظاهر)، إذ لا يجامع الكذب نصب القرينة كما لا يجامع التأويل المذكور، فقد افترقت عن الكذب بالوجهين، ولك
стр. 859
أن تريد أن الكلام الذي فيه الاستعارة يفارق الكذب، إذ جاءني أسد يشتبه بالكذب، لولا شيء من هذين الوجهين هذا كله إذا أريد بالمفارقة نفي الاشتباه.
أما لو أريد نفي لزوم الكذب فلا حاجة إلى شيء من هذين التأويلين، لكن المراد بالمفارقة عن الكذب المفارقة في الجملة، إذ ربما كان ما قصد من المبالغة في شأن المشبه كاذبا غير مطابق.
ولقد حرر في هذا المقام كلام «المفتاح» (١) أحسن تحرير، وعدل عنه بألطف تغيير لما فيه من التطويل والخفاء؛ لأنه قال: والاستعارة لبناء الدعوى فيها على التأويل تفارق الدعوى الباطلة، فإن صاحبها يتبرأ عن التأويل، وتفارق الكذب بنصب القرينة المانعة عن إجراء الكلام على ظاهره، فإن الكذب لا ينصب دليلا على خلاف زعمه، وأنى ينصب وهو لترويج ما يقول راكب كل صعب وذلول؟ !
هذا ولما كان الباطل والكذب واحدا؛ إما مطلقا أو بالذات عند من فرق بينهما باعتبار مخالفة الواقع للقول في الباطل، ومخالفة القول للواقع في الكذب- كان الفرق بين الاستعارة والكذب مغنيا عن ذكر الباطل- فاكتفي لذلك بذكر الكذب، وصفى كلامه عن شوب التخصيص بلا مخصص؛ حيث لزم «المفتاح» من تخصيص التأويل بمفارقة الباطل، ونصب القرينة بمفارقة الكذب، وأغنى لمشتغل بكلامه عن مؤنة حمل الباطل على باطل غير معلوم البطلان عند متكلمه، وحمل الكذب على ما علم كذبه.
وتوجيه التخصيص ب «أن» للإشارة إلى أن الباطل الذي لم يعلم بطلانه في غاية البعد عن قصد تأويله فضلا عن نصب القرينة بخلاف الكذب فإنه لا ينافي قصد التأويل وأن لا يقع قط، وإنما ينافي نصب القرينة؛ إذ لا يخفى أنه في غاية الخفاء والإغلاق على أن ما هو المقصود لا يستدعيه، ولا التخصيص لوجه آخر مما يمكن أن يقال وهو أقرب من هذا المقال، لكن صرفنا عن بيانه لك خوف الملال.
(ولا تكون علما) قال الشارح في شرح «المفتاح»: لا يخفى أن المراد غير علم الجنس فإنه المتبادر من إطلاق العلم هذا، ولا يبعد أن يجعل علم الجنس علما
стр. 860
مخصوصا بالنحاة، لأنه علم اضطراري دعا إلى القول به أحكام نحوية، فحينئذ يدخل علم جنس في اسم الجنس فيدخل في الاستعارة الأصلية بلا كلفة بمحل في بيانه، والجملة عطف على قوله: (والاستعارة تفارق الكذب)، عطف جملة فعلية على جملة اسمية.
ولك أن تجعله عطفا على قوله: (تفارق الكذب)، فيكون التناسب مرعيّا.
(لمنافاته الجنسية) وبناء الاستعارة على جعل المستعار من أفراد المستعار منه بادعاء أن له قسمين: قسما متعارفا، وقسما غير متعارف، فلما لم يكن للعلم مفهوم كلي جنسي امتنع أن يستعار، ولامتناع أن يكون له الفرد، فضلا عن أن ينقسم إلى متعارف وغير متعارف.
قال المصنف: ولأن العلم لا يدل إلا على معين من غير إشعار بوصف فلا اشتراك بين معناه وغيره، إلا في مجرد التعيين، ونحوه من العوارض التي لا يكفي شيء منها جامعا في الاستعارة.
(إلا إذا تضمن نوع وصفيّة) الأولى نوع وصف؛ لأن الوصف مصدر لا يحتاج في أداء المعنى المصدري إلى إلحاق الياء المصدرية والمراد بتضمن الوصف:
أن يكون الوصف لازما للشخص، نظرا إلى ذاته أو بسبب اشتهاره بالوصف؛ فإن الوصف اللازم ينزّل منزلة الموضوع له، ويجعل الموصوف فردا متعارفا له، والمستعار له فردا غير متعارف.
هكذا ذكروه، وفيه أنه تكلف لا يوافقه الاستعمال فإن استعمال العلم في المشبه بدعوى العينية لا بدعوى إدخالهما تحت جنس.
وقد تنبه الشارح لهذا في «التلويح»، فقال: التحقيق أن الاستعارة تقتضي وجود لازم مشهور، له نوع اختصاص بالمشبه به، فإن وجد ذلك في مدلول الاسم، سواء كان علما أو غير علم جاز استعارته، وإلا فلا. هذا كلامه، لا تقول: فليكن مراد المصنف أنه لا يكون علما إلا إذا اشتهر بوصف؛ لأنه لا بد للاستعارة من وجه شبه له مزيد اختصاص بالمشبه به؛ لأنا نقول: قد فصل المصنف هذا الكلام بما لا يحمل هذا التوجيه على أنه لا اختصاص لتضمن
стр. 861
الوصفية بهذا المعنى بالعلم، إلا أن يقال: ما من اسم جنس إلا وله وصفيّة واشتهار بصفة، بخلاف العلم؛ فإنه يندر فيه ذلك، فلهذا اشترطت في العلم دون اسم الجنس.
(كحاتم) اسم فاعل من الحتم بمعنى الحكم، جعل اسما لحاتم بن عبد الله بن الحشرج الطائي العلم في الكرم، «ومادر» اسم فاعل من مدر بمعنى طان، صار اسما للمخارق الذي هو لئيم ليس له في البخل سهيم، سمي به؛ لأنه سقى إبله فبقى في الحوض قليل فسلخ فيه ومدر الحوض.
«وسحبان» على وزن عطشان علما لبليغ يضرب به المثل، وهو في الأصل بمعنى صياد يصيد ما مر به، والمناسبة ظاهرة.
«وباقل» لرجل يضرب به المثل في العي والفهاهة من يوم اشترى ظبيا بأحد عشر درهما، فسئل عن شراه ففتح كفيه ليشير بأصابعه إلى عدد العشرة وأخرج لسانه ليتم الإشارة إلى إحدى عشر، فانفلت الظبي. وقرينتها ما مر في تحقيق المجاز، وهو القرينة المانعة فيبادر من قوله:
[وقرينتها]
(وقرينتها) قرينة الاستعارة الصارفة لها عن الحقيقة، لكن الأنفع أن يراد قرينة الاستعارة مطلقا صارفة كانت أو معينة، أو كلتيهما.
ومن البين أنه لا اختصاص لهذا التقسيم بقرينة الاستعارة، بل تجري في المجاز المرسل والكناية أيضا، ولا ينكشف الداعي إلى جعلهم قرينة الاستعارة المصرحة متعددة دون الاستعارة بالكناية، بل جعلوا واحدا مما يصرف فيها عن الحقيقة قرينة، والزائد عليه ترشيحا، وأيضا لا يظهر فرق بين الاستعارة التي قرينتها متعددة، وبين الاستعارة المجردة إلا أن يلتزم.
(إما أمر واحد كما في قولك: رأيت أسدا يرمي أو أكثر) (١) أي: أمران أو أمور يكون كل واحد منها قرينة.
(كقوله) أي: بعض الأعراب على ما في الإيضاح:
[(فإن تعافوا) أي: تكرهوا يقال: عاف الطعام أو الشراب، وقد يقال في
стр. 862
غيرهما: يعافه ويعيفه عيفا وعيفانا محركة وعيافة وعيافا بكسرهما: كرهه فلم يشربه (العدل) العدل مقابل الظلم، ولا يبعد أن يحمل على التوحيد كما فسر به قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ (١) خص بالذكر؛ لأنه أول الإيمان (والإيمانا) جواب الشرط محذوف، أي: تلجئون إليهما، وقوله: (فإنّ في أيماننا نيرانا)] (٢) علة الجزاء أقيم مقامه، والنيران إما جمع نور، أو نار استعيرت للسيوف أو الرماح يلمعن، وتخصيصها بالسيوف كما هو المعروف أو استعارتها من النار، لا من النور، كما هو المشهور منظور ليس للأنظار السليمة بمنظور، فتعلق الكراهة بكل من العدل والأيمان قرينة على أن المراد بالنيران آلة الحرب التي تشبهها في اللمعان، لا حقيقتها؛ لأنه يدل على أن الجزاء المحاربة، وفي التعبير عن السيوف بالنار التي هي جزاء الظلم والكفر في الشرع لطافة بينة، وقد يقال: من القرائن قوله: في أيماننا، فإن النار لا تؤخذ بالأيدي، وفيه ضعف لا يخفى.
(أو معان ملتئمة) يكون المجموع قرينة واحدة، فيقابل قوله: (أو أكثر).
ويصح كونه قسيما له، كذا في الشرح، وفيه: أنه لا يصح حينئذ كونه قسيما للواحد، ولا يصح حمل الواحد على البسيط؛ لأنه يبقى أكثر من واحد هي مركبات واسطة على أي تقدير يبقى واسطة هي معان غير ملتئمة يكون المجموع قرينة، وحمل الالتئام على مجرد كون المجموع قرينة دون كل واحد بعيد.
(كقوله) أي: البحتري: (وصاعقة) مجرور بواو رب أو مرفوع موصوف بالظرف، مبتدأ خبره تنكفي بها، والصاعقة هي نار تسقط من السماء (من نصله) بيان صاعقة أي: صاعقة هي نصله، جعله صاعقة في الاشتغال والتأثير، أو المراد صاعقة ناشئة من نصله، فهي وهمية تخييلية، فكأن لنصله صاعقة تحرق الأعداء، والأول أظهر، وإلى الثاني ذهب الشارح. والنصل:
حد السيف على ما يفهم من الصحاح، ونفس السيف ما لم يكن له مقبض على ما في القاموس.
فعلى هذا جعل سيفه لاختفاء مقبضه في كف الممدوح كأنه لا مقبض له
стр. 863
(تنكفي) أي: تنقلب (بها) الباء للتعدية أي: تنقلب تلك الصاعقة (على أرؤس) جمع رأس للقلة يراد بها الكثرة لداعي مقام المدح (الأقران) جمع قرن بالكسر، وهو الكفوء في الشجاعة أو عام (خمس سحائب)] (١) صرف السحائب رعاية للقافية أي: أنامله الخمس التي هي في الجود وعموم العطاء سحائب، كذا في الشرح ففي البيت استتباع، حيث ضمن مدحه بالشجاعة المدح بالسخاء، ومن لم يدرك توهم أنه لا يلائم ذكره المقام.
ولك أن تجعل أنامله سحائب العذاب في نزول الصاعقة والنار، والمسطور تفسير السحائب بالأنامل.
والظاهر أن المراد بها الأصابع، فكأنه أريد مزيد المبالغة في الشجاعة، حيث يكفي للأقران أنامله، ولا يحتاج في هلاكهم إلى إعمال الأصابع؛ ولهذا عبر عن أرؤس الأقران مع كثرتها بجمع القلة، وعن أنامله الخمس بجمع الكثرة إشارة إلى أن الأرؤس مع كثرتها كأنها قليلة بالنسبة إلى أنامله الخمس لإحاطة أنامله إياها وشمولها لها، فحينئذ مجموع المعاني الملتئمة التي جعلت قرينة لإرادة الأنامل بالسحائب ذكر الصاعقة، وبيان أنها من نصل سيفه، وجعلها على أرؤس الأقران، وجعل السحائب معدودة بعدد الأنامل مع ضميمة مقام المدح، فإن قطع النظر عن مقام المدح يجعل المراد بها الأصابع، فالتفسير بالأنامل وترك ضميمة مقام المدح يورث الذم.
(وهي) أي: الاستعارة تنقسم باعتبار الطرفين، وباعتبار الجامع، وباعتبار الثلاثة، وباعتبار اللفظ، وباعتبار آخر، وقوله: باعتبار آخر بالإضافة أي باعتبار أمر آخر هو المقارنة بما يلائم شيئا من الطرفين وعدمها فيكون على نحو اعتبار نظائره، ويوافقه عبارة الإيضاح هنا، بدل قوله باعتبار آخر باعتبار أمر خارج عن ذلك كله، وفيما بعد، وإما باعتبار الخارج، والشارح غفل عنه فجعل قول المصنف: «فيما» بعد وباعتبار آخر تركيبا توصيفيا، ففسره باعتبار آخر غير الاعتبارات السابقة.
стр. 864
(باعتبار الطرفين) أي «طرفي الاستعارة»، ففيه مسامحة أو طرفي التشبيه، وقوله: «فيما بعد» كاستعارة اسم المعدوم للموجود يدل على أن المقصود بالتقسيم: الاستعارة؛ بمعنى المصدر.
وقوله: ومنها: التهكمية والتمليحية، وهما ما استعمل في ضده يدل على أن المقصود بالتقسيم الاستعارة بمعنى المستعار، وكأنه نبه على أن الاستعارة بالمعنيين سيان في هذه التقسيمات.
[وهي باعتبار الطرفين قسمان]
(قسمان لأن اجتماعهما) أي: الطرفين (في شيء إما ممكن نحو: أحييناه في قوله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ (١) أي: ضالا فهديناه) استعارة الإحياء من معناه الحقيقي، وهو جعل الشيء حيا للهداية التي هي الدلالة على طريق توصل إلى المطلوب.
قال المصنف: والهداية والحياة لا شك في جواز اجتماعهما.
قال الشارح: الأولى أن يقال: الإحياء والهداية مما يمكن اجتماعهما في شيء.
وفيه بحث؛ لأنه يجوز أن يكون اعتبارهم أن يجعل استعارة الإماتة للإحياء وفاقية؛ لعدم إمكان اجتماع الموت والحياة، فنبه المصنف بما ذكره على معنى إمكان الاجتماع.
(ولتسم وفاقية) أي: المنسوبة إلى الوفاق، لمعنى الموافقة.
(وإما ممتنع) كاستعارة الميت في الآية للضال؛ إذ لا يجتمع الموت مع الضلال؛ ولهذا قال نحو: أحييناه في: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ و (كاستعارة اسم المعدوم للموجود لعدم غنائه) أي: نفعه بالفتح، ولا يتوقف ذلك على عدم نفعه أصلا، بل يمكن الاستعارة للنافع في أمر غير النافع في أمر آخر باعتبار عدم نفعه.
قال المصنف: ثم الضدان كانا قابلين للشدة والضعف كان استعارة اسم الأشد للأضعف أولى، فكل من كان أقل علما وأضعف قوة كان أولى أن يستعار
стр. 865
له اسم الميت، ولما كان الإدراك أقدم من الفعل في كونه خاصة للحيوان، لتوقف أفعاله المختصة به أعني الإرادية على الإدراك كان الأقل علما أولى باسم الميت أو الجماد من الأقل قوة.
وكذا في جانب الأشد؛ لأن الإدراك الأشد اختصاصا بالحيوان أشد تبعيدا له من الموت، فكل من كان أكثر علما أو أشرف علما كان أولى بأن يقال: إنه حي. هذا كلامه.
قال الشارح: ولا يخلو عن اختلال؛ لأن الضدين القابلين للشدة والضعف هما العلم والجهل والقدرة والعجز، ولم يستعر اسم أحدهما للآخر، بل المقصود:
أنه إذا أطلق اسم أحد الضدين على الآخر باعتبار معنى قابل للشدة والضعف، فكل من كان ذلك المعنى فيه أشد كان إطلاق ذلك الاسم عليه أولى.
والعبارة غير وافية بذلك.
هذا، وأقول: هذا تشكيك في العبارة لغفلة عن حقيقة التشكيك، فإن التشكيك بالأشدية أن يكون الآثار في البعض أكثر من بعض، فنقول: الضدان فيما نحن فيه: الموت والحياة وهما قابلان للتشكيك، باعتبار الأشدية التي هي التفاوت في الآثار له، وذكر قلة العلم وضعف القوة، لبيان تفاوت الحياة للشدة لتفاوت آثارها التي منها العلم والقوة، فكل من كان أقل علما وأضعف قوة، كانت الحياة فيه أضعف، فهو باسم الميت أولى؛ لأن الميت اسم للأشد في الموت؛ لأنه دال على الثبوت دون الحدوث، وأقل علما أولى من الأقل قوة، وكل ما كان العلم فيه أكثر، وآثار القوة فيه أزيد كان باسم الحي أولى، وإن مات، وأكثر علما أولى من أزيد قوة.
هكذا حقق المرام، ودع التشكيك للغفلة عن تحقيق المقام، وكن مستفيضا من موهبة الملك العلام.
(ولتسم) هذه الاستعارة (عنادية) لمعاندة كل طرف منها الآخر.
(ومنها) أي: من العنادية الاستعارة (التهكمية والتمليحية، وهما ما استعمل) أي: الاستعارة التي استعملت (في ضده) أي: ضد معناها الحقيقي
стр. 866
(أو نقيضه لما مر) في باب التشبيه من تنزيل التضاد (١) منزلة التناسب بواسطة تمليح أو تهكم.
(نحو: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢) أي: أنذرهم، استعيرت البشارة التي هي الإخبار بما يظهر سرورا في المخبر للإنذار الذي هو ضدها بإدخال الإنذار في جنس البشارة على سبيل التهكم.
وللنظم توجيهات أخر، وهي أنه أمر نبي الرحمة بإنذار لهم شبيه بالتبشير في انشراح صدره، فيه إزالة لانقباضه من الإنذار عنه، فتكون استعارة البشير للإنذار الجامع كونهما مرغوبين له ﷺ ، وأنهم في استماع الإنذار كمن يستمع التبشير؛ لعدم مبالاتهم به؛ فالاستعارة لجامع المشابهة في عدم الخوف منهما، وأنهم في الجد في اكتساب العذاب الأليم كالراغب فيه، فإنذارهم به شبيه بالإخبار بمرغوب، فيكون كالتبشير فاحفظها؛ فإنها من إفاضة العليم الخبير.
[وباعتبار الجامع قسمان]
(وباعتبار الجامع) يراد به وجه الشبه، وسمى في باب التشبيه: وجه الشبه؛ لأنه سبب التشبيه، وهنا جامعا؛ لأنه أدخل المشبه تحت جنس المشبه به ادعاء، وجمعه مع أفراد المشبه به تحت مفهومه.
(قسمان؛ لأنه إما داخل في مفهوم الطرفين) لم يستغن عن هذا التقسيم للاستعارة بما مر من أن وجه الشبه إما داخل في مفهوم الطرفين أو خارج عنه؛ لأن كل تشبيه لا يكون مبني على الاستعارة، على أن وجوب كون الجامع أخص بالمشبه به يوهم امتناع دخوله في مفهوم الطرفين؛ لما تقرر أن الذاتي لا يتفاوت في الأفراد. ووجه صحة أن ما تقرر إنما هو في ذاتيات الماهيات الحقيقية، دون المفهومات الاعتبارية.
(نحو) قوله ﵇: «خير الناس رجل يمسك بعنان فرسه (كلما سمع هيعة) أي: صوتا يفزع منه أو صوتا يخافه من عدو (طار إليها)» (٣)
стр. 867
إسناد طار إلى الرجل مجاز، أي: طار فرسه بسعيه إليها.
وتتمة الحديث: «أو رجل في شعفة في غنيمة حتى يأتيه الموت» يعني ﷺ :
«خير الناس رجل آخذ بعنان فرسه واستعد للجهاد، أو رجل اعتزل الناس، وسكن في رأس جبل في غنم قليل قنع بمنافعها، واشتغل بالعبادة حتى يموت».
استعار الطيران لعدو الفرس، والجامع داخل في مفهومهما.
(فإن الجامع بين العدو والطيران، هو قطع المسافة بسرعة وهو داخل فيهما) (١)؛ إذ الطيران: قطع المسافة بسرعة الجناح، والعدو: قطعها بالأقدام بسرعة، أو الأول قطع المسافة في الهواء، والثاني قطعها في الأرض.
واعترض عليه الشارح: بأن السرعة غير داخلة في مفهوم الطيران، بل هو مجرد قطع المسافة بالجناح غايته أنه في الأكثر بالسرعة.
هذا، والشيخ فرّق بين العدو والطيران، والإنسان والفرس والأسد، بأن الأولين من جنس واحد، هو المرور، وقطع المسافة، وإنما الاختلاف بالسرعة؛ لأنها مما يقبل الشدة والضعف، وذلك لا يوجب اختلافا في الجنس، بخلاف الأسد والإنسان، فعلى هذا للاستعارة تقسيم آخر هو أن الطرفين إما من جنس واحد، أو من جنسين، لكن في حصر ما به الاختلاف في السرعة، بل في جعلها ما به الاختلاف نظر لا يخفى على من نظر فيما سبق.
(وإما غير داخل) عطف على قوله: (إما داخل)، وغير الداخل في مفهومهما يحتمل أن يكون داخلا في مفهوم أحدهما، كما في تشبيه العدو بالطيران في قطع المسافة بسرعة، فإنه داخل في مفهوم العدو دون الطيران، كما حقق.
وقد خالف بين تقسيم التشبيه باعتبار دخول وجه الشبه وخروجه، وبين تقسيم الاستعارة فقال في تقسيم التشبيه: وجهه إما غير خارج عن حقيقة الطرفين، أو خارج عنهما، فجعل الخارج عن أحد الطرفين داخلا في القسم الأول، وهنا جعله داخلا في القسم الثاني، ولو أردت تطبيقهما فاجعل الداخل في الطرفين في تأويل الداخل في أحدهما، وحينئذ يندفع اعتراض الشارح على التمثيل باستعارة الطيران للعدو.
стр. 868
(كما مر) من استعارة الأسد للرجل الشجاع، فإن الشجاعة خارجة فيه عن الطرفين لظهور أن الأسد موضوع للحيوان المخصوص، والشجاع وصف له، والمستعار له هو الرجل الموصوف بالشجاع، والصفة خارجة، ولا تعويل على ما قال الشيخ في «أسرار البلاغة» من أن الأسد موضوع للشجاعة، لكن في تلك الهيئة المخصوصة، لا للشجاعة وحدها.
(وأيضا) تقسيم آخر للاستعارة باعتبار الجامع وهو أنها (إما عامية) منسوبة إلى العامة (وهي المبتذلة لظهور الجامع فيها نحو: رأيت أسدا يرمي، أو خاصية) منسوبة إلى الخاصة (وهي الغريبة) أي: البعيدة عن العامة، أو عن كل أحد إلا أن الخاصة يدركونها بسرعة سيرهم.
(والغرابة قد تكون في نفس الشبه (١) كما في قوله) أي: قول يزيد بن مسلمة بن عبد الملك يصف فرسا له بأنه مؤدب: أنه إذا نزل عنه، وألقى عنانه في قربوس سرجه وقف مكانه حتى يعود إليه.
(وإذا احتبى قربوسه) القربوس محرّكة، ولا يسكّن إلا للضرورة، وهو:
حنو السرج على ما في القاموس. وفي الصحاح: المعتمد الذي رأيناه القربوس للسرج، فالقربوس مقدم السرج، ولا حاجة إلى حذف مضاف أي: مقدم السرج كما يوهمه عبارة الشارح، حيث قال: قربوسه أي: مقدم سرجه. وفي الصحاح: القربوس السرج (بعنانه علك) مضغ (الشّكيم) كالشكيمة الحديدة المعترضة في فم الفرس (إلى انصراف الزّائر).
يعني إلى انصرافي، عبّر عن نفسه بالزائر للدلالة على كمال تأدبه؛ حيث يقف مكانه، وإن طال مكثه كما هو شأن الزائر للحبيب يدل عليه ما قبله
عوّدته فيما أزور حبائبي ... إهماله وكذاك كل مخاطر
والمخاطر: طالب الشفاء على خطر هلك، أي: مثل ذاك الرجل، يريد نفسه في تعويد فرسه كل مخاطر، شبه هيئة وقوع العنان في القربوس ممتدا إلى جانبي فم الفرس بهيئة وقوع الثوب في ركبة المحتبي ممتدا منحدرا إلى جانبي ظهره،
стр. 869
فاستعار له الاحتباء، وهو أن يجمع الرجل ظهره وساقيه بثوب أو غيره على تلك الهيئة.
(وقد تحصل) الغرابة (بتصرف في العامية كما في قوله)
ولما قضينا من منى كلّ حاجة ... ومسّح بالأركان من هو ماسح
وشدّت على دهم المهاري رحالنا ولم ينظر الغادي الّذي هو رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... (وسالت بأعناق المطيّ الأباطح) (١)
التمسيح: كالمسح المهاري: كالصحاري والجواري، جمع المهرية، وهي الناقة المنسوبة إلى مهرة بن حيدان بطن من قضاعة، والأباطح: جمع أبطح، وهو مسيل الماء فيه دقاق الحصى. والنظر محركا يجيء بمعنى الانتظار.
يريد: لما فرغنا عن أداء مناسك الحج، ومسحنا أركان البيت عند طواف الوداع، وشددنا الرحال على المطايا وارتحلنا، ولم ننظر الغادي الذي هو رائح للاستعجال أخذنا في الأحاديث وأخذت المطايا في سرعة السير، استعار السيلان للسير الحثيث في غاية السرعة للإبل، والشبه فيه ظاهر عامي، لكن قد تصرف فيه بما أفاده اللطف والغرابة.
(إذ أسند الفعل) يعني سالت (إلى الأباطح دون المطي) أو أعناقها حتى أفادت أنه امتلأت الأباطح من الإبل، كما في نهر جار، فإنه إنما يسند الجريان إلى النهر إذا امتلأت الإناء بحيث لا يتميز من الماء.
(وأدخل الأعناق في السير) حيث جعلت الأباطح سائلة مع الأعناق، فجعل الأعناق سائرة إشارة إلى أن سرعة سير الإبل وبطئه إنما يظهران غالبا في الأعناق، ويتبين أمرهما فيه وسائر الأجزاء يستند إليهما في الحركة، وتبعهما في الثقل والخفة.
هذا ما ينظر في هذا المقام، ولا يخفى أن النجاة من السيل يكون بأخذ أمر يحفظ الغريق عن الغرق، فجعل الأحاديث كأعمدة أخذ بكل طرف منه واحد من المصاحبين يسهل عليهم سيلان المطايا، بعد جعل سيرهن سيلا تصرف دقيق،
стр. 870
بلغ التشبيه معه مرتبة يخص بها أخص الخواص.
ثم إنه يمكن حمل التشبيه على ما هو خاصيّ في أصله، بأن يقال: لم يقصد تشبيه السير بالسيل في السرعة، بل تشبيه المطايا، وهي الإبل التي لها لون السيل بنفس السيل في الاتصال والحمرة والسرعة، وتشبيه أعناقها المرتفعة المتحركة بما يجري على السيل، ولا يخفى أن هذا تشبيه مركب مبتدع في غاية الدقة.
ولك أن تريد بالأباطح: الطرق، فيكون من تشبيه الطرق بالأباطح، بعد تشبيه السير بالسيل في السرعة، فيكتنف تشبيه السير بالسيل بضم تشبيه الطرق بالأباطح إليه دقة وخصوصا.
قال المصنف: وقد تحصل الغرابة بالجمع بين عدة استعارات لإلحاق الشكل بالشكل، كما في قول امرئ القيس:
وليل كموج البحر أرخى سدوله عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطّى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل:
ألا يا أيّها اللّيل الطّويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل (١)
أراد وصف الليل بالطول، فاستعار له صلبا يتمطى به؛ إذ كان كل ذي صلب يزيد شيء في طوله عند تمطيه، ثم بالغ في ذلك، جعل له أعجازا يردف بعضها بعضا، ثم أراد أن يصفه بالثقل على قلب ساهرة، والشدة والمشقة فاستعار له «كلكلا» أي: صدرا ينوء به أي: يثقل به، هذا كلامه.
قال الشارح: والظاهر: أن هذا من قبيل الاستعارة بالكناية، كاليد للشمال، يعني: ليس مما نحن فيه من الاستعارة المصرحة، ولا يخفى أن التقسيم إلى العامية والخاصية مما يجري في الاستعارة بالكناية أيضا؛ لأنه دائر على ظهور الجامع وغرابته.
فلا يبعد أن يصير الاستعارة بالكناية في الليل باعتبار تشبيهه المبتذل
стр. 871
بالإنسان، باعتبار شيوع خطابه غريبة تجمع عدة استعارات تخييلية، فيكون البيت نظيرا لما نحن فيه، وتنبيها على جريان هذا التقسيم فيه.
(و) الاستعارة (باعتبار الثلاثة) أي: المستعار له، والمستعار منه، والجامع (ستة أقسام) لأن الاستعارة التي جامعها عقلي، وليس طرفاها حسيين، طرفاها إما عقليان أو مختلفان، فهذه ثلاثة أقسام أشار إليها. ثانيا:
والاستعارة التي طرفاها حسيان جامعها إما عقلي وإما حسي، وإما مختلف بعضه حسي وبعضه عقلي، فهذه ثلاثة أقسام أخر أشار إليها أولا، ولا يخفى أن استعارة العقلي للحسي ينبغي أن لا يجوز عند من لا يجوز تشبيه المحسوس بالمعقول، فكفى شاهدا عليه وقوعه في القرآن على ما سيذكره المصنف.
وأن ما جعله تقسيما باعتبار الثلاثة تقسيمان: تقسيم باعتبار الطرفين رباعي، وهو أن الطرفين إما حسيان أو عقليان أو مختلفان، وتقسيم باعتبار الجامع ثلاثي، وهو أن الاستعارة جامعها إما حسي أو عقلي أو مختلف جمعهما، وسماه تقسيما باعتبار الثلاثة، ووجهه خفي والأصفى لكل شربه، والأشهى له ما هو خير به.
وقد جعل السكاكي هذا التقسيم خماسيا لإهمال ما وجهه مختلف، ويعتذر له تارة بأن لم يوجد له مثال في التنزيل، وندر استعماله، وتارة بأنه داخل باعتبار فيما وجهه حسي، وباعتبار فيما وجهه عقلي، ولما كان جعل الأقسام ستة مخالفا لما ذكره السكاكي استدل عليه بقوله: (لأن الطرفين إن كانا حسيين، فالجامع إما حسي نحو قوله تعالى: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ (١) الخوار بالضم من صوت البقر والغنم والظباء والنعام (فإن المستعار منه ولد البقرة، والمستعار له الحيوان الذي خلقه الله تعالى من حلي) الحلي كقفل، وبالفتح ما يزين به من مصنوع المعدنيات أو الحجارة، جمعه حلي كدلي أو هو جمع، والواحد حلية كظبية.
(القبط) بالكسر: أهل مصر، وإليهم تنسب الثياب القبطية بالضم على غير قياس.
стр. 872
(والجامع الشكل) لا وجه لترك الخوار.
(والجميع حسي) يدرك بالبصر، والخوار يدرك بالسمع، وفي كون الآية استعارة بحيث إذ جسدا له خوار صريح في أنه لم يكن عجلا؛ إذ لا يقال للبقر:
إنه جسد له صوت البقرة، وقد أبدل من العجل بدل الكل، وظاهر أنه ليس عين العجل، فلا محالة المراد بالعجل مثل العجل، فهو نظير حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (١) فإن بيان الخيط بالفجر أخرجه من أن يكون استعارة إلى التشبيه، فكذا إبدال جسد له خوار من عجلا أخرجه من أن يكون استعارة، فهو تشبيه بليغ مجمل، ذكر فيه وصف المشبه وحده، وبه ظهر ضعف ترك المصنف من التشبيه المجمل ما ذكر فيه وصف المشبه وحده، بناء على عدم الظفر به في كلامهم، كما ذكره الشارح.
ومثّل السكاكي هذا القسم بقوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً (٢) قائلا: فالمستعار منه هو النار، والمستعار له هو الشيب، والجامع بينهما هو:
الانبساط، ولكنه في النار أقوى، والطرفان حسيان، ووجه الشبه حسي.
هذا، واعتذر المصنف عن ترك التمثيل به بأن فيه تشبيهين:
الأول: تشبيه الشيب بشواظ النار في البياض والإنارة، وهذا استعارة بالكناية، وكلامنا في الاستعارة التحقيقية.
نعم، صح التمثيل من السكاكي؛ لأن كلامه في الاستعارة مطلقا.
والثاني: تشبيه انتشار الشيب في الشعر باشتعال النار في سرعة الانبساط، مع تعذر تلاقيه فهذه الاستعارة تصريحية، لكن الجامع فيها عقلي.
هذا، ويتجه عليه: أن السرعة كالانبساط حسية، وتعذر التلاقي عقلي، فالجامع مختلف، لكن المتجه لا يضره.
ويتجه أيضا: أنه لما كان الاشتعال الذي هو قرينة الاستعارة بالكناية مستعارا للانتشار المذكور، وهو أمر محقق، فقد وجد الاستعارة بالكناية بدون التخييلية، وسيصرح في فصل الاعتراضات على السكاكي أنه باطل بالاتفاق،
стр. 873
لكن التحقيق ما ذكره هنا فإنه يوجد المكني عنها بدون التخييلية، ويتجه على السكاكي أن المستعار منه هو الشيب دون النار؛ لأن الاستعارة بالكناية عنده هو المشبه المستعمل في المشبه به.
نعم، يصح على مذهب السلف من أن الاستعارة بالكناية هو المشبه به المستعار للمشبه على سبيل الرمز؛ وسيأتي تحقيقه.
[فالجامع إما حسي وإما عقلي واما مختلف]
(وإما عقلي) قسيم لقوله: (إما حسي) (نحو: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ (١) أي ننزع منه النهار (فإن المستعار منه كشط الجلد عن نحو الشاة، والمستعار له كشف الضوء عن مكان الليل) وموضع إلقاء ظله جعل المستعار له كشف الضوء، لا كشف النهار؛ لأن النهار زمان كون العالم مضيئا، والليل زمان كونه مظلما، ولا ينسلخ أحد الزمانين عن الآخر، بل الضوء عن وجه الظلمة، فنبه على أن تعلق السلخ بالنهار تجوز حقيقة سلخ الضوء، لكن الأولى أن يقول: عن ظلمة الليل مكان قوله مكان الليل؛ إذ ليس المستعار له الكشف عن مكان الليل، بل عن الظلمة، فلا يليق ذكره في مقام البيان، وإنما يمكن تصحيحه بجعله مجازا عن الظلمة.
ولقد نبه بالعدول عن عبارة المفتاح، والشيخ عبد القاهر حيث جعلا المستعار له والمستعار منه: الظهورين، على أنه لا يناسب استعمال السلخ المتعدي، فجعل المستعار منه: إظهار الشاة من الجلد، والمستعار له: إظهار الليل من النهار.
(وهما) أي: الكشط والكشف المذكوران (حسيان، والجامع ما يعقل) ولا يحس به (من ترتب أمر على آخر) (٢) أي: حصول أمر عقيب أمر دائما أو غالبا، كترتب ظهور اللحم على كشط الجلد وترتب ظهور الظلمة على كشف الضوء عنها.
وهذا يخالف ما ذكره الشيخ عبد القاهر والسكاكي: أن المستعار له: ظهور
стр. 874
النهار من ظلمة الليل، لكن زيف ما ذكر إبان سلخ النهار من الليل يستتبع ظهور الليل من ضوء النهار.
وزيفه المصنف أيضا بأن المتفرع على ظهور النهار من ظلمة الليل الإبصار لا الإظلام، فيقتضي ذلك أن لا يعقب بقوله: فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (١) بل بقولنا: فإذا هم مبصرون.
واستصعب الإشكال، حتى التجأ البعض إلى التعسف، فقال: عبارتهما محمولة على القلب، والمراد: أن المستعار له ظهور ظلمة الليل من النهار، والبعض إلى التكليف بجعل ظهور النهار من ظلمة الليل، يعني زوال النهار من ظلمة الليل، وتمسك في ورود الظهور بمعنى الزوال بقول الحماسي: [وذلك عار يا ابن ريطة ظاهر] حيث فسره الإمام المرزوقي بزائل، وبقول أبي ذؤيب:
وعيّرها الواشون أنّي أحبّها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها
وجعل «من» في قولهما: ظهور ظلمة الليل من النهار، بمعنى: عن.
وذكر الشارح العلامة: أن السلخ قد يكون بمعنى النزع، نحو: سلخت الإهاب عن الشاة، وقد يكون بمعنى الإخراج، نحو: سلخت الشاة عن الإهاب، والشاة مسلوخة، فذهب عبد القاهر والسكاكي إلى الثاني، وغيرهما إلى الأول؛ فاستعمال الفاء التي للتعقيب بلا مهلة في قوله: فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ ظاهر على قول غيرهما، وأما على قولهما فإنما صح من جهة أنها موضوعة لما يعد في العادة مترتبا غير متراخ، وهذا يختلف باختلاف الأمور والعادات، وربما يطول الزمان بين أمرين، ولا يعد الثاني متراخيا؛ لأن العادة كانت تقتضي أطول من هذا، فيستقصره المتكلم، ويلحقه بالعدم فيجعل الثاني غير متراخ، ويستعمل الفاء كما في هذه الآية على قولهما، فإنهما حملا: فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ على ظلمة بعد إخراج النهار من الليل، وزوال النهار وهو إن كان متراخيا عن الإخراج بساعات النهار، إلا أن العادة تقتضي أن لا تنقضي مثل هذه الإضاءة إلا في أضعاف هذه الساعات، ولا يأتي الظلام إلا بعد مهلة، فيجعل الليل لإتيانه على خلاف العادة كأنه فاجأ عقيب إخراج النهار من الليل بلا مهلة.
стр. 875
ثم لا يخفى أن «إذا» المفاجئة إنما تصح إذا جعل السلخ بمعنى الإخراج، كما يقال أخرج النهار من الليل، ففاجأه دخول الليل، فإنه يستقيم بخلاف ما إذا جعل بمعنى النزع، فإنه لا يستقيم أن يقال: نزع ضوء الشمس عن الهواء ففاجأه الظلام، كما لا يستقيم أن يقال: كسرت الكوز ففاجأه الانكسار؛ لأن دخولهم في الظلام عين حصول الظلام، فتكون نسبة دخولهم في الظلام إلى نزع ضوءه، كنسبة الانكسار إلى الكسر؛ فلهذا جعلا السلخ بمعنى الإخراج دون النزع. انتهى كلامه.
وأيد كلامهما بعد هذا التوجيه بوجوه:
أحدها: أن الشيء إنما يكون آية إذا اشتمل على نوع استغراب واستعجاب، بحيث يفتقر لنوع اقتدار، وذلك إنما هو مفاجأة الظلام عقيب ظهور النهار، لا عقيب زوال ضوء النهار لي.
وثانيها: أن ظهور النهار المضيء أنسب بظهور المسلوخ الأبيض من الجلد الساتر الذي ربما كان أسودا مظلما من ظهور الليل.
وثالثها: أن التحقيق وإن كان يقتضي طرئان الضوء على الظلام بمنزلة الساتر، لكن المتعارف المتبادر إلى فهم العامة عكس ذلك، حتى كأنهم يعتقدون ويعدون من جملة الضروريات أن الظلام هو الذي يطرأ على الضوء، فيستره بمنزلة لباس له، وينكشف عنه فيظهر وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١).
وأقول بعد ما سمعت الاستقصاء في ترجيح قولهما وتزييف قول غيرهما، حتى كاد ينقلب القول بالقلب: إن فهم الإظلام بعد انقضاء النهار من قوله: فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ بعيد عن النظم، ويتبادر منه أنه ترتب على سلخ النهار من الليل، لا على زوال النهار على أنه لا يخفى التكلف فيما ذكره من تصحيح عدم التراخي، وما رد به قول الغير أنه حينئذ لا يحسن حديث مفاجئة الإظلام؛ لأنه إنما يستعمل فيما يتوقع فيه تراخ، ولا يتوقع حدوثه، وليس حدوث الإظلام بعد إزالة النهار خلاف المتوقع، حتى يصح ذكر المفاجئة، ويمكن دفعه بأن مفاجئة الإظلام إنما تترتب على سلخ النهار من الليل، وهم يعدونه مفاجئا لعدم علمهم
стр. 876
بالسلخ، وعدم توقعهم زوال النهار في هذا المقدار من الزمان.
ويمكن تقوية كلام الغير أيضا بأن الليل والنهار طارئ، كما هو التحقيق.
وحمل القرآن على ما هو الواقع هو المناسب، لا على ما هو متعارف العامة، لأنه الهدى فلا يليق به أن يفيد ما هو خلاف التحقيق.
نعم، لو حمل كلامهما على أن معنى الآية تخرج النهار من الليل تعقيب إخراجه بالتمام من الليل يظلمون بلا مهلة، لكان فيه نجاة عن تكلفه في نفي التراخي.
(وإما مختلف) بعضه حسي وبعضه عقلي (كقولك: رأيت شمسا، وأنت تريد إنسانا كالشمس في حسن الطلعة، وهو حسي ونباهة الشأن) وهي عقلية، والأولى بعلاقة أنه كالشمس، لأنك لو تريد بقولك: شمسا بمفهوم إنسان كالشمس في حسن الطلعة، ونباهة الشأن لم يكن استعارة، بل تشبيها، ولو تريد إنسانا هو في الواقع كالشمس فيهما، لكن لا بعلاقة هذه المشابهة لم يكن مثالا لما نحن فيه.
وقد نبه بجعل مثال هذا القسم مصنوعا على أنه لم يوجد في القرآن، ولا في كلام من يوثق به؛ فلذا تركه المفتاح.
(وإلا) عطف على قوله (إن كانا حسيين) أي: إن لم يكن الطرفان حسيين (فهما إما عقليان، نحو: مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا (١)) المعنى إما:
من أيقظنا من رقادنا، فالاستعارة في المرقد بمعنى الرقاد، والمستعار له والمستعار منه عقليان بلا خفاء، وإما من أيقظنا من مكان رقادنا، فالمستعار له القبر، والمستعار منه المقام، ولا خفاء في أنهما حسيان، فجعله من قسم ما طرفاه عقليان دليل على أن مدار التقسيم في الاستعارة التبعية على الاستعارة الأصلية، فالاستعارة التبعية مبنية عليها.
وقوله: (فإن المستعار منه الرقاد (٢)، والمستعار له الموت، والجامع
стр. 877
عدم ظهور الفعل (١)، والجميع عقلي) يحتمل التنبيه على المدار كما يحتمل التنبيه على المراد بالمرقد، والأول أنفع فهو الأحمد، والظاهر أن الجامع سهولة تأتّي البعث كما قيل؛ لأن التعجب من البعث والاعتراف به مما يدعو إليه، أو سرعة البعث حتى إن أزمنة الموت لم يكن إلا زمان يوم كما تقول، ثم نقول والله تعالى أعلم: يحتمل أن يكون المستعار له الحياة الدنيا والمستعار منه النوم، والجامع كون ما يرى فيهما مما لا حقيقة ولا ثبات له، كما قال علي رضي الله تعالى عنه:
«الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا».
واعترض على جعل الجامع عدم ظهور الفعل بأنه بالموت أخص، فلا تصلح علاقة الاستعارة الرقاد للموت، ويمكن دفعه بأن المراد عدم ظهور الفعل مع إمكانه كما يشعر نفي الظهور وهو أخص بالنوم؛ لأنه في الموت لتنزيله منزلة النوم خيالي لا حقيقي.
وسمعت بعض من استفدت منه هذا الكتاب- خصه الله تعالى بجزيل الثواب- أن هذا لو كان كلام المؤمنين كما يشعر به قوله تعالى: هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٢) لكان وجه الشبه الراحة.
وقد ورد في الخبر «أنه يقال للمؤمن في القبر: نم كنومة العروس» (٣) هذا على مذهب أهل السنة والجماعة.
وأما عند المعتزلة المنكرين لعذاب القبر فراحة القبر مشتركة بين المؤمن والكافر.
وقيل: الجامع: البعث الذي هو في النوم أقوى وأشهر؛ لكونه مما لا شبهة فيه، ويمنع كونه أقوى، بل يكاد يكون الأمر بالعكس؛ لأن المانع في الموت أقوى فبعث الفاعل فيه أقوى، ويناقش أيضا بأن ذكر وجه الشبه يستدعي كون الكلام تشبيها كما في قوله [ولاحت من بروج البدر بعدا] فتأمل.
ثم القرينة في هذه الاستعارة كونه كلام الموتى، وقيل: ذكر البعث، ورد بأنه
стр. 878
لا اختصاص للبعث بالموت، فإنه يقال: بعثه من نومه أي: أيقظه، وبعث الموتى أي: أنشرهم، بل هو في النوم أقوى على ما قيل.
(وإما مختلفان) عطف على قوله: (إما عقليان)، أي: أحد الطرفين حسي والآخر عقلي.
(والحسي: هو المستعار منه نحو: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ (١) ولقد أكد التنبيه على أن حسية ما يتعلق بالاستعارة التبعية، وللعقلية باعتبار أصلها لا باعتبار نفسها بقوله: (فإن المستعار منه كسر الزجاجة) هذا إذا كان الصدع كسر الزجاجة، لكن في القاموس: أن الصدع هو الشق في الشيء الصلب، فالمستعار منه: الشق في شيء صلب لا يلتئم (والمستعار له: التبليغ) هذا إذا فسر: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ بأظهر ما تؤمر، أي: أظهر الأمر إظهارا لا ينمحي كما لا يلتئم شق الزجاجة.
أما إذا فسر بالجهر بالقرآن فالمستعار له أيضا حسي، وله تفسيرات أخر أيضا جمعها في القاموس.
(والجامع: التأثير، وهما عقليان، وإما عكس ذلك) عطف على قوله:
(وإما مختلفان)، لا على قوله: والحسي هو المستعار منه، فالمعنى: وإما مختلفان، والحسي هو المستعار له لا وإما الحسي هو المستعار له: لأن إما في المعطوف عليه لازم في العطف بإما؛ ولذا عطف بإما ليكون صريحا في أنه يعادل قوله: (وإما مختلفان)، وإنما اختاره؛ لأنه أظهر في تحصيل الأقسام الستة فتدبّر.
(نحو: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (٢) في القاموس: طغا يطغو طغوى وطغوانا بضمها كطغى يطغى كرضى يرضى طغيا وطغيانا بالضم والكسر:
جاوز القدر، وارتفع وعلا في الكفر وأشرف في المعاصي والظلم.
(فإن المستعار له كثرة الماء، وهو حسيّ، والمستعار منه التكبر، والجامع الاستعلاء المفرط) المشترك بين الاستعلاء الحسي والمعنوي، وقيل: الجامع
стр. 879
الاستعلاء الحسي، وهو في المتكبر خيالي، وفيه: أن وجه الشبه يجب أن يكون في المستعار منه أقوى.
[وباعتبار اللفظ قسمان]
(وهما عقليان، والاستعارة باعتبار اللفظ) أي: باعتبار لفظها (قسمان) وهذا التقسيم باعتبار لفظ الاستعارة بخلاف التقسيمات السابقة، فإنها باعتبار معنى الاستعارة، فإن التقسيم باعتبار الطرفين مثلا راجع إلى معنى الاستعارة، فإنه تارة باعتبار أن معنى الاستعارة لا تجامع المستعار منه، وقس عليه، وإنما جعل هذا التقسيم باعتبار اللفظ مع أنه يمكن باعتبار المعنى بأن يقال المستعار منه إن لم يشتمل على النسبة إلى الفاعل، ولم يكن مما اعتبر معه وصف، ولم يكن معنى حرفيا فأصلية، وإلا فتبعية طلبا للاختصار، ولأن بحثهم عن اللفظ فاعتبار نفس اللفظ في التقسيم أنسب بحالهم، فلا يتجاوز عنه ما أمكن؛ (لأنه) أي:
اللفظ (إن كان اسم جنس) اسم الجنس في عرف النحاة لا يشمل أسامة، ويشمل الأسماء المشتقة فلا يصح أن يقصد هنا ما هو عرفهم؛ لظهور أن أسامة يرمي استعارة أصلية، والحال ناطقة استعارة تبعية، فلذا قال السيد السند والشارح المحقق في شرح «المفتاح»: «يريد صاحب المفتاح باسم الجنس اسما لمفهوم غير مشخص، ولا مشتملا على تعلق معنى بذات، فيدخل فيه نحو: رجل وأسد وقيام وقعود، ويخرج عنه الأسماء المشتقة من الصفات وأسماء الزمان والمكان والآلة».
قال الشارح وتبعه السيد: المراد باسم الجنس أعم من الحقيقي والحكمي أي:
المتأول باسم الجنس ليتناول نحو: حاتم، فإن الاستعارة فيه أصلية وفيه نظر؛ لأن الحاتم مأول بالمتناهي في الجود فيكون متأولا بصفة، وقد استعير من مفهوم المتناهي في الجود لمن له كمال جود، فهو كاستعارة شيء من مفهوم مشتق لمفهوم مشتق، فلا يصلح شيء من المشبه والمشبه به؛ لأن يعتبر التشبيه بينهما بالأصالة فيبغي أن يعتبر التشبيه بين المعنيين المصدريين، ويجعل الحاتم في حكم المشتق فيكون ملحقا بالاستعارة التبعية دون الأصلية.
(فأصلية) أي: فاستعارة أصلية؛ لأنها ليست تابعة لأمر آخر أو لأنها أصل للاستعارة التبعية (كأسد، وقتل) مثالان لاسم الجنس أو للاستعارة على تقدير
стр. 880
استعمالهما في الرجل الشجاع والضرب الشديد.
(وإلا) أي: وإن لم يكن اللفظ اسم جنس (فتبعية) أي: فالاستعارة تبعية، والتمثيل بقوله: (كالفعل وما يشتق منه) كما سبق، وقوله: ما يشتق منه عدول عن قول المفتاح: والصفات؛ لعدم تناول الصفات لاسم الزمان والمكان والآلة بالاتفاق، وتعريف الصفة: بما دل على ذات مبهمة في غاية الإبهام باعتبار معنى هو المقصود لا يتناولها لأنها امتازت عن اسم الزمان والمكان والآلة بإبهام الذات، فإن الذات المعتبرة في تلك الثلاثة لها تعين المكانية والزمانية والآلية.
كذا قالوا: ولا يبعد أن يقال: المعنى ما قام بالغير، والمتبادر منه أن يقوم بالذات المذكورة فامتازت الصفة بهذا الوجه أيضا من هؤلاء الأسماء، وفيه نظر؛ إذ يجوز أن يكون ما وضع له اسم المكان ذاتا يفعل فيها، وكذا اسم الزمان ويكون ما وضع له اسم الآلة ذاتا يفعل بها، وكأنهم لهذا صرحوا بأن تعريف الصفة هذا غير صحيح؛ لانتفاضه بهؤلاء الأسماء على ما نقله الشارح، وبهذا ظهر أن تشنيع السيد السند على دعوى الانتقاض ليس في موقعه.
وأما إنكاره عليه تصريحهم بالانتقاض، ودعوى أن الانتقاض زعم منه، والنسبة إليهم فرية بلا مرية فاجتراء ودعوى إحاطة بالنفي.
وهذا كلام وقع في البين فلنرجع إلى ما كنا فيه فنقول: الاستعارة الأصلية كالتبعية بحسب التقسيم العقلي قسمان، فالأصلية استعارة اسم جنس لغير مشتق، أو حرف، واستعارته لأحد الأمرين.
والتبعية استعارة مشتق، أو حرف لمشتق، أو حرف، واستعارة أحدهما تغيرهما، والواقع من كل من التقسيمين قسمة الأول؛ وذلك لأن اعتبار الاستعارة في المصدر أو المتعلق يقتضي أن يكون لكل من المستعار منه وله مصدر أو متعلق.
(والحرف) (١) فالقوم زعموا أن استعارة المشتقات باعتبار استعارة المصدر لمعنى مصدري، والاشتقاق من المستعار فيلزم الاستعارة في المشتق بحكم سراية