ضغطًا على المستضعفين، قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ (١).
ومن خلال الجمع بين معالم التاريخ والجغرافيا، تزداد صورة (جهاد الطلب) جلاءً وإشراقًا، ويتبين لها بُعد آخر بجانب تعبيد الله للناس اختيارًا وإزالة الطواغيت حتى تتاح لهم فرصة اختيار الدين بحرية؛ وهو الدفاع عن النفس، ودفع الظلم الواقع على الموحدين من أهل تلك البلاد، والذين عرفوا في التاريخ المشوه بكونهم هراطقة آريوسيين، أي أتباع لعقيدة آريوس التوحيدية، والذين - رغم غالبيتهم (٢) - عانوا من القتل والتعذيب على أيدي المؤمنين بالثالوث المقدس Trinity (٣) ،
ولذا تجد قول رسول الله ﷺ إلى هرقل في رسالته التي دعاه فيها إلى الإسلام: «وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين» (٤).
стр. 37
ونلخص هذه النقطة بالقول: أنه كفانا حجة أن الله تعالى من أسمائه ﴿السَّلَامُ﴾ (١)، وأن من أقبح الأسماء لديه اسم «حرب» (٢)، وكما يقول أهل العلم: أن الشارع الحكيم قد أوجب علينا كأفراد اتِّباع الشرع والإيمان بالقدر، وليس ترك الشرع والاحتجاج بالقدر.
أما الأمر الرابع: فهو أن إعمال هذه البنود ما لبث أن أظهر إشكالية بين الحوار والبشارة، الأمر الذي ألجأهم إلى بعض المناورات السياسية من أجل إمضاء الأهداف التبشيرية الرئيسة التي ابتدعها پولس مخرجًا دعوة المسيح من الخصوص إلى العموم بقوله على لسان عيسى ﵇ كما في متَّى: «اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمِّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس» (٣)، وقد قال عنه ربنا ﷻ : ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٤)، وكما يذكر إنجيل متَّى قول الرب: «يا بيت لحم، أرض يهوذا، ما أنتِ الصُغرى في مدن يهوذا، لأن منكِ يخرج رئيس يرعى شعبي إسرائيل» (٥)، بل وكما وصاهم المسيح بعدم الخروج إلى الأمم بقوله: «لا تقصدوا أرضًا وثنية ولا تدخلوا مدينة سامرية. بل اذهبوا إلى الخراف الضالة من بني إسرائيل» (٦).
ولا بأس أن ندلل على قولنا بالآتي؛ فلقد أخبرنا ربنا العليم الخبير فقال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي
стр. 38
لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ (١)، وليس أوضح مما تفوه به يوحنا پولس الثاني المدعو له بالرحمة! فقد قال في إرشاد رسولي بشأن المصالحة والتوبة Adhortatio Apostolica de Reconciliation et Paenitentia، نشر في الثاني من ديسمبر عام ١٩٨٤م، ما نصه (٢): «إن الحوار بالنسبة إلى الكنيسة هو نوعًا ما أداة، وعلى الأخص، طريقة للقيام بعملها في عالم اليوم. وفي الواقع أن المجمع الفاتيكاني الثاني، بعد أن علَّم أن "الكنيسة تبدو علامة لتلك الأخوة التي تجعل الحوار الصريح ممكنًا وتزيده قوة، وذلك لمقتضى الرسالة التي تمتاز بها، ألا وهي إنارة الكون كله ببشارة الإنجيل وتوحيد البشر بروح واحد ... وفي الواقع أن الكنيسة تستعمل طريقة الحوار لكي تحسن حمل الناس - سواء أكانوا يعرفون أنفسهم أنهم أعضاء الجماعة المسيحية بالعماد والاعتراف بالإيمان أم هم غرباء عنها - على الارتداد والتوبة، عن طريق تجديد ضميرهم وحياتهم تجديدًا عميقًا في ضوء سر الفداء والخلاص اللذين حققهما المسيح ووكلهما إلى خدمة كنيسته. إن الحوار الصحيح يرمي إذن بادئ بدء إلى تجديد كل من الناس بالارتداد الباطني والتوبة مع احترام كلِّي للضمائر (!)، واعتماد الصبر والتأني، والتقدم خطوة خطوة، على ما تقتضيه أحوال الناس في عصرنا» اهـ.
فكما يتبين إذن من كلامه، أن مبدأ الحوار لديه ما هو إلا كما تقدم قول أوليفييه كليمون: «عملية تغليف مذهَّبة عصرية لحبة قديمة كانوا يفرضونها قهرًا على الشعوب فيما مضى». وعملية التغليف المذهَّبة هذه تتكشف سوءاتها في البيان الختامي للمجمع الفاتيكاني الثاني (١٩٦٢ - ١٩٦٥م)، المعروف ببيان (في عصرنا Nostra Aetate)، الصادر في ٢٨ أكتوبر ١٩٦٥م، والذي جاء فيه (٣): «الكنيسة الكاثوليكية لا ترذل شيئًا مما هو حق ومقدس في هذه الديانات. بل تنظر بعين الاحترام والصراحة إلى تلك الطرق، طرق المسلك والحياة، وإلى تلك القواعد والتعاليم التي غالبًا ما تحمل شعاعًا من تلك الحقيقة التي تنير كل الناس، بالرغم من أنها تختلف في كثير من النقاط عن تلك
стр. 39
التي تتمسك بها هي نفسها وتعرضها. ولذا فهي تبشر وعليها أن تبشر بالمسيح دون انقطاع ...
وإذا كانت قد نشأت، على مر القرون، منازعات وعداوات كثيرة بين المسيحيين والمسلمين، فالمجمع المقدس يحض الجميع على أن يتناسوا الماضي وينصرفوا بالخلاص إلى التفاهم المتبادل، ويصونوا ويعززوا معًا العدالة الاجتماعية والخيور الأخلاقية والسلام والحرية لفائدة جميع الناس» (١).
فالمفارقة المريبة، هي أن البيان المجمعي Nosta Aetate، الذي كلَّف البابا يوحنا الثالث والعشرين Pope John XXIII (١٨٨١ - ١٩٦٣ م) الكاردينال بيا Cardinal Bea (١٨٨١ - ١٩٦٨ م) بإعداده عام ١٩٦٠م، كان قد تحدد في الأصل لمناقشة علاقة الكنيسة الكاثوليكية باليهود، ولقد جاءت مسودة النص المجمعي عن اليهود Decretum de Judaeis تزيل عنهم تهمة (قتل الله)! وردَّها في المقابل إلى ذنوب البشر أجمع (٢)، وترتب على ذلك الرضوخ للمساعي اليهودية المتتابعة منذ عام ١٩٢٠م لتعديل الصيغة التقليدية لصلاة الجمعة الحزينة، والتي تصف اليهود - كما جاء في رسالة كورنثوس الثانية - بأنهم «عميت أبصارهم، فلا يزال ذلك القناع إلى اليوم غير مكشوف عند قراءة العهد القديم، ولا ينزعه إلا المسيح» (٣)، حتى خففت صيغة الصلاة
стр. 40
في عام ١٩٧٠م إلى: «لنصلي من أجل الشعب اليهودي، أول من سمع كلام الله، أن يستمروا في الارتقاء في حبه والإخلاص لعهده ... يا رب استمع لكنيستك حينما تصلي من أجل من اخترتهم في القديم ليكونوا شعبك المختار، أن تمكنهم من الوصول إلى تمام الخلاص، ونحن نطلب ذلك من خلال المسيح ربنا، آمين» (١).
ولكن قوبلت مسودة البيان المجمعي بالرفض من قبل أساقفة البلدان العربية المشتركين في المجمع، حيث أجمعوا على أن التطرق إلى موضوع اليهود ونفي التهمة التاريخية عنهم قد يؤدي إلى الاعتراف بدولة إسرائيل من قبل الفاتيكان من جهة، وقد يخدم مصلحة اليهود سياسيًا في نزاعهم مع العرب من جهة أخرى. وفي المقابل، كان الاقتراح المقدم هو أن المسودة من الممكن لها أن تُقَر وتَصدُر فقط في حال إذا كان الفاتيكان سيتحدث عن ديانات أخرى، بما في ذلك الإسلام. وبالفعل مرت المسودة بعدة مراحل بعدها حتى انتهت إلى الصيغة النهائية للبيان Nostra Aetate (حول علاقة الكنيسة بالأديان غير المسيحية Declaratio de Ecclesiae Habitudine Ad Religiones Non-Christianas)، والذي محيت منه عبارات خلافية مثل تلك التي تنفي عن اليهود تهمة (قتل الله) (٢)، واكتفت في المقابل بالقول: «... وأن تكون سلطات اليهود وأتباعها هي التي حرضت على قتل المسيح، لا يمكن مع ذلك أن يُعزى ما اقترف أثناء آلامه، إلى كل اليهود الذين كانوا يعيشون آنذاك دونما تمييز ولا إلى يهود
стр. 41
اليوم. وإن تكن الكنيسة شعب الله الجديد، يجب مع ذلك ألا ينظر إلى اليهود كمن رذلهم الله ولعنهم، كما لو كان ذلك ناتجًا من الكتب المقدسة» اهـ (١).
والمفارقة هنا تكمن في أنه مع عزم المجمع على تبرئة اليهود من دم المسيح ﵇، تجد أنه «سكت عن مشكلة وثوقية وصحة المكانة النبوية لمحمد [ ﷺ ]، مع أن هذه المسألة جرى التعرض لها أثناء المناقشات والمداولات، حيث اقترح بعض المؤتمرين إدخال تعديل على مسودة الدستور العقائدي يؤكد أن المسلمين "يعبدون معنا الإله الواحد الرحيم ... الذي كلم الناس بالأنبياء"، إلا أن اللجنة اللاهوتية المختصة ألغت هذه العبارة، نظرًا لأنها يمكن أن تؤول بشكل مثير للإشكال، كأن يفهم منها أن الله (تكلم عبر محمد [ ﷺ ])، وصاغ التصريح الختامي هذه العبارة بصورة مقتضبة: "الذي كلم الناس homines allocutum"» (٢) .
فالناظر في هذين الموقفين المتناقضين يدرك أن الأمر يحمل في طياته مصالح سياسية خبيثة، خلافًا لما قد يشاع، بل خلافًا لما يذكره البيان نفسه من أن «الكنيسة لا تدفعها في ذلك الدوافع السياسية بل محبة الإنجيل الدينية متذكرة التراث المشترك مع اليهود». وليتها مصالح سياسية وحسب، إنما هي أحقاد صليبية دفينة جلاها ربنا ﵎ في قوله: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (٣)، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا﴾ (٤).
وأزيدك في هذا بيانًا: فمن المعلوم خبره ذلك الخطاب الذي ألقاه چوزيف راتزنجر Joseph Ratzinger الملقب ببنديكت السادس عشر بابا الفاتيكان الحالي، في جامعة رچنسبرج Regensburg بألمانيا، يوم الثلاثاء ١٢ سپتمبر ٢٠٠٦م، والذي تعمَّد فيه الإساءة إلى رسول الإسلام ﷺ بقوله المقتطف من كتاب الإمپراطور البيزنطي مانويل الثاني پاليولوجوس Manuel II Palaeologos (١٣٥٠ - ١٤٢٥ م)، حيث قال - واصفًا إياه بالعلَّامة - ما نصه (٥): «أرني ما الجديد الذي جاء به محمد، ولسوف تعلم أنه
стр. 42
لم يأت إلا بما هو شرير وغير إنساني كأمره بنشر الإسلام بحد السيف» اهـ (١).
فهذا ابتداءً أقول له كما قال فولتير Voltaire (François-Marie Arouet) (١٦٩٤ - ١٧٧٨ م) عندما ذُكِرَ لديه رجال الپروتستانتية الأوائل مارتن لوثر وچون كالفن (٢)، قال: «كلاهما لا يصلح أن يكون حذاءً لمحمد» (٣)، وأزيد: لقد شهد شاهد من أهلكم بالحق حينما قال (٤): «ولم ينتشر القرآن بالسيف إذن، بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخرًا كالترك والمغول»، وكفاك بتسترك على فضائح كنيستك الجنسية عارًا!
ومهما بلغ سعي الكاثوليك لتبرير قوله الذي لم يرجع عنه صراحةً، فسعيهم رد؛ ذلك لأن خطابًا رسميًا كهذا لا يخرج فيه الكلام عفويًا، والرجل لم يقل قولته ارتجالًا، بل كان الأمر مبيتًا بليل، وكما يذكر ابن القيم عن يحيى بن معاذ (ت. ٢٥٨هـ) (٥): «القلوب كالقدور تغلي بما فيها، وألسنتها مغارفها»، وصدق الله العظيم القائل: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ (٦).
стр. 43
ولكن ما قد يخفى على البعض هو ما صرح به الكاردينال چون لويس توران Jean-Louis Tauran - رئيس المجلس البابوي للحوار بين الأديان - لمجلة (لاكروا La Croix) الكاثوليكية الفرنسية في ١٨ أكتوبر ٢٠٠٧م، عقب تسلم الفاتيكان الرسالة التي أرسلها ١٣٨ عالم وداعية إسلامي (سنِّي وشيعي) في أكتوبر عام ٢٠٠٧م، أي عقب خطاب بنديكت المشئوم، والتي غلب عليها الطابع الرسمي، وحملت عنوان (كلمة سواء بيننا وبينكم)، داعين فيها إلى التعايش السلمي بين المسلمين والنصارى تحقيقًا لما يوصي به الإسلام والمسيحية من حب الله والجار، مع تقرير وجود اختلاف أصلي بين الديانتين يستحيل حلُّه (١) .. فلم يمكِّن توران التلاعب بالألفاظ من مواراة أهداف الكنيسة التبشيرية وأنها ما لجأت إلى الحوار إلا من باب (أضعف الإيمان!)؛ فتجده رغم إقراره بأن الدعوة مجردة للتعايش السلمي مع أهل الديانات الأخرى، خاصة مع العالم الإسلامي، وأنها ليست دعوة للتقريب بين المعتقدات Syncrétisme، فحينما سئل عن إمكانية إجراء مناقشات لاهوتية مع أهل الديانات الأخرى، أجاب بأنه «من الممكن مع بعض الديانات، ولكن مع الإسلام لا، ليس في الوقت الحالي، فأهل الإسلام لا يقبلون أن يناقش أحد القرآن بعمق لأنهم يقولون إنه كتب بإملاء من الله، ومع هذا التفسير الجامد يكون من الصعب مناقشة فحوى الدين» (٢).
وتلا ذلك في ٣ ديسمبر ٢٠٠٧م، إصدار الفاتيكان وثيقة تنصيرية بعنوان (وثيقة عقائدية حول بعض طرق التنصير Nota dottrinale su alcuni aspetti dell'evangelizzazione)، قد وقَّع عليها البابا بنديكت، وجاء فيها أن «التبشير بالإنجيل حق وواجب وتعبير عن حرية الأديان»، بل وحذرت من أنه «هناك حالة من
стр. 44
الارتباك المتزايدة أدت بالكثيرين إلى جعل الأمر الإلهي بالتبشير غير مسموع وغير مؤثر. وكثيرًا ما يُنظر إلى أي محاولة لإقناع الغير بالمسائل الإيمانية على أنه تعدٍّ على حريته»، كذلك نبهت الوثيقة إلى «أن مهمة الرسل التبشيرية وتلازمها مع مهمة الكنيسة المبكرة تظل دائمًا النموذج الأصلي للتبشير في كل العصور، فهي مهمة قد تتكلف الشهادة في سبيل الدين» (١).
فهل تدبر دعاتنا من أهل السنة هذه الأقوال؟ أم كان الجواب هو إتباع الرسالة بأخرى، إلى نفس الجهة، للتهنئة بميلاد المسيح ﵇؟! ورحمة الله على شيخنا الندوي!! (٢).
مفهوم التقريب لدى مجلس الكنائس العالمي:
هذا باختصار فيما يتعلق بالعالم الكاثوليكي، ولكن الكيان الفاتيكاني كما أسلفنا الذكر هو كيان قديم متصدع، أنهكته الفضائح الأخلاقية المتوالية، فلا ينبغي إذن تعميم القول وتعليق الحكم على هذا الجانب فقط من العالم النصراني الذي لا يحكم قبضته على شعبه، وإنما لإعطاء صورة أشمل لا بد أن نتعرض ولو بشيء من الإجمال إلى الجانب الأخطر المتمثل فيما يعرف بمجلس الكنائس العالمي، والذي يمثل الطوائف النصرانية غير الكاثوليكية، ويتمتع بنفوذ واسع يضاهي نفوذ الفاتيكان، وتنضوي تحته جميع الكنائس الپروتستانتية والإنجليكانية والأرثوذكسية. وقد ولد المجلس نتيجة لتلاقح عدة اتجاهات في الحركة المسكونية العالمية Ecumenical Movement، منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر، بغية توحيد العمل التبشيري في البلدان غير النصرانية.
فبعد فترة حَمْلٍ دامت قرنًا كاملًا، تمخضت الحركة المسكونية عن ولادة مجلس الكنائس العالمي عام ١٩٤٧م. وقد انضمت الكنائس الأرثوذكسية إلى المجلس في مؤتمر نيودلهي New Delhi عام ١٩٦١م. أما الموقف الكاثوليكي للبابوية الرومانية فظل يصر على أنه ليس هناك سوى كنيسة واحدة، فلا مبرر إذن لطرح (اتحاد الكنائس)،
стр. 45
وأن على المنشقين العودة إلى الكنيسة الأم (حظيرة بطرس). إلا أن البابا يوحنا الثالث والعشرين أرسل وفدًا مراقبًا إلى مؤتمر نيودلهي.
ولكن هذا التجمع المتعدد الأطراف والاتجاهات، لا يعتمد البناء التنظيمي الهيكلي الذي تسير عليه الكنيسة الكاثوليكية بدقة وتراتبية وصرامة، بل يكتفي باللقاء حول جوامع مشتركة في العمل التبشيري، وإصدار توصيات ليس لها صفة الإلزام.
وفيما يخص المساعي الحوارية التي نتناولها في هذا الفصل، نسجل الملاحظات الآتية، وهي (١):
أن قطب رحى هذا المجلس يدور حول هدفين بارزين:
- توحيد الكنائس النصرانية.
- تعزيز العمل التبشيري في العالم أجمع.
وقد فرض هذا الأخير على المجلس ضرورة دراسة العلاقة بالديانات العالمية الحية التي يحتك بأتباعها حيثما حلَّت إرسالياته في أي مكان في العالم، وواجه المجلس في مقابل ذلك الإشكالية ذاتها؛ إشكالية الحوار والبشارة، أو موقف النصرانية من الديانات الأخرى، وكيفية التعامل مع أتباعها، وحملت بذور الخلاف اللاهوتي العميق إلى ردهات المجلس الجديد ..
فلقد تبلور داخل أروقة مجلس الكنائس العالمي جراء مناقشة هذه الإشكالية ثلاثة تيارات:
- التيار الحصري الضيق: وهو الأكثر قوة وسيطرة؛ إذ أنه يستند إلى القناعة الثابتة بأن يسوع المسيح هو الطريق الوحيد للخلاص.
- الاتجاه الاشتمالي الاحتوائي: وقد قال أتباع هذا التيار بتأكيد الوجود والنشاط الخلاصي لله في جميع الأديان. وفي نفس الوقت بالتجلي أو التجسد الكامل والنهائي لله في يسوع المسيح وحده والمسيحية فريدة ونهائية، ولكن هذا لا يعني أن أعضاءها
стр. 46
وحدهم يستطيعون أو يستحقون الخلاص. إنها الطريق العادي نحو الخلاص، مع وجود طرق (غير عادية) ظاهرة في العالم، وناجمة عن القوة الخلاصية ليسوع المبثوثة في التاريخ البشري.
- تيار التعددية: وأتباع هذا التيار لا يرون في المسيحية الطريق الوحيد للخلاص، ولا يعتبرون أنها تشتمل وتحتوي وتكمل بقية الديانات، بل يؤمنون بتعدد طرق الخلاص.
وبين قطبي رحى الحصرية Exclusivism والاحتوائية Inclusivism تطاحنت مختلف التيارات. وطوال نصف قرن منذ تأسيس المجلس عام ١٩٤٧م حتى الآن لم يصدر عن جمعيته العمومية، أو لجنته المركزية، أو الوحدة التي أنشأها للحوار مع أصحاب العقائد والمثل الحية، قرار ذو صفة عقدية يؤيد التقارب أو ينفيه، وذلك بسبب التجاذبات المختلفة بين أجنحة المجلس ومنظِّريه. وإنما ظهر تنوع المواقف حيال قضية الحوار، بصرف النظر عن وجود مسوغ عقدي له.
وقد يكون من المفيد لنا إلقاء الضوء على المحاضرة التي ألقاها چورچ ليونارد كاري George Leonard Carey رئيس أساقفة كانتربري Canterbury في الفترة ما بين (١٩٩١ - ٢٠٠٢م)، والتي ألقاها في جامعة الأزهر الشريف في الرابع من أكتوبر عام ١٩٩٥م تحت عنوان (تحديات في مواجهة الحوار المسيحي-الإسلامي Challenges Facing Christian-Muslim Dialogue)، فنظرًا للمنزلة الكبيرة التي يتبوأها (كاري) في العالم غير الكاثوليكي، ولحداثة هذه المحاضرة بعض الشيء، فإنها تصلح نموذجًا لاستقراء ما آلت إليه النظرة النصرانية غير الكاثوليكية تجاه العلاقة بالمسلمين.
والذي يعنينا في محاضرته تلك قوله (١): «والواقع أن الإسلام والمسيحية ديانتان لهما رسالة يؤديانها؛ فكلاهما تطرح فرضيات مطلقة، وكلانا لديه الرغبة القوية في نشر دينه. وهذا جزء لا يتجزأ من دياناتنا وهي حقيقة لا تتطلب الاعتذار عنها أو إنكارها، فقد أمر القرآن الكريم المسلمين بهذا في الآية ﴿لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾ (٢)، تمامًا
стр. 47
كما أمر الكتاب المقدس المسيحيين قائلًا: "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمِّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس" (١)» اهـ.
ولعل هذا الكلام يفصح عن القناعة التي توصل إليها مجلس الكنائس العالمي أخيرًا، من إخراج الحوار من أطره الدينية إلى (مفاوضات) في أسلوب العيش المشترك، كما يتحاور سائر البشر على قضايا حياتية مشتركة، إذ لا جدوى من الحوار اللاهوتي - حسب تعبيرهم - بين ديانتين كل منهما (تطرح فرضيات مطلقة)، وتمتلكان (الرغبة القوية في نشر دينها).
ولعل هذه القناعة هي التي آلت بمجلس الكنائس العالمي إلى إلغاء اللجنة الخاصة بالحوار مؤخرًا، وجعل اللقاء بالمسلمين يندرج في إطار العلاقات الدولية. وهو إصلاح إداري يتناسب مع القناعة المشار إليها.
ولكن لا نغفل عن الإشارة إلى أن هذه المحاضرة المفعمة بعبارات الصداقة والسلام والتعاون والتفهم والانفتاح، ألقيت في الوقت الذي كان التعصب الصليبي الحاقد يحصد أرواح المسلمين العزل في بلاد البوسنة والهرسك، ويدك المآذن والمنازل على رؤوس المصلين والسكان الأبرياء. هذا لون، ولون آخر يتمثل في ضراوة النشاط التنصيري الذي تمارسه الإرساليات النصرانية على اختلاف طوائفها في أوساط المسلمين المشردين، مستغلين ضعفهم وبؤسهم وحاجتهم، لتعميدهم باسم الآب والابن والروح القدس! فأين النزاهة والاحترام وحماية الحريات الدينية يا ترى؟ أم أن لغة المحافل والمؤتمرات تختلف عن لغة الميدان والواقع؟ وصدق الله: ﴿يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَابَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٢).
...
هذا من الناحية الحوارية النظرية، والواقع أن هذه (الحيل الطروادية) لم تجنِ ثمارها ولم تحد من انتشار الإسلام الذي هو الأكثر انتشارًا اليوم في الغرب، بلا سيف كما يزعم بنديكت، بل وفي زمان استضعاف للمسلمين كما هو مشاهد، ولله الفضل والمنة .. بل
стр. 48
كذلك، فإن هذه المسالك الحوارية لم تنل التأييد العام المطلوب. ومن ثم، فأراه من التغافل المتعمد القول بأن (التعايش والحوار) هما السمة الأساسية لواقع المسلمين اليوم في الغرب، والأمر لا يزال يحتاج إلى كثير بيان، وهذا ما سنفرد له الفصول الباقية من هذا الباب ..
ولكن بعد ذلك نقول: ما المسلك المختار لدعوة الحوار؟؟
قد تقدم بنا القول بأن المنهج الرباني في هذا الباب يتبين في قول الله ﷻ : ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (١). فالكلمة السواء هي قضية التوحيد المطلق لله تعالى في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، ونبذ مظاهر الشرك وعبودية ما سوى الله تعالى، وهو ما أشرنا إليه بقولنا: (العودة إلى الأصل)؛ ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ (٢)، وهو تعالى القائل: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ (٣)، وكما أخبر رسوله ﷺ : «الأنبياء إخوة لعَلاَّت، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد» (٤)،
فدينهم هو الإسلام وإن اختلفت شرائعهم: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٥)، حتى جاءت شريعة خاتم النبيين محمد ﷺ ناسخة لما قبلها من الشرائع، وفيها قال رب العزة ﷻ : ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٦)، وقال رسوله ﷺ : «والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (٧)، ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (٨).
غير ذلك، فإن من مقاصد الحوار الشرعي هو الدعوة إلى التعايش السلمي المجرد بين الطرفين سواء أكان على المستوى الداخلي أو الخارجي، الجماعي أو الفردي، وهذا
стр. 49
مقصد محمود في ذاته، بل تقتضيه السياسة الشرعية لمصلحة الأمة الإسلامية. وقد رافق هذا اللون من حوار التعايش نشأة الأمة الإسلامية منذ عهد النبوة، كما جرى في المعاهدات النبوية مع يهود المدينة وغيرهم، وزخر الفقه الإسلامي المؤسس على الكتاب والسنة بتراث ضخم في مجال العلاقات بين المسلمين وغيرهم، خاصة وأن الاختلاف الاعتقادي الحاصل هو اختلاف كوني قدري قضى الله تعالى بوقوعه، فقال ﷻ : ﴿وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم﴾ (١).
ومع قضاء الله بوقوع هذا الاختلاف أطلق ﵎ أمره فقال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (٢)، بل وفرض علينا حسن الجوار ولم يخصص، فقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (٣)، ولقد اختار الطبري ﵀ في معنى (الْجُنُب): «الغريب البعيد، مسلمًا كان أو مشركًا، يهوديًا كان أو نصرانيًا» (٤).
فهذه كلها أمور تعبدية يثاب فاعلها ويأثم تاركها، ولكن ينبغي ملاحظة الآتي:
أنه في وقت شاع فيه ما عرف (بالإسلاموفوبيا Islamophobia) أو الهلع من الإسلام، وذلك نتيجة عدة أمور يتقاسمها الطرفان: فعلى الجانب الإسلامي فأعزوها - باختصار - إلى سوء الفهم عن الله ورسوله؛ وقد أثر عن ابن مسعود ﵁ قوله: «إن كنتم لا بد مقتدين فاقتدوا بالميت فإن الحي لا يؤمن عليه الفتنة» (٥)، ولقد أخبر ربنا ﷻ فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٦)، ولله در ابن القيم إذ يقول (٧): «سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام بل هو أصل كل خطأ في الأصول
стр. 50
والفروع، وهل أوقع القدرية والمرجئة والخوارج والمعتزلة والجهمية والرافضة وسائر طوائف أهل البدع إلا سوء الفهم عن الله ورسوله؟!» اهـ.
أما على الجانب الآخر، فأردها إلى ما تطرحه السلطات الفكرية المهيمنة على ساحة التنظير السياسي والثقافي على السواء، وتبثه عبر إعلامها المضلل، عملًا بقاعدة: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ (١)، ويتأثر به عوامهم أتباع كل ناعق: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ (٢)، وانظر ما يتمخض عن ذلك من إساءات بالغة وتضييق شديد على دعوة الإسلام وأهله، معلوم أمرها ومشاهد ..
إذن، ففي هذا الوقت العصيب، يزداد الإلحاح على مثل هذه الدعوة إلى الحوار والتعايش السلمي، وذلك على المستوى الشعوبي، بعيدًا عن الديباجات السياسية الخادعة. وهي وفق هذا المفهوم - كما تقدم - دعوة محمودة شرعًا ومطلوبة، ولكن شريطة الوعي بأمرين:
- الأول: هو الفقه بأحكام التعامل مع غير المسلمين.
- والثاني: هو الوعي بأيديولوچية المخالف.
فعن الأول: لقد «حكم الإسلام في أهل الكتاب حكمين: أحدهما: حكم علمي: في بيان حقيقة ما هم عليه من الاعتقادات والأعمال، وتعيين مسمَّاهم في باب أسماء الدين والإيمان، وبيان جزائهم في باب وعيد الله. الثاني: حكم عملي: في وصف معاملتهم، وما يختصون به من أحكام دون سائر الناس. فالأول: ثابت لا يتغير بتغير الزمان والمكان والحال. والثاني: أصله ثابت كذلك، لكن قد تتغير بعض أحكامه بتغير الأحوال، وفق ما تقتضيه السياسة الشرعية» (٣).
ولقد زخرت كتب التراث الإسلامي فضلًا عن الكتابات الغربية المنصفة، بالآثار
стр. 51
الغزيرة الدالة على حسن معاشرة المسلمين لجيرانهم، وتسامح الفاتحين المسلمين مع أهل البلاد التي يغزونها، فكما يقول جوستاف لوبون (١): «أُكرِهَت مصر على انتحال النصرانية، وهبطت بذلك إلى دركات الانحطاط مقدارًا فمقدارًا إلى أن جاء الفتح العربي ... ولقد فتح القائد عمرو بن العاص بلاد مصر في السنة الثامنة عشرة من الهجرة (٦٣٩م) ... وهو لم يتعرض إلى ديانتهم ولا إلى نظمهم ولا عاداتهم، ولم يطالبهم بغير جزية سنوية قدرها خمسة عشر فرنكًا عن كل رأس مقابل حمايتهم، فرضي المصريون بذلك شاكرين»، ويقول ألفرد بُتلر (١٨٥٠ - ١٩٣٦م) (٢): «إن فتح العرب لمصر كان بركة على المصريين خفض عنهم وطأة الضرائب» (٣).
وقارن هذا بما صرح به الأنبا بيشوي، مكرم إسكندر، سكرتير المجمع المقدس بالكنيسة المصرية والرجل الثاني فيها، معتبرًا المسلمين بأنهم: «ضيوف حلُّوا علينا ونزلوا في بلدنا»، وأضاف مستنكرًا: «ألا يكفي أن الجزية فرضت علينا وقت الفتح العربي؟» (٤).
ولكن دع عنك هذا الافتراء (٥)، وتأمل بركة الفتح الإسلامي فيما يشير إليه الإمام ابن خلدون ﵀ (٧٣٢ - ٨٠٨هـ) في قوله (٦): «من الغريب الواقع أن حَمَلة العِلم في الملة الإسلامية أكثرهم العجم، [وليس في العرب حملة علم]، لا [في] العلوم الشرعية ولا [في] العلوم العقلية إلا في القليل النادر. وإن كان منهم العربي في نسبه، فهو أعجمي في
стр. 52
لغته، ومَرْباه ومشيختِه، مع أن الملة عربية، وصاحب شريعتها عربي» اهـ.
ولكن كي يستقيم هذا الأمر شرعًا لا بد لنا من التفريق بين مفهومي (البِر) و (الوُد)؛ فقد قال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١)، كذلك قال : ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ (٢)، فالمتأمل في الآيات يلاحظ أن البِر شيء والوُد شيء آخر؛ فالبِر من أعمال الجوارح، أما الوُد فهو من أعمال القلوب، وهو منتف في التعامل بيننا وبين غير المسلمين لآية المجادلة، أما البِر فهو جائز في التعامل بيننا وبين بعضهم، وذلك لقوله تعالى في سورة الممتحنة، وهذا أصل قَلَّ من انتبه إليه (٣)،
وأراه واجبًا على العلماء والدعاة الربانيين المخلصين، الذين أخذ الله ميثاقهم أن يبينوا الحق للناس ولا يكتمونه، والذين حملوا على عاتقهم هم الدعوة إلى سماحة الإسلام وتحسين أوضاع المسلمين وكشف شبهات المخالفين، أن تكون هذه الحقيقة واضحة في أقوالهم وأفعالهم، وأن لا تميع العلاقات إلى حد الترحُّم على من هلك والتهنئة بما هو ديني (بدعي أو كفري) ... إلى آخر مثل هذه الأمور المنافية لصحيح الاعتقاد.
هذا باختصار فيما يتعلق بالأمر الأول، وهو (الفقه بأحكام التعامل مع غير المسلمين)، أما الأمر الثاني: وهو (الوعي بأيديولوچية المخالف)، فقد تقدم الحديث فيه، وسيزداد بيانًا في الفصول التالية.
...
стр. 53
عودة إلى البدء ..
فهذا كان خبر المستوى الأول (الإسلامي-الكتابي)، أما عن المستوى الثاني (السنِّي-الشيعي)، تحديدًا الرافضي الاثني عشري:
ففيما يتعلق بموجبات التعايش السلمي، فهذا يمكن الاستدلال عليه مما أصَّلناه فيما سبق، فلا نطيل المقام بإعادة ذكره. ولكن فيما اشترطناه حول ما يتعلق بضرورة (الوعي بأيديولوچية المخالف)، فهنا موضع البحث ..
فإن مما يجعل الأمر يبدو مشكلًا، تعداد القوم في دائرة الفرق الإسلامية (١)، مما أغرى البعض إلى المبالغة في تبسيط المسألة إلى الحد الذي نتج عنه عدم الانضباط في إطلاق الأحكام، وتنزيل العام على الخاص والعكس. أضف إلى ذلك براعة القوم في (فن التلون الحربائي)، والذي ما سلكوا طريقه إلا ابتغاء مرضات الله؛ فالتقية دينهم ودين آبائهم، كما يفترون القول على الإمام جعفر الصادق رحمه الله تعالى ورضي عنه (٨٣ - ١٤٨هـ) (٢)، بل وتاركها كتارك الصلاة، كما يضعون الحديث عن رسول الله ﷺ !! (٣) .. فتقنُّع القوم بقناع التقية في محاولة لستر قبيح ما تحويه أسفارهم، والتي «لا يصل الكيد الاستشراقي والتبشيري إلى مستوى ما وصلت إليه من محاولات لتغيير دين الله وشرعه باسم الإسلام، بل إن الاستشراق والتبشير من معينها يرتوي وعلى شبهاتها وأساطيرها يعتمد في إفساده وتآمره على الدين وأهله» (٤)، فهذا الأمر مع ما يقابله من حالة فجة من الكسل الفكري وفقر التتبُّع لدى قطاع عريض من أهل السنة، مع عدم اعتبار بما هو تاريخي - كما قال علي بن أبي طالب ﵁ «استدل على ما لم يكن بما قد كان فإن الأمور أشباه» (٥)
- بل والركون إلى هذه الحالة المؤقتة من (التَّعَلْمُن الجزئي) لدى العامة، قد أدى بالبعض إلى التغني بالحاجة إلى الوقوف على كلمة سواء والإعراض عما
стр. 54
سلف، وأنه لا حرج من إعمال القاعدة (الذهبية) القائلة: «أن نجتمع فيما اتفقنا فيه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه»، هكذا على إطلاقها. وأصبحت العلة الرائجة هي أن شيعة اليوم معرضون عن الخلافات القديمة التي وقعت بين أسلافهم وأهل السنة، حريصون على وحدة كلمة المسلمين، وأن الأمة الإسلامية في حالة تشرذم وفرقة وغثائية وقد تداعت عليها الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، والأمر ما عاد يحتمل المزيد، فلا بد إذن من وحدة الصف للتصدي لهذا الخطر المطبق.
وهذا كلام طيب الظاهر، ولكن نجيب عليه بما يلي:
الدولة الفاطمية الثانية:
فلعلنا نتذكر يوم السبت ٣١ مارس ٢٠٠٧م، حينما خطب معمر القذافي (١٩٤٢ - ٢٠١١م) خطبة شهيرة في مدينة أغاديس بشمال النيجر بمناسبة المولد النبوي، دعا فيها إلى إقامة ما سماه بـ (الدولة الفاطمية الثانية) في شمال إفريقيا كحل للقضاء على التوتر والجدل القائم بين السنة والشيعة، والذي يستغله العدو لإحداث فُرقة بينهما، مشددًا على أن هوية هذه الدولة الجديدة قادرة على جمع كل القوميات والقبليات والعصبيات والمذهبيات في بوتقة واحدة، وأنه سينصهر فيها كل الإشكالات الموجودة في شمال إفريقيا، متغافلًا بذلك عن تاريخ الفواطم الأسود، كما يذكر الإمام عبد الله الشرقاوي ﵀ (ت. ١٢٢٧هـ) (١): «دولة الفواطم - ويقال لهم العبيديون - كان مبدأ ظهورهم بالمغرب المهدي بالله عبيد الله [ت. ٣٢٢هـ]، وأولهم بمصر المعز لدين الله تميم معد بن المنصور [ت. ٣٦٥هـ]، وكان رافضيًا يبغض الصحابة ويسبهم يوم الجمعة على المنبر. ولما استقر للمعز ملك مصر انفرد بها، ولم يدخل تحت طاعة الخلفاء العباسية، وقال: أنا أفضل منهم، لأني من ولد فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وأكثر المؤرخين يكذبونهم في ذلك ويقولون: إنهم أولاد الحسين بن محمد بن أحمد القداح وكان مجوسيًا وقيل يهوديًا، وأمهم فاطمة بنت عبيد اليهودي، وخلافتهم باطلة؛ لأنهم قاموا والخلافة العباسية قائمة ببغداد ولا تصح البيعة بالخلافة لإمامين في وقت واحد» اهـ.
стр. 55
تأييد آية الله التسخيري:
فلقد تقدم على إثر هذه التصريحات باحث مصري بمشروع لإنشاء الدولة الفاطمية الجديدة، قوبل برفض هائل من أطراف مشاركة في المؤتمر الإسلامي المنعقد في طرابلس بليبيا في الفترة من ٢٧ إلى ٣٠ أكتوبر عام ٢٠٠٨م تحت عنوان (إن الدين عند الله الإسلام)، إلا أن أحد الأطراف المشاركة في المؤتمر، وهو المرجع الشيعي آية الله محمد علي التسخيري الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية ونائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، فاجأ الجمع بإعلان تأييده لدعوة القذافي والمشروع المقدم، قائلًا (١): «أؤيد القذافي فيما طرحه عن فكرة الفاطمية الجديدة، وأفهم جيدًا غرضه الأساسي من هذا الطرح، فقد أراد أن يسحب بوصلة الصراع المذهبي إلى غير الاتجاه الذي يريده الغرب متمثلًا في إدخال الأمة في صراع شيعي وسني أو فارسي وعربي» اهـ.
وقد أثارت حينها تصريحات تسخيري المخاوف من إعادة الجدل بشأن تحذيرات الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في شهر سپتمبر من العام نفسه فيما يتعلق بخطر المد الشيعي الإيراني واختراقه لبلاد السنة، إلا أن ما لوحظ أن موقع الشيخ القرضاوي تجاهل تصريحات نائبه التسخيري تلك، وفي المقابل قال تسخيري بأن «الخلاف مع القرضاوي سحابة صيف لن تعود» (٢)، في محاولة منهما لاحتواء الأزمة التي سنعرض لها القول بعد قليل.
ولكن كما قلنا قبل ذلك، فإن الله ﷻ أخبرنا: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ (٣)، وبغض النظر عن التأويلات الساذجة التي تأولها بعض أهل السنة لتبرير تصريحات تسخيري في شأن دولة الفواطم الثانية، حتى إنه قيل في حقه: «وعمليًا أنا لا أرى فيما قاله شيئًا جارحًا، وأحسن الظن به»، بل كما أوضح بعضهم أنه «يمكن النظر إلى فكرة الدولة الفاطمية بقراءة سياسية تهدف إلى دولة (الوحدة الإسلامية) التي نشأت
стр. 56
في الزمن الفاطمي، والقذافي عندما دعا لتلك الدولة تبنى الموقف السياسي وليس المذهبي، ونحن نفهم ذلك لكونه زعيمًا سنيًّا» (١).
فعند النظر تجد أن هذه التأويلات تخالف الحقائق التاريخية النافية لوجود أثر هذه الوحدة الإسلامية في كنف الدولة الفاطمية الأولى (٢٩٧ - ٥٦٧هـ/٩٠٩ - ١١٧١م) (٢)، فضلًا عن مخالفتها لصريح قول القذافي في إحدى خطبه: «أول دولة شيعية في التاريخ هي التي في شمال إفريقيا وهي الدولة الفاطمية الأولى، وأهل البيت هم من لهم الحق الإلهي في الحكم والإمامة، ولا نقبل بعد اليوم أي أحد في الوطن العربي يحكم باسم القرآن أو باسم الدين أو يعمل دولة دينية ما لم يكن من أهل البيت» اهـ.
وبعيدًا عن هذه المجاملات الشكلية، فالحاصل أن كلًا من القذافي وتسخيري ارتضى النموذج العبيدي حلًا (للأزمة الإسلامية)، بدلالة قول تسخيري في حوار لاحق مع صحيفة (ليبيا اليوم) نشر في ٤/ ١١/٢٠٠٨م، قال: «أنا قلت: أنا أؤيد أن الأخ العقيد لم يكن يقصد إلا إرجاع المؤشر إلى موقعه الطبيعي»، وهو بذلك يناقض أحد أهداف المجمع العالمي للتقريب الذي يتولى هو أمانته العامة، والذي ينص على (٣): «نفي موارد
стр. 57
سوء الظن والشبهات بين أتباع المذاهب الإسلامية».
فعندما تصدر مثل هذه التصريحات ممن يتولى زمام الأمور في دعوة التقريب، يجعلنا نشك في نوايا هذا المجمع الإيراني المنشأ، المقام بمباركة علي خامنئي المرشد الأعلى لإيران وقائد ثورتها (الإسلامية)، ويجعلنا نسأل عن معنى (الأصل والفرع) في اصطلاحهم، بل ويجعلنا أيضًا نعيد قراءة أهداف المجمع حينما يذكر أن «انتصار الثورة الإسلامية في إيران وإيجاد حكومة إسلامية من جانب مؤسس الثورة سماحة الإمام الخميني [١٩٠٢ - ١٩٨٩م] قد مهَّدا المجال لزيادة توسيع هذا الجهد بين المسلمين» (١)؛ فما هو الجهد المراد التوسع فيه؟ خاصة إذا علمنا أن سبب هذا الخلاف الحاصل بين المسلمين يرجع - حسبما يرى خميني - إلى (تقصير) نبي الله ﷺ في تبليغ رسالته! فيقول (٢): «واضح أن النبي لو كان قد بلَّغ بأمر الإمامة طبقًا لما أمر الله به وبذل المساعي في هذا المجال لما نشبت في البلدان الإسلامية كل هذه الاختلافات والمشاحنات والمعارك، ولما ظهرت خلافات في أصول الدين وفروعه» اهـ.
والخلاف هنا أصلي بدلالة قوله، بل يقع في أصل الأصول والمعلوم من الدين بالضرورة؛ فكما يروي إمامهم محمد بن يعقوب الكليني (ت. ٣٢٨/ ٣٢٩هـ) بسنده عن زرارة عن أبي جعفر قال: «بني الإسلام على خمسة أشياء، على الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية»، قال زرارة: قلت: وأي شيء من ذلك أفضل؟ فقال: الولاية أفضل، لأنها مفتاحهن، والوالي هو الدليل عليهن» (٣).
فهل يتفق هذا مع ما صرح به تسخيري بأن الإيمان بالوصية (الإمامة) هو «اختلاف اجتهادي» (٤)، أي إنه خلاف سائغ غير مذموم (٥) كما يظهر من كلامه، وأن «المساحة
стр. 58
المشتركة بين (المذاهب) تتجاوز ٩٠% من مسائل حياتهم» (١)، باعتباره أن المذاهب الإسلامية المعروفة «هي المذاهب السبعة، فبالإضافة إلى المذاهب الأربعة هناك المذهب الزيدي والمذهب الإمامي الاثنا عشري والمذهب الإباضي» (٢)!! واعتباره أن «هناك خلافات في تفصيلات العقيدة وليس في أصولها» (٣)؟
وهل يبقي بعد ذلك مجال لإعمال القاعدة (الذهبية) حمالة الأوجه، وهو كما يقولون: «شرط الدليل أن يتفق عليه الخصمان»؟
ولو كان الأمر كما يدعيه التسخيري من أننا «إذا كنا مأمورين أن نبحث عن الكلمة السواء مع أهل الكتاب فكيف لا نبحث عن الكلمة السواء في داخلنا؟!»، فنقول: يا أيها الأمين العام لمجمع التقريب، وما هي (الكلمة السواء) التي أمرنا الله بها في دعوة أهل الكتاب، أليست هي: ﴿أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ﴾ (٤)، أي إنها دعوة الإسلام الصريحة .. فكيف تكون إذن هذه الكلمة السواء بيننا وبين من أفتى إمامهم «السيد الجليل والمحدِّث النبيل واحد عصره في العربية والأدب والفقه والتفسير، [والذي] كان عالمًا فاضلًا محققًا مدققًا جليل القدر صاحب التصانيف الكثيرة الشائعة» (٥)، السيد نعمة الله الجزائري (١٠٥٠ - ١١١٢هـ)، بقوله في حقنا (٦): «إنا لم نجتمع معهم على إله ولا على نبي ولا على إمام، وذلك أنهم يقولون إن ربهم هو الذي كان محمد ﷺ نبيه وخليفته من بعده أبو بكر. ونحن لا نقول بهذا الرب ولا بذلك النبي، بل نقول إن الرب الذي خليفة نبيه أبو بكر ليس ربنا ولا ذلك النبي نبينا»، بل وبنقله إجماع علمائهم فيما يتعلق بحكم الناصبي: «أنه نجس وأنه شر من اليهودي والنصراني والمجوسي، وأنه كافر بإجماع علماء الشيعة الإمامية عليهم رضوان الله» (٧).
стр. 59
بل كيف تكون الكلمة السواء بيننا وبين من «حظيت قضية الوحدة بين أبناء الأمة الإسلامية والتقريب بين المذاهب الإسلامية [اهتمامه]، القائد العظيم للثورة الإسلامية سماحة آية الله الخميني» (١)، المفتي بأنه «لا تجوز الصلاة على الكافر بأقسامه حتى المرتد ومن حكم بكفره ممن انتحل الإسلام كالنواصب والخوارج» اهـ (٢).
أيضًا، فإن الاختلاف والطعن في الأصل (يترتب على) أو (يترتب عليه) الاختلاف والطعن في عدالة ناقليه؛ فالتسخيري، الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية ونائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الحريص على وحدة المسلمين والحفاظ على مساحة التسعين بالمائة المشتركة، يرى أن «الصحابي بمجرد أنه رأى أو عاش مع الرسول لفترة قصيرة يصبح ويرتقي إلى مرتبة العدالة أو العصمة هذا لا يصح» (٣)، ولماذا لا يصح وقد قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٤)، والوسط كما يذكر شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي (٣٨٥ - ٤٦٠هـ) (٥): «العدل»، وقال: «هم وسط يرضى الأنام بحكمهم». فلو كان هذا قول الله تعالى في أمة النبي محمد ﷺ عامة، فما بالك بمن خصهم بقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٦).
ولماذا لا يستقيم لدى تسخيري فهم هذا المعنى القرآني الجلي لا سيما وهو القائل برفض مسألة تحريف القرآن بشكل كامل وأن «هناك بعض المحدثين والذين لا قيمة لآرائهم لدى الأوساط العلمية ربما مالوا إلى هذا المعنى، ولكنهم رُفِضُوا من الخط العام» (٧)، وهل يعتبر الإمام الخميني من هؤلاء المحدثين الذين لا قيمة لآرائهم؟ فهو القائل (٨): «لو كانت مسألة الإمامة قد تم تثبيتها بالقرآن، فإن أولئك الذين لا يعنون
стр. 60
بالإسلام والقرآن إلا لأغراض الدنيا والرئاسة، كانوا يتخذون من القرآن وسيلة لتنفيذ أغراضهم المشبوهة، ويحذفون تلك الآيات من صفحاته، ويسقطون القرآن من أنظار العالمين إلى الأبد، ويلصقون العار - وإلى الأبد - بالمسلمين والقرآن، ويثبتون على القرآن ذلك العيب الذي يأخذه المسلمون على كتب اليهود والنصارى»، بل وهو كذلك المترحِّم على حسين النوري الطبرسي (١٢٥٤ - ١٣٢٠هـ) صاحب (فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب) (١)؟!
كذلك فإنه لم الإلزام بما لا يلزم؟! فمتى اشتُرِطَ مع العدالة العصمة؟ وشتان بين المعنيين (٢).
وإذا كان تسخيري يعتقد فيما يدعيه بأن من يتطاول من الشيعة على الصحابة «أنهم متطرفون» (٣)، فماذا يقول في مولاه الخميني؟ أمتطرف هو؟ بل ولماذا لا يغلق تسخيري باب الفتنة في وجه هؤلاء المتطرفين وينقب عن حقيقة المشهد المزعوم المقام في مدينة كاشان الإيرانية لأبي لؤلؤة المجوسي قاتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، أم أن جوابه يكون ببلاهة (٤): «لقد سمعت بعض الأنباء عنه [أي المزار] قبل ذلك ولكني لم أهتم بهذا الموضوع لأنني كما قلت سلفًا لا أرى فيه أي قيمة».
فلماذا لا ترى قيمة في هذا الكفر واللعن والسباب؟ هل لأنه حادث في جناب عمر لا جعفر؟!
فهل يقال بعد ذلك إن ممارسات تسخيري ومن على شاكلته تؤدَّى - كما قلنا في البداية - بقناع التقية؟ أم أنه قد طابق قوله فعله في دعوته لـ «حذف قضايا التشكيك والتقية وأمثال ذلك» (٥)، ضاربًا باعتقاده عرض الحائط، خاسرًا بذلك تسعة أعشار دينه، كما
стр. 61
نقل عن الإمام جعفر أن «تسعة أعشار الدين في التقية» (١).
وليتنا نتذكر قول الأستاذ سعيد حوى ﵀ (١٩٣٥ - ١٩٨٩م) (٢): «إن بعض من نفترض عندهم الوعي غاب عنهم الوعي فلم يدركوا خطر الخمينية، وإن بعض من نفترض عندهم العلم قصَّروا عن إبراز خطر الخمينية فكادت بذلك تضيع هذه الأمة» اهـ.
...
دار التقريب بين المذاهب الإسلامية بين الماضي والحاضر:
لو فتشنا في ذاكرة التاريخ، ووقفنا عند أحداث سنة ١٣٦٤هـ/١٩٤٤م، نجد أنه قد سبق هذا المجمع العالمي المشئوم تأسيس دار للتقريب بين المذاهب الإسلامية في مصر، وقد دعا إلى تأسيسها محمد تقي القُمِّي الرافضي (ت. ١٩٩٠م)، فيروي محب الدين الخطيب ﵀ (١٨٨٦ - ١٩٦٩م) (٣): «أول ما نلاحظه في هذا الأمر وفي كل أمر له علاقة بأكثر من طرف واحد أن من أقوى أسباب نجاحه أن يكون هناك تجاوب بين الطرفين، أو الأطراف ذات العلاقة به. ونضرب بذلك مثلًا بمسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة: فقد لوحظ أنه أنشأت لدعوة التقريب بينهما دار في مصر ينفق عليها من الميزانية الرسمية لدولة شيعية، وهذه الدولة الشيعية الكريمة آثرتنا بهذه المكرمة فاختصتنا بهذا السخاء الرسمي، وضنت بمثله على نفسها وعلى أبناء مذهبها، فلم تسخ مثل هذا السخاء لإنشاء دار تقريب في طهران أو قم أو النجف أو جبل عامل أو غيرها من مراكز الدعاية والنشر للمذهب الشيعي» اهـ.
ولقد صدر عن هذه الدار مجلة دورية سميت (رسالة الإسلام) رأس تحريرها الشيخ محمد محمد المدني (١٩٠٧ - ؟) عميد كلية الشريعة بالأزهر، وقد صدر العدد الأول منها في ربيع الأول عام ١٣٦٨هـ ولم تكن منتظمة الصدور في آخر عهدها.
стр. 62
يقول الدكتور ناصر القفاري (١): «ومن الملاحظ أنهم اهتموا بنشر كتب الفقه بالذات وبدأوا بالفروع قبل الأصول مع أن الفرقة الكبرى هي في مسائل الأصول والعقيدة، أما قضايا الفقه فهم وإن كان لهم في كل باب من أبواب الفقه شواذ غريبة إلا أن معظم مسائل أبواب الفقه يشتركون فيها مع أهل السنة لأنه لا فقه لهم إلا ما أخذوه عن طريق أهل السنة (٢)، وبالتشابه الفقهي يصطادون بعض المغفلين».
ولقد استطاع الروافض في ظل دعوة التقريب أن يقوموا بخداع الشيخ شلتوت ﵀ (١٨٩٣ - ١٩٦٣م) شيخ الأزهر بالقول بأن مذهب الشيعة لا يفترق عن مذهب أهل السنة ويطلبوا منه أن يصدر فتوى بشأن جواز التعبد بالمذهب الجعفري، فاستجاب لهم وأصدر فتواه في عام ١٣٦٨هـ بأنه «يجوز التعبد به شرعًا كسائر مذاهب أهل السنة ... فالكل مجتهدون مقبولون عند الله تعالى يجوز لمن ليس أهلًا للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقرونه في فقههم، ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات» (٣).
وكان من المفارقات المريبة أن أحد شيوخ الشيعة الذين ينادون بالوحدة الإسلامية - وهو محمد الخالصي (١٨٨٨ - ١٩٦٣م) - حينما سئل عن جواز التعبد بالمذاهب الأربعة (مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد)، أجاب: «والخلاصة أنه لا يجوز الدخول في مذهب من المذاهب الأربعة ولا تقليد أي ميت من الأموات ما لم يرجع إلى المجتهد الحي» (٤).
стр. 63
يقول القفاري (١): «وعلى الرغم من قيام الشيعة بتأسيس دار التقريب ومجلتها وجماعتها واستجابة بعض علماء الأزهر لفكرتهم لم نر لهذه الدعوة لهذا التقارب أي أثر بين علماء الشيعة في العراق وإيران وغيرهما، فلا يزال القوم مصرين على ما في كتبهم من ذلك الطعن الجارح والتصوير الكاذب لما كان بين الصحابة من خلاف، ولا تزال مطابع الروافض تقذف سنويًا بعشرات الكتب التي تحمل اللعن والتكفير والتخليد بالنار لخير القرون. وقد بعث أحد القراء المؤمنين بفكرة التقريب برسالة إلى شلتوت بعد إصداره لفتواه يذكر له ما ينشر في بلاد الشيعة من كتب لا تتفق ودعوة التقريب ويدعوهم لأن يجدوا لذلك حلًا، فأجابه شلتوت: "يمكنكم أن ترجعوا إلى مجلة (رسالة الإسلام) لتروا فيها ما يشفي الغلة ويطمئن القلوب إن شاء الله تعالى". وهو جواب يشبه فتواه في الشذوذ والغرابة» اهـ.
ولكن لم يكتب لهذه الدار طول البقاء، وسرعان ما خبأ صوتها وخفت، فما كان السبب في ذلك؟ هل كما يقول تسخيري (٢): «خبأ صوتها وخفت بموت أصحابها»، أم لأن أصحابها المخلصين خابت آمالهم في الوصول إلى كلمة سواء، لما صار مفهوم التقريب في قانون الجماعة الحقيقي هو نشر التشيع والرفض في ديار السنة؟ فبعد ما كانت موضع أمل لهم منهم من ترك الجماعة بصمت ومنهم من أعلن عن ذلك، كأمثال الدكتور محمد البهي (١٣٠٦ - ١٣٩٢هـ) والشيخ طه محمد الساكت والشيخ عبد اللطيف محمد السبكي (ت. ١٩٦٩م) وغيرهم (٣).
يقول القفاري (٤): «ويتتابع الأعضاء المخلصون في التخلي عن جماعة أرادت أن تنشر
стр. 64
الرفض في ديار المسلمين باسم الوحدة والتقريب حتى وصف الشيخ محب الدين الخطيب ما آل إليه أمر دار التقريب وجماعة التقريب بقوله (١): "انفض المسلمون جميعًا من حول دار التخريب التي كانت تسمى دار التقريب ومضى عليها زمن طويل والرياح تصفر في غرفها الخالية تنعي من استأجرها. ثم يذكر أنه لم يبق متعلقًا بعضويتها إلا فئة من المنتفعين ماديًا من وراء انتمائهم إلى هذه الدار وأن العلماء المخلصين من أهل السنة انكشف لهم المستور من حقيقة دين الرافضة ودعوة التقريب التي يريدها الروافض فانفضوا عن هذه الدار وعن الألاعيب التي كان يراد إشراكهم في تمثيلها"، ثم يقول الخطيب: "فلم يبق موضع عجب إلا استمرار النشر الخادع في تلك المجلة ولعل القائمين يضعون لها حدًا".
ولكن هذه المجلة (رسالة الإسلام) التي يشير الخطيب إلى استمرار صدورها ما لبثت أن توقفت بصدور آخر عدد في ١٧ رمضان ١٣٩٢هـ وهو العدد (٦٠).
وقد زرت الدار أثناء تحضيري لهذه الرسالة - ١٣٩٩هـ - فوجدتها مهجورة من أعضائها ومن زوارها. ولا أثر فيها لأي نشاط، وقد لبثت أتردد على مكتبتها أيامًا فلا أرى أحدًا يؤمها.
ولما شعر الروافض بفشلها ويئسوا من نجاحها أنشأوا دارًا أخرى لنشر عقيدة الرافضة بين أهل السنة في مصر ولا تزال إلى هذا الوقت تمارس نشاطها بمختلف الأساليب وهي (جمعية أهل البيت)» اهـ.
إلا أنه قد توقف نشاط الجمعية في العام نفسه (١٣٩٩هـ/١٩٧٩م) بعد قيام الثورة الخمينية، حيث يذكر شيخهم صالح الورداني (٢) أنه «في السبعينات ظهرت جمعية آل
стр. 65
البيت وكانت الظروف مساعدة لها في البداية إلا أنه بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران انعكس موقف الحكومة المعادي لإيران عليها وصدر قرار بوقف نشاطها» (١).
يقول (٢): «صدر قرار الحكومة بوقف الجمعية في عام ٧٩، أي إن الجمعية لم تمكث على الساحة سوى ستة أعوام بدأت في ٢٢/ ٨/٧٣ وانتهت في ٢/ ١٢/٧٩ .. وجاء في قرار الوقف أن الجمعية تمثل خطورة على عقائد الناس ووحدة صفوفهم ببث أفكار غريبة تخالف الدين الإسلامي وتؤيد الفكر الشيعي. وهذا يعني أن الجمعية ارتكبت المخالفة التي تبيح حلها حسب قانون الجمعيات والمؤسسات الخاصة الذي ينص على أنه يجوز حل الجمعية في حالة مخالفة جسيمة للقانون أو إذا خالفت النظام العام والآداب .. ولم يقف الحد عند إيقاف الجمعية فقط بل تم مصادرة المسجد الوحيد التابع للجمعية والذي كان يحمل اسم (مسجد آل البيت) وضُم إلى مساجد الحكومة» اهـ (٣).
ولكن لم تتوقف المساعي الرافضية عند هذا الحد، فلقد تأسس على أنقاض دار التقريب المجمع العالمي الحالي للتقريب بين المذاهب الإسلامية؛ فيذكر تسخيري أنه «بعد نجاح الثورة الإسلامية، وبعد الانتهاء من الانشغال بالحروب والحرب التي فرضها صدام على الجمهورية الإسلامية [١٩٨٠ - ١٩٨٨م] (٤)، يعني بدأت فكرة مواصلة رسالة دار التقريب في القاهرة وتم ذلك بإنشاء المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب
стр. 66
الإسلامية، والهدف كما قلت هو إعادة الحالة إلى واقعها الطبيعي، يعني إعادة الأمة إلى عقلانيتها الأولى أيام أئمة المذاهب وأيام عصر الرسول ﵊» (١).
إضافة إلى أنه قد تم مؤخرًا إعادة افتتاح دار التقريب في مصر في مارس من عام ٢٠٠٧م، بعد توقف دام أكثر من خمسين عامًا، وتولى رئاستها الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر السابق، وتولى من الجانب الإيراني عبد الله القمني منصب الأمين العام للدار، كما تولى من سلطنة عمان من يمثل الإباضية (٢) وهو أحمد بن سعود السيابي أمين عام دار الإفتاء في سلطنة عمان.
وفي خطوة تعد تدعيمًا لإحياء نشاط دار التقريب في مصر، شارك محمد الخاتمي رئيس إيران الأسبق في أول اجتماع (سني-شيعي) تعقده الدار بالقاهرة، وذلك في مساء الجمعة ٣٠ مارس ٢٠٠٧م، حيث قال: «إن التقريب يعد نعمة متجددة، وإحياء دار التقريب بمصر له أهمية كبرى».
ومن جانبه دعا محمود عاشور - رئيس الدار - إلى عدم الفصل بين مساجد السنة والشيعة بقوله: «إن تخصيص مساجد للسنة وأخرى للشيعة يعمق الهوة والفرقة، لكن إذا اجتمعنا معًا وصلينا معًا فإننا سنتقارب وسنتحاب وسنتآزر، فليتنا نجتمع في مساجد واحدة».
قلت: رحمك الله وهداك! فما العمل إذن وقد أفتى إمامهم الخميني أن من مبطلات الصلاة: «التكفير، وهو وضع إحدى اليدين على الأخرى نحو ما يصنعه غيرنا، وهو مبطل عمدًا على الأقوى لا سهوًا، وإن كان الأحوط فيه الإعادة، ولا بأس
стр. 67
به حال التقية» (١)، والعجب كل العجب أنهم يبطلونها بذلك وقد قال رسول الله ﷺ : «إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نعجل الإفطار وأن نؤخر السحور وأن نضرب بأيماننا على شمائلنا» (٢).
ولقد أضاف الشيخ عاشور أن «أعداء الإسلام لا يفرقون بين سنة وشيعة، وهذا يقتضي منا جميعًا أن نعمل دائمًا لرأب الصدع بين السنة والشيعة إن كان هناك صدع»، وهذا جوابه يأتي في ثنايا البحث.
أما تسخيري، وقد أطلنا النفَس معه!، فقد اعتبر أن «القاهرة هي أصل وأم التقريب، وأن المجمع [العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية في طهران] على استعداد لأن يكون امتدادًا وفرعًا جديدًا لها» (٣).
إلا أنه في خبر نشرته صحيفة (المصريون) في ٩/ ١/٢٠١٠م، جاء على لسان محمود عاشور قوله: «إن هيئة التقريب بين السنة والشيعة أصيبت بالفشل والعجز في أداء مهمتها رغم عدم وجود خلافات جوهرية بين المذهبين خاصة أن الخلاف الفقهي يتركز في الفروع وليس في جوهر الدين والعقيدة» اهـ.
ولا مزيد تعليق على الكلام، حيث سنستفيض في مناقشة هذه الخلافات (الفرعية) في الباب الثاني من بحثنا ..
...
стр. 68
تجارب فردية للتقريب حفظها لنا التاريخ:
١ - مصطفى السباعي:
لم تقتصر مساعي التقريب في التاريخ المعاصر على المحاولات الجماعية، بل لقد حفظ لنا التاريخ عدة تجارب فردية فريدة! منها على سبيل المثال ما يحكيه الدكتور مصطفى السباعي ﵀ (١٩١٥ - ١٩٦٤م) عن نفسه فيقول (١): «في عام ١٩٥٣م زرت المرحوم السيد عبد الحسين (!) شرف الدين العاملي (٢)
في بيته بمدينة صور في جبل
стр. 69
عامل، وكان عنده بعض علماء الشيعة، فتحدثنا عن ضرورة جمع الكلمة، وإشاعة الوئام بين فريقي الشيعة وأهل السنة، وأن من أكبر العوامل في ذلك زيارة علماء الفريقين بعضهم بعضًا، وإصدار الكتب والمؤلفات التي تدعو إلى هذا التقارب. وكان السيد عبد الحسين متحمسًا لهذه الفكرة ومؤمنًا بها، وتم الاتفاق على عقد مؤتمر لعلماء السنة والشيعة لهذا الغرض، وخرجت من عنده وأنا فرح بما حصلت عليه من نتيجة، ثم زرت في بيروت بعض وجوه الشيعة من سياسيين وتجار وأدباء لهذا الغرض، ولكن الظروف حالت بيني وبين العمل لتحقيق هذه الفكرة، ثم ما هي فترة من الزمن حتى فوجئت بأن السيد عبد الحسين أصدر كتابًا في أبي هريرة (١) مليئًا بالسباب والشتائم، ولم يتح لي الآن قراءة هذا الكتاب الذي ما أزال أسعى للحصول على نسخة منه، ولكني علمت بما فيه مما جاء في كتاب الأستاذ محمود أبي رية [١٨٨٩ - ١٩٧٠م] (٢) من نقل بعض محتوياته ومن ثناء الأستاذ عليه لأنه يتفق مع رأيه في هذا الصحابي الجليل! لقد عجبت من موقف الأستاذ عبد الحسين في كلامه وفي كتابه معًا، ذلك الموقف الذي لا يدل على رغبة صادقة في التقارب ونسيان الماضي، وأرى الآن نفس الموقف من فريق دعاة التقريب من علماء الشيعة، إذ هم بينما يقيمون لهذه الدعوة الدور وينشئون المجلات في القاهرة، ويستكتبون فريقًا من علماء الأزهر لهذه الغاية، لم نر أثرًا لهم في الدعوة لهذا التقارب بين علماء الشيعة في العراق وإيران وغيرهما، فلا يزال القوم مصرين على ما في كتبهم من ذلك الطعن الجارح والتصوير المكذوب لما كان بين الصحابة من خلاف، كأن المقصود من دعوة التقريب هي تقريب أهل السنة إلى مذهب الشيعة، لا تقريب المذهبين بعضهما مع بعض» اهـ.
стр. 70
ويقول القفاري (١): «لقد رأينا أن شيوخهم [محمدًا] الخالصي و [عبد الحسين شرف الدين] الموسوي وغيرهما من أساطين الرفض لا يرون وحدة إلا على أساس سب الصحابة، والرجوع والتلقي عن كتب الروافض المشحونة بالإفك والبهتان. ولما قامت حركة التقريب في مصر وأعلنت أن هدفها هو إعادة الصفاء والمودة بين الطائفتين والتقريب بين أهالي المذهبين مع تمسك كل بما عنده، رأينا أن هذا مجرد شعار وواجهة وأن المنهج المرسوم الذي بدأ تنفيذه هو نشر عقيدة الرفض بين أهل السنة بوسائل وأساليب مختلفة.
ثم إن بعد دعوة التقريب هذه أخرجت مطابع الروافض عشرات الكتب التي تطعن في القرآن والسنة والصحابة والأمة .. وعلى رأس هذه الكتب كتاب (الغدير) لعبد الحسين أحمد الأميني النجفي [١٣٢٠ - ١٣٩٠هـ].
فهل هذا الطريق للتقريب سوى مجرد ستار لنشر الرفض وأن يهاجمونا ونسكت، وينشروا باطلهم ونتوقف عن نشر الحق الذي معنا؟
٢ - محمد رشيد رضا:
لقد نشر أحد شيوخ الشيعة (٢) رأيهم صراحة في هذا المنهج على صفحة مجلة (المنار) فقال (٣): "ودع عنك قول بعضهم (دعوا البحث فيما يتعلق بالدين والمذهب وهلم إلى التعاون على توحيد الكلمة وجمع الأمر قبالة المستعمر)، فإن ذلك لغو من القول وخطل من الرأي وكأنها مقالة من لا يرى الإسلام دينًا ولا يرى أن هناك حياة أخرى خالدة غير هذه الحياة وإنما يرى الإسلام رابطة قومية وجامعة سياسية فهو يدعو إليها ويحض عليها"، ثم ذكر أن الخلاف بين الفريقين هو في أرسى قواعد الإسلام وأقوى دعائمه .. وأنه لا بد من حسم ذلك بالبرهان وإلا فإن التعاون بأي شكل من الأشكال متعذر وإن
стр. 71
حدث فهو مبني على المجاملة وغير مأمون العاقبة، بمعنى أن الغدر والخيانة هي عاقبته كما يعترف هذا الرافضي (١).
وعقَّب الشيخ رشيد رضا [١٢٨٢ - ١٣٥٤هـ/١٨٦٥ - ١٩٣٥م] على رأي الشيعي هذا بأن تاريخ الشيعة مع أهل السنة يؤيده، فهو تاريخ حافل بالغدر والخيانة وممالأة الأعداء ومناصرتهم ضد أهل السنة (٢).
وقد اهتم الشيخ محمد رشيد رضا برأي (السالف الذكر) والذي لا يرى تقاربًا بأي شكل من الأشكال إلا بنزول السنة على مذهب الشيعة، وطلب من مجتهدي الشيعة أن يعلنوا رأيهم صريحًا في هذا الأمر - أي في تصريحات عبد الحسين نور الدين العاملي - على صفحات مجلة (المنار)، أو في مجلتهم العرفان فلم يجيبوه، وكأن ذلك إقرار منهم بما فيه (٣).
ولما التقى بمجتهدهم الأكبر محمد حسين آل كاشف الغطاء [١٢٩٤ - ١٣٧٣هـ] في
стр. 72
مؤتمر القدس كلَّمه في هذا الموضوع .. فأنكر ذلك بلسانه، ولم يكتب ذلك، وطلب من رشيد أن يطلب منه الكتابة في ذلك على صفحات المنار (١)، وفعلًا طلب ذلك رشيد، وجاء جواب آل كاشف الغطاء بعد ذلك مخالفًا لما قاله لرشيد في المؤتمر، فلم يعلن فيما كتبه رأيه صريحًا حاسمًا في ذلك (٢). وهذا يدل على أن الروافض لا يقبلون هذا التعاون إلا إذا كان في ذلك نشر لمذهبهم» اهـ.
٣ - علماء السعودية في عهد الملك فيصل:
ويروي القفاري كذلك (٣): «وقد حدثني سماحة الشيخ عبد الله بن حميد [ت. ١٤٠٢هـ] أن الرافضة في عهد الملك فيصل [١٣٢٤ - ١٣٩٥هـ/١٩٠٦ - ١٩٧٥م] قد أرسلوا لعلماء السعودية [رسالة] يطلبون فيها جلسة حوار معهم، فإن تبين - كما يقولون - أن الحق مع السنة اتبعه الجميع، وإن كان مع الشيعة اتبعه الجميع، وبهذا يرفع الخلاف ويكون التقارب والتآلف. فكان من إجابة علماء السعودية أنه لا مانع لدينا من ذلك ولكن لا بد من الاتفاق على أصل يرجع إليه عند الخلاف، وهو كتاب الله وصحيح السنة وعلى رأسها صحيح البخاري. وأرسلوا بذلك إليهم وانتظروا منهم الجواب ولم يصل لهم جواب» اهـ.
стр. 73
٤ - محمد الأمين الشنقيطي:
ورحم الله الشيخ محمدًا الأمين الشنقيطي (١٣٢٥ - ١٣٩٣هـ) - ويشهد طلاب الجامعة الإسلامية على موقفه - عندما أجاب بعض (آيات) الشيعة الذين جاءوا لمناظرته قال: «لو كنا نتفق على أصول واحدة لناظرتكم ولكن لنا أصول ولكم أصول وبصورة أوضح لنا دين ولكم دين، وفوق هذا كله أنتم أهل كذب ونفاق» اهـ (١).
٥ - يوسف القرضاوي:
ولا نغفل عن ذكر الموقف الشجاع - الذي أشرنا إليه منذ قليل - للدكتور يوسف القرضاوي، وصدعه بالحق في وجه أئمة الرفض المعاصرين، وتحذيره من خطر المد الشيعي واختراقهم لبلاد السنة، الأمر الذي عرَّضه لموجة حادة من الانتقادات تذكرني بموقف يهود المدينة مع عبد الله بن سلام ﵁!؛ حيث اعتبر آية الله تسخيري أن تصريحات القرضاوي ناجمة عن ضغوط الجماعات المتطرفة، وتتعارض مع أهداف الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين .. وتحت عنوان (القرضاوي وخطابه الطائفي) كتب حسن هاني زاده خبير الشئون الدولية في وكالة (مهر) الإيرانية للأنباء مقالًا قال فيه: إن الشيخ يوسف القرضاوي تحدث بلغة تتسم بالنفاق والدجل وتنبع عن أفكار تحمل الطابع الطائفي، واعتبر زاده أن تصريحات القرضاوي جاءت على لسان حاخامات يهود الذين كانوا وما زالوا يحذرون العالم من خطر المد الشيعي، لأن الخسائر التي تعرض لها الجيش الإسرائيلي في حرب يوليو عام ٢٠٠٦م جاءت على يد أبناء الطائفة الشيعية في لبنان دون غيرها (!) (٢)(٣).
стр. 74
ولقد جاء رد الدكتور القرضاوي على هذا الإسفاف في بيان دافع فيه عن موقفه، وكان مما قاله فيه (١): «ولكني أخالفهم في أصل مذهبهم وأرى أنه غير صحيح، وهو: أن النبي ﷺ أوصى لعلي بالخلافة من بعده وأن الصحابة كتموا هذا، وخانوا رسولهم، وجحدوا عليًا حقه، وأنهم تآمروا جميعًا على ذلك. والعجب أن عليًا لم يعلن ذلك على الملأ ويقاتل عن حقه. بل بايع أبا بكر وعمر وعثمان، وكان لهم معينًا ومشيرًا. فكيف لم يواجههم بالحقيقة؟ وكيف لم يجاهر بحقه؟ وكيف تنازل ابنه الحسن عن خلافته المنصوص عليها لمعاوية؟ وكيف يمدحه النبي ﷺ بذلك، وأن الله أصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين (٢)»، ثم قال: «وإني أقول الحق ولا أخاف في الله لومة لائم، ولو كنت أبيع في سوق النفاق لنافقت إيران التي تقدر أن تعطي الملايين، والتي تشتري ولاء الكثيرين بمالها، ولكني لا أشترى بكنوز الأرض، فقد اشتراني الله تعالى وبعت
стр. 75
له»، وختم البيان بقوله: «وأما ما قلته من محاولات الغزو الشيعي للمجتمعات السنية، فأنا مصرّ عليه، ولا بد من التصدي له، وإلا خُنَّا الأمانة، وفرطنا في حق الأمة علينا. وتحذيري من هذا الغزو، هو تبصير للأمة بالمخاطر التي تتهددها نتيجة هذا التهور، وهو حماية لها من الفتنة التي يُخشى أن يتطاير شررها، وتندلع نارها، فتأكل الأخضر واليابس. والعاقل من يتفادى الشر قبل وقوعه. والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل» اهـ.
وفي حوار لاحق مع الجريدة نفسها قال (١): «فلوا استمروا في ممارستهم [أي اختراق الدول السنية] ولم يتراجعوا عنها بوضوح، سأعلن التوقف عن مشاركتي في التقريب بين المذاهب، لأنه في هذه الحالة سيكون لا معنى له .. فأنا أرى أن التقريب الآن على المحك» اهـ.
...
دافعي لبحث مسألة التشيع:
حقيقة، فإن مما كان له أبلغ الأثر في دفعي لبحث (المسألة الشيعية) هو قول قرأته للدكتور محمد إسماعيل المقدم، حيث قال (٢): «إن مقولة: إن الشيعة الإمامية مذهب فقهي خامس، أحد الشعارات الكاذبة المضلة التي تفتن الناس عن دينهم، وتسهل الطريق للغزو الرافضي الفكري، وهي أحد الأفكار (الملغَّمة) التي تهدف إلى نسف منهج النبوة، وتدمير ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه ﵃، كي يُبنى على أنقاضها أساطير الرافضة وخرافاتهم، من وراء ستار التقريب الذي هو عين التخريب لعقائد المسلمين، فالتقريب في اصطلاحهم له معنى واحد لا ثاني له: ألا وهو: تقريب أهل السنة إلى عقيدة الشيعة، وإذابتهم فيهم، فهو وسيلة إلى (تصدير) دين الرافضة ليس إلا. وقائل هذه العبارة محل