← Баляга

Баляга · id 13680

الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم

العصام الأسفراييني

Полный текст (1 136 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

بالسلخ، وعدم توقعهم زوال النهار في هذا المقدار من الزمان. ويمكن تقوية كلام الغير أيضا بأن الليل والنهار طارئ، كما هو التحقيق. وحمل القرآن على ما هو الواقع هو المناسب، لا على ما هو متعارف العامة، لأنه الهدى فلا يليق به أن يفيد ما هو خلاف التحقيق. نعم، لو حمل كلامهما على أن معنى الآية تخرج النهار من الليل تعقيب إخراجه بالتمام من الليل يظلمون بلا مهلة، لكان فيه نجاة عن تكلفه في نفي التراخي. (وإما مختلف) بعضه حسي وبعضه عقلي (كقولك: رأيت شمسا، وأنت تريد إنسانا كالشمس في حسن الطلعة، وهو حسي ونباهة الشأن) وهي عقلية، والأولى بعلاقة أنه كالشمس، لأنك لو تريد بقولك: شمسا بمفهوم إنسان كالشمس في حسن الطلعة، ونباهة الشأن لم يكن استعارة، بل تشبيها، ولو تريد إنسانا هو في الواقع كالشمس فيهما، لكن لا بعلاقة هذه المشابهة لم يكن مثالا لما نحن فيه. وقد نبه بجعل مثال هذا القسم مصنوعا على أنه لم يوجد في القرآن، ولا في كلام من يوثق به؛ فلذا تركه المفتاح. (وإلا) عطف على قوله (إن كانا حسيين) أي: إن لم يكن الطرفان حسيين (فهما إما عقليان، نحو: مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا (١)) المعنى إما: من أيقظنا من رقادنا، فالاستعارة في المرقد بمعنى الرقاد، والمستعار له والمستعار منه عقليان بلا خفاء، وإما من أيقظنا من مكان رقادنا، فالمستعار له القبر، والمستعار منه المقام، ولا خفاء في أنهما حسيان، فجعله من قسم ما طرفاه عقليان دليل على أن مدار التقسيم في الاستعارة التبعية على الاستعارة الأصلية، فالاستعارة التبعية مبنية عليها. وقوله: (فإن المستعار منه الرقاد (٢)، والمستعار له الموت، والجامع

стр. 877

عدم ظهور الفعل (١)، والجميع عقلي) يحتمل التنبيه على المدار كما يحتمل التنبيه على المراد بالمرقد، والأول أنفع فهو الأحمد، والظاهر أن الجامع سهولة تأتّي البعث كما قيل؛ لأن التعجب من البعث والاعتراف به مما يدعو إليه، أو سرعة البعث حتى إن أزمنة الموت لم يكن إلا زمان يوم كما تقول، ثم نقول والله تعالى أعلم: يحتمل أن يكون المستعار له الحياة الدنيا والمستعار منه النوم، والجامع كون ما يرى فيهما مما لا حقيقة ولا ثبات له، كما قال علي رضي الله تعالى عنه: «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا». واعترض على جعل الجامع عدم ظهور الفعل بأنه بالموت أخص، فلا تصلح علاقة الاستعارة الرقاد للموت، ويمكن دفعه بأن المراد عدم ظهور الفعل مع إمكانه كما يشعر نفي الظهور وهو أخص بالنوم؛ لأنه في الموت لتنزيله منزلة النوم خيالي لا حقيقي. وسمعت بعض من استفدت منه هذا الكتاب- خصه الله تعالى بجزيل الثواب- أن هذا لو كان كلام المؤمنين كما يشعر به قوله تعالى: هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٢) لكان وجه الشبه الراحة. وقد ورد في الخبر «أنه يقال للمؤمن في القبر: نم كنومة العروس» (٣) هذا على مذهب أهل السنة والجماعة. وأما عند المعتزلة المنكرين لعذاب القبر فراحة القبر مشتركة بين المؤمن والكافر. وقيل: الجامع: البعث الذي هو في النوم أقوى وأشهر؛ لكونه مما لا شبهة فيه، ويمنع كونه أقوى، بل يكاد يكون الأمر بالعكس؛ لأن المانع في الموت أقوى فبعث الفاعل فيه أقوى، ويناقش أيضا بأن ذكر وجه الشبه يستدعي كون الكلام تشبيها كما في قوله [ولاحت من بروج البدر بعدا] فتأمل. ثم القرينة في هذه الاستعارة كونه كلام الموتى، وقيل: ذكر البعث، ورد بأنه

стр. 878

لا اختصاص للبعث بالموت، فإنه يقال: بعثه من نومه أي: أيقظه، وبعث الموتى أي: أنشرهم، بل هو في النوم أقوى على ما قيل. (وإما مختلفان) عطف على قوله: (إما عقليان)، أي: أحد الطرفين حسي والآخر عقلي. (والحسي: هو المستعار منه نحو: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ (١) ولقد أكد التنبيه على أن حسية ما يتعلق بالاستعارة التبعية، وللعقلية باعتبار أصلها لا باعتبار نفسها بقوله: (فإن المستعار منه كسر الزجاجة) هذا إذا كان الصدع كسر الزجاجة، لكن في القاموس: أن الصدع هو الشق في الشيء الصلب، فالمستعار منه: الشق في شيء صلب لا يلتئم (والمستعار له: التبليغ) هذا إذا فسر: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ بأظهر ما تؤمر، أي: أظهر الأمر إظهارا لا ينمحي كما لا يلتئم شق الزجاجة. أما إذا فسر بالجهر بالقرآن فالمستعار له أيضا حسي، وله تفسيرات أخر أيضا جمعها في القاموس. (والجامع: التأثير، وهما عقليان، وإما عكس ذلك) عطف على قوله: (وإما مختلفان)، لا على قوله: والحسي هو المستعار منه، فالمعنى: وإما مختلفان، والحسي هو المستعار له لا وإما الحسي هو المستعار له: لأن إما في المعطوف عليه لازم في العطف بإما؛ ولذا عطف بإما ليكون صريحا في أنه يعادل قوله: (وإما مختلفان)، وإنما اختاره؛ لأنه أظهر في تحصيل الأقسام الستة فتدبّر. (نحو: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (٢) في القاموس: طغا يطغو طغوى وطغوانا بضمها كطغى يطغى كرضى يرضى طغيا وطغيانا بالضم والكسر: جاوز القدر، وارتفع وعلا في الكفر وأشرف في المعاصي والظلم. (فإن المستعار له كثرة الماء، وهو حسيّ، والمستعار منه التكبر، والجامع الاستعلاء المفرط) المشترك بين الاستعلاء الحسي والمعنوي، وقيل: الجامع

стр. 879

الاستعلاء الحسي، وهو في المتكبر خيالي، وفيه: أن وجه الشبه يجب أن يكون في المستعار منه أقوى. [وباعتبار اللفظ قسمان] (وهما عقليان، والاستعارة باعتبار اللفظ) أي: باعتبار لفظها (قسمان) وهذا التقسيم باعتبار لفظ الاستعارة بخلاف التقسيمات السابقة، فإنها باعتبار معنى الاستعارة، فإن التقسيم باعتبار الطرفين مثلا راجع إلى معنى الاستعارة، فإنه تارة باعتبار أن معنى الاستعارة لا تجامع المستعار منه، وقس عليه، وإنما جعل هذا التقسيم باعتبار اللفظ مع أنه يمكن باعتبار المعنى بأن يقال المستعار منه إن لم يشتمل على النسبة إلى الفاعل، ولم يكن مما اعتبر معه وصف، ولم يكن معنى حرفيا فأصلية، وإلا فتبعية طلبا للاختصار، ولأن بحثهم عن اللفظ فاعتبار نفس اللفظ في التقسيم أنسب بحالهم، فلا يتجاوز عنه ما أمكن؛ (لأنه) أي: اللفظ (إن كان اسم جنس) اسم الجنس في عرف النحاة لا يشمل أسامة، ويشمل الأسماء المشتقة فلا يصح أن يقصد هنا ما هو عرفهم؛ لظهور أن أسامة يرمي استعارة أصلية، والحال ناطقة استعارة تبعية، فلذا قال السيد السند والشارح المحقق في شرح «المفتاح»: «يريد صاحب المفتاح باسم الجنس اسما لمفهوم غير مشخص، ولا مشتملا على تعلق معنى بذات، فيدخل فيه نحو: رجل وأسد وقيام وقعود، ويخرج عنه الأسماء المشتقة من الصفات وأسماء الزمان والمكان والآلة». قال الشارح وتبعه السيد: المراد باسم الجنس أعم من الحقيقي والحكمي أي: المتأول باسم الجنس ليتناول نحو: حاتم، فإن الاستعارة فيه أصلية وفيه نظر؛ لأن الحاتم مأول بالمتناهي في الجود فيكون متأولا بصفة، وقد استعير من مفهوم المتناهي في الجود لمن له كمال جود، فهو كاستعارة شيء من مفهوم مشتق لمفهوم مشتق، فلا يصلح شيء من المشبه والمشبه به؛ لأن يعتبر التشبيه بينهما بالأصالة فيبغي أن يعتبر التشبيه بين المعنيين المصدريين، ويجعل الحاتم في حكم المشتق فيكون ملحقا بالاستعارة التبعية دون الأصلية. (فأصلية) أي: فاستعارة أصلية؛ لأنها ليست تابعة لأمر آخر أو لأنها أصل للاستعارة التبعية (كأسد، وقتل) مثالان لاسم الجنس أو للاستعارة على تقدير

стр. 880

استعمالهما في الرجل الشجاع والضرب الشديد. (وإلا) أي: وإن لم يكن اللفظ اسم جنس (فتبعية) أي: فالاستعارة تبعية، والتمثيل بقوله: (كالفعل وما يشتق منه) كما سبق، وقوله: ما يشتق منه عدول عن قول المفتاح: والصفات؛ لعدم تناول الصفات لاسم الزمان والمكان والآلة بالاتفاق، وتعريف الصفة: بما دل على ذات مبهمة في غاية الإبهام باعتبار معنى هو المقصود لا يتناولها لأنها امتازت عن اسم الزمان والمكان والآلة بإبهام الذات، فإن الذات المعتبرة في تلك الثلاثة لها تعين المكانية والزمانية والآلية. كذا قالوا: ولا يبعد أن يقال: المعنى ما قام بالغير، والمتبادر منه أن يقوم بالذات المذكورة فامتازت الصفة بهذا الوجه أيضا من هؤلاء الأسماء، وفيه نظر؛ إذ يجوز أن يكون ما وضع له اسم المكان ذاتا يفعل فيها، وكذا اسم الزمان ويكون ما وضع له اسم الآلة ذاتا يفعل بها، وكأنهم لهذا صرحوا بأن تعريف الصفة هذا غير صحيح؛ لانتفاضه بهؤلاء الأسماء على ما نقله الشارح، وبهذا ظهر أن تشنيع السيد السند على دعوى الانتقاض ليس في موقعه. وأما إنكاره عليه تصريحهم بالانتقاض، ودعوى أن الانتقاض زعم منه، والنسبة إليهم فرية بلا مرية فاجتراء ودعوى إحاطة بالنفي. وهذا كلام وقع في البين فلنرجع إلى ما كنا فيه فنقول: الاستعارة الأصلية كالتبعية بحسب التقسيم العقلي قسمان، فالأصلية استعارة اسم جنس لغير مشتق، أو حرف، واستعارته لأحد الأمرين. والتبعية استعارة مشتق، أو حرف لمشتق، أو حرف، واستعارة أحدهما تغيرهما، والواقع من كل من التقسيمين قسمة الأول؛ وذلك لأن اعتبار الاستعارة في المصدر أو المتعلق يقتضي أن يكون لكل من المستعار منه وله مصدر أو متعلق. (والحرف) (١) فالقوم زعموا أن استعارة المشتقات باعتبار استعارة المصدر لمعنى مصدري، والاشتقاق من المستعار فيلزم الاستعارة في المشتق بحكم سراية

стр. 881

استعارة المأخذ من غير تشبيه لمعنى المشتق لشيء، ومن غير استعارة المشتق. واستعارة الحرف لما يستعار باعتبار استعارة لفظ جعل الواضع معناه آلة لوضع الحرف لمعانيه الغير المتناهية كالعلية، فإنه وضع اللام لكل علّية مخصوصة ملحوظة بين علة ومعلول بملاحظتها بمفهوم العلية، فإنه وضع اللام فيستعار لفظ العلية لمفهوم ترتب شيء على شيء لتشبيه الترتب بالعلية فتسري تلك الاستعارة في استعارة اللام من العلية المخصوصة الملحوظة بين علة ومعلول؛ لترتب مخصوص كذلك. وهذا هو المراد بمتعلق معنى الحرف؛ حيث قالوا: اعتبر الاستعارة أولا في متعلق الحرف، وهذا مشكل جدا؛ إذ لا يخفى على مستعير لمشتق أو حرف أنه لا يتكلم أولا بالمصدر أو متعلق الحرف، ولا يستعير شيئا منهما، وهذا هو الذي يليق بالسكاكي أن يجعله وجها لرد التبعية إلى المكنية. والذي دعاهم إلى هذه الدعوى على ما نقله الشارح عنهم أن الاستعارة تعتمد التشبيه، والتشبيه يقتضي كون المشبه موصوفا بوجه الشبه أو بكونه مشاركا للمشبه به في وجه الشبه، وإنما يصلح للموصوفية الحقائق أي: الأمور المتحققة المتقررة الثابتة، كقولك: جسم أبيض، وبياض صاف، دون معاني الأفعال والصفات المشتقة؛ لكونها متجددة غير متقررة بواسطة دخول الزمان في مفهومها أو عروضه لها، ودون الحرف، وهو ظاهر، وأما لموصوف في نحو شجاع باسل، وجواد فياض، وعالم نحرير فمحذوف أي رجل شجاع. واعترض عليه بوجوه بعضها مصرح به في الشرح، وبعضها مرموز، أوضحه فيما نقله عنه في الحواشي وهي أن الزمان نفسه يقع موصوفا، فيقال: زمان طويل، وكذا غيره من الأمور الغير المتقررة كالحركة، وأن المدعي أن الحروف والأفعال لا تقع مشبها بها، ومقتضى الدليل هو أنه: يمتنع وقوعها مشبهة، فلا ينطبق الدليل على المدعى، وأن الدليل لا يتناول أسماء الزمان والمكان والآلة، لأنها تقع موصوفات، فيقال: مقام واسع، ومجلس فسيح، ومنبت طيب، والاستعارة فيها تبعية، وإن خصصوا المشتقات بالأفعال والصفات إذ لا شك في أنا إذا قلنا: بلغنا مقتل فلان، أي الموضع الذي ضرب فيه ضربا شديدا، كان المعنى على

стр. 882

تشبيه ضربه بالقتل. هذا وفي عدم تناول دليلهم اسم الزمان نظر، لظهور دخول الزمان في مفهومه، وقد اندفع الاعتراض الثاني بما حققناه لك من أن المستعار له في الاستعارة التبعية يجب أن يكون من جنس المستعار منه فيكفي في إيجاب الاستعارة التبعية في الأفعال والحروف دعوى أنها تقع مشبهة كما هو مقتضى الدليل حتى ينطبق الدليل على المدعي. ولا يذهب عليك أنه كما لا يصلح المعنى الغير المستقل يجعله محكوما عليه لا يصلح لكونه مفعولا ولا مجرورا، وأنه إذا حكم على المشبه بكونه مشاركا للمشبه به لا بد أن يجعل مدخول الكاف، أو مفعول المشاركة، فلا تصلح الحروف لكونها مشبهة بها وأن لا يصلح الفعل أيضا لكونه مفعولا به أو مجرورا بحرف الجر فيتم بهذا الوجه أيضا امتناع استعارتها أصالة. ودفعه السيد السند بأن التشبيه يستلزم أولا كون المشبه موصوفا بوجه الشبه والمشاركة للمشبه به فيه، ويلزم منه تبعا وصف المشبه به بالمشاركة للمشبه. وزاد في وجوه النظر أنه يصح جعل الصفات محكوما عليها، لأن المعتبر فيها حدث ونسبة وذات ما من حيث نسب إليه ذلك الحدث نسبة تقييدية غير مقصودة بالأصالة من العبارة، وامتزجت تلك الأمور بحيث صارت كشيء واحد، فجاز أن يلاحظ تارة جانب الذات أصالة فيجعل محكوما عليها، وتارة جانب الوصف فيجعل محكوما بها. هذا ولا يخفى أن جعل الصفة محكوما عليها بملاحظة ما سبق عليه مفهومها وجعلها محكوما بها باعتبار نفس مفهومها كما في سائر المفهومات الكلية ودوران الحكم عليه وبه على الذات المعتبر فيه، والحدث المعتبر فيه كما ذكره غير ظاهر. ولك أن تمنع منافاة عدم التقرر للوصف الضمني ويرد سوى ما ذكره الشارح أمور: أحدها: أنه وصف في هذا الدليل معاني الأفعال والصفات بكونها متجددة غير متقررة إلى غير ذلك فلا يكون عدم الثبوت مانعا عن الوصف. وثانيها: أنه لا معنى لكون البياض متقررا حين التعبير عنه بلفظ البياض عنه غير متقرر حين التعبير عنه بالأبيض.

стр. 883

وثالثها: أن معاني المصادر أيضا معروضة للزمان، وأيضا لم يظهر وجه عدم تحقق معاني الحروف التي لم يدخل فيها زمان ولم يعرض لها أيضا. ثم قال الشارح: فالأولى أن يقال: إن المقصود الأهم في الصفات وأسماء الزمان والمكان والآلة، هو المعنى القائم بالذات، لا نفس الذات، وهو ظاهر، فإذا كان المستعار صفة أو اسم مكان مثلا ينبغي أن يعتبر التشبيه فيما هو المقصود الأهم، وكأنه أراد أولى ما يمكن أن يقال مبالغة في قوة هذا الوجه ولم يرد الإشارة إلى إمكان تصحيح ما ذكره القوم، لأنه ظاهر الفساد. ونحن نقول: الأولى أن يقال ما سوى المعنى المصدري مشترك بين المعنى الحقيقي والمجازي في المشتقات، فلا استعارة عند التحقيق، إلا من معنى مصدري إلى معنى مصدري، فالأحق بالاعتبار أن يعتبر هذه الاستعارة في المصدر إخراجا لما لا دخل له في الاستعارة عن الاستعارة. أو يقال: اعتبر الاستعارة في المصادر ليكون تحصيل مجازات المشتقات بالاشتقاق كتحصيل حقائقها، ويكون التناسب بين المجازات والحقائق مرعيّا. وأنكر السيد السند مما نقل عن القوم تفسير الحقائق بالأمور المتقررة الثابتة المقابلة للمتجددة، وجعله من مظنونات الشارح، ومن تبعهم من شارحي المفتاح. وقال: المراد بالحقائق كالذوات في بعض استعمالاتهم المفهومات المستقلة الغير الملحوظة للغير، تبعا كمعاني الحروف، والنّسب المعتبرة في مفهومات الأفعال، فإن معاني الحروف آلة لتعرف حال متعلقاتها غير ملحوظة قصدا، ونسب الأفعال آلة لملاحظة طرفيها من الحدث المعتبر في مفهوماتها، والفاعل الخارج عنه غير مستقل بالملاحظة، فلا يصح شيء من المعاني الحرفية؛ لأن يعتبر مشبها به محكوما عليه بالمشاركة للمشبه، وكذا المعاني الفعلية؛ لأن مجموع معنى الفعل من الحدث والنسبة والزمان غير مستقل بالملاحظة؛ لدخول النسبة فيها، والحدث، وإن استقل، لكن اعتبر أبدا كونه مسندا فلا يصلح؛ لأن يجعل مسندا إليه؛ لأن الشيء لا يكون مسندا ومسندا إليه معا في النسبة التامة، وأن يكون مسندا إليه لنسبة تامة مع كونه مسندا لنسبة غير تامة نحو: أعجبني ضرب زيد عمرا.

стр. 884

وأما الصفات وأسماء الزمان والمكان والآلة فلا يتم فيها ما ذكره القوم، والوجه ما ذكره الشارح. هذا تنقيح كلامه بعد حذف ما طوّله من تحقيق معاني الحروف والأفعال اعتمادا على اشتهاره في تصانيفه، وبلوغ تحقيقه الغاية في شرح «الرسالة العضدية» لنا. ولك أن تقول: لما لم تصلح الاستعارة عن المعنى المطابق للفعل أعرضوا عن استعارته؛ إذ استعارته من المعنى التضمني كاستعارة الشي ممن لا يملكه، واعتبروا الاستعارة في المصدر ولم يرضوا بالفصل بين سائر المشتقات والفعل في الاستعارة بعد كون الجميع من فروع المصدر. وبالجملة يتجه أنّ جعل معاني الحروف والأفعال محكوما عليها بالمشاركة ملحوظة لا بألفاظها الفعلية والحرفية والاستعارة بهذا الاعتبار أهون من الحكم بالاستعارة في المصادر ومتعلقات الحروف؛ إذ لا يساعدها الواقع، وإذا لم يجر التشبيه والاستعارة بالأصالة في الفعل، وما يشتق منه، وفي الحرف (فالتشبيه في الأولين لمعنى المصدر) (١) فيه أن التشبيه في الأولين بمعنى المصدر، لآلة لأن الفعل مستعار فيجب أن يعتبر في استعارته التشبيه بمعنى المصدر، وكذا الحال في قوله (وفي الثالث لمتعلق معناه) ودفعه ظاهر مما حققناه لك من المستعار له في الاستعارة التبعية كالمستعار منه. ولا يمكن دفعه بأن التشبيه بمعنى المصدر صريحا يستلزم التشبيه له ضمنا، فإن المشبه به صريحا مشبه ضمنا؛ لأن التشبيه لا يمكن إلا من جانب واحد، وإن كان ما يلزمه من المشاركة من الجانبين. فإن قلت: هل تجري الاستعارة في الأفعال باعتبار التشبيه في متعلق النسب المعتبرة فيها والاستعارة فيها فتسري في الأفعال؟ قلت: لا، لكن لما قاله السيد السند: من أن مطلق النسبة التي هي متعلق نسب الأفعال لم يشتهر بمعنى يصلح أن يجعل وجه شبه، بخلاف متعلقات الحروف من الابتداء والانتهاء والظرفية إلى غير ذلك، فإنها أنواع مخصوصة لها أحوال مشهورة؛ لأن متعلق النسب الجزئية المعتبرة في الأفعال، وهو النسبة إلى

стр. 885

الفاعل لها أحوال مخصوصة، يمكن أن يشبه لها نسبة الفعل إلى الآلة وتنزل منزلتها فيستعار لها لفظها، بل لأن النسبة جزء معنى الفعل فلا يستعار عنها، بخلاف المصدر فإنه لا يستعار من معناه الفعل، بل يستعار من معناه نفس المصدر ويشتق منه الفعل، ولا يمكن مثله في النسبة، ومما يعد في الأفعال الاستعارة للتعبير عن الماضي بالمضارع، وبالعكس بأن يشبه غير الحاصل بالحاصل في تحقق الوقوع، وتشبه الماضي بالحاضر في كونه نصب العين واجب المشاهدة، ثم يستعار لفظ أحدهما للآخر. قال السيد السند: فعلى هذا الاستعارة في الفعل على قسمين: - أحدهما: أن يشبه الضرب الشديد مثلا بالقتل، ويستعار له اسمه، ثم يشتق منه قتل بمعنى ضرب ضربا شديدا. والثاني: أن يشبه الضرب في المستقبل بالضرب في الماضي في تحقق الوقوع، فتستعمل فيه «ضرب»، فيكون المعنى المصدري موجودا في كل واحد من المشبه والمشبه به، لكنه قيد في كل منهما بقيد مغاير لقيد الآخر، فصح في المستقبل، فكيف تتحقق استعارته من أحدهما للآخر حتى يلزم الاستعارة التشبيه لذلك. وفيه: أن الضرب حقيقة من كل من الضرب في الماضي، والضرب تبعية في الفعل. (وفي الثالث لمتعلق معناه) عطف على قوله: (في الأولين) بمعنى المصدر عطف معمولين لعامل على معمولين له بحرف عطف واحد، ولا مشاحّة فيه، إنما المشاحّة في العطف على معمولي عاملين، والمراد بالثالث: الحرف؛ لأنه ثالث ما لا يجري فيه الاستعارة إلا تبعية من الفعل وما يشتق منه، والحرف. ومن العجب القول بأنه ثالث أقسام الكلمة، وقد حققت مرادهم بمتعلق معناه، لكن المصنف حمله على المتعلق النحوي، أعني: الذي لا يدل الحرف على المعنى إلا به؛ فلذا قال: (كالمجرور (١) في: زيد في نعمة) وجعل المجرور مثالا لما يقدر التشبيه فيه

стр. 886

مسامحة؛ لأن تقدير التشبيه في معناه كما يفيده قوله: وفي الأولين بمعنى المصدر. وما ذهب إليه المصنف غير صحيح؛ لأن النعمة في: زيد في نعمة لم تستعر شيئا عند المصنف؛ لأنه لا استعارة للمشبه عنده، بل هي مستعملة فيما وضعت له، وقصد تشبيهها بظرف وأضمر في النفس، وجعل استعمال «في» قرينة على هذا التشبيه (فيقدر) أي: التشبيه (في نطقت الحال، والحال ناطقة بكذا للدلالة) متعلقة بالمستتر في يقدر. ويجوز تعلق الجار بالضمير العائد إلى المصدر (بالنطق) (١) أي: يقدر التشبيه لدلالة الحال بالنطق في إيضاح المعنى، ثم يدخل الدلالة في جنس النطق بالتأويل المذكور، فيستعار له لفظ النطق، ثم يشتق منه ما يشتق، فتكون الاستعارة في النطق أصلية، وفيما يشتق منه تبعية. ويرد عليه، أن هناك ما يغني عن تكلف الاستعارة التبعية، وهو كون النطق مجازا مرسلا في الدلالة التي هي لازمة؛ لأن ما لا دلالة له مجرد صوت لا يستحق أن يسمى نطقا، ولا يندفع بما ذكره الشارح من أنه لا ينكر جواز ذلك، لكن ذلك الجواز لا ينفي احتمال الاستعارة، فإنه إذا اجتمع في مقام التجوز علاقة متعددة، فلك العمل بأيّه شئت؛ لأن كلامنا في أن الاستعارة التبعية تكلف لا يرضى به أحد من غير اضطرار، ولولا أنه نقل أنه استحسن هذا الجواب منه من قال: إن الدلالة لازمة للنطق، فلم لا يجوز أن يكون إطلاق النطق عليها مجازا مرسلا، باعتبار ذلك الملزوم وإرادة اللازم من غير قصد إلى تشبيه؛ ليكون استعارة لحملت كلامه عليه. وفي استعارة النطق للدلالة استبشاع آخر، وهو أن إيضاح المعنى ليس صفة للنطق، بل صفة لدلالته، فالمشبه به دلالة الحال دلالة النطق، والنطق يستحق أن يشبه به الحال، والناطق يستحق أن يشبه به ذو الحال.

стр. 887

(وفي لام التعليل) عطف على قوله: في نطقت الحال (نحو: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً (١) للعداوة) عطف على قوله للدلالة (بعلّته) أي: الالتقاط عطف على قوله: بالنطق، ولا يخفى التشبيه في لام التعليل مطلقا لا يقدر للعداوة بعلّته، فالأولى أن يقول: وفي لام التعليل في نحو: فالتقطه ... إلخ فاعرفه إن كنت من أهله. وهذا الذي ذكره المصنف مأخوذ من كلام الكشاف؛ حيث قال: معنى التعليل في اللام وارد على طريق المجاز؛ لأنه لم يكن داعيهم إلى الالتقاط أن يكون لهم عدوا وحزنا، ولكن المحبة والتبني، غير أن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم وثمرته شبّه بالداعي الذي يفعل الفاعل لأجله؛ لكنه حينئذ يخرج عما هو فيه من كون الكلام استعارة تبعية إلى كونه استعارة بالكناية، وتحقيق الاستعارة التبعية فيه على ما قالوا: أنه شبه ترتب العداوة والحزن على الالتقاط بترتب عليته الغائبة عليه، ثم استعمل في المشبه اللام الموضوعة للدلالة على ترتب العلة الغائبة الذي هو المشبه به فجرت الاستعارة أولا في العلية والغرضية وتبعيتها في اللام. هذا، وفيه بحث؛ لأن الترتب هي المعلولية لا العلية، فلا مشابهة بينه وبين العلية، حتى تستعار له اللام، وإنما تصح هذه الاستعارة لو كان وضع اللام للمعلولية والترتب، ومدخول لام الغرض، وإن كان معلولا من وجه، وعلة من وجه، لكن لم يقل أحد: إن وضع اللام للمعلولية، بل اتفقوا على أن اللام للعلية، ولأن متعلق اللام على ما يقتضيه التحقيق السابق العلية مطلقا لا علية العلة الغائبة للالتقاط. (ومدار قرينتها) أي: الشائع الكثير، فنبه بلفظ المدار على أن القرينة قد تكون غير هذه الأمور، كقرينة الحال. ولك أن تجعل القرينة النسبة إلى الفاعل، فيكون الفاعل مدار القرينة لا نفسها (في الأولين) أي: الفعل وما يشتق منه، بخلاف الحرف، فإن قرينته غير مضبوطة على ما قالوا، ولأنه لا تفاوت فيه بين قرينة وقرينة، حتى يجعل البعض

стр. 888

مدارا على ما نقول. (على الفاعل نحو: نطقت الحال بكذا) فإن النطق الحقيقي لا يثبت للحال (أو المفعول) المتبادر منه المفعول به (نحو) قول ابن المعتز في مدح أبيه حيث خلع المقتدر لفساده من الخلافة، ونصب وقام بالخلافة، كما ينبغي: (جمع الحقّ لنا في إمام ... قتل البخل وأحيا السّماحا) (١) هو بالفتح والكسر: الجود والكرم، كذا في القاموس. المراد هنا: الجود، فإن القتل والإحياء الحقيقيين لا يتعلقان بالبخل والجود، ولا يخفى أن الفاعل أيضا قرينة في أحيا؛ إذ لا يتأتى الإحياء إلا من الله تعالى، فجعل كلّا من القتل والإحياء مما القرينة فيه المفعول فقط مبني على الغفلة، ووصف في المفتاح بالمفعول الأول وهو غير معهود فيما لا تأتى له؛ فلذا تركه المصنف. (ونحو) قول القطامي: لم تلق قوما هم شرّ لإخوتهم ... منّا عشيّة تجري بالدّم الوادي [(نقريهم)] أي: الإخوة (لهذميّات)] اللهذم: كجعفر: القاطع من الأسنّة، والظاهر أنه أراد باللهذميات: الطعنات والجراحات وإراقات الدماء باللهذم، وقد يحمل على نفس الأسنة، ويجعل الياء للمبالغة كما في احمري للأحمر. ونبه بالمثال الثاني: أنها تدور القرينة على المفعول الثاني، أيضا فإنه القرينة على أن نقري استعارة عن اتصال اللهذميات إليهم من غير تغيير على وجه النشاط كما هو شأن الكريم المضياف. تتمة البيت [نقدّ بها] القد: القطع المستأصل أو المستطيل أو الشق طولا [ما كان خاط عليهم كلّ زّراد] (٢) من زرد الدرع: نسجها.

стр. 889

(أو المجرور نحو: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (١)) فإن العذاب قرينة استعارة البشارة للإنذار. قال صاحب المفتاح: أو إلى الجميع، وفسر بالفاعل والمفعول والجار والمجرور فأشكل تمثيله بما مثّله به من قوله: تقري الرياح رياض الحزن مزهرة ... إذا سرى النّوم في الأجفان أيقاظا (٢) ويحتمل أن يكون هذا الإشكال مرموز قول المصنف في الإيضاح، وفيه نظر. كما يحتمل أن يكون مرموزة النزاع في كون الجميع ككل واحد مدار القرينة، بل هو ملحق في الندور بما سوى هذه القرائن. ووجه الإشكال: أنه لم يجمع قرينة البيت الفاعل والمفعول الأول والثاني، والجار والمجرور إذا لم يتعلق في الأجفان بقوله «نقري»، بل بقوله: قرينة على أن السّرى مستعار من السير بالليل، فقد جمع البيت جميع القرائن المذكورة لأن الكلام في قرينة استعارة واحدة كما لا يخفى على واحد. ومنهم من قال: المراد بالجميع هو الأكثر، ونحن نقول: قابل الجميع بواحد من هذه الأمور مرادا به ما يجاوز الواحد من اثنين أو ثلاثة أو أكثر. ففي البيت تمثيلان: تمثيل جميع من الفاعل والمفعول الأول والثاني باعتبار قوله نقري، وتمثيل جميع من الفاعل والمفعول في سرى. ومن هفوات الشارح المحقق: تفسير الحزن بالسهل، وكأنه سهو من الناسخ، وكأن عبارته مقابل السهل، فسقط المضاف من قلم الناسخ، والأمر فيه سهل. (وباعتبار آخر) غير اعتبار الطرفين والجامع والثلاثة واللفظ، وهو الذي سماه المصنف في الإيضاح التقسيم باعتبار الخارج أي: الخارج من أركان التشبيه، والمراد: خارج خاص واعتبار آخر خاص، وإلا فالأقسام باعتبار آخر مطلقا، أو باعتبار الخارج مطلقا لا تنحصر في الثلاثة فإن لها أقساما باعتبار

стр. 890

القرينة، فإنها إما حالية أو لفظية، وإما واضحة أو خفية. فالمراد أن الاستعارة باعتبار اقتران ملائم لأحد الطرفين سوى القرينة؛ إذ لا استعارة باعتبار لأحد الطرفين إلا وفيها تقارن ملائم المستعار منه، أعني: القرينة، فلو لم تكن القرينة خارجة عن الاعتبار لم توجد مطلقة، وقد استخرج شارحوا المفتاح خروج القرينة عن الاعتبار، حيث قال في تعريف المطلقة: وهي ما لم تعقّب بصفة ولا تفريع عن التعقيب، فقالوا: في لفظ التعقيب إشارة إلى أن اعتبار التجريد والترشيح يكون بعد تمام الاستعارة، حتى لا تعدّ القرينة تجريدا مع كونها من خواص المشبه؛ ولذا جعل: في الحمام أسد خلوا من الترشيح والتجريد؛ لما أنه لما رأى المصنف أن في لفظ التعقيب إيهام اشتراط كون الملائم بعد الاستعارة عدل عنه، فقال: [وباعتبار آخر ثلاثة أقسام] (ثلاثة أقسام مطلقة، وهي ما لم تقرن) ولم يقل ما لم تعقب، ولم يفته ما قصد به السكاكي؛ لأنه يستفاد من إسناد الاقتران إلى الاستعارة؛ لأن القرينة من تتمة الاستعارة، فالمقارن بدون القرينة ليست استعارة مقرونة بما يلائم (بصفة ولا تفريع) يريد بالتفريع: ما يكون إيراده فرع الاستعارة، سواء ذكر على صورة التفريع، وهو تصديره بالفاء أو لا نحو: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ (١) حيث جعله «اليمتني» (٢) من التفريع؛ لأن ذكر الإذاقة مع اللباس فرع استعارته لشدائد الجوع والخوف، ولما كان الصفة شاعت في النحوية قال: (والمراد بالصفة المعنوية لا النعت النحوي) وتذكير النحوي لتذكير الصفة بعبارة المراد، وقدر الشارح موصوفه النعت على ما يقتضيه الإيضاح. ونحن تبعنا داعي دقة النظر والصفة المعنوية يحتمل ما قام بالغير، وما دل على ذات مبهمة باعتبار معين هو المقصود. وقد تنبهت بما ذكر أن التفريع أيضا كان محتاجا إلى توضيح.

стр. 891

(ومجردة، وهي ما تقارن بما يلائم المستعار له) ينبغي أن تقيد ما يلائم المستعار له بأن يكون فيه تبعيد للكلام عن الاستعارة وتزييف لدعوى الاتحاد؛ إذ ذكروا أن في التجريد كسر المبالغة في التشبيه، فعلى هذا لا يكون فيه تبعيد الكلام في قوله: قامت تظللّني ومن عجب ... شمس تظللّني من الشمس (١) تجريد من إسناد التظليل؛ لأن التعجب من التظليل أخرجه عن أن يوجب خللا في دعوى الاتحاد؛ إذ لو لم يكن عين الشمس، كيف يتعجب من تظليله. (كقوله) أي: قول كثيّر تصغير كثير صاحب عزة [(غمر الرّداء) أي: كثير العطاء استعير الرداء للعطاء؛ لأنه يصون عرض صاحبه كما يصون الرداء، ما يلقى عليه من الغبار والدنائس، بقرينة سياق الكلام، وذكر الغمر لا للقرينة، بل للتجريد؛ لأنه الماء الكثير فأضافه إلى العطاء مريدا به الكثير، وقد شاع وصف العطاء بالكثرة، وتعارف دون الرداء. قال الزمخشري: ولولا قصده إلى التجريد، وكأن قصده الترشيح لقال: سابغ الرداء؛ لأن الرداء هو الموصوف بالسبغ والسعة دون الكثرة. هذا ونحن نقول: قد ذكر في القاموس: الغمر من الثياب السابغ، والغمر لمطلق الماء الكثير، فالغمر المضاف إلى الرداء بالترشيح أشبه على أنه لو حمل على الكثرة لاحتيج إلى التجريد من الماء. وهاهنا نكتة لا بد من التنبيه عليها، وهي أنه إذا اجتمع ملائمان للمستعار له، فهل يتعين أحدهما للقرينة أو الاختيار إلى السابغ يجعل أيهما شاء قرينة والآخر تجريدا؟ قال بعض الأفاضل: ما هو أقوى دلالة على الإرادة للقرينة والآخر للتجريد. ونحن نقول: أيهما سبق في الدلالة على المراد قرينة والآخر تجريد، كيف لا والقرينة ما نصبت لدلالة على المراد، وبعد سبق أحد الأمرين في الدلالة لا معنى لنصب اللاحق؟

стр. 892

فعلى هذا كون الغمر تجريدا، وسياق الكلام قرينة محل نظر، والأوجه: أن كلا من الملائمين المجتمعين إن صلحت قرينة فقرينة، ومع ذلك الاستعارة مجردة، ولا تقابل بين المجردة ومتعددة القرينة، بل كل متعددة القرينة مجردة. (إذا تبسّم) البسم والتبسم والابتسام أقل الضحك وأحسنه، فقوله: [(ضاحكا)] حال مؤكدة. ولك أن تجعله حالا مقيدة، فإن تبسم الكريم قد يكون في مقام الإنعام وعلامة لإنجاح السؤال، وقد يكون لمجرد الضحك، فقوله: «ضاحكا» احتراز عن التبسم معطيا ومجيبا للسؤال، يعني: بلغ من العطاء أن تبسمه حال ضحكه من غير إرادة إجابة سؤال تملك السائلين أمواله، والمراد: التمليك في الواقع، لا في ظن السائلين كما ظن فإن فيه رعاية مقام المدح. تتمة البيت [غلقت بضحكته رقاب المال] (١) يقال: غلق الرهن في يد المرتهن إذا لم يقدر الراهن على انفكاكه، وهذا مجاز مشهور، أصله أنه كان في الجاهلية أن الراهن إذا لم يؤد ما عليه في الوقت المشروط ملك المرتهن الرهن، كذا في الفائق. فمعنى البيت: إذا تبسم غلقت رقاب أمواله في أيدي السائلين. قال المصنف في الإيضاح: وعليه قوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ وذكر في بيانه ما تنقيحه: أن الإذاقة تجريد للباس المستعار لشدائد الجوع والخوف بعلاقة العموم جميع البدن عموم اللباس؛ ولذا اختاره على طعم الجوع الذي هو أنسب بالإذاقة، وإنما كانت الإذاقة من ملائمات المستعار له، مع أنه ليس الجوع والخوف من المطعومات؛ لأنه شاعت الإذاقة في البلايا والشدائد، وجرت مجرى الحقيقة في إصابتها، فيقولون: ذاق فلان البؤس والضر، وأذاقه العذاب، شبه ما يدرك من أثر الضر والألم بما يدرك من طعم المر والبشيع، واختار التجريد على الترشيح، ولم يقل: فكساها الله لباس الجوع والخوف؛ لأن الإدراك بالذوق يستلزم الإدراك باللمس من غير عكس، فكان في الإذاقة إشعار بشدة الإصابة ليست في الكسوة؛ هذا كلامه.

стр. 893

وقد اقتفى في ذلك أثر الزمخشري، فقوله: شبه ما يدرك من أثر الضر والألم، وبما يدرك من طعم المر والبشيع بيان لوجه تعارف الإذاقة والذوق في إصابة الشدائد، وما نشأ منه هذا التعارف لبيان أن في الآية استعارتين: إحداهما: تصريحية، وهو أنه شبه ما غشي الإنسان عند الجوع والخوف من بعض الحوادث باللباس؛ لاشتماله على اللابس، ثم استعير له اللباس. والأخرى: مكنية، وهو أنه شبه ما يدرك من أثر الضر والألم بما يدرك من طعم المر والبشيع، حتى أوقع عليه الإذاقة، فتكون الإذاقة استعارة تخييلية لا تجريدية، كما ظنه الشارح فنسب إلى القوم والزمخشري اعتبار تينك الاستعارتين في الآية؛ لأن جعل الإذاقة قرينة للاستعارة بالكناية يقتضي إرادة حقيقتها، وجعلها تجريدا إرادة ما تفارقت من إصابة الشدائد، ولا يجتمعان. وإن قال بعض: أن لا بأس بإرادة حقيقة الإذاقة لجعلها قرينة على الاستعارة بالكناية، لا لاعتبارها في نظم الكلام، وإرادة المعنى المتعارف في نظم الكلام؛ لأنه خال عن التحصيل على أن إرادة حقيقة الإذاقة هنا تحتاج إلى قرينة، فكيف تجعل قرينة على الاستعارة بالكناية. (ومرشحة) عطف على مجردة، كما أن المجردة عطف على مطلقة، والثلاثة خبر مبتدأ محذوف، أي: هي مطلقة ومجردة ومرشحة، وملاحظة العطف سابقة على ملاحظة الربط ليصح جعلها خبرا من الكناية عن الأقسام الثلاثة. وأما ما يشعر به كلام الشارح أن الثلاثة أخبار لمقدرات ثلاثة: أي الأول مطلقة، والثاني مجردة، والثالث مرشحة، فبعيد ولعل مراده ليس ما تشعر به عباراته. (وهي ما قرن بما يلائم المستعار منه) ولم يلتفت إلى ما يقرن بما يلائم المستعار له في الاستعارة بالكناية، مع أنه أيضا ترشيح لأنه ليس هناك لفظ يسمى استعارة، بل تشبيه محض. وكلامه في الاستعارة المرشحة التي هي قسم المجاز لا في ترشيح يشمل ترشيح الاستعارة، والتشبيه المضمر في النفس، وأما عدم التفاوت فالسكاكي يوهم ما ليس عنده، وهو: أن المرشحة من أقسام الاستعارة المصرحة، إذ التحقيق أن

стр. 894

الاستعارة بالكناية إن أريد فيها على المكنية ما يلائمها تصير مرشحة عنده. (نحو أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ (١)) فإنه استعار الاشتراء للاستبدال، ثم فرّع عليها ما يلائم الاشتراء من فوت الربح، واعتبار التجارة. وقد نبه على أن التقسيم اعتباري بقوله: (وقد يجتمعان) أي: التجريد والترشيح، أو على دفع ما يتوهم من التنافي بين التجريد والترشيح، فإن أحدهما يدعو إلى الاتحاد، والآخر إلى التعدد، ووجه اجتماعهما صرف دعوى الاتحاد إلى المشبه المقارن بالصفة والتفريع والمشبه به حتى يستدعي الدعوى ثبوت الملائم للمشبه به أيضا. (كقوله) أي: قول زهير: [لدى أسد شاكّ السّلاح) أي: حاد السلاح، وأصله شائك من الشوكة التي هي الحدة والبأس، وقد تحذف الياء بعد القلب، ويجرى الإعراب على الكاف، فلا تكتب الياء؛ والسلاح بالكسر: آلة الحرب أو حديدتها، وبالضم النجو. ومن التراكيب المشهورة سلاحه سلاحه في طير يقال له بالعجمية تقدري، وهو كثير النجو يحارب مع البازي بالنجو، فإنه يطير فوقه ويدفع نجوه عليه بحيث يسيل من رأسه إلى قدمه فيسقط ويعجز عن الطيران. قال الشارح: هذا تجريد؛ لأنه وصف يلائم الرجل الشجاع. قلت: وكذا المقذف لو فسر بمن أوقع في الوقائع كثيرا، وأما لو فسر بمن كثر لحمه حتى كأنه قذف ورمى باللحم، فهل هو ترشيح وأنسب بالأسد لا يبعد أن يكون كذلك، وكأنه لذا جعله الشارح داخلا في ترشيح البيت، فقال بعد قوله: (مقذّف له لبد أظفاره لم تقلّم)] (٢) هذا ترشيح، واللبد: كعنب جمع لبدة كحكمة، وهي الشّعر المتراكب بين كتفيه، وفي جمع اللبدة إشعار بأنه من كمال

стр. 895

ضخامته تعدد لبدته، والتقليم: القطع، وفي كون عدم التقليم ترشيحا نظر؛ لأن الأسد بعيد عن الوصف بعدم تقليم الظفر، بل هو بالتجريد أشبه؛ لأنه إنما يوصف بعدم تقليم الظفر ما من شأنه التقليم، ولو أريد بعدم تقليم الظفر سلب الضعف على ما في شروح «الكشاف» من أنه يقال: فلان مقلوم الأظفار ضعيف فهو مما لا اختصاص له بشيء من الأسد والرجل القوي الشجاع، إلا أن يقال: الوصف بعدم الضعف أخص بالأسد. (والترشيح أبلغ) من الإطلاق والتجريد، وكذا الإطلاق من التجريد، والترشيح: الصرف من جمع الترشيح والتجريد. (لاشتماله على تحقيق المبالغة) في ظهور العينية التي توجب كمال المبالغة في التشبيه، فيكون أكثر مبالغة، وأتم مناسبة بالاستعارة، فقوله: (لاشتماله) يصلح أن يكون دليلا على ما أريد بقوله: (أبلغ) سواء كان من المبالغة، أو البلاغة. (ومبناه) أي: مبنى الترشيح (على تناسي التشبيه حتى إنه يبنى) أي: يجري صيغة المضارع لحكاية الحال الماضية (على علو القدر ما يبنى) ويجري (على علو المكان) في مقام استعارة علو المكان لعلو القدر. (كقوله) أي: قول أبي تمام من قصيدة يرئي بها خالد بن يزيد الشيباني، ويذكر أباه ويمدحه في هذا البيت: [(ويصعد حتّى يظنّ) بلام الابتداء، والماضي المعروف على ما هو الرواية المشهورة، وفي شرح العلامة يظن على صيغة المضارع (الجهول) فضلا عن الذكي العارف (بأنّ له حاجة في السّماء)] (١). إشارة إلى أنه يظن أنه لا يتوقف حتى يدخل السماء، ويسرع في الصعود كما هو شأن الساعي في الحاجة، فقد بالغ بذكر الجهول في ظهور صعوده إلى السماء، فلا يرد أن إسناد ظن الصعود إلى كامل الجهل قاصر في المبالغة في صعوده إذ فيه

стр. 896

كمال المبالغة. وذكر الشارح في دفعه: أنه ذكر «الجهول» إشارة إلى أنه غني بالله، وظن الحاجة به جهل عظيم. قال المصنف: فلولا أن قصده أن يتناسى التشبيه ويصر على إنكاره، فيجعله صاعدا إلى السماء من حيث المسافة المكانية لما كان لهذا الكلام وجه، وفيه نظر؛ إذ لو توقف الترشيح على تناسي التشبيه لما صح مع التصريح بالتشبيه، فإذا صح البناء على المشبه به مع التصريح بالتشبيه، فلا يتم أنه لولا تناسي التشبيه؛ لما كان لهذا الكلام وجه. (ونحوه) أي: نحو البناء على علو القدر ما يبنى على علو المكان (ما مر من التعجب) في قوله: قامت تظلّلني ومن عجب ... شمس تظللني من الشّمس [(والنهي عنه) أي: عن التعجب في قوله: [لا تعجبوا من بلى غلالته] (١) قال في الإيضاح: غير أن مذهب التعجب عكس مذهب النهي عنه، فإن مذهبه إثبات وصف يمتنع ثبوته للمستعار منه، ومذهب النهي عنه إثبات خاصة من خواص المستعار منه، ثم أشار إلى زيادة تحقيق، وتقرير لهذا الكلام بقوله: (وإذا جاز البناء على الفرع مع الاعتراف بالأصل) قال في الإيضاح: وإذا جاز البناء على المشبه به مع الاعتراف بالمشبه، فهذا حمل الشارح على أن حمل الفرع على المشبه به، والأصل على المشبه، فقال في توجيهه: إن الأصل في التشبيه، وإن كان هو المشبه به من جهة أنه أقوى وأعرف في وجه الشبه، لكن المشبه أيضا أصل من جهة أن الغرض يعود إليه، وأنه المقصود في الكلام، ووافقه السيد السند في شرح عبارة المفتاح. ونحن نقول: وإن نساعد في إطلاق الأصل على المشبه، والفرع على المشبه به، لكن لا يخفى أن البناء على الفرع هنا، وفي عبارة «المفتاح» في محاذاة قوله

стр. 897

حتى إنه يبنى على علو القدر، وعلو القدر هو المشبه، ومع ذلك لا يرضى العارف بمساق الكلام أن يجعل الفرع عبارة عن المشبه به، فلا تحمل عبارته على ما حمله الشارح؛ لأن المانع أقرب من الداعي، بل نقول: مراده بالفرع المشبه، ويريد: أنه إذا جاز بناء حال الأصل، وهو المشبه به وإجراؤه على الفرع، وهو المشبه مع الاعتراف بالأصل، وعدم الإصرار على إنكار أن هناك متعددا فضلا عن جعل بعضه أصلا، وبعضه فرعا على أن توجيه ما في الإيضاح، والجمع بينه وبين ما في الكتاب يمكن بأنه قصد في الإيضاح إلى بيان يئول إلى ما يئول إليه ما ذكره هنا، ولم يقصد الاتحاد بينهما في المفهوم، حتى يكون كلام الإيضاح شارحا لخصوصيات هذا النظم. (كما في قوله) أي: العباس بن الأحنف: [(هي الشّمس مسكنها في السّماء فعزّ) أي: حمل على الصبر الفؤاد (الفؤاد عراء جميلا فلن تستطيع) أنت (إليها) أي: إلى الشمس (الصّعود ولن تستطيع) أي: الشمس (إليك النّزولا] (١) فمع جحده أولى) هذا جواب قوله: وإذا جاز أي فالبناء على الفرع مع جحد الأصل كما في الاستعارة أولى، ولا يخفى أن قولنا: هي الشمس دعوى الاتحاد، ومع دعوى الاتحاد والاعتراف بالأصل. نعم في الاستعارة استغناء عن دعوى الاتحاد لجعله أمرا مقررا، فينبغي أن يقال: وإذا جاز البناء على الفرع مع جحد الأصل فمع تقرره أولى، ولا خفاء في أنه كما أن إثبات حال الأصل للفرع يحتاج إلى توجيه، يحتاج إثبات حال الفرع له، مع جحد الأصل وتناسي التشبيه، وجعل الفرع عين الأصل إلى توجيه؛ لأنه مع تناسي الإثنينية، وجعل اتحاد المشبه مع المشبه به نصب العين كيف يسوغ إثبات حال المشبه، وإضافة ما هو من خواصه إليه؟ فتوجيه الترشيح صار موجب خفاء أمر التجريد، وقد قدمنا لك في توجيه اجتماعهما ما ينفعك هنا، وربما يوجّه بأن التجريد متابعة الواقع، والترشيح متابعة الادعاء، فلكل وجهة هو موليها. وما قدمنا أعذب، وبمشرب البلاغة أنسب. (وأما) المجاز (المركب) عديل لبيان المجاز المفرد بجعل البيان السابق في قوة

стр. 898

قولنا: أما المجاز المفرد فكذا تفصيلا لمطلق المجاز المعرف في صدر المبحث. (فهو اللفظ) المركب، كذا في الإيضاح، فكأنه أشار إلى أن المراد باللفظ المركب وترك التقييد اعتمادا على أن تقييد المعرف بالتركيب يفيده، فخرج المجاز المفرد بوضوح قيد التركيب (المستعمل فيما) أي: معنى (شبه بمعناه الأصلي) يعني المطابقي، وبهذا تم تعريف المجاز المركب، إلا أنه أراد التنبيه على أن التشبيه الذي يبتني عليه المجاز المركب لا يكون إلا تمثيلا، وتوضيح أنه لا يكون تشبيه صورة منتزعة من عدة أمور إلى مثلها إلا في وجه ينزع من عدة أمور، كما اتفقت كلمتهم عليه، وإن نبهناك على أنه لا يتم فتذكر، فزاد قوله: (تشبيه التمثيل) (١) ولم يكتف بقوله تمثيلا؛ لأن التمثيل مشترك بين التمثيل، وهذه الاستعارة، فاحترز عن استعمال اللفظ المشترك في التعريف أو عن إيهام أخذ المعرف في المعرف، ولم يحترز بقوله: تشبيه التمثيل عن الاستعارة المفردة، فيغني عن اعتبار التركيب في التعريف؛ لأنه قد سبق منه أن طرف التمثيل قد يكون مفردا. وهذا يقتضي صحة بناء الاستعارة المفردة على التمثيل، فإخراج قوله: تشبيه التمثيل الاستعارة المفردة على التمثيل، فإخراج قوله تشبيه التمثيل تلك الاستعارة لا تصلح للتعويل. وزعم السيد السند: أن طرف التمثيل لا يصح أن يكون مفردا، وما اشتهر في كلامهم كلام ظاهري مبنيّ على التسامح، فكلما يذكر الطرف مفردا فمعه ألفاظ مقدرة ينساق الذهن إليها، فلما لم يذكر إلا مفردا، قيل: إن الطرف مفرد مسامحة، والشارح المحقق، وإن لم يوافقه في هذا في بحث التمثيل إلا أنه جعل قوله: تشبيه التمثيل للاحتراز عن المجاز المفرد، ولا يخفى أنه على هذا ينبغي تقديم قوله للمبالغة في التشبيه على قوله: تشبيه التمثيل لاقتضاء التعريف تقديم المشترك الذي هو في عداد الجنس على المختص، الذي هو في عداد الفصل، وسيأتي لهذا مزيد تفصيل يكشف الغطاء عن وجه الحق إن شاء الله تعالى.

стр. 899

وقد اشتمل التعريف على العلة الفاعلية، وهي المتكلم المستعمل والصورية وهي الاستعمال؛ لأن الاستعارة معه بالفعل والمادية، وهو التشبيه؛ لأنها معه بالقوة فأراد إتمام الاشتمال على العلل، فصرح بالغاية بقوله: (للمبالغة في التشبيه) (١) ونبه به على أن الادعاء في هذه الاستعارة أيضا مرعي. بقى أن كون الصورة المنتزعة معنى مطابقيا للمستعار منه غير ظاهر (كما يقال للمتردد في أمر: ) إن كان اختصارا لما في المفتاح كان المعنى كما يقال للمفتي المتردد في جواب المسألة، لكنه إخلال، وإن كان عدولا إلى أمثال جامع لما فيه، ولغيره، فالأمر واضح، وكأنه على الأول حمله الشارح المحقق حيث قال عطفا عليه: ولما كتب الوليد بن يزيد لما بويع إلى مروان بن محمد، وقد بلغه أنه متوقف في البيعة له: أما بعد، فإني أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى فإذا بلغك كتابي هذا فاعتمد على أيتهما شئت فتأمل. وقوله: (إني أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى) بيان لكلمة ما، وليس مقول القول، فافهم. والمشهور: أراك على صيغة المعروف، وللمجهول أيضا مساغ، وحينئذ بمعنى الظن، ولكل منهما مقام، والظاهر من العبارة أن أخرى صفة رجلا، وهو المشهود له في عبارة المفتاح؛ حيث قال: فنأخذ صورة تردد يعني المفتي فتشبيهها بصورة تردد إنسان قام ليذهب في أمر، فتارة يريد الذهاب فيقدم رجلا، وتارة لا يريد فيؤخر أخرى، ثم يدخل صورة المشبه في جنس صورة المشبه به روما للمبالغة في التشبيه، فتكسوها وصف المشبه به من غير تغيير فيه بوجه من الوجوه على سبيل الاستعارة قائلا: أراك أيها الفتي تتردد، تقدم رجلا وتؤخر أخرى، ويشهد له عبارة الإيضاح أيضا حيث قال في بيان ما كتب الوليد بن يزيد: شبه صورة تردده في المبايعة بصورة تردد من قام ليذهب في أمر، فتارة يريد الذهاب فيقدم رجلا، وتارة لا

стр. 900

يريد فيؤخر أخرى، فأورد عليه أن المتردد لا يقدم رجلا قدامه، ولا يؤخر رجلا أخرى خلفه، فدفعه الشارح المحقق في شرحه للمفتاح بأن المراد بالرجل الخطوة، والمعنى: تقدم خطوة قدامك، وتؤخر خطوة أخرى خلفك. وأورد عليه: أن تأخير الخطوة المقدمة إلى موضع ابتدأ منه لا إلى خلف المتردد، فالأولى يقدم خطوة، ويؤخر خطوة أخرى، وبعد يرد أن المشهور في التردد تقديم الرجل وتأخيرها لا الخطوة، وتباعد السيد السند في التكلف، فقال: المراد بالرجل الأخرى الرّجل التي قدمها جعلها رجلا أخرى؛ لأنها من حيث إنها أخرت مغايرة لها من حيث إنها قدمت، ولكن الظاهر ما ذكره أن أخرى صفة تارة، أي: تقدم رجلا تارة، وتؤخرها تارة فإن هيئة تردد المتردد في الذهاب هكذا. (وهذا يسمى التمثيل) لاستلزامه التمثيل أو لبنائه عليه (على سبيل الاستعارة)؛ لأنه استعارة متضمنة للتشبيه، فالتشبيه التمثيلي فيه على طريق الاستعارة (وقد يسمى التمثيل مطلقا) وحينئذ يقيد اسم التشبيه، فيقال: تشبيه تمثيل، وتشبيه تمثيلي، ولا يطلق التمثيل مطلقا على التشبيه. اعترض الشارح على تعريف المجاز المركب بأنه: غير جامع لخروج مجازات مركبة ليست علاقتها التشبيه، كالأخبار المستعملة في الدعاء أو التحسر أو التحزن أو نحو ذلك. ولا يبعد أن يقال: ما سوى الاستعارة التمثيلية من المجازات المركبة مجازات بالعرض، والمجاز بالأصالة أجزاؤها الداخلة في المجاز المفرد، فلو عدّ اللفظ الذي صار مجازا لتجوز في جزئه قسما على حدة من المجاز لكان جاء في أسد، وقوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ (١) وأمثالها مجازات مركبة، ولم يقل به أحد، بخلاف الاستعارة التمثيلية فإنها من حيث إنها استعارة لا تجوز في شيء من أجزائها، بل المجموع نقل إلى غير معناه من غير تصرف في شيء من أجزائه، فالمجاز المركب اللفظ المستعمل من حيث المجموع فيما شبه بمعناه

стр. 901

الأصلي، ولا شيء مما ليس علاقته علاقة التشبيه كذلك. بقي أن قولنا: حفظت التورية لمن حفظها، استعمل في لازم معناه من حيث المجموع، وليس باستعارة إلا أن يتكلف، ويقال: حفظت التورية لم يستعمل في لازم معناه، بل أفيد اللازم على سبيل التعريض. وفيه بحث، فتأمل. ثم إنه يشكل استعارة المركب المشتمل على النسبة، وهي غير مستقلة لا ينبغي أن لا يجري منه الاستعارة بالأصالة، كما في الحرف، فهل هي كالاستعارة التبعية أولا؟ وبعد كونه تبعية اعتبرت الاستعارة أولا في أي شيء (ومتى فشا) أي: انتشر (استعماله) أي: المجاز المركب أو اللفظ المستعمل فيما شبه بمعناه الأصلي، وجعل الضمير إلى التمثيل على سبيل الاستعارة أو التمثيل مطلقا يوجب اعتبار الاستخدام. (كذلك) فسره الشارح بكونه على سبيل الاستعارة، واحترز به عن شيوع استعماله على سبيل التشبيه أو في معناه الأصلي، وهو تكلف؛ إذ شيوع استعمال التشبيه أو اللفظ في المعنى الأصلي غير داخل في فشو المجاز المركب، حتى يحترز عنه به. فالوجه: أن المراد به عدم التغيير أي: متى فشا كذلك من غير تغيير تذكيرا وتأنيثا وإفرادا وتثنية وجمعا، ولم يعدل عن هيئة في المضرب، وحينئذ يكون أشد اتصالا بقوله، ولهذا لا يغير الأمثال، ولتعلقه بقوله: (ويسمى مثلا) وجه أي: كما يسمى تمثيلا على سبيل الاستعارة، وتمثيلا مطلقا يسمى مثلا، ولا يبعده أن القصد إلى تسميته مثلا بخصوصه، وتسميته تمثيلا لا بخصوصه؛ لأن الكلام في كل فرد من المثل؛ لأن في نوع المثل بشهادة كلمة متى، فالتسمية مثلا أيضا لا بخصوصه. (ولهذا) أي: لكون المثل تمثيلا فشا استعماله ملتزما فيه هيئة المورد، من غير تغيير يستدعيه المضرب (لا تتغير الأمثال) فلا يقال في خطاب الرجل الذي يطلب شيئا ضيعه قبل ذلك: ضيعت اللبن بالصيف بفتح التاء، بل بكسرها؛ لأنه كان واردا في امرأة، ولا يخفى أن «ضيعت اللبن» في مضربه لم يستعمل فيما استعير له في المورد، بل نقل إلى معنى آخر فهو استعارة متفرعة على استعارة

стр. 902

لصيرورة الاستعارة حقيقة في موردها. ومما ينبغي أن لا يلتبس عليك الفرق بين المثل والإشارة إلى المثل كما في ضيعت اللبن على لفظ المتكلم فإنه مأخوذ من المثل، وإشارة إليه فلا ينتقض به الحكم بعدم تغيير الأمثال. وللأمثال تأثير عجيب في الآذان وتقرير غريب لمعانيها في الأذهان، فهي بين الألفاظ كالموجوه، والمشاهر من الناس حتى يغير بلفظ المثل، ويستعار هذا اللفظ منه للحال، والصفة والقصة إذا كان لها شأن عجيب، وكثر ذلك في التنزيل كما في قوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً (١) الآية، أي: حالهم أو صفتهم أو قصتهم العجيبة الشأن الغريبة في نظر الأذهان. وكقوله: الْمَثَلُ الْأَعْلى (٢) أي الصفة العجيبة. وكقوله: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ (٣) أي: فيما قصصنا عليكم قصتها العجيبة لما فرع من بحث الاستعارة، وكأنه مظنة أن يؤخر عليه بأنه فاته الاستعارة بالكناية والاستعارة التخييلية، ولم يستوف أقسام الاستعارة، وبأنه خالف السكاكي في مواضع عقبها بفصلين. أحدهما: في تحقيق الاستعارة بالكناية والاستعارة التخييلية على وجه يتبين أنهما ليستا من أقسام المجاز اللغوي، والاستعارة المذكورة، فلذا أهملنا؛ لا لفوتهما، والغفلة عنهما. وثانيهما: في تزييف كلام السكاكي فيما خالفه فيه، وقدم فصل الاستعارة بالكناية والتخييلية؛ لأن الحقيقة لهما يخالف بيان السكاكي، وفي فصل تزييف رأيه فيهما أيضا، فهذا الفصل كالتتميم له أيضا. ***

стр. 903

(فصل) الأقوال في الاستعارة بالكناية ثلاثة: أحدها: ما ذهب إليه القدماء، وهو المشبه به المستعار للمشبه المسكوت عن ذكره اعتمادا على دلالة إثبات لازم المشبه به للمشبه، على أن المشبه به مستعار له، ففي قولنا: نشبت أظفار المنية بفلان الاستعارة بالكناية؛ السبع المستعار للمنية الذي لم يذكر، اعتمادا على أن إضافة الأظفار إلى المنية تدل على أن السبع مستعار لها. وزعم الشارح المحقق والسيد السند: أن في كلام الكشاف في تفسير قوله تعالى: يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ (١) تصريحا بذلك حيث قال: من أسرار البلاغة ولطائفها أن يسكتوا عن ذكر الشيء المستعار، ثم يرمزوا إليه بذكر شيء من روادفه، فينبهوا بذلك الرمز على مكانه، نحو: شجاع يفترس أقرانه، ففيه تنبيه على أن الشجاع أسد. هذا كلامه. وقالا: هذا هو القول الصواب الذي لا خلل فيه. وفيه: أن القصد من استعارة السبع للمنية إلى دعوى أن كونها سبعا قد تقررت، وصارت مسلمة لكمال المبالغة في التشبيه، وهذا حاصل من إضافة الأظفار إلى المنية، فإنها تفيد: كإطلاق السبع عليها أن كونها سبعا مسلّم، ففي الحكم بأن هناك سبعا مستعار لها منويا نصب إضافة الأظفار قرينة عليه تكلف خلاف ما يشهد به الوجدان من غير حاجة إليه. فالحق: أن الاستعارة بالكناية هي استعارة السبعية للمنية المسكوت عنها بالرمز إليها، بذكر رادفه الذي هو الأظفار. وفي قول «الكشاف» حيث قال: عن ذكر الشيء المستعار، ولم يقل: عن ذكر المستعار. وقوله: ففيه تنبيه على أن الشجاع أسد، دون أن يقول فيه تنبيه على استعارة الأسد للشجاع شهادة ظاهرة، لما قلنا. نعم يتجه عليه أن في الاستعارة دعوى ظهور الأسدية، وكونها مسلمة لا

стр. 904

دعوى أنه أسد، كما ذكره. ويمكن دفعه بأن في قوله: «تنبيه» تنبيها على ظهور الدعوى، فتنبه. وثانيها: ما ذهب إليه السكاكي صريحا وإن كثيرا في كلامه ما يقتضي أنه جرى على ما تقدم من قول القدماء أنها لفظ المشبه المستعمل في المشبه به ادعاء بقرينة استعارة لفظ، ما هو من لوازم المشبه به لصورة متوهمة متخيلة شبيهة به أثبت للمشبه، ولا غبار عليه، بل في حكمه بأنه مجاز، وجعله قسما للاستعارة الداخلة في المجاز. وأما القول بأن حكمه بأن لفظ لازم المشبه به مستعار لصورة وهمية شبيهة به تعسف، لا حاجة إليه، بل إبقاء اللازم على معناه وإثباته للمشبه مجازا أعون للدلالة على المقصود، وأقوى قرينة عليه، فيدفعه أن إثبات الحكم للاستعارة التخييلية حينئذ يرجع إلى المشبه به، لا إليها. فقولنا: نشبت أظفار المنية، لو أريد بالأظفار حقيقتها يفيد تعلق أظفار السبع، لا تعلق الموت، فلولا قصد أمر ثابت للمنية لفات المقصود، وفسد البيان كيف لا ومال نشبت أظفار المنية لو كانت الأظفار على حقيقتها نشبت أظفار السبع الذي اتحدت معه المنية لكمال الشبه بينهما؟ ! ولا شبهة في أنه يفيد تعلق الأظفار. وثالثها: ما ذهب إليه المصنف. قال الشارح: هو شيء لا مستند له في كلام السلف ولا هو يبتني على مناسبة لغوية، إذ تسميتها بالكناية، وإن كانت في موقعها، لكن تسميتها استعارة خالية عن المناسبة، وكأنه استنباط منه. ونحن نقول: أقوى ما يدل على ضعف مذهبه أنه في قولنا: أظفار المنية يجعل كون المنية سبعا مسلم الثبوت، فلا يكون هناك قصد إلى تشبيه، فلا يصح قوله: وقد يضمر التشبيه في النفس فلا يصرح بشيء من أركانه سوى المشبه، ولا قوله: ويدل عليه بأن يثبت للمشبه أمر مختص بالمشبه به. [فصل قد يضمر التشبيه في النفس] هذا فقوله: (وقد يضمر التشبيه في النفس، فلا يصرح بشيء من أركانه سوى المشبه) يشمل زيدا في جواب من تشبيه الأسد، فأخرجه بقوله: (ويدل

стр. 905

عليه (١) بأن يثبت للمشبه أمر مختص بالمشبه به) من غير أن يكون هناك أمر محقق حسا أو عقلا يجري عليه اسم ذلك الأمر، (فيسمى) التشبيه (استعارة بالكناية) أو استعارة (مكنيا عنها). أما الكناية والمكني عنها فلأنه لم يصرح به، بل إنما أشير إليه بذكر لازم المشبه به. وأما الاستعارة وإن قيل: إنها مجرد تسمية خالية عن المناسبة كما مر؛ فلأنها استعيرت للدلالة عليه ذكر لازم المشبه به؛ لأن ما هو حقه تلك الدلالة أداة التشبيه. (و) يسمى (إثبات ذلك الأمر) المختص بالمشبه به (للمشبه استعارة تخييلية) (٢) لاستلزامه استعارة لازم المشبه به للمشبه، وتخييل أن المشبه من جنس المشبه به، وهذا القول منه في الاستعارة التخييلية موافق لكلام السلف، ومصرح به في كلام الشيخ عبد القاهر. وقد سمعت فيها قول السكاكي؛ ففيها قولان لا ثلاث لهما، ولا يذهب عليك أن تعريف الاستعارة بالكناية لا يشمل ما جعل القرينة فيه استعارة لفظ لازم المشبه به، للزوم المشبه، فإن مجرد التعبير عن لازم المشبه بلفظ لازم المشبه به يدل على التشبيه، فإنه لولا التشبيه لم يستعر المشبه به للمشبه. وقد جعل العلامة في «الكشاف» قوله تعالى: يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ (٣) من هذا القبيل؛ حيث قال: شاع استعمال النقض في إبطال العهد، من حيث تسميتهم العهد بالحبل، على سبيل الاستعارة؛ لما فيه من ثبات الوصلة بين المتعاهدين، إلا أنه لما زعم المصنف أن الاتفاق على أن قرينة المكنية لا تكون إلا التخييلية كما سيجيء، لم يحفظ تعريفها عن خروج مثلها عنه. قال المصنف في الإيضاح: ثم ذلك الأمر المختص بالمشبه به المثبت للمشبه، منه ما لا يكمل وجه الشبه في المشبه به بدونه، ومنه ما به يكون قوام وجه الشبه

стр. 906

في المشبه به، وكأنه أشار بقوله: ومنه دون أن يقول على ضربين إلى أنه لا حصر فيهما؛ إذ يكفي للقرينة إثبات الأمر المختص بالمشبه به للمشبه، سواء كان له دخل في وجه الشبه أو لا. ألا ترى أن قوله: [صحا القلب عن سلمى] (١) إذ جعل فيه تشبيه القلب بالسكران مضمرا في النفس يدل عليه إثبات الصحو المخصوص بالسكران، مع أنه لا دخل له في وجه الشبه الذي هو التحير وزوال العقل، فعدول الشارح عن بيانه إلى قوله: ثم ذلك الأمر المختص على ضربين خال عن المصلحة، وأشار إلى الأول بقوله (كما في قول) أبي ذؤيب (الهذلي) مع أنه الأحق بالتقديم، هو القسم الثاني لمزيد الاهتمام به؛ إذ فيه تنبيه على خطأ السكاكي، حيث جعل قول أبي ذؤيب من القسم الثاني، وقال: إن قوام اغتيال السبع للنفوس بالأظفار. فإن قلت: قد ذكره المصنف في الفصل الثاني على وفق ما ذكره السكاكي فقد ناقض نفسه. قلت: ذكره على سبيل النقل، ولم يقدح هو ولا الشارح فيه اعتمادا على تحقيق الأمر هنا. [(وإذا المنيّة) من أعلام الموت (أنشبت) أي: أعلقت (أظفارها)] (٢) شبه في نفسه (المنية بالسبع في اغتيال النفوس بالقهر والغلبة) تفسير للقهر (من غير تفرقة بين نفّاع وضرّار فأثبت لها) أي: للمنية (الأظفار التي لا يكمل ذلك فيه بدونها) وأن يتقوم بدونها: لأن من أسباب اغتيال السبع الأنياب، وأشار إلى الثاني بقوله: (وكما في قول الآخر: ولئن نطقت بشكر برّك مفصحا ... فلسان حالي بالشّكاية أنطق) (٣)

стр. 907

يعني: ضرك أكثر من برّك، ويحتمل شكاية لسان الحال عن الناطق بشكر البر، حيث يعجز عن أداء حقه، ففيه التوجيه، فافهم؛ فإنه البديع التنبيه، ولا يذهب عليك أن البيت إنما يكون من باب الاستعارة بالكناية، لو لم يكن لسان حالي من قبيل لجين الماء، وأن الظاهر أنه لا فرق بينه وبين قول الهذلي، فإنه شبه فيه الحال بالإنسان في الدلالة على المقصود، وليس قوام دلالة الإنسان باللسان، بل له أسباب أخر من الإشارة والكناية، إلا أن كمالها به إلا أن المصنف تكلف وقال: (شبه الحال بإنسان متكلم في الدلالة على المقصود، فأثبت لها اللسان الذي به قوامها فيه) (١) وما به قوام دلالة الإنسان المتكلم هو اللسان، ولا يخفى أنه لو اعتبر تشبيه المنية بسبع مغتال بالأظفار كان قوام وجه الشبه بالأظفار، إلا أنه تكلف. ومن غرائب السوانح وعجائب اللوائح: أن الاستعارة بالكناية فيما بين الاستعارات استعارة مقلوبة، مبنية على التشبيه المقلوب، لكمال المبالغة في التشبيه، فهي أبلغ من المصرحة، فكما قولنا: أن السبع كالمنية، تشبيه مقلوب يعود الغرض منه إلى المشبه به، كذلك أنشبت المنية أظفارها استعارة مقلوبة استعير بعد تشبيه السبع بالمنية المنية للسبع الادعائي، وأريد بالمنية معناها بعد جعلها سبعا تنبيها، على أن المنية بلغت في الاغتيال مرتبة ينبغي أن يستعير السبع عنها اسمها دون العكس. فالمنية وضعت موضع السبع، لكن هذا على ما جرى عليه السكاكي. (وكذا قول زهير) حيث أثبت فيه للمشبه ما به قوام وجه الشبه، فذا إشارة إلى قول الآخر: [(صحا) أي: ذهب سكر هوى (القلب) معرضا (عن سلمى) ففيه استعارة بالكناية، وتخييل؛ حيث شبه القلب بسكران، وأثبت له الصحو أو ترك القلب الصّبى، والميل إلى الجهل معرضا عنها. في القاموس: صحا: ذهب السكر وترك الصّبى. وفي الشرح أي: سلا مجازا عن الصحو، والسلو: الخروج من الحب (وأقصر باطله) أي: انتهى باطله من لوازم حب سلمى، يقال: اقصر وقصر

стр. 908

وتقاصر. انتهى. وحينئذ لا حذف في الكلام، المعنى ظاهر، ويقال: أقصر عنه أي: عجر فالتقدير: أقصر عنه باطله، فحينئذ لا محالة في كلام قلب؛ لأن العاجز هو القلب لا الباطل؛ إذ لا ينسب العجز إلا إلى ما من شأنه الاختيار. وفي كلام المتن حيث قال: إنه ترك ما كان يرتكبه، إشعار بذلك، ومن لا يتفطن بهذا يكاد يقول قوله: إنه ترك ما كان يرتكب في تقدير تركه ما كان يرتكبه، «وما كان يرتكبه» فاعل «ترك» ومفعوله العائد إلى القلب محذوفا. وقال الشارح: يقال: أقصر عن الشيء إذا أقلع عنه أي: تركه وامتنع عنه. قيل: هو على القلب، أي قصر القلب عن باطله، ولا حاجة إليه لصحة أن يقال: امتنع عنه باطله وتركه بحاله؛ هذا كلامه. ولا يخفى عليك أن الترك لا ينسب إلى ما يرتكبه المرتكب بالنسبة إليه، بل إلى المرتكب بالنسبة إلى ما يرتكب، فلا تتجاوز عن تحقيق من له القلب (وعرّى أفراس الصّبا ورواحله)] (١) من عرّيته تعرية جعلته عريانا، هذا هو المقصود بالتمثيل. ومثال ثالث للاستعارة بالكناية والتخييل دائر بينها وبين الاستعارة التحقيقية، وهذا في كلام السكاكي قسم ثالث من الاستعارة، فإنه جعل الاستعارة تحقيقية وتخييلية ومحتملة لهما، والمصنف لم يتلفت إلى هذا القسم في مقام التقسيم؛ لأن المحتمل لهما لا يخرج عنهما، وأشار إليه في تحقيق مثال الاستعارة بالكناية، وفي هذه الاستعارة فائدة جليلة، رزقناها ولله الحمد الأعلى على منه، وهي: أنه لا يعاب على البليغ عدم التنصيص على مقصوده فيما زاد على أصل المقصود بعد وضوحه، ولا ضنّة معه في تجويز إيراد كلامه محتملا لطرق متعددة ليسلك المخاطب أيها شاء، بل إيراده كذلك مما يزيد في قدره، ويدل على طول باعه، وانشراح صدره، ويزيد في نشاط المخاطب؛ حيث نزّله ذلك المتكلم منزلة نفسه في معرفة طرق البيان، والتنبيه للمقصود بوجوه لمجرد إشارة البيان، ولم يأت به في أمثلة التحقيقية؛ لأن تحقيقه هذا يتوقف على معرفة الاستعارة التخييلية

стр. 909

فأشار أولا إلى بيان التخييلية التي هو فيه بقوله: (أراد) زهير (أن يبين أنه ترك ما كان يرتكبه زمن مرادف) الزمان (المحبة من الجهل أو العي وأعرض عن معاودته) لأدلة في الكلام على تركه ما كان يرتكبه من المحبة مطلقا على ما يقتضيه السّوق، فتنبه. وإنما يدل على تركه ما كان يرتكبه في حب سلمى إلا أن يراد بسلمى جنس المحبوبة، كما قد يراد بحاتم السخي، ثم لا دلالة فيه على الإعراض عن معاودته إلا أن يؤخذ ذلك من أبيات أخر لهذا الشعر والله أعلم. (فبطلت آلاته) أي: آلات القلب، وكذا عود الضمير في معاودته. وقال الشارح: الضمير إن «إلى ما يرتكبه» وكأنه حفظ البيت عن أن يكون فيه قلب. وهاهنا بحث، وهو أنه لم يقصد على مذهب المتن إلا حقيقة الأفراس والرواحل، فكيف يدل على أنه بطلت آلاته، إنما يلائم ذلك لو أراد بأفراس آلات ما يلزمه، فيجعل الاستعارة التحقيقية قرينة للمكنية، كما سمعه في قوله تعالى: يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ وتوهم له آلات كما هو شأن السكاكي، ولو سلم فلا دلالة على تعرية أفراس الصبا والرواحل على بطلانها، بل على إهمالها إلى وقت الحاجة، كما هو شأن السائر مسيرة إذا فرغ عن سلوكها. (فشبه) زهير في نفسه الصّبى (بجهة من جهات السير كالحج والتجارة قضى منها) أي: من تلك الجهة (الوطر) كالسفر هو الحاجة (فأهملت الآلات) ووجه الشبه الاشتغال التام، وركوب المسالك الصعبة فيه، غير مبال بمهلكة، ولا محترز عن معركة مع إهمال الآلات، وليس وجه الشبه تاما بدون ضميمة إهمال الآلات، وليس وجه شبه كما يدل عليه كلام الشرح، فهذا التشبيه المضمر في النفس هو الاستعارة بالكناية والتخييلية التي قرينتها ما أشار إليه بقوله: (فأثبت له) أي: للصبى (الأفراس والرواحل) (١) التي تخص جهة المسير والسفر، (فالصبى) على هذا (من الصبوة) أي من جنس الصبوة، لا بمعنى

стр. 910

الكون صبيا. في القاموس: الصبوة جهلة الفتوة، صبا صبوا، وصبوا وصبى وصبا، وفيما ذكره عدول عن طريقة السكاكي؛ حيث جعل الصبي بمعنى الكون صبيا، فاحتاج إلى حذف مضاف، أي: أو أن الصبي وأشار إلى أن عنه غنى، وأن لا ضنة في حذف الزمان عن المصادر. وأما ما قال الشارح: لا من الصبا بفتح الصاد، فيقال: صبى صباء أي: لعب مع الصبيان، فيدل ما نقلناه من القاموس على ضعفه. على أن فتح الصاد يقتضي المد ولا يساعده النظم إلا على وجه بعيد، وهو ارتكاب قصر الممدود للضرورة. ومن البين أن وجه الشبه في هذا المثال هيئة مركبة من عدة أمور، فيحتمل أن يكون التنبيه على أن وجه الشبه في الاستعارة بالكناية أيضا قد يكون مركبا أيضا من فوائد هذا التمثيل. وأشار إلى التحقيقية بقوله: (ويحتمل أنه) أي: زهير (أراد) بالأفراس والرواحل (دواعي النفوس وشهواتها أو القوى الحاصلة لها في استيفاء اللذات أو) أراد بها (الأسباب التي قلّما تتآخذ) أي: تتفق وتجتمع (في اتباع الغي إلا أوان الصبا) (١) وعنفوان الشباب مثل المال والأعوان (فتكون) استعارة الأفراس والرواحل (تحقيقية) لتحقق معناها عقلا على الاحتمال الأول، وحسا على الثاني. ولا يذهب عليك أنه لا بأس بأن يراد بالأفراس والرواحل جميع ما ذكره، على سبيل الترديد، فكأنه قصد لكلمة «أو» منع الخلو، ولما فرغ من الفصل الأول شرع في الثاني فقال: [فصل: عرف السكاكي الحقيقة] (فصل: عرف السكاكي الحقيقة اللغوية) احترز عن الحقيقة العقلية (بالكلمة المستعملة فيما وضعت له من غير تأويل في الوضع، واحترز بالقول الأخير) وهو قوله من غير تأويل في الوضع (عن الاستعارة على أصح القولين)

стр. 911

وهو أن الاستعارة مستعملة في غير ما وضعت له بخلاف القول الآخر، وهو أن الاستعارة مستعملة فيما ضعت له، والتصرف في أمر عقلي، فإنه حينئذ حقيقة لغوية ولا يسوغ إخراجها عن تعريف الحقيقة اللغوية ولا إخراجها بقوله من غير تأويل في الوضع؛ لأنه لا تأويل في الوضع على غير القول الأصح. وقوله (فإنها) بيان لوقوع الاحتراز عنها بهذا القيد بأنها (مستعملة فيما وضعت له بتأويل) أي: وضعا ملتبسا بتأويل، وصرف للوضع عن الظاهر، فإن الظاهر منه ليس الوضع على سبيل الادعاء، بل على سبيل التحقيق. ولا يخفى أنه كما قيد الدعوى بقوله: على أصح القولين، يجب أن يقيد الدليل، إلا أن تقييد أحدهما يسوق الذهن إلى تقييد الآخر، فيكفي به. وقد عدل عن عبارة السكاكي؛ لاختلال فيه على ما هو المشهور؛ حيث قال: وإنما ذكرت هذا القيد ليحترز به عن الاستعارة، ففي الاستعارة بعد الكلمة مستعملة فيما وضعت له على أصح القولين، ولا نسميها حقيقة، بل مجازا لغويا لبناء دعوى اللفظ المستعار موضوعا للمستعار له، على ضرب من التأويل. هذا والمراد بقوله: دعوى اللفظ دعوى كون اللفظ على حذف كون مضاف إلى اللفظ، فاشتهر أنه لا يصح جعل قوله على أصح القولين متعلقا بقوله: مستعملة فيما وضعت له؛ إذ لا اختلاف في استعمالها فيما وضعت له في الجملة، وإنما الاختلاف في استعمالها فيما وضعت له بالتحقيق، لكن أصح القولين انتفاؤه، وحمل الوضع على الوضع بالتأويل بعيد؛ فتعين تعلقه بقوله: ليحترز به، فاختل النظم، وصار معقدا للفصل بين قوله: على أصح القولين ومتعلقه بقوله، ففي الاستعارة بعد الكلمة مستعملة فيما وضعت له، وبين قوله: ولا نسميها حقيقة، وقوله بعد الكلمة إلخ بقوله على أصح القولين. هذا ونحن نقول: عدل عن المطلب الأخفى إلى الأوجز الأوضح، لكن كلام السكاكي برئ عما ظن به من الخلل، فإن قوله: على أصح القولين متعلق بقوله مستعملة فيما وضعت له، والمراد: ما وضعت له بتأويل لوضوح القرينة المؤدية إليه، بل لفظ العد ينبئ عن كونها مستعملة فيما وضعت له، لا على سبيل التحقيق واكتفى بتقييد الدليل بقوله: على أصح القولين، عن تقييد الدعوى على

стр. 912

عكس ما فعله المصنف. لكن ما فعله المصنف أنسب؛ لأن حوالة أمر اللاحق بالسابق أنسب من العكس، وأحفظ من توهم غير المقصود. [وعرف المجاز اللغوي] (والمجاز اللغوي) عطف على قوله: الحقيقة اللغوية أي: عرف السكاكي المجاز اللغوي (بالكلمة المستعملة في غير ما وضعت له بالتحقيق) (١) أراد به ما يقابل التأويل (في اصطلاح به التخاطب، مع قرينة مانعة عن إرادته، وأتى بقيد التحقيق لتدخل الاستعارة) في تعريف المجاز بناء (على ما مر) من أنها مستعملة فيما وضعت له بالتأويل؛ وهذا واضح، وإن كان ظاهر عبارة السكاكي تقتضي أن هذا القيد لإخراج الاستعارة حيث قال: وقولي: بالتحقيق احتراز عن أن لا يخرج، وفي بعض النسخ احتراز أن لا يخرج استعارة؛ لأن ذلك الظاهر ظاهر الفساد، فجعل الشارح كلمة «لا» زائدة، وجعل في المختصر الجار المحذوف في احتراز أن لا يخرج كلمة اللام، أي: احتراز لئلا يخرج. ونحن نقول: المراد: احتراز عن أن لا يخرج مدلول الاستعارة عما وضعت له، فلا تدخل الاستعارة في المستعملة في غير ما وضعت له. (ورد) ظاهر ما ذكره السكاكي (٢) (بأن الوضع) وأن يطلق في شأن الاستعارة فيقال: هي موضوعة للمستعار له بتأويل، ويطلق عليه الموضوعة بالتأويل، لكن لا يطلق فيها الوضع من غير تقييد بالتأويل، وذلك ظاهر من موارد استعمال الوضع، لا مما ذكره المصنف. وتبعه الشارح فيه من أنه فسر السكاكي بنفسه الوضع بتعيين اللفظ بإزاء المعنى بنفسه، وقال: قولي: بنفسه احتراز عن المجاز المعين بإزاء معناه بقرينة. ولا شك أن دلالة الأسد على الرجل الشجاع، وتعينه بإزائه إنما هو بواسطة القرينة؛ لأنه يجوز أن يكون تفسير السكاكي تفسيرا لأحد معنييه، ولا يلزم من

стр. 913

تفسير أحد المعنيين نفي الآخر، فهو (إذا أطلق لا يتناول الوضع بتأويل) فالاستعارة داخلة من غير قيد بالتحقيق، فلا يصح أنه ليدخل الاستعارة في تعريف المجاز. نعم فيه زيادة إيضاح للدخول، وبهذا التقرير ظهر أن ما أجاب به الشارح عنه في المختصر من أنه أراد السكاكي أنه عرض للوضع اشتراك بين معناه المشهور والوضع بتأويل، فذكر قوله: بالتحقيق قرينة على المراد؛ ليظهر فيدخل فيها الاستعارة؛ لأن انصرافه عند الإطلاق إلى ما ليس بتأويل ينفي عروض الاشتراك. ويرد أيضا توقف الدخول على التقييد بأنه يصدق على الاستعارة: الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له لا محالة، ولا ينافيه صدق الكلمة المستعملة فيما وضعت له؛ لأن صدق الأول باعتبار الوضع بالتحقيق، وصدق الثاني باعتبار الوضع بالتأويل، ولا يندفع بما ذكره الشارح في المختصر أنه قرينة على نفس المراد بلفظ الوضع الذي عرض له الاشتراك؛ لئلا يحمل على الوضع بالتأويل، فتخرج الاستعارة؛ لأن عروض الاشتراك قد زيّف. واعلم أن الشارح قال: المراد بالوضع موافقا لما في الإيضاح، وما يشتق منه لينتفع به في إثبات عدم الحاجة إلى تقييد وضعت بعدم التأويل في تعريف الحقيقة، وبالتحقيق في تعريف المجاز. ويمكن أن يقال: بيان حال الوضع يكفي فيما هو بصدده؛ لتقرر أن المشتقات تابعة للمصدر في ذلك. (وبأن) عطف على قوله بأن في قوله: «ورد بأن»، وإعادة الجار يدل على أن كلا من المعطوف والمعطوف عليه مستقلّ في الرد عليه، وليس كذلك؛ لأن المعطوف عليه يرد تعريف الحقيقة والمجاز، والمعطوف يخص بالحقيقة فرد ما ذكره بمجموع الأمرين، فالأولى ترك إعادة المجاز. (التقييد باصطلاح به التخاطب) لا بخصوصه (كما لا بد منه في تعريف المجاز لا بد منه) في تعريف (الحقيقة) ليخرج المجاز المستعمل فيما وضع له، كالصلاة التي استعملت في لسان الشرع بمعنى الدعاء، فحصل الاعتراض: أن

стр. 914

التعريف غير مانع، وربما يجاب بأن المراد بالوضع في قوله: من غير تأويل في الوضع الواضع في اصطلاح به التخاطب، وذلك يوجب تقييد الوضع في غير ما وضعت له باصطلاح به التخاطب؛ وبهذا اندفع ما ذكره الشارح أنه لا يكفي العهد، بل لا بد من تقييد موضوعه أيضا في قوله: فيما هي موضوعة له. نعم يتجه أن لام العهد لا تصرف اللفظ إلا إلى وضع مفهوم من قوله: فيما هي موضوعة له. وأن قوله: بالتحقيق في تعريف المجاز، وقوله: من غير تأويل في الوضع، في تعريف الحقيقة بمعنى واحد بلا ريبة، فلو أغنى قوله: من غير تأويل في الوضع عن قيد اصطلاح به التخاطب لأغنى عنه قوله: «بالتحقيق». ومنهم من أجاب بأن القيد مراد في تعريف الحقيقة، تركه للعلم به من تقييد تعريف المجاز، وهو غير ملتفت إليه لوجوه: منها: أن الترك بالمقايسة لا يليق بالتعريفات. ومنها: أن القيد المذكور بعبارة ذكره السكاكي في تعريف المجاز، لا يمكن ذكره في تعريف الحقيقة؛ لأنه يستلزم الدّور. ومنها: أن المفتاح الذي هو بصدد توضيح التعريف إلى أن ذكر للتوضيح قوله: من غير تأويل في الوضع، مع أنه لا حاجة إليه كيف يتوهم به ترك القيد للمقايسة؟ وأجاب عنه الشارح، وارتضاه السيد السند: بأن الأمور التي تختلف بالإضافات لا يتم تعريفاتها بدون اعتبار قيد الحيثية. وقد تعارف ذلك بحيث يكتفى بهذا التعارف من ذكرها، وبأن تعليق الحكم بالوصف مشعر بالحقيقة كما في قولنا: الجواد لا يخيب سائله. ومعلوم أن الحقيقة والمجاز من الأمور الإضافية، حتى إن لفظا واحدا يكون حقيقة ومجازا بالنسبة إلى معنيين، بل بالنسبة إلى معنى واحد، فالمعنى هاهنا: أن الحقيقة هي الكلمة المستعملة فيما هي موضوعة له من حيث إنها موضوعة له، والصلاة المستعملة في لسان الشارع في الدعاء لم تستعمل في الموضوعة هي له، من

стр. 915

حيث إنه موضوع له. ولا يصح أن يجعل معنى تعريف المجاز: الكلمة المستعملة في غير ما هي موضوعة له، من حيث إنه غير ما هي موضوعة له؛ لأن استعمال المجاز في غير الموضوع له ليس من حيث إنه غير الموضوع له، بل من حيث إنه متعلق الموضوع له بنوع علاقة، مع قرينة مانعة عن إرادة الموضوع له؛ فلهذا لم يترك التقييد باصطلاح به التخاطب في تعريف المجاز. وفيه بحث، وهو: أنه لو أريد بقوله: المستعملة فيما وضعت له، من حيث إنه ما وضعت له أن كونه موضوعا له علة مستقلة للاستعمال، فلا يستقيم؛ لأن استعمال المتكلم اللفظ فيما وضع له لأجل أنه موضوع له، والمخاطب عالم بالوضع، وإن اكتفى في الحيثية التعليلية بمجرد أن لها مدخلا فلا خفاء في مدخلية كون الشيء غير ما وضع له في استعمال المجاز، إلا أنه لا يكفي، بل لا بد من ضميمة التعلق، مع كونه غير هذا. قال في الإيضاح: ثم تعريفه للمجاز يدخل فيه الغلط كما تقدم، يريد ما تقدم من أنك تقول لصاحبك: خذ هذا الفرس مشيرا إلى كتاب بين يديك، وأنت تريد أن تقول: خذ هذا الكتاب، فغلطت. وأجيب تارة: بأن الغلط لا ينصب قرينة مانعة عن إرادة الموضوع له، وردّه الشارح بأن إشارته إلى الكتاب قرينة مانعة. وفيه: أنه لو كانت هذه قرينة مانعة عن إرادة الموضوع له لم تعد المخاطب ساهيا، بل هذه الإشارة قرينة مانعة عن إرادة التلفظ به، وفرق بين المانعة عن إرادة التلفظ والمانعة عن إرادة المعنى؛ لأن المانعة عن إرادة المعنى أن ينتقل الذهن منها إلى عدم إرادته، لا إلى عدم إرادة التلفظ المستتبع؛ لعدم إرادة المعنى من غير أن يلتفت الذهن إليه، وتارة بأن عبارة الحد مشعرة بأن ذكر الكلمة عن قصد، ولا قصد في ذكر الغلط. وأجاب عنه السيد السند: بأن المراد الغلط ليس ما يكون سهوا من اللسان، بل ما يكون خطأ في اللغة صادرا عن قصد. وفيه أنه قوله كما تقدم يتأدى أن مراده ما هو سهو. نعم لو كان المراد ذلك لتم أن الغالط لا ينصب قرينة كما ذكره الشارح، لكن
следующие страницы →