الطبعة الأولى
١٤٣٢ هـ / ٢٠١١ م
الطبعة الثانية
١٤٣٥ هـ / ٢٠١٤ م
رقم الإيداع بدار الكتب المصرية
٢٧٩٣/ ٢٠١١
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف، ولا يحق لأحد إعادة طبع الكتاب أو نشره بأي وسيلة كانت إلا بموافقة خطية من المؤلف، ومن يفعل ذلك يعرض نفسه للمساءلة القانونية.
стр. 2
مقدمة بقلم الدكتور محمد بن موسى الشريف
حفظه الله تعالى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد قرأت الكتاب الموسوم بـ "حصان طروادة" لمصنفه الدكتور عمرو كامل - حفظه الله تعالى -، فوجدته كتابًا نافعًا ماتعًا، مليئًا بالأخبار والدقائق، فاستفدت منه أمرين:
الأول: المراجعةَ لما كنت قد قرأته منذ زمن بعيد وأُنسيته مما عدا عليه الزمان، وطواه مَرّ الليالي والأيام، وكرور الشهور والأعوام.
الآخر: علمًا جديدًا لم يكن لي به عهد من قبل، وتفاصيلَ دقيقةً أقفُ على كثير منها لأول مرة - وإن كنتُ قد عرفت طرفًا منها موجزًا - ساقها المصنف على وجه متتابع آخذٍ بعضه بحُجُز بعض، فلا يكاد القارئ ينفك من حادثة إلا وتَفجؤه أخرى.
أعداء الإسلام، وتدرج تاريخيٌّ في عرض صور الكَيد والمكر منذ زمن بعيد إلى يوم الناس هذا.
ولذلك كله، أُوصِي المصنفَ بالعناية بهذا الكتاب باختصاره قليلًا؛ ليكون أقرب للقراءة، وأدعى للفهم، فنحن في مُدة صعبة يَقِلّ فيها الحريصون على القراءة الطويلة، بل يَندرون.
стр. 3
والكتاب مهم، ونظرُ النشءِ فيه واطلاعُهم على تفصيلاته أمرٌ مطلوبٌ؛ فلذلك كان اختصارُه وتقليلُ صفحاته أمرًا مطلوبًا، وقد ذكرت هذا للأخ المصنف فعساه أن ينظر في هذا الأمر المهم.
واختصار الكتاب يَجعله صالحًا لأن يكون مَرجعًا في الحلقات التربوية، واللقاءات الثقافية، والرحلات والمخيمات، فمهما استطاع المصنفُ تيسيرَ إيصال الكتاب إلى مختلف طبقات الناس؛ فليفعلْ مشكورًا مأجورًا إن شاء الله تعالى.
هذا والله أعلم وأحكم، وصلِّ اللهمَّ وسلمْ على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.
وكتبه
محمد بن موسى الشريف
٢٩ شوال ١٤٣٣
١٦ سبتمبر ٢٠١٢م
стр. 4
تعقيب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه الكرام الطيبين، وبعدُ:
فبين يديِ القارئ الكريم الطبعةُ الجديدة من كتاب (حصان طروادة: الغارة الفكرية على الديار السُّنِّية)، وهي طبعة منقحة ومراجعة، وأرتضيها للقارئ أكثر من الأولى.
وقد تفضلَت "دار العفاني" مشكورة بنشر الطبعة الأولى من الكتاب، ولقد سعيتُ جاهدًا في تهذيبها واختصارها؛ تلبيةً لنصيحة الحبيب الدكتور محمد بن موسى الشريف - حفظه الله تعالى - ولكن أراني قد خيبتُ أمله في ذلك؛ فقد كان الغرضُ منه أن يكون بحثًا مَرجعًا في هذا الباب، وهذا رأيته يَتطلبُ بعضَ الإسهاب والتوسعَ، فأسأل الله تعالى التيسيرَ والتوفيقَ والسدادَ والقبول، وأن يوفقنا جميعًا لما يحبه ويرضاه، إنه ولي ذلك ومولاه.
وكتبه
عمرو كامل عمر
الاثنين ١٣ صفَر ١٤٣٥هـ
١٦ ديسمبر ٢٠١٣م
стр. 5
﴿مقدمة المؤلف﴾
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (١)
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُّطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣)
أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وبعد ..
«فقد بعث الله محمدًا ﷺ إلى الخلق على فترة من الرسل، وقد "مقت أهل الأرض، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب" (٤)
ماتوا - أو أكثرهم - قبيل مبعثه.
стр. 6
والناس إذ ذاك أحد رجلين: إما كتابي معتصم بكتاب: إما مبدَّل، وإما مبدَّل منسوخ، ودين دارس (١)، بعضه مجهول، وبعضه متروك .. وإما أمِّي من عربي وعجمي، مقبل على عبادة ما استحسنه وظن أنه ينفعه من نجم أو وثن، أو قبر، أو تمثال، أو غير ذلك.
والناس في جاهلية جهلاء، من مقالات يظنونها علمًا وهي جهل، وأعمال يحسبونها صلاحًا وهي فساد، وغاية البارع منهم علمًا وعملًا أن يُحَصِّل قليلًا من العلم الموروث عن الأنبياء المتقدمين، قد اشتبه عليهم حقه بباطله، أو يشتغل بعمل القليل منه مشروع، وأكثره مبتدَع لا يكاد يؤثر في صلاحه إلا قليلًا، أو أن يكدح بنظره كدح المتفلسفة، فتذوب مهجته في الأمور الطبيعية والرياضية، وإصلاح الأخلاق، حتى يصل - إن وصل - بعد الجهد الذي لا يوصف، إلى نزر قليل مضطرب، لا يروي ولا يشفي من العلم الإلهي، باطله أضعاف حقه - إن حصل - وأنَّى له ذلك مع كثرة الاختلاف بين أهله، والاضطراب وتعذر الأدلة عليه والأسباب.
فهدى الله الناس ببركة نبوة محمد ﷺ وبما جاء به من البينات والهدى، هداية جلت عن وصف الواصفين، وفاقت معرفة العارفين، حتى حصل لأمته المؤمنين عمومًا، ولأولي العلم منهم خصوصًا، من العلم النافع، والعمل الصالح، والأخلاق العظيمة، والسنن المستقيمة، ما لو جمعت حكمة سائر الأمم علمًا وعملًا، الخالصة من كل شوب، إلى الحكمة التي بعث بها، لتفاوتا تفاوتًا يمنع معرفة قدر النسبة بينهما، فلله الحمد كما يحب ربنا ويرضى» (٢).
стр. 7
قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ (١).
وقال : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢).
وقال ﷻ مخاطبًا نبيه ﷺ : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾ (٣).
...
وبعد، فإنه لما اجتاح الإسكندر الأكبر Alexander the Great (٣٥٦ - ٣٢٣ ق. م) بلاد الشرق، فارس والهند ومصر، كتب له أستاذه أرسطو Aristotle (٣٨٤ - ٣٢٢ ق. م) ينهاه عن هذا الغزو؛ لأن من شأنه القضاء على تميز الجنس اليوناني حين يحتك اليونانيون بالشرقيين. ولكن جاءه رد الإسكندر قائلًا إنه يغزو الشرق «لأجل أن يجعل الثقافة والفكر اليونانيين هما فكر العالم وثقافته» اهـ.
فحينما تدبرت هذه الرواية، لاحت في خاطري حقائق ومسائل ..
الأولى: هي أنه عند التأمل في سنن الله تعالى في خلقه، تجد ميلًا إنسانيًا غير محدود إلى ما اصطُلِح على تسميته بالعولمة Globalization وتوسيع النفوذ وبسط السلطان، وتجد أحلامًا فطرية بالحركة في عالم واحد بعيد عن الحدود والقيود، حالت الحقائق الجغرافية وتباين الثقافات والمصالح دون تحقيقها، مصداقًا لقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم﴾ (٤)، وذلك من إرادته الكونية القدرية: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٥).
والثانية: هي أن الشارع الحكيم ﷻ بحكمته وإرادته الدينية الشرعية حضنا على الوحدة وعدم الاختلاف، فقال : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ (٦)، بل جعل الاختلاف من صفات غير المرحومين، وذلك في قوله تعالى:
стр. 8
﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ (١)، وأوجب علينا كأفراد اتِّباع الشرع والإيمان بالقدر، وليس ترك الشرع والاحتجاج بالقدر.
وعند استحضار هذين الأمرين تتبين لك حكمة الخالق ﵎ من وضعه هذه الغريزة في الإنسان، ثم ترشيدها بتوظيفها في غاية عليا وهي وظيفة (التبليغ عن الله)، والتي منها كانت بعثة الرسل والرسالات. حتى تُوِّجَت هذه الوظيفة في رسالة خاتم الأنبياء محمد ﷺ ، وأُخْرِجَت من الخصوص إلى العموم بقول الله جل وعلا: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ (٢)، وبقوله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٣)، وأُطِّرَت هذه الوظيفة بإطار الحب في الله، والبغض في الله، والموالاة في الله، والمعاداة في الله، بل جُعِلَ هذا الإطار هو الحد الشرعي للاتفاق والاختلاف بين البشر.
أما الثالثة: فهي أن الحق واحد لا يتجزأ، والباطل ظلمات بعضها فوق بعض: ﴿هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ (٤).
والرابعة: أن الله ﵎ قضى بانقسام البشر إلى فريقين: مؤمن وكافر: ﴿وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ (٥)، وقد جعل الأرض دارًا يتقاسمها ويتعايش فيها الفريقان، وجعل الأيام بينهما دولًا، حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، ويُسكِن كلاهما داره الأبدية: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ (٦)، جزاء بما قدمت أيديهم، وأن الله ليس بظلام للعبيد؛ فلقد هدى الله تعالى الإنسان السبيل إما شاكرًا وإما كفورًا، وأخبر بأنه: ﴿مَن أَعْطَى وَاتَّقَى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى. وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (٧).
стр. 9
والخامسة: أن الخطوط العريضة التي قام عليها الصراع الأزلي تأسست على قول المولى : ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (١).
وعند استحضار مشهد الصراع القديم وتبعاته بين القوى العظمى الثلاثة: (الرومية/النصرانية)، و (الفارسية/المجوسية)، و (العربية/الإسلامية)، تجد مصداق هذه الحقائق مجتمعة؛ حتى وإن ضاقت هذه الدوائر الثلاثة الكبرى تجد نفس الحقائق تتجلى في دوائر (طائفية) داخلية صغرى .. فدل ذلك على أن السلوك الإنساني العولمي الفطري يدفعه محرك ثقافي هُوِيَّاتي في المقام الأول، وكما يذكر العلامة أبو فهر ﵀ (١٣٢٧ - ١٤١٨هـ/١٩٠٩ - ١٩٩٧م)، فإن «رأس كل ثقافة هو الدين بمعناه العام» (٢)، والإنسان هو أحد رجلين: إما داع أو مدعو، ولذلك تجد أن الثقافة المفروضة هي ثقافة الغالب عادة.
وحتى لما تمرد الإنسان الغربي وتحرر من السلطة الدينية المهيمنة عليه، المناقضة لصريح فطرة الإسلام التي فطر الله الناس عليها، وفصل دينه عن دنياه، وظل ماضيًا في طريقه سعيًا لتحقيق طموحاته التوسعية، وصارت له القوة والغلبة، طغى شرقًا وغربًا بفكره المتحرر من قيود الأخلاق والدين، داعيًا إلى ثقافة (السلام الإنساني) المشبوهة، بمصطلحاتها المائعة كالتقريب والتعايش والحوار وما شابه، وخارت له قوى كثيرة ودارت في فلكه على غير هدى، ولكنه في ظل دعوته تلك لم يتمكن من التخلص من شبح الصراع القديم الذي لا يزال يتسكع في لاشعوره، فلم ينفك الصراع عن صورته الأولى، ولكنه تنكر في ديباجة بيضاء، تحمل في طياتها صفحات دموية سوداء.
والحديث ذو شجون، والمسألة أراها مركَّبة يشوبها بعض المتناقضات!؛ ففي الوقت الذي تجد فيه أصواتًا (غير مسلمة) تحذر من خطر الإعصار العولمي العَلْماني النفعي الكاسح، وتنادي بضرورة التمسك بالجذور الثقافية الدينية، تجد هذه الأصوات تجتمع مع ضدها لاقتلاع جذور الصحوة الإسلامية الصاعدة. ولكن سرعان ما ينجلي هذا التناقض حينما نراجع الحقائق السالفة، ونستوعب معنى (الأمم) في قول رسول الله ﷺ : «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكَلَةُ إلى قصعتها. فقال قائل: ومن قلة نحن
стр. 10
يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن. فقال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت» (١)، فالإنسان جبل على حب السيادة، والكفر ملة واحدة.
والذي أثار شجوني هو ما أشاهده من غفلة وانجراف إسلامي غير واع مع إعصار العولمة الكاسح. وحقيقة، فإن ما استثارني لنزول هذه الساحة وتسطير هذه الكلمات هو موقف التقى في ذهني مع اثنان أخر:
والأول: كان في الثاني من إپريل عام ٢٠٠٥م، حينما هلك الپولندي كارول چوزيف فويتيالا Karol Jozef Wojtyla (١٩٢٠ - ٢٠٠٥ م)، الملقب بيوحنا پولس الثاني بابا الفاتيكان Pope John Paul II. فما زلت أذكر ما أبداه بعض دعاة المسلمين من بالغ مشاعر الحزن والأسى على داعية السلام الفريد، والدعاء له بالمغفرة والرحمة وقبول صالح الأعمال! بل وما عبرت به بعض الصحف عن موقف الدعاة بأنه «انعكاس للصورة الحقيقية لإسلامنا العظيم».
فالتقى هذا الأمر في ذهني بآخر: وهو ما صار يروج إليه البعض من قول بأن عداءنا ليس مع اليهود، إنما هو فقط مع الصهاينة منهم؛ وهذا القول على إطلاقه غير مقبول، فقد نتفق معه من جانب ونعارضه من جانب آخر، وَندَع التفصيل إلى موضعه. ولكن الأدهى أنك تجد من بين المسلمين من يتجاوز هذه الدعوة ويرى تطبيع العلاقات مع الدولة الصهيونية اللقيطة ومسايرة الواقع وكأن شيئًا لم يحدث، وكأن الحل (الإسراطيني) لقيام دولتين أو العودة إلى (حدود ٦٧) هو النصر المبين.
ونهاية الملتقى: كان مع ما تواتر على لسان بعض دعاة أهل السنة، خاصة بعد أحداث (الوعد الصادق)! (١٢/ ٧ - ١٥/ ٨/٢٠٠٦م) بين حزب (اللات) الرافضي والكيان الصهيوني، من قول: «أمازلنا نقول سنة وشيعة؟!».
علمًا بأنه ليس مقام تعيين أحد بجرح أو تعديل، فهذا لا يكون لأمثالي، وقد قال
стр. 11
الإمام الذهبي ﵀ (٦٧٣ - ٧٤٨هـ) (١): «الكلام في الرجال لا يجوز إلا لتام المعرفة تام الورع» اهـ.
وأنا لست هذا أو ذاك، أسأل الله الستر والمغفرة، وعفا الله عن الجميع.
ولكن، ولكي نحصر المسألة، فإن ما أثار حفيظتي هو أنه في ظل هذا الانجراف الإسلامي مع الإعصار العولمي العَلْماني الذي ضرب بشدته ديار أهل السنة - إلا ما رحم الله - تجد أنه لم يغفل عن هذا الخطر قطبا الصراع القديم؛ أعني الكيان الفاتيكاني القديم المتصدِّع، وأئمة الرفض أصحاب العمائم السوداء ..
فالفاتيكان الذي بدأ يستشعر انسحاب بساط السيادة من تحت قدميه، وانفلات شعبه الذي لم يعد يخشى منه حَجْبًا أو حرمانًا، وجد نفسه في مطلع النصف الثاني من القرن الميلادي المنصرم أمام ثلاثة مواقف ليختار منها، وهي كما عددها البابا پولس السادس Pope Paul VI (١٨٩٧ - ١٩٧٨ م) وقتها:
١ - موقف (الجيتو) الهارب إلى عالمه الخاص، والمنكفئ على ذاته.
٢ - موقف التحريم، والاقتراب من العالم فقط بهدف إدانته.
٣ - موقف الحوار (٢).
ولا ريب أن المصلحة اقتضت ترجيح الثالث. ولكن هذا (الانقلاب الكوپرنيكي) - كما تصفه الكتابات الكاثوليكية - (٣)
لم يكن من باب التسليم بالأمر الواقع حيادًا عن الرسالة
стр. 12
(الشاءولية/الپولسية) التبشيرية، إنما لجوءًا للحيلة (الطروادية) الأسطورية القديمة (١)، فكان الأمر كما وصفه اللاهوتي الفرنسي الأرثوذكسي أوليفييه كليمون Olivier Clément (١٩٢١ - ٢٠٠٩ م) بقوله: «إن هذا الحوار عبارة عن عملية تغليف مذهَّبة عصرية لحبة قديمة كانوا يفرضونها قهرًا على الشعوب فيما مضى» اهـ (٢).
ولحق بركب الكاثوليك باقي الطوائف النصرانية متمثلة في (مجلس الكنائس العالمي
стр. 13
World Council of Churches WCC)، وفي المسألة تفصيل سيأتي .. ولكن ما يحزن له القلب أنه، وكما قال الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد ﵀ (١٣٦٥ - ١٤٢٩هـ) (١): «ما كادت شعارات هذه النظرية تلوح في الأفق، وتصل إلى الأسماع، إلا وقد تسربت إلى ديار الإسلام، فطاشت بها أحلام، وعملت من أجلها أقلام، وفاهت بتأييدها أفمام، وانطلقت بالدعوة إليها ألسن من بعد أخرى، وعلت الدعوة لها سدة المؤتمرات الدولية، وردهات النوادي الرسمية والأهلية ..»، وإلى الله المشتكى.
أما أئمة دولة الرافضة الاثني عشرية، الإسلامية اسمًا، (المجوسية-اليهودية) ضمنًا؛ فطموحاتهم التوسعية في المنطقة طمعًا في إعادة المجد الفارسي القديم، قد عاقها انبعاث الصحوة الإسلامية السنِّية من جهة، والتهديد (الرومي) الإمپريالي (٢) الأمريكي من جهة أخرى، الأمر الذي ألجأهم إلى تمرير حصان طروادي آخر إلى الشعوب العربية السنِّية الغافلة، لاعبين على وتر الوحدة الإسلامية في مواجهة الخطر الصليبي المتصهين. وهي دعوة ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قِبَلِهِ العذاب؛ ذلك لأن القوم ما دعوا إليها إلا من أجل تحقيق مصلحة وقتية، وهي نيل تأييد وتعاطف الرأي (العامِّي) الذي يظن في دولتهم أنها حصن الإسلام المنيع المتصدي لهذا الخطر (٣)، وأن حسن نصر الذي بات يهدد ليل نهار بضرب إسرائيل هو «رجل في زمن الأنوثة»، وأنه تأويل قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ (٤) وقوله : ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾!!! (٥).
стр. 14
وما عاد يصعب على من يتأمل ساحة الأحداث ملاحظة أن المصلحة الحقيقية تقتضي اتفاق القطب الرومي والفارسي على اقتلاع الكيان السنِّي من المنطقة، ودع عنك المناوشات والحرب الكلامية بين الطرفين، فهم إن صدقوا في بعضها فهو من باب سياسة (عض الأصابع) التي يلجئون إليها عادة في حال تغيُّر (قواعد اللعبة)! (١).
...
لقد تتابعت الأحصنة الخشبية في زماننا وتكاثرت؛ بين شرقية وغربية، رومية وفارسية، قومية عربية وتركية، كتابية ووثنية وإلحادية .. وكلها فُتحِت لها أبواب حصن (طروادة المسلمة)، دار السنَّة والجماعة .. وكان أخطرها فيما رأيت هما ما خصصت لهما القول. وكأني برسول الله ﷺ وهو يقول: «إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها فجعل ينزَعُهُن ويغْلِبْنَه فيقْتَحِمْنَ فيها فأنا آخذ بحُجَزِكُم عن النار وأنتم تَقَحَّمون فيها» (٢).
ورحم الله الشيخ الندوي (١٣٣٢ - ١٤٢٠هـ) إذ يقول (٣): «إن الشعوب الإسلامية
стр. 15
والبلاد العربية - مع الأسف - ضعيفة الوعي، إذا تحرجنا أن نقول: فاقدة الوعي، فهي لا تعرف صديقها من عدوها ولا تزال تعاملهما معاملة سواء أو تعامل العدو أحسن مما تعامل الصديق الناصح وقد يكون الصديق في تعب وجهاد معها طول حياته بخلاف العدو، ولا تزال تلدغ من جحر واحد ألف مرة (١) ولا تعتبر بالحوادث والتجارب، وهي ضعيفة الذاكرة سريعة النسيان تنسى ماضي الزعماء والقادة، وتنسى الحوادث القريبة والبعيدة، وهي ضعيفة في الوعي الديني والوعي الاجتماعي وأضعف في الوعي السياسي، وذلك ما جر عليها ويلًا عظيمًا وشقاءً كبيرًا وسلط عليها القيادة الزائفة وفضحها في كل معركة» اهـ.
إذن، فمحاولة لإعادة تقويم وعي الأمة وتجاوز هذا الجحر اللادغ! سطَّرت هذه الكلمات، عملًا بقول ربنا ﷻ : ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٢). ورضي الله عن حذيفة إذ يقول: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني» (٣)، وعن عمر إذ يقول: «إنما تُنقَض عُرَى الإسلام عروة عروة إذا نشأ فى الإسلام من لم يعرف الجاهلية»؛ قال ابن القيم ﵀ (٦٩١ - ٧٥١هـ) (٤): «وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك وما عابه القرآن وذمه، وقع فيه وأقره، ودعا إليه وصوَّبه وحسَّنه. وهو لا يعرف أنه هو الذي كان عليه أهل الجاهلية أو نظيره، أو شر منه أو دونه، فينقض بذلك عرى الإسلام عن قلبه ويعود المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والبدعة سنة والسنة بدعة، ويُكَفَّر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد، ويُبَدَّع بتجريد متابعة الرسول ﷺ ومفارقة الأهواء والبدع، ومن له بصيرة وقلب حيٌّ يرى ذلك عيانًا، والله المستعان» اهـ.
стр. 16
والإشكال الذي نواجهه هنا هو أنه، وكما يصف الأستاذ عبد المنعم شفيق (١): «بين مُسلَّمات عقدية راسخة، وأصول مستقرة، وبين واقع ضاغط على الفكر والشعور، تضطرب الرؤى وتحار العقول». إلا أنه يحضرني قول أختم به للدكتور حسن ظاظا ﵀ (١٩١٩ - ١٩٩٩م)، أستاذ العبرية بجامعة الإسكندرية، حيث قال (٢): «قد يستطيع الإنسان تزييف الحقائق، وقد يسهل عليه أن يكذب حتى يصدِّق هو نفسه كل أكاذيبه، وينسى أنه مخترعها الأصلي. ولكن رغم هذا يبقى دائمًا شيء واحد: الكلمة المكتوبة منذ آلاف السنين، والآثار التي تحدد بالضبط عمر الأشياء وعمقها، ومخطوطات التاريخ التي تظل دائمًا هي المرجع وكلمة الصدق الوحيدة التي لا تميل مع أهواء البشر، وحتى إذا حدث ومالت، فبين سطورها تستطيع الحقيقة دائمًا أن تجد لها مكانًا» اهـ.
وقد سميت الرسالة: (حصان طروادة: الغارة الفكرية على الديار السُّنِّية).
وقسمتها إلى مقدمة وبابين وخاتمة:
الباب الأول: وقد عنونته بـ (حصان رومي)، ويتكون من ثلاثة فصول:
- الفصل الأول: المسلك المختار لدعوة الحوار: ونوضح فيه معنى الحوار لغة واصطلاحًا، ومتى كانت بِداءةُ تداوله كمصطلح سياسي أيديولوچي (٣)، ثم نميِّز مستويات هذا الحوار وننقب عن البواعث الخفية للحوار العالمي المسيَّس للتقريب بين الإسلام والنصرانية من خلال طرح ما يسمى بـ (إشكالية الحوار والبشارة)، ثم نبين ضوابط الحوار الشرعي المحمود بين المسلمين وغيرهم. ونقيس على ذلك مساعي التقريب بين أهل السنة والجماعة والشيعة الإمامية، وقد رأيت دمجهما في فصل واحد لاتصال قواعد المسألتين نسبيًا.
стр. 17
- الفصل الثاني: بين أوربانية الماضي والحاضر: ننتقل فيه إلى مناقشة واقع الرؤية الغربية للعالم الإسلامي والمسلمين، والجذور الفكرية العميقة الداعمة لهذه الرؤية، والتي أثمرت عن حروب صليبية متصلة قديمًا وحديثًا على عدة مستويات.
- الفصل الثالث: الصهيونية، رؤية مغايرة: وفيه نستكمل ما ناقشناه في الفصل الثاني ولكن من زاوية أخرى، وذلك ببيان واقع العلاقة بين اليهود والنصارى على مر التاريخ، والتي طُمِسَ عن عمد - غالبًا - الكثير من معالمها وغُلِّب عليها الرؤية الصهيونية المحصورة في دائرة (المؤامرة اليهودية العالمية) من جهة، و (معاداة السامية) من جهة أخرى. ثم نقدم عرضًا تاريخيًا تحليليًا أكثر عمقًا لهذه البدعة الصهيونية، وكيف أنها في حقيقتها امتداد للحرب الصليبية القديمة، ونبين كيف اجتمع القوم على كلمة سواء للقضاء على أمة الإسلام، عملًا بقاعدة: «أن نجتمع فيما اتفقنا فيه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه»!
أما الباب الثاني: وقد عنونته بـ (حصان فارسي): ننتهج فيه نهجًا مغايرًا لما اتخذناه في الباب الأول، يقوم على دراسة (تاريخية-عقائدية) لفرقة الشيعة الرافضة الاثني عشرية؛ فقد رأيت أن رصد الجانب العقدي وإبراز بعض المسائل التاريخية التي شابها التحريف قد يكون كافيًا لوضع التصور العام لما ينبغي أن يكون عليه الحوار والتعايش، بعيدًا عن الدخول في متاهات ودهاليز سياسية مختصر النصيحة فيها قول القائل: «الأحضان الإيرانية ليست دائمًا دافئة!».
وقد قسمت الباب إلى ثلاثة فصول:
- الفصل الأول: تشيُّع أم رفض؟ وقفة تاريخية تأصيلية: وفيه نلقي نظرة تاريخية عامة على تاريخ التشيع ومراحل تطوره والمحطات التي أخرجته من دائرة السياسة إلى الانحراف العقدي إلى أن ظهرت فرقة الرافضة الاثني عشرية، ذلك مع بيان حال الشيعة الأوائل وتسليط الضوء على بعض الوقائع التاريخية التي وقع فيها التشويه المتعمد لسيرة السادة صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم، مع إدراج تأصيل علمي لمعنى الصحبة لغة واصطلاحًا وبيان حكم الإسلام فيمن تناول الصحابة ﵃ بسوء.
- الفصل الثاني: عقيدة أهل المذهب الفقهي الخامس: ونراجع فيه بعض الأصول
стр. 18
والاعتقادات التي تفردت بها الشيعة الإمامية نقلًا عن كتبهم المعتمدة رأسًا، وبيان مخالفتها لصريح الكتاب والسنة والإجماع والمعقول، وفيه رد على من اختزل دينهم وجعله مذهبًا فقهيًا خامسًا يجوز للعامِّي المُتَّبِع التعبد به، ثم بيان العلاقة الحميمة بين صحابة الرسول وآل بيته الأطهار ﵃ من كتب الإمامية كذلك، ثم بيان موقف علماء الإسلام المتقدمين والمتأخرين من هذه الفرقة ومعتقداتها.
- الفصل الثالث: شبهات وردودها: ونتناول فيه بعض أهم الشبهات التي يروج لها القوم إجمالًا فيما يتعلق بإمامة سيدنا علي بن أبي طالب ﵁ وفيما يتناول الطعن في عدالة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.
ثم الخاتمة.
وأنا أُشهِد الله تعالى وأعلم من نفسي أنني لست أهلًا لهذا المقام، ولكن لعل دافعي كان قول رسول الله ﷺ : «رُب مُبَلَّغ أوعى من سامع» (١)، وقوله ﷺ : «رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» (٢).
يقول الشيخ العثيمين ﵀ (٣): «إذا كان الإنسان على بصيرة فيما يدعو إليه، فلا فرق بين أن يكون عالمًا كبيرًا يُشار إليه، أو طالب علم مُجِد في طلبه، أو عامِّيًا لكنه عَلِم المسألة علمًا يقينيًا، فإن الرسول ﷺ يقول: "بلِّغوا عني ولو آية" (٤)، ولا يشترط في الداعية أن يبلغ مبلغًا كبيرًا في العلم، لكن يشترط أن يكون عالمًا بما يدعو إليه» اهـ.
فخذ بعلمي وإن قصَّرتُ في عملي ... ينفعك علمي ولا يضررك تقصيري
ولا يفوتني بعد حمد الله تعالى جل ثناؤه، حمدًا كما ينبغي لجلال وجهه ولعظيم سلطانه - لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك - لا يفوتني أن أتقدم بشكر واجب لكل من أعان على نشر هذه الرسالة وأسهم فيها بالرأي والنصح، فقد علَّمنا
стр. 19
رسول الله ﷺ إنه «لا يشكُرُ اللهَ من لا يشكُرُ الناس» (١)، وأخص بالذكر: الفقيد الحبيب الدكتور محمد يسري سلامة (١٩٧٤ - ٢٠١٣م)، الذي كان له الأثر القوي في إخراج هذا البحث على هذا الحال، لاسيما الباب الأول منه، والذي أفادني فيه بنصائحه الثاقبة ودعمه الكبير، ووصفه بالبحث الممتاز، رحمه الله تعالى وغفر له.
وللجميع أقول: إن لسان حالي يعجز عن شكركم، ولكن عزائي أن «من صُنِعَ إليه معروفٌ فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا، فقد أبلغ في الثناء» (٢).
فجزاكم الله خيرًا ..
والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله
والحمد لله أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله الأطهار، وصحبه الأخيار، وسلم تسليمًا كثيرًا
وكتبه
عمرو كامل عمر
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
وكانت بداءته في القاهرة، عصر يوم الخميس
٢٤ من شهر الله المحرم ١٤٢٧هـ
الموافق ٢٣ فبراير/شباط ٢٠٠٦م
وكان الفراغ منه في الإسكندرية، عصر يوم النَحْر
الثلاثاء ١٠ من ذي الحجة ١٤٣١هـ
الموافق ١٦ نوفمبر/تشرين الثاني ٢٠١٠م
amrkamelomar@hotmail.com
стр. 20
الباب الأول حصان رومي
الفصل الأول: المسلك المختار لدعوة الحوار
الفصل الثاني: بين أوربانية الماضي والحاضر
الفصل الثالث: الصهيونية، رؤية مغايرة
стр. 21
الفصل الأول: المسلك المختار لدعوة الحوار
стр. 22
- - ﴿المسلك المختار لدعوة الحوار﴾ - -
﴿وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم﴾ (١)
شاع في العقود الأخيرة استعمال مصطلح (الحوار Dialogue) على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية، وطال ذلك دعوة التقريب بين الأديان وما شابهها من دعاوى، فطغى هذا التعبير على ما عداه، وصار محبَّذًا لدى المشتغلين في هذا الحقل، مقدمًا على غيره من الاصطلاحات، مما يستدعي إلقاء الضوء على دلالته ..
فـ (الحوار) من حيث اللغة: مادته (حور)، و (الحور) - كما يقول ابن منظور (٦٣٠ - ٧١١هـ) (٢) - «الرجوع عن الشيء وإلى الشيء ... و (المحاورة): المجاوبة. و (التحاور): التجاوب ... و (هم يتحاورون): أي يتراجعون الكلام. و (المحاورة): مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة».
ومنه قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ (٣)، وقوله : ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ (٤).
فحقيقته اللغوية إذن مطابقة لحقيقته الاصطلاحية التي تعني التباحث بين طرفين أو أكثر، ومراجعة الكلام بينهم بغرض التوصل إلى اتفاق، وإبداء وجهة نظر.
ومفهوم الحوار في الفكر السياسي والثقافي المعاصر - كما يذكر الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري (٥) - «من المفاهيم الجديدة حديثة العهد بالتداول، فليس الحوار من ألفاظ القانون الدولي، إذ لا يوجد له ذكر أصلًا في ميثاق الأمم المتحدة، ولا في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولا في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ولا في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا في إعلان
стр. 23
مبادئ التعاون الثقافي الدولي. وتأسيسًا على ذلك، فإن الحوار مفهوم سياسي أيديولوچي ثقافي حضاري، وليس مفهومًا قانونيًا» اهـ.
ولعل من أسباب شيوع هذا الشعار كونه لا يفصح - بحد ذاته - عن هدف مبيت، أو يوحي بتوجه معين، يمكن أن يعد ملزمًا أو محرجًا للمنادين به من الطرفين. فالحوار لافتة تخفي وراءها أشكالًا متنوعة من المضامين، ووعاءٌ يمكن أن يحوي مواد متباينة (١).
ونحن هنا - كما تبين من مقدمة البحث - بصدد مناقشة مسألة ذات مستويين: مستوى (إسلامي-كتابي)، ومستوى آخر (سُنِّي-شيعي).
دعوة التقريب: على المستوى الأول (الإسلامي-الكتابي):
إنه من بين أكثر من ثلاثمائة مؤتمر من مؤتمرات التقريب بين الأديان، والعديد من المناسبات والاحتفالات المشتركة جرت في العصر الحديث، بالإضافة إلى الكتابات الصادرة من دعاة التقريب ومنظِّريه (٢)، يمكن أن نميز ثلاثة اتجاهات، لا يفصلها حدود حاسمة في مجال التطبيق العملي الميداني، وتعمل كلها تحت مظلة (حوار الأديان Interfaith Dialogue)، وهذه الاتجاهات هي:
- وحدة الأديان.
- توحيد الأديان.
- التقريب بين الأديان.
стр. 24
الاتجاه الأول (وحدة الأديان):
هو الاعتقاد بصحة جميع المعتقدات الدينية، وصواب جميع العبادات، وأنها طرق إلى غاية. وهذا الاتجاه، بطبيعة الحال يتسم بالدعوة إلى التخفف من السمات العقدية والتشريعية الخاصة بكل ديانة، بحسبانها ظواهر وتقاليد تاريخية محلية لشعب معين، في حقبة تاريخية معينة، والانضواء تحت مفاهيم عامة، وجمل فضفاضة.
ويمثل هذا الاتجاه في التاريخ زنادقة الصوفية من أرباب الاتحاد والحلول ووحدة الوجود، كالحلاج (ت. ٣٠٩هـ) وابن الفارض (ت. ٦٣٢هـ)، وابن عربي الأندلسي الملقب بالشيخ الأكبر والكبريت الأحمر (ت. ٦٣٨هـ)، القائل (١):
لقد صار قلبي قابلًا كل صورة ... فمرعىً لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف ... وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنى توجهَت ... ركائبه فالدين ديني وإيماني
وتلقف هذا المعتقد من بعده مختلف الفرق الباطنية، ثم متصوفة العصر السائرون على خطى ابن عربي وأمثاله. ولعل أول من جهر بهذه الدعوة من الإسلاميين في العصر الحديث هو جمال الدين الأفغاني (١٨٣٨ - ١٨٩٧م)، حيث يقول في خاطراته ما نصه (٢): «... ثم رجعت لأهل جرم الأرض وبحثت في أهم ما فيه يختلفون فوجدته (الدين)، فأخذت الأديان الثلاثة وبحثت فيها بحثًا دقيقًا مجردًا عن كل تقليد، منصرفًا عن كل تقيد، مطلقًا للعقل سراحه. فوجدت بعد كل بحث وتنقيب وإمعان، أن الأديان الثلاثة، الموسوية والعيسوية والمحمدية، على تمام الاتفاق في المبدأ والغاية. وإذا نقص في الواحدة شيء من أوامر الخير المطلق، استكملته الثانية. وإذا تقادم العهد على الخلق وتمادوا في الطغيان، أو ساءت الكهان فهم الناموس، أو أنقصوا من جوهره، أتاهم رسول بأرفاد وتأييد، فأكمل لهم ما أنقصوه، وأتم بذاته ما أهملوه.
وعلى هذا لاح لي بارق أمل كبير أن تتحد أهل الأديان الثلاثة مثل ما اتحدت الأديان
стр. 25
في جوهرها وأصلها وغايتها وأنه بهذا الاتحاد يكون البشر قد خطوا نحو السلام خطوة كبيرة في هذه الحياة القصيرة. وأخذت أضع لنظريتي هذه خططًا وأخط أسطرًا وأحبر رسائل للدعوة، كل ذلك وأنا لم أخالط أهل الأديان كلهم عن قرب وكثب ولا تعمقت في أسباب اختلاف أهل الدين الواحد وتفرقهم فرقًا وشيعًا وطوائف
ولكن ما علمت أن دون اتحاد أهل الأديان، تلك الهوات العميقة وأولئك المَرازِبة (١) الذين جعلوا كل فرقة بمنزلة (حانوت) وكل طائفة كمنجم من مناجم الذهب والفضة! ورأس مال تلك التجارات، ما أحدثوه من الاختلافات الدينية والطائفية والمذهبية ... علمت أن أي رجل يجسر على مقاومة التفرقة ونبذ الاختلاف وإنارة أفكار الخلق، بلزوم الائتلاف، رجوعًا إلى أصول الدين الحقة - فذلك الرجل - هو هو يكون عندهم قاطع أرزاق المتجرين في الدين! وهو هو في عرفهم: الكافر، الجاحد، المارق، المخردق، المهرتق، المفرق إلخ» اهـ.
كما نحى هذا المنحنى بعض شعراء المهجر من النصارى العرب كجبران خليل جبران (١٨٨٣ - ١٩٣١م)، القائل تحت عنوان: (لكم فكرتكم ولي فكرتي) ما نصه (٢): «تقول فكرتكم: "الموسوية، البرهمية، البوذية، المسيحية، الإسلام". أما فكرتي فتقول: "ليس هناك سوى دين واحد مجرد مطلق تعددت مظاهره وظل مجردًا، وتشعبت سبله ولكن مثلما تتفرع الأصابع من الكف الواحدة". وتقول فكرتكم: " الكافر، المشرك، الدهري، الخارجي، الزنديق". أما فكرتي فتقول: "الحائر، التائه، الضعيف، الضرير، اليتيم بعقله وروحه"» اهـ.
وفي هذا السياق كذلك يعقد عشاق التصوف المؤتمرات في تخليد ذكرى بعض (أولياء الصوفية) و (قديسي النصرانية)، تحت مسميات (الإيمانيات) و (الروحانيات) ونحوها، وكان من أبرز المشتغلين بهذا الأمر (فريق البحث الإسلامي المسيحي Groupe de
стр. 26
Recherches Islamo-Chrétien
GRIC) المنطلق من فرنسا، والذي ينص في وثيقته التأسيسية على أنه «كما يشدد المسلمون، سنة كانوا أو شيعة أو خوارج، على هويتهم الإسلامية المشتركة، والمسيحيون كاثوليك كانوا أم أرثوذكس أم پروتستانت على أخوتهم في المسيح، نحن مدعوون مسلمين ومسيحيين، للتأكيد على هويتنا المشتركة كمؤمنين إخوة في الله. بهذا المعنى، وبه دون غيره، نرى أن القول بـ"مسكونية الأديان" (١) معبِّر عن حقيقة لقائنا» (٢).
ومن أبرز منظِّري هذا الاتجاه (وحدة الأديان) في العقود الثلاثة الأخيرة، المفكر الفرنسي روچيه جارودي Roger Garaudy (١٩١٣ - ٢٠١٢ م)، ولكن من منطلق (إنساني) بالدرجة الأولى، قبل وبعد إسلامه عام ١٩٨٢م، ثم باستدلال (صوفي) بدرجة ثانية، بعد ذلك. وهو يطرح نوعين من الوحدة:
- أحدهما: وحدة صغرى، وهي (الإبراهيمية)، ويهدف من ورائها إلى توحيد الأديان التي تعلن انتماءها إلى أبي الأنبياء إبراهيم ﵇، أي: الإسلام والنصرانية واليهودية.
- والآخر: وحدة كبرى، تشمل جميع الأديان والملل الوثنية، بل والملحدين! بجانب أن تلكم الوثنيات آثار نبوات سابقة، وأن الملحدين يؤمنون بـ (الإنسان) وأن للحياة (معنى) (٣).
стр. 27
الاتجاه الثاني (توحيد الأديان):
ويُقصَد به المحاولات الساعية قديمًا وحديثًا إلى دمج جملة من الأديان والملل في دين واحد مستمد منها جميعًا، بحيث ينخلع أتباع تلك الأديان منها، وينخرطون في الدين الملفق الجديد.
وفرق ما بينه والاتجاه السابق، أن المناداة بـ (وحدة الأديان) تعني تصويب أوضاع قائمة ضمن أطرها الخاصة التي تميزها، بشرط عدم نفي أو استبعاد الآخرين، وربط تلك الوحدات المفردة بإطار عام يسوغ توجهاتها جميعًا. في حين أن (توحيد الأديان) تفعيل يقتضي إنهاء وحَلّ تلك الأوضاع السابقة ونسخها بوضع جديد، وإن كانت عناصره مأخوذة من حطام سابق.
ويميز الباحثون في تاريخ الملل بين لونين من ألوان الدمج والتوحيد، وهما: الالتقاطية، والتلفيقية:
فـ (الالتقاطية/إكلكتيسيزم Eclecticism): هي عملية دمج عناصر مختلفة دون محاولة إيجاد تنسيق منهجي بينها. ومثال ذلك في القديم، ما رواه أهل التفسير عن ابن عباس ﵁ في سبب نزول سورة الكافرون «أن الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب وأمية بن خلف لقوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد، هلُمَّ فلتعبد ما نعبد، ونعبد ما تعبد، ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيرًا مما بأيدينا، كنا قد شاركناك فيه، وأخذنا بحظنا منه. وإن كان الذي بأيدينا خيرًا مما بيدك، كنت قد شركتنا في أمرنا، وأخذت بحظك منه، فأنزل الله ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾» (١)، وعنه أيضًا: «قالت قريش للنبي ﷺ ... فنحن نعرض عليك خصلة واحدة هي لنا ولك صلاح، تعبد آلهتنا اللات والعزى سنة، ونحن نعبد إلهك سنة، فنزلت السورة» (٢).
стр. 28
ومثاله كذلك الديانة السيخية التي أسسها الجورو (١) ناناك (١٤٦٩ - ١٥٣٩م) في الهند في مطلع القرن السادس عشر، ودمج فيها بين الهندوسية والإسلام بقوله: «إن الله ليس هندوسيًا ولا مسلمًا، وأنا أسلك طريق الله»، ثم ادعى لنفسه الرسالة (٢).
ومثال ذلك في العصر الحديث الديانة (المونية Moonism) التي اخترعها الكوري الشمالي صن مايونج مون Sun Myung Moon في خمسينات القرن الماضي، وأسس لها كنيسة الاتحاد Unification Church، وادعى أنه هو المسيح المنتظر (٣).
أما (التلفيقية/سينكريتيزم Syncretism): فهي عملية دمج عناصر مختلفة مع محاولة إيجاد تنسيق منهجي بينها. ومثال ذلك - فيما يراه الدكتور القاضي - جماعة (كريسلام Crislam) التي أسسها الأب الإسپاني إيميليو جاليندو آجيلار Emilio Galindo Aguilar في عام ١٩٨٤م، فيقول (٤): «يمكن أن نحسب محاولات الأب الإسپاني إيميليو غاليندو آغيلار ومجموعته التي كانت تسعى إلى الوصول إلى صيغة عقدية موحدة تتجاوز حدود (الإبراهيمية) التي جاء بها جارودي وغيره لتشمل سائر الوثنيات، ولكن ليس تحت شعار غير ديني كما صنع جارودي أيضًا باسم (الإنسانية) أو (المعنى)، وإنما النفاذ إلى (البؤر الدينية) لكل دين أو نحلة، التي ستكون واحدة، في حسبان غاليندو، وهي ألوهية المسيح، تعالى الله عما يقولون علوًا عظيمًا» اهـ (٥).
وهذان الاتجاهان (الأول والثاني) ليسا هما مدار بحثنا (٦)، وإنما مدار البحث ومحل الإشكال في:
стр. 29
الاتجاه الثالث (التقريب بين الأديان):
وهو الاتجاه الأعم من حيث الدلالة، كما أنه الاتجاه السائد من حيث التطبيق؛ فهو يمثل معظم المحاولات العالمية والإقليمية والمحلية لإيجاد تواصل، وبناء علاقات بين مختلف الأديان والملل.
وعبارة (التقريب بين الأديان) - في ذاتها - هي عبارة مطاطية وحمَّالة للأوجه، لا تحمل مدلولًا اصطلاحيًا محددًا، فضلًا أن تكون ذات حقيقة شرعية ثابتة؛ فلفظ (التقريب) أو (التقارب Rapprochement) يدل على مسألة نسبية هي (القرب)، تتفاوت في حقيقتها وتطبيقاتها لدى مختلف الأطراف، بل وفي نظرة كل طرفٍ على حدة، في فترة زمنية معينة، فقد تقتصر على حدٍ أدنى من المجاملات الشكلية، وقد توغل في الاقتراب إلى درجة الاندماج والوحدة وسقوط الفوارق، وبين هذا وذاك مراتب عديدة.
الخصائص الفكرية التي يقوم عليها هذا الاتجاه والملاحظ عليها:
ويقوم هذا الاتجاه التقريبي على خصائص فكرية تتلخص في النقاط التالية:
- اعتقاد إيمان الطرف الآخر، وإن لم يبلغ الإيمان التام الذي يعتقده هو.
- نبذ ما يقوم به أرباب (الالتقاطية) و (التلفيقية) من جمع عناصر من مختلف الأديان أو محاولة حمل بعضها على بعض للوصول إلى وضع موحَّد.
- الاعتراف بالآخر، واحترام عقائده وشعائره، ورفع الأحكام المسبقة.
أما من الناحية المنهجية، فيعتمد الأساليب التالية:
- الدعوة إلى التعرف على الآخر كما يريد أن يُعرَف.
- تجنب البحث في المسائل العقدية الشائكة.
- نسيان الماضي التاريخي، والاعتذار عن أخطائه، ومحاولة التخلص من آثاره.
- إبراز أوجه التشابه والاتفاق، وإقصاء أوجه الاختلاف والافتراق.
- التعاون على تحقيق القيم المشتركة.
стр. 30
- تبادل التهاني والزيارات والمجاملات في المناسبات الدينية المختلفة (١).
وعند إمعان النظر في هذه البنود وقراءة ما وراء سطورها ثم النظر إلى تطبيقاتها العملية في الواقع المشاهد نجد ما يدعو للشك والارتياب بل والطعن في حسن النية! وذلك - فيما رأيت - لأربعة أمور رئيسة:
الأول: هو أن ما تدعو إليه البنود إجمالًا من (الاعتراف بالآخر) فيما يخص الجانب العقدي، إضافة إلى تجنب البحث في المسائل العقدية الشائكة، فهذا قد حث عليه باعث خفي لدى القوم لانتزاع اعتراف ضمني من المسلمين بصحة دينهم، وهذا لا يستقيم بحال مع قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (٢)، بل له أبلغ الأثر في صد النصارى واليهود عن سبيل الله، وفيه تعطيل لما توظفت به هذه الأمة من وظيفة الإبلاغ عن الله؛ والتي ذهب العلماء إلى أنها (الأصل) في علاقة المسلمين بغيرهم، ودليل ذلك رسائل النبي ﷺ إلى الملوك والأمراء، وقول ابن عباس ﵁: «ما قاتل رسول الله ﷺ قومًا قط إلا دعاهم» (٣)، بل وهي مكمن الخيرية التي أخبر الله تعالى عنها في قوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ (٤). وهذا الباعث ما تقوَّى لدى القوم إلا بسبب ما هو مشاهد من انتشار لدين الإسلام في ديارهم سلمًا، لا عنوة كما يُشبِّهون على الناس!
وقد لام صاحب الظلال ﵀ على المنجرفين وراء هذا التيار فقال (٥): «إن الدين الذي نزل على رسول الله ﷺ هو الدين عند الله، والتسامح يكون في المعاملات الشخصية، لا في التصور الاعتقادي ولا في النظام الاجتماعي. أما هؤلاء، فيحاولون تمييع اليقين الجازم في نفس المسلم الذي يقرر أن الله لا يقبل دينًا إلا الإسلام، وأن على المسلم أن يحقق منهج الله الممثل في الإسلام ولا يقبل دونه بديلًا، ولا يقبل فيه تعديلًا - ولو طفيفًا - قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ (٦)، ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٧). والإسلام قد جاء ليصحح اعتقادات أهل الكتاب كما
стр. 31
جاء ليصحح اعتقادات المشركين والوثنيين سواء، ودعاهم إلى الإسلام جميعًا لأن هذا هو الدين الذي لا يقبل الله غيره من الناس جميعًا، والمسلم مكلف أن يدعو أهل الكتاب إلى الإسلام، كما يدعو الملحدين والوثنيين سواء، وهو غير مأذون في أن يكره أحد من هؤلاء ولا هؤلاء على الإسلام، لأن العقائد لا تنشأ في الضمائر بالإكراه، فالإكراه في الدين فوق أنه منهي عنه، هو كذلك لا ثمرة له» اهـ (١).
بل وكما استقر عند المسلمين بداهة أن أهم القضايا التي يجادلون فيها أهل الكتاب هي قضية التوحيد المطلق لله تعالى في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، ونبذ مظاهر الشرك وعبودية ما سوى الله تعالى، أي قضية (العودة إلى الأصل)؛ فكما أخبر رسول الله ﷺ عن رب العزة ﷻ : «وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرَّمَت عليهم ما أحللتُ لهم، وأمَرَتْهُم أن يشركوا بي ما لم أنْزِل به سلطانًا» (٢). والعمدة في هذا الجدل الشرعي الصحيح قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٣). ولكن - كما يقول الدكتور القاضي (٤) - «دعاة الحوار الحديث يريدون تنحية هذه القضية الأساسية وتحاشيها، لأن الحوار فيها يفسد الحوار، وهكذا يصبح الحوار غاية لا وسيلة. وفضلًا عن ذلك هو غاية غير واضحة يخبط المتحاورون فيه في التيه، بحرية ومغامرة لا يدرون إلى أين ينتهون» اهـ.
стр. 32
أما الأمر الثاني: فهو ما يؤدي إليه إعمال هذه البنود من فَصْم لعُرَى الإيمان؛ فلقد أخبر ربنا ﷻ أن أوثق عرى الإيمان هي الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا﴾ (١)، بل وكما فصَّل رسوله ﷺ فيما رواه عنه الطبراني (٢٦٠ - ٣٦٠هـ) أن «أوثق عرى الإيمان: الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله» (٢)، فلا ريب أن إعمال هذه البنود على وجهها يؤدي - ولا بد - إلى محو حاجز الولاء والبراء الدقيق الفاصل، وهذا خطر عظيم!
وللدكتور صلاح الصاوي كلام نفيس في هذا الباب فيقول (٣): «إذا كان المقصود بالحوار بسط قضية الإسلام فهذا مما تعبد الله به عباده في جميع الأطوار والأحوال، سواء كانت الأمة في حالة انتصار أم في حالة انكسار. فنحن أمة دعوة ورسالة نبلغها لغيرنا من الناس في جميع أطوارنا، وفي جميع أحوالنا، فلا خلاف على بسط قضايانا، والدفاع عنها، وحشد الأدلة لإثباتها في أي طور، وعلى أية حالة كنا، فهذا القدر من المحكم يكمله أيضًا ألا ينكسر حاجز الولاء والبراء الذي أقامته الشريعة وجعلته أساسًا في التعامل بين المسلم وغير المسلم.
وقضية الولاء والبراء من القواعد المحكمة في دين المسلمين، وقد وردت فيها عشرات الآيات والأحاديث، وفي أزمنة الانكسار يرق هذا الحاجز ويضعف ويحدث فقه التبرير الذي تنشئه عوامل الوهن التي تمر بها الأمة من ناحية، ومفاهيم الاختراق الوافدة من ناحية أخرى ... وإذا كنا لا نستطيع أن نقدم شيئًا لديننا في عالم القوة المادية فلا أقل من أن نحافظ على نقائه وصفائه، ونورثه نقيًا متكاملًا للجيل القادم فعسى أن يفتح الله على أبنائنا فيما فشلنا نحن فيه. أما أن ننكسر على مستوى المفاهيم فهذه خيانة عظمى للإسلام وللحقيقة المجردة.
لكن من ناحية السلوك العملي فنحن نفرق بين الولاء والمداراة، فالتسامح موجود
стр. 33
للمسلمين ولغيرهم، والمداراة يلجأ إليها الناس حينما يكونون في حالة ضعف وانكسار، وطبيعي حينما أكون ضعيفًا ومنكسرًا ألا تطلب مني أن أتصرف باعتباري قويًا ومتمكنًا. وعندما تكون الأمور على هذا النحو فمنطق التسامح والتآلف وارد، ومنطق الدعوة والاستماتة في الدفاع عن قضية الإسلام وفي بسط حججه وفي دحض شبهات وأباطيل خصومه وارد وهام.
وعمومًا فإن علاقتنا بالغرب وبغير المسلمين علاقة دعوة وعلاقة بلاغ، ونحن أمة دعوة ورسالة، ونحن أصحاب الدين الذي ارتضاه الله لعباده، وقد نسخت الأديان كلها، ونحن نمسك بأيدينا المصحف الذي حماه الله من التحريف والتبديل، على حين حرفت الكتب السماوية كلها، فلم يبق على الأرض وحي معصوم إلا القرآن والسنة. ولم يبق دين يقبله الله ويرتضيه لعباده إلا الإسلام، فبقدر جسامة هذا الموقع وهذه المسئولية ينبغي أن تكون أمانة الدعوة، وأمانة البلاغ مع المحافظة على عقيدة الولاء والبراء حتى لا تنكسر هذه الأمة على ما فيها من انكسار، وحتى لا تذوب هويتها في معترك الأفكار والسياسات» اهـ.
أما الأمر الثالث: فهو لأمر كوني قدري مسلَّم به ابتداءً، وهو أنه مهما بلغت بالقوم درجة التسامح والتعايش السلمي في عصر ثقافة السلام المشبوهة، فهو أمر محدود بقول الله تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (١)، وقوله : ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاء﴾ (٢)، وقوله تعالى أيضًا: ﴿يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَابَى قُلُوبُهُمْ﴾ (٣)، بل وقوله ﷻ : ﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (٤) وغير ذلك، بل ومحدود كذلك بما أخبر به الصادق الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ عما سيقع في آخر الزمان من الفتن والملاحم.
ولكن أود هنا الإشارة إلى أن كون هذا (التصادم) أمرًا حتميًّا مقضيًّا فيه لا يتنافى مع كون الأصل في العلاقة بغير المسلمين هي السلم لا الحرب، وهذا ما تطمئن النفس إلى قبوله من قولي أهل العلم (٥)؛ فلقد قال النبي ﷺ : «لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله
стр. 34
العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا» (١)، حيث نهى النبي ﷺ عن الرغبة في الحرب وتمني لقاء العدو، وهذا يدل - كما يذكر الشيخ عبد الرحمن العقل (٢) - «على أن حالة الحرب حالة طارئة، لا يشرع للمسلم أن يتمناها إلا إذا قامت أسبابها، وتوافرت دواعيها».
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وذلك أن الله أباح من قتل النفوس ما يحتاج إليه في صلاح الخلق كما قال تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (٣)، أي إن القتل وإن كان فيه شر وفساد، ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أكبر منه، فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه» (٤).
ومن الأدلة القرآنية على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٥)، وفيه يقول السعدي ﵀ (١٣٠٧ - ١٣٧٦هـ) (٦): «أي: أجبهم إلى ما طلبوا متوكلًا على ربك، فإن في ذلك فوائد كثيرة، منها: أن طلب العافية مطلوب في كل وقت، فإذا كانوا هم المبتدئين في ذلك، كان أولى لإجابتهم» اهـ.
ولقد قال الإمام ابن جرير الطبري ﵀ (٢٢٤ - ٣١٠هـ) (٧): «فأما ما قاله قتادة ومن قال مثل قوله، من أن هذه الآية منسوخة، فقول لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة ولا عقل. وقد دللنا في غير موضع من كتابنا هذا وغيره على أن الناسخ لا يكون إلا ما نفى حكم المنسوخ من كل وجه. فأما ما كان بخلاف ذلك، فغير كائن ناسخًا.
وقول الله في براءة: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ (٨)، غير نافٍ حكمُه حكمَ قوله: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾، لأن قوله: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾، إنما عني به بنو قريظة، وكانوا يهودًا أهل كتاب، وقد أذن الله جل ثناؤه للمؤمنين بصلح أهل الكتاب ومتاركتهم الحرب على أخذ الجزية منهم. وأما قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾،
стр. 35
فإنما عُني به مشركو العرب من عبدة الأوثان الذين لا يجوز قبول الجزية منهم. فليس في إحدى الآيتين نفي حكم الأخرى، بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنزلت فيه» اهـ (١).
ولكن اللافت للنظر أن هذه الآية تأتي تالية لقوله جل شأنه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ (٢)، ومحل الشاهد هو أن الجنوح للسلم لم يتعارض مع إعداد المستطاع من قوة (رادعة) مانعة من تحرش العدو، وتأمل قوله في الآية: ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ﴾، فكيف يكون الإعداد لعدو مجهول حجمه وقوته إلا أن يكون في باب الردع؟! ومن لطيف ما حدثني به الفاضل، فاضل سليمان، أنه حينما تسلم وسامًا من وزارة الدفاع الأمريكي (الپنتاجون The Pentagon)، وجده منحوتًا عليه عبارة لاتينية شهيرة، وهي: Qui desiderat pacem praeparet bellum، ومعناها: أنه من أراد السلام فعليه الاستعداد للحرب Who wishes peace should prepare for war، وليس أبلغ من ذلك برهانًا!
ولكن قارن بين هذا التصور الغربي القرآني الأصل لمفهوم السلام وبين ما يريدونه لأمة الإسلام - من خلال دعوة الحوار المسيَّسة المائعة - من تقليم لأظافرها وتحطيم لذِرْوة سَنَامِها؛ أعني تشويه مفهوم الجهاد الإسلامي (٣)، والذي ما شرع إلا لإقامة العدل وتحقيق السلام، فهو ليس إرهابًا كما يدعون، وإنما هو (جهاد على الإرهاب) الممارَس
стр. 36
ضغطًا على المستضعفين، قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ (١).
ومن خلال الجمع بين معالم التاريخ والجغرافيا، تزداد صورة (جهاد الطلب) جلاءً وإشراقًا، ويتبين لها بُعد آخر بجانب تعبيد الله للناس اختيارًا وإزالة الطواغيت حتى تتاح لهم فرصة اختيار الدين بحرية؛ وهو الدفاع عن النفس، ودفع الظلم الواقع على الموحدين من أهل تلك البلاد، والذين عرفوا في التاريخ المشوه بكونهم هراطقة آريوسيين، أي أتباع لعقيدة آريوس التوحيدية، والذين - رغم غالبيتهم (٢) - عانوا من القتل والتعذيب على أيدي المؤمنين بالثالوث المقدس Trinity (٣) ،
ولذا تجد قول رسول الله ﷺ إلى هرقل في رسالته التي دعاه فيها إلى الإسلام: «وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين» (٤).
стр. 37
ونلخص هذه النقطة بالقول: أنه كفانا حجة أن الله تعالى من أسمائه ﴿السَّلَامُ﴾ (١)، وأن من أقبح الأسماء لديه اسم «حرب» (٢)، وكما يقول أهل العلم: أن الشارع الحكيم قد أوجب علينا كأفراد اتِّباع الشرع والإيمان بالقدر، وليس ترك الشرع والاحتجاج بالقدر.
أما الأمر الرابع: فهو أن إعمال هذه البنود ما لبث أن أظهر إشكالية بين الحوار والبشارة، الأمر الذي ألجأهم إلى بعض المناورات السياسية من أجل إمضاء الأهداف التبشيرية الرئيسة التي ابتدعها پولس مخرجًا دعوة المسيح من الخصوص إلى العموم بقوله على لسان عيسى ﵇ كما في متَّى: «اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمِّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس» (٣)، وقد قال عنه ربنا ﷻ : ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٤)، وكما يذكر إنجيل متَّى قول الرب: «يا بيت لحم، أرض يهوذا، ما أنتِ الصُغرى في مدن يهوذا، لأن منكِ يخرج رئيس يرعى شعبي إسرائيل» (٥)، بل وكما وصاهم المسيح بعدم الخروج إلى الأمم بقوله: «لا تقصدوا أرضًا وثنية ولا تدخلوا مدينة سامرية. بل اذهبوا إلى الخراف الضالة من بني إسرائيل» (٦).
ولا بأس أن ندلل على قولنا بالآتي؛ فلقد أخبرنا ربنا العليم الخبير فقال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي
стр. 38
لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ (١)، وليس أوضح مما تفوه به يوحنا پولس الثاني المدعو له بالرحمة! فقد قال في إرشاد رسولي بشأن المصالحة والتوبة Adhortatio Apostolica de Reconciliation et Paenitentia، نشر في الثاني من ديسمبر عام ١٩٨٤م، ما نصه (٢): «إن الحوار بالنسبة إلى الكنيسة هو نوعًا ما أداة، وعلى الأخص، طريقة للقيام بعملها في عالم اليوم. وفي الواقع أن المجمع الفاتيكاني الثاني، بعد أن علَّم أن "الكنيسة تبدو علامة لتلك الأخوة التي تجعل الحوار الصريح ممكنًا وتزيده قوة، وذلك لمقتضى الرسالة التي تمتاز بها، ألا وهي إنارة الكون كله ببشارة الإنجيل وتوحيد البشر بروح واحد ... وفي الواقع أن الكنيسة تستعمل طريقة الحوار لكي تحسن حمل الناس - سواء أكانوا يعرفون أنفسهم أنهم أعضاء الجماعة المسيحية بالعماد والاعتراف بالإيمان أم هم غرباء عنها - على الارتداد والتوبة، عن طريق تجديد ضميرهم وحياتهم تجديدًا عميقًا في ضوء سر الفداء والخلاص اللذين حققهما المسيح ووكلهما إلى خدمة كنيسته. إن الحوار الصحيح يرمي إذن بادئ بدء إلى تجديد كل من الناس بالارتداد الباطني والتوبة مع احترام كلِّي للضمائر (!)، واعتماد الصبر والتأني، والتقدم خطوة خطوة، على ما تقتضيه أحوال الناس في عصرنا» اهـ.
فكما يتبين إذن من كلامه، أن مبدأ الحوار لديه ما هو إلا كما تقدم قول أوليفييه كليمون: «عملية تغليف مذهَّبة عصرية لحبة قديمة كانوا يفرضونها قهرًا على الشعوب فيما مضى». وعملية التغليف المذهَّبة هذه تتكشف سوءاتها في البيان الختامي للمجمع الفاتيكاني الثاني (١٩٦٢ - ١٩٦٥م)، المعروف ببيان (في عصرنا Nostra Aetate)، الصادر في ٢٨ أكتوبر ١٩٦٥م، والذي جاء فيه (٣): «الكنيسة الكاثوليكية لا ترذل شيئًا مما هو حق ومقدس في هذه الديانات. بل تنظر بعين الاحترام والصراحة إلى تلك الطرق، طرق المسلك والحياة، وإلى تلك القواعد والتعاليم التي غالبًا ما تحمل شعاعًا من تلك الحقيقة التي تنير كل الناس، بالرغم من أنها تختلف في كثير من النقاط عن تلك
стр. 39
التي تتمسك بها هي نفسها وتعرضها. ولذا فهي تبشر وعليها أن تبشر بالمسيح دون انقطاع ...
وإذا كانت قد نشأت، على مر القرون، منازعات وعداوات كثيرة بين المسيحيين والمسلمين، فالمجمع المقدس يحض الجميع على أن يتناسوا الماضي وينصرفوا بالخلاص إلى التفاهم المتبادل، ويصونوا ويعززوا معًا العدالة الاجتماعية والخيور الأخلاقية والسلام والحرية لفائدة جميع الناس» (١).
فالمفارقة المريبة، هي أن البيان المجمعي Nosta Aetate، الذي كلَّف البابا يوحنا الثالث والعشرين Pope John XXIII (١٨٨١ - ١٩٦٣ م) الكاردينال بيا Cardinal Bea (١٨٨١ - ١٩٦٨ م) بإعداده عام ١٩٦٠م، كان قد تحدد في الأصل لمناقشة علاقة الكنيسة الكاثوليكية باليهود، ولقد جاءت مسودة النص المجمعي عن اليهود Decretum de Judaeis تزيل عنهم تهمة (قتل الله)! وردَّها في المقابل إلى ذنوب البشر أجمع (٢)، وترتب على ذلك الرضوخ للمساعي اليهودية المتتابعة منذ عام ١٩٢٠م لتعديل الصيغة التقليدية لصلاة الجمعة الحزينة، والتي تصف اليهود - كما جاء في رسالة كورنثوس الثانية - بأنهم «عميت أبصارهم، فلا يزال ذلك القناع إلى اليوم غير مكشوف عند قراءة العهد القديم، ولا ينزعه إلا المسيح» (٣)، حتى خففت صيغة الصلاة
стр. 40
في عام ١٩٧٠م إلى: «لنصلي من أجل الشعب اليهودي، أول من سمع كلام الله، أن يستمروا في الارتقاء في حبه والإخلاص لعهده ... يا رب استمع لكنيستك حينما تصلي من أجل من اخترتهم في القديم ليكونوا شعبك المختار، أن تمكنهم من الوصول إلى تمام الخلاص، ونحن نطلب ذلك من خلال المسيح ربنا، آمين» (١).
ولكن قوبلت مسودة البيان المجمعي بالرفض من قبل أساقفة البلدان العربية المشتركين في المجمع، حيث أجمعوا على أن التطرق إلى موضوع اليهود ونفي التهمة التاريخية عنهم قد يؤدي إلى الاعتراف بدولة إسرائيل من قبل الفاتيكان من جهة، وقد يخدم مصلحة اليهود سياسيًا في نزاعهم مع العرب من جهة أخرى. وفي المقابل، كان الاقتراح المقدم هو أن المسودة من الممكن لها أن تُقَر وتَصدُر فقط في حال إذا كان الفاتيكان سيتحدث عن ديانات أخرى، بما في ذلك الإسلام. وبالفعل مرت المسودة بعدة مراحل بعدها حتى انتهت إلى الصيغة النهائية للبيان Nostra Aetate (حول علاقة الكنيسة بالأديان غير المسيحية Declaratio de Ecclesiae Habitudine Ad Religiones Non-Christianas)، والذي محيت منه عبارات خلافية مثل تلك التي تنفي عن اليهود تهمة (قتل الله) (٢)، واكتفت في المقابل بالقول: «... وأن تكون سلطات اليهود وأتباعها هي التي حرضت على قتل المسيح، لا يمكن مع ذلك أن يُعزى ما اقترف أثناء آلامه، إلى كل اليهود الذين كانوا يعيشون آنذاك دونما تمييز ولا إلى يهود