يصح الرجوع عنها بعد تصرف المتهب في الموهوب، ولم تكن فدك في عهد رسول الله ﷺ في تصرف فاطمة ﵂، بل كانت في يده ﷺ يتصرف فيها تصرف المالك، فلم يكذبها أبو بكر في دعوى الهبة، ولكن يبين لها أن الهبة لا تكون سببًا للملك ما لم يتحقق القبض، فلا حاجة حينئذ إلى الشهود» اهـ.
أيضًا، فإن في هذا اتهامًا للنبي ﷺ أنه كان يفرِّق بين أولاده ﷺ ، وكيف يكون ذلك وقد جاء البشير بن سعد للنبي ﷺ فقال: «يا رسول الله، أشهد الله أني قد نحلت النعمان كذا وكذا من مالي، فقال: أَكُلّ بنيك قد نحلت مثل ما نحلت النعمان؟ فقال: لا، قال ﷺ : فأشهد على هذا غيري، ثم قال: أيسُرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ قال: بلى، قال: فلا، إذًا». وفي رواية قال ﷺ : «فلا تُشهِدني إذًا، فإني لا أشهَد على جور» (١).
ويذكر الرافضة أن فاطمة ﵍ لما مُنِعَت فدك غضبت وذهبت إلى قبر أبيها تشتكي إليه، وهذا كذب، بل ولا يليق بفاطمة ﵂، فإن الله تعالى يقول عن العبد الصالح النبي الكريم يعقوب ﵇: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٢)، فكيف يليق بفاطمة ﵂ أن تشكو بثها وحزنها إلى رسول الله ﷺ بعد موته، بل نحن نجلُّ فاطمة ﵍ ونقول: هي لا تشكو بثها وحزنها إلا إلى الله ﵎.
...
الشبهة الثالثة: آية المودة:
قال تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٣). يقول محمد مرعي الأنطاكي (ت. ١٣٨٣هـ) (٤): «فقد اتفق المفسرون من الشيعة جميعًا على نزول هذه الآية الكريمة خاصة في أهل البيت ﵈: علي وفاطمة والحسن والحسين ﵈،
стр. 632
وهكذا جاء في تفاسير السنة والجماعة، وصحاحهم ومسانيدهم»، ثم ذكر الحديث الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ أنه سُئِل عن قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فقال سعيد بن جبير: «قُربى آل محمد ﷺ » (١)، وبتر الحديث هنا ولم يكمله!
وجواب هذا: أن بقية رواية البخاري تذكر أن ابن عباس ﵄ قال لسعيد بن الجبير: «عَجِلت! إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة» (٢). قال ابن حجر (٣): «قال ابن عباس: عَجِلت، أي أسرعت في التفسير. وهذا الذي جزم به سعيد بن جبير قد جاء عنه من روايته عن ابن عباس مرفوعًا، فأخرج الطبري وابن أبي حاتم من طريق قيس بن الربيع عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت قالوا: يا رسول الله من قرابتك الذين وجبت علينا مودتهم؟ ... الحديث، وإسناده ضعيف، وهو ساقط لمخالفته هذا الحديث الصحيح، والمعنى: إلا أن تودوني لقرابتي فتحفظوني، والخطاب لقريش خاصة، والقربى قرابة العصوبة والرحم، فكأنه قال احفظوني للقرابة إن لم تتبعوني للنبوة ... والحاصل أن سعيد بن جبير ومن وافقه كعلي بن الحسين والسدي وعمرو بن شعيب فيما أخرجه الطبري عنهم حملوا الآية على أمر المخاطبين بأن يواددوا أقارب النبي ﷺ ، وابن عباس حملها على أن يواددوا النبي ﷺ من أجل القرابة التي بينهم وبينه ... ويؤيد ذلك أن السورة مكية ... ويحتمل أن يكون هذا عامًّا خص بما دلت عليه آية الباب، والمعنى أن قريشًا كانت تصل أرحامها، فلما بعث النبي ﷺ قطعوه فقال: صلوني كما تصلون غيري من أقاربكم» اهـ.
وقال ابن تيمية (٤): «جميع ما في القرآن من التوصية بحقوق ذوي قربى النبي ﷺ وذوي قربى الإنسان، إنما قيل فيها (ذوي القربى) (٥)، ولم يقل (في القربى)، فلما ذكر هنا
стр. 633
المصدر دون الاسم دل على أنه لم يُرِد ذوي القربى» اهـ.
أيضًا، فإن قولهم مردود بقول الله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (١). وهو قول الأنبياء من قبله، فهذا نوح ﵇ يقول لقومه: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢)، وكذا قال هود (٣)، وصالح (٤)، ولوط (٥)، وشعيب (٦) عليهم الصلاة والسلام أجمعين.
فالنبي ﷺ لا يسأل أجرًا، فكيف يدَّعون أن النبي ﷺ يقول لهم: أسألكم أجرًا واحدًا وهو أن تودُّوني في قرابتي؟!
...
الشبهة الرابعة: آية التطهير:
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٧). يقول ابن المطهَّر الحُلِّي (٨): «أجمع المفسرون وروى الجمهور أنها نزلت في رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين ... والكذب من الرجس، ولا خلاف في أن أمير المؤمنين ﵇ ادَّعى الخلافة لنفسه، فيكون صادقًا» اهـ.
أيضًا استدل الشيعة على ذلك بحديث الكساء، والذي رواه الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ (٩) أنها قالت: «خرج النبي ﷺ غداة وعليه مِرْطٌ مُرَحَّلٌ من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ
стр. 634
تَطْهِيرًا﴾» (١)، وقالوا: إن الله تعالى أراد أن يذهب عنهم الرجس، وما يريده الله يقع، فإذا أذهب الله عنهم الرجس صاروا معصومين، فإذا صاروا معصومين فيجب أن يكونوا هم الأولى بالخلافة من غيرهم.
والجواب كالآتي:
أولًا: هذه الآية إنما نزلت في نساء النبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا. وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٢).
فإن قالوا: «قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، ولم يقل (عنكن) ولا (يطهركن)، فدل هذا على خروج نساء النبي ﷺ من التطهير ودخول علي وفاطمة والحسن والحسين بدليل الحديث»! فالجواب: أن هذا لا يصح لأن الآية متصلة بما بعدها، وهو قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ (٣)، فالخطاب كله في هذه الآيات لنساء النبي ﷺ .
أيضًا، ذَكَر تعالى ميم الجمع بدلًا من نون النسوة لأن النساء دخل معهن النبي ﷺ ، وهو رأس أهل بيته ﷺ ، لا لأن عليًا وفاطمة والحسن والحسين ﵃ دخلوا ضمن الآية، ودليل ذلك قول الله تعالى عن زوجة إبراهيم ﵇: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾ (٤).
ثانيًا: أن معنى أهل بيت النبي ﷺ يتعدَّى زوجات النبي ﷺ ، ويتعدَّى أيضًا عليًا وفاطمة والحسن والحسين ﵃ إلى غيرهم، ودليل ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم ﵁ أنه قال: «نساؤه ﷺ من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حُرِمَ الصدقة بعده. هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس» (٥).
стр. 635
ثالثًا: أنه لا دليل على العصمة، إذ كيف تدل الآية على العصمة وقد رووا عن علي ﵁ أنه قال: «فإني لست في نفسي بفوق ما أن أخطئ ولا آمن ذلك من فعلي إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني» (١)، ورووا كذلك أنه قال للحسن ﵃: «أشفقت أن يلتبس عليك ما اختلف الناس فيه من أهوائهم وآرائهم مثل الذي التبس عليهم» (٢)، وأنه قال له أيضًا: «وإن لم يجتمع لك ما تحب من نفسك وفراغ نظرك وفكرك فاعلم أنك إنما تخبط العشواء وتتورط الظلماء وليس بطالب الدين من خبط أو خلط» (٣).
رابعًا: المقصود بالإرادة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ﴾ هي الإرادة الدينية الشرعية، وليست الإرادة الكونية القدرية، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا. يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٤).
أيضًا، فقد روى الإمام الترمذي في سننه عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبي ﷺ أنه قال ﷺ : «اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهِب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا» (٥)، فإذا كان الله تعالى أذهب عنهم الرجس لماذا يدعو لهم ﷺ بإذهابه؟! ولذا، فإن دعاء النبي ﷺ دليل على أن هذه الإرادة شرعية.
...
الشبهة الخامسة: آية الولاية:
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (٦).
стр. 636
يقول ابن المطهَّر الحُلِّي (١): «أجمعوا على نزولها في علي ﵇، وهو مذكور في الصحاح الستة، لمَّا تصدَّق بخاتمه على المسكين في الصلاة بمحضر من الصحابة، والولي: هو المتصرف. وقد أثبت الله تعالى الولاية لذاته، وشرك معه الرسول، وأمير المؤمنين، وولاية الله عامة فهكذا النبي وأولاده» اهـ.
والجواب من أوجه:
أولًا: هذه القصة ليس لها سند صحيح، ولم يثبت عن علي ﵁ أنه تصدق بالخاتم وهو راكع.
ثانيًا: هم بذلك يريدون مدحًا لعلي ﵁ فيذمُّونه، وذلك لأن الله تعالى يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٢).
ثالثًا: إن عليًا ﵁ كان فقيرًا في حياة رسول الله ﷺ ، ولم يجب عليه التصدق.
رابعًا: لو كان في هذه الآية مدحًا لمن يعطي الزكاة وهو راكع لصارت سُنَّة أن كل من يدفع الزكاة يدفعها وهو راكع لما في ذلك من مدح من الله تعالى.
خامسًا: أن المراد بالركوع في هذه الآية هو كما يقول السعدي ﵀ (٣): «أي: خاضعون لله ذليلون».
سادسًا: أن الآية جاءت بلفظ الجمع وعلي ﵁ واحد، وإن قلنا إنه يمكن أن يُذكَر الجمع ويراد به المفرد إلا أن الأصل أنه إذا أطلق الجمع أريد به الجمع إلا بقرينة، ولا قرينة هنا.
...
الشبهة السادسة: حديث المنزلة:
روى البخاري من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج إلى تبوك، واستخلف عليًا، فقال: «أتخلفني في الصبيان والنساء؟ قال ﷺ : ألا ترضى أن تكون مني
стр. 637
بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه ليس نبي بعدي» (١). فيقول الرافضة أن هذا دليل على أن عليًا ﵁ هو الخليفة بعد رسول الله ﷺ .
وهذا الاستدلال باطل، بدليل:
- أن هارون ﵇ لم يخلف موسى ﵇، بل المشهور أن هارون تُوفي قبل موسى.
- مقصود النبي ﷺ هو تشبيه موقف علي ﵁ في استخلاف الرسول ﷺ له على أهل بيته بموقف هارون ﵇ حينما ذهب موسى ﵇ لميقات ربه، فاستخلفه على بني إسرائيل.
- الرسول ﷺ استخلفه على أهل بيته خاصة، أما الوالي على المدينة فكان محمد بن مسلمة ﵁.
- أن عليًا ﵁ هو الذي جاء واشتكى للرسول ﷺ ، ولو لم يأت على النبي ﷺ لما قال له هذا الكلام.
...
الشبهة السابعة: «علي مني وأنا من علي»:
قالوا: إن قول النبي ﷺ : «علي مني وأنا من علي» دليل على أن عليًا هو الإمام بعد الرسول ﷺ . وهذا باطل؛ لأن الرسول ﷺ قال أيضًا عن جليبيب ﵁ كما في مسلم: «هذا منِّي وأنا منه» (٢)، فهل هذا يلزم أن يكون جليبيب خليفة رسول الله ﷺ ؟ بل كيف يكون ذلك والرسول ﷺ قد قالها وهو يدفن جليبيب ﵁!
...
الشبهة الثامنة: «يا رب أصحابي !»:
قول رسول الله ﷺ : «يرد علي الحوض رجال من أصحابي، فيحلؤون عنه، فأقول:
стр. 638
يا رب أصحابي؟ فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري» (١). ولقد استغل أهل البدع هذا الحديث للطعن في عدالة الصحابة ﵁.
والرد كالآتي:
- المقصود (بأصحابي) في الحديث هم المنافقون على عهد رسول الله ﷺ الذين يظهرون الإسلام، وأولئك المنافقون لم يكن يعلمهم النبي ﷺ ، بدليل قول الله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ (٢).
- المقصود بكلمة أصحابي هو المعنى اللغوي لا المعنى الاصطلاحي للكلمة، بدليل قول الرسول ﷺ لعبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول حينما أراد أن يضرب عنق أبيه المنافق لقوله «لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجن الأعز منها الأذل [يقصد محمد ﷺ ]، فقال ﷺ : دعه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» (٣).
- قال الرسول ﷺ في رواية أخرى للبخاري: «إني على الحوض حتى أنظر من يرد علي منكم، وسيؤخذ ناس دوني، فأقول: يا رب مني ومن أمتي، فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك، والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم»، فكان ابن أبي مليكة [وهو تابعي] يقول: «اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا، أو نفتن عن ديننا» (٤).
...
الشبهة التاسعة: آية الفتح:
قال الله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي
стр. 639
الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).
فيقول أهل الأهواء والبدع أن (منهم) هنا وردت للتبعيض أي (من بعضهم)، وفي هذا دليل على عدم وجوب عدالتهم، ومن ثم يفتح الباب للطعن فيهم.
وهذا افتراء محض، وجوابه:
يقول علماء التفسير إن (منهم) هنا ليست للتبعيض، وإنما هي على معنيين:
- الأول: أي من جنسهم، بدليل قول الله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (٢)، ولا يعني الله تعالى أن نجتنب بعض الأوثان ونترك بعضها لا نجتنبها، بل المطلوب أن نجتنب جميع الأوثان، و (من) هنا أي: من جنس هذه الأوثان.
- الثاني: (من) هنا مؤكدة، كما قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا﴾ (٣)، فليس معناه أن بعضه شفاء ورحمة والبعض الآخر ليس كذلك، أبدًا، بل كله شفاء ورحمه، و (من) هنا مؤكدة (٤).
أضف إلى ذلك أن الله تعالى في قوله: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ زكَّى الصحابة في ظاهرهم، وزكى باطنهم في قوله سبحانه: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾، لا كما قال في المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ (٥).
...
الشبهة العاشرة: في صلح الحديبية:
ومفادها أن النبي ﷺ لما خرج إلى عمرة الحديبية وبعد أن عقد الصلح مع قريش رجع ولم يعتمر، فأمر الصحابة ﵃ أن يحلقوا وينحروا فلم يستجب الصحابة لأمره ﷺ ، ثم انطلق حتى دخل على أم سلمة غضبان .. فيقول المبتدعة أن أصحاب الرسول ﵁ أغضبوه وأمثال هؤلاء يستحيل أن يكونوا من العدول.
стр. 640
وجواب ذلك أن يقال:
- في القصة نفسها، يقول عروة بن مسعود - كما عند البخاري -: «والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت مَلِكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمدًا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له» (١).
- الأمر لم يكن معصية من أصحاب النبي ﷺ ، ولكنهم كان لهم شوق لبيت الله الحرام، وتمنوا لو غيَّر النبي ﷺ رأيه أو أن يُنزل الله تعالى شيئًا من الوحي يأمر النبي ﷺ أن يدخل مكة، ولذلك تأخروا في تنفيذ الأمر. والدليل على ذلك ما رواه البخاري في الحديث نفسه أن النبي ﷺ ذكر لأم سلمة ﵂ ما لقي من الصحابة ﵃ فقالت له: «يا نبي الله، أتحب ذلك، اخرج لا تكلم أحدًا منهم كلمة، حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا»، وذلك لما علموا أن الأمر قد انتهى وأنه لا مجال للرجوع.
- ونقول للرافضة: أعلي ﵁ كان معهم أم لا؟ بإجماع السنة والشيعة أن علي ﵁ كان معهم، بل هو الذي كتب كتاب الصلح بين النبي ﵁ وسهيل بن عمرو، وعلي كذلك لم ينحر ولم يحلق، فما كان ذمًا لأصحاب النبي ﷺ فهو ذم لعلي ﵁، غير أن علي ﵁ رفض أمر النبي ﷺ بمحو اسمه، فهل يُذَم بهذا؟!
...
الشبهة الحادية عشرة: «إنكن صواحب يوسف»:
روى البخاري ﵀ أن النبي ﷺ قال لعائشة ﵂: «مري أبا بكر يُصَلي بالناس، فقالت: إن أبا بكر رجل أسيف (٢)، إن يقم مقامك يبك، فلا يقدر على القراءة»، فقال لها
стр. 641
النبي ﷺ : إنكن صواحب يوسف» (١)، فما معنى قوله ﷺ لعائشة ﵂؟
يريد ﷺ كما فعلت امرأة العزيز: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكًا وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ (٢)، ظاهر الأمر أنها تريد إكرام أولئك النسوة إذ أحضرت الفاكهة والسكاكين ومتكأ ليأكلن، وحقيقة الأمر أنها كانت تريد أن تريهن يوسف ﵇. فالنبي ﷺ يقول لعائشة أنت تقولين رجل أسيف وأنت ما تريدين أنه رجل أسيف، ولكن أنت تريدين شيئًا آخر في نفسك، وقد صرحت عائشة ﵂ بهذا فقالت كما في البخاري: «لقد راجعت رسول الله ﷺ في ذلك، وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلًا قام مقامه أبدًا، ولا كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به، فأردت أن يعدل ذلك رسول الله ﷺ عن أبي بكر»، فهذا معنى قول النبي ﷺ «إنكن صواحب يوسف».
...
الشبهة الثانية عشرة: «هلم أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده»:
روى البخاري بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: «لما حضر رسول الله ﷺ وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي ﷺ : هلُّم أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده. فقال عمر: إن النبي ﷺ قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول قرِّبوا يكتب لكم النبي ﷺ كتابًا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي ﷺ ، قال رسول الله ﷺ : قوموا» (٣).
استغل المبتدعة هذا الحديث للطعن في عمر ﵁ من وجوه، منها: أنه رد قول النبي ﷺ وأقواله كلها وحي، لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ
стр. 642
يُوحَى﴾ (١)، وردّ الوحي كُفر لقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢).
والجواب: أن هذا القول صدر من الفاروق ﵁ ولم يقصد به أن يَرُدّ قوله ﷺ ، بل قصد راحته ورفع الحرج عنه ﷺ في حال شدة المرض، إذ كل محب لا يرضى أن يتعب محبوبه ولا سيما في المرض، مع عدم كون ذلك أمرًا ضروريًا، ولم يخاطب بذلك الرسول ﷺ بل خاطب الحاضرين تأدبًا، وأثبت الاستغناء عن ذلك بقول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (٣)، والذي به انسد باب النسخ والتبديل والزيادة والنقصان في الدين (٤).
...
كانت هذه نبذة يسيرة عن الرافضة وعن عقائد أسلافهم، حيث أن هذا الكتاب لا يسع ذلك على سبيل الاستقصاء. ويعلم الله تعالى ما كابدت من أجل الوصول إلى أعالي الأسانيد توثيقًا لما ذكرت، وذلك كي لا يقول قائل أن ما ذكرته هو من جملة الافتراءات والتشنيع عليهم.
ولئن طالتني ألسنة الجرح، فأقول كما قال الشاعر:
قيل إن الإله ذو ولد ... قيل إن الرسول قد كهنا
ما نجا الله والرسول معًا ... من لسان الورى فكيف أنا؟!
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (٥)
...
стр. 643
الخاتمة
стр. 644
- - ﴿الخاتمة﴾ - -
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد ..
فهذا ما انتهيت إليه بفضل الله تعالى وحده وتوفيقه، و ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ﴾ (١)، فما كان فيه من صواب فمن الله ، وما كان من خطأ أو نسيان فمن نفسي ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكِّر به وأنساه، فإني ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (٢). وما أجمل ما كتبه القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني (٥٢٦ - ٥٩٦هـ) للعماد الأصفهاني (٥١٩ - ٥٩٧هـ) فقال (٣): «إني رأيت أنه لا يكتُب إنسان كتابًا في يوم إلا قال غَدِهِ لو غُيِّر هذا لكان أحسن، ولو زِيدَ لكان يُستَحْسَن، ولو قُدِّم هذا لكان أفضل، ولو تُرِكَ هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العِبَر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر» اهـ.
فيا أيها العزيز قد جئتك ببضاعة مزجاة فأوف لي الكيل وتصدق عليَّ، إنك أنت العفو الكريم
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك
وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين
تقريظ الشيخ أحمد السيسي
حفظه الله تعالى
هذا كتاب جديد يشق طريقه فى عالم المطبوعات إلى صدور المكتبات، يحمل بصمة شابة هو الدكتور عمرو كامل، الذى واصل التنقير والتفتيش وجرد المراجع خلال خمس سنوات، حتى استطاع إكمال البحث الشامل فى موضوع حيوي جدير بالبحث والدراسة، وأنصح إخوانى بقراءة هذا الكتاب لاكتشاف معالمه والانتفاع بمادته، وهو كتاب: حصان طروادة: الغارة الفكرية على الديار السنية.
أحمد السيسي
٢١ جمادى الأولى ١٤٣٢هـ
٢٤ إبريل ٢٠١١م